← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

وإنْ تكُنْ تربَعُ / ذا ثانٍ سَكَنْ دالٌّ على أن الحكم المذكور إنما هو ثابت فيما لم يكن كذلك، فإذا ما كان منه محرك الثاني، فحكمه حكم ما كانت ألفه فيه خامسةٌ فصاعداً، وهو وجوب الحذف، فتقول في بَشَكَى: بَشَكِيٌّ، وفي مَرَطَى: مَرَطِيٌّ، وفي جَمَزَى: جَمَزِيٌّ، ولا يجوز أن تقول: جَمَزَوٍيٌّ؛ وذلك لاستثقال توالي أربع متحركات، وإذا كان الحذف في نحو: حُبْلَى جيداً كما سيأتي، فالواجب أن يُلتَزم الحذف في نحو: جَمَزَى، وهذا مما جعل النحويون الحركةَ فيه تنزل منزلة الحرف؛ إذ عاملوا نحو: جَمَزَى معاملة نحو: حُبَارى في لزوم حذف الألف. والوجه الثاني: أن يكون الحرف الثاني ساكناً، وذلك قوله"وإنْ تكُنْ تربَعُ اثانٍ سَكَنْ" إلى آخره، تربُع: معناه تصيِّره ذا أربعة أحرف، ولا يكون الاسم إذ ذاك إلا ثلاثياً، تقول: رَبَعتُ الثلاثة: إذا صيَّرتَهُم أربعة، فيريد: أن الألف التي للتأنيث إذا كانت رابعةً في اسمٍ ساكنِ الثاني فإن لك فيه وجهين حسنين عنده: أحدهما: قلب الألف واواً في حُبْلَى: حُبْلَوِيٌّ، وفي بُشْرى: بُشْرَويٌّ، وفي ذكرى: ذِكْرَويٌّ، ونحو ذلك، ووجه هذا العمل

стр. 4307

إلحاقُ الألف الزائدة بالمنقبلة عن أصل؛ إذ حكمها القلب في الوجه المختار لا الحذف، كما سيذكره إثر هذا، فكما قالوا في مَلْهًى: مَلْهَوِيٌّ، كذلك قالوا في حُبْلَى: حُبْلَويٌّ، وفي حقيقة التدريج إنما قُلِبت حملاً على ألف الإلحاق المحمولةِ على الالف المنقلبة عن الأصل، ولكنَّ سيبويه إنما ذكر ما تقدم، إذ كانت ألف التأنيث قد بنيت عليها الكلمة، والكلمة شبيهةٌ بملهًى ونحوه، في الحركة والسكون وعدة الحروف، فحملوها عليه لذلك. والثاني: حذف الألف رأساً كالخامسة والسادسة، فتقول: حُبْلِيٌّ، وبُشْرِيٌّ، وذِكْرِيٌّ في: حُبلى، وبُشرى، وذِكرى، ومن السماع في ذلك قولهم في سِلَّى: سِلِّيٌّ، وأنشد سيبويه لساعدةَ بن جؤيَّةَ: كأنما يقع البصري بينهمُ من الطوائفِ والأعناقِ بالوَذَمِ وأنشد أو عبيد لأوس بن حجر:

стр. 4308

يعْلُونَ بالقَلَعِ البصري هامَهُمُ ويَخرجُ الفَسْوُ من تحت الدَّقاريرِ فنسب إلى بُصْرَى بالحذف، ووجه الحذف أن الألف زائدة غير أصلة، ولا ملحقة بأصل، فأرادوا أن يفرقوا بينهما، ويجعلوا الحذف حظ الزائد على الإطلاق؛ لأنه أولى به من / الأصلي؛ إذ كان في حذف الأصل خرمُ البنية. هذا تعليل سيبويه بالمعنى، وأيضاً فحُمِلت ألف التأنيث في الحذف على التاء، وقد تقدم وجوب حذفها لاختصاصها بعلةٍ تناسب الوجوبَ بخلاف هذه، فكان الحذفُ فيها جائزاً لا واجباً، وقوله: فقَلبُهَا واواً وحَذْفُها حَسَنْ تسويةٌ منه بين الوجهين، وليس في تقديم ما قُدِّمَ ما يُشعر برجحانه، بل الظاهر فيه التسوية بينهما في الاستحسان، إلا أنه معتَرَضٌ عليه من أوجه: أنه ذكر وجهين من ثلاثة، وكان من حقِّه إذا أراد الاقتصار على بعضها أن يقتصر على ما هو أشهر من غيره، ويتركَ الأقلَّ في الاستعمال، وهو لم يفعل ذلك، بل ذكر الأقلَّ، وتركَ ما هو أكثر وأشهر منها، وذلك أن النسب إلى نحو: حُبْلَى

стр. 4309

ثلاثة أوجه: أحدها: الحذفُ، كما تقدم ذكره. والثاني: إثباتها وزيادةُ ألفٍ قبلها، فتقول: حُبْلاويٌّ، ودِفْلاوِيٌّ، وقالت العرب في النسب إلى دهنا: دَهْناوِيٌّ، وإلى دنيا: دُنْياويٌّ، فرَّقوا بزيادة هذه الألف بين هذه الألف والألف المنقلبة عن أصلٍ، كذا قال سيبويه، وأيضاً فعاملوه معاملة الممدود كما سوَّوا بينهما في الجمع، إذ قالوا في صحراء: صَحَارَى، كما قالوا في حُبْلى: حَبَالَى. والثالث: قلبها واواً من غير زادة ألفٍ، كما تقدم. وهذه الأوجه الثلاثة في الجودة والكثرة على هذا الترتيب، فالأول أجودها، ثم يليه الثاني، ثم الثالث، وبهذا الترتيب رتبها سيبويه في الذكر، وأشار المؤلف إلى هذا الترتيب في التسهيل فذَكَرَ الحذف في ألف التأنيث مطلقاً في الرابعة فما زاد، ثم قال: "وربَّما حذفت الألف الرابعة كائنةً لغير التأنيث، وقلبت كائنة له فيما يسكنُ ثانيه، وقد تُزاد ألفٌ قبل بدلها وبدل الرابعة التي للإلحاق"، فجعل

стр. 4310

القلب [في] نحو: حُبْلَى نادراً؛ إذ أتى فيه بـ"ربَّما"، وجهل زيادة الألف مع القلب أكثر قليلاً من القلب وحده؛ إذ قال: "وقد"، والتعبير بـ"ربَّما" يعطي من الندور والقلة ما لا يعطيه التعبير بـ"قد"، فهو موافق لما ذكره غيره، فالدَّرَكُ عليه في هذا الموضع من وجهين: أحدهما: أنه جعل الأقل مساوياً في الحسن للأكثر. والثاني: أنه ترك ذكر ما هو أكثر من ذلك الأقلِّ /، على أن كلام السيرافي يشعر بأن القلبَ مع إلحاق ألفٍ وعدمِ إلحاقها متساويان؛ إذ قال: إنَّ الأجودَ حُبلِيٌّ ثم حُبلاويٌّ، وقد يعتذرُ عنه بعذرٍ بعيدٍ، وإن كان ممكناً، وهو أن ما ذكر من الوجهين مسموهٌ مقيسٌ، وإن كان أحدهما أكثرَ وأشهرَ من الآخر، لكن ذلك لا يُخرج الآخرَ عن كونه مقيساً، فأطلق عليهما لفظ الحسن بهذا الاعتبار، وأيضاً فهما في النظر القياسي كما قال؛ لأن كل واحد من الحذف والقلب على نظر مستقيمٍ اعتباراً بالشبه بالأصلية، فلا تحذف بل تقلب، أو إلحاقاً للرابعة بما فوقها بخلاف زيادة الالف من غير موجب، فإنه على غير قياس، بل هو شبيه بتغييرات النسب السَّماعية، كقولهم في زبينة: زَبَانيٌّ، وما أشبه ذلك، ومن هنا يخرج الجواب عن الاعتراض الثاني، فإنه لما خرج عن الحكم القياسي لم يعتبره،

стр. 4311

وجعله داخلاً تحت قوله: وغيرُ ما أسْلفتُهُ مقرراً على الذي يُنقَلُ فيه اقتُصرا ثم أخذ يذكر باقي أقسام الألف؛ لأن الألف في آخر الاسم على ثلاثة أقسام: زائدة للتأنيث، وهي التي فرغ من ذكرها، وزائدة للإلحاق، ومنقلبة عن أصل، وضمهما في كلامه فقال: لشِبْهِهَا المُلحِقِ والأصلي ما لها وللأصلي قَلْبٌ يُعْتَمَى والألفَ الحائزَ أربعاً أَزِلْ كذاكَ يا المنقوصِ خامساً عُزِلْ والحذفُ في اليا رابعاً أحقُّ مِنْ قلبٍ وحَتْمٌ قلبٌ ثالثٍ يَعِنّ الضمير في "شبهها" عائدٌ على الألف التي تربع الكلمة، وهي التي قال فيها: وإنْ تكُنْ ترْبَعُ ذا ثانٍ سَكَنْ فيعني أن ما كان من الألفات الزائدة للإلحاق، أو التي هي أصلية غير زائدة شبيهاً بالالف المتقدمة الذكر قريباً، فإن حكمها في الحذف أو القلب في النسب حكم تلك الألف، إذا وُجد الشبه المشارُ إليه؛ وهو كون الألف رابعة، وقد تقدم هنالك أن فيها وجهين: حذفَ الألف، وقلبها واواً، فكذلك يكون الأمر هنا، فأما الأصلية فنحو: ملهًى، ومغزًى، ومدعًى، ومرمًى، فتعاملها معاملة الزائدة للتأنيث، تشبيها لها بها؛ لأنها رابعة مثلها، قبلها ثلاثة أحرف، وهي أيضاً غير أصل

стр. 4312

بنفسها؛ لأن حقيقتها أنها منقلبة عن أصلٍ؛ إذ لا تكون / الألف أصلاً بنفسها، في معربٍ أصلاً، ولذلك يكون قول الناظم: "والأصلي" مجازاً؛ إذ ليس بأصليٍّ، بل هو منقلبٌ عنه، لكن مثل هذا التوسُّع قريبٌ /، وتقول في القلب: مَلْهَوِيٌّ، ومَغْزَويٌّ، ومَدْعَوِيٌّ، ومَرَمَوِيٌّ، فتقلب الألف واواً مطلقاً، وسواءٌ في هذا القلب ما كان أصله الواو أو الياء، كما تقدم تمثيله لاستثقال توالي الياءات، لو قلت في مرمًى: مَرْمَيِيٌّ، وكذلك إذا عاملت في مَدْعًى ومَغْزًى أصلها القريب، وهو الياء؛ لأن حقيقة الألف فيها الانقلاب عن الياء المنقلبة عن الواو لوقوعها رابعةٌ بعد فتحةٍ في اسمٍ على مثال الفعل/ كما سيأتي في التصريف، إن شاء الله تعالى. فالواو في: مَلْهوِيٌّ بدل من ألفٍ بدلٍ من ياءٍ بدلٍ من واوٍ، وفي مرْمَوِيٌّ بدل من ألف بدلٍ من ياء، وترك الحذف هنا هو الأصل؛ لأن الألف من أصل الكلمة، فالحذف فيها على غير الأصل، قال سيبويه: "فهذا يجري مَجْرى ما كان على ثلاثة أحرف، وكأن آخرُهُ ألفاً مبدَلةً من حرفٍ من نفس الكلمة، نحو: حصًى، ورحًى"، وحكى من هذا في أعيا: أعْيَوِيٌّ، وفي أحوَى: أَحْوَوِيٌّ.

стр. 4313

وأما الألف التي للإلحاق فنحو: مِعْزًى، وأرْطًى على من قال: أديمٌ مأروطٌ، وتقول في الحذف: مِعْزِيٌّ، وأَرْطِيٌّ، وإنما حذفت لشبهها بألف التأنيث من الوجه الذي أشبهتها الألف الأصلية، وتزيد عليها ألف الإلحاق بالاجتماع في الزيادة، فتمكن وجه الحذف، وتقول في الإثبات والقلب مَعْزَوِيٌّ، وأرْطَوِيٌّ، وهو الأجود عندهم، ووجهُهُ معاملتها معاملة ما هو منقلب عن أصل؛ لأن الألف هنا في مقابلة الأصل، كما أن الهمزة المنقلبة عن الملحق بالأصل كعِلْبَاءٍ، بمنزلة الألف المنقلبة عن الأصل ككساءٍ، على ما سيأتي ذكره، إن شاء الله. وهذا معنى تعليل سيبويه على ما نقل عن يونس قال: "ولا يكون أسوأ حالاً في ذا من حُبْلَى" يعني أن حُبْلَى قد أُثبتت فيها الألفُ وهي زائدة زيادة محضة لا في مقابلة أصلٍ في أحد الوجهين، فلو لم تثْبت ألف الإلحاق مع أنها في مقابلة أصل لكانت أسوأ حالاً منها، وهو تعليل ظاهر، ولما ذكر حكم هذين الألفين، وأحال بذلك على ألف التأنيث، وكان قد قدم في ألف التأنيث / وجهين على تساوٍ كما تقرر قبل، خاف أن يُتوهمَ مثل ذلك هنا، فبيَّنَ ما أراد من تفضلي أحد الوجهين على الآخر، فقال: "وللأصليِّ قلبٌ يُعْتَمَى" أي: يختار، يعني: أن الألف الأصلي أي: المنقلبَ عن

стр. 4314

الأصل، يختار فيه من الوجهين القلب. وأما الحذف فليس بمختار، وما اختاره هو المختار عند غيره؛ وذلك أن سيبويه قرر أولاً في مثل هذا القلب، ثم قال بعد ذلك: "فإن قلت في مَلْهًى: مَلْهِيٌّ لم أر بذلك بأساً"، فجعل الحذفَ تابعاً لما تقدم أولاً أنه الباب وهو القلبُ، وكذلك نصَّ غيره على أنه الأجود، ووجهُهُ ظاهر من جهة كونه أصلاً، بخلاف الزائد؛ فإن الحذف فيه أجودُ من جهة كونه زائداً، وقد تقدم هذا المعنى، وهذا في الأصلي. وأما الملحق فلم يختر فيه هنا شيئاً، فالظاهر أنه الوجهين فيه عنده متساويان أو مسكوتٌ عنهما كما تقدم تفسيره عند قوله: فقَلبُهَا واواً وحَذْفُها حَسَنْ ولا شك أن الحذف في ألف الإلحاق أمثلُ منه في الأصلية، والإثباتُ فيها أجودُ منه في ألف التأنيث، وإحالته في الألفين معاً على ما تقدم من الوجهيم في ألف التأنيث، يؤذِنُ بأن الوجه الثالث فيهما غير معتبرٍ عنده، أما في ألف الإلحاق فلأنه لم يحكِ فيه سيبويه أرْطاويٌّ، وإنما حكاه أبو علي عن أبي زيد الأنصاري، فهو على

стр. 4315

الجملة قليلٌ، وأما في الألف الأصلية فلم يُسْمَع، وإنما قاسه السيرافي على مسألة حُبْلاوي، فأجاز: مَلْهَاوي، قالوا: وهو قياس ضعيف، فلم يتعرض الناظم لهذا الوجه لما فيه من مخالفة القياس، ولقلته أو عدمه سماعاً، ويقال: اعتَمَيتُ الشَّيءَ بمعنى: اخترتُهُ، قال الجوهري: وهو قلب الاعتيام، فيقال: اعتام الرجل: إذا أخذ العِيمَةَ بالكسر، وهو خيال المال، ورجلٌ عَيْمَانُ أيْمَانُ أي: ذهبت إبِلُهُ، وماتت امرأتُهُ. ثم يتصدى النظر إلى كلام الناظم هنا من جهة أن ما تقدم من الحكم في هذه الألف الأصلية والملحقة هو غيرُ مقيَّدٍ عند النحويين بشيء، غير بكون الألف رابعةً خاصةً، وقد نص عليه، والناظم قد أحال به على ما يعطي بنصه قيداً ثانياً زائداً إلى الأول، وذلك أنه أحال على قوله أولاً: وإن تَكُنْ تربَعُ ذا ثانٍ سَكَنْ وهذا له قيدان: / كون الألف رابعةً، وكون الاسم الذي هي فيه

стр. 4316

ساكنَ الثاني، وإذا كان كذلك فهو قد قال بعد: لشِبْهِهَا المُلحِقِ والأصلي ما لها ... ... ... ... ... ... والشبهُ إنما يكون مع استيفاء كلا القيدين، لكن قيد سكون الثاني غير معتبرٍ في المشبَّه أصلاً، بل الحكم كذلك، ولو فرَضْتَهُ مُحرَّكَ الثاني، فظهر الخلل في هذه الإحالة التي أحالها. والجواب: أن يقال: إنما نلتزمُ أولاً القيدين معاً، ونقول: لا بدَّ منهما وإن لم يذكر النحويون الثاني منهما، وذلك أن ما فيه الألف رابعةً إذا كانت للتأنيث فإن سكون الثاني وتحريكه موجودٌ فيه، كما تقدم، نحو: مرطًى، وحُبْلًى؛ إذ لا يلزم على ذلك محذورٌ بخلاف ما إذا كانت أصليَّةٌ أو ملحَقَةً، فإن تحريك الثاني غير موجودٍ في كلام العرب لما يلزمُ عليه من توالي أربع حركات في كلمة واحدة، وقد حصر الناظم أبنية الرباعي في أول التصريف، فلم يذكر فيها نحو: جَعَفَرٍ، وإنما يأتي ذلك لعارض حذفٍ كعُلَبْطٍ وذَلَذِلٍ، أو زيادة في تقدير الانفصال كشجرةٍ، وأما أن يأتي في أصل بناءٍ فلا، فنحو:

стр. 4317

ملْهًى، الألف فيها منقلبةٌ عن حرفٍ متحركٍ، وألف أرطًى في مقابلة متحرك، فلو قدَّرنا تحريك الثاني منهما، لكان تقديراً لوجود أربع حركات متوالية في بناءٍ أصليٍّ. فإن قلتَ: قد توالت أربعُ حركاتٍ في نحو: مَرَطًى؛ لأن ألف التأنيث لا بدَّ من تقدير الإعراب فيها فتساويا، فلِمَ نفيتَ ذلك عن الوجود؟ فهذا ليس من المعاني المرادة في هذا الباب، وإنما موضعها التصريف، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى. فإذا ثبت ذلك لم يضرنا التقييد بسكون الثاني، إذ ليس ثمَّ متحركٌ يُتَوَهَّمُ مخالفةُ حكمه لهذا الحكم، وعلى هذا نقول ثانياً: إنَّ ذلك القيدَ في كلامه غيرُ معتَبَرٍ؛ إذ ليس ثَمَّ ما يتحرزُ به منه بنصِّ كلامه في حصر الأبنية في التصريف، فكلامه مفسَّرٌ بكلامه، فرجع الأمر إلى ما ذكره النحويون من إهمال قيدِ سكون الثاني، والاقتصار على اعتبار القيد الآخر، وكل ما تقدم إنما هو فيما إذا كانت الألف رابعةً، فإن زادت الأحرفُ قبلها بأن تكون خامسةً، فذلك قوله: والألِفَ الحائِزَ أربعاً أَزِلْ الألف منصوبٌ بأزِلْ، أي: / أزِلِ الألفَ الحائزَ أربعاً، والأربع أتى به مؤنثاً، والمراد الأحرف؛ لأن ذلك جائز، وقد تقدم مثلُهُ، والاستشهاد عليه، والحائز للشيء هو الذي يضمُّه إلى نفسه، وكل من ضمَّ إلى نفسه شيئاً فقد حازه حوزاً وحِيازةً واحتازه أيضاً، وأصلُهُ

стр. 4318

الجمع، فالألف الحائز في كلامه هو الذي جمع إليه أربعة أحرفٍ، فيكون هو الخامس، يريد: أن الألف إذا كانت خامسة في الكلمة، فإن حذفها في النسب واجبٌ مطلقاً؛ لقوله: "أزِل"، ولم يقيد ذلك بقيدٍ، ولا ذكر وجهاً آخر من الإثبات، والألف في كلامه هي: ما عدا ألف التأنيث، فإن ألف التأنيث قد تقدم ذكرها، فلا وجه لإعادة ذكرها، فبقي ما كان من الألفات دون ذلك، فالأصلية نحو: مُرَامًى، ومُشْتَرًى، ومُقْتَنًى، تقول في النسب إليه: مُرَامِيٌّ، وفي مُشْتَرًى: مُشْتَريٌّ، وفي مُقْتَنًى: مُقْتَنِيٌّ، ونحو ذلك، والملحقة نحو: حَبَرْكًى، وجَلَعْبًى، وحَبَنْطًى، تقول فيه: حَبَرْكِيٌّ، وجَلَعْبِيٌّ، وحَبَنْطِيٌّ، فتحذف ولا تثبتها أصلاً، وإنماحذفت، وقد كان لإثباتها وجهٌ لمكان الأصلية، أو مقابلة الأصلي، استثقالاً للكلمة مع ثبوتها؛ إذ كانوا قد حذفوا الرابعة جوازاً في مَلْهًى وحُبْلَى، فليجب هنا؛ لأنها خاسمة، فالثقل مع إثباتها أكثر، وأيضاً فشبهوا هذه الألفات بألف التأنيث فحذفوها، كما حذفوها، وعلَّةُ الحذف في ألف التأنيث متمكنة وحملوا هذه عليها؛ إذا كان من شأنهم تشبيه الشيء بالشيء، وإن لم يكن مثله في جميع الأشياء، وأيضاً فقال يونس

стр. 4319

وسأله سيبويه عن المسألة: لو قلتَ: مُرَامَوِيٌّ لقلتَ في حبارى: حُبارَوِيٌّ، يعني: أنه كان يجب أن تحمل ألف التأنيث على الأصلية في الإثبات كما أجازوا في حُبْلَى: حُبْلَوِيٌّ، حملاً على قولهم في مَلْهًى: مَلْهَوِيٌّ، ثم قال: ولو قلتَ ذا لقلتَ في مُقْلَوْلًى: مُقْلَولَوِيٌّ، وهذا لا يقوله أحدٌ؛ إنما يقولون: مُقْلَوْلِيٌّ كما تقول: في يَهْيَرَّى: يَهْيَرِّيٌّ، يعني: لو لم تستثقل الخامسة، فأثبتها لم تستثقل السادسة، ولا يقول هذا أحدٌ من العرب قال: فإذا سُوِّيَ بين هذا رابعاً وبين ما الألف فيه زائدةٌ، نحو: حُبْلَى، لم يجز إلا أن تجعلَ ما كان من نفس الحرف إذا كان خامساً بمنزلة حُبَارَى، ثم يتعلق النظر هنا في مسألتين: إحداهما: / أن ما ذكر من الحكم في الألف الخامسة حكم مطلق لم يقيد بشيء، وهذا مذهب الجمهور، وذهب يونس إلى التفرقة بين أن يكون ما قبل الألف مشدداً أو لا، فإن لم يكن كذلك فالحكم ما تقدَّم، وإن كان ما قبلها مشدداً نحو: مُثَنًّى ومُعَلًّى

стр. 4320

ومُعَدًّى، وما أشبهه مما الألف فيه أصلية، فحكمه عنده حكم ما الألف فيه رابعة، نحو: مِعْزًى، ومُعْطًى، فيجوز فيه الوجهان على ما تقدَّم، ولا يلزم الحذف، أما إن كانت الألف فيه زائدةً نحو: زِمِكَّى، وعِبِدَّى، فإن السيرافي قد أشار إلى أن مذهب يونس فيها كمذهب غيره، ولذلك ألزمه سيبويه أن يقول في عِبِدَّى: عِبِدَّوِي، كما جاز في حُبْلَى: حُبْلَويٌّ، وذلك أن يونس اعتبر الصورة في الدال وهي صورة لحرف واحد، وأن اللسان يرتفع بالمدغم ارتفاعةً واحدةً فأُجريَ مُجْرَى الحرف الواحد، قال سيبويه: "ينبغي له أن يجيز في عِبِدَّى: عِبِدَّوِيٌّ، كما جاز في حُبْلَى: حُبْلَوِيٌّ، ثم ألزمه أيضاً أنه إن سمَّى رجلاً باسمٍ مؤنث على وزن معَدٍّ مدغم أن يصرفه كما يصرف قَدَماً اسم رجل، فيجعل المدغم كحرف واحد، وهو

стр. 4321

إلزامٌ من سيبويه صحيح، ثم بين سيبويه أن الحرف المدغم حرفان لا حرف واحد، وكذلك هو في بناء الشعر مسحوب بحرفين. وقد انتصر الفارسي ليونس، وأجاب عمَّا ألزمه سيبويه، فانظر فيه ثَمَّة. فالناظم لمَّا لم يفرق في هذه الألف اقتضى أن مذهبه مذهب الجماعة، وكذلك مذهبه في "التسهيل". والمسألة الثانية: فيما يقتضيه هذا النظم في الألف السادسة والسابعة، والذي يظهر أولاً أنه سكت عن حكم ذلك اتكالاً على فهم حكمه مما تقدم؛ لأنه إذا كان حكم الخامسة وجوبَ الحذف، فمن باب أولى أن يكون الحذف ثابتاً للسادسة والسابعة، وهذا المنزَع ظاهر، وقد يقال إن حكم السادسة والسابعة نصوصٌ عليه بحسب مقتضى اللفظ، وذلك أن الألف الحائزة للخمسة فصاعداً حائزة للأربعة، وهو قد قال: والألِفَ الحائزَ أربعاً أَزِلْ فاقتضى محصول هذا اللفظ الحذف في الحائز للخمسة لأنه ما كان حائزاً لها إلا وهو حائز لما تحتها، فهذا أيضاً قد يقال، وهو منزَعٌ لفظيٌّ، / والأول منزَعٌ معنويٌّ.

стр. 4322

والمسألة الثالثة: وهي أن لفظه يدخل له تحته ألف التكثير، فيكون حكمها الحذف، وذلك أنه قال: "والألف الحائز أربعاً"، فدخل تحته كل ألف إلا ما قدم من ألف التأنيث. والألفات أربعُ أنواع: ألف التأنيث، وألف الإلحاق، والألف الأصلية، وألف التكسير، نحو: قَبَعْثَرًى، وضَبَغْطَرًى، فتقول فيه: قَبَعْثَرِيٌّ، وضَبَغْطَرِيٌّ بمقتضى لفظه، وهو صحيح، ووجه الحذف ما تقدم من الاستثقال مع أنها زائدة، فهي أولى بالحذف من الأصلية كألف التأنيث، ثمَّ لما أتمَّ الكلا على الألف انتقل منها إلى حكم الياء فقال: كَذَاكَ يا المنقوصِ خامساً عُزِلْ إلى آخره. المنقوص في كلامه المراد به ما كان آخره ياء قبلها كسرةٌ، وهو عند المتأخرين المنقوص بقياس، وذلك لنقصان يائه إذا التقت ساكنةً مع التنوين، نحو: قاضٍ، وغازٍ، وإذا ثبت هذا عَلِمَ أن النحويين يقسمون الاسم ههنا إلى أربعة أقسام: أحدها: ما كانت الياء فيه ثانيةً، نحو: في زيدٍ، وذي مالٍ، وشِيَة، وما أشبه ذلك. والثاني: ما كانت الياء فيه ثالثة، نحو: عَمٍ، وشَجٍ.

стр. 4323

والثالث: ما كانت فيه رابعةً نحو: قاضٍ وغازٍ وداعٍ. والرابع: ما كانت فيه خامسةً فصاعداً، نحو: مُشَترٍ، ومُهْتَدٍ، ومُسْتَدْعٍ، ومتقاضٍ، وما أشبه ذلك، ولكلِّ واحد من هذه الأقسام حكمٌ مختصٌّ به ذكروه، والناظم إنما ذكر هنا ثلاثة أقسام، وهي: ما كانت الياء ثالثة وما بعده، ولم يذكر الأول هنا، بل ذكره قريباً من آخر الباب في قوله: وَضَاعِفِ الثاني مِن ثُنَائِيّ ثانِيهِ ذُو لينٍ كَلاَ ولاَئِيّ إلى آخر المسألة. وكان من حقه أن يذكره هنا، كما فعل غيره من هؤلاء المتأخرين، لكن اتبع الناظم في ذلك لفظ المنقوص، وذلك أن ما الياء فيه ثانيةٌ ما حُذف منه حرفٌ فصار لذل ثنائياً كشِيَةٍ، أصله: وِشْيَةٌ، وفي زَيدٍ، أصله: فو زَيدٍ، وفا زَيدٍ، وذو مال، وذا مال، فكأن الناظم لم يأت هنا إلا بما دخل تحت لفظ المنقوص، ثم ذكر الثنائي على حده، وأما من أتى / من النحويين بأربعة الأقسام، فإنا أتى بها من حيث قَسَمَ ما آخره ياء، لا المنقوص المصطلح عليه، فكلٌّ اتبع طريقاً صحيحاً. وبدأ الناظم بالخماسي، وهو الذي الياء فيه خامسةٌ فقال: كَذَاكَ يا المنقوصِ خامساً عُزِلْ وقد دخل له بالمعنى ما فوق الخماسي؛ لأنه إذا كان الحذف

стр. 4324

يتوجّه على الياء خامسةً للاستثقال، فأولى أن يتوجّه إذا كانت سادسةً، ويعني: أن الياء التي قبلها كسرة إذا كان قبلها أربعة أحرف فوقعت خامسة، فإنها تُعزل في النسب؛ أي: تحذف وجوباً، فتقول في مشترٍ: مُشْتَرِيٌّ، وفي مُعْتَدٍ: مُعْتَدِيٌّ، وفي منقض: منقضيٌّ، ونحو ذلك، ولا تقول: مشتَرَوِيٌّ، ولا مُعتَدَوِيٌّ، ولا مُنقَضَوِيٌّ، وفي صحارٍ: صحاريٌّ، وفي ثمانٍ: ثمانيٌّ، وفي يمانٍ: يمانيٌّ، إذا سميتَ بذلك كله، إلا أن الحذف في ثمانٍ ويمان على غير جهة الحذف في صحارٍ ومشترٍ، كما سيذكر، وكذلك تقول في مستدعٍ: مستدعيٌّ، وفي متقاضٍ: متقاضيٌّ، وما أشبه ذلك، ولا تبقي الياء؛ لِمَا في بقائها من الثقل، ولِمَا في الياء من السكون مع سكون ياء النسب الأولى فيلتقي ساكنان، والقلب لا يكن؛ لأنه لا يكون إلا مع فتح ما قبلها، وهو غير جائزٍ؛ إذ لا موجب له، وأما الفتح في تغلَبيٌّ فله وجهٌ، على أنه مسموعٌ على ظاهر كلام الخليل، كما سيذكر بحول الله تعالى، ولا يمكن أيضاً تحريك الياء بالكسر؛ لما في ذلك من الثقل، كذلك لم يجيزوا في رحًى: رحَيِيٌّ، فلم يبق إلا الحذف فحذفوها، وأما ياء يمانٍ فهي ياء نسب، فوب أن تحذف لدخول ياء النسب الطارئة، كما تقدم ذكره، وياء ثمان لاحقةٌ في الحكم

стр. 4325

بيمان، وكلامه شامل لهما من جهة أنهما كالاسم المنقوص فدخلا في حكمه، و"عُزل" معناه: نُحِّي وأزيل، يقال: عزلتُهُ عن العمل والولاية أي: أزلته ونحَّيتُهُ، ثم قال: والحذفُ في اليا رابعاً أحقُّ مِنْ قلبٍ ... ... ... ... ... ... وهذا هو القسم الثاني من أقسام المنقوص، وهو ما كانت الياء في رابعة، فيعني: أن المنقوص إذا كان رباعياً وقعت الياء فيه رابعةً، فإن لك فيه وجهين: أحدهما: حذف الياء وجعله أحق وأولى، فتقول في قاضٍ: قاضيٌّ، وغازٍ: غازيٌّ، وفي داعٍ: داعيٌّ، وحكى سيبويه أنهم قالوا في رجل من بني ناجية: ناجيٌّ، ومثل ذلك لو / سميتَ بيَرْمِي ويقضي لقلتَ: يرمِيٌّ ويقضِيٌّ، وأنشد سيبويه لعلقمة بن عَبْدَة: كأسُ عزيزٍ من الأعنابِ عتَّقها لبعضِ أربابها حانيَّةٌ حُومُ

стр. 4326

وذكر أنه أضاف إلى مثل: ناجية وقاض، قال السيرافي: ذكر بعض أصحابنا أنه يقال: حانيَّة للموضع الذي تباع فيه الخمر كناحية، قال السيرافي: والمعروف حانة، كما قال الأخطل: وخمرةٍ من جبال الروم جاء بها ذو حانةٍ ماجدٌ أكْرِمْ بها حَانَا ووجه هذا الحذف ما تقدم من سكونها فتلتقي ساكنة مع ياء النسب، وذلك لا يجوز، وأيضاً تحريكها بالكسر لا يجوز لثقله، فحذفوا لأجل ذلك. والوجه الثاني: وهو الوجه المرجوح قلب الياء واواً، ولا يدفع ذلك من تحويل كسرة ما قبل الياء فتحةً فتقول: قاضَوِيٌّ، وداعَوِيٌّ، وأُمَوِيٌّ، وما أشبه ذلك، وكذلك تقول في يرمي: يرمَويٌّ، ونظيره ما أنشده سيبويه من قول الشاعر: فكيف لنا بالشُّربِ إنْ لمْ تكنْ لنا دوانِقُ عند الحانَوِيِّ ولا نَقْدُ وهذا الوجه محمول على من قال في تغلب: تغلَبِيٌّ، وفي يثرب:

стр. 4327

يَثْرَبِيٌّ، فكأن قاضياً وغازياً مثل: يثرب وتغلب، وهم قد فتحوا ما قبل الآخر لتوالي الكسرات مع عدم الاعتداد بالساكن، فصار كنَمَرِيّ وشَقَرِيَ في نَمِر وشَقِر، فكذلك قاض ونحوه، تُقلب كسرته فتحة، فتنقلب ياؤه واواً، وقولهم: تغلَبِيٌّ ليس بكثير ولا بلغ عند سيبويه مبلغ القياس، ولذلك قال فيه: إلا أن ذا ليس بالقياس اللازم، وإنما هو تغيير، يعني بالتغيير: التغيير الشاذُّ كسُهْلِيٍّ ونحوه، وهو عند المبرد قياسٌ، لأنه لا يعتدُّ بالساكن، ولمَّا كان قاضويٌّ مفرعاً على ذلك كله، كان وزانه في القلة وعدم الاطراد، فلذلك صار مرجوحاً عند الناظم. وبعد فهاهنا نظران: الأول: أن الناظم جعل الحذف في المنقوص المذكور هو الأجود على الإطلاق؛ إذ لم يستثن من ذلك شيئاً، وليس كذلك عند غيره؛ لأنهم يقولون: إذا تحولت كسرة ما قبل الياء فتحةً قياساً على تغلَبِي، انقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فيصير في التقدير: قاضَيّ وغازَيّ، فمن قال في ملهًى وبابه: ملهَوِيٌّ، قال في هذا: قاضَويّ وغازَويّ، وهو أحسن الوجهين، ومن قال في ملهٍى: ملهِيٌّ /

стр. 4328

فحذف حملاً على باب (حُبلى)، قال في هذا: قاضِيٌّ وغازيٌّ، وهو أضعف الوجهين، قالوا: فقد صار قاضِيٌّ على وجهين - أحدهما أحسن الأوجه الثلاثة وهو الأصل -: الأول والثاني، والوجه الثالث وهو أضعفها، وهو فرع الفرع، والوجه الثاني فرعٌ بين أصل وفرعٍ، هذا ما قالوه، فإذن ليس قولهم: قاضيٌّ بأحقَّ على الإطلاق من قاضَوِيٍّ، والناظم قد أطلق القول بأنه أحق، فهو مشكل، والجواب: أن هذه الطريقة جرى عليها ابن أبي الربيع وبعض المتأخرين، وإنما قالوا ذلك بالقياس، وأما غيرهم فعلى ما قاله الناظم من إطلاق القول براجحية الحذف، وقد يقال: لا يلزم من كون قاضٍ إذا صار بعد التحويل على قاضًى تقديراً أن يجريَ مجرى ملهًى في جميع وجوهه، وإنما ذكر سيبويه جريانه مجرى تَغْلَبِيٍّ في القلب لا في الحذف، فلنقتصر عليه حتى يقوم دليل على غير ذلك. والنظر الثاني: أن المنقوص في باب النسب على وجهين: أحدهما: أن يكون مستعملاً قبله، وهذا هو الباب والأعمُّ كقاضٍ وغازٍ ومستدعٍ، ونحو ذلك، وحكمه ما تقدم. والثاني: أن يكون مقدراً في باب النسب خاصة لم يستعمل في

стр. 4329

غيره، وذلك يتصور في كل اسم كان آخره واواً قبلها ضمة، إلا أنه لم يرفض لبناء الكلمة على تاء التأنيث كقَلَنسُوَةٍ، وقَمَحدُوَةٍ، وقَرْنُوَةٍ لنبْتٍ يُدبغ به، وعَرْقُوَةٍ، ونحو ذلك، فهذا إذا أرادوا النسب إليه فلا بدَّ من حذف التاء كما تقدم، فيصير اسماً آخره واوٌ قبلها ضمة فلا بد أن يرجع إلى القياس من قلب الضمة كسرة والواو ياء فيصير في التقدير قَلَنْسٍ، وقَمَحْدٍ، وقَرْنٍ، وعَرْقٍ، كما قالوا: أدْلٍ، وأجْرٍ، وإذا صار كذلك كان حكمه حكمَ المنقوص في الاستعمال، إن كانت الياء خامسةً، فلا بد من حذفها، فتقول: قَلَنْسِيٌّ، وقَمَحْدِيٌّ، وإن كانت رابعة فالوجهان، فتقول في الأجود: عَرْقِيٌّ، وقَرْنِسٌّ، وفي غيره: عَرْقَوِيٌّ، وقَرْنَوِيٌّ، وقد نص السيرافي على جواز ذلك في: عَرْقَوِيٍّ، وحكاه سماعاً في قَرْنَوِيٍّ، وإذا ثبتَ هذا وأن المنقوص / تقديراً كالمنقوص تحقيقاً، فقد يقال: إن الناظم لم يتعرَّض له، وإنما تكلم في المنقوص المستعمل، وترك غيره لبعد فهمِه من كلامه، إذ لا يسبق الذهب في المنقوص إلا إلى المستعمل،

стр. 4330

وقد يقال: إنه قصد ما هو أعمُّ من المستعمل؛ إذ كان المقدَّرُ النقص منقوصاً، وعليه يجري حكمه، والقياس مؤدٍّ إليه، ويطلق عليه لفظ المنقوص؛ لأنه مما آخره ياءٌ قبلها كسرةٌ، أعني: عند النسب إليه، وإذا حملناه على هذا، كان أكثرَ فائدةً وأقربَ إلى مقاصد الناظم في الحصر والاستيفاء للقوانين مع الاختصار، والله أعلم. ثم قال: وحَتْمٌ قلبُ ثالثٍ يعِنّ هذا هو القسم / الثالث من أقسام المنقوص وهو ما كانت الياء فيه ثالثة، فيريد أن الياء إذا وقعت في المنقوص ثالثة، فإن القلب فيها واواً حتمٌ لازمٌ لا يجوز غيره، فلا تحذف فيه الياء كما حذفت فيما تقدم، فتقول في شجٍ وعمٍ ورَدٍ: شَجَوِيٌّ، وعَمَوِيٌّ، ورَدَوِيٌّ، وكذلك ما أشبهه، ووجهه أنه لما كان هذا القسم من باب نَمِرٍ وشَقِرٍ يجب أن تحوَّلَ كسرتُهُ في النسب فتحةً وياؤُهُ الفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ما سيأتي، صار من باب المقصور الذي الألف فيه ثالثة، فقد تقدم منه الحذف فيه ووجوب القلب، فكذلك هذا، وتقول عنَّ الشيءُ لي يعنُّ بالكسر، ويَعُنُّ بالضم عنّاً، أي: اعترضَ لي، يقال: لا أفعله ما عنَّ في السماء نجمٌ، أي: ما عرَضَ، ورجلٌ مِعَنٌّ، وامرأةٌ مِعَنَّةٌ من ذلك. واعلم أن الثلاثي المقصور، نحو: عصًى ورحًى لا يدخل له هنا،

стр. 4331

ولا يشمله لفظ ثالث، وإن كانت الألف ثالثة؛ لأن "ثالثاً" في كلامه على حذف الموصوف، فإما أن يقدر الياء حتى كأنه قال: وحتمٌ قلب ياء ثالثٍ، وإما أن يقدر الحرف المعتلُّ كأنه قال: قلبُ معتلّ ثالث، أما الأول فصحيح، ومما يدل عليه ما قبله؛ إذ قال: والحذفُ في اليا رابعاً أحقُّ مِنْ قلبٍ ... ... ... ... ... ... فهذا حكم الياء الرابع، وقد تقدم حكم الخامس، فلم يبق إلا الثالث فذكره، وأما الثاني فلا دليل عليه، فوجب اطَّراحه، وعلى هذا يبقى له حكم المقصور الذي ألفه ثالث، فانظر من أين يؤخذ له الحكم فيه، وإلا فمسألته ناقصة، / والله أعلم. ولما حكم على الياء الثالثة بوجوب القلب واواً ثم ما يلزم عن ذلك من فتح ما قبل ذلك المنقلب؛ إذ لا يمكن بقاءُ الواو مع كسر ما قبلها، فقال: وأولِ ذا القلبِ انفِتَاحاً وفَعِلْ وَفِعِلٌ عينُهما افْتَحْ وَفُعِلْ ذو القلب هو الياء الذي حكم عليه بالقلب أي: اجعل الفتح والياء للياء المنقلب واواً، وقد تقدم تمثيله، إلا أن في كلامه ما يظهر منه عكس القياس الصناعي، وذلك أنه حكم أولاً بقلب الياء واواً، ثم ذكر أن الحرف المنقلب إلى الواو لا بدَّ من إيلائه الفتح، فحصل من كلامه أن القلب كأنه سابقٌ على الفتح لاحقٌ بالحرف المقلوب، هذا ظاهر ما يفهم من كلامه، وهو مفهوم على غير وضع الصناعة

стр. 4332

وغير ممكن فيها، ؛ لأن القلب إذا فرض حصوله قبل الفتح لم يمكن استقراره لمكان الكسر قبل الواو، والواو لا تثبت معه، فلا بد من رجوعها إلى أصلها من الياء؛ لأنها المناسبة للكسرة. فحصل نقض الغرض من القلب واواً، بل وضع الصناعة فيه ما قالوه من أنَّ "شجٍّ وقاضٍ" ونحوهما لما عُلِمَ أن الياء تلحقه أعني: ياء النسب، فتصير ياؤه مكسورة في التقدير، فتتوالى كسرتان، فيلحق بباب نَمِر ونحوه، عمِلوا على إزالة هذا العارض من النقل، فحوَّلوا كسرته الأولى فتحة، فانقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار في التقدير شجًى كفتًى ورحًى وما أشبه ذلك، ومن شأن النسب إلى مثل هذا أن تقلب الألف فيه واواً لا ياءً، لما يلزم من الثقل باجتماع الياءات والكسر، فكذلك العمل في شجٍ، هذا وجه الصناعة عندهم، وهو سبق تحويل الكسرة فتحة لقلب الياء واواً، وهو الجاري على الأمر المعقول والمتعارف لا ما ظهر من كلامه - وأيضاً - فليس القلب في هذه الياء كما قال، بل انقلبت الياء ألفاً لوجود موجب القلب، ثم انقلبت الألف واواً؛ لأنهم إنما يغيرون ما يغيرون في الاسم قبل لحاق ياء النسب في التقدير، فكل ما أمكن لحاقُهُ من الإعلال قبل لحاقها فلو استعمل كذلك دون ياء، فهو الذي يلحقونه في الاسم المنسوب، ألا ترى إلى ما تقدم من كلامهم في عَرْقُوَة، وقَمَحْدُوَة، ونحوهما، وقد نصوا على أن النسب إلى عَبَايَة، وهِرَاوَة، ونحوهما، / مما يبنى

стр. 4333

على التاء: عَبَائيٌّ وهَرَائيٌّ بالهمز لما كانوا يقدرون حذف التاء قبل لحاق ياء النسب، واستعماله على ذلك وتقدير الاستعمال كذلك موجب لقلب الواو والياء همزةً لوقوعها طرفاً بعد ألف زائدة، هذه قاعدة معلومة لسيبويه وغيره في باب النسب، وفي باب جمع التكسير، وغير ذلك، ولا أحد يمنعها فيما أذكره، فكيف يجعل الواو هنا منقلبة عن الياء من غير ذلك التدريج المذكور، فهذا أيضاً عدم اعتبارٍ لقوانين الصناعة ووجوه التعليم. والجواب عن الأول: أنه لا يتعيَّنُ من كلامه سَبْقِيَّةُ قلب الياء واواً لتحويل الكسرة فتحةً؛ لأنه معطوف عليه بالواو التي لا تقتضي ترتيباً، كما نص هو عليه في باب العطف، وأما قوله: "وأَوْلِ ذا القلب" فلا يقتضي أيضاً حصول القلب إلى الفتحة، إذ لم يمكن أن يسمَّى ذا القلب مع عدم حصوله في الوقت؛ لأنه سيحصل بعد

стр. 4334

ذلك، كما لو قلت: وأوْلِ الياء التي ستقلب واواً فتحت؛ ليكون هو المسوِّغَ لقلبها، وإذا أمكنَ حملُهُ على هذا لم ينبغِ حملُهُ على غير تحصيل. والجواب عن الثاني: إن انقلاب الواو عن الألف المنقلبة عن الياء مسوِّغٌ لأن يقال: انقلبت عن الياء، وإلغاء الواسطة في اللفظ وإن كان الأصلُ النطقَ بذلك، اختصار تلك لا يضر، وأيضاً فذلك تقديري، والظاهر عدم الواسطة، ومن عادة الناظم اعتبار الظاهر في كتبه، والبناء على ذلك، ولا شك أن الظاهر قلب الواو عن الياء وأن لا واسطة، ثم قال: ... ... ... ... وَفَعِلْ وَفِعِل عينَهُما افْتَحْ وَفُعِلْ يعني أن هذه الأبنية الثلاثة وهي (فَعِل) على كَتِف، و (فِعِل) على وزن إِبِل، و (فُعِل) على وزن دُئِل، إذا نسبتَ إلى ما كان من الأسماء على وزنها فلا د من فتح عينها، فيصير (فَعِل) إلى (فَعَل) كطَلَل، و (فِعِل) إلى (فِعَل) كعِنَب، و (فَعِل) إلى (فُعَل) نحو صُرَر، فتقول في نَمِر: نَمَري، وفي كَتِف: كَتَفي، وفي شَقِر: شَقَريّ، كأنك نسيتَ إلى نَمَر وكَتَف، وتقول في إبل: إِبَلي، كأنك نسبتَ إلى إِبَل،

стр. 4335

وتقول في دُئِل: دُؤَلي، ومن ذلك: أبو الأسود الدؤلي، وفي رُئِم: رُؤَمي كأنك نسبتَ إلى دُؤَل ورُؤَم، وكذلك إذا سميتَ بضُرِبَ أو قُتِلَ، تقول فيه: ضُرَبي وقُتَلي، ووجه ذلك أنها لو تركت كسرتها غير محوَّلة / لكان الثِّقلٌ أغلبَ على الكلمة من حيث توالت فيها الحركاتُ، واجتمع فيها كسرتان متواليتان، وياءان، ولم يبق من الكلمة غير مكسور إلا حرف واحد، فكان ذلك أثقلَ عليهم، ولذلك حولوا الكسرة فتحة، وأما (فَعُل) و (فُعُل) فلم يذكر الناظم فيهما، ولا فيما كان نحوهما تغييراً، فدل بذلك على بقائها على أصلها، فتقول في سَمُر: سَمُري، وفي طُنُب: طُنُبي، قال سيبويه: "وإن أضفتَ إلى (فَعُل) لم تغيره؛ لأنها إنما هي كسرة واحدة، كلهم يقولون: سَمُري"، يعني: يبقونه على حاله، وهنا مسألتان: إحداهما: أنه إنما ذكر في هذا التحويل والقلب ما كان على ثلاثة أحرف، وترك ما كان على أكثر من ذلك، ولم ينصَّ على حكمه مع تأكُّدِ النظر فيه، فدل ذلك من قصده على أنه يبقى على أصله دون تغيير، وإن توالت فيه كسرتان مع الياءين وذلك إذا كان

стр. 4336

الاسم رباعياً نحو: تَغلِب، فإنه يقتضي أنه تبقيه على أصله، وإن توالت الكسرتان فتقول فيه: تَغلِبي، وكذلك إذا سميتَ بتَضْرِبُ تقول فيه: تضرِبي، وهذا أحد الوجهين فيه، وهو أجودهما، بل هو القياس والأصل عند سيبويه والخليل والجمهور، ووجه ذلك: أن الثقل بتوالي الكسرات لم يغلب على الكلمة لمكان الساكن الموجود، والساكن معتد به فلم يكن كنَمِر وشَقِر، في غلبة الكسرات، فلم يلحق به. والوجه الثاني: - وتركه الناظم - فتح اللام وهو مسموع من كلامهم في تغلِب، فإنهم قالوا: تَغلَبيّ، وجعله سيبويه والخليل موقوفاً على السماع كالتغيير اللاحق في نحو: سُهْليّ وأُمَويّ في: أمية، وما أشبهها، مما هو معدود غير مقيس، فلذلك لم يذكره الناظم، ولا نبَّه عليه، ولا ارتضى مذهب المبرد فيه أن يجعله مقيساً، فالفتح والكسر عنده وجهان جائزان، ووجه ذلك عنده عدم الاعتداد بالساكن لضعفه، فصار كالعدم، فأشبه ذلك نَمِر وشَقِر، كما لم يعتدوا به في

стр. 4337

قولهم: صبيَة وقِنية، فقلبوا الواو ياءً لأجل الكسرة مع وجود الحاجز، فلولا أنه كالعدم لم يفعلوا ذلك. قال الشلوبين: ألا يعتدَّ بالساكن ليس بالأصل، بل هو توجيه شذوذ، فكيف يجعل قياساً، وإنما هو كقول العرب في البصرة: بَصْرِيّ، كما قال الخليل. ووقع للجزولي / في تغلِب مذهبٌ ثالث لم يرتضِهِ أيضاً الناظم، وهو أن يجعل البناء على الكسر هو المختار مع جواز الآخر قياساً. قال أبو علي الشلوبين: هذا مذهب ثالث غير مذهب المبرد وسيبويه؛ لأن المبرد يجيز الوجهين، ولا يختار الكسر ما اختاره أبو موسى، وسيبويه لا يجيز الفتح إلا فيما سُمع كتَغْلَبيّ، قال: وهذا المذهب مذهب مَن توسط بين القولين، ولا أحفظه لغير أبي موسى. وتقول على هذا في مكتسب ومتماسك وما أشبه ذلك: مكتسِبي ومتماسِكيّ، ولا تغير شيئاً عن حاله، وهو أولى بعدم التغيير لعدم الثقل؛ إذ فيه ثلاثة أحرف غير مكسور، فخفَّ الأمر فيه في توالي الكسرتين، فل يكن ثقله مثله في نَمِر ونحوه، ولا خلاف في هذا،

стр. 4338

وإنما الخلاف في الرباعي ما تقدم. والمسألة الثانية: أن كلامه يقتضي في النسب إلى صَعِق بفتح الصاد أن تقول: صَعَقِيّ بفتحهما معاً، كما تقول في نَمِر: نَمَريّ، وعلى من كسر الصاد إتباعاً فقال: صِعِق أن تقول: صِعَقيّ بكسر الصاد وفتح العين كما تقول في إِبِل: إِبَليّ؛ لأن الناظم أطلق القول في تلك الأبنية، وهذا فيه نظران: أحدهما: أن يقال: أما النسب إلى صعِق المفتوح الصاد فظاهر لا إشكال فيه، وأما النسب إلى المكسور الصاد فإنه إتباع لكسرة العين، فالقياس إذ زالت كسرة العين في النسب أن تزول كسرة الصاد لا أن تبقى، فتقول إذن فيه: صَعَقيّ بفتحهما إلا أن تقول: صِعِقيّ كإِبِليّ، ويدلك على ذلك قول سيبويه لما حكى الإتباع في النسب سماعاً. قال بعد ذلك: "والوجه الجيد: : صَعَقيّ" يعني: بفتحهما لما تقدم من ارتفاع علة الإتباع، هذا نظر. والنظر الثاني في كلامه: اقتضاؤه للقياس في ذلك كغيره مما هو عل مثاله، وذلك غير سديد؛ لأنه عنده على السماع، ولذلك لما قال

стр. 4339

سيبويه: "وصَعِقِي جيدٌ" اعتذروا عن هذا الكلام فقالوا: ليس في قوله: "إنه جيد" نص على أنه مقيس، بل يمكن أن نقول ذلك بالنظر إلى السماع، قاله ابن الضائع. والجواب عن الأول أنا لا نسلم أن الناظم تعرض لما كانت صورة البناء فيه / إتباعاً؛ لأن ذلك عارض في الكلمة، وإنما تكلم على ما هو أصل بناء كإِبِل، وعلى هذا يزول الإشكالان معاً، نعم لو سميت بذلك المتبع لقلت في النسب إليه: صِعَقِي، ودخل تحت كلامه؛ لأنه الآن أصل بناء زال فيه حكم الإتباع بالتسمية، ثم إنه يجاب عن الثاني بأن كون ذلك سماعاً غير مسلَّم، بل هو قياس، وإن ذهب ذاهب إلى القول بكونه سماعاً، فقد ذهب ابن خروف إلى جواز القياس؛ لأن الفتح في العين عارض، فلا يعتدُّ به كالكسر في قولهم: اُدْعِي، في خطاب المؤنث، ألا ترى أن ضمَّ الهمزة باقٍ، وإن كان موجبه قد زال، وهو ضم العين، ثم ذكر أن من فتح الصاد فعلى مراعاة العارض، والاعتداد به، وكذلك جعل العلة صاحب الترشيح أبو بكر الماردي صِعَقي بكسر الصاد وفتح العين هو

стр. 4340

الأقيس تفريعاً على لغة من قال: صِعِقي بالإتباع، وهو ظاهر؛ لأنها لغةٌ ثانية، فلا يبعد فيها مراعاة العارض، إن سلم أنه عند أهلها عارضٌ. ويرشد إلى قول ابن خروف قول سيبويه: "وصِعِقي جيدٌ"، ولم يقل: إنه نادر، ولا شاذ، ولا موقوف على السماع، كما قال أولاً في: صِعِقي المكسور الصاد والعين؛ إذ قال: وقد سمعنا بعضهم يقول: في الصَّعِق: صِعِقي، يدعه على حاله وكسر الصاد؛ لأنه يقول: صِعِق، فأحال فيه على السماع، بخلاف الوجهين الأخيرين، وهذا كله على رواية مَن روى صِعَقي، وهو الذي اعتمد السيرافي في شرحه لكلام سيبويه. وفي المسألة كلام متعلق بلفظ الكتاب لا حاجة بنا إليه، وإنما يتكلم في لفظ سيبويه في هذا الشرح إن اتفق ذلك لتعلقه بكلام ابن مالك في هذه الخلاصة؛ إذ الشرط أن لا يتعرض إلى غير الشرح لها،

стр. 4341

والكلام مع الناظم في ألفاظها، والله المستعان. *** وقيلَ في المرمِيِّ: مَرْمَوِي واخْتِيرَ في استعمالهمِ مَرْمِيُّ ونحوُ: حيَّ فتحُ ثانيهِ يجبْ وارْدُدْهُ واواً إنْ يَكُنْ عَنهُ قُلِبْ هذا الفصل من تمام مسألةِ ما آخره ياءٌ مشددة، وقد تقدم أنه على قسمين، وتقدم الكلام القسم الأول فيهما، وهو ما كانت الياء المشدَّدة فيه زائدة وهي: ياء النسب، وما أشبهها، وآخُذُ الآن في الكلام على القسم الثاني؛ وهو ما لم تكن الياء المشددة فيه كذلك، وهذا على نوعين: أحدهما: ما كانت إحدى الياءين/ فيه زائدة والأخرى أصلية. والآخر: ما كانتا في أصليتين. والأول على نوعين أيضاً: أحدهما: ما كان على (فَعِيل) أو (فُعَيل)، وهذا سيذكر إثر هذا. والآخر: ما ليس كذلك، وهو الذي شرع فيه فقال: وقيلَ في المرمِيِّ: مَرْمَوِي إلى آخره. يريد: أن العرب تنسب إلى مرميّ، وما كان نحوه مما آخره ياءٌ مشددة إلا أن إحدى الياءين فيه أصلية على وجهين: أحدهما: أن تقول: مرميٌّ فتحذف الياءين معاً كما تحذفها من كرسيّ، فصورة اللفظ بعد النسب كصورته قبله، إلا أنه يفرق

стр. 4342

بينهما بما تقدم، وهذا هو المختار عند الناظم؛ إذ قال: واخْتِيرَ في استعمالهمِ مَرْمِيُّ أي: في استعمال العرب، وحذف الياءين هنا ليس على قياس حذف ياء كرسي، وإن وقع الحذف فيهما معاً على صورةٍ واحدةٍ، بل حذفتَ هنا الياء الساكنة كما حذفتها في عديّ، وعليّ، وهذا أولى بالحذف منه من عديّ وعليّ؛ إذ كان هذا خماسياً، وذلك رباعيٌّ، فإذا حذفتها بقي اللفظ على وزن (مَرْمٍ) بمنزلة قاضٍ. والثاني: أن تحوّلَ الكسرة فتحة كما حولتها في تغِلبَ، فتقول: قاضَوِيٌّ، كما تقول في مرمِيّ: مَرمِيٌّ، كما ترى، وعلى الثاني تقول: مَرْمَوِيٌّ، وهذا الذي قال فيه الناظم: وقيلَ في المرمِيِّ: مَرْمَوِي وليس بالمختار، كما لم يكن في قاض: قاضَوِيٌّ هو المختار، بل هذا أولى ألا يكون مختاراً لزيادة حروفه على حروف قاضٍ، قال سيبويه: "ومَن قال: حانَوِيٌّ قال: مَرْمَوِيٌّ"، ومن ذلك: مَقْضيٌّ، ومعْنِيٌّ، ومَدْحِيٌّ، تقول فيه: مَقْضيٌّ ومقضَوِيٌّ، ومَعْنِيٌّ ومعْنَويٌّ، ومَدْحِيٌّ ومَدْحَوِيٌّ، وكذلك ما أشبهه، ثم ذكر النوع الثاني فقال: ونحوُ: حيَّ فتحُ ثانيهِ يجبْ يعني: أن ما كان آخره ياء مشددة أصلية، حكمُهُ إذا نسيتَ إليه أن يفتَحَ ثانيه مطلقاً وهي الياء المدغمة، فإذا فعلت ذلك رددتَهَا إلى

стр. 4343

أصلها، فإن كان أصلُهَا الياءَ تركتَها على حالها، وإن كان أصلها الواوَ رددتَهَا واواً، ولا تتركها ياء كما كانت حالة الإدغام، وذلك معنى قوله: وارْدُدْهُ واواً إنْ يَكُنْ عَنهُ قُلِبْ وضمير "اردده" المنصوب عائدٌ على الثاني في قوله: "فتْحُ ثانيهِ يجبْ"، وكذلك ضمير "يكن" و"قُلِب"، وأما ضمير "عنه" / فعائدٌ على الواو، والتقدير: وارْدُد ثانيَ نحو: حيٍّ واواً إن يكن ذلك الثاني منقلباً عن الواو، ومفهوم هذا الشرط أن الثاني إن لم يكن منقلباً عن الواو لم يُردَّ واواً، بل يبقى على حاله، وأما ردُّ الياء الثالثة واواً فقد تقدم ذكره، فلم يحتج إلى إعادته، وإنما رُدت الياء إلى أصلها من الواو في النسب؛ لأن الموجب قلبها ياءً، وهي: واوٌ في الأصل، إنما كان اجتماعها مع الياء الثانية، وسبق إحداهما بالسكون، فما زال الموجِب زال الموجَب، وهو القلب فرجعت إلى أصلها، وأما الياء الثانية فلا بدَّ من قلبها واواً لأجل ياء النسب في حيٍّ: حَيوِيٌّ؛ لأنه من حَيِيَ، وحكى سيبويه عن العرب في حيَّةَ بن بهدَلَةَ: حَيَوِيٌّ، وتقول في طيّ: طَوَوِيٌّ؛ لأنه من طويتُ، وقالوا في ليَّة: لَوَوِيٌّ، وكذلك تقول: في شيّ: شَوَوِيٌّ، وفي كيّ: كَوَوِيٌّ، ونحو ذلك، وإنما فتحوا وأصله السكون؛ إذ كانوا في الصحيح في يفتحون

стр. 4344

من غير ضرورة، وذلك قولهم في الحمْض: حَمَضي، وفي الرمْل: رَمَليٌّ، فلما لم يمكنهم أن يجمعوا بين أربع ياءات لثقل جمعها، ولا أن يردوا إلى أصلها مع بقاء السكون في لوَّيّ مثلاً ونحوه، فتحوا ليتوصّلوا إلى التخفيف بذلك التحريك، ثم على الناظم هنا سؤالٌ: وهو أنه حَتَمَ هنا بوجهٍ واحدٍ، وهو ما ذكره، والناس قد ذكروا فيه وجهين: أحدهما: هذا، والثاني: إبقاؤه على حاله، والجمع بين أربع ياءات، فتقول على هذا: حيِّيٌّ، وليِّيٌّ، وطيِّيٌّ، وما أشبه ذلك، وعليه طائفة من العرب، وهو قول أبي عمرو بن العلاء، قال سيبويه: "ومن قال: أُمَيِّيٌّ قال: حيِّيٌّ، وكان أبو عمرو يقول: حيِّيٌّ ولَيِّيٌّ، فأنت ترى كيف ذكر الناس الوجهين على الجواز، فحَتَمَ الناظم بأحدهما، ولم يجز غيره، وهذا خلاف ما عليه العرب والنحويون، ولا يقال: إن ما ذكره هو القياس؛ لأن عادة العرب الفرار من اجتماع الياءات في هذا الباب؛ لأنا نقول: التعليل إنما يكون من وراء السماع، ولا سيما على عادته في التمسك بالسماع كيفما كان. والجواب عن ذلك: أن نحو: حيِّيٌّ وليِّيٌّ - وإن أجازه غيرُهُ - شاذٌّ عنده، لم يبلغ في السماع مبلغ القياس، ولا ما يقرب من ذلك، ألا

стр. 4345

تراه قال في التسهيل: "وشذ نحو: حيِّيٌّ وأُمَيِّيٌّ، وفي كلام سيبويه / ما يشعر بقلته في الموضعين، فقال في: أُميَّة لمَّا ذكر حكمه وأنه أُمويٌّ: "وزعم يونس أن ناساً من العرب يقولون: أُميِّيٌّ فلا يغيرون لمَّا صار إعرابها كإعراب ما لا يعتلّ شبهوه به". فهذا الكلام مشعرٌ بالقلة بلا بدّ، وقد جعل بعد ذلك حيِّيّ قياساً على أُمَيِّيَ، فالمسألتان من باب واحد، ولذلك لما ذكر الناظم هنا حكم (فُعَيلة) لم يذكر فيها إلا (فُعَليٌّ) خاصة، وألزم ذلك، فقال: "وفُعَليٌّ في فُعَيلَةَ حُتِمَ"، فلا اعتراضَ إذن عليه، إذْ كانت طريقته هذه، وقوله: وارْدُدْهُ واواً إنْ يَكُنْ عَنهُ قُلِبْ فيه من الضرورة إتيانه بفعل الشرط مضارعاً مع تقدم ما يدل على الجواب، نحو: فلم أرْقِهِ إنْ ينْجُ منها وإنْ يمُتْ فطَعْنَةُ لا غسٍّ ولا بِمُغْمَّرِ وقد تقدم له شيء من هذا، وتقدم التنبيه عليه. ***
следующие страницы →