← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وفي الثاني: *فإن تكن المرآة أخفت وسامة* وفي الثالث: *إذا لم يكن من همة المرء ما نوى* وقال في قوله: *فيالغلامان اللذان فرا* أنا لا أراه ضرورة لتمكن قائله من أن يقول: *فيا غلامان اللذان فرا* لأن النكرة المعينة بالنداء توصف بذي الألف واللام، وله من هذا النحو مواضع، وما ذهب إليه باطل من أوجه: أحدها: إجماع النحويين على عدم اعتبار هذا المنزع وعلى إهماله في النظر القياسي جملة، ولو كان معتبرا لنبهوا عليه وأشاروا إليه ولم يفعلوا ذلك فدل على أن ما خالفه باطل (لا يقال: إن إجماع النحويين ليس بحجة كما قاله ابن جنى في مسألة: هذا جحر ضب ضرب، لأنا نقول: إن كان ابن جنى ادعى ذلك في خصوص مسألته فيقرب الأمر، إذ يجوز عند أكثر الأصوليين إحداث تأويل غير ما أجمعوا عليه ولا يعد خرقا للإجماع، وإن أراد

стр. 492

أن مخالفتهم جائزة على الإطلاق فباطل باتفاق أهل العلم، وقد كان بعض شيوخنا يقول: إن ابن جنى لما عزم على مخالفة الإجماع من مسألته لم يوفق للصواب فيها، بل ذهب إلى ما لا يقبله عاقل. فإن قيل: أين الإجماع؟ وقال سيبويه في قول أبي النجم: قد أصبحت أم الخيار تدعى ... على ذنبا كله لم أصنع فهذا ضعيف وهو بمنزلته في الكلام، لأن النصب لا يكسر الشعر ولا يخل به ترك إظهار الهاء. وقال ابن جني: إنهم قد يستعملون الضرورة حيث لا يحتاج إليها كقوله: فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها وكان يمكنه: ابقلت أبقالها، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى ما قبلها وكذلك قوله:

стр. 493

*طباخ ساعات الكرى زاد الكسل* فجر: زاد وأدى ذل إلى الفصل بين المضاف والمضاف إليه، وكان يمكنه أن ينصب ويزول القبح، وبنى على ذلك القاعدة في "الخصائص" وحكى ابن جنى عن أبي العباس قال: حدثني أبو عثمان قال: جلست في حلقة الفراء فسمعته يقول لأصحابه: لا يجوز حذف لام الأمر إلا في شعر وأنشد: من كان لا يزعم أني شاعر ... فيدن منى تنهه المزاجر قال فقلت له: لم جاز في الشعر ولم يجز في الكلام؟ فقال: إن الشعر يضطر فيه الشاعر فيحذف. قال فقلت: فما الذي اضطره هنا وهو يمكنه أن يقول: فليدن مني؟ قال: فسأل عني فقيل له المازني: فأوسع لي. فهذا وما أشبهه يدل على اعتباره عندهم، وهم أئمة النحو فيكف تقول: الإجماع منعقد على عدم اعتباره؟ فالجواب: أن هذه المسألة بمعزل عن مسألتنا، فإن هذه المسألة في جواز الاستعمال للضرورة حيث لا يضطر إليها مع اتفاقهم على ما أختص بالشعر لا يستعمل في الكلام ولا يعد كالمستعمل فيه إذا أمكن الخروج عن الضرورة بتبديل أو تحريف وهو المتفق عليه وهو الذي خالف فيه الناظم. والثاني: أن الضرورة عند النحويين ليس معناها أنه لا يمكن في

стр. 494

الموضع غير ما ذكر، إذ ما من ضرورة إلا ويمكن أن يعوض من لفظها غيره من الألفاظ الصحيحة الجارية/ على القياس المستمر، ولا ينكر هذا إلا جاحد لضرورة العقل هذه الراء في كلام العرب وتأليف حروفهم من الشياع في الاستعمال بمكان لا يجهل ولا تكاد تنطق بجملتين تعريان عنها، وقد هجرها واصل بن عطاء لمكان لثغته فيها حتى كان يناظر الخصوم ويجادلهم، ويخطب على المنبر فلا يسمع في نطقه راء فكان إحدى الأعاجيب حتى صار مثلا وقال فيه الشاعر: ويجعل البر قمحا في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر ولم يطق مطرا والقول يعجله ... فعاد بالغيث إشفاقا من المطر وورى به الشاعر فقال- وأحسن كل الإحسان-: ولما رأيت الشيب راء بعارضي ... تيقنت أن الوصل لي منك واصل ولا مرية في أن اجتناب الضرورة الشعرية أسهل من هذا بكثير، وإذا وصل الأمر إلى هذا الحد أدى إلى أن لا ضرورة في شعر عربي، وذلك خلاف الإجماع والبديهة، وإنما معنى الضرورة وهو الثالث: أن الشاعر قد لا يخطر بباله إلا لفظه ما تضمنه النطق به في ذلك

стр. 495

الموضع إلى زيادة أو نقص أو غير ذلك بحيث قد يتنبه غيره إلى أن يحتال في شيء يزيل تلك الضرورة وعلى هذا يقال في قوله: * ..... كله لم أصنع* إنه ضرورة، لأن الشاعر أراد رفع كله فلم يمكنه إلا على حذف الضمير وكذلك في سائر ما ذكر معه، وقد يقال فيه غير ذلك مما سطره الناس، وإذا كان كذلك فمن أين يلزم أن يكون المضطر ذاكرا للوجه المخرج عن الضرورة في الوقت أو بعده بحيث يقدر على استدراكه؟ هذا ما لا يمكن وإن فرضنا إمكانه في بعض الأحوال فلا يمكن في جميع الأحوال بل في بعضها، وذلك حين ينصرفون إلى التنقيح والتلوم على رياضته وهذا عند العرب قليل كزهير في حولياته، أما في حال الضيق كمواطن الخطابة والتهاجي وإجابة الخصوم والمواقف التي يفجأ فيها الارتجال من غير توسعة كحسان بن ثابت ﵁ وغيره من الشعراء الذين جنوا في مواطن الارتجال جنونا، فمثل هذه الأحوال لا يمكن فيها ذلك. والرابع: أنه قد تكون للمعنى عبارتان أو أكثر منها واحدة يلزم فيها ضرورة، إلا أنها مطابقة لمقتضى الحال، ومفصحة عنه على أوفى ما يكون، والتي صح قياسها ليست بأبلغ في ذلك من الأخرى ولا مرية في أنهم في هذه الحال يرجعون إلى الضرورة، إذ كان اعتناؤهم بالمعاني أشد من اعتنائهم بالألفاظ، وقد بوب ابن جنى على هذا، وإذا ظهر لنا نحن في موضع أن مالا ضرورة فيه يصلح هنالك، فمن أين يعلم أنه مطابق لمقتضى الحال، أو

стр. 496

أنه أبلغ فيما قصد من المبالغة في البيان والإفصاح؟ لا سبيل إلى معرفة ذلك في أكثر المواضع، والحاضر أبصر من الغائب، فلا تجويز لما لا تعلم حقيقته، وأيضا قد يظن بالعبارتين أنهما مترادفتان وليستا في الحقيقة كذلك، إما لوجود فرق لفظي وإما لوجود أمر معنوي، إما ضروري أو تكميلي، ويتبين مثل هذا للناظر في فصاحة القرآن، ومثله يتفق في الشعر بحيث لا ينبغي أن يؤتى إلا بعبارة الاضطرار دون الجارية على القياس، وقد تساهل ابن مالك عفا الله عنه في هذا الموضع حتى أهمل ما يعتبره أهل البيان، بل زاد في ذلك إلى أن أخرج البيت/ بتقديره عن معناه إلى معنى آخر، فقد تقدم قوله في: *فإن لم تك المرآة أبدت وسامة* وأنه يمكن أن يقول: *فإن تكن المرآة أخفت وسامة* وفي قوله: *إذا لم تك الحاجات من همة الفتى* أنه يمكنه أن يقول: *إذا لم يكن من همة المرء ما نوى* وهذا ما لا مزيد عليه في التعسف وتحريف المعنى وقلب المقصود والخامس: أن العرب قد تأتي الكلام القياسي لعارض زحاف

стр. 497

فتستطيب المزاحف دون غيره أو بالعكس فتركب الضرورة لذلك، والعرب في ذلك على فرقتين: فرقة وهم الجفاة الفصحاء فلا يبالون كسر البيت قصدهم في استقامة المعنى وإن أدى إلى زحاف مستثقل، إذا لم يخرج عن الوزن الطبيعي. قال المازني: أما الجفاة الفصحاء فلا يبالون كسر البيت- يعني الزحاف- لاستنكارهم زيغ الإعراب. قال ابن جنى: وهذا المذهب أقوى عندي لأن احتمال الزحاف أسهل من احتمال زيغ الإعراب، ومثال هذا قول امرئ القيس: أعنى على برق أراه وميض ... يضئ حبيا ف شماريخ بيض فقد كان يمكن أن يحذف الياء من "شماريخ" وهو قبض "فعولن" قبل الضرب المحذوف في الطويل وهو الواجب عند الخليل والسلامة فيه ضعيفة، وحذف ياء "فعاليل" في الشعر جائز، إلا أنه حافظ على استقامة الإعراب ولم يبال بضعف الوزن، ومثل هذا كثير. وفرقة حافظت على الوزن حتى ارتكبت من أجله زيغ الإعراب وارتكاب

стр. 498

الضرورة كقوله: *أبيت على معاري واضحات* وقد أمكنه أن يقول: معار واضحات، وكذلك: *ولا ترضاها ولا تملق* ممكن أن لو قال: "ولا ترضها" وكذلك قوله:

стр. 499

*ألم يأتيك والأنباء تنمى" وعلى هذا المعنى حمل ابن جنى قول الراجز: *فيدن منى تنهه المزاجر* وهذا الباب واسع، فإذا كان هذا شأنهم فكيف تتحكم على العرب في كلامها ونلزمها ما لا يلزمها؟ وبالجملة فهذا المذهب من المذاهب الواهية التي يجب ألا يلتفت إليها وقد بينت هذه المسألة بما هو أوسع من هذا وأشفى للصدر في باب الضرائر من "أصول العربية" ولم أر أحدا من شيوخنا الحذاق ممن سمعت كلامه في المسألة يرتضى ما ارتضاه ابن مالك ولا يسلمه. *** ثم أخذ في ذكر ما بقى له من الموصولات فقال: أي كما، وأعربت ما لم تضف ... وصدر وصلها ضمير أنحذف وإنما فصلها مما قبلها لما تعلق بها من الأحكام التي انفردت بها عن سائر أخواتها من الإعراب في حال، والبناء في حال، والإضافة، وأن لها بحسب البناء تعلقا بمسألة حذف الضمير من الصلة فوصلها بها لأجل ذلك، وابتدأ ببيان كونها من الموصولات فقال: (أي كما) يعني أن أيا في هذا الباب مثل "ما" في جميع ما تقدم من الأحكام وهي الأربعة الأول كونها اسما، وكونها موصولة وكونها تقع على المفرد والمثنى والمجموع بلفظ

стр. 500

واحد، فتقول: أكرم أيهم خرج، أردت بأي واحدا كان أو اثنين أو أكثر، وكونها تقع/ على المذكر والمؤنث بلفظ واحد أيضا كقولك: اضرب أيهن فعلت كذا من غير أن تؤنث أي، وهذا على ما نقل في "التسهيل" هو الأكثر لقوله: وقد تؤنث بالهاء موافقة للتي، وما نقله صحيح. قال سيبويه: وسألت الخليل- ﵀ عن أيهن فلانة وأيتهن فلانة فقال إذا قلت: أي فهو بمنزلة كل؛ لأن كلا مذكر يقع للمذكر والمؤنث وبمنزلة بعض، قال وإذا قلت: أيتهن فإنك أردت أن تؤنث الاسم، كما أن بعض العرب فيما زعم الخليل- ﵀ يقول: كلتهن، فظاهر هذا الكلام أن ترك التاء هو الشائع وأن عدم تركها قليل، وبهذا فسره السيرافي وقال: ربما أدخلوا علامة التأنيث عند إرادة المؤنث تأكيدا كما ذكر، ومنه: هند خير النساء وشرها، وربما قالوا: خيرة النساء وشرتها والباب التذكير وأنشد لحسان: لعن الله شرة الدور كوثى ... ورماها بالذل والإمعار لست أعنى كوثى العراق ولكن ... شرة الدور دار عبد الدار وأنشد ابن خروف:

стр. 501

* تأبري يا خيرة الفسيل* ولا يقال: إن كلام الناظم في الموصولة وكلام سيبويه في الاستفهامية وأين إحداهما من الأخرى لأنا نقول: "أي" في جميع مواقعها تجرى على أصل واحد، فالشاهد على أحد مواقعها شاهد على سائرها. وإذا ثبت هذا فالناظم لم يعتبر تأنيث "أي" لقلته واعتمد ما هو الغالب فيها من جريانها مجرى "ما" كما قال: ومن أحكام "ما" التي أحال عليها الوصل بجملة أو شبهها من ظرف أو مجرور فتقول: اضرب أيهم أبوه منطلق وواضرب أيهم ضرب أخاك، واضرب أيهم عندك أو في الدار، كما تقول: اضرب من أبوه منطلق، ومن ضرب أخاك، ومن عندك، ومن في الدار، وكما يكون ذلك في "ما" أيضا. ولما ختم الكلام على تقرير الموصولات ولم يزد دل على أنه لم ير رأي أهل الكوفة في زعمهم أن الأسماء الجواد بالألف واللام تكون موصولات فتقول: جاء الرجل قام أبوه، على تقدير الذي قام أبوه، واستدلوا على ذلك بنحو قوله: لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل فقوله: لأنت: مبتدأ، خبره: البيت، وهو من موصول صلته أكرم أهله

стр. 502

وهو كثير، ومثله قول امرئ القيس: ترى الفأر في مستنقع القاع لاحبا ... على جدد الصحراء من شد ملهب وهذا عند البصريين غير ثابت، لأن الاسم الظاهر يدل على معنى مخصوص بنفسه وليس كالذي، لأنه لا يدل على معنى مخصوص إلا بصلة توضحه لإبهامه، وإذا لم يكن في معناه لم يجز أن يقوم مقامه، ولا حجة لهم فيما أنشدوا، لاحتمال أن يكون: "أكرم أهله" خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون "أكرم" في موضع الصفة للبيت، فيكون البيت مبهما، وإذا كان كذلك جاز وصفة بالنكرة، فالعرب تقول: ما يحسن بالرجل خير منك أن يفعل، لأن المعنى معنى النكرة. وأجاز/ أيضا ابن الأنباري أن يكون: أكرم أهله صلة لموصول محذوف لا للبيت كأنه قال: لأنت البيت الذي أكرم أهله، لكن الموصول حذف ضرورة، وهذا الوجه جار على مذهب الكوفيين، إذا يجيزون حذف الموصول دون صلته في غير ضرورة، ذكر ذلك عنهم ابن الأنباري في مسألة: (وقوع اسم الإشارة موصولا) من كتاب الإنصاف. وأما بيت امرئ القيس فيتخرج على أن يكون المجرور

стр. 503

في موضع الحال، أي: لسرعته وخروجه تراه في حين واحد على هاتين الحالتين فتكون الحال مركبة من الحالتين أو يكون في "مستنقع" حالا، و "لاحبا" مفعولا ثانيا لـ "ترى" على أنها علمية أو يكون في مستنقع حالا لترى، و "لاحبا" حالا يعمل فيها "مستنقع" ومجاز جميع ذلك لقرب ما بين الحالين. ثم قال: الناظم: (وأعربت) الضمير عائد على أي، ونبه هنا على كونها خارجة عن أصلها الذي كان يجب لها من البناء كأخواتها، وذلك أنها وضعت وضع الحرف في دلالتها في أصل الوضع على معناه إن كانت شرطية أو استفهامية، أو في افتقارها الأصيل إذا كانت من هذا الباب، فلو لم ينبه على إعرابها لأوهم أنها مبنية كأخواتها، فقال: (وأعربت) والوجه المشهور في إعرابها الحمل على نظيرتها (بعض) ونقيضتها (كل) حكي لنا شيخنا الأستاذ أبو عبد الله ابن الفخار- ﵀ أن الشلوبين سأل في ذلك شيخه ابن ملكون- وكان مقدما على سؤاله على أحكام سائر طلبته عن ذلك، إذ كان فيهم ذا هيبة- فسأله لم أعربت "أي" من بين سائر أخواتها؟ ففكر فيها ثم قال له: حملا على النظير والنقيض، ولم يجبه بأكثر من هذا. ومعنى ذلك أنها حملت على بعض التي هي بمعناها، وعلى مقابلتها "كل" لأنها نقيضتها في المعنى، وقد يحمل الشيء على نقيضه، كما يحمل على نظيره. ألا تراهم عاملوا "نسي" معاملة "علم" فعلقوها عن منصوبها لما كانت نقيضة ما التعليق خاص به، ومن ذلك كثير. وقد علل إعراب "أي" بغير هذا، فقيل

стр. 504

إنها أعربت للزومها خاصة من خواص الأسماء وهي الإضافة، فعارضت شبه الحرف فرجوع بها الأصل من الإعراب، وقيل غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره. وقوله: ( ... ... وأعربت ما لم تضف ... وصدر وصلها ضمير أنحذف) "ما" مصدرية ظرفية، والواو في (وصدر وصلها) واو الحال، والجملة في موضع نصب على الحال من ضمير (تضف) وهو ضمير أي كأنه قال: إذا عدمت الإضافة المقترنة بكون صلتها مصدرة بضمير محذوف فهنا تكون معربة، فإذا قد اشتملت حالة إعرابها على صور تنتظمها صورتان: إحداهما: إذا لم تضف أي البتة كان صدر وصلها ضميرا محذوفا أولا، فإذا قلت: اضرب أيا أكرمته، أو اضرب أيا في الدار، أو اضرب أيا عندك، أو اضرب أيا هو قائم، أو اضرب أيا قائم، فلابد من الإعراب في هذه المسائل، ووجه ذلك أن سبب الإعراب فيا إما للإضافة فإذا حذف المضاف إليه ظهر بذلك تمكنها في الإضافة حتى استغنت بمعناها على لفظها فهي في هذه الحال أقعد في الإضافة. وإما الحمل على كل وبعض فكذلك أيضا، حيث لحقها التنوين عوضا، عن الإضافة ككل وبعض، فبذلك تمكن الشبه بهما. والثانية: إذا لم يكن صدر صلتها ضميرا أنحذف كانت مضافا أو غير مضافة. فإذا قلت: اضرب أيهم في الدار أو اضرب أيهم عندك أو

стр. 505

اضرب أيهم قام أبوه أو اضرب أيهم هو قائم، فلابد من الإعراب أيضا، ووجه ذلك أن المضافة إليه أي لم يتنزل منزلة جزء من الصلة إذ لم يحذف منها شيء فلم تسلب سبب الإعراب وهو الإضافة، وأيضا فلم تخالف سائر أخواتها بحذف الضمير المبتدأ من صلتها، فلم تستحق بناء لأجل ذلك، فهاتان الصورتان بينتا مراده بقوله: (ما لم تضف وصدر وصلها ضمير أنحذف)، ولم يبق من صور المسألة إلا صورة واحدة وهي أن تكون "أي" مضافة وصدر وصلها ضمير أنحذف وهي التي نفاها الناظم بحرف "لم" عن أن تكون معربة، ففهم أنها هنالك عنده فتقول: اضرب أيهم قائم وأكرم أيهم أفضل، وفي القرآن الكريم: ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا﴾، وأنشد أبو عمرو الشيباني: إذا ما أتيت بني مالك ... فسلم على أيهم أفضل وما ذهب إليه من البناء هو مذهب سيبويه ومن قال

стр. 506

بقوله ووجه البناء فيها عنده أنه لما حذف الضمير المبتدأ من صلتها وكان ذلك فيها حسنا بخلاف سائر أخواتها فإنها لا يحسن فيها ذلك فلا تقول: جاءني الذي أفضل إلا نادرا، وتقول: اضرب أيهم أفضل في شائع الكلام خالفوا بإعرابها حيث استعملوها على غير ما استعملوا عليه سائر أخواتها، كما أنهم قالوا: يا الله، فلم يحذفوا ألفه لما خالف في استعمالها سائر ما فيه الألف واللام، وعلل ذلك غيره أن حذف شطر صلتها لم يحسن فيها إلا تنزيل ما أضيفت (إليه بمنزلة) ما حذف، وذلك يستلزم حينئذ تنزلها منزلة غير مضاف لفظا ولا نية، وإنما أعربت لإضافتها، فإذا صارت بمنزلة غير المضاف ضعف موجب الإعراب فرجعت إلى البناء الذي هو أصلها، فعلى هذا الوجه موجب بنائها هو شبه الحرف الذي استقر لها أولا، فيرجع إلى

стр. 507

الافتقار الأصيل. وذهب الخليل ويونس إلى أن أيا على حالها من الإعراب ولا بناء فيها البتة وما جاء مما ظاهره البناء فهو على غير البناء، فأما الخليل فحمل الآية ونحوها على الحكاية. فإذا قلت: اضرب أيهم أفضل، فهو على معنى اضرب الذي يقال له: أيهم أفضل، وشبهه بقول الأخطل: ولقد أبيت من الفتاة بمنزل ... فأبيت لا حرج ولا محروم وكان الأصل أن يقول: "فأبيت لا حرجا ولا محروما" إلا أنه حمله على معنى فأبيت يقال في: لا حرج ولا محروم أو يكون لا حرج ولا محروم مبتدأ خبره محذوف أي بالمكان الذي أنا فيه والجملة خبر "أبيت"، وهي حكاية أيضا، واستبعده سيبويه، لأن الحكاية في مثل هذا إنما تجوز مع التسمية وليس هذا منها، أو في الشعر كقوله: *وكانت كليب خامري أم عامر* قال سيبويه: ولو اتسع هذا لجاز أن تقول: اضرب الفاسق الخبيث، تريد: الذي يقال له: الفاسق الخبيث.

стр. 508

وأما يونس: فحمل ذلك على تعليق الفعل، فإذا قلت: اضرب أيهم أفضل/ فهو على أن علق اضرب عن العمل بمنزلة تعليق "اشهد" في قوله: أشهد أنك لمنطلق. قال سيبويه: لا يشبه أشهد أنك لمنطلق، قال في الشرقية: لأن ما بعد أشهد كلام مستغن، ورد ابن مالك عليهما معا بقوله: *فسلم على أيهم أفضل* قال: لأن حرف الجر لا يعلق عن مجرورة ولا يضمر قول بينهما، وإذا بطل التعليق وإضمار القول تعين البناء، إذ لا قائل، بخلاف ذلك، وفي ضمن هذا الكلام جواز حذف الضمير العائد على "أي" من صلتها إذا كان صدرا فيها، لأنه بنى حكم البناء على ذلك وأثبته، فدل على أن حذف هذا الضمير ثابت أيضا، وقد تقدم أن حذف الضمير هو السبب في بناء أي، فالحذف إذا في القوى في درجة البناء، والبناء مشهور في كلام العرب، ليس من الشاذ ولا القليل، فكذلك حذف الضمير ليس من القليل أيضا. وقد تعين من سياق كلامه وتقسيمه أن هذا الضمير المحذوف ضمير رفع، لا ضمير نصب ولا جر، من جهة أنه تكلم بعد على ضمير النصب وضمير الجر، وهنا تكلم على ضمير لم يعينه، فدلت قوة التقسيم على أنه ضمير رفع والضمير العائد على الموصول قد يكون ضمير رفع، وقد يكون ضمير نصب، وقد يكون ضمير جر، وكل واحد من هذه الأقسام قد يجوز حذفه وقد يمتنع، فلا بد من ذكر

стр. 509

مواضع جواز الحذف وتمييزها عن غيرها، فأما ضمير الرفع وهو الذي أشار إليه فيجوز حذفه إذا وقع صدر الصلة ولا يكون كذلك إلا مبتدأ نحو: اضرب أيهم هو قائم؛ وهذا في أي، وأما غيرها فسيذكرها، فإذا حذفت الضمير قلت: اضرب أيهم قائم، وقد تقدم وجه البناء، وحصل من كلامه هنا حكمان: أحدهما: جواز الحذف مطلقا كانت "أي" مضافة أم لا، إذا أعربت. والثاني: لأنه حذف و "أي" مضافة فلابد من البناء على اللغة الشهري وأما الحكم الثاني فظاهر، وأما الأول ففيه نظر من جهة إطلاق الجواز، إذ الجواز الحسن المطلق إنما هو مع إضافة أي، وأما مع فقد الإضافة فلا، بل هو من قبيل النزر القليل، كالحذف في قولك: مررت بالذي قائم. قال ابن الحاج: وتقول في أي المضافة: اضرب أيهم هو أفضل تعرب وتثبت الضمير. قال: ولا يجوز حذفه إلا كما يجوز في الذي، يعني إذا قلت: اضرب الذي أفضل، ومثل ذلك قال في غير المضافة. قال: فالموضع الذي يحذف فيه الضمير من أي هو حال بنائها خاصة، أعني الحذف الذي لا ضعف فيه وهو خاص بها من بين أخواتها وما عدا ذلك من مواضعها لا يجوز حذف الضمير فيه إلا كما يجوز من سائر أخواتها، وكذلك زعم أن من أعرب مطلقا فليس حذف الضمير عنده إلا كحذفه من غيرها، واستشهد على ما قال بكلام النحويين، فذكر الأخفش في "الأوسط" أن كل موضع تقع فيه أي ويقبح فيه من والذي، فأي فيه مضموم أبدا، ثم قال: وإن شئت نصبت هذا وقلت: هو

стр. 510

بمنزلة اضرب الذي أفضل لو كان يتكلم به، وقال سيبويه بعد ما تكلم على الآية: ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد، وأما الذين نصبوه فقاسوه وقالوا: هو بمنزلة اضرب الذين أفضل، فنص كما ترى على التسوية بينهما. وقال الزجاج في الآية والنصب حسن، وإن كنت قد حذفت هو؛ لأن هو قد يجوز حذفها، فقد قرئ ﴿تماما على أحسن﴾، وقال سيبويه في اضرب أيا أفضل ويقيس على الذي يعني في حذف/ الضمير، فجعل حكم أي حكم الذي. وقال الزجاج أيضا في "ألمنتخب" وهو الذي اختصر منه أبو القاسم كتاب "الجمل": إذا وصلت أيا باسم واحد بنيتها لأنك وصلتها بما لا يوصل به الذي إلا مستكرها قال: ومن أجاز ذلك قال ابن الحاج: يعني في الذي أعرب أيا هنا فقال: لأقصدن أيهم قائم، وعلى هذا قرأ بعض القراء: ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد﴾ بالنصب. هذا ما ذكر ابن الحاج ونقل عن غيره وقال: على هذا ينبغي أن يحمل كلام النحويين في هذا إذا جاء شيء منه، واعترض على نفسه بقول سيبويه في قراءة النصب حين حكاها عن الكوفيين، وهي لغة جيدة فاستجداها ولم يجعلها ضعيفة، والضمير محذوف، وهي لغة جيدة فاستجادها ولم يجعلها ضعيفة، والضمير محذوف، وأجاب عن ذلك بأنه يعني نصب أي وإعرابها لا حذف الضمير. قال: فكان إبقاء أي على إعرابها مع حذف

стр. 511

الضمير يتصف بالجودة بالإضافة إلى بنائها الذي يبعد توجيهه ويقل في السماع وجوده، حتى إن الكوفيين وهم أهل السماع أنكروه وقال الجرمي: خرجت من الخندق- يعني خندق البصرة- حتى (صرت) إلى مكة لم أسمع أحدا يقول: اضرب أيهم فضل، كلهم ينصب. قال: أو نقول: إنما جاز لسيبويه أن يصف ذلك بالجودة مع حذف الضمير لما فيه من الطول هذا ما قال. وهو جار على ظاهر كلام سيبويه فإذا تقرر هذا فكلام الناظم نأى عن طريقة النحويين حيث أطلق جواز حذف المبتدأ من صلة أي ولم يفصل الأمر فيه كما فصله في غير أي، إلى ما كان فيه الوصل مستطالا وإلى ما لا فهو إذا معترض، والاعتذار عنه أن هؤلاء المتأخرين ظاهر كلامهم عدم التفصيل في صلة أي خصوصا، فإن الصلة عندهم قد طالت بالمضاف إليه أي، وذكر ابن خروف في "شرح الكتاب" أن أيا إذا حذف ضميرها فيها وجهان، فبعضهم يبنى وهو الأكثر وبعضهم يعرب، وظاهر هذا أن إعرابها مع حذف الضمير ليس على حد "ما بعوضة"، وأيضا إذا كان طول الوصل هو المحسن فقد لزم أيا للطول، فما الحاجة إلى التفصيل مع أن الذي عنده إذا طالت صلتها تلحق بأي في حسن الحذف، وكذلك "من" و "ما" ونحوها. وقد أجاز ابن الحاج أن تكون استجادة سيبويه النصب مع الحذف للطول الذي في صلة أي، فهو إذا موافق له لا مخالف، فهو إذا موافق له لا مخالف، ويتفق عند ذلك كلامه وكلام

стр. 512

من نقل عنه ابن الحاج تلك الطريقة والله أعلم. وهنا مسألتان: إحداهما: أن بناء أي حيث بنيت إنما يكون على الضم، وليس في كلام الناظم ما يشعر بذلك، وإنما أتى بما يفهم منه البناء مطلقا من غير أن يعين خصوص الحركة المبنى عليها، وكان من حقه ذلك ولا جواب لي على هذا الاعتراض. والثانية: أن ظاهر كلامه أن أيا إذا لم تضف فهي باقية على موصوليتها، وهو ظاهر كلام غيره أيضا، وزعم ابن خروف أنها إذا قطعت عن الإضافة نكرة موصوفة لا موصولة، وحمل كلام سيبويه على ذلك وقال: إنما هي عنده نكرة موصوفة بمنزلة/ "من" على القياس، فنصب وجر في موضع النصب والجر. قال: ولو جعلها موصولة للزم البناء لما ذكر، ثم حكي عن شيخه أنه قال: ولا أمنع أن يدخل التنوين في المعرفة إذا كانت بلفظ النكرة من حيث لم يوصف كل بمعرفة قال: وقد يقول القائل: إن أيا في الاستفهام وبمعنى الذي قد تكون معرفة ونكرة، وان التنوين فيه بدل من الإضافة في اللفظ فيكون كل وبعض، وما قاله ابن خروف خلاف ظاهر سيبويه فتأمله في موضعه، فإن الظاهر أنه لا دليل فيه على ما زعمه ابن خروف وثبت ما ظهر من الناظم وغيره. ***

стр. 513

ثم ذكر في أي وجها آخر فقال: وبعضهم أعرب مطلقا وفي ... ذا الحذف أيا غير أي يقتفى إن يستطل وصل وإن لم يستطل ... فالحذف نزر وأبوا أن يختزل إن صلح الباقي لوصل مكمل ... والحذف عندهم كثير منجلى في عائد متصل إن انتصب ... بفعل أو وصف كمن نرجو يهب الضمير في بعضهم يحتمل بحسب اللفظ وجهين: أحدهما: - وهو الظاهر من مقصده- أن يكون عائدا على العرب، فيعنى أن بعض العرب أعرب "أيا" على الإطلاق، يريد سواء حذف المبتدأ من صلتها، أم لا، فالإطلاق مشار به إلى نفي التقييد المتقدم في اللغة الأخرى، فتقول: على هذا اضرب أيهم أفضل، وامرر بأيهم هو أفضل وما أشبهه ذلك، ولما حكي سيبويه أن ناسا يقرءون، ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا﴾ يعني بالنصب قال: وهي لغة جيدة فأثبتها لغة لبعض العرب. قال السيرافي: الذي قرأه منهم معاذ بن مسلم الهراء وهو من

стр. 514

رؤسائهم في النحو. قال: وروى أيضا عن هارون القارى. وقراءة النصب هي القياس والأصل والاستعمال في أي الموصولة والشرطية والاستفهامية. قال سيبويه: وسألت الخليل- ﵀ عن قولهم: اضرب أيهم أفضل، فقال: القياس النصب، كما تقول: اضرب الذي أفضل، لأن أيا في غير الجزاء والاستفهام بمنزلة "الذي"، كما أن "من" في غير الاستفهام والجزار بمنزلة "الذي". والثاني: أن يريد إعادة الضمير على النحويين لا على العرب، كأنه قال: إن بعض النحويين أعرب "أيا" مطلقا ولم يحكم ببنائها البتة في موضع من المواضع، وهذا الخلاف يتصور على مذهبين: أحدهما: مذهب الكوفيين المانعين من ضم أي على الإطلاق إلا في موضع الرفع حذفوا العائد من الصلة أم لا، وذلك أنهم لم يسمعوا البناء فيها وإن حذف المبتدأ من صلتها، وأيد ذل ما روى عن الجرمي قال: خرجت من

стр. 515

الخندق- يعني خندق البصرة- حتى (صرت) إلى (مكة) لم أسمع أحدا يقول: اضرب أيهم أفضل بل كلهم ينصب. وأما الآية فتأولوها/ على ما يوجب رفع أيهم بالابتداء وأشد خبره. فقال الكسائي والفراء إن "لننزعن" مكتفية بمن كقوله: قتلت من كل قبيلة وأكلت من كل طعام، ولا تذكر منصوبا اكتفاء بالمجرور، وجاء قوله: "أيهم أشد" مبتدأ وخبرا، وقد قيل: إن الطالب لأيهم قوله: "شيعة" لما فيه من معنى الفعل، وكأن المعنى من كل قوم شايعوا لينظروا أيهم أشد، لأن المشايعة في أيهم أشد تقتضى النظر الذي يعلق فعله عن الاستفهام وهذا كله تكلف والذي يرد عليهم أمران: الأول: حكاية سيبويه الضم عن العرب، لأنه قال: وسألته عن قولهم: اضرب أيهم أفضل وأجابه بالحكاية، وذلك دليل على أنه من كلامهم، وقال: أيضا ومن قال: امرر على أيهم أفضل قال: امرر بأيهم أفضل. والثاني: أنه إن تأتى للكوفيين التأويل في الآية على ظهور التعسف في ذلك، فلا يتأتى لهم مع حرف الجر كالمثال الذي حكاه سيبويه آنفا وقاس عليه وأيضا ما حكي أبو عمرو الشيباني عن أحد من يأخذ عنه اللغة أنه أنشد: إذا ما أتيت بني مالك ... فسلم على أيهم أفضل

стр. 516

والمذهب الثاني: مذهب الخليل ويونس فإن حاصل مذهبهما أنهما لا يثبتان في الموصولات أيا مبنية، بل يتأولان ما جاء من ذلك ويحملانه على أنه أيا فيه استفهامية لا موصولة، إما محكية بالقول على رأي الخليل، وإما على التعليق عند يونس. فإن قيل: فالظاهر إذا أن هذا المذهب متحد مع مذهب الكوفيين؛ لأن الجميع لا يقولون بالبناء. فالجواب: أن الأمر كذلك إلا أن الفرق بين المذهبين من جهة أخرى، وهي أن الكوفيين على ما يفهم من النقل عنهم أنهم لا يرفعون "أيا" على ذينك التأويلين، وإنما قصدهم دفع ما جاء من ذل على غير الإعراب الصحيح، فلا يقولون قياسا على الآية: انزع أيهم أفضل، ولا اضرب من الشيع أيهم أفضل، ولا ما كان نحو ذلك: وأما الخليل ويونس فإنهما يقيسان على ما جاء من ذلك ويتأولانه على ما تأولا عليه المسموع. ألا ترى أن سيبويه حكي عنهما القياس في غير موضع السماع فقال: ومن قولهما: اضرب أي أفضل. يريد: على مقتضى تأويلهما، ومن هنا نسب ليونس أن التعليق في غير أفعال القلوب جائز مطلقا، فهذا فرق ما بينهما، فلأجل ذلك حكيا مذهبين مع اتفاقهما على إنكار البناء، وعلى أن أيا في ذلك المسموع استفهامية والله أعلم. ثم قال: (وفي ذا الحذف أيا غير أي يقتفى إن يستطل وصل) (أيا) مفعول بقوله: (يقتفى) و (غير) مبتدأ خبره (يقتفى) وفي هذا البيت

стр. 517

وجهان من الإعراب ممنوعان عند النحويين أحدهما قوله: (إن يستطل وصل) فأتى بالمضارع مصاحبا لأداة الشرط، والجواب مقدم وهذا غير جائز إلا في الشعر كقوله أنشده أبو عبيد وغيره: فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت ... فطعنة لا غس ولا بمعمر والثاني: تقديمه معمول الخبر على المبتدأ في قوله: (وفي/ ذا الحذف أيا غير أي يقتفى) فقدم المجرور والمنصوب والعامل فيهما (يقتفى) وهو خبر المبتدأ الذي هو (غير) والقاعدة أن المعمول لا يتقدم إلا حيث يصح تقدم العامل، والعامل هنا لا يتقدم، لأنه فعل فاعله ضمير المبتدأ، وقد نص هو على امتناع هذا والاعتذار عن الأول أنه اضطر فاستباح ما يباح مثله في الضرورة، وعن الثاني قد تقدم قبل في قوله: (ونحو ضمنت إياهم الأرض الضرورة اقتضت) ويقتفى معناه يتبع. يقال: اقتفين أثره وتقفيته وقفوته، والمصدر من هذا الأخير قفوا وقفوا وقفيت على أثره بفلان أي: أتبعته إياه. وأستطيل الشيء يستطال، بمعنى أنه وجد طويلا فاستغفل هنا لمعنى إلفاء الشيء بمعنى ما صيغ منه كقولك: استحسنته واستقبحته واستصغرته واستكثرته

стр. 518

وذلك إذا وجدته حسنا أو قبيحا أو صغيرا أو فظيعا أو كثيرا، ويريد أن ما سوى "أي" من الموصولات التي توصل بالجمل يتبع أيا في الحذف المتقدم وهو الذي أشار إلى جوازه من غير ضعف ولا قبح، لكن بشرط أن تكون الصلة طويلة، فإن أيا إنما حسن الحذف المذكور فيها بسبب طول صلتها بما لزمها من الإضافة، فإذا وجد سبب الحسن في غيرها جرى فيه ما جرى فيها. فإذا قلت: أنا الذي هو ضارب زيدا غدا، حسن هناك حذف "هو" فتقول: أنا الذي ضارب زيدا غد، وعليه حكاية الخليل: ما أنا بالذي قائل لك سوءا أراد بالذي هو قائل لك شيئا، ومنه ما قال الأعشى: فأنت الجواد وأنت الذي ... إذا ما النفوس ملأن الصدورا جدير بطعنة يوم اللقا ... ء تضرب منها (النساء) النحورا أراد: وأنت الذي هو جدير بذا فطالت الصلة بمعمول الخبر وبالظرف وما بعده وهذا كله في الضمير إذا كان مبتدأ على حد ما كان في أي، يدل على ذلك قوله: (وفي ذا الحذف) أي: المعين الذكر في أي وذلك قوله: (وصدر وصلها ضمير أنحذف) وهو شرط من الشروط اللازمة في

стр. 519

الجميع، فإنه إن لم يكن كذلك لم يجز حذفه وذلك إذا كان فاعلا أو ما أشبه الفاعل وهو المفعول الذي لم يسم فاعله أو اسم "كان" وأخواتها أو "إن" أو "ما" وأخواتهما أولا أو ما أشبه ذلك، فمثل هذا لا يجوز حذفه من صلة "أي" فكذلك حذفه من صلة غيرها، ويزيد غير أي شرطا ثانيا وهو طول الصلة كما ذكر، وإن لم تطل الصلة، فلا يحسن الحذف بل يكون نادرا وذلك قوله: (وإن لم يستطل فالحذف نزر) يعني أن الوصل إن لم يكن مستطالا فحذف الضمير الواقع مبتدأ في الصلة قليل، كما تقول: جاءني الذي قائم، أي الذي هو قائم، ومنه قراءة ابن أبي عبلة والضحاك ورؤية بن العجاج: ﴿إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة﴾ الآية برفع (بعوضة) أي: الذي هو بعوضة، وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق: ﴿تماما على الذي أحسن﴾، أي: الذي هو أحسن وهذا أمثل شيئا مما قبله لأن أفعل طالب في المعنى للمضاف/ إليه فأكسب الوصل بذلك طولا. وقرأ أبو رجاء: ﴿وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا﴾ بكسر لام "لما" وتخفيف الميم، أي: الذي هو متاع الحياة الدنيا، ومنه

стр. 520

في أحد الوجهين قوله- أنشده ابن جنى-: لم أر مثل الفتيان في غبن ... الأيام ينسون ما عواقبها وهذا كله قليل، فمن هنالك قال الناظم: (وإن لم يستطل فالحذف نزر) والنزر القليل التافه وقد نزر الشيء- بالضم- نزارة، وعطاء منزور، أي قليل. ويرد على الناظم في هذه المسألة سؤالان: أحدهما: أنه أطلق القول بجواز الحذف فيما إذا طالت الصلة في غير أي ولم يقيد ذلك بقلة فاقتضى أن الأمر في ذل كأي، وليس ذلك كذلك، بل الذي عليه النحويون أن الصلة إذا طالت فالحذف ضعيف والمشهور هو الإثبات. قال سيبويه: وزعم الخليل- ﵀ أنه سمع غربيا يقول: "ما أنا بالذي قائل لك شيئا" قال: وهذه قليلة هكذا ثبت في النسخة الشرقية قال: ومن تكلم بهذا فقياسه اضرب أيهم قائل لك شيئا. قلت: أفيقال: ما أنا بالذي منطلق؟ فقال: إذا طال الكلام فهو (أمثل قليل) كأن طوله عوض من ترك هو.

стр. 521

قال: وقل من يتكلم بذلك، يعني وقل من يتكلم بنحو ما أنا بالذي قائل لك شيئا وقوله: فهو (أمثل قليلا)، يعني أن مررت بالذي منطلق دون درجة الطويل وليس يبلغ ذلك أن يكون أحدهما ممتنعا والآخر سائغا جائزا، بل كل ما يقول العالم فيه أنه أمثل من الممتنع قليلا فإنما يقصد به توهين الضعف وتهوين القبح لا التسويغ المطلق وعلى هذا كلام النحويين، والحاصل من كلامهم أن حذف المبتدأ من صلة غير أي قليل ضعيف على الإطلاق، إلا أن الصلة إذا طالت كان أسهل، وإنما أطلق القول بالجواز ابن عصفور ورد عليه الناس، فإذا كان الناظم متبعا له فيما اعترض عليه فيه توجه الرد عليه أيضا. والثاني: أن قوله: (فالحذف نزر) أي: قليل، يقتضى القياس على قلة على طريقته المنبه عليها، وقد منع غيره هذا القياس وجعله من الشاذ الذي لا يقاس عليه، وممن ظهر منه المنع ابن جنى قال في: "سر الصناعة" إذا طال الكلام جاز فيه من الحذف ما لا يجوز فيه إذا قصر. ألا ترى إلى ما حكاه الخليل عنهم من قولهم: ما أنا بالذي قائل لك شيئا. ولو قلت: ما أنا بالذي قائم لقبح، ثم تأويل: "ينسون ما عواقبها" على أن "ما" استفهامية وجعله أوجه من الموصولة لقلة ﴿تماما على الذي أحسن﴾.

стр. 522

وصرح ابن عصفور بعدم الجواز أيضا فكان من حق الناظم أن يأتي بلفظ لا يدل على القياس، والجواب عن الأول: أن النحويين إن ظهر منهم تضعيف الحذف مع الطول فليس عنده بضعيف، بل هو عنده جائز كأي والذي جرأه على هذا الرأي مجيئه في القرآن كما تقدم في الآيات المذكورة، وأيضا قد جاء على قراءة الجماعة وذلك قوله تعالى: "وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله" فإنه على تقدير: وهو الذي هو في السماء إله وفي الأرض/ إله، وفي حرف/ أبي: وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله، وهو كالأول، فالصلة هنا لما طالت بالمجرور، وكان آتيا في القرآن في مواضع كان الأولى القول بالجواز الحسن وعادة الناظم القياس على ما جاء في القرآن والاعتماد عليه وعدم تضعيفه، وسيأتي من ذلك موضع ينبه عليها إذا تصدت بحول الله ومشيئته وهي قاعدة من قواعده التي استبد بها دون غيره وللتنبيه على ما فيها موضع غير هذا. والجواب عن الثاني أن كلام الجمهور على أنه من قلته منقاس فقد قاس سيبويه على ما جاء منه في مواضع في باب "أي" وإن نص على قبحه وقلته وذكر في باب "من وما" شيئا من ذلك وجعل قوله. *فكفى بنا فضلا على من غيرنا* فرفع "غير" أجود من الجر، والجر جائز في الكلام على أن

стр. 523

تكون "من" نكرة موصوفة، فالرفع على أن "من" موصولة مع حذف المبتدأ من صلتها أولى من الجواز ونص الفراء أيضا على مثل ما نص عليه سيبويه وأجاز هو والزجاج الرفع في قوله: "مثلا ما بعوضة"، قال الزجاج: الرفع في بعوضة جائز في الإعراب ولا أحفظ من قرأ به. قال: ومن قرأ: ﴿تماما على الذي أحسن﴾ جاز أن يقرأ: "ما بعوضة" ولكنه في الذي أقوى؛ لأنه أطول. ونص ابن السراج على ذلك أيضا ولا يكاد يخالف في هذا أحد، فالذي ينبغي إذا ورد في هذه المسألة عن أحد من النحويين عدم الجواز أنه إنما يريد نفى الجواز الحسن لا نفي الجواز مطلقا، وكلام ابن جنى محتمل يصح حمله على هذا، وأما كلام ابن عصفور فنص في المخالفة للجمهور فلا اعتبار به والله أعلم. واعلم أن المؤلف في "التسهيل" وشرحه نقل عن الكوفيين عدم اعتبار هذا الشرط الثاني للحذف وهو طول الصلة، بل أطلقوا الجواز في غير أي على حده في أي، فإن كان ما نقل على ظاهره من التسوية في رتبة الحذف بين أي وغيرها طالت الصلة أو لا، فما أورده هنا من التفصيل ظاهر في

стр. 524

مخالفتهم، والسماع مع البصريين لقلة الحذف عند العرب مع غير أي كما تقدم، وإن أراد أنهم يطلقون القياس في الجميع فلا مخالفة بينهم وبين البصريين؛ لأن البصريين يقولون بالقياس في أي وغيرها، لكن الجواز عندهم على مراتب في الحسن والقبح، فليحقق النقل عن الكوفيين في المسألة. ثم أتى بشرط ثالث عام في أي وغيرها فقال: (وأبوا أن يختزل إن صلح الباقي لوصل مكمل) الضمير في أبوا عائد على النحويين، يعني أن النحويين امتنعوا من أن يحذف الضمير المرفوع المبتدأ إن كان ما بقى من الصلة صالحا للاستقلال والاكتفاء به في الوصل، فتكون الصلة به كاملة، والذي تكون فيه الصلة كاملة الظرف والمجرور والجملة اسمية أو فعلية، فإذا وقع شيء من ذلك خبرا للضمير المبتدأ لم يجز حذفه فتقول: أعجبني الذي هو في الدار والذي هو عندك والذي هو أبوه قائم والذي هو يقوم، فلو حذفت الضمير هنا فقلت: أعجبني الذي في الدار والذي هو عندك والذي هو أبوه قائم والذي هو يقوم، فلو حذفت الضمير هنا فقلت: أعجبني الذي في الدار والذي عندك والذي أبوه قائم والذي هو يقوم، فلو حذفت الضمير هنا فقلت: أعجبني الذي في الدار والذي عندك والذي أبوه قائم والذي أبوه يقوم كان/ ما بقى صالحا لأن يكون صلة تامة، ولم يبق دليل على المحذوف فلا يجوز الحذف لذلك، وكذلك إذا قلت: أعجبني الذي هو وجهه حسن، فجعلت وجهه بدلا من هو، وكذلك أعجبني الذي هو ماله كثير، والذي هو رجله مريضة وما أشبه ذلك من الصلات واقتضى هذا الشرط مفهوما مقصودا له، وهو أنه إذا لم يصلح الباقي لوصل مكمل لم يمتنع الحذف كما تقدم من الأمثلة في أي

стр. 525

ونحوها نحو: اضرب أيهم أفضل واضرب الذي ضارب أخاه عنده واضرب الذي قائم، فإن هذه الأشياء الباقية من الصلة لا تصلح لأن تكون صلات مستقلة فجاز الحذف للدلالة على المحذوف وهو ظاهر إلا أن إطلاقه معترض بمسائل يكون الوصل فيها إذا حذف منه الضمير المذكور لا يصلح الاستقلال مع أنه غير جائز، فمن ذلك الضمير إذا أبدل منه بدل الشيء من الشيء نحو أعجبني الذي هو عمرو منطلق، فلا يجوز حذف الضمير هنا وإن كان الباقي لا يصلح للوصل المكمل لما كان الضمير غير مدلول عليه، ومن ذلك أن يعطف على الضمير نحو: أعجبني الذي هو وعبد الله قائمان، فلا يجوز هنا أن تقول: الذي وعبد الله قائمان، مع أن ما بقى لا يصلح لوصل مكمل إذ لا يصلح العطف على معدوم، ومن ذلك أن يؤكد الضمير أيضا نحو: أعجبني الذي هو نفسه منطلق، فلا تقول: الذي نفسه منطلق، لأن حذف المؤكد مع بقاء المؤكد نقض للغرض، ومن هنا حكى ابن جنى عن البصريين منع الذي ضربت نفسه زيد، تريد ضربته وسينبه عليه إن شاء الله. وقد يجاب عن هذا بأن المسألة الأولى إذا حذف منها الضمير لم يدل عليه دليل، وإذا كان غير مدلول عليه عريت الصلة من ضمير عائد على الموصول وهو قد قال قبل: (على ضمير لائق مشتملة) فاشترط وجود الضمير حقيقة أو حكما ومسألتنا ليست من ذلك، إذ ليس فيها ضمير منطوق به ولا مقدر، إذ لا دليل عليه وإلا، فلو جاز تقدير ما لا دليل عليه لجاز أن تقول في الكلام: أعجبني الذي أخوك منطلق، والعرب لا تقول مثل هذا البتة، وأما مسألة العطف فقد أجاز ابن السراج أن تقول: الذي وعبد الله ضاربان لي

стр. 526

أخوك، لكنه استقبحه من جهة العطف على معدوم، وأجازه الفراء مطلقا ونص الرماني أيضا على الجواز على الجملة، وإذا كان جائزا عند بعضهم لم يتمكن الاعتراض به، وليس في المنع كالذي قبله لأن دليل المحذوف هنا موجود، وأما مسألة التوكيد فقد يقال: إنها مثل مسألة العطف وهو نص الرماني، وأجازه الفراء في التوكيد بأجمعين أيضا. وقال الرماني: واختلفوا في النسق على المحذوف في الصلة والتأكيد كقولك: الذي نفسه قائم زيد والذي وعمرو قائمان زيد، فأجازه الأخفش ونفاه ثعلب وابن السراج، فمن أجازه ذهب إلى أن المحذوف قد علم واطرد به الباب فجاز فيه القياس لأجل الاطراد، ومن نفاه ذهب إلى أن النسق نظير التثنية، فلا يصح في حقيقة المعنى حتى يكون اثنان فأما واحد فيقدر تقدير اثنين (فلا يجئ منه) تثنية إذ أحدهما/ مقدر والآخر محقق، وكذلك لا يؤكد، لأنه بالذكر أحق، هذا ما قاله (قد يقال: إن الأول- وهو الجواز- أولى)، لأن دليل الحذف موجود وهو نفسه، إذ هو لازم للتبعية فلا يلي العوامل فصار في درجة حرف العطف اللهم إلا أن يكون مثل كل وكلا أو نحوهما مما يصح ولايته العوامل. فهنا لا يجوز الحذف إذ يصلح الباقي لوصل مكمل نحو: الذين هم كلهم قائمون بنو تميم، فلا يجوز هنا حذف "هم" لما ذكر، فهذا مما يتمشى عذرا للناظم والسؤال وارد عليه في "التسهيل" أيضا، ويختزل معناه ويحذف. قال الجوهري: الاختزال: الاقتطاع.

стр. 527

يقال: اختزلته عن القوم إذا اقتطعته عنهم. وقال صاحب المحكم: الاختزال: الحذف، استعمله سيبويه كثيرا ولا أعلم ذلك عن غيره. ولما أتم الكلام على حكم الحذف في الضمير المرفوع شرع بعد ذلك في الضمير المنصوب بالنسبة إلى حكم الحذف فقال: "والحذف عندهم كثير منجلى في عائد متصل) إلى آخره، يعني أن حذف الضمير العائد من الصلة على الموصول كثير في كلام العرب بحيث يصلح القياس عليه، (منجلى) أي: ظاهر المعنى مدلول عليه إذا كان منصوبا لكن بشرطين: أحدهما: أن يكون متصلا، يعني أن يكون من الضمائر المتصلة لا من المنفصلة فإنه إن كان منفصلا لم يجز حذفه، كما إذا قلت: أعجبني الذي إياه ضربت فلا يحذف إياه، لأنه يصير غير منجل لإيهام كونه متصلا، لو قلت فيه: أعجبني الذي ضربت، إذا يوهم أنك أردت ضربته، وكذلك لو قلت: أعجبني الذي ما أكرمت إلا إياه، لم يصلح هذا الحذف البتة لبناء الكلام على ذكره. والشرط الثاني: أن يكون منصوبا بفعل أو صفة، فإن كان منصوبا بغير ذلك لم يجز حذفه كالمنصوب بإن وأخواتها كقولك: أعجبني الذي إنه قائم أو الذي كأنه أسد وما أشبه ذلك، لأن "إن" وأخواتها لا تستغنى عن معموليها كسائر الحروف، فإذا اجتمع الشرطان فيقتضى كلام الناظم إطلاق جواز

стр. 528

الحذف نحو ما مثل به في الفعل من قوله: (كمن نرجو يهب) تقديره: من نرجوه يهب. ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن الكفار ﴿أهذا الذي بعث الله رسولا﴾، وقوله: ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم﴾، ومما قرئ بالوجهين قوله تعالى: ﴿وما عملته أيديهم﴾، وقوله: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس﴾، قرأ بالحذف فيهما أبو بكر وحمزة والكسائي ووافقهم في الثاني ابن كثير وأبو عمرو ومثله كثير جدا. وأما النصب بالوصف فقولك: أعجبني الضارب زيد، تريد: الضاربه زيد وأعجبني الغلام الذي معطيك عمرو، تريد: الذي معطيكه عمرو وأنشد المؤلف على الأول قول الشاعر: وليس من الراجي يخيب بماجد ... إذا عجزه لم يستبن بدليل أي: من الراجيه، وقال الآخر: ما المستفز الهوى محمود عاقبة ... ولو أتيح له صفو بلا كدر وعلى الثاني قول الآخر: ما الله موليك فضل فاحمدنه به ... فما لدى غيره نفع ولا ضرر

стр. 529

وفي هذين الموضعين يتعين نصب ما اتصل/ من الضمائر بالصفة وذلك حيث يتصل بالتي فيها الألف واللام وحيث يتصل بضمير متصل بها، أما هذا الثاني فباتفاق إذ لا يخفض بالإضافة إلا اسم واحد، وأما الأول فعلى مذهب سيبويه، وهو الظاهر من الناظم هنا، لأنه جعل الضمير المتصل بما ليس فيه ألف ولام من الصفات مجرورا في البيت الذي يلي هذا، فدل على أن ما عداه ينصب ما بعده، والمسألة مختلف فيها. فإذا قلت: زيد أن ضاربه أو زيد أنا الضاربة، ففي موضع الهاء من الإعراب ثلاثة أقوال: أحدها: أن الهاء في موضع نصب على الإطلاق كانت الصفة بالألف واللام أولا، وهو رأى الأخفش ونقل عن هشام الكوفي. والثاني: أنها في موضع جر مطلقا، وهو رأى الجرمي والمازني والمبرد. والثالث: أن الضمير معتبر بالظاهر، فإذا كان الظاهر عند وقوعه هنالك مجرورا لا غير فالضمير كذلك، أو منصوبا ليس إلا فالضمير مثله، أو جائزا فيه الوجهان فيجوز في الضمير الوجهان وهو ظاهر الناظم كما تقدم، ويحتمل من حيث اللفظ أن يؤخذ له مذهب الجرمى ومن وافقه فيدخل له في البيت الثاني كهذا ما فيه الألف واللام، ويريد بقوله هنا: أو "وصف" العامل في المفعول الثاني مع إضافته للأول نحو: المعطكيه والاحتمال الأول أرجح وهو الذي ذهب إليه في غير هذا النظم وبقى على كلام الناظم سؤالان:

стр. 530

أحدهما: أنه نقصه شرط ثالث ضروري لا يجوز الحذف بدونه وهو ألا يكون في الصلة ضمير آخر عائد على الموصول، فإنه إن كان ثم ضمير آخر لم يجز الحذف كما تقول: أعجبني الذي ضربته في داره، فهنا لا يجوز أن تقول: أعجبني الذي ضربت في داره، إذ لا دليل على هذا المحذوف لجواز أن يكون زيدا أو عمرا لا ضمير الذي، وإذا لم يعلم لم يجز الحذف فالعرب تحذف المفعول اقتصارا فتقول: ضربت، ولا تذكره لأغراض لها ومقاصد، فيكون قولك: الذي ضربت في داره محتملا لهذا القصر فلا يتعين قصد حذف العائد، وإذا كان كذلك كان عدم اشتراط هذا الشرط معترضا. والثاني: أن حذف الضمير المنصوب بالصفة أطلق القول في جوازه حيث قرنه بما انتصب بالفعل، فاقتضى أن الجواز فيهما سواء أو قريب من ذلك، وهذا غير صحيح، بل الحذف مع الصفة قبيح قليل، ويقل قبحه إذا طالت الصلة بالمعمولات، فقد نص ابن السراج على قبحه، قال: وقد أجازوه على قبح. وقال المازني: لا يكاد يسمع من العرب. وقال المبرد في "المقتضب" لا اختلاف في أن حذف الهاء من صلة الألف واللام رديء جدا بخلاف "الذي"، فأما إذا طالت الصلة فيسهل الحذف كقولك: إذا أخبرت عن زيد من قولك: أعلم الله زيدا عمرا قائما. المعلمه الله عمرا قائما زيد، فيجوز هنا المعلم الله.
следующие страницы →