← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

فكان يستغني بذلك عن تكرار ذكر الوقف لكنه لم يفعل ذلك فما وجهه؟ والجواب أنه أتى به لفائدةٍ حسنة وذلك أنه لو قال واحذف في سوى الاضطرار كذا لاقتضى حكما لم يقصده وهو أن الحذف إنما يكون في غير الاضطرار وأما حالة الاضطرار فلا تحذف تلك الصلة وهذا كلام لا معنى له لأن ترك الحذف لا يختص بالضرورة بل الحذف هو المختص بها لكن حالة الوصل لا حالة الوقف فقوله «لِوَقْفٍ» هو علة للحذف لا بيان لموضعه كأنه قال: احذف هذه الصلةَ في غير الاضطرار لأجل الوقف أي: إن الوقف هو العلة في الحذف حالة الاختيار وأما في حالة الاضطرار فليست العلةُ الوقف فيُؤخذُ من هذا الكلام الحكم المتقدم في الوقف ويؤخذ منه أنّ الحذف قد يقع اضطرارا لا لعلة الوقف وما ذاك إلا الحذف في الوصل وهذا صحيح فإن الضرورة قد قادت إلى حذف صلة الضمير في الوصل في مواضع منقولة فمنها ما حُذفت الياء أو الواو منه مع بقاء الحركة ومنها ما حذفتا منه مع الإسكان فمن الأول ما أنشد سيبويه من قول مالك بن خريم بالخاء المعجمة وفي الشرقية ابن حريم بالحاء المهملة فإن يك غثا أو سمينا فإنَّني ... سأجعل عينيه لنفسِهِ مَقْنَعا [١٥]

стр. 4482

وأنشد أيضا لحنظلةَ بن فاتك وأيقن أنَّ الخيل إن تلتبِسْ به ... يكن لغسيل النخل بعده آبر وأنشد أيضا للشماخ له زجلٌ كأنهُ صوتُ حادٍ ... إذا طلب الوسيقة أو زَميرُ وأنشد أيضا لرجل من باهلة أو مُعْبَر الظهر يُنْبِي عن وليّتهِ* ... ما حَجَّ ربَّهُ في الدنيا ولا اعتمرا وأنشد أيضا للأعشى وماله** من مجدٍ تليدٍ ومالَهُ** ... من الريح حظّ لا الجنوبُ ولا الصَّبا ومن الثاني ما أنشده ابن جني وغيره [١٦]

стр. 4483

فَظِلْتُ لدى البيت العتيق أُخِيلُه ... ومِطْوَاي مشتاقان لَهْ أرِقانِ وأنشد أيضا وأشْرَبُ الماء ما بي* نحوه عطشٌ ... إلا لأن عيونَهْ سيلُ واديها قالوا وهذا الثاني أحسنُ من الأول لأنه من إجراء الوصل مُجرَى الوقف على الكمال بخلاف الأول والناظم إنما تكلم هنا على الضرورة بالنسبة إلى اللغة المشهورة إذْ حذْفُ الواو والياء مع بقاء الحركة أو حذفها لا يكون فيها إلا ضرورة فلا يُعتَرَضُ عليه بأنّ من العرب من يحذفها في الوصل إذا تحرك ما قبلها على الوجهين وهم بنو عُقَيل وبنو كلاب نقل ذلك المؤلف في الشرح عن الكسائي ونقل ابن جني عن أبي الحسن التسكين بعد الحذف في الوصل لغة لأزد السراة فإن الناظم إنما تكلم على اللغة المشهورة إلا أنه يُعترض عليه من وجه آخر وهو أن الضمير قد تحذف صلته في الوصل في حالة السعة لا في الاضطرار وذلك إذا كان قبل الضمير ساكن ثابت أو محذوفٌ للجزم أو للوقف فتقول عليهْ* وعليهي ومنه** ومنهُو وكذلك ارمِهْ وارمهي وادعُهْ وادعهو ونحو ذلك فيقال [١٧]

стр. 4484

مثلا إن الناظم قد حصر حذف صلة الضمير في شيئين وهما الوقف والاضطرار في الوصل وهذا غير صحيح بل تُحذف أيضا اختيارا في الوصل بعد الساكن وإنما يصح ما زعم من الحصر في الضمير الذي قبله متحرك بالأصل خاصة فهناك لا تُحذفُ صلته في المشهور إلا في الوقف أو في الاضطرار فاقتضى كلامه أن الضمير إذا سكن ما قبله لفظا أو أصلا فإنما يُحذف لأحد هذين الأمرين وليس كذلك ولا أجد الآن عن هذا جوابا! والضرورة هنا إنما تعلقت منه نصا بالواو والياء لأنه قال «وَاحْذِفْ لِوَقْفٍ فِي سِوَى اضْطِرَارِ ... صِلَةَ غَيْرِ الْفَتْحِ» فخرجت صلة الفتح عن دعوى الضرورة فيها وهكذا ينبغي أن يكون فإنه لم يأت حذفُ صلة الفتح في ضرورة ولا غيرها وإنما جاء في لغة طيّئ* حذفها ونقل حركة الضمير إلى ما قبله قال خطيب وفد طيئ «بالفضل ذو فضلكم الله بِهْ والكرامة ذاتِ أكرمكم الله بَهْ**» أراد بها وهذا ليس بضرورة ولا اعتراض بها أيضا على الناظم لِقلَّتها والمسألة الثانية إطلاقُه لفظ الصلة قد يُفهم أنها زائدة على الضمير لا جزءٌ منه لأن حقيقة الصلة ما وُصِل بالشيء ولا يكون ذلك إلا من انفصال والمسألة مختلف فيها على الجملة على ما أذكره لك [١٨]

стр. 4485

فقال السيرافي اختلف أصحابنا في هذه الواو والياء فزعم الزجاج أن مذهب سيبويه أنهما كالألف في المؤنث هما من نفس الاسم قال الزجاج والصحيح أنهما ليسا من نفس الضمير بدليل حذفهما في الوقف ولا يحذف الألف قال السيرافي ولا حجة له في ذلك فقد يُحذف ما هو من نفس الاسم كقاض وقال الفارسي في التذكرة مثل ذلك وأنه غير قاطع قال لأنهم قد حذفوا في الوقف الواو في ضربكُمْ وهذا لكم والياء في عليهم مع أنها من نفس الكلمة وليست بزيادة بدليل أن المؤنث الذي بحذائه ليست النون الثانية فيه بزيادة ولكن إنما حُذِفتا في الوقف لأنهما حرفا علة قد حُذفا في الوصل في عليه ومنه ونحوه والوقف موضع يُحذف فيه ما يحذف في الوصل نحو المتعالِ ويَسْر فإذًا يكون ما حُذِف في الوصل أولى أن يلزم الحذْفَ في الوقف لأنه موضعُ تغيير قال السيرافي ومن أصحابنا من ينسب لسيبويه أنهما ليستا من نفس الاسم ولعله يشير إلى الفارسي [١٩]

стр. 4486

قال ابن الضائع كذا قال الأستاذ أبو علي رحمه الله تعالى وزعم أن تشبيه سيبويه هذه الواو بالألف مع ضمير المؤنث تشبيه لفظي يعني به أن الواو ثابتة في الوصل كالألف ثم رجح ابن الضائع أنها من نفس الاسم بأن ضمير المذكر ينبغي أن يكون كضمير المؤنث وذلك أنا لم نجدهما يختلفان في موضع بحيث يكون أحدهما على حرف فالآخر يكون كذلك وكذلك فيما زاد ولذلك حكمنا في ميم جمع المذكر أن الأصل فيها الميم والواو معا وإن كانت الواو تحذف في الوقف لأن ضمير المؤنث على ثلاثة أحرف فكذلك ينبغي أن يكون ضمير المذكر مثله فأنت ترى أن الخلاف في كون الصلة زائدة أو غير زائدةٍ إنما هو في الواو والياء وأما الألف فقد سلم جميعهم أنها من نفس الاسم كما أن الواو في ميم جمع المذكر من نفس الاسم وإشارةُ الناظم تقتضي القول بالزيادة في الألف مطلقا ولذلك وجه فإنه من حيث قيل بزيادة غيرها فجائز أن يقال بزيادتها أيضا ليستوي الجميع في حكم واحد وثبوت الألف في الوقف وحذف الواو والياء لا يدُلّ على فرق واضح بينهما وقد نبه على ذلك [٢٠]

стр. 4487

أيضا السيرافي فإن كان الناظم يذهب في مسألة الألف إلى مذهب ثالث فليس ببجع من وجهين: أحدهما أن إحداثَ قولٍ ثالث في مسألة ليس بخرق إجماع عند طائفة من أهل الأصول هذا إن كان في هذه المسألة إجماع على ذينك القولين ولا أتحقق ذلك الآن والثاني على تسليم أنه خرْقُ إجماع ليس إلا من قبيل إحداث تأويل آخر إذ الحكم بزيادة الألف أو أصالتها ليس بخلاف في أصل حكم وإنما هو خلاف في تأويل ومجمل وأكثر الأصوليين على جواز هذا وقد تقدم لهذا نظير في باب أسماء الأفعال على أني قد وجدت ذلك منصوصا للفارسي أن سيبويه نص على أن الياء بعدها ليست من نفس الكلمة ولا بمنزلته فقال في التذكرة قد نص يعني سيبويه على أن الزيادة التي تلحق الياء ليست من نفس الكلمة كما ترى ثم استدل على ذلك بأشياء منها أنها نظيرة التاء للمتكلم والكاف للمخاطب فكما أنّ كلّ واحدٍ من ذلك على حرفٍ واحدٍ فكذلك ينبغي أن يكون الأمرُ في الهاء وأنّ الواو والياء لاحقتان [٢١]

стр. 4488

لخفاء الهاء ثم قال فإن قلت فلم لا تستدل بلحاق الألف للمؤنث أنّ الواو والياء بحذاء الألف؟ قيل تكونُ الألفُ لاحقةً لتبين المؤنث من المذكر كما لحقت في أعطيتكها لذلك وكما أن الشين في قول من قال أكرمتكش كذلك فكما أن الكاف حرف مفرد وإنما لحقه ما لحقه ليتبين المؤنث من المذكر كذلك يكون لحاق الألف الهاء للمؤنث إلا أن الهاء لزمها الألف في سائر اللغات واقتضى أيضا كلامه زيادة الواو بعد ميم الجميع وظاهر كلامهم الأصالة ولم أر من نص على زيادتها فلعل الناظم رأى في ذلك خلافا ولذلك وجه أيضا نحو مما تقدم ولا يعدّ خارقا للإجماع على تقدير عدم الخلاف لأنه خلاف في تأويل كما مر المسألة الثالثة أن الصلة إنما تُطلق على ما كان من حروف اللين تابعا لمناسبة من الحركة وناشئا عنه وذلك الواو مع الضمة والألف مع الفتحة والياء مع الكسرة وأيضا فلا بد من السكون فيها لأنها ناشئة عن الحركات فمثل ضرَبهُو وضربها ومررت بِهي هو الذي شمل كلامه فيخرج له عن ذلك بمقتضى لفظه هُوَ وهي فالواو والياء فيهما ليستا بصلة للهاء بل هما من نفس الاسم ولا يخالف في هذا وليستا بناشئتين عن الحركات لتحركه فالوقف على هُوَ أو هِيَ لا يذهب بالواو والياء بل تقول في الوقف هُوْ وهِيْ بالسكون وهذا مفهومٌ من كلامه إذ قال واحذِفْ صلة كذا كأنه [٢٢]

стр. 4489

قال احذِفْ ما كان صلة فمفهوم الصلة فيه أن ما ليس صلة لا يحذف فإذًا إن جاء الحذفُ* فيهما يوما ففي الشهر ضرورة ومنه ما أنشده سيبويه في حذف واو هُوَ بيناهُ** في دار صدق قد أقام بها ... حينا يُعلِّلُنا وما نُعَلِّلهُ وأنشد أيضا أبو الحسن في الكتاب للعجير السلولي فَبَيْناهُ** يَشْرِي* رَحْلَه قال قائلٌ ... لِمَنْ جَمَلٌ رِخو الملاط نجيب؟ ومن حذف ياء هي ما أنشده سيبويه دارٌ لسُعدى إذْهِ من هَواكا [٢٣]

стр. 4490

وقوله «فِي سِوَى اضْطِرَارِ» أدخل فيه حرف الجر على «فِي» وقد تقدم أن ذلك مذهبه وأنه ليس بضرورة خلافًا لما يقوله سيبويه من اختصاصه بالضرورة * * * وَأَشْبَهَتْ إِذًا مُنَوَّنًا نُصِبْ ... فَأَلِفًا فِي الْوَقْفِ نُونُهَا قُلِبْ ذكر هنا حكم الوقف على إذًا وكان غير لازم له ذكرُ الأحرف المفردة التي لا نظير لها في الحكم المذكور ولا يشمل الحكم جملةً منها كما جرى من عادته إذا** لا يذكر المختصرُ إلا القواعد الكلية والمسائل الشهيرة لا الشواذ والحروف المنفردة إلا بالتبَعِ وهذا ليس كذلك بل ذكَرَ إذًا ذكرًا مقصودا لكن وجه ذلك والله أعلم أنّ إذًا من الأدوات الشهيرة الكثيرة الاستعمال جدا إذ هي حرف جواب وجزاء فقلما يخلو كلام بين متخاطبين فيه طول منها وأيضا هي مع ذلك تستلزم كثيرا الوقف عليها كما إذا أردت جواب مخاطبك فقلت له (فلا إذا) أو (فنعم إذا) كما قال النبي ﵇ (أينقص الرُّطبُ* إذا جَفَّ؟ ) قالو نعم قال (فلا إذَا) حين سألوه عن بيع الرُّطَب بالتمر. وفي كلام العرب من ذلك كثيرٌ تقع فيه إذًا موقوفًا عليها [٢٤]

стр. 4491

فلما كانت بهذه الحال كان ذكرها في باب الوقف أكيدا فلذلك نصَّ على حكمها وقد حصَّل كلامُه فيها مسألتين إحداهما حكمُ الوقف عليها وذلك قوله «فَأَلِفًا فِي الْوَقْفِ نُونُهَا قُلِبْ» يعني أنك إذا وقفت على إذًا فلا تقف على النون وإن كانت أصلا ليست بزائدة كنون التوكيد الخفيفة ولا كالتنوين وإنما تقف عليها بإبدال نونها ألفا فتقول إذا كما تقول في اضربن اضربا وفي زيدن زيدا وعلى حكم الوقف كتبت بالألف في الرسم السلفي وعلى القول الصحيح في رسمها والثانية السببُ الذي لأجله لم تكتب إذا على القياس الأصلي إذ كان الأصل فيها أن يوقف عليها بالنون إذ النون أصلية كنون حسن ورَسَنٍ وفِرْسِنٍ ونحو ذلك بل كنون مِنْ وعَن وما أشبهها من حروف المعاني التي النون فيها أصل فأخبرَ الناظم بالعلة التي لأجلها خرجوا عن قياسها الأصلي فوقفوا عليها بالألف وهو شبهها بالمنصوب المنون من الأسماء وذلك قوله (وَأَشْبَهَتْ إِذًا مُنَوَّنًا نُصِبْ) [٢٥]

стр. 4492

يعني أنّ هذا الشبه حصل في إذًا فحكم لإذًا بحكم ما شبهت به كما تقول في رأيت زيدن رأيت زيدا فكذلك تقول في أكرمك إذَنْ أكرمك إذا ووجهُ الشبه بينهما من جهة اللفظ ومن جهة الاستعمال فأما من جهة اللفظ فإن كل واحد منهما آخره نون ساكنةٌ لحقت الكلمة فاصلة لها عن غيرها لأنها آخر في كل منهما وأما من جهة الاستعمال فلأن كلا منهما يصح الوقوفُ عليه مع تمام الكلام فتقول أكرمك إذا كما تقول أكرم زيدا وبهذا المعنى خالفت سائر الحروف إذْ كانت لا يوقف عليها استقلالا إلا ما ليس آخره النون كبلى ونعم ولا فلما كانت كذلك عُوملت في الوقف معاملة ما أشبهته وهذا هو الذي اعتبر الناظمُ وقد اعتبر ابن جني أيضا شبهها بما آخره نون التوكيد الخفيفة كقوله ﴿لنسفعا بالناصية﴾ وهو صحيح أيضا ولابن جني في «سر الصناعة» في هذا المعنى كلامٌ طويل من أحبه طالعه هنالك * * * وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا ... لَمْ يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ، وَفِي ... نَحْوِ مُرٍ لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِيْ [٢٦]

стр. 4493

الاسمُ المنقوص في أحكام الوقف على أربعة أقسام ذكرها الناظم كلَّها إذْ لا يخلو الاسم المنقوصُ أن يكون بعد النقص لا يبقى من حروفه الأصول إلا حرفٌ واحد أو يبقى أكثرُ من ذلك وإن بقِي أكثرُ من ذلك فلا يخلو أن يكون منصوبا أو لا وإن لم يكن منصوبا فلا يخلو أن يكون منوّنًا أو لا فهذه أربعة أقسام يترتبُ الكلامُ عليها على حسب ما رتبه بعد أن نقول: المنقوص الذي أراده إنما هو ما كان آخره ياءً قبلها كسرة* نحو قاضٍ وغاز ومستدع ونحو ذلك فأحد الأقسام المنقوصُ المنوَّن غير المنصوب وغير الباقي على حرفٍ واحدٍ نحو قاضٍ وغاز فهذا القسم في الوقف عليه وجهان: أحدهما أن تحذف الياء وتقف على ما قبلها فتقول هذا قاضْ وهذا رامْ ومررت بقاضْ ومررت برامْ وكذلك هذا داعْ وهذا مستدعْ وهذا عَمْ تريد العَمِي* وهذا شّجْ ونحو ذلك وهو أرجح الوجهين واللغةُ الفصيحةُ قال سيبويه «فهذا الكلام الجيِّد الأكثر» ووجهه أن الياء المكسورة ما قبلها لما كانت تُستثقلُ وكانت محذوفة في الوصل والوقف عارض والعارض لا يعتد به في الأمر الكثير تركوها محذوفة في الوقف [٢٧]

стр. 4494

أيضاً وعلى هذا الوجه قراءة الجماعة إلا ابن كثير ﴿ولكل قوم هاد﴾ ﴿وما عند الله باق﴾ ﴿وما لهم من الله من واق﴾ والوجه الثاني ثبوتُ الياء وهو وجهٌ جيِّدٌ أيضا فنقول هذا قاضي وهذا غازي ومررت بمستدعِي ومررت بشجي وما أشبه ذلك وعليه قراءة ابن كثير ﴿ولكل قوم هادِيْ﴾ ﴿وما عند الله باقِيْ﴾ ﴿وما لهم من الله من واقِيْ﴾ قال سيبويه «وحدثنا أبو الخطاب أنّ بعض من يُوثَق بعربيته من العرب يقول هذا رامي وغازي وعمي، أظهروا في الوقف حيثُ صارت في موضع غير تنوين لأنهم لم يُضطروا هنا إلى مثل ما اضطُروا) إليه في الوصل من الاستثقال) يعني أنّ الموجبَ لحذف الياء إنما كان ملاقاة التنوين لها إذ كان الأصل قاضِيٌ وغازِيٌ فاستثقلت الحركة على الياء فحذفت من اللفظ فالتقى ساكنان الياء والتنوين فوجب حذفُ الياء لذلك وأما في الوقف فقد زال ما أوجب حذفها فوجب رجوعُها إلى حالها من الإثبات اعتدادا بعارض الوقف وهذان الوجهان في هذا القسم هما المرادُ في قول الناظم «وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ» إلى آخره وقد حكى ابن الأنباري عن الكسائي والفراء إبطال الوجه الثاني وزعما أن لا يوقف إلا بحذف الياء واحتجا بأن الكلام [٢٨]

стр. 4495

بنى * وقفُه على وصله فلا يحدث في الوقف ما لا يكون في الوصل وما قالاه ردٌّ على كلام العرب فهو رد مردود على أنه قد حكى الكسائي الوقف على قوله تعالى ﴿حتى إذا أتوا على وادِي النمل﴾ بالياء ويقول اسمه وادي فلا يتم إلا بالياء وظاهر هذا النقل أنه تناقض في مذهبه لأن هذه العلة موجودة في قاضٍ وغازٍ لأن الاسم قاضي وغازي فيجب على هذا أن يقف بالياء والصحيح مذهبُ أهل البصرة ومعنى كلام الناظم أن المنقوص الذي نُوِّن وذلك إذا لم يكن فيه ألِف ولام ولا إضافة إذا وُقِف عليه في غير النصب فحذفُ تلك الياء أولى من إثباتها فاستثناؤه المنصوبَ يدلُّ على أن مراده المرفوعُ والمجرور ويدلُ على أن مراده ما زاد على حرفٍ واحد أصلي قوله بعد ذلك «وَفِي ... نَحْوِ مُرٍ لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِيْ» فذكر هذا أخيرا صريح في عدم إرادته إياه في سائر الأقسام [٢٩]

стр. 4496

ويشمل هذا القسمُ بإطلاقه وعمومه كل منون سواء أكان تنوينه تنوين صرف أم لا فجوارٍ وغواشٍ ويرمٍ - مسمًى به على مذهب الخليل - وأعيم وقاضٍ اسم امرأة كله داخل تحت هذا الحكم فتقول في الأجود هذه جوارْ وغواشْ ويَرْمْ وعلى الوجه الآخر جواري وغواشي ويرمي والعلة في هذا هي العلة في المنصرف والقسم الثاني المنقوص المنصوب مطلقا كان منونًا أو غير منونٍ ولا يكون على حرف واحد أصلا فحكم هذا ظاهر من كلامه فإن المنصوب المنون تظهر فيه الحركة كما تظهر في الصحيح فإن كان مُنوّنا فقد حصل تحت قوله أول الباب «تَنْوِينًا اثْرَ فَتْحٍ اِجْعَلْ أَلِفَا» وإن كان غير منون فقد دخل له فيما دخل بعد لأن الياء لتحركها قد أشبهت غير المعتل فصار كقولك (رأيت الرجل) فلم يحتج الناظم هنا إلى ذكر الإثبات فيه فتقول رأيت القاضي والغازي والمستدعي* ورأيت الجواري وكذلك الشجي* والعَمِي* والمُرِي - اسم الفاعل من أرَى يُرِي - فإذًا المنصوب هنا مستثنى من جميع الأقسام لكنه لم يذكره بعدُ نصا لدلالة القسم الأول على ذلك ولأن علة الاستثناء في القسم الأول موجودة في كل قسم وذلك الجريان مجرى الصحيح والقسم الثالث المنقوصُ غير المنون ولا الباقي على حرف واحد فهذا القسم فيه وجهان: [٣٠]

стр. 4497

أحدهما إثبات الياء في الوقف كما تثبُت في الوصل لأن حذف الياء إنما كان لعلة التقاء الساكنين أحدهما التنوين ولا تنوين هنا فلا موجب للحذف فتقول هذا القاضي ومررت بالقاضي وهذا الشجي ومررت بالشجي والثاني حذفها فتقول هذا القاضْ ومررت بالقاضْ وهذا الشجْ ومررت بالشج وما أشبه ذلك قال سيبويه «ومِن العرب مَن يحذفُ هذا في الوقف شبَّهوه بما ليس فيه ألف ولام؛ إذ كانت تذهب الياء في الوصل في التنوين لو لم تكن فيه الألف واللام» يعني لمعاقبة الألف واللام للتنوين والعرب تحكم للمعاقِب بحكم ما عاقبه قال «وفعلوا هذا لأن الياء مع الكسرة تُستثقل كما تستثقل الياءات» قال «فقد اجتمع الأمران» يعني التشبيه بما ليس فيه ألف ولام والاستثقال ومن الحذف في هذا الوجه ما روي عن نافع وأبي عمرو في بني إسرائيل والكهف ﴿من يهد الله فهو المهتد﴾ من إثبات الياء في الوصل وحذفها في الوقف وهذان الوجهان هما المرادان بقوله «وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ» يعني أنّ ما ليس فيه تنوينٌ من المنقوص حكمُه في حذف الياء وإثباتها على العكس مما فيه التنوين وحقيقة العكس أنه قال أولا: إن الحذف أولى من الإثبات فإذا حولت هذا الكلام على وجه يصدُق قلت: إن الإثبات أولى من الحذف فالوجهان على هذا جائزان وقوله «وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ» يشمل ما فيه الألف واللام كما تقدم تمثيله وما كان مضافا يُوقَفُ عليه دون المضاف إليه نحو (هذا قاضي) في [٣١]

стр. 4498

(قاضي بلدتنا) ووجهُ اختيار الإثبات نحو مما تقدم في ذي الألف واللام لأن الإضافة تعاقب التنوين فصارت كالألف واللام إلا أن الإضافة تزول إذا وقفت* على المضاف ولكن هذا عارضٌ فلا يعتدُّ به ويبقى آخر الاسم في الوقف على حدّه في الوصل وجه الحذف بقاؤه في الوقف على هيئة ما كان منونًا في الأصل فقف** عليه ويشمل أيضا ما زال تنوينه بالنداء نحو يا قاضي ويا غازي، فالوجهُ الجيد الإثباتُ وقفا ويجوز على غير الأجود يا قاضْ ويا غازْ وهذا الذي ظهر من الناظم هو مذهب الخليل فإثبات الياء عنده هو المختار وقال السيرافي واختار بعض أصحابنا مذهب الخليل رأيت ذلك في كلام نسب أوله إلى المبرد حكاه محمد بن علي مَبْرَمانُ واختاره أيضا ابن طاهر وتلميذه ابن خروف وخالف في ذلك يونس؛ إذ الحذفُ عنده هو الأقوى فقولك يا قاضْ أحسنُ عند يونس من يا قاضي وهو الراجح عند سيبويه ورُجِّح ما اختاره الناظم من مذهب الخليل بوجهين: أحدهما ما ذكره السيرافي من أن المنادى المعرفة لا يدخله تنوين في وقف ولا وصل والذي يُسقط الياء إنما هو التنوين ولا تنوين فوجبَ إثباتُ الياء كما تثبُت في «القاضي» بالألف واللام [٣٢]

стр. 4499

والثاني ما قال ابن طاهر من أن ياءَ قاضي لو حُذفت في النداء في الوصل لكان قولُ يونس هو الصحيح ولكنهم لا يقولون إلا يا قاضي بإثبات الياء فصار بمنزلة «القاضي» فالجيدُ ثبوتها وكلٌّ قد حُذف منه التنوين فقوِي قول الخليل عنده قال ابن خروف وهو ظاهر ورجَّح سيبويه مذهبَ يونس بأن النداء موضع حذف فيحذف فيه ما لا يحذف في غيره كالترخيم والتنوين وياء المتكلم فأن يُحذَف فيه ما يجوز أن يحذف في غيره أولى وبسَط هذا ابن الضائع فقال: الصحيح قولُ يونس لما تقدم من قوة الحذف والتغيير في النداء فقد اجتمع في هذا الموضع بابا حذفٍ وهما النداء والوقف فقَوِيَ فيه الحذفُ؛ ألا ترى* أن ياء المتكلم في غير النداء يجوز حذفها في الوقف وإن لم يجز حذفها في الوصل فكذلك الوقف مع الوصل هنا في النداء وقد أجاب ابن خروف عما رجَّح به سيبويه بأنّ حذف الترخيم وياء الإضافة على قياس وليس حذفُ الياء من قاضِي في النداء بقياس وأما «يا صاحِ» فشاذ لأنه محذوف يا الإضافة على لغة يا حارِ ثم رُخم بعد ذلك ومثل هذا لا يرخّم فلا ينبغي القياس عليه [٣٣]

стр. 4500

والقسم الرابع المنقوص الباقي على حرف واحد أصلي فهذا لا يجوز الوقف عليه إلا بإثبات الياء وذلك قولك مُرٍ تقول في الوقف مُرِيْ ولا تقول مرْ قال سيبويه «كرهوا أن يُخلّوا بالحرف فيجتمع عليه ذهابُ الهمزة والياء فصار عوضا» يعني مما حذف وذلك أن الهمزة قد حُذفت بالتسهيل فلو لم ترد الياء في الوقف لأدى إلى أن يبقى من أصول الكلمة حرف واحد ساكن قال ابن الضائع: وإذا كانوا في مثل هذا يجيئون بحرف لئلا يبقى من أصول الكلمة حرف واحد ساكن نحو لِتَقِهْ فإنهم يقفون عليه بالهاء فأنْ يردوا إلى الكلمة ما قد حُذف منها مع أنّ مُوجِبَ الحذف قد زال أحرى وهذا القسم هو الذي أراد بقوله «وَفِي ... نَحْوِ مُرٍ لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِيْ» يعني أن هذا اللفظ وما كان نحوه مما لم يبق من أصوله إلا حرف واحد لا بد فيه من رد ما نقص منه في الوقف كان في نداء نحو يا مريْ أو في غيره نحو هذا مُرِيْ ومررت بِمُرِي والذي هو نحو مُرٍ قولك مُشٍ من أشأيت زيدا القوم إذا جعلتَه يسبقهم منقول من شأوتُهم إذا سبقتهم [٣٤]

стр. 4501

ومُنٍ من أنأيته أي أبعدته ومُثٍ من أثأيتُ القوم إذا جرحتَ فيهم ومُبٍ من أبأيته أي أفخرته وكذلك ما أشبهه إذا بنيت فيه على تسهيل الهمزة بحذفها ونَقْل حركتها إلى ما قبلها؛ إذَا أصل اسم الفاعل فيها مُشْء مُنْءٍ ومُثْءٍ ومُبْءٍ فإذا سهَّلت صارت إلى مُشٍ ومُنٍ ومُثٍ ومُبٍ فإذا وقفت فلا بد من رد الياء فتقول مُشِيْ ومُنِيْ ومُبِيْ ومُثِي كما قلت مُرِيْ ومُرٍ أصله اسم فاعل من أريته الشيء و«اقْتُفِيْ» معناه اتُّبع؛ قفوتُ أثره واقتفيتُه أي اتبعته يريد أن لزوم الرد أمرٌ متبع معمولٌ به غير مُخالَف * * * وَغَيْرُ هَا التَّأْنِيثِ مِنْ مُحَرَّكِ ... سَكِّنْهُ، أَوْ قِفْ رَائِمَ التَّحَرُّكِ أَوْ أَشْمِمِ الضَّمَّةَ**، أَوْ قِفْ مُضْعِفَا ... مَا لَيْسَ هَمْزًا أَوْ عَلِيلًا إِنْ قَفَا مُحَرَّكًا، وَحَرَكَاتٍ اِنْقُلَا ... لِسَاكِنٍ تَحْرِيكُهُ لَنْ يُحْظَلَا هذا الفصل يذكر فيه أنواعا خمسة من تغييرات الوقف وما تلحق فيه [٣٥]

стр. 4502

من الكلم. وأخذ يُبيّن أولا أن ذلك التغير إنما يلحق المحرك الذي ليس بهاء تأنيث وذلك في قوله «وَغَيْرُ هَا التَّأْنِيثِ مِنْ مُحَرَّكِ» يريد أن هذه الأشياء إنما تلحق الآخر المحرك الذي ليس بهاء تأنيث وأراد بالمحرك الآخر الموقوف عليه ودل على ذلك سياق كلامه من أول الباب إلى هنا فلذلك لم يحتج إلى التنصيص عليه فيقول مثلا: وغير هاء التأنيث من آخر محرك بإظهار الموصوف أما اختصاص هذه الأنواع بالمحرك فلأن الآخر إذا كان ساكنا في الوصل فهو إما صحيح الآخر وإما معتله فالصحيح الآخر لا إشكال في بقائه على سكونه ولا يدخله غير ذلك؛ إذا لا يقبل روما ولا إشماما ولا تضعيفا ولا نقلا؛ لأن هذه الأشياء مختصة بالمحرك كما سيتبين إن شاء الله والمعتل إما بالألف وإما بالواو وإما بالياء أما الألف فاللغة الشهيرة فيها بقاؤها على أصلها في الوقف من غير تغيير وما جاء من إبدالها ياءً أو واوًا أو همزةً في نحو أفعى وأفعَوْ وحُبْلا نادر أو لغة قليلة لم يعتمد على ذكرها في هذا المختصر هذا إذا كان اسما معربا وكذلك إذا كان فعلا نحو يخشى أو اسما مبنيا أو حرفا فالوقف عليه على [٣٦]

стр. 4503

حاله وما جاء على خلاف ذلك فنادر وقيل نحو قولهم في يا مثنى: يا مثناه وهذاه في هذا وهناه في ههنا وأما الياءُ فالإثبات فيها هو الشهير الفصيح وما جاء من قولهم غلام في غلامي وضربن في ضربني فقليل أو مختص بالقافية أو الفاصلة وكذلك قولهم (لا أدر) في (لا أدري) وقفا وهو نادر أيضا وكذلك حيث يبدل منها الجيم في نحو قول الشاعر أنشده أبو زيد يا رب، إن كنت قبلت حِجَّتِجْ ... فلا يَزالُ شاحجٌ يأتيك بِجْ أقمرُ نهاتُ يُنَزِّي وَفْرَتِجْ يريد حجتي وبي ووفرتي وعلى هذا الحكم يجري ما آخره واوٌ في المبني نحو ذو أو في الفعل المعرب نحو يغزو وكذلك يرمي وقد يجوز حذفها لكن في القوافي والفواصل أو في نادر الكلام وهو قوله في التسهيل «ولا حذف في نحو يقضي افعلي ويدعو وافعلوا غالبا إلا في قافية أو فاصلة» انتهى فذلك كله لا يقدح فيما أصَّل الناظم وقد [٣٧]

стр. 4504

أشرتُ إلى بعض ما ورد منه إشارة مختصرة والكلامُ فيها يطول ولو كان في لفظ الناظم ما يشير إلى شيء من ذلك لاستوفيت النظر فيه على حسب ما يحتمله الشرح ولكنه سكت عنه اتكالا على فهم بقائه على أصله فمن هذه الجهة أشرتُ إلى ما أشرتُ إليه والله الموفق وأما استثناء هاء التأنيث فلاختصاصها بحكم يأتي وهو إبدالها في الوقف هاء والهاءُ لا يصح فيه روم ولا إشمام ولا غيرهما؛ إذ كان ذلك بيانا لحركة الحرف الآخر والمحرك تاءٌ لا هاء فلا تصح إشارة إلى حركة فيما لم يبق فيه على تحريك؛ لأن الهاء إنما أُبدِلتْ في الوقف والسكون لازم للوقف فلا يمكن فيها التحريك وإنما عبّر عنها بالهاء ولم يقل تاء التأنيث لحكمة ظاهرة وفائدة حسنة وذلك أنه إذا عبر عنها بالهاء خرج له عن حكم الاستثناء ما لا يسمى من التاءات هاء إذ تاء التأنيث لا تسمى هاء إلا اعتبارا بمآلها في الوقف فما كان منها لا يُبدَل هاء فلا يقال فيه هاء التأنيث فتاء بنت وأخت قد يعبر عنها بتاء التأنيث ولا يعبر عنها بالهاء لأنها لا تبدل هاء وكذلك تاء جمع المؤنث السالم نحو هندات يعبر عنها بتاء التأنيث لا بها التأنيث فخرجت إذًا هاتان التاءان عن حكم الاستثناء ودخلت في المحرَّك الذي ليس بهاء تأنيث فيجوز إذًا في أخت وبنت وهندات الروم والإشمام وغيرُ ذلك مما توفرت فيه شروطه ولا يقتصر بها على السكون فقط كما يكون ذلك في هاء [٣٨]

стр. 4505

التأنيث نحو طلحة وحمزة. ثم عبر عنها بعد هذا بالتاء لا بالهاء في قوله «فِي الْوَقْفِ تَا تَأْنِيثِ الِاسْمِ هَا جُعِلْ» لأن قصده هناك الإتيان بجنس التاء وما يبدل منها الهاء في الوقف وما لا، فتمكن هنالك ذكر التاء؛ إذ لم يقصد إلا ما هو أعمّ من الهاء. وأيضا فإنه لو قال هناك «فِي الْوَقْفِ ها تَأْنِيثِ الِاسْمِ هَا جُعِلْ» لم يكن فيه بيان؛ إذ لا تسمى هاء إلا بعد ثبوت إبدالها هاء وذلك بعد لم يتم بل هو آخذ في التعريف به فلا يمكن إلا أن يذكر أصلها من التاء حتى يذكر إبدال ما يبدل منها وههنا مسألة هي مقدمة لما يذكره من الأوجه وذلك أنه قال «وَغَيْرَ هَا التَّأْنِيثِ مِنْ مُحَرَّكِ» وهذه العبارة تؤذن بعموم الحكم في كل محرك؛ إذ قوته قوة أن لو قال: وكل محرك سوى الهاء فحكمه كذا. وإذا كان كذلك دخل له فيها كل ما تحرك آخره سواء أكان اسما أم فعلا أم حرفا وسواء أكان معربا أم مبنيا كل ذلك يدخله التغير بما دون السكون من هذه الأنواع التي من الروم والإشمام والتضعيف والنقل أو ما توفرت فيه شروطه منها فكل مبني على الضم نحو (يا زيد) و (يا حكمُ) وقبلُ وبعدُ ومنذ وحيث أو على الفتح نحو أين وكيف وقام وقعد وخمسةَ عشرَ وليتَ وسوفَ وإنَّ وأنَّ [٣٩]

стр. 4506

ولات، أو على الكسر نحو أمس وجبر** ويومئذ وكذلك ضربتُ وضربتَ وضربتِ وضربكَ وضربكِ وأنتَ وأنتِ وضربه ويضربه وضربتم وضربتنّ وضربكم وضربهم وأنتم وأنتنّ وكذلك منه وعنه وإليه ولديه وما أشبه هذه كله فداخل تحت ما ذكر وهذا مما يجب أن يحقق النظر فيه فقل من يتكلم من النحويين على هذه التفاصيل كلها وإنما لهم في إجازة هذه الأشياء إطلاقات لا تُوفِي بالمقصود فأما القراءُ فأجازوا ما لهم أن يجيزوا من الروم والإشمام في كل متحرك ما عدا أربعة أشياء أو خمسةً أحدها هاء التأنيث وهي التي استثنى الناظم والثاني ميم الجميع في المضمرات نحو لهمُ ولكمُ وعليهمُ وعليكمُ وذلك عند من يصلها في الوصل بالواو أو بالياء فلا يجوز هنا روم ولا إشمام ولا غيره لأن الميم إنما تستعمل عند حذفِ الصلة ساكنة فصارت في الحكم كالهاء التي للتأنيث لا يصح فيها إشارة لمحركة؛ إذ ليست من الحركات في شيء إلا مع الصلة وهي قد زالت هذا على الاستعمال المشهور وأما من لغته من العرب التحريك في الوصل مع حذف الصلة وقد قُرئ بذلك - حكاها ابن مجاهد - فإنّ الرومَ والإشمام وغيرَ ذلك يجوزُ [٤٠]

стр. 4507

فيها إذ صارت كهاء الإضمار نحو منه وعنه وعليه يجوز ذلك فيها من حيث جاز فيها التحريك مع حذف الصلة أما في اللغة المشهورة فلا بد من السكون هذا هو المشهور المعمولُ به عنده وأصله لسيبويه إذ نص على أن ميم الجميع إذا حذفت بعدها الواو والياء سكنت وبين أن وجه الحذف الاستثقال باجتماع الضمتين مع الواو في نحو عليكمو مال أو الكسرتين مع الياء في نحو بهمي داء وقرر هذا المعنى ثم قال «وأسكنوا الميم لأنهم لما حذفوا الياء والواو كرهوا أن يدعوا بعدها شيئا منهما إذ كانتا تحذفان استثقالا فصارت الضمة بعدها نحو الواو ولو فعلوا ذلك لاجتمع في كلامهم أربع متحركات ليس معهن ساكن نحو رسلكم وهو يكرهون هذا؛ ألا ترى أنهم ليس من كلامهم اسمٌ على أربعة أحرف متحرك كله» قال «فأما الهاء فحركت في الباب الأول لأنه لا يلتقي ساكنان» يعني أن الهاء لا تسكن كما تسكن الميم في رسلهم ونحوه لأن الميم لا يكون ما قبلها إلا متحركا فإذا سكناها لم يلتق ساكنان بخلاف الهاء فإن ما قبلها قد يكون ساكنا فيلتقي الساكنان [٤١]

стр. 4508

وخالف في هذه المسألة مكيٌّ فأجاز الروم والإشمام في ميم الجميع وزعم أن ذلك مما أغفل القراء الكلام عليها وأن الذي يجب فيها على قياس شرطهم جواز الإشارة قال «لأنهم يقولون لا فرق بين حركة الإعراب وحركة البناء في جواز الروك والإشمام» ثم قال «فالذي يروم ويشم حركم الميم على النص غير مفارق له والذي لا يروم حركة الميم خارج عن النص بغير رواية اللهم إلا أن يوجد الاستثناء فيها منصوصا فيجب الرجوع إليه إذا صح» قال «وليس ذلك بموجود» ثم قال «ويقوي جواز ذلك فيها نصُّهم على هاء الكتاب فيما ذكرنا بالروم والإشمام فهي مثل الهاء لأنها تُوصَل بحرفٍ بعد حركتها كما تُوصَل الهاء ويحذف ذلك الحرف في الوقف كما يحذف مع الهاء فهي مثلها في هذا» ثم بسط ذلك بسطًا كافيا في كتابه التبصرة ثم قال «فأما من حركها لالتقاء الساكنين فالوقف بالسكون لا غير» قال أبو جعفر بن الباذش: قال لي أبي ﵁ بل مجيز الروم والإشمام في ميم الجميع هو المفارق للنص لأنّ سيبويه نصّ على أن ميم الجميع إذا حذفت بعدها الواو والياء سكنت ثم أتى بنص الكتاب المتقدم ثم قال: فجمع سيبويه بهذا الكلام حكم الميم وهاء الكناية [٤٢]

стр. 4509

وانبنى على ذلك جواز الروم والإشمام في الهاء وامتناعُه في الميم؛ ألا ترى أن من حذف الياء والواو في الوصل سكن الميم أبدًا فإنما يكون الوقف لجميعهم على الحد الذي استعمله بعضهم في الوصل هذا ما قيل المسألة وظاهر إطلاق الناظم أنه في هذه المسألة على مذهب مكي؛ إذ لم يستثن ميم الجميع كما استثنى هاء التأنيث وبعيدٌ غاية البعد أن يترك مذهب الكتاب وظاهر كلام سيبويه ويتبع مكيا في رأيه فهذا فيه ما ترى والثالث من المستثنيات: الآخر المتحرك بحركة عارضة* كالمتحرك لالتقاء الساكنين نحو ﴿قُلِ الحقُّ﴾ و ﴿ابتغَوا الفتنة﴾ وقالت العرب عَلَتِ الأصواتُ وما أشبه ذلك وكذلك إذ نُقلت حركة الهمزة إلى الساكن قبلها من كلمة أخرى نحو لوَ** انك** فعلت فمثل هذا لا يجوز فيه الإسكان كما كان قبل عروض الحركة لأن أواخرها ساكنة، وإنما حركت لعارض في الوصل زائلٍ في الوقف فلا يصح فيها روم* ولا إشمام ولا غيرهما اللهم إلا أن تكون الحركة العارضة كاللازمة بالحكم فإنّ* حكمها حكم اللازمة يجوز فيها ما يجوز فيها وذلك نحو: ملْءٍ ودِفْءٍ والخبْءِ والوَطْءِ [٤٣]

стр. 4510

إذا وقفت على مذهب من يسهل الهمزة من العرب فإنك تشم هنا أو تروم أو تضعف إن شئت من حيث صار ما قبل الهمزة بعد حذفها هو حرفَ الإعراب وحرفُ الإعراب على الجملة لازم للحركة فلا بد أن يحكم له هنا بحكم حرف الإعراب الأصلي وأيضا فإن سكون لام مِلْءٍ وفاء دِفْءٍ بعد التسهيل إنما هو وارد على الحركة المنقولة فالسكون للوقف هو العارض بالنسبة إلى الحركة المنقولة في الوصل أو في تقدير الوصل وهذا بخلاف قولك مثلا (قيد إبلك) لأن الهمزة هنا لازمةٌ لكونها في كلمة فالحركة إذًا لازمة وهي في (قيد إبلك) غير لازمة فالحركة فيه غير لازمة وعلى هذا الأصل يتوجه الخلاف في (يومئذ) و (حينئذ) فذهب مكي إلى أنه لا يتجاوز بها السكون قال «لأنّ التنوين الذي من أجله تحرك الذال يسقط في الوقف فترجع الذالُ إلى أصلها وهو السكون فهو بمنزلة ﴿لم يكن الذين﴾ وشبهه» وقال «وليس هذا مثل غواشٍ وجوارٍ وإن كان التنوين في جميعه دخل عوضا من محذوف لأن التنوين دخل في هذا على متحرك فالحركة أصلية والوقف عليه بالروم حسن والتنوين في (يومئذ) و (حينئذ) دخل على ساكن فكُسِرَ لالتقاء الساكنين وصار التنوين في الوصل تابعا للكسرة فتقف على الأصل» [٤٤]

стр. 4511

وذهب أبو الحسن ابن الباذش إلى جواز ذلك في (يومئذ) و (حينئذ) قال «لأن الحركة قد لزمته في الوصل في الاستعمال فيكون الوقف عليها كالوقف على كل متحرك وإن كان أصلها - إذا لم يدخلها التنوين عوضا - السكون وكأنها مع التنوين في حكم ما بني* على الكسر وحركاتُ البناء تشم وترام كحركات الإعراب» فعلى الجملة لا بد من هذا الاستثناء إذ هو ضروري ولا يقول أحد باعتبار حركة ﴿قل الحق﴾ * في الوقف فكان من حق الناظم أن ينبه على ذلك وإلا كان إطلاقه خطأ والرابع من المستثنيات: هاء الضمير إذا كانت مكسورة وقبلها كسرة أو ياء ساكنة نحو بِه أو فيه وإليه وعليه أو كانت مضمومة وقبلها ضمة أو واو نحو يضربُه ويكرمُه وضربُوه وأكرمُوه فاختلفوا في جواز الروم والإشمام في هذا النحو فحكى مكيٌّ عن القراء** أنه لا يجوز فيه إلا السكون وذلك لخفائها وبعد مخرجها واحتياج الواقف لأجل الروم إلى تكلف إظهارها هذا مع ما في الكلام من ثِقَل خُروجٍ من ضم إلى ضم ومن كسرٍ إلى كسرٍ فكان ذلك كله مستثقلا ومتكلفا في النطق وحكى** عن النحاس جواز الروم والإشمام في هذا قال: وليس هو مذهب القراء قال وذكر [٤٥]

стр. 4512

الداني الخلاف عن أهل الأداء وأن منهم من يأخذ بالإشارة قال وهو أقيس قال أبو جعفر ابن الباذش «وهو كما قال» يعني كونه أقيس قال «وإنما نزّل سيبويه الهاء منزلة الساكن في كونها وصلا للرويّ في قوله عفتِ الديار محلّها فمقامها لا في امتناع الروم والإشمام» قال «فالواجب الأخذ فيها بالإشارة وفي ميم الجميع بغير إشارة على ما ذكرنا من نص سيبويه» هذا ما قالوا وليس على الناظم في عدم استثنائه هذا درْكٌ لإمكان حمل كلامه على ما قال النحاس وهو أقيس الوجهين على ما قال ابن الباذش على أن ما قاله القراء من إلزام الإسكان له وجه وذلك أنّ العلة التي لأجلها منع سيبويه الإشارة في ميم الجميع من استثقال توالي الكسرات أو الضمات وتوالي المتحركات موجودٌ هنا ولأجل ذلك كان من منع هنا مجيزا فيما إذا لم يكن قبل هاء الضمير إلا فتحة كقولك (أكْرَمَه) لفقد الاستثقال الموجود في مسألتنا. فما قاله سيبويه في وجه المنع يصح أن يكون مستندا في المنع هنا [٤٦]

стр. 4513

وهذا التوجيه تلقيته من بعض أصحابنا المحققين نفه الله وعليه يجري أيضا منع الإشارة فيما إذا تحرك ما قبل الهاء بالكسر نحو قوله تعالى ﴿وما أنسانيهُ إلا الشيطان﴾ ونحوه عند من ضمّ الهاء بعد الكسرة وهو خلاف ما رواه مكي، فافهمه. والخامس من المستثنيات: الهمزةُ المسهَّلة بينَ بين إذا وُقف عليها نحو ذَرَأ وتبرَّأ ومن الخطأ وامرؤٌ ولؤلؤ ويُبْدِئ وتبرئ فالهمزة هنا تسهيلها بين بين فإذا وقفت عليها فالقياسُ أن لا روم فيها ولا إشمام لأنها قد سكنت في الوقف وصار التسهيل فيها إذ ذاك بالإبدال فألف قرا كألف الرحى ويا بيدي كياء يرمي وواو لُوْلو كواو يغزو فلا يصح فيها غير التسكين كحروف المد واللين. وقد ذكر الداني ومكيّ عند قوم الإشارة والتسهيل بينَ بين وتعقب ذلك أبو الحسن ابن الباذش بأن الحرف الموقوف عليه ساكن وطروءَ الرَّوم عليه لا يُوجِب له حركة وإذا كان كذلك سكنت الهمزة في الوقف كما يجب في كل حرف موقوف عليه ثم تبدل ألفا أو واوا أو ياء على حسب حركة ما قبلها ولا يتأتى في هذه الحروف روم وسبيله في ذلك سبيلُ تاء التأنيث المبدلة في الوقف هاءً فلا يكون فيها روم ولا إشمام لأن الحرف الساكن في الوقف غير الحرف المتحرك في الوصل. [٤٧]

стр. 4514

هذا ما قال وقد نص على هذا المعنى من أنه لا روم فيها ولا إشمام الفارسي في الإيضاح حين تكلم على الوقف على الهمزة المتحرك ما قبلها كالخطأ والرشأ فقال «وأما الذين يخففون الهمزة - يريد بين بين - من أهل الحجاز فيقولون (رعيت الكلا وهذا الكلا وبالكلا) فيقلبونها ألفا لأنها قد سكنت في الوقف وقبلها فتحة فصارت بمنزلة الألف في راس وفاس إذا خُفّفت» قال «ولا تشم ولا تروم كما لا تفعل ذلك بألف الرحى والعصا» قال «ولو كان ما قبل الهمزة مضموما لانقلبت على قولهم في التحفيف واوا نحو قولهم (هذه أكمو) إذا وقفت على (هذه أكمؤٌ يا فتى) وإن كانت كسرة انقلبت ياء نحو (أنا أهنِي») قال «ولا إشمام في هذه الواو ولا هذه الياء ولا رَدْمَ كما لا إشمام ولا روم في واو يغزو ولا ياء يرمي». وعلى هذا المعنى الذي قرره الفارسي نص سيبويه في باب الوقف في الهمز غير أنه نفى الإشمام ولم يتعرض للروم بنفي ولا إثبات فهو محتمل إلا أنه قد فسر بكلام الفارسي والظاهر من قول الفارسي ما قاله ابن الباذش من أن الروم وارد على السكون وإلا فكانوا يذكرون جواز الوقف بالروم ابتداء ثم ينصون على المنع فيما إذا وقفوا أولا بالسكون [٤٨]

стр. 4515

وأيضاً لو لم يكن الأمر كذلك لم يمنع إبدال الهمز عند وجود الروم لأنه نطق ببعض الحركة والسكون بعدُ لم يكن فكيف تُبدَلُ مع بقاء التحريك؟ هذا مشكل وعند هذا قد يصح ما قاله مكي وغيره وهو ظاهر من حال الروم فإنه إبقاء لبعض الحركة في الحس فيظهر أن تقدير تقدم السكون دعوى اللهم إلا أن يُنقل عن العرب المخففين الامتناع من الروم إذا وقفوا فحينئذ يصح هذا التقدير والله أعلم وأما الإشمام فظاهر المنع على كل تقدير لما تقدم. وإذا تقرر هذا حصل أن همزة بين بين لا يصح فيها روم عند الفارسي وابن الباذش ولا إشمامٌ مطلقا مع أنها متحركة إذ هي بزنة المتحرك في الشعر وهذا مذكور في موضعه فصار نقضا على إطلاق الناظم المتقدم حيث قال وَغَيْرُ هَا التَّأْنِيثِ مِنْ مُحَرَّكِ ... سَكِّنْهُ، أَوْ قِفْ رَائِمَ التَّحَرُّكِ ولم يستثن من ذلك الهمزة المسهلة بينَ بين فاقتضى ذلك جواز الروم فيها وهو ممنوع إلا أن يكون رأى في ذلك رأي من حكى عنهم الداني ومكي وهو بعيد أو يقول: إنّ الوقف بالروم ليس ثانيا عن السكون بل هو إبقاء لبعض الحركة في الوصل على ما هو الظاهر، فإذا عُزم على الروم أمكن إبقاء* الهمزة على حالها في الوصل إذ لم تذهب الحركة جملة. [٤٩]

стр. 4516

فالحاصل** أنّ** القيود المحتاج إلى ذكرها في جواز تلك التغيّرات لم يذكر منها إلا أن لا يكون الآخر هاء التأنيث وأغفل ذكر البواقي كما رأيت وكذلك فعل في التسهيل فلم يستثن فيه إلا ما استثنى هنا وعذره في ذلك مقبول؛ إذ أكثر النحويين لا ينبهون** على هذه الأشياء ولا يشيرون إلى شيء منها، وذكرُها ضروري. ولنرجع إلى ما كنا بسبيله، فقوله « ... سَكِّنْهُ» هو أحد الأوجه الخمسة في الوقف على المحرك أي قِفْ عليه بالسكون فتقول في (جاءني زيدٌ): (جاءني زيدْ) وفي (قام الرجلُ): (قام الرجلْ) وما أشبه ذلك وإنما قدَّم السكون لأنه الأصل في الوقف وذلك لأن الوقف موضع استراحة والابتداءُ شروع في عمل وقد تقرر أن الابتداء إنما يكونُ بالحركة فضِدُّه الذي هو استراحة وفراغ من العمل إنما يكون بضد الحركة وهو السكون. وأكثر العرب على الوقف بالسكون على ما نقله السيرافي قالوا: ومن استعمل الروم والإشمام والتضعيف والنقل فإنه على مذهب غيره في السكون إلا أنه زاد الفرق بين ما يعرض سكونُه في الوقف وبين ما يلزمه السكونُ في الوصل والوقف على مذهب العرب في التنبيه على الأصول. وعلامة السكون في الخط خاءٌ فوق الحرف المسكن نحو (هذا زيد (خـ) **» وهي مقتطعة من قولك (خفيف) لأن الروم والإشمام فيهما إشارة إلى الحركة فليس الوقف بهما إسكانا خالصا. [٥٠]

стр. 4517

ثم قال «أَوْ قِفْ رَائِمَ التَّحَرُّكِ» هذا هو الوجه الثاني وهو الروم أتى باسم فاعله أي: قف حالة كونك دائما الحركة، أي: مشيرا لها إشارة الروم، وأقام التحرك مقام الحركة لقرب معناهما والروم هو النطق ببعض الحركة فلا بد من الصوت معها؛ لأن الحركة صوتٌ فلذلك كان الروم مما يدركه الأعمى بخلاف الإشمام وإنما أتوا بالروم حرصا على بيان الحركة وهو آكد من الإشمام في بيانها لأنه نطق ببعضها بخلاف الإشمام وعلامته خط أما الحرف فتقول (هذا زيد ـ) و (مررت بخالد ـ) و (رأيت الحارث ـ) وإطلاق الناظم في هذا يدل على أن الروم يكون في الأحوال كلها من الرفع والنصب والجر كما مر تمثيله لأنه صويت ضعيف بالحركات الثلاث يتبع ذك الصويت الحرفَ الذي تقفُ عليه وفي المسألة ثلاثةُ أقوال هذا أحدها وعليه سيبويه والجمهور والثاني استثناءُ المنصوب وهو مذهب القراء أجمعين وذهب إليه [٥١]

стр. 4518

أبو حاتم من المتقدمين وأطلق العبارة به ابن عبيدة من القريبي العهد المتأخرين أخذًا منه لذلك عن شيخه ابن أبي الربيع حيث جعل الروم في المنصوب قليلا ولذلك لم يقرأ به أح من القراء واحتجوا بخفة الفتحة وبأنها ضعيفة فإذا نطقت ببعضها نطقت بجميعها وهذا لم يرتضه الناظم وقد رد بأن الروم لا يرفع حكم السكون بما فيه من جري بعض الحركة في الوقف فلا يمتنع أن يكون الفتح كغيره. وإنما فرق سيبويه بين النصب وبين الرفع والجر في الوصل فذكر أنهم يشبعون الضمة والكسرة ويمططون فيقولون (هو يضربها) و (من مأمنك) قال: وعلامتها واو وياء ويختلسها بعضهم اختلاسا فيقولون (يضربها) و (من مأمنك) يسرعون اللفظ. قال «ولا يكون هذا في النصب لأن الفتحة أخف عليهم» يعني أن خِفَّتها مشبعة تغني عن تخفيفها بالاختلاس. وروم حركة النصب ليس للتخفيف إنما هو للدلالة على تحرك الحرف في الوصل فالحركات كلها يمكنُ النطقُ بجميعها وببعضها غير أن الفتحة لما كانت خفيفة مع الإشباع لم تختلس في الوصل في (لن يضربها) إذ لا حاجة إلى ذلك واختُلست (رِيمَت) ** بسبب الحاجة إلى ذلك في حالة الوقف وهذا ظاهر. [٥٢]

стр. 4519

والقولُ الثالث: الاقتصار بالروم على المرفوع والمضموم خاصة وهو قولٌ ينسبُ إلى ابن كيسان وهو ظاهر كلام الزجاجي في الجمل حيث قال: والإشمامُ ورومُ الحركة إنما يكونان في المرفوع، ثم قال حين بيَّن الروم: وهو أن تلفظ بآخر الكلمة وأنت مشير إلى الحركة ليُعلَم أنه مضموم فخصّه بالضم وهو كالنص على أن الشلوبين تأوّله على أن مراده بقوله إنما يكونان في المرفوع أي إنما يجتمعان معا في المرفوع ويكون قوله لتعلم أنه مضموم تمثيلا فقط لا لأنه مختص به. وأيّا ما** أراد فهذا مذهبٌ مردود مخالِف لما يحكيه سيبويه وغيرُه عن العرب وهم الحجة على الجميع ولم يحفل به الناظم مع أن عمل الروم ممكن في الحركات كلها لأنه عمل اللسان فيلفظ بها لفظا خفيفا مسموعا ثم قال «أَوْ أَشْمِمِ الضَّمَّةَ» هذا هو الوجهُ الثالث وهو الإشمامُ أتى بفعله أي: أشِرْ إلى الضمة إشارة الإشمام، وحقيقة الإشمام ضمُّ الشفتين بعد الإسكان بحيث لا يُحسّه الأعمى وإنما هو لرأي العين على هذا جمهور النحويين ولبعضهم هنا مخالفة في أربعة مواضع: [٥٣]

стр. 4520

فالأخفش حُكي عنه أن الإشمام يفهم بالسمع دون النظر قال ابن خروف وهي حكاية فاسدة وقطربٌ يقول الإشمام وضع النحويين وليس بمسموع من العرب وهذا فاسدٌ لأنه وإن لم يُسمَع مأخوذٌ بالأبصار من أفواه العرب وقد قال سيبويه بعد كلامه في الإشمام «وهذا قولُ العرب ويونس والخليل» فعزاه إلى العرب وهو الثقة فيما ينقل فلا يسمع كلامُ غيره في ذلك. وابن خروف يقول إن الإشمام على وجهين: إشمامٌ في الوقف وهذا هو الذي لا يُحسُّ به الأعمى وإشمامٌ في وسط الكلمة وهذا لا يمكن إلا أن يكون له صوتٌ فهو مما يسمع كالروم. وينقل القراء عن ثعلب وابن كيسان أنّ الإشمام أتمُّ في البيان من الروم وكأنه نطقٌ ببعض الحركة بخلاف الروم فإنه تناولٌ إلى الحركة من غير وصولٍ إليها، وحجة هذا الرأي ما ذكروا مِن أنّ القائل إذا قال (رُمت الشيء) فهو عبارةٌ عن محاولة أخذِه من غير وُصولٍ إليه بعدُ وإذا قال (أشممتُ الفضّة الذهب) فالمعنى أنه خلطها بشيء منه فالروم والإشمام منقولان من هذا. وما قالاه اعتراضٌ على الاصطلاح؛ إذ غايته أنْ سمَّوا الروم إشماما والإشمام روما، وإذا فُهِمت المعاني فلا مشاحة في الألفاظ وعلامة الإشمام نقطةٌ أمام الحرف كقولك (هذا زيد.) و (مررت بخالد.) [٥٤]
следующие страницы →