Полный текст (5 477 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
وأصحابٌ وشاهدٌ وأشهادٌ، وبانٍ وأبناء، وجانٍ وأجناءٍ، ومثل الأنصار قولهم في المدائن اسم بلد: مدائنيٌّ، كأن المدائن صار اسماً لبلد غلب عليه، قال سيبويه: "وسألتُه - يعني الخليل ﵀ - عن قولهم: مدائنيّ فقال: صار هذا البناء عندهم اسماً لبلد، ومن ثمّ قالت بنو سعد في أبناء: أبناويّ، كأنهم جعلوه اسمَ الحيِّ والحيُّ كالبلد، وهو واحدٌ يقع على الجميع، والأبناء هم: ولد سعد بن زيد مناة بن تميم إلا كعباً وعمراً، فإنهم لا يقال لهم: الأبناء، قاله أبو عبيد. هذا أصله، ثم غلب / عليهم الاسم حتى صار كالعلم، فنسبوا إليه على لفظه، ومن هنا يكون قولهم في النسب إلى الأصول: أصوليّ صحيحاً في قياس العربية؛ لأن لفظ الجمع قد غلب على اسم ذلك العلم حتى صار كالعلم له، فلا ينبغي تخطئه من نسب إلى الجمع فقال: أصوليّ، هذا جملة ما أشار إليه الناظم بقوله:
ما لم يشابِهْ واحداً بالوضْعِ
وهو من اختصاره الحسن، إذ أتى فيه بأمرين: أحدهما: جمع هذه الأنواع في هذا اللفظ اليسير وهو أخصر بكثير من لفظه في التسهيل؛ إذ قال: "وينسب إلى الجمع بلفظ واحده إن استعمل وإن
стр. 4447
لا فبلفظه" ثم قال: وحكم اسم الجمع والجمع الغالب والمسمَّى به حكم الواحد".
والثاني: إتيانه بلفظ مشعر بالعلة التي لأجلها نسب إلى الجمع بلفظه، وهي مشابهته للواحد بالوضع؛ إذ هي العلّة لذلك الحكم، ولم يأت في التسهيل بشيء من ذلك.
فهذا الكلام من محاسن اختصاره في هذا النظم إلا أنه نقصه من هذا الفصل حكم التثنية وكيفية النسب إليها، ولا مرية في أن حكمها حكم الجمع بالواو والنون فتقول في الزَّيدَين: زيديٌّ، بالرَّدّ إلى الواحد، وفي رِجْلَيْن: رِجْلِيٌّ كذلك، فكان من حقِّه أن يذكر حكمُها هنا، كما ذكر حكمَها مسمًّى بها قبل، والاعتذار عنه بأنه أطلق لفظ الجمع شاملاً للتثنية وغيرها على مقتضى اللغة اعتذارٌ ضعيفٌ.
***
ومَعَ فاعلٍ وفعَّالٍ فَعِلْ في نسبٍ أغنى عن اليا فَقُبِلْ
الغالب على النسب أن يكون بالياء المشددة اللاحقة آخر الكلمة، وقد يأتي على غير ذلك، وهو الذي أخذ في ذكره، "مع" ظرف متعلق بـ"أغنى" و"فَعِلْ" مبتدأ خبرُهُ "أغني"، والتقدير: فَعِلٌ أغنى
стр. 4448
عن الياء في النسب مع فاعلٍ وفعَّال، وقد يكون "مع" في موضع الحال أي: حال كونِ فَعِلٍ مع فاعل وفعَّال، ويعني: أن هذه الأبنية الثلاثة وهي (فاعل) و (فعَّال) و (فَعِل) تأتي في كلام العرب مغنية عن إلحاق ياء النسب، ومؤدية معناها، فقوله: "أغنى عن اليا" يريد: في النقل والسماع، وقوله: "فَقُبِل" يريد: أنَّ النحويين قبلوه، كما جاء وبنوا عليه من حيث هو، فنقول: فأمَّا نيابة (فاعل) فنحو: لابِنٍ، وتامرٍ، ودارعٍ، لصاحب التمر والدِّرع، ولصاحب النَّبْل: نابل، ولصاحب النُّشَّاب: ناشب، ولذي الفرس: فارسٌ، ولذي الطعام: طاعم، ولذي / النَّعل: ناعل، ومن ذلك كثير، ومما جاء في الكلام المنقول ما أنشده سيبويه للحطئية:
فَغَرَرْتَنِي وَزَعَمْتَ أنَّكَ لابِنٌ في الصَّيف تامِرْ
وأنشد أيضاً للنابغة:
كليني لهمٍّ يا أميمةُ ناصِبِ وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكِبِ
وأنشد أيضاً لذي الرمة:
إلى عَطَنٍ رَحْبِ المباءة آهِلِ
стр. 4449
وعلى ذلك حملوا قولهم: عيشةٌ راضيةٌ، وقال الشاعر الحطيئة:
دعِ المكارم لا ترحل لبُغيتها واقعُدْ فإنك أنتَ الطاعمُ الكاسي
وقال امرؤ القيس:
نطعنُهُم سُلكَى ومخلوجةً لفْتَكَ لأمَيْنِ على نابِلِ
وأما نيابة (فعَّال) فنحو قولك لصاحب الثياب: ثوَّاب، ولصاحب العاج: عوَّاج، ولصاحب الجمل: جمَّال، ولصاحب البُتوت: بتَّات، وكذلك: لبَّان وتمَّار ونبَّال وما أشبه ذلك، قال امرؤ القيس، أنشده سيبويه:
فليس بذي رمحٍ فيطعُنَني به وليس بذي سيفٍ وليس بنبَّال
وهو كثيرٌ أيضاً، وأما (فَعِل) فمثال نيابته عن (فَعِيل) قولك: رجُلٌ عَمِل، ورجل طَعِن، ولَبِسٌ، وقالوا: رجل نَهِرٌ، نقله
стр. 4450
سيبويه، وأنشد عليه:
لستُ بليليٍّ ولكمي نَهِرْ لا أُدْلِجُ الليلَ ولكنْ أبتَكِرْ
وأنشد الجوهري:
إنْ كنتَ ليليّاً فإني نَهِرْ حتى أرى الصبحَ فلا أنتظِرْ
وقالوا: رجلٌ حَرِحٌ، وسَتِهٌ، طَعِنٌ، فهذه الأمثلة نائبة كما قال عن ياءي النَّسب، فقولك: لابنٌ وتامرٌ نائب عن قولك: لَبَنيٌّ وتَمْريٌّ، وكذلك سائر المثُل؛ إذ ليس على معنى الفعل، ولا فعلَ له هنا يجري عليه، وكذلك قولهم: نبَّال وثوَّاب نائب عن: نبليٌّ وثوبيٌّ إذ ليس بجارٍ على فِعْلٍ أيضاً، قال السيرافي: واستدل سيبويه على أن فعَّالاً بمنزلة المنسوب بقولهم البتّي في الذي يبيع البتوت، واحدها: بتٌّ، وهي الأكسية، قال: وإليه ينسب عثمان البَتِّيّ من كبار الفقهاء، وكذلك قولهم عَمِل ونَهِر في معن عَمَليّ ونَهْريّ، والدليل عليه ما تقدَّم من قوله:
стр. 4451
لستُ بليليٍّ ولكنّي نَهِرْ
قال سيبويه: وقالوا: نَهِرٌ، وإنما يريدون نهاريّ فيجعلونه بمنزلة عَمِل، ثم أنشد البيت، ثم قال: فقولهم نَهِر في نهاري يدلُّكَ على أن عَمِلاً كقولك: عَمَليٌّ؛ لأن في عَمِل من المعنى ما في نَهِر، قال: وقالوا رجل حَرِحٌ، ورجلٌ سَتِهٌ، كأنه قال: حِرِيٌّ واستِيٌّ، وإنما كان ذلك لعدم جريانه على الفعل، وإن كان منها ما له فعل فهو على عدم الجريان. هذا شرح كلام الناظم / على الجملة، ثم يقع النظر في مسائل:
إحداها: أنه يحتمل التعاقب، وأنك إن شئتَ أتيتَ بياء النسب، وإن شئتَ أتيت بأحد هذه الأبنية؛ لأنه قال: إنها أغنت عن الياء، فتأتي بالياء إن شئتَ أو بالبناء إن شئتَ، ويحتمل أن يكون على غير هذا، بل على أن لهذه الأبنية موضعاً يغني [فيه] عن الياء ويقوم مقامها على غير معاقبة، وإلى هذا الاحتمال الثاني يشير لفظ "أغنى" كما قال في موضع آخر:
وأولٌّ مبتدأٌ والثاني فاعلٌ أغنَى في أسارٍ ذانِ
стр. 4452
إذْ ليس معناه إلا أن الفاعل انفرد بذلك الموضع مغنياً عن خبر المبتدأ، وكذلك هاهنا أي: يغني عنه بحيث لا يقع في ذلك الموضع إلا أحد الأبنية، وهذا معنى كلامه في التسهيل؛ إذ قال: "ويستغنى عنها (يعني عن ياء النسب) غالباً بـ (فعَّال) من لفظ المنسوب إليه إن قصد الاحتراف، وبصوغ (فاعلٍ) إن قصد صاحبُ الشيء"، وهو ظاهر من كلام سيبويه، فهو أولى ما يُحمَلُ عليه هذا النظم. وأمَّا الاحتمال الأول فهو مذهبٌ أيضاً، وإليه ذهب ابن عصفور؛ إذْ خيَّر في صوغ أحد الأبنية أو إلحاق ياء النسب، نص على ذلك في "المقرب" و"شرح الجمل"، ويظهر من كلام المارديّ؛ إذ قال: تقول لبائع اللؤلؤ: لؤلؤيٌّ، ولآّلٌ، ولصاحب العاج: عاجيّ وعوَّاجٌ، ولصاحب الزُّجاج: زجَّاجي وزجَّاج. هذا ما قال. وهو مذهبٌ مرجوحٌ، وظاهر كلام العرب الاستغناء، كما أشار إليه كلام الناظم، وكلام سيبويه على ذلك يدلّ؛ لأنه لما أتى بمثال من فعَّال، وبين أنه أكثر من أن يحصى، قال: وربَّما ألحقوا ياءي الإضافة كما قالوا: البتِّيّ، فأتى بـ"ربَّما" المقتضية للتقليل، وإنما هو ناقلٌ، فياء النسب في هذ الموضع نادرة، والنادر لا يقاس عليه.
стр. 4453
والمسألة الثانية: أن في كلامه ما يدل على أنه قياس، وذلك أنه أغنى عن الياء، فقيل: ولا شك أن قوله: "أغنى" يريد به أن ذلك قد جاء في السماع على ذلك الوصف، وقوله: "فقُبِل" إمَّا أن يعني: أنَّ النحويين قبلوه من حيث هو سماعٌ ولا يقاس عليه، وإمَّا أن يعنيَ أنهم قبلوه وأخذوا بمقتضاه، وقاسوا عليه، فلو أراد الأول لم يكن فيه فائدةٌ؛ إذ الأخبار عن الشذوذات بأنها قبلت نقلاً، كما جاءت لا محصول تحته بالنسبة إلى صنعة النحويين أهل القياس كما / لو قال قائلٌ: إن العرب قد قالت:
صددْتِ فأطْوَلْتِ الصُّدُودَ
فقبله النحويون، فإن هذا الكلام لا يحصِّل معنًى يُعتد به بخلاف ما إذا أراد أنهم قبلوه في القياس وأخذوا به، فإن في هذا أجل فائدة لهم للإخبار بأن مثل هذا ليس عندهم من السماع المهمل الذي لا يعتمدون عليه، بل هو معتمد عليه مبني على محصوله، وأصرح من هذا في كلامه قوله بعد:
وغيرُ ما أسلفتُهُ مقررا ...
إلى آخره.
стр. 4454
فهذا نص بأنَّ جميع ما ذكر في الباب مقيسٌ ليس فيه ما يوقف على السماع، وإذا كان كذلك كان الناظم قد ارتضى رأي من قال بالقياس، وكذلك فعل في "التسهيل"، وهو ظاهر كلام سيبويه؛ إذ قال بعد ما أتى بأمثلة منه: "وذا أكثر من أن يحصى"، ولا شك أن ما كان هكذا فهو أحرى بالقياس عليه. وهذا الكلام هو الذي اعتمد الشلوبين في القول بالقياس، وذهب جماعةٌ إلى وقفه على السماع، وإليه ذهب ابن خروف، واعتمده ابن عصفور، واعتمد ابن خروف في ذلك على كلام سيبويه، حيث قال: وتقول لمن كان شيءٌ من هذه الأشياء صنعته: لبَّانٌ، وتمَّارٌ، ونبَّالٌ، قال: وليس في كل شيء من هذا قيل هذا، ألا ترى أنك لا تقول لصاحب البزّ: بزّاز، ولا لصاحب الفاكهة: فكَّاه، ولا لصاحب الشعير: شعَّار، ولا لصاحب الدقيق: دقَّاق، هذا كلامه، وظاهره عنده عدم القياس، وقد تأول غيره هذا الكلام على الاستغناء في بعض المواضع، فذكر الشلوبين أنه لا ينبغي أن يؤخذ من هذا الكلام عدم القياس، بل هو مقيسٌ عنده، ألا ترى إلى قوله: "وهو أكثر من أن يحصى"، لكن
стр. 4455
بيَّن أنَّ العرب قد تترك القياس في بعض المواضع، وتستغني بغيره عنه فتحفظ تلك المواضع، ويبقى مقيساً فيما عداها.
وبعد، فأصل الخلاف في المسألة لفظ سيبويه، فمن ترجَّح عنده أحد الموضعين قال به.
المسألة الثالثة: فيما على الناظم من الدرَكِ وذلك من وجهين:
أحدهما: أنه ذكر الاستغناء ولم يبيِّن أنه في موضع مختصٍّ ومحلٍّ معيَّن، وإنما ذكر أن هذا آتٍ في الكلام على الجملة، ومثل هذا لا يحصِّل معنًى في النحو، كما لو قال: إن الضمير يأتي متصلاً، ويأتي منفصلاً من غير أن يذكر موضع الاتصال ولا الانفصال، فإن مثل هذا لا يبيِّنُ في المسألةة حقيقة؛ إذ الضمير لا يأتي متصلاً مطلقاً، ولا منفصلاً مطلقاً، فكذلك كلامه هنا، وهذه الأبنية / الثلاثة إنَّما يستغنى بها في مواضع مخصوصة، فأمَّا (فاعل) فيوتى به لمن كان صاحب شيء وليس فيه علاج، ولا محاولة كـ"لابِنٍ" لمن كان له لبنٌ، و"تامرٌ" لمن كان له تمرٌ، وكذلك سائر المُثُل. وأما (فعَّال) فلمن كان صاحب شيء له فيه علاج ومحاولة كـ"جمَّال" و"حمَّار" لصاحبي الجمال والحمير اللذين يعملان عليها، وكذلك سائر الأمثلة، هذا هو الغالب في المثالين، وقد يستعمل أحدهما مكان الآخر كقولهم: سيَّافٌ لذي السيف الذي لا يحاول فيه شيئاً، ويقال لذي البغل: بغَّالٌ، ونابلٌ للذي يعالج النبل، وقد أطلق امرؤ القيس النبَّال
стр. 4456
في موضع النابل، والنابل في موضع النبَّال، فقال في الأول:
وليس بذي رمحٍ فيطعُنَني به وليس بذي سيفٍ وليس بنبَّالِ
فإنما يعني صاحب النبل خاصة، وقال في الثاني:
نطعنُهُم سُلكَى ومخلوجةً لَفْتَكَ لأْمَينَ على نابِلِ
فإنما يعني المعالج للنبل على ما حكي أنه قال: مررتُ بنابلٍ وصاحبه يناوله الريش لؤاماً وظُهاراً، فما رأيتُ شيئاً أحسن منه، فشبهت به، وأما (فَعِل) فللملازم للشيء، كذا قال ابن عصفور، نحو: عَمِلٍ للملازم العمل، ونَهِرٍ للملازم للشغل بالنهار، وسائر المثل كذلك، وغيره يجعل (فعَّالاً) و (فَعِلاً) من باب واحد، وذلك ملازمة العمل والعلاج ومداومَتُه؛ لأنها معاً من أمثلة المبالغة، فهذا مما فات الناظمَ تفسيرُهُ، وهو ضروري؛ إذ لا تَرِدُ هذه الأمثلة علىى محلٍّ واحد كما رأيت، ولا بدَّ من الاختصاص، وهو لم يذكره فيوهم كلامه حكماً لم يقل به أحداً، ولا جواب لي عن هذا الدَّرَكِ الآن.
الوجه الثاني: من وجهَي الدَّرَكِ أنَّ النحويين إنما عادتهم أن يذكروا من هذه الأبنية (فاعلاً) و (فعَّالاً)، وأما (فَعِل) فلا يجعلونه من ذلك، وعلى المثالين اعتمد في "التسهيل" و"الفوائد"، وهو
стр. 4457
الذي ينبغي.
فإن قلتَ: إن (فَعِلاً) قد ذكره سيبويه وكثيرٌ من النحويين كما ذكروا (فاعلاً) و (فعَّالاً).
فالجوابُ: أنهم إنما ذكروه على جهة الشذوذ والقلة؛ إذ لك يَلْحق (فاعلاً) و (فعَّالاً) ولا قاربهما، وقد أشار إليه إشارة القلة في الجملة في كتاب "التسهيل" إذ قال: "وقد يقام أحدهما مقام الآخر وغيرهما مقامهما"، فالغير يريد به (فَعِلاً) وما كان نحوه، وأيضاً فحين بنى على ما ذكروه فلنذكر (فعولاً) و (مفعالاً) و (مِفْعَلاً)، وقد ذكر هذا سيبويه: وزاد غيره (مِفعِيلاً) و (فعَّالاً) و (فَعِيلاً) بمعنى مفعول، بل كل صفة جرت على المذكر والمؤنث بلفظ واحدٍ فهي من هذا الباب؛ / لأنها غير جاريةٍ على فِعْلٍ أصلاً، فهي عند البصريين على معنى النسب، فكان من حقه حين أراد أن يستدرك على غيره أن يذكر ما ذكره الناس من هذه الأشياء، ويقولَ حين لم يُرِدِ الاستيفاء، فلا حاجة به إلى ذكر (فَعِل)، بل كان يسكت عنه كما سكت غيره عنه.
وقد يجاب عن هذا الثاني بأن يقال: يمكن أن يكون ارتضى القياسَ على (فَعِل) إذ قد جاء منه أشياءٌ لها كثرةٌ وإن كانت أقليَّةً بالنسبة إلى كثرة (فاعل) و (فعَّال)، فذلك لا يمنع القياس، وخصه
стр. 4458
بذلك دون سائر الأمثلة المتقدِّمة؛ لأنه الذي ظهرت فيه المشاركة في معنى النسب حقيقة، وذلك أن المثالين المتقدمين استعمِلا على غير النسب أصلاً؛ إذ لم يقولوا من التمر: تَمْرٌ، ولا من النبل: نَبلٌ، ولا من اللبن: لَبِنٌ، ولا من الحمار: حَمِرٌ، ولا غير ذلك، فظهر فيه معنى النسب ظهوراً بيِّناً، حين قالوا: لاَبِنٌ وتَامِرٌ، وشبه ذلك، وهذا هو الأصل في الباب، وهو الذي جعله سيبويه أكثر من أن يحصى، ثم ذكر ما وجد فيه معنى النسب مما استعمل له فعلٌ، فألحقه بما ليس له فعلٌ مستعملُ الفاء لاستعماله كقولهم: "عشيةٌ راضيةٌ"، وطاعم، وكاسٍ، وما أشبه ذلك، فإنهم استعملوا رَضِيَ وطَعِمَ وكَسِيَ على الجملة، لكنهم ألغوا فيه ذلك المعنى، فألحقوا بلابنٍ وتامرٍ، ولأجل أنَّ الباب مبنيٌّ على إهمال الفعل استشكال بعض المتأخرين جعل سيبويه تامراً من صلب الباب، مع أن ابن القطاع حكى: تَمِرَ القوم: إذا كان عندهم تمرٌ، واعتذر بأن قال: لعل هذا لم يحفظه سيبويه، ثم استشكل إدخاله آهلاً مع قولهم: أَهَلَ المكان أُهولاً؛ إذا كثُرَ أهله، ذكره ابن القوطية، قال: وإذا ثبت ففي هذا إشكال عظيم. هذا ما
стр. 4459
قاله: ، ولا إشكالَ فيه، على ما تقرر في طاعمٍ وكاسٍ ونحوهما، وإنما جلبتُ هذا الكلام استشهاداً على اعتمادهم في تقرُّرِ معنى النسب على إهمال الفعل، وأن فاعلاً وفعَّالاً غير جاريَين على فَعِل.
فإذا تقرّر هذا فـ (فَعِل) قد وُجد، وليس له فعلٌ أصلاً، وذلك قولهم: نَهِرٌ؛ إذ لم يستعملوا نَهَر، فصار بهذا النقل في نمط فاعل وفعَّال هذا، وإن كان نادراً فإنهم قد استعملوا عليه ماله فعلٌ على تقدير الغاية، وذلك قولهم: طَعِمٌ وسَتِهٌ وحَرِحٌ ونحو ذلك، بخلاف جميع ما ذكر في السؤال من فَعول ومِفعال وغيرهما، فإنها إنما استعملت / على معنى النسب إلحاقاً لها بغيرها لا بحق الأصل؛ إذ ليس فيها ما استعمل، وليس له فعل البتة، بل كل واحد منهما فعل مستعمل، فلم يلحقها الناظم بما ذكر، ويا حُسْنَ ما ذهب إليه لولا قلته في السماع، وذلك لا يضر إذا كان عنده إذا كان يبلغ مبلغ القياس، وإنما ذكر سيبويه فَعِلاً مع فَعُول ومِفعالٍ ونحوها؛ لأن الجميع عنده غير قياس.
ثم أشار الناظم أن ما عدا ما ذُكِر موقوفٌ على السماع، وهو القسم الثاني من قسمي المنسوب، فقال:
وغيرُ ما أسلفتُهُ مقرراً على الذي يُنقلُ فيه اقتُصرا
أسلفتُهُ معناه: قدمته، ومنه: سلَفُ الرجل، وهم أباؤه المتقدِّمون، يعني: أنَّما عدا ما قدَّمَ من الأحكام المقررة في هذا الباب يُقتصر منه على المنقول المسموع، ولا يقاس عليه ما سواه، وحين نبَّه
стр. 4460
على قسم الشَّاذ، فلا بد من التنبيه على أمثله منه، يتبيَّنُ بها مقصوده، ويستريح إليها النار في نظمه.
فاعلم أن ما خرج عن القياس في باب النسب ثلاثةُ أقسام:
أحدهما: ما كان قياسه أن لا يغيَّر بغير زيادةٍ على ما اقتضى القياسُ فيه من التغيير، فغيَّرتْهُ العرب شذوذاً.
والثاني: ما كان قياسه أن يغير فلم يغيَّر شذوذاً على عكس الأول.
والثالث: ما كان قياسه أن يغيَّر تغييراً ما، فغيِّر تغييراً آخر شذوذاً كذلك، وكل واحد من هذه الأقسام لا بدَّ لما فعلته العرب فيه من علة.
وجملة علل الباب ثلاثة أنواع:
إحداها: التفرقة بين نسبتين إلى لفظٍ واحدٍ قصداً إلى إزالة اللبس.
والثانية: المعدول عن الثقل إلى الخفة.
والثالثة: تشبيه الشيء بالشيء.
وثمَّ نوعٌ رابعٌ استقرائيّ وهو: الاستغناء عن النسب إلى الشيء بالنسب إلى ما في معناه أو ما يلابسه.
القسم الأول: مثاله قولهم في قريشٍ: قُرَشيٌّ، وفي هذيل: هُذَلي، وفي ثقيف: ثَقَفيٌّ، ووجهه إما تشبيه ما ليس فيه التاء بما هي فيه؛ لأن الوزن واحد، ولا بد للتاء أن تزولَ في النسب، وإما لثقلِ
стр. 4461
اجتماع الياءات في الكلمة إذا قالوا: قُرَيشي.
ومن ذلك قولهم: سُهليٌّ بالضم في النسب إلى السَّهل خلاف الجبل، فرقوا بينه وبين النسب إلى سَهْلٍ اسم رجل؛ إذ قالوا فيه: سَهْليٌّ، وكذلك دُهريٌّ للرجل المسنِّ منسوب إلى الدهر، فرقوا بينه وبين الدَّهري، وهو القائل بالدهر من الملحدة، وكذلك أَمويٌّ بفتح الهمزة في أُمية، والقياس: أُمويٌّ، لكنهم كأنهم نسبوا / إلى المكبَّر وهو: أمةٌ استغناءٌ، ومثله في الاستغناء قولهم في البصرة: بِصريٌّ، ووجَّهه بعضهم بأنه نسب إلى البِصر وهي حجارةٌ بيضٌ توجد في الموضع المسمَّى بَصرة، فنسب إليها، والمراد الموضع شذوذاً، وقالوا: عُبَدِيٌّ بضم العين في بني عَبيدة، حيٌّ من بني عَديّ، فرّقوا بينهم وبين عَبيدة من غيرهم، ومثله قول بعضهم في بني جَذيمة: جُذَمِيّ، قال السيرافيّ: لأنَّ في قريش جَذيمَة ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وفي خزاعة جذيمة، وهو المصطلق، وفي الأزد جذيمة بن زهير، والأمثلة أكثر من هذا.
والقسم الثاني: مثاله قولهم في عليّ: عليِّيّ، وفي قصيّ: قُصيِّيّ، وهذا مذهب الناظم حيث جعل ذلك شذوذاً، وإلا فهو عند طائفة قياس، كما تقدم، ووجه التشبيه بظبْيِيّ حيث لم يحفِلوا فيه بالياءات،
стр. 4462
فلذلك لم يحفِلوا بها في ذلك، ومن ذلك قولهم في البحرين اسم موضع: بحراني بإثبات الالف والنون اللتين هما علم للتثنية في الأصل، فرقوا بذلك بينه وبين البحرين الذي هو تثنية حقيقية لم يسمّ به بعد، فبنوا اسم الموضع علا (فَعلان) ثم نسبوا إليه كذلك.
والقسم الثالث: مثاله قولهم في زَبينة: زَبانيٌّ، كأنهم أرادوا إبقاء الحروف على حالها، فاستثقلوا الياء في زَبينيٌّ فردوها إلى الألف؛ لأن الألف أخفّ من الياء هنا لما في بقائها من اجتماع الياءات في كلمة.
ومن ذلك قولهم: طائيٌّ؛ إذ لو قالوا على القياس: طيئيٌّ لثقُلَ باجتماع الياءات وبينهما همزة هي من مخرج الألف، وهي أيضاً تناسب الياء، فقلبوا الياء ألفاً.
ومن سليقيٌّ في السَّليقة، قياسه: سَلَقيٌّ، لكنهم شبهوه بـ (فعيل)، فتركوا الياء على حالها.
وقالوا في صنعاء: صنعانيّ، وفي بهراء: بهرانيّ، وفي دَسْتَوَاء: دَسْتَوانيّ، أبدلوا الهمزة نوناً لشبهها بها، ألا تراهم قالوا: ظرابيّ في ظَرِبان، وأناسيّ في إنسان، شبهوا النون بالهمزة، فكذلك شبهوا هنا الهمزة بالنون على العكس من ذاك.
وقالوا في جَلولاء وحَروراء: جَلُوليٌّ وحَروريٌّ فحذفوا الهمزة تشبيهاً للممدود من الألفات بالمقصور.
стр. 4463
وكذلك قالوا في خراسان: خُراسيٌّ، كأنهم شهوا الألف والنون بعلم التثنية، فحذفوا لذلك.
والمُثُل في الباب كثيرةٌ، فلنقتصر منها على هذا القدر فهو كافٍ.
/ ويلحق بهذا الفصل مسألةٌ تتعلق بكلام الناظم، وذلك أن هذه الأشياء التي شذت في النسب إليها إذا سُمِّيَ بها فإنما ينسب إليها على القياس المطرد، ويترك ذلك الشذوذ المسموع فيها، فلو نسبْتَ إلى رجل سمَّيتَه زَبينة لم تقل: زَبانيٌّ، وإنما تقول: زَبَنيٌّ على القياس، وكذلك إذا سميتَ رجلاً بدهر فنسبت إليه لم تقل إلا: دَهريٌّ بالفتح، أو جذيمة لم تقل إلا: جَذَميٌّ بفتح، وكذلك سائر ما تقدم، وكذلك الحكم في التصغير، وإذا ثبت هذا فكلام الناظم قد يشعر بأن ما جاء شاذاً يقتصر فيه على النقل سواء أكان ذلك قبل التسمية أم بعدها؛ إذْ لم يقيَّد ذلك بما قبل التسمية فصار الإطلاق مشعراً بالتسويغ في الجميع، وذلك غير صحيح، بل الحكم الفرق بين الحالين كما ذكر. والجواب: أن كلام الناظم يشعر بذلك؛ لأنه إنما قال:
"على الذي ينقل فيه اقتصرا"
والذي نقل شاذاً إنما نقل غير مسمًّى به، فإذا سمي به فقد خرج بالتسمية عن المسموع؛ إذْ كنتَ تصرفتَ فيه بالتسمية، ألا ترى إلى قولهم: سُهليٌّ إنما قالوه في النسب إلى السَّهل خلاف الجبل، ليفرقوا بينه وبين النسب إلى سَهْل الرجل، فإذا سميتَ بالسهل خلاف الجبل فقد صار غير محلّ التفرقة، فيلزم فيه اتّباع القياس، وعلى هذا النحو
стр. 4464
يجري سائر ما في الباب، قال الشلوبين: "إنما رجع سيبويه في النسب إلى القياس؛ لأنه وجد العرب كثيراً ما تغيِّر الاسمَ المنسوب إليه فرقاً بين معنيين كقولهم في النسب إلى السَّهل: سُهليٌّ، وفي النسب إلى اسم رجل: سَهليٌّ بالفتح، فلما كان أكثر تغييرهم للفرق صار ذلك الشذوذ مختصاً بذلك المعنى المغيَّر، فوجب عند زوال ذلك المعنى زوالُ ذلك التغيير، فكان الوجه الرجوع إلى القياس، وكذلك التصغير وجدوا أكثر الشذوذ فيه مختصاً بالظروف، وهي في كلامهم قد اختصَّت بأشياء لا تكون في غيرها من الأسماء، هذا مع أن التصغير في الظروف لمعنًى ليس في غيرها، فوجب الرجوع إلى القياس هذا وجه ما قالوا، بخلاف الجمع فإن الحكم فيه بعد التسمية كحكمه بعدها، فتقول في ابن: بَنُونَ على غير القياس، فإذا سمَّيتَ به قلتَ: بنون أيضاً، وكذلك (أمٌّ) تقول فيه: أمَّهاتٌ وأُمَّاتٌ / قبل التسمية وبعدها، وإنْ كان أمَّاتٌ شاذاً، ووجه الفرق أن الجمع على بنون أو أمهات لم يكن لأجل معنًى يزول ذلك المعنى بالتسمية، فيزول موجبُه لذلك، بل أمره بعد التسمية وقبلها أمرٌ واحداٌ، وأما النسب فالشذوذ لمعنًى يزول بالتسمية كما تقدم فيزول موجبه، ونظيره قولهم في جمع أحمر الصفة: حُمْر، فإذا نقلْتَه بالتسمية زال موجب ذلك الحكم؛ لأن الوصفية هي الموجبة للجمع على (فُعْل)،
стр. 4465
فإذا زالت زالَ موجبها، فالحاصل أن الاسم قبل التسمية بالنسبة إلى النسب الشاذّ مخالف له بعد التسمية، فليس هو المنقولَ نفسَه بعد التسمية، فلم يشمله كلامُ الناظم هنا، فلا بد من رجوعه إلى القياس المقرَّر قبلُ، وهو ما أردنا أن نبين، وينظر هنا هل فاته ذكر مسألة من تغيير النسب مطَّردة لم تدخل له تحت ما ذكر، وقلَّما يخلوا من ذلك، فيُردّ عليه الاعتراضُ؛ لأنه قال: "وغير ما أسلفتُهُ مقرراً" إلى آخره، فأعطى أن ما لم يذكر له تغييراً مطرداً في هذا النظم فهو شاذٌ محفوظٌ.
كمل النسب، يتلوه الوقف إن شاء الله تعالى
تمَّ السِّفْرُ الرابع بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه والحمد لله رب العالمين،
وحسبنا الله ونعم الوكيل
***
стр. 4466
فهرس موضوعات
الجزء السابع
الموضوع ... الصفحة
جمع التكسير ... ٩
التصغير ... ٢٦١
النسب ... ٤٢٩
стр. 4467
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة أم القرى
معهد البحوث العلمية
مركز إحياء التراث الإسلامي
المقاصد الشافية
في شرح الخلاصة الكافية
للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي
(٧٩٠ هـ)
الجزء الثامن
تحقيق
الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم البنا
[١]
стр. 4468
[ ... [
حقوق الطبع محفوظة
لمعهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي
جامعة أم القرى
مكة المكرمة
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
[٢]
стр. 4469
المقاصد الشافية
في شرح الخلاصة الكافية
٨
[٣]
стр. 4470
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[٤]
стр. 4471
الوقف
اعلَمْ أن الوقف نظير الابتداء أي مقابله والابتداء عملٌ فالوقف
استراحة عن ذلك العمل فإذًا أصلُه أن يكون على السكون كما أن الابتداء
أصله أن يكون بالحركة. ثم إنه يتفرع عن قصد الاستراحة في الوقف ثلاثة
مقاصدَ فيكون لتمام الغرض من الكلام ولتمام النظم في الشعر ولتمام
السجع في النثر ثم إن الوقف إنما يكون على الآخر والأواخرُ محل التغيير
فغيَّروا الأواخر عند الوقف على حسب المقاصد اللفظية أو المعنوية. وجملةُ
أنواع التغيير الحادثة في الوقف المشهورة في كلام العرب ثمانية أنواع
وهي السكون والرَّومُ والإشمام والتضعيف والنقل والإبدال والحذف
وإلحاق هاءِ السكت وهذه الأنواع كلُّها قد ذكرها الناظم وذكر مواضعها
وابتدأ بما يتعلق بالنون منها فقال
تَنْوِينًا اثْرَ فَتْحٍ اِجْعَلْ أَلِفَا ... وَقْفًا، وَتِلْوَ غَيْرِ فَتْحٍ اِحْذِفَا
تَنْوِينًا: مفعولٌ أول لاجْعَلْ التي بمعنى صيَّر إذ هي تتعدى إلى
[٥]
стр. 4472
مفعولين كما تقدم في بابه. واثْرَ فَتْحٍ: ظرف متعلق به وتِلْوَ بمعنى تالٍ
أي تابع وهو مفعول باحْذِفْ على حذف الموصوف أي احذف تنوينا
تالي غير فتح
ويعني أن التنوين اللاحق لآخر الاسم إما أن يكون بعد فتح أو بعد غيره
وهو الضم والكسر، والفتح في كلامه ليس مقتصَرا به على فتح البناء فقط
وإن كانوا إنما يطلقون الفتح والضم والكسر على حركات البناء كما يطلقون
الرفع والنصب** والجر على حركات الإعراب لكنهم قد يُعبّرون عن حركة
الإعراب بالفتحة والضمة والكسرة فأطلقها الناظم على ما تنطلق عليه من
حركة بناء أو حركة إعراب
فإن كان التنوينُ بعد فتح فإنك تُبْدِلُه ألفا فتقول في رأيت زيدَنْ*: رأيت
زيدا وفي أكرمت عمْرَنْ: أكرمت عمْرا وكذلك فتحةُ البناء إذا تبعها التنوين
وذلك في أسماء الأفعال نحو حيَّهَلَنْ وإيهَن ووَيْهَن تقول في الوقف
حيّعلا وإيها وويها وكذلك ما أشبهه
وإن كان التنوين بعد غير فتح فإنه يُحذف رأسا وذلك إذا وقع بعد
الضم نحو هذا زيدُنْ فإنك تقفُ عليه: هذا زَيْدْ فتحذف التنوين وفي
الجر مررت بزيْدْ فتحذف أيضا وكذلك تقول في صَهٍ ومَهٍ إذا نونته ثم
[٦]
стр. 4473
وقفت صَهْ ومَهْ وفي إيهٍ إيهْ وفي هيهاتِ* هيهاتْ وكذلك في يومئذٍ وحينئذٍ وما أشبه ذلك وشذَّ من ذلك حرف واحد فوُقف عليه على التنوين
وذلك كأيِّن وَقف عليها بالنون من القراء مَنْ عدا أبا عمرو اتباعا للمصحف إذ وقع كتْبُها بالنون وجه عدم إثبات التنوين على حاله أنه حرف زائد أُتي به للفرق بين
ما ينصرف وما لا ينصرف في المعرب وفي المبني أتي به بمعنى آخر وهو كالحركة لأنه يتبعها فلا يوقف عليه عليه* بحاله وأيضا أرادوا الفرق بينه
وبين النون الأصلية نحو حَسَنٍ وما أشبه الأصلية نحو رَعْشَنٍ هذا وجهُ عدم بقائها على حالها في الوقف
وأما إبدالها مع الفتح وحذفها مع غيره فوجهه أن النون تشبه الألف من
حيث كان اللِّينُ في الألف يقاربه الغنة في النون فأبدلوها ألفا لما بينهما من
المقاربة وكذلك كان الأصلُ في الرفع أن يُبدل واوا وفي الجر أن يُبدل ياءً
وهي لغةٌ لبعض العرب أن يقولوا في الوقف قام زيدو ومررت بزيدي
كما يقول الجميع رأيت زيدا ولم يُنبه عليها الناظم لِقلَّتها لكنَّ اللغةَ
[٧]
стр. 4474
الفصحى حذفها في هاتين الحالتين لمكان ثقل الواو والياء في أنفُسهما بخلاف
الألف فإنها خفيفة فإذا اجتمعت الضمة أيضا مع الواو والكسرة مع الياء
كان ذلك أثقل ولم يكن في الفتحة مع الألف ثقل فتركوها على حالها على أن
بعض العرب يعامل الألف معاملة الواو والياء في الحذف فيقول رأيتُ زيدْ
كما يقول هذا زيدْ ومررت بزيدْ ولم ينبِّه على ذلك الناظمُ لقلَّته، ثبت نقلُ
هذه اللغة في كتاب سيبويه في النسخة الشرقية منه عن أبي الحسن
وحكاها الفارسي عن قطرب عن أبي عُبَيدة وأنشد بيت الأعشى
إلى المرءِ قيسٍ أُطِيلُ السُّرى ... وآخُذُ من كلِّ حَيّ عُصُمْ
وأبياتا آُخَر ومنه أيضا ما أنشده قطربٌ من قول عدي بن زيد
ونسبَه البكري لطرفةَ
شَئِزٌ جَنْبِي كأنيْ مُهْدَأٌ ... جَعَل القينُ على الدَّفِّ إبَرْ
[٨]
стр. 4475
وقال أبو عمرو الفَقْعَسِيُّ
أعددت للوِرْدِ إذا الوِردُ حَفَزْ ... غَرْبًا جرورًا وجُلالا خُزَخِزْ
ثم قال
كأنَّ جَوْفَ جِلْدِه إذا احتفَزْ ... في كل عَضْوٍ جُرْذَيْنِ وخُزَزْ
أراد كأن في جوف جلده في كل عضو منه جُرْذَين وخُزَزَا
ثم إن ظاهر هذا الكلام يشمل زائدا إلى ما تقدم التمثيل به نوعين
أحدهما المنقوص إلا أنّ الناظم أخرجه وذكر حكمه لما فيه من
الأحكام المخالفة لما ذكر هنا
والثاني المقصور وهو لم يخُصَّه في هذا الباب بذكر فالعبارة شاملة
له وهي تقتضي فيه ما تقتضي في الصحيح الآخر من أنك تحذف التنوين
في الرفع والجر وتقف عليه في النصب بعد إبداله ألفا فإذا قلت هذا
فتى ووقفت عليه أو مررت بفتى فتلك الألف هي الأصلية نظيرُ الدال في
زيد
وإذا قلت رأيتُ فتى فالألف هي المبدلة من التنوين نظيرُ الألف في
رأيت زيدا وحُذفت الألفُ الأصلية لاجتماع الساكنين فالناظم لما رأى الحكم
المقرَّر غير ظاهر في المقصور حمله على ما ظهر فيه وهو الصحيح الآخر وهو
[٩]
стр. 4476
قياسٌ واضح إن ساعده الدليل. وما ذهب إليه هنا هو الذي اختار في
التسهيل وهو مذهب الفارسي في الإيضاح والمسألة ذاتُ أقوال ثلاثة
هذا أحدها
والثاني مذهبُ المازني أنَّ الوقف على ألِف التنوين في الأحوال
الثلاثة
والثالث مذهب الكسائي أن الوقف على ألف الأصل مطلقا في
الأحوال الثلاثة
ولا نصَّ لسيبويه في المسألة يُؤخَذُ له منه مذهبٌ فزعم ابنُ عصفور
وهو يظهر** من ابن جني أنَّ رأيه رأيُ الفارسي وزعم السيرافي أن
رأيه رأيُ الكسائي ولسنا لتحقيق ذلك هنا
وحجةُ ما ذهب إليه الناظم ما تقدم من حمل المعتل على الصحيح
والخفي على الجلي
وأيضا فإن ما رُوي عن العرب من إبدال ألف (مُثَنًّى) ياءً في الوقف
فيقولون مُثنَّى** وقوم يبدلونها واوا ولم يرِدْ ذلك في ألف التنوين في
[١٠]
стр. 4477
نحو رأيت زيدا فلم يقولوا رأيتُ زيدَى** ولا زيدو فلو كانت ألف
الأصل مطلقا لم يمتنعوا من إبدالها حيث كانت. وأيضا فإن العرب تُميلُ:
هذا فتى ولو كانت ألف التنوين لم تُمل كما لا تمال الألف في (رأيت دما)
واستدل ابن عصفور أيضا بأن هذا الألف تُمال في حالة الرفع ولا تمال
في حالة النصب وبأنها تقعُ قافية في الرفع والجر ولا تقع قافية في حالة
النصب وهذا لو صح دليلٌ لكنهم قد نقلوا عن القُرَّاء إمالة هذه الألف
حالة النصب كقوله تعالى ﴿أو كانوا غُزًّى﴾ و ﴿سمِعنا فتًى﴾
وما أشبه ذلك مع أنهم لم يميلوا ﴿وقد آتيناك من لدنا ذكرا﴾ ولا ما
كان نحوه أصلا فهذا يردُّ ما ذكره ابن عصفور وهو دليلٌ للكسائي
على الناظم
وقد اعتذر بعضهم عن هذا بأن المنصوب الممال قليل في القرآن مع أن
العرب تشبّه الأصلي بالزائد والزائد بالأصلي فيجرى* حكم أحدهما
على الآخر فلا دليل في الإمالة على هذا إلّا أنّ ابن الأنباري حكى أنّ
العرب تقول (رأيت فتى) فتُميلُ الألفَ إلى الياءِ مع أن ألف التنوين لا
[١١]
стр. 4478
تُمالُ فلا يُقال (رأيت عَمْرَي*) في (رأيت عَمْرَن) يعني بالإمالة وأما
كونها لم تقع قافية فقد نقل غيرُ ابن عصفور أنها وقعت كذلك وأنهم وجدوا
في كلمة مقصورة
فلا تُرَى أمرًا سُدى
وبعد ذلك
لكل حمد يُشْتَرى
وأنشد الزجاجي
ورُبَّ ضيفٍ طرَقَ الحيَّ سُرى ... صادَفَ زادًا وحدِيثًا ما اشْتَهى
وقد يُعتذر عن هذا أيضا بأنه نادر وبنحو ما اعتذر ابن الباذِش في
الإمالة واستدل للمازني على مذهبه بأن ما آخره ألفٌ قبل التنوين فيه فتحةٌ
في الأحوال كلها فصار في جميع أحواله كزيدًا في حالة النصب فلما
ساوى الصحيح المنصوبَ جميع أحواله أبدل من التنوين الألف كما
أبدَلوا في المنصوب الصحيح وأيضا اتفق البصريون على أنه في النصب
بدلٌ من التنوين على ما نقل ابن جني وصورة المرفوع والمجرور كصورة
المنصوب فليكن الحكم كذلك في الجميع وهو استدلالٌ فيه ضعف
[١٢]
стр. 4479
واستُدلَّ للكسائي أن حذف الزائد أولى من حذف الأصلي فلذلك
كانت ألفُ التنوين هي المحذوفة في كل حال
* * *
وَاحْذِفْ لِوَقْفٍ فِي سِوَى اضْطِرَارِ ... صِلَةَ غَيْرِ الْفَتْحِ فِي الْإِضْمَارِ
الإضمار يريد به الضمير أي: في الاسم ذي الإضمار يعني أن
الضمائر إذا وقفْتَ عليها فإن صلتها وهي ما يتبع حركاتها من حروف
المد على وجهين:
أحدهما أن تكون تابعة لغير الفتح وذلك إذا تبعت الضم ولا تكون
هناك إلا واوا أو الكسر ولا تكون إذ ذاك إلا ياءً فهذه لا بد من حذفها عند
الوقف لا عند الوصل ولا في الضرورة وذلك قوله «وَاحْذِفْ لِوَقْفٍ فِي
سِوَى اضْطِرَارِ» إلى آخره فتقول في رأيتُهُو: رأيتُهْ وفي لهُو لهْ وضربَهُو ضربهْ وكذلك تقول في عليهُو ولديهُو على من وصل الهاء عليه ولديهِ وكذلك منهُو وعنهُو وتقول منْهْ وعنْهْ وكذلك تقول في بهِي وضربْتِهِي وعليهي وإليهي: به وضربْتِهْ وعليْهْ وإليْهْ وفي هُمُو هُمْ وفي أكرمكُمُو أكرمكُمْ وفي خرجتُمُو خرجتُمْ وفي أنتُمُو أنتُمْ وكذلك ما أشبهه
[١٣]
стр. 4480
والثاني أن تكون الصلة تابعة للفتح ولا يكون إلا ألفا فمفهومُ كلامه
أنها لا تُحذفُ أصلا بل تتركُها على حالها فتقول ضربتُها ولها ومنها
وعنها وفيها وهما وأنتما وضربتما وأكرمكما هكذا وصلا ووقفا
ووجه ذلك أنّ من شأن العرب أن يحذفوا الآخر في الوقف وإنْ كان من أصل
الكلمة كالقاضي والرامي فيقولون القاضْ والرامْ وكذلك ما كان إذهابُه في
الوصل إخلالا نحو ضربني وغلامي فأنْ يحذفوا ما ليس من أصل
الكلمة بل هو زائدة عليها أحق وأولى أما الألف فلخفتها لم يحذفوها بل
تركوها على حالها بخلاف الواو والياء فإن لها ثقلا في الكلام وقد تقرر
هذا قبل وأيضا فإن الألف عندهم من أصل الاسم بخلاف الواو والياء فإن
فيهما خلافا على ما ترى إن شاء الله تعالى
ثم يتعلق بكلام الناظم مسائلُ:
إحداها أنّ لقائل أن يقولَ في قوله «لِوَقْفٍ» إنه فضلٌ لا زيادة فائدةٍ
فيه لأن كلامه إنما هو في أحكام الوقف وقد تقدم قبل هذا قوله
«تَنْوِينًا اثْرَ فَتْحٍ اِجْعَلْ أَلِفَا ... وَقْفًا»
[١٤]
стр. 4481
فكان يستغني بذلك عن تكرار ذكر الوقف لكنه لم يفعل ذلك فما
وجهه؟
والجواب أنه أتى به لفائدةٍ حسنة وذلك أنه لو قال واحذف في سوى
الاضطرار كذا لاقتضى حكما لم يقصده وهو أن الحذف إنما يكون في غير
الاضطرار وأما حالة الاضطرار فلا تحذف تلك الصلة وهذا كلام لا معنى
له لأن ترك الحذف لا يختص بالضرورة بل الحذف هو المختص بها لكن
حالة الوصل لا حالة الوقف فقوله «لِوَقْفٍ» هو علة للحذف لا بيان
لموضعه كأنه قال: احذف هذه الصلةَ في غير الاضطرار لأجل الوقف أي:
إن الوقف هو العلة في الحذف حالة الاختيار وأما في حالة الاضطرار فليست
العلةُ الوقف فيُؤخذُ من هذا الكلام الحكم المتقدم في الوقف ويؤخذ منه
أنّ الحذف قد يقع اضطرارا لا لعلة الوقف وما ذاك إلا الحذف في
الوصل وهذا صحيح فإن الضرورة قد قادت إلى حذف صلة الضمير في
الوصل في مواضع منقولة فمنها ما حُذفت الياء أو الواو منه مع بقاء الحركة
ومنها ما حذفتا منه مع الإسكان فمن الأول ما أنشد سيبويه من قول
مالك بن خريم بالخاء المعجمة وفي الشرقية ابن حريم بالحاء المهملة
فإن يك غثا أو سمينا فإنَّني ... سأجعل عينيه لنفسِهِ مَقْنَعا
[١٥]
стр. 4482
وأنشد أيضا لحنظلةَ بن فاتك
وأيقن أنَّ الخيل إن تلتبِسْ به ... يكن لغسيل النخل بعده آبر
وأنشد أيضا للشماخ
له زجلٌ كأنهُ صوتُ حادٍ ... إذا طلب الوسيقة أو زَميرُ
وأنشد أيضا لرجل من باهلة
أو مُعْبَر الظهر يُنْبِي عن وليّتهِ* ... ما حَجَّ ربَّهُ في الدنيا ولا اعتمرا
وأنشد أيضا للأعشى
وماله** من مجدٍ تليدٍ ومالَهُ** ... من الريح حظّ لا الجنوبُ ولا الصَّبا
ومن الثاني ما أنشده ابن جني وغيره
[١٦]
стр. 4483
فَظِلْتُ لدى البيت العتيق أُخِيلُه ... ومِطْوَاي مشتاقان لَهْ أرِقانِ
وأنشد أيضا
وأشْرَبُ الماء ما بي* نحوه عطشٌ ... إلا لأن عيونَهْ سيلُ واديها
قالوا وهذا الثاني أحسنُ من الأول لأنه من إجراء الوصل مُجرَى
الوقف على الكمال بخلاف الأول والناظم إنما تكلم هنا على الضرورة
بالنسبة إلى اللغة المشهورة إذْ حذْفُ الواو والياء مع بقاء الحركة أو حذفها لا
يكون فيها إلا ضرورة فلا يُعتَرَضُ عليه بأنّ من العرب من يحذفها في الوصل
إذا تحرك ما قبلها على الوجهين وهم بنو عُقَيل وبنو كلاب نقل ذلك المؤلف
في الشرح عن الكسائي ونقل ابن جني عن أبي الحسن التسكين بعد
الحذف في الوصل لغة لأزد السراة فإن الناظم إنما تكلم على اللغة
المشهورة إلا أنه يُعترض عليه من وجه آخر وهو أن الضمير قد تحذف
صلته في الوصل في حالة السعة لا في الاضطرار وذلك إذا كان قبل
الضمير ساكن ثابت أو محذوفٌ للجزم أو للوقف فتقول عليهْ* وعليهي
ومنه** ومنهُو وكذلك ارمِهْ وارمهي وادعُهْ وادعهو ونحو ذلك فيقال
[١٧]
стр. 4484
مثلا إن الناظم قد حصر حذف صلة الضمير في شيئين وهما الوقف
والاضطرار في الوصل وهذا غير صحيح بل تُحذف أيضا اختيارا في
الوصل بعد الساكن وإنما يصح ما زعم من الحصر في الضمير الذي قبله
متحرك بالأصل خاصة فهناك لا تُحذفُ صلته في المشهور إلا في الوقف أو
في الاضطرار فاقتضى كلامه أن الضمير إذا سكن ما قبله لفظا أو أصلا
فإنما يُحذف لأحد هذين الأمرين وليس كذلك ولا أجد الآن عن هذا جوابا!
والضرورة هنا إنما تعلقت منه نصا بالواو والياء لأنه قال «وَاحْذِفْ
لِوَقْفٍ فِي سِوَى اضْطِرَارِ ... صِلَةَ غَيْرِ الْفَتْحِ» فخرجت صلة الفتح عن دعوى
الضرورة فيها وهكذا ينبغي أن يكون فإنه لم يأت حذفُ صلة الفتح في
ضرورة ولا غيرها وإنما جاء في لغة طيّئ* حذفها ونقل حركة الضمير
إلى ما قبله قال خطيب وفد طيئ «بالفضل ذو فضلكم الله بِهْ والكرامة
ذاتِ أكرمكم الله بَهْ**» أراد بها وهذا ليس بضرورة ولا اعتراض بها
أيضا على الناظم لِقلَّتها
والمسألة الثانية إطلاقُه لفظ الصلة قد يُفهم أنها زائدة على الضمير لا
جزءٌ منه لأن حقيقة الصلة ما وُصِل بالشيء ولا يكون ذلك إلا من انفصال
والمسألة مختلف فيها على الجملة على ما أذكره لك
[١٨]
стр. 4485
فقال السيرافي اختلف أصحابنا في هذه الواو والياء فزعم
الزجاج أن مذهب سيبويه أنهما كالألف في المؤنث هما من نفس الاسم قال
الزجاج والصحيح أنهما ليسا من نفس الضمير بدليل حذفهما في الوقف
ولا يحذف الألف قال السيرافي ولا حجة له في ذلك فقد يُحذف ما هو
من نفس الاسم كقاض
وقال الفارسي في التذكرة مثل ذلك وأنه غير قاطع قال لأنهم قد
حذفوا في الوقف الواو في ضربكُمْ وهذا لكم والياء في عليهم مع أنها
من نفس الكلمة وليست بزيادة بدليل أن المؤنث الذي بحذائه ليست النون
الثانية فيه بزيادة ولكن إنما حُذِفتا في الوقف لأنهما حرفا علة قد حُذفا في
الوصل في عليه ومنه ونحوه والوقف موضع يُحذف فيه ما يحذف في
الوصل نحو المتعالِ ويَسْر فإذًا يكون ما حُذِف في
الوصل أولى أن يلزم الحذْفَ في الوقف لأنه موضعُ تغيير
قال السيرافي ومن أصحابنا من ينسب لسيبويه أنهما ليستا من نفس
الاسم ولعله يشير إلى الفارسي
[١٩]
следующие страницы →