← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

هذا هو السبب السادس من أسباب الإمالة المتقدمة الذكر وهو المناسبة للممال وإنما ذكره منفصلا عن الأسباب الأخر وقد كان وجه الترتيب أن يقدم ذكر جميع الأسباب ثم يذكر بعد ذلك الموانع لأن الموانع لا حظ لها في كف هذا السبب لأنه لازم للإمالة من حيث كان مجرد تناسب للمال فإذا لا يتصور لهذه الإمالة مانع إذ لو كان ثم مانع لكان مانعا للأصل فيرتفع التناسب كقولك رأيت عمادا فإمالة ألف التنوين هي المتكلَّم فيها وسببها مناسبتُها للألف المتقدمة لأنه ممالة فلو كان ثم مانع من حرف استعلاء نحو رأيت سباقا مثلا لكان مانعا للألف الأولى من الإمالة فلا يبقى وجهٌ** لإمالة الألف الثانية لزوال سببها وهو إمالة الأولى فلما كان الأمر على هذا أخّر الناظم ذكر هذا السبب الذي لا ينكف أصلا بعد ذكر الموانع تنبيها على هذا المعنى وهو لطيف من التنبيه وفيه أيضا وجه آخر وهو أن إمالة التناسب المذكور ليست في قوة غيرها من سائر ما ذكر قبل وإن كانت عند سيبويه وغيره قياسا لأن التناسب لا يقوى قوة غيره من الأسباب فلأجل هذا أيضا أخر ذكره وليس في كلامه ما يعيّن كونها قياسا لقوله «وَقَدْ أَمَالُوا» فأتى بضمير [١٩٠]

стр. 4657

يحتمل أن يعود على النحويين فيكون المعنى أن النحويين قاسوا فجعلوا المناسبة سببا من أسباب الإمالة فيكون على هذا قائلا بالقياس ويحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى العرب ويعني أن العرب قد أمالت الألف لمجرد طلب التناسب بين الألفات في الكلام لا لسبب غير ذلك وعلى هذا أيضا لا يدل على وجه من قياس أو غيره إذ لم يقل: وتجوز الإمالة للمناسبة ولا ما يشعر بالقياس ولا عدمه وكأنه أراد ترك ذلك للناظر في المسألة لأنه في محل الاجتهاد إذ لم يكثر السماع فيها كثرة يقطع بالقياس فيها فنقل ما وجد وخرج عن عهدته وعلى أنه قد أشعر بالقياس في التسهيل على ضعفه فقال «وقد يمال عارٍ من سبب الإمالة» إلى آخره فلم يسند ذلك إلى السماع وقد قال سيبويه «وقالوا مِعْزانا في قول من قال عمادا فأمالهما جميعا» قال «وذا قياس» وقوله «بِلَا ... دَاعٍ سِوَاهُ» حصرٌ لهذه الإمالة في مجرد المناسبة كأنه يقول لا سبب للإمالة إلا المناسبة خوفا من توهم وجود داع سواها ثم مثّل ذلك بقوله «كَعِمَادًا وَتَلَا» وللناس في مراده بهذين المثالين تفسيران أحدهما أن يريد أن ألف «عِمَادًا» الأخيرة في الوقف تمال لتناسب الألف قبلها وذلك ألف «تَلَا» بعد «عِمَادًا» تمال مع اتصالها بعمادا على حد اتصالها في كلامه للتناسب بالكلمة قبلها فيكون كلامه يعطي أن التناسب [١٩١]

стр. 4658

مرعي في الكلمة والكلمتين فإذا أفردتَ الكلمة الأولى فقلت أقام زيد عمادا أملت الألفين وإذا قلت أقام زيد عمادا وتلا أملت الألفات الثلاث وهذا التفسير نقلتُ معناه من طرة كُتبت بإزاء هذا الموضع وفيه نظر أما «عِمَادًا» ونحوه إذا وُقف عليه فإمالة الألفين فيه لا إشكال فيها فالأولى لموجبها والثانية للتناسب ومثله معزانا ونهانا وتلاها وشمالا وقتالا وما أشبه ذلك ومن ذلك في الكتاب العزيز قراءةٌ رُويت عن أبي عمرو في رءوس الآي التي فيها هاء بين ألفين كآخر سورة «والنازعات» وسورة «والشمس» بإمالة الألف التي بعد الهاء بين الفتح والكسر وكذلك رُوي عنه أيضا إمالة الألفين من قوله تعالى ﴿مَجراها ومُرساها﴾ هذا إذا كان التناسب للألف المتقدمة وكذلك إذا تأخرت نحو كُسالى أمالوا الألف الأولى لتناسب الألف الثانية وكذلك تقول جمادى وحمادى وذُنابى ويتامى ونحو ذلك فتميل الألفين معا ومن المسموع في ذلك ما رُوي عن الكسائي من إمالة الصاد والتاء والسين والكاف من النصارى واليتامى وأسارى وكسالى وسكارى في جميع القرآن في هذه الأحرف الخمسة إلا أن تلقى ساكنا ورُوي عنه أنه قال أنا أقرأ لنفسي بإمالة ما قبل الألف فإذا أخذَتْ عليَّ الناسُ فتحتها وقالوا مهارى فأمالوا الألفين وما قبلهما من [١٩٢]

стр. 4659

الهاء والميم فهذا كله صحيح وأما أن «تَلَا» أتى به الناظم تنبيها على أنه تمال ألفه أيضا إذا اتصلت بعمادا طلبا للتناسب بين الكلمتين فإنما حمله على هذا التفسير قوله في التسهيل «وقد يُمال عار من سبب الإمالة لمجاورة الممال أو لكونه آخر مجاوِرِ ما أُميل آخرُه طلبا للتناسب» فنزّله على أنه أراد ذلك هنا كأنّ ألف «تَلَا» منقلبة عن واو فلا موجب فيه للإمالة فتمال إتباعا لألف «عِمَاد» ** الأخيرة التي أميلت إتباعا للألف الأولى فإن عنى هذا فهو غير صحيح من جهتين: إحداهما أن ألف «تَلَا» تميلها العرب بإطلاق أعنى المميلين منهم لأن ما لامه واو عندهم يساوي ما لامُه ياء في اطراد الإمالة وقد تقدم كلامُ الناظم في الإشارة إلى هذا ونصُّ سيبويه وغيره على هذا المعنى وإنما تفرِّق العرب بين بنات الواو وبنات الياء في الأسماء لا في الأفعال وأما القراء فهم الذين يفرقون بين ذوات الواو فلا يميلونها وإن كانت في الفعل وبين ذوات الياء فيميلُها المميلُ منهم فإذا كان كذلك لم يكن إتيانه بتلا مطابقا لما قصد كيف وألفه ممالة لداعٍ فيه وهو انقلاب الألف ياءً في تُلِي وهو قد قال «وَقَدْ أَمَالُوا لِتَنَاسُبٍ بِلَا ... دَاعٍ» فكان يكون تمثيله على هذا التفسير مناقضا لما أصّل [١٩٣]

стр. 4660

والثانية على تسليم ما قال لا يستقيم له** هذا التمثيل لأنك إذا قلت عِمَادًا وَتَلَا ووصلتَ إحداهما بالأخرى سقطت الألف الثانية في الدرْج لأنها ألف التنوين فلم يبق للألف الثالثة ما تناسب بإمالتها لأن المؤلف إن كان جعل في التسهيل إمالة الألف الثالثة مناسبة للثانية الممالة مناسبةً للأولى لقوله «أو لكونه آخر مجاورٍ** ما أميل آخره طلبا للتناسب» فلا ينزّل هذا المثال على قوله وأما كلامه في التسهيل فالظاهر أنه قصد تناسب رءوس الآي بعضها لبعض نحو ﴿والضحى. والليل إذا سجى. ما ودّعك ربُّك وما قلى﴾ إلى آخره لا ما ذكر في هذا التفسير فإذًا تفسير كلام الناظم بهذا فيه ما ترى والتفسير الثاني كَتَب به إليَّ بعضُ الشيوخ ورأيتُه مذكورا في بعض شروح هذه الأرجوزة وهو أن مراده بتلا قول الله تعالى ﴿والقمرِ إذا تلاها﴾ قال نبَّه بذلك ﵀ على أن إمالة المناسبة لها صورتان الأولى أن يكون الموجِب قبليا وهو المراد بقوله كعمادا والثاني أن يكون بعديا وهو المراد بقوله تلا قال والأولُ الموجب فيه متصل والثاني عكسه ويعني بالعكس الضد ومقصود هذا الشيخ حفظه الله أنّ قولَ** الله تعالى ﴿والشمس وضحاها﴾ ليس في ضحاها موجِب للإمالة من الموجبات المتقدمة فإنما أميل لما وقع في الفواصل مع قوله [١٩٤]

стр. 4661

﴿والقمرِ إذا تلاها﴾ وما بعدها وموجِب الإمالة فيها قائم فأرادوا أن يميلوا ﴿ضحاها﴾ لتناسب رءوس الآي والموجب هنا بعديّ منفصل وهو (تلا) المشار إليه وفي «عِمَادًا» قَبْلِيّ متصل فأشار إلى أن الممال للمناسبة قد تكون إمالتُه لمناسبة ما قبله ولمناسبة ما بعده وأيضا قد يكون متصلا بالممال الأصلي وقد يكون منفصلا عنه وما قاله - أجلّه الله - ممكن إلا أن عليه سؤالين طالبَينِ بالجواب عنهما: أحجهما أن إتيان الناظم بتلا مشيرا إلى الآية بعيد جدا وقائم مقام اللغز الذي لا يشعر به وليس وضعُ التعليم على هذا والثاني أنّ وجه الإتيان بالمثال أن يكون مما فيه ذلك الحكم المقرر وهو هنا إمالة المناسبة وليس في تلا إمالة مناسبة فكان الأحق أن يأتي بالضحى من قوله تعالى ﴿والشمس وضحاها﴾ لأنه الممال للمناسبة وإلا فيكون قد أتى بنوع من الإمالة وترك مثالها وأتى بمثال سببها وهذا في غاية البعد ويغلب على الظن أن الناظم لم يقصده فالأظهر أنّ هذا التفسير غير مُخَلَّص والذي يصح - والله أعلم - في تفسير هذا الموضع وجهٌ آخر وهو أن يكون قوله «وَتَلَا» إشارةٌ إلى نوع آخر من التناسب وذلك أنه يُمال للتناسب الألفُ وهو المشارُ إليه بعمادا ويُمال للتناسب الفتحة التي** قبل الفتحة الممالة وهي فتحة التاء من تلا فهو الذي أراد بالمثال وبيان ذلك أن [١٩٥]

стр. 4662

الحركات تمال كما تمال الألف ومن الحركات ما يُمال لسبب موجب كما سيأتي إثر هذا بحول الله تعالى ومنها ما يمال لغير سبب سوى المناسبة لكن مناسبته للممال تارة تكون واجبة لأنها من حقيقة إمالة ذلك الممال كما إذا وقعت الفتحة قبل الألف كفتحة اللام في تلا إذ لا تتصور إمالة الألف إلا بإمالة الفتحة قبلها بل هي جزء منها ولم ينص الناظم على هذه المناسبة لأنها معلومة ضرورة وتارة تكون غير واجبة ولكن على الجواز كإمالة فتحة التاء في تلا وهو موجود في كلام العرب ومن ذلك في القرآن الكريم ﴿رأى﴾ حيث وقع نحو ﴿رأى أيديهم﴾ و ﴿رأى كوكبا﴾ قرأها* بإمالة فتحتي الراء والهمزة معا حمزة والكسائي وأبو بكر وابن ذكوان وكذلك ورش لكنها عنده بين بين وكذلك ﴿نأى بجانبه﴾ قرأ بإمالة النون والهمزة معا الكسائي وخلف ولا شك أن إمالة هذه الفتحة الأولى لا موجب لها إلا المناسبة لإمالة الفتحة الثانية وبهذا المعنى وجهوا هذه القراءات وهي دليل على وجودها هكذا في كلام العرب وأما نحو يريد أن يضربها وعَيْنها من إمالة فتحة ما قبل الهاء فليس من إمالة المناسبة الجائزة في اعتبار قياسهم [١٩٦]

стр. 4663

بل هي لاحقة بإمالة الفتحة قبل الألف لخفاء الهاء ولذلك لم يعدوا الهاء فاصلا كما تقدم فعلى هذا التفسير يدخل له بالمثالين نوعَا الإمالة التناسبية على الجملة وذلك من الفرائد الحسان التي قل من ينبه عليها من النحويين وهي ظاهرة الورود عليهم ثم إن إمالة المناسبة لا يُقتصر بها على هذين الموضعين فقط وإنما أتى بهما تمثيلا مفيدا لما أراد في القاعدة المطلقة فحيث أميل للمناسبة على الحد الذي حدَّه فيها فكلامه يشمل ذلك والحدُّ الذي حده هو ما أشار إليه التمثيل من أن الألف تمال لمناسبة الألف فعمادا من إمالة الألف للألف والفتحة تمال لمناسبة الفتحة وتلا من إمالة الفتحة للفتحة وكان التقسيم العقلي يقتضي وجهين آخرين أحدهما إمالة الفتحة للألف وذلك لا يكون إلا في الفتحة التي قبل الألف تليها أو بينهما الهاء وقد نُبه على معنى ذلك والثاني عكس هذا وهي إمالة الألف للفتحة وهذان الوجهان لم يذكرهما الناظم أما الأول فلما تقدم وأما الثاني فعلى جعل التمثيل يقوم في هذا النظم مقام التقييد يخرج من مفهومه عدمُ اعتباره وأنه لا يجوز وهذا هو المنصوص لسيبويه حيث ذكر أن قولك من المُحاذَرِ تمال فيه فتحة الذال لكسرة الراء ثم قال «ولا تقوي - يعني الكسرة - على إمالة الألف لأن بعد الألف فتحا وقبلها فصارت الإمالة لا تعمل بالألف شيئا كما أنك تقول حاضر فلا تميل لأنها من الحروف المستعلية» قال: [١٩٧]

стр. 4664

«فكما لم تمل الألف للكسرة كذلك لم تملها لإمالة الذال» هذا نص سيبويه وتعليله وقد خالف ابن خروف في هذا فزعم أن من أمال ألف «عِمَادًا» للمناسبة أمال ألف «المحاذَرِ» لإمالة الذال قال وهو قياسه وهذا خلاف قول سيبويه وكان سيبويه جعل الفتحة في ذلك فاصلة وإن كانت ممالة كما كانت الضاد في «حاضر» فاصلة وإن كانت مكسورة* وكأن الراء المكسورة ليست تقوى في جلب الإمالة إلا على ما يليها قال ابن الضائع لا ينبغي أن يقاس إمالة الفتحة للألف بإمالة الألف للألف لأن إمالة الألف أقوى من إمالة الفتحة ثم حكم أن إمالة الألف للألف إنما هي إمالة لإمالتي الألف والفتحة التي قبلها بخلاف إمالة الفتحة فإنها إمالة لفتحة وحدها وإمالةٌ لإمالتين أقوى من إمالةٍ لإمالةٍ واحدةٍ. وبذلك ظهر ضعف قياس ابن خروف فالصحيح إذًا ما ذهب إليه سيبويه وهو الذي أشار إليه الناظم فإذا ثبت هذا كان كلام الناظم إنما قُصد به تبين النوعين المذكورين وهما إمالة الألف للألف أو الفتحة للفتحة فيخرج عنه إمالة الألف للفتحة كما ذكر * * * وَلَا تُمِلْ مَا لَمْ يَنَلْ تَمَكُّنَا ... دُونَ سَمَاعٍ غَيْرَ (هَا)، وَغَيْرَ (نَا) هنا أخذ في بيان ما يمال من الكلم مما لا يمال ويعني أن الإمالة إنما تكون في الكلم المتمكنة وأما غير المتمكنة فلا تدخلها الإمالة ولا يجوز لك أن تميل شيئا منها بالقياس دون أن تسمع ذلك فيها إلا في اسمين غير متمكنين [١٩٨]

стр. 4665

فإن الإمالة تدخلهما قياسا وهما «ها» الذي هو ضمير الغائبة و «نا» الذي هو ضمير المتكلم ومعه غيره هذا ما قال على الجملة وأما على التفصيل فيشتمل على مسائل: إحداها في مراده بالتمكن وهو عند النحويين وصفٌ من أوصاف الأسماء والمراد به الإعراب فإذا قالوا الأسماء المتمكنة فإنما يريدون المعربةَ التي لم تُشْبِه الحرف كزيدٍ وعمرٍو وقد تقدم ذلك وإذا ثبت هذا فما في قوله «مَا لَمْ يَنَلْ تَمَكُّنَا» واقعة على الاسم دون الفعل والحرف عيّن ذلك لفظ التمكن وإذا كان كذلك وردَ على الناظم سؤال* وهي المسألة الثانية: وذلك أنْ يقال إذا كان قد اقتصر على الاستثناء من الأسماء فقد نقصه أن يُبيّن حكم الحروف والأفعال في الإمالة فإن السامع إذا سمع استثناء ما لم يتمكن من الأسماء عن حكم الإمالة جرى الوهمُ إلى الحروفِ وإلى ما تصرَّفَ من الأفعال أو لم يتصرف فإن عدم التصرف في الأفعال نظير عدم التمكن في الأسماء والحروف أيضا قد تتوهم فيها الإمالة وقد لا تُتَوهم وإذا كان كذلك صار كلامُه غير مُوفٍ بالمقصود والجواب أنه إنما تعرّض هنا للأسماء خاصة وللاستثناء منها وأما الأفعال والحروف فقد ظهر من أمثلته المتقدمة وكلامه في الباب مقصدُه فيهما من إدخاله أمثلة الأفعال في القواعد القياسية وعدم ذكر الحروف رأسا فلما لم يستثن من الأفعال شيئا على دخول الجميع في حكم الإمالة مطلقا إذا وُجدت أسبابها كعسى فإنه فعل ممال وإن لم يتصرف فعدم الاستثناء منه [١٩٩]

стр. 4666

صحيح ولما لم يذكر من الحروف شيئا دلّ على خروجها رأسا وأيضا فإنما امتنع الاسم غير المتمكن من الإمالة لشبهه بالحرف فأحرى أن لا يكون في الحرف إمالة ولأنّ الإمالة نوع من أنواع التصرف في الكلمة ألا ترى أن الألف تصير كالمقلوبة إلى الياء والقلبُ تصرفٌ والتصرُّف غير داخل في الحروف على ما سيذكره بعد في قوله حَرْفٌ وَشِبْهُهُ مِنَ الصَّرْفِ بَرِيْ فإذا ما أُميل من الحروف إنما أميل شذوذا كإمالتهم* «يا» التي للنداء وبلى ولا في قولهم إمّا لا فافْعَل كذا وإنما احتاج إلى ذكر الأسماء فقط فبين أنها على قسمين وهي: المسألة الثالثة: مُتمكِّنٍ وغير متمكن فالمتمكن هو الذي تدخله الإمالة مطلقا وغير المتمكن أصلُه لا يمال مطلقا من حيث كانت الإمالة نوعا من التصرف والحروف وما أشبهها لا يدخلها تصرف لكن وقعت الإمالة فيها على وجهين مطردةٍ وغير مطردة فأما المطردة ففي الاسمين المذكورين وهما: ها ونا فاحتاج إلى ذكرهما وأنّ الإمالة فيهما مطردة وهذا مما تأكد عليه ذكرُه من جهة أنها فيهما كثيرة وذكر مع ذلك بالقصد الثاني ما جاءت فيه الإمالة غير المطردة فقال: وَلَا تُمِلْ كذا ... إلى آخره ويعني أن غير المتمكن سوى الاسمين مُتلقى إمالته من السماع وليس لأحد أن يقيسها فيه ومثال ما جاء [٢٠٠]

стр. 4667

من ذلك ذا التي للإشارة أمالوها لأنا أشبهت بتثنيتها وجمعها وتصغيرها المتمكن فكأن ألفها منقلبة وأمالوا أيضا أنَّى نحو قوله تعالى ﴿أنَّى لكِ هذا﴾ وقوله ﴿أنّى شئتُم﴾ قال سيبويه «لأنّ أنّى تكون مثل أين وأين كخَلْفَك» قال وإنما هو اسم صار ظرفا فقرب من عطشى» وأمالوا أيضا متى نحو قولك متى قيامُ زيد؟ وذلك لأنها ظرف فجرت مجرى الظروف المعربة فعُومِلت مُعاملة فتى وأمّا با تا ثا فهي وإن كانت تشبه الحروف فإنها إلى المتمكن أقربُ لأنها إنما تكون كذلك على حرفين في حالة الوقف وحين جرت مجرى الأصوات لإفرادها واستعمالها كذلك دون تركيب فعوملت من هذه الجهة معاملة الحروف فإذا وقعت في الكلام مركبة جرت مجرى سائر الأسماء فقلت ياءٌ وتاء وثاء وراء ونحو ذلك فهي في حالة الوقف أقرب إلى نحو واحدْ اثنانْ ثلاثةْ* وشبه ذلك مما هو مقوفٌ** قابل للتصرف بوضعه حالة التركيب ألا ترى إلى قولهم في الثلاثي منها دالٌ ذال لام كاف ولا شك أن هذه مثل واحد اثنان فتكون في قبول الإمالة مثل المتمكنة وقال ابن جني «إنما [٢٠١]

стр. 4668

دخلتْ فيها الإمالة من حيث دخلتْ بلى وذلك أنها شابهتْ بتمام الكلام واستقلاله بها وغناها عما بعدها الأسماءَ المستقلة بنفسها فمن حيث جازت إمالة الأسماء كذلك أيضا جازت إمالة بلى ألا ترى أنك تقول في جواب من قال لك ألم تفعل كذا؟ بلى. فلا تحتاج بلى لكونها جوابا مستقلا إلى شيء بعدها فلما قامت بنفسها وقويت لحِقت في القوة بالأسماء في جواز إمالتها كما أميل نحو أنّى ومتى وكذلك أيضا إذا قلت ألف با تا قامت هذه الحروف بأنفسها ولم تحتج إلى شيء يُعرِّبها ولا إلى شيء تتصل في اللفظ به فتضعف وتلطف لذلك الاتصال عن الإمالة المؤذنة بقوة الكلمة وتصرفها» قال «ومما يقوِّي ذلك ما روينا عن قطرب أن بعضهم قال لا أفعل فأمال لا وإنما أمالها لما كانت جوابا قائمة بنفسها فقويت بذلك فلحقتْ بالقوة باب الأسماء والأفعال فأُميلت كما أميلا هذا وجه إمالتها وهي حروف هجاء» انتهى ما قاله ابن جني فإن قلت فمن أيِّ قسم تُعدُّ إمالة هذه الألفات وهي قولهم با تا ثا را طا ظا إلى آخرها أمِنْ قسم المتمكن الذي إمالته قياس فيكون داخلا* في إمالة الأسماء المتمكنة أم من قسم غير المتمكن فتكون من الأسماء التي استثناها الناظم؟ [٢٠٢]

стр. 4669

فالجواب أنها تدخل له في قسم غير المتمكن لأنها عنده من حيث استعملت استعمال الأصوات ووضعت وضعَها لا يدخلها اشتقاق ولا تصريف ولا توزن ولا يدخلها من هذه الأحكام ما يدخل المتمكن صارت كغير المتمكن من الأسماء ويُبيِّن ذلك أن إمالتها لغير موجب إذ ليست الألفات فيها على رأيه بمنقلبةٍ عن شيء فضلا عن أن تكون منقلبة عن ياء فتمال لذلك، بلى** هي كلا وما ونحوهما ولذلك جعل الفارسي القياس فيها بعد التركيب أن تكون من باب طويت وشويت لا من باب حييتُ وإن سمعت فيها الإمالة لأنها لا تدل على أصلِ الألف إذْ ليس لها أصل غير ما ظهر من لفظها وسيأتي لهذا ذكرٌ في التصريف إن شاء الله ووجه ما اطَّرد في ها ونا من الإمالة أنهما ضميران متصلان فقاما بما اتصلا به مقام الجزء منه ألا ترى أن سبب إمالتهما إنما يُوجد أبدا بما اتصلا به فصار قولك منها ومنا كسربال وبها وبنا كعماد والإمالة فيما اتصلا به مطردة كذلك ما كان كالجزء منه وهذا ظاهر ولما أتم الكلام على كليات الإمالة في الألف أخذ يذكر الإمالة حيث وقعت منفردة عن الألف وذلك الحركات فقال وَالْفَتْحَ قَبْلَ كَسْرِ رَاءٍ فِي طَرَفْ ... أَمِلْ كَـ (لِلْأَيْسَرِ مِلْ تُكْفَ الْكُلَفْ) كَذَا الَّذِي تَلِيهِ هَا التَّأْنِيثِ فِي ... وَقْفٍ إِذَا مَا كَانَ غَيْرَ أَلِفِ [٢٠٣]

стр. 4670

فاعلم أن الحركات ثلاث وهي الضمة والفتحة والكسرة أما الكسرة فخارجة عن قصد الإمالة لأن الإمالة من حقيقتها وغيرها من الحركات إذا أميل فإنما ينتحى به نحوها فلا يصح دخولها هنا وأما الضمة والفتحة فهما اللتان يمكن ذلك فيهما بأن يُنحى بهما نحو الكسرة كما نُحِيَ بالألف نحو الياء وقد ذكر الإمالة فيهما النحويون لكن الناظم هنا لم يذكر للضمة إمالة بل أفرد الفتحة بالذكر فيُسأل لم تركها هنا وقد ذكرها هو وغيره؟ ويجاب عن ذلك بأن الإمالة فيها نادرة ومستنكرة في القياس قال ابن جني إن ذلك قليل مستنكر ألا ترى إلى كثرة قيل وغيض وقلّه** نحو مذعور وابن بور وقال الفارسي إنها إمالة ما كانت تجب في القياس كما تجب إمالة الفتحة نحو الكسرة في نحو من الضرر لأن الضمة لا تقرب من الكسرة كما تقاربها الفتحة وتقرب الفتحة من الكسرة كما تقرب الياء من الألف ولا تقرب الضمة كما لا تقرب الواو لأن الذي فعل ذلك فعله كما قال مغيرة فأتبع الكسرة الكسرة فكما أن الكسر هنا ليس بقياس كما كان نحو شعير ورغيف قياسا وإنما هو على حد أنبؤك [٢٠٤]

стр. 4671

وأَجُوءُك** كذلك إمالة الضمة في المُنْقُر نحو الكسرة على حد قلب الضمة كسرة في مغيرة ومنتين وكذلك لو كانت إمالة واو ثم نظر هذه المسألة بإمالة الضمة نحو الكسرة في رد وأن ذلك للدلالة بالإشمام على بناء الفعل للمفعول لا للمشاكلة بين الصورتين كشعير ومن الضرر ومن عمرو هذا ما قاله الفارسي في التذكرة من عدم كون هذه الإمالة على القياس فبحق أن يترك الناظم ذكرها ثم نرجع إلى كلام الناظم فاعلم أنه ذكر لإمالة الفتحة سببين أحدهما وقوع راء مكسورة بعدها والثاني وقوع هاء التأنيث الموقوف عليها بعدها ولم يذكر سببا ثالثا هنا لأنه قد ذكر قبل فيها إمالة المناسبة وقد تقدم بيان ذلك وابتدأ بذكر وقوع الراء المكسورة بعدها فقوله «وَالْفَتْحَ قَبْلَ كَسْرِ رَاءٍ فِي طَرَفْ ... أَمِلْ» الْفَتْحَ: منصوب على المفعولية بأَمِلْ وقَبْلَ متعلق باسم فاعل محذوف هو حال من الفتح وفِي طَرَفْ: في موضع الصفة لرَاءٍ والتقدير: أمل الفتح كائنا قبل كسر راء متطرفة ويعني أن الفتحة تمال إذا وقعت قبل راء مكسورة واقعة في طرف كلمة أي في آخرها وقد أشعر هذا الكلام بأن العلة في إمالة الفتحة الكسرة الواقعة على الراء مركبة من [٢٠٥]

стр. 4672

شيئين أحدهما الكسرة وقد تقدم في أحكام الألف كونها علة أيضا والثاني كونها في راء لا في غيرها ويتبين معناها في تفصيل الكلام على القيود المتعلقة بهذا النظم وهو في هذه المسألة قد اشتمل على قيود: أحدها كون الفتحة الممالة قبل كسر وهذا القيد يعطي شيئين أحدهما أن الكسر إنما يكون علة في إمالة الفتحة إذا كان بعد الفتحة والفتحة قبله فلو كان الكسر متقدما والفتحة بعده لم تجز إمالة الفتحة كما لو قلت مررت ببقرِ جعفر فلا تميل فتحة الجيم والثاني كونها متصلة بالكسر ليس بينهما فاصل لأن هذا هو السابق للفهم من قوله «وَالْفَتْحَ قَبْلَ كَسْرِ رَاءٍ» وأيضا لو كان على إطلاق القبلية سواء أكانت مع فصل بينهما أم لا لم يكن لذلك في كلامه حد محدود فيختل وضع المسألة فلا بد من فهم الاتصال من كلامه وعلى هذا فلو كانت الفتحة غير متصلة بالكسر لم تُمَل على مقتضى مفهوم كلامه كما إذا قلت من عمرو ومن صدْر ومن ظهْر وما أشبه ذلك كل هذا لا يمال عنده وكان ذلك لبعد الفتحة من الكسر فلا تقوى الكسرة على إمالتها والقيد الثاني كون الكسر في راء وذلك قوله «قَبْلَ كَسْرِ رَاءٍ» فنسب الكسر إلى الراء فدل على أن غيرها من الحروف المكسورة بخلافها كما إذا قلت من السلف أو من السلم أو من العَمضلِ** أو نحو ذلك فلا تميل مثل ذلك والراء هي التي اختص بها هذا الباب لما فيها من التكرير فكأن الكسرة فيها كسرتان فقويت على إمالة الفتحة قبلها لأجل ذلك [٢٠٦]

стр. 4673

كما أمالوا لأجلها الألف لأن الفتحة من الألف قال السيرافي الراء في باب الإمالة حرف لا نظير له للتكرير الذي فيه ولاختصاصه بأحكام ينفرد بها منها ما انفرد به في هذا الباب من إمالة ما قبله إذا كان مكسورا وقبله فتحة ومن جواز الإمالة من أجله فيما تمنع حروف الاستعلاء من إمالته انتهى معنى كلامه فالراء لها اختصاص بهذا المعنى وهو مما اختُصت به في هذا الباب بخلاف غيرها من الحروف والقيد الثالث كون الراء متطرفة أي في آخر الكلمة وهذا القيد فيه شيئان أحدهما أنها إذا كانت متوسطة فلا تمال لأجلها وإن كانت مكسورة فلو قلت هو مشترك أو مكترث أو محترف أو نحو ذلك لم تمل الفتحة لأجل الراء وكذلك إن كانت أولا لأن المتطرف عندهم هو الذي في آخر الكلمة فإذا قلت «عملت عملَ رباح» * لم تمل فتحة اللام على مقتضى كلامه والثاني كون الراء متصلة مع ما قبلها في كلمة واحدة إذ لا تكون الراء في آخر كلمة إلا ما قبلها من نفس تلك الكلمة فلو كانت منفصلة نحو عمل رباح أو خبط رياش أو نحو ذلك فمقتضاه ألا تميل هذا ما يحتمله الشرح ومثال ذلك قولك من البقر ومن الكبر ومن الصغر ومن العبر ومن المُحاذَرِ ومن الأكبر والأصغر مثّل الناظم بقوله «لِلْأَيْسَرِ» إلا أنه معترض من أربعة مواضع: أحدها أن شرط الاتصال خطأ أعني اتصال الفتحة بالراء المكسورة فإن النحويين قد أجازوا الفصل بينهما بحرف ساكن أو [٢٠٧]

стр. 4674

متحرك لكن بشرط أن يكون صحيحا فالساكن نحو من عمرو ومن بكر ومن بدر وما أشبه ذلك قال سيبويه «وتقول من عمرو فتميل العين لأن الميم ساكنة» ثم قال بعد هذا «وقالوا خَبَط الريف كما قالوا من المطر» يعني فلم يعتبروا الفاصل الساكن والمتحرك نحو من حذِرِ ومن أشِرِ ومن نهِر وما أشبه ذلك وحكى سيبويه عن العرب رأيت خَبَطَ فِرِنْدٍ ممالا كما قالوا من الكافرين فأمالوا فإذا كان جائزا في المنفصل فهو في المتصل أجوز وقد أجاز المؤلف في التسهيل الإمالة مع الفصل بالساكن الصحيح فأما لو كان الساكن ياءً فلا تجوز الإمالة فلو قلت مررت بعيْرٍ أو بخير أو بِدَيْر لم يُمِل لأن تقريب الفتحة من الكسرة يخفيها مع الياء كما أن الكسر نفسه في الياء أخفى هذا تعليل الكتاب وهو ظاهر فما أشار إليه الناظم من اشتراط الاتصال لا ينهض إذًا والموضع الثاني اشتراطه أن تكون الراء متطرفة في آخر الكلمة فإنه غير مشترط عند النحويين وقد أجازوا أن تميل نحو عمل عمل رياح ورأيتهم أحسن رجال ورأيت خبط رياح وكذا قولهم رأيت خبط فرند نص سيبويه وغيره على صحة الإمالة في هذا وأيضا فما المانع من إمالة نحو مشترك ومعترف وقد وُجد سببُ الإمالة فيه ويدل على صحة الإمالة فيه أن سيبويه جعل قولهم من الشرِق مما مَنَعتِ القافُ فيه إمالة الشين وما [٢٠٨]

стр. 4675

ذاك إلا لمنعها ما كان جائزا ولو لم تجز إمالة مثل هذا مع فقد المستعلي لم يكن لتمثيله بهذا المثال معنى بل كان يمثل من سفر قاسم ونحوه من المنفصل والموضع الثالث اشتراط ما ليس بمشترط في صحة الإمالة وهو وجود الراء وقد وقع في التذكرة للفارسي ما نصه: سألته فقلت كيف مثّل سيبويه في باب ما يمال من الحروف لوقوع الراء بعدها مكسورة فاعتزم على الراء في التمثيل دون غيرها وكرر المسائل وأطالها على ذلك؟ فقال لأن في الراء من تكريرها الصوت ما ليس في غيرها فلذلك وضع يده عليها قلت له ولم احتيج في باب الحروف الممالة الحركات إلى قوة ذلك المعنى حتى جاء بالراء لقوتها بالتكرير وأنت وهو جميعا تنزلان الفتحة هنا منزلة الألف وأنت قد تميل الألف للكسرة من غير راء نحو سالم ونابل فإذا جاز أن تميل الكسرة في غير الراء الألف فهلا جاز أيضا أن تميل الفتحة؟ بل هلا كان ذلك في الفتحة أحسن لقلتها عن الألف فإذا أثّرت في الأقوى كان تأثيرها في الأضعف أحرى؟ فهلا قيل من سَلْمٍ ومن كعب كعمرو؟ فقال القياس يجيزه ولكنه قدم الراء لقوتها قلت فيؤكد ما قلته اعتذاره من ترك إمالة فتحة تاء تحسب ونحوها ولا راء هناك قال نعم انتهى ما ذكره وهو نص على صحة الإمالة فيما ليس فيه راء وقد نسبه لسيبويه وله في موضع آخر من التذكرة ما له إشعار بهذا فكيف يجعل الناظم الراء شرطا في هذه الإمالة؟ [٢٠٩]

стр. 4676

والموضع الرابع أنه لم يذكر حكم حرف الاستعلاء هنا وقد كان من حقه ذلك لأن للراء المكسورة في هذا الموضع مع حرف الاستعلاء حالين حال يكفها فيه عن تسبيب الإمالة وذلك إذا وقع حرف الاستعلاء بعدها نحو من الشرِق ومن الفَرِق إذا قيل فلا تميل هنا فتحة الشين والفاء إذ يلزم فيه التصعد بعد التسفل وقد تقدم استكراهم** لها وحالٌ لا يكفّها فيه عن التسبيب وذلك إذا وقع** قبلها نحو من البقر ومن النظر ومن البطر ومن البخر ومن الصِّغر ومن البصر ومن الحضر وما أشبه ذلك فالإمالة هنا جائزة ولا أثر هنا لحرف الاستعلاء والجواب عن الاعتراض الأول أن يقال لعل مذهبه وقف المنفصل بحرف على السماع لأنه سبب بعدي فهو أضعف كما كانت الكسرة البعدية لا تقتضي الإمالة عنده إلا مع الاتصال هذا في الكلمة الواحدة وأما إذا كانت الراء في كلمة أخرى فمذهبه فيه عدم الإمالة وذلك حيث قال «وَلَا تُمِلْ لِسَبَبٍ لَمْ يَتَّصِلْ» ولا شك أن مثل هذه المسألة داخل تحت ما ذكر إذ لم يقيد ألفا من فتحة فيحمل على كل ما ذكر في الباب من الأسباب والمسببات وقد تقدم بيان هذا المذهب في موضعه ونحو** هذا يجاب عن الرابع فإنه قد ذكر ما يكف من حروف الاستعلاء وما لا يكف وتقدم** أن المستعلي إذا تقدم على الراء المكسورة لا يمنع كقارب وخارج وقد نزّل سيبويه هذه الحروف هنا [٢١٠]

стр. 4677

منزلتها إذا كانت قبل الألف وبعد الألف راء وأما إذا تأخر فإنه** يكف السبب كما قال فارق وناعق فكذلك ههنا فلم يترك ذكر ذلك إهمالا له وإنما تركه اختصارا لتقدم** ذكره وعلى هذا لا إشعار للمثال بمخالفة مع النص على الحكم الصحيح ومن ههنا نقول أيضا إذا كانت الفتحة على راء والكسرة على راء فلا بد من الإمالة وإنما ذلك لأن الراء المكسورة تمنع الراء وإن انفتحت عن كف الإمالة فتميل نحو بِشَرَرٍ ومن الضرر ومن السِّرَرِ ونحو ذلك وهو منصوص عليه في صحة الإمالة عند النحويين وأما الثاني فإن غالب الإمالة هنا مع تطرف الراء فلعله رأى أن ما كانت الراء فيه متوسطة مما لا يبلغ مبلغ القياس عليه فأخرج عن المقيس باشتراط التطرف وأما الثالث فالذي ذكر السيرافي أن ذلك مختص بما فيه الراء ولذلك فسر هو وابن خروف مسألة «تحسبُ» على أنها ليست من الباب وإنما هي من باب كسر حرف المضارعة وإنما نُقل أنها من باب الإمالة عن الفارسي فالناظم جرى على معهود كلام الناس وظاهر مساق سيبويه وتبويبه وكلامه [٢١١]

стр. 4678

وقوله «مِلْ تُكْفَ الْكُلَفْ» من تمام التمثيل فللأيسر متعلق بمِلْ فعل الأمر من مال يميل ميلا وهو على حذف الموصوف أي مل للأمر الأيسر وهو بمعنى الأخف وتُكْفَ جواب مِلْ وهو من كفيته مَئُونة كذا أي رفعتها عنه والْكُلَفْ جمع كلفة وهي المشقة في الشيء والتكليف منه فكأن الناظم أتى ضمن تمثيله بحكمة يريد: مل للأمر الأيسر الذي لا تكبر مئونتُه ترتفع عنك المشقة والتعب فيه وهي حكمة جارية في كل أمر من أمور الدنيا والدين ثم قال «كَذَا الَّذِي تَلِيهِ هَا التَّأْنِيثِ فِي ... وَقْفٍ» هذا هو السبب الثاني من أسباب إمالة الفتحة وهو وقوع هاء التأنيث بعدها و «الَّذِي» يحتمل أن يكون صفة حذف موصوفها لتقدم ذكره وهو الفتح ويعني أن الفتح الذي يقع قبل هاء التأنيث في الوقف يمال أيضا كما يمال إذا وقع قبل راء مكسورة ويحتمل أن يكون الموصوف هو الحرف على الجملة كأنه قال كذا الذي يقع قبل هاء التأنيث ويدل على هذا قوله بعد «إِذَا مَا كَانَ غَيْرَ أَلِفِ» فإنما الظاهر أن يكون الاستثناء من الحرف الموصوف بالذي وهذا المحمل هو الظاهر لأن ضمير «كَانَ» لا بد أن يعود على مذكور [٢١٢]

стр. 4679

وهو ما وقع عليه الذي ووصف بها لكن يلقى فيه أنه أطلق الإمالة على الحرف والمراد حركته لأن إمالة الحركة إمالة للحرف المحرك بها قال سيبويه «وسمعت العرب يقولون ضربت ضَرْبهْ وأخذت أخْذه» ثم علل ذلك بأنهم شبهوا الهاء بألف فأمال ما قبلها كما يمال ما قبل الألف ولم يعيِّن أيَّ ألفٍ أشبهت لكن الأقرب أنها شبهت بألف التأنيث وذلك للشبه اللفي والمعنوي أما المعنوي فمعنى التأنيث الذي دل عليه كل واحد منهما وأما اللفظي فلأن كل واحد منهما آخر ولأن ما قبلهما لا يكون إلا مفتوحا لاجتماعها في المخرج وهو أقصى الحلق وفي الصفة وهي الخفاء ولأن كل واحد منهما في الوقف ساكن لا يقبل الحركة فهذه خمسة أوجه من الشبه بين هاء التأنيث وألف التأنيث وللثلاثة الأخيرة منها وجب أن يكون ذلك في الوقف لأنها في الوصل تاء ومخرجُ التاء* ما بين طرف اللسان وأصول الثنايا فقد اختلف المخرجان واختلفت الصفة أيضا والتاءُ متحركة بخلاف الألف فإذًا هي في الوصل بعيدة من الألف بخلاف الوقف والإمالة هنا لغة ثابتة للعرب كما ذكر سيبويه وقال السيرافي: إمالة ما قبل الهاء في ضرْبه ونحوه لغة فاشية في البصرة والكوفة والموصل وما قرب منهن [٢١٣]

стр. 4680

وقيد الهاء هنا في جلبها الإمالة بقيدين: أحدهما كونها للتأنيث نحو ضرْبة* ونعمة* ورحْمة* وأخْذِة* ليلة* وميتة* وكذلك ما أشبه فإذا كانت للتأنيث حصل لها تمكنُ الشبه بألف التأنيث فرن** لم تكن للتأنيث فيظهر أن الإمالة لا تدخلها بمقتضى قيده وهذا هو المنقول الشهير وقد حكى بعض أهل القراءة إدخالَ هاءِ السكت للكسائي في الإمالة نحو مالِيَهْ وما هِيَهْ* وحسابِيَهْ ونحوه قالوا وإليه ذهب ثعلب وابن الأنباري وعُلل بالشبه اللفظي الذي بين هذه الهاء وهاء التأنيث في الوقف قال بعضهم وهذا عندي مثل إمالة «طَلَبْنا» في الشذوذ فالناظم لم يثبت الإمالة لهاء السكت لشذوذها والثاني كونها في الوقف وقد تقدم آنفا وجه اختصاص الإمالة بالوقف وقوله «إِذَا مَا كَانَ غَيْرَ أَلِفِ*» قيدٌ للمُمال قبل الهاء يعني أن ما قبل الهاء إنما يمال إذا لم يكن ألفا كما تقدم تمثيله فإن كان ألف فمقتضى مفهوم شرطه أن الهاء لا تقتضي إمالة في ذلك الألف وهذا مفهوم صحيح فإن الهاء لما عوملت معاملة ألف التأنيث لم يُمَل لها إلا ما يمال للألف وهو الفتحة قبلها خاصة فأما الألف فإن كان معها ما يقتضي* إمالتها أميلت [٢١٤]

стр. 4681

نحو مرضاة ومُزجاة ونحوهما وإلا بقيت على فتحها نحو مناة واللات إذا وقفت عليها اللاه والزكاة والصلاة وما أشبه ذلك وقد تقدم الكلام على ذلك وهذا التفسير على أن مدلول «الذي» هو الحرف وضمير «كان» عائد عليه فإن كان الفتح كأنه قال كذاك الفتح الذي يليه هاء لتأنيث فضمير كان لا يعود على الفتح لفساد المعنى بل على الحرف المفهوم من سياق الكلام وهو بعيد والأول أظهر ثم يبقى النظر في مقتضى إطلاقه في هذه الإمالة وذلك أنه أطلق فيها القول ولم يستثن شيئا فيمكن فيه في بادئ الرأي محملان: أحدهما المحمل الثابت في تفسير كلامه والذي يقتضيه القياس في هذا الموضع وهو أن يُجرى حكم الإمالة فيما قبله حرف من حروف الاستعلاء أو الراء أو غيرها من غير استثناء نحو جنّةْ* وبدْرَةْ* وقبضَةْ* وبسطةْ* وعِظَةْ* ونشأة* وفرقةْ* ومنحَةْ* وحفصةْ* وما أشبه ذلك وإنما كان القياس مقتضيا لهذا لأن الإمالة للهاء هنا محمولة على الإمالة لألف التأنيث وقد تقدم أن ألف التأنيث كالألف المنقلبة لا يكفها المستعلي الذي قبلها [٢١٥]

стр. 4682

فكذلك يكون ما حُمل عليها ألا ترى أنهم حين حملوا ألف التنوين على ألف التأنيث أمالوها وإن وقع قبلها المستعلي نحو رأيت عِلْقا حكاه سيبويه* مع إمالة عِنَبا وعِلْما ونحو ذلك مما سمع ممالًا وبهذا استدلوا على أن الإمالة فيها بالحمل على ألف التأنيث فكذلك هاء التأنيث وكلام الناظم قابل لهذا المحمل وجار على مقصده فإن قيل قد تقدم في إمالة الفتحة لكسرة الراء أن المستعلي فيها كافٌّ إذا وقع بعد الراء وغير كافّ إذا وقع قبلها على حد ما رسمه قبلُ في إمالة الألف تقيد كلامه بذلك فلا بد من حمل كلامه هنا على ذلك التقييد أيضا وإلا كان كلامه على غير ترتيب صناعي ولا مساق مفهوم حيث يقصد في بعض المسائل التقييد وفي بعضها الإطلاق فإذا كان هذا غير مستقيم أمكن أن يحمل على استثناء حروف الاستعلاء وهو المحمل الثاني فيكون نحو خاصَّةْ وفضةْ وبسطةْ وغِلظةْ وصِبغةْ وصرخةْ وفرقةْ غير ممال لكفِّ المستعلي وكذلك الراء نحو بررةْ وكفرةْ وغبرةْ وهي طريقة تنحو إلى طريقة القراء في مذهب الكسائي وإن لم تكن إياها من كل وجه لكنها أسعد بنظم كلامه أجيب عن هذا بأن في كلامه ما يعيّن المحمل الأول وهو قوله «إِذَا مَا كَانَ غَيْرَ أَلِفِ» وبيان ذلك أنه أتى أولا بقوله «كَذَا الَّذِي تَلِيهِ هَا التَّأْنِيثِ» والذي صيغة عموم فكان يحتمل التخصيص بما تقدم كما قيل في السؤال لولا أنه عم ما عدا الألف بقوله «إِذَا مَا كَانَ غَيْرَ أَلِفِ» أي ليس في جميع الحروف الواقعة قبل هاء التأنيث ما يخرج عن حكم الإمالة غير الألف فخرج بالتنصيص على هذا المعنى عن حكم التقييد بما تقدم فبقي* على أصله من [٢١٦]

стр. 4683

التعميم في المستعلي وغيره ما عدا الألفَ وأيضا فلو حملناه على ما قيل في السؤال من استثناء حروف الاستعلاء والراء خاصة لكان خراجا عن مذهب النحويين وخارجا أيضا عن مذهب القراء فأما خروجه عن مذهب النحويين فظاهر وأما خروجه عن مذهب القراء فإن ما قبل هاء التأنيث عند القراء في مذهب الكسائي في الإمالة وعدمها للقراء فيه طريقتان فطريقة أبي مزاحم الخاقاني موافقة القياس وهو فيها آخذ برواية رويت عن الكسائي تقضي بالتعميم في جميع الحروف إلا أنهم استثنوا الألف وطريقة ابن مجاهد وهي الشهيرة عند الذين تأخروا عنهم أنها على ثلاثة أقسام قسم لا يمال بإطلاق وذلك حروف الاستعلاء السبعة ويزاد عليها ثلاثة أحرف وهي الألف والعين والحاء قالوا لأن الألف لا مدخل لها ههنا والعين والحاء عند الكوفيين من حروف الاستعلاء ويجمعها هجاء: (ضُغِط قص خظ) وقسم ثان يمال بإطلاق وذلك خمسة عشر حرفا يجمعها هجاء: (فجثت زينبُ لذَوْدٍ شمسٍ) وقسم ثالث يمال في حال دون حال وهو أربعة أحرف يجمعها هجاء: (أكْرَه) فتمال إذا كان قبلها كسرة أو ياء ساكنة أو ساكن قبله كسرة وتفتح فيما عدا ذلك هذا مذهب القراء وليست واحدة من الطريقتين بموافقة لما ذكر في السؤال فلزم أن لا يقال به [٢١٧]

стр. 4684

التصريف هذا الباب هو الشطر الثاني من شطري علم النحو، وهو أغمضهما وأشرفهما عند أهل هذا الشأن، لما فيه من الفائدة العائدة عليهم في تصرفات كلام العرب، ولأجل ذلك خصه كثير من النحويين بالتأليف على الاستقلال كالمازني والمبرد وابن جني وغيرهم ممن لهج به، وأغرق في النظر فيه، وقد أطنبوا في مدحه بما هو مذكور في مواضعه. ولم يَحُدَّ الناظمُ التصريفَ، وكان من حقِّه هذا، وقد حدَّه في التسهيل بأنه: «علم يتعلق ببنية الكلمة وما لحروفها من أصالة وزيادة، وصحة وإعلال، وشبه ذلك». فقولُه: علم، هو الجنس الأقرب، إذ التصريف المراد حده من جنس العلوم. وقوله: يتعلق ببنية الكلمة، هو معرفة أبنية الأسماء والأفعال.* وأعداد حروف تلك الأبنية من ثلاثي ورباعي وما فوق ذلك، وما هو منها مجرد من الزيادة أو مزيد فيه، وكيف يوزن بالتفعيل؟ وكيف بناءُ ما يُبنى منها إن أُطلق القياسُ فيها، أو سُوِّغ للتدرُّب والامتحان، ونحو ذلك. [٢١٨]

стр. 4685

وقوله: وما لحروفها من أصالة وزيادة، أي: وما لحروف تلك الأبنية من أصالة، يعني حيث تكون أصولا لا زوائد، وزيادة، يعني حيث تكون الزوائدُ في تلك الأبنية، وأين تزاد؟ وما الذي يُزاد؟ وما الذي لا يُزاد؟ وقوله: وصحة وإعلال. يعني بالصحة إقرارَ الحرف على وضعه الأصلي كالياء في بياض وأبيضَ، والواو في سواد وأسود وبالإعلال: تغييرَ الحرف عن وضعه الأصلي كالواو في قام وأقام، وعاذ عياذا، والياء في أبان وموقن وبائع ونحو ذلك. وقوله: وشبه ذلك يعني كالقلب والحذف، نحو: لاثٍ في لائث، أينُق في جمع ناقة. وحذف واو يَعِدُ، وتَعِدُ، ونَعِدُ، وعِدَةٍ وزِنَةٍ. وما أشبه ذلك. فهذه هي أجزاء التصريف قد نبه عليها، ومعرفة ذلك كله هو علم التصريف. وللكلام في هذا التعريف مجال رحب، وليس هو المقصود ههنا، لأنه لا يتعلق بلفظ الناظم، وإنما تعلق بكلامه منه تفسيرُ لفظ التصريف على الجملة، فلأجل ذلك أتيتُ به. ثم إنّ في لفظه لفظين، وهما الصَّرفُ في قوله: «مِنَ الصَّرْفِ بَرِي»، والتصريف في قوله: «بِتَصْرِيفٍ حَرِيّْ»، والظاهر أنه أراد بهما واحدا، بل لا شك في هذا. واللفظ المصطلح عليه إنما هو التصريفُ لا الصرفُ، فاستعماله لفظَ الصرف تسامحٌ اعتبارا بأصل المعنى لأن «صَرَّف» الذي مصدره التصريف مبالغة في «صَرَفَ» الذي مصدره الصرف، وإنما سُمِّي [٢١٩]

стр. 4686

هذا العلم تصريفا من التصريف الذي هو التقليبُ، وتقول: صرفت الرجلَ في أمري: إذا جعلتَه يتقلّبُ فيه بالذهاب والمجيء. وصروفُ الدهر: تقلباتُه وتحوّلاتُه من حال إلى حال فهذا العلم فيه هذا المعنى من جهتين: إحداهما: من جهة مُتَعَلَّقه؛ إذ هو مُتَعلِّق بالتصرفات الموجودة في الألفاظ العربية، فقول العربي: ضرب، ويضرِب، وضار، ومضروب، واضطرب، وما كان نحو ذلك تصريفٌ للمصدر الذي هو الضرب، وهو مُتَعلَّق نظر صاحب هذا العلم، فينظر في هذه التصرفات، في الزيادة والنقصان، والصحة والإعلال، وشبه ذلك، فقيل للعلم المتعلِّق بهذا التصريف: تصريفٌ، تسميةً له باسمِ متعلَّقِه. والجهةُ الثانيةُ جهةُ فائدتِه، وهو: انتحاءُ سمتِ كلامِ العرب بالبناء مثل أبنيتها والتصرف في الكلام بنحوٍ من تصرف العرب. وإلى هذا المعنى ردّ ابن جني وغيرُه حقيقة التصريف المبوَّب عليه؛ إذ قال: «إن التصريف هو أن تجيء إلى الكلمة الواحدة فتُصرِّفَها على وجوهٍ شتَّى، مثالُ ذلك أن تأتي إلى ضَرَب، فتبني منه مثْلَ جعفر، فتقول: ضَرْبَبٌ، ومثل قِمَطْر: ضِرَبٌّ، ومثل دِرْهم: ضِرْبَبٌ، ومثل عَلِم: ضَرِبَ، ومثل ظَرُف: ضَرُب». قال: أفلا ترى إلى تصريفك الكلمة على وُجوهٍ كثيرةٍ». فحدَّه كما ترى بفائدته**، وعلى ذلك نصَّ في كتاب الخصائص، فذكر أن الغرض من مسائل التصريف على ضربين: [٢٢٠]

стр. 4687

أحدهما: الإدخال لما تبنيه في كلام العرب والإلحاق له به. ومثّله بما ذكر في الحدّ. والآخر: التماسُكَ الرياضة به والتدرُّب بالصنعَةِ فيه. ومَثَّله بأن تَبْنِيَ من شَوَيتُ مثل فَيْعَلولٍ، فتقول: شَيْوَوِيٌّ، ونحو ذلك. فكلاهما راجع إلى معنى واحد، إلا أن أحدهما في الصحيح والآخر في المعتل وإذا كان كذلك فالصرفُ الذي ذكره الناظمُ من معنى التصريفِ المصطَلح عليه، لكن على لحظ الأصل. ولذلك صح أن يُطلِق عليه صرفا، وإلا فكان يكون إطلاقُه الصرف عليه اصطلاحا ثانيا، ولا يُحمَل على هذا ما أمكن. ثم نرجعُ إلى تفسير كلامه، فأولُ ما قال: حَرْفٌ وَشِبْهُهُ مِنِ الصَّرْفِ بَرِي ... وَمَا سِوَاهُمَا بِتَصْرِيفٍ حَرِيّْ فبيَّن أولا موضوعَ علم التصريف، وموضوعُ كلِّ علمٍ ما يُبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية، كما تقول: موضوعُ علم العروضِ الشعرُ، وموضوعُ علمِ اللغة مفردات كلام العرب؛ فكذلك تقول: موضوع علم التصريف الأسماءُ المتمكنة والأفعال المتصرفة. وما ليس باسمٍ متمكِّن ولا فِعْلٍ متصرفٍ فليس بموضوعٍ له. فالأسماء المتمكنة والأفعال المتصرفة يُبحث في هذا العلم عن عوارضها التي تلحقها في التقلبات من الزيادة والنقصان، والصحة والإعلال، بالقلب والإبدال ومحالِّها وشروطها وموانعها وأسبابها وشبه ذلك. فيعني أنّ التصريفَ لا يدخل في الحروف البتّة، ولا يدخل أيضا فيما أشبه الحروف، وحَصَر هذا في قسمين أما الحروفُ فعدمُ دخولِ التصريف [٢٢١]

стр. 4688

فيها ظاهر لأنها مجهولةُ الأصول، موضوعةٌ وَضْعَ الأصوات، لا تُمَثّل بالفاء والعين واللام؛ إذ لا يعرف لها اشتقاق ولا تصريف فلو قال (لك) قائل: ما مثالُ هَلْ أو قَدْ أو حَتَّى أو هَلَّا، أو نحو ذلك من الفعل لكانت مسألته محال؛ إذ لا يُمثّلُ مثلُ هذا إلا تنقله بالتسمية إلى الاسمية، فحينئذ يجري مجرى سائر الأسماء المتمكنة من التمثيل بالفعل، فأما وهي على أصلها من الحرفية فلا تُصرّف. ولهذا المعنى المقرر كانت الألفات في أواخر الحروف أصولا غير زوائد ولا منقلبة من واو ولا ياء، نحو: ما ولا وحتى ويا ونحوها، (لا تقول: إن الألف فيها منقلبة كالألف في عصى ومضي* ونحوهما)، لأنها لو كان أصلها الواو أو الياءَ لظهرتا لسكونهما كما ظهرتا في مثل: كَيْ وأَيْ ولَوْ وأَوْ، فلو كان أصلُ ألفِ ما الواو لقلت مَوْ، كما قلت: لَوْ. أو كان الياء لقلت: مَيْ، كما قلت: كيْ لأنها إنما تُقلَبُ إذا كانت متحركةً وقبلها فتحةٌ على ما يأتي في موضعه إن شاء الله، وهي في الحروف ساكنةٌ كلام هَلْ وبلْ، ودال قَدْ. فقد بطل أن تكون منقلبة. وأيضا لو قال قائل: إنّ الألفات في أواخرها زوائد، لم يصحَّ؛ لأنّ الزيادة والأصالة إنما تُعرف بالتصريف والاشتقاق، والحروفُ لا يكون ذلك فيها فقد ثبت في الحروف وصحَّ أنّ التصريفَ وأحكامَه لا تدخلها. وأما ما أشبه الحروف فهو متضمِّنٌ نوعين من الكَلِم: [٢٢٢]

стр. 4689

أحدهما: الأسماء غير المتمكنة، وهي التي أشبهت الحروفَ من جهةٍ من تلك الجهات التي تقدَّم ذكرها في باب المعرب والمبني، وهي أربع: شبهٌ معنوي، وهو ما تضمن معنى الحرف كأسماء الشرط وأسماء الاستفهام، نحوُ: مَنْ ومتى وأين. وشبهٌ وضعي، وهو ما وُضع وَضْع الحرف في كونه على حرفٍ واحد أو على حرفين ثانيهما حرفُ لين، مثالُ ما هو على حرفٍ واحد التاءُ في: جئتُ وجِئْتَ، والكاف في: ضربك ومنك ولك ومثال ما هو على حرفين ثانيهما حرف لين: نا في ضرْبنا* وضربَنا وبِنا وها في ضرَبها وكذلك ما الاسمية على أيّ وجهٍ كانت وشبهٌ افتقاري وهو ما كان مفتقرا لغيره في بيان معناه كأسماء الإشارة الموصولات والمضمرات أيضا فإنها في أصل وضعها مفتقرة إلى ما يبين معناها وشبه من جهة عدم قبولها التأثر بالعوامل مثاله مه وصه ونزال وإيه وهيهات وسائر أسماء الأفعال فجميع هذا مما أشبه الحرف لا يدخلها تصريف كما قال لأنها منزلة منزلة الحروف ألا ترى أن كم ومن وإذا ومذ سواكن الأواخر كهل وبل وقد وعن ومن ومن هنالك لا تصح أن تكون الألف في متى وإذا وأتى وإيا في إياك وألى وجميع ما آخره ألف منها إلا غير منقلبة من ياء [٢٢٣]

стр. 4690

ولا واو كما أن الألف في حتى وكلا غير منقلبة أيضا فهذه الأسماء بمنزلة الحروف كما قال من كل وجه والنوع الثاني الأفعال غير المتصرفة وهي التي لم تختلف أبنيتها لاختلاف الأزمنة نحو ليس وعسى ونعم وبئس فهذه الأربعة إنما ادعي كونها أفعالا لجريان بعض أحكام الأفعال عليها وإلا* فكان الظاهر عندهم أنها حروف فعسى ولعل أخوان من جهة المعنى وكذلك ليس ما وقد ادعي في ليس أنها حرف اعتماد على مرادفتها لما وكذلك سائرها فهي في الحقيقة تدل على معنى في غيرها فكانت مثلها في امتناع دخول التصريف فيها وقوله بري أصله بريء فحذف الهمزة منه ومثل هذا في الكلام نادر فحكي جاء يجي* ونحو من ذلك قليل وهي لغة ويحتمل أن يكون بري في كلامه فعلا ماضيا سهل همزته ثم وقف عليها بالإبدال* وهو من قولهم برئت لك من كذا وبريت من الدين براءة ولما نفى التصريف عن هذين النوعين بقى* ما عداهما يدخله التصريف فذكره ونص على ذلك فيه بقوله وما سواهما بتصريف حري وحر معناه خليق يقال هو حر بكذا وحري بكذا وحرى* به أي خليق وحقيق وجدير به وقمن وقمن وقمين هذه كلها بمعنى واحد ويعني أن ما عدا الحرف وشبهه من الكلم يدخله التصريف والذي هو سوى ما ذكر نوعان [٢٢٤]

стр. 4691

أحدهما الأسماء المتمكنة وهي المعربة نحو رجل وفرس وكساء وأحمر والثاني الأفعال المتصرفة وهي المختلفة الأبنية لاختلاف الأزمنة نحو ضرب وخرج ومات ورمى لأنك تقول ضرب ويضرب واضرب وخرج ويخرج واخرج ومات ويموت ومت ورمى ويرمي* وارم وما أشبه ذلك فهذان النوعان هما اللذان يدخلهما الحكم بالأصالة والزيادة والصحة والإعلال وتوزن بالفاء واللام والعين فتقول ضرب وزنة فعل وحروفه كلها أصول ومات وزنه فعل وأصله موت تحركت الواو فيه وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا وقولك يموت الياء فيه زائدة لتدل على المذكر الغائب وكذلك سائر الأفعال ومثل ذلك في الأسماء أيضا فتقول زيد وزنه فعل وهو ثلاثي وكله أصول ودار وزنه فعل وأصله دور فانقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وسماء وزنه فعال والألف زائدة والهمزة أصلها الواو لأنها مشتقة من سما يسمو فانقلبت همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة وكذلك سائر الأسماء المتمكنة ولك أن تبني على أمثلتها وتبني منها على ما سيذكر بعضه بعد هذا إن شاء الله تعالى فقد ظهر دخول التصريف في هذين النوعين وامتناعه من النوعين الأولين إلا أن على الناظم هنا دركا من أوجه ستة أحدهما أنه أغفل إخراج الأسماء الأعجمية عن حكم التصريف والناس قد عدوها من الأمور التي لا يدخلها التصريف كما لا يدخلها [٢٢٥]

стр. 4692

اشتقاق قال ابن جني فأما الأسماء الأعجمية ففي حكم الحروف لامتناعها من التصريف والاشتقاق ولأنها ليست من اللغة العربية قال وإذا كان ضرب من كلام العرب لا يمكن فيه الاشتقاق ولا يسوغ فيه التصريف يعني التصريف العربي مع أنه عربي فالامتناع من هذا أولى وهو به أحرى لبعد ما بين العجمية والعربية ألا ترى أنك لا تجد لإبراهيم ولا لإسماعيل ونحوهما اشتقاقا ولا تصريفا كما لا تجد لهل وقد وبل فالأمر فيهما واحد ثم ذكر أن قول من يقول إن إبليس من قوله تعالى يبلس المجرمون وإن إدريس من درس القرآن أو درس المنزل وإن يعقوب من العقبى أو العقاب خطأ إذ لو كان كذلك لكان عربيا مشتقا ولوجب الصرف فيهما لكنها لا تصرف فليس ذلك إلا اتفاقي* ألا ترى إلى قولا النابغة نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد فلو كان من قبست النار لانصرف لأنه بمنزلة جارود من الجرد وعاقول من العقل فإذا ليس لأحد أن يقول إن إبراهيم وإسماعيل لهما مثالان من الفعل كما لا يمكنه ذلك في إن وسوف وثم وما أشبه ذلك قال ولكن يقال لو كانت هذه الأسماء من كلام العرب لكان حكمها كيت وكيت كما أن سوف وحتى ولو سمي بهما لكان من أمرهما كيت وكيت [٢٢٦]

стр. 4693

وإذا ثبت هذا فادعاء الأصالة والزيادة في حروفها والصحة والإعلال والقلب والإبدال غير صحيح كما لا يسوغ ذلك في الحروف فهذا وجه من الدرك على الناظم لأنها لم تدخل له في الحروف إذ ليست بحروف ولا فيما أشبه الحروف إذ ليس فيها وجه من وجوه شبه الحروف وإنما شبهها ابن جني بها امتناع التصريف لا في غير ذلك وإلا كانت مبنية كما بني ما أشبه الحروف من الأسماء العربية والثاني أن الأسماء الموقوفة التي لم تستعمل مركبة لا يدخلها تصريف ولا تمثل بالفاء والعين واللام ما دامت على ذلك ولا يحكم على شيء من حروفها بأصالة ولا زيادة ولا انقلاب عن شيء مع أنها في أنفسها مستقلة لم تشبه الحروف وإنما هي كالتكلم بالمفردات المعربة إذا وقف عليها نحو واحد اثنان* ثلاثة* أربعة* خمسة* وسائر أخواتها فهي كقولك زيد عمرو بكر خالد فأين شبه الحرف من هذا وكذلك أسماء حروف المعجم الثلاثية نحو ألف جيم دال زاي كاف لام ميم وما أشبه ذلك وكذلك الثنائية أيضا ولا يصح أن يقال فيها إنها مبنية لأن البناء والإعراب حكمان من أحكام المركبات لا من أحكام المفردات من حيث إفرادها فإذا ليست من الحروف ولا مما أشبه الحروف فيقتضي كلام الناظم دخول التصريف فيها لقوله وما سواهما بتصريف حري وذلك غير صحيح بل [٢٢٧]

стр. 4694

التصريف منها ممتنع لأنها كالأصوات المتقطعة وشبهها بالحروف مفقود وما تقد قبل هذا الباب من أنها تشبهها فذلك تشبيه غير موجب للبناء كما لم يوجب البناء في الأعجمية شبهها بالحروف كما تقدم آنفا والثالث أن الحروف قد دخلها أحكام التصريف من الزيادة والحذف والإبدال وغيرها وإن لم يكن لها تمثيل بالفاء والعين واللام فمن ذلك إبدالهم العين من حاء حتى نحو عتى حين ومن همزة أن نحو قول ذي الرمة أعن ترسمت من خرقاء منزلة البيت وإبدال الهاء من همزة إن نحو لهنك من برق علي كريم ومن همزة أيا نحو [٢٢٨]

стр. 4695

ويقول من طرب هيا ربا وقد قالوا في لام لعل الأولى إنها زائدة لقولهم فيها عل وأما الحذف فكثير نحو حذف الألف من ها في هلم وحذف ألف ما في لم وقالوا أم والله وتخفيف رب نحو رب هيضل لجب لففت بهيضل وكذلك إن وأن ولكن وكأن وكذلك قالوا مذ في منذ الحرفية وسو وسف وسي* في سوف وكثير من هذا وكله من باب التصريف هذا إلى ما دخله من الاشتقاق منه على مذهب ابن جني إذ جعل مادة ن ع م جارية كلها في الاشتقاق على نعم حرف الإيجاب والتصديق وجعل النعمة والنعيم والإنعام وغير ذلك راجعا إليه وكذلك بجل جعل التبجيل والبجيل وغير ذلك من المستعمل من مادة بجل مشتقة من بجل بمعنى نعم وكذلك حكى* من قولهم سألتك كذا فلو ليت لي أي قلت لي لولا وأشياء من هذا النحو والتصريف النحوي تابع لهذا بلا بد فكيف يجعل الناظم الحرف بريئا من التصريف وقد ظهر عدم براءته منه [٢٢٩]
следующие страницы →