← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

أخوك، لكنه استقبحه من جهة العطف على معدوم، وأجازه الفراء مطلقا ونص الرماني أيضا على الجواز على الجملة، وإذا كان جائزا عند بعضهم لم يتمكن الاعتراض به، وليس في المنع كالذي قبله لأن دليل المحذوف هنا موجود، وأما مسألة التوكيد فقد يقال: إنها مثل مسألة العطف وهو نص الرماني، وأجازه الفراء في التوكيد بأجمعين أيضا. وقال الرماني: واختلفوا في النسق على المحذوف في الصلة والتأكيد كقولك: الذي نفسه قائم زيد والذي وعمرو قائمان زيد، فأجازه الأخفش ونفاه ثعلب وابن السراج، فمن أجازه ذهب إلى أن المحذوف قد علم واطرد به الباب فجاز فيه القياس لأجل الاطراد، ومن نفاه ذهب إلى أن النسق نظير التثنية، فلا يصح في حقيقة المعنى حتى يكون اثنان فأما واحد فيقدر تقدير اثنين (فلا يجئ منه) تثنية إذ أحدهما/ مقدر والآخر محقق، وكذلك لا يؤكد، لأنه بالذكر أحق، هذا ما قاله (قد يقال: إن الأول- وهو الجواز- أولى)، لأن دليل الحذف موجود وهو نفسه، إذ هو لازم للتبعية فلا يلي العوامل فصار في درجة حرف العطف اللهم إلا أن يكون مثل كل وكلا أو نحوهما مما يصح ولايته العوامل. فهنا لا يجوز الحذف إذ يصلح الباقي لوصل مكمل نحو: الذين هم كلهم قائمون بنو تميم، فلا يجوز هنا حذف "هم" لما ذكر، فهذا مما يتمشى عذرا للناظم والسؤال وارد عليه في "التسهيل" أيضا، ويختزل معناه ويحذف. قال الجوهري: الاختزال: الاقتطاع.

стр. 527

يقال: اختزلته عن القوم إذا اقتطعته عنهم. وقال صاحب المحكم: الاختزال: الحذف، استعمله سيبويه كثيرا ولا أعلم ذلك عن غيره. ولما أتم الكلام على حكم الحذف في الضمير المرفوع شرع بعد ذلك في الضمير المنصوب بالنسبة إلى حكم الحذف فقال: "والحذف عندهم كثير منجلى في عائد متصل) إلى آخره، يعني أن حذف الضمير العائد من الصلة على الموصول كثير في كلام العرب بحيث يصلح القياس عليه، (منجلى) أي: ظاهر المعنى مدلول عليه إذا كان منصوبا لكن بشرطين: أحدهما: أن يكون متصلا، يعني أن يكون من الضمائر المتصلة لا من المنفصلة فإنه إن كان منفصلا لم يجز حذفه، كما إذا قلت: أعجبني الذي إياه ضربت فلا يحذف إياه، لأنه يصير غير منجل لإيهام كونه متصلا، لو قلت فيه: أعجبني الذي ضربت، إذا يوهم أنك أردت ضربته، وكذلك لو قلت: أعجبني الذي ما أكرمت إلا إياه، لم يصلح هذا الحذف البتة لبناء الكلام على ذكره. والشرط الثاني: أن يكون منصوبا بفعل أو صفة، فإن كان منصوبا بغير ذلك لم يجز حذفه كالمنصوب بإن وأخواتها كقولك: أعجبني الذي إنه قائم أو الذي كأنه أسد وما أشبه ذلك، لأن "إن" وأخواتها لا تستغنى عن معموليها كسائر الحروف، فإذا اجتمع الشرطان فيقتضى كلام الناظم إطلاق جواز

стр. 528

الحذف نحو ما مثل به في الفعل من قوله: (كمن نرجو يهب) تقديره: من نرجوه يهب. ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن الكفار ﴿أهذا الذي بعث الله رسولا﴾، وقوله: ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم﴾، ومما قرئ بالوجهين قوله تعالى: ﴿وما عملته أيديهم﴾، وقوله: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس﴾، قرأ بالحذف فيهما أبو بكر وحمزة والكسائي ووافقهم في الثاني ابن كثير وأبو عمرو ومثله كثير جدا. وأما النصب بالوصف فقولك: أعجبني الضارب زيد، تريد: الضاربه زيد وأعجبني الغلام الذي معطيك عمرو، تريد: الذي معطيكه عمرو وأنشد المؤلف على الأول قول الشاعر: وليس من الراجي يخيب بماجد ... إذا عجزه لم يستبن بدليل أي: من الراجيه، وقال الآخر: ما المستفز الهوى محمود عاقبة ... ولو أتيح له صفو بلا كدر وعلى الثاني قول الآخر: ما الله موليك فضل فاحمدنه به ... فما لدى غيره نفع ولا ضرر

стр. 529

وفي هذين الموضعين يتعين نصب ما اتصل/ من الضمائر بالصفة وذلك حيث يتصل بالتي فيها الألف واللام وحيث يتصل بضمير متصل بها، أما هذا الثاني فباتفاق إذ لا يخفض بالإضافة إلا اسم واحد، وأما الأول فعلى مذهب سيبويه، وهو الظاهر من الناظم هنا، لأنه جعل الضمير المتصل بما ليس فيه ألف ولام من الصفات مجرورا في البيت الذي يلي هذا، فدل على أن ما عداه ينصب ما بعده، والمسألة مختلف فيها. فإذا قلت: زيد أن ضاربه أو زيد أنا الضاربة، ففي موضع الهاء من الإعراب ثلاثة أقوال: أحدها: أن الهاء في موضع نصب على الإطلاق كانت الصفة بالألف واللام أولا، وهو رأى الأخفش ونقل عن هشام الكوفي. والثاني: أنها في موضع جر مطلقا، وهو رأى الجرمي والمازني والمبرد. والثالث: أن الضمير معتبر بالظاهر، فإذا كان الظاهر عند وقوعه هنالك مجرورا لا غير فالضمير كذلك، أو منصوبا ليس إلا فالضمير مثله، أو جائزا فيه الوجهان فيجوز في الضمير الوجهان وهو ظاهر الناظم كما تقدم، ويحتمل من حيث اللفظ أن يؤخذ له مذهب الجرمى ومن وافقه فيدخل له في البيت الثاني كهذا ما فيه الألف واللام، ويريد بقوله هنا: أو "وصف" العامل في المفعول الثاني مع إضافته للأول نحو: المعطكيه والاحتمال الأول أرجح وهو الذي ذهب إليه في غير هذا النظم وبقى على كلام الناظم سؤالان:

стр. 530

أحدهما: أنه نقصه شرط ثالث ضروري لا يجوز الحذف بدونه وهو ألا يكون في الصلة ضمير آخر عائد على الموصول، فإنه إن كان ثم ضمير آخر لم يجز الحذف كما تقول: أعجبني الذي ضربته في داره، فهنا لا يجوز أن تقول: أعجبني الذي ضربت في داره، إذ لا دليل على هذا المحذوف لجواز أن يكون زيدا أو عمرا لا ضمير الذي، وإذا لم يعلم لم يجز الحذف فالعرب تحذف المفعول اقتصارا فتقول: ضربت، ولا تذكره لأغراض لها ومقاصد، فيكون قولك: الذي ضربت في داره محتملا لهذا القصر فلا يتعين قصد حذف العائد، وإذا كان كذلك كان عدم اشتراط هذا الشرط معترضا. والثاني: أن حذف الضمير المنصوب بالصفة أطلق القول في جوازه حيث قرنه بما انتصب بالفعل، فاقتضى أن الجواز فيهما سواء أو قريب من ذلك، وهذا غير صحيح، بل الحذف مع الصفة قبيح قليل، ويقل قبحه إذا طالت الصلة بالمعمولات، فقد نص ابن السراج على قبحه، قال: وقد أجازوه على قبح. وقال المازني: لا يكاد يسمع من العرب. وقال المبرد في "المقتضب" لا اختلاف في أن حذف الهاء من صلة الألف واللام رديء جدا بخلاف "الذي"، فأما إذا طالت الصلة فيسهل الحذف كقولك: إذا أخبرت عن زيد من قولك: أعلم الله زيدا عمرا قائما. المعلمه الله عمرا قائما زيد، فيجوز هنا المعلم الله.

стр. 531

قال ابن السراج: وهو هاهنا أسهل عندي وعند المازني/ لكثرة صلة هذا حتى إنه قد أفرط طوله، ولما فرق المبرد بين الألف واللام والذي علل ذلك بطول الذي بصلتها، لأنها يجتمع منها أربعة أشياء: الذي والفعل والفاعل والمفعول، وليس ذلك في الألف واللام، وأيضا قد زعم ابن بابشاذ أنه لا يحذف مع الألف واللام، وإذا كان الأمر في الحذف مع الألف واللام هكذا في الضعف أو الامتناع، فتسوية الناظم بينهما مشكل، وقد أخرج في "التسهيل" الألف واللام عن حكم "الذي" وإخوته في هذا الحذف فقال: ويجوز حذف عائد غير الألف واللام إن كان متصلا منصوبا بفعل أو وصف وهو احتراز ضروري عنده حيث نقل عن أكثر النحويين المنع، ووجه ذلك بأن الضمير يكمل صلتها تكميل صلة غيرهما ويميزهما من الألف واللام المعرفتين، ويظهر من التأنيث والتثنية والجمع ما لا يظهرانه، فلأجل ذلك امتنع عنده حذف عائدهما، وهذا كله يعضد ما اعترض به عليه هنا. والجواب عن الأول: أن اشتراط ذلك الشرط على الإطلاق غير مسلم وذلك أنك إذا قلت: أعجبني الذي ضربت في داره بحذف

стр. 532

الهاء جائز على قصد وممتنع على قصد آخر. فإن قصدت أن لا تعلم بالمضروب فالحذف سائغ لا مانع منه، وإن لم تقصد ذلك بل أردت تخصيصه وذكره ولكنك حذفته لفهم المعنى كما تحذف من الذي ضربت امتنع من جهة أنه لا دليل عليه، إذ الموصول لا يحرز موضعه لوجود رابط له، فإن كان على إثباته دليل من جهة أخرى جاز حذفه نحو قولك: الذي وصيت في حق نفسه زيد، والتي أتزوج لدينها هند، والذي لقيت وحده أخوك، ويطرد هذا النحو فيما إذا كان في الصلة جملة في موضع الحال، وفيها ضمير يعود على ذي الحال من غير احتمال، ويكون صاحب الحال هو الضمير المحذوف المنصوب كقولك: الذي قصدت ماشيا معه زيد، والحال من المحذوف جائزة، نص على ذلك ابن جنى، فإذا الاشتراط على الإطلاق معترض، كما هو منع الاشتراط، ثم إنا نقول: يحتمل أن يكون الشرط المعتبر في هذا قد نبه عليه بالمثال وهو: (من نرجو يهب) فإن الدليل على المحذوف موجود، ووجود الدليل هو المعتبر خاصة، وبه علل من اشترط ألا يكون في الصلة ضمير آخر لكن اشتراطه مخل من وجه، واشتراط وجود الدليل على المحذوف مصحح غير مخل، فوجب أن يكون هو المراد في التمثيل ولا يبقى بعد ذلك إشكال والله أعلم. والجواب عن الثاني: أن الجمهور إن قالوا بقبحه في غير ما طال بالمعمولات، فإنهم لا يمنعونه جملة. ألا ترى إلى قول ابن السراج وقد أجازوه على قبح. وقال ابن خروف في "شرح الجمل" يجوز حذف ضمير الألف واللام ولكن حذف ضمير الذي أحسن، ثم نقل قول ابن بابشاذ وقال: إنه لا يعول عليه وإذا كان منع الحذف عند ابن خروف هكذا، فما نقل ابن مالك من المنع

стр. 533

غير معمول/ عليه عنده أيضا وقد أطلق أيضا القول بالجواز اليزيدي، فإذا لم يبق على الناظم إلا أنه لم يبين أن الحذف مع الفعل أحسن منه مع الصفة وهذا قريب لاجتماعها في الجواز على الجملة. فإن قيل: يحتمل أن يكون المنصوب عنده بالصفة إنما هو- كما تقدم- المفعول الثاني فيستلزم الطول كقولك: المعلم الله عمرا قائما زيد، فلم يفتقر إلى التقييد بالطول، ويكون غير ذلك من قبيل الضمائر المجرورة على مذهب من يرى ذلك. فالجواب: أن هذا لا ينجي من الاعتراض، إذ قد أجاز حذف الضمير المجرور بالصفة من غير تقييد بطول الصلة، وذلك في البيت على إثر هذا، فالصواب في الاعتذار ما تقدم والله أعلم. *** ثم ذكر حكم الضمير المجرور فقال: كذاك حذف ما بوصف خفضا ... كانت قاض بعد أمر من قضى قسم الضمير المجرور الجائز الحذف إلى مجرور بحرف، وإلى مجرور باسم هو ناصب في التقدير للمضاف إليه وهو الضمير، والقسمة الحاضرة بالاستقراء أن يقال: الضمير العائد على الموصول إذا كان مجرورا على قسمين: أحدهما: أن يكون مجرورا بحرف وسيأتي حكم هذا القسم. والثاني: المجرور باسم وهذا على ضربين:

стр. 534

أحدهما: أن يكون الجار صفة ناصبة للمجرور تقديرا وهو الذي شرع فيه الآن. والثاني: أن يكون الجار غير صفة وهذا نوعان: أحدهما: أن يكون مما يجوز قطعه عن الإضافة وذلك نحو كل وبعض. والثاني: أن لا يكون كذلك، فهذه أربعة أقسام، تكلم نصا على قسمين منها وترك قسمين آخرين. ولما قيد الجواز فيما ذكر بأوصاف دل على أن ما عدم تلك الأوصاف لا يجوز حذفه فاقتضى وصف الجار بكونه صفة ناصبة له تقديرا أنه إن لم يكن كذلك فلا يجوز حذف المجرور وليس كذلك، بل فيه تفصيل فإنه لا يخلو أن يكون الاسم الجار هنالك يجوز قطعه عن الإضافة أولا، فإن كان مما يجوز قطعه عن الإضافة جاز حذفه إذا دل عليه الدليل، كما إذا أخبرت عن القوم من قولك: مررت بكل القوم، فقلت: الذين مررت بكلمهم القوم، وكذلك بعض إذا قلت: الذين مررت ببعضهم القوم، فيجوز أن تقول: الذين مررت بكل القوم والذين مررت ببعض القوم، كما تقول: أعجبني الذين كل قائم أو قائمون وما أشبه ذلك، نص على هذا ابن الضائع في فصل الأخبار من "شرح الجمل" وأجرى عليه بعض شيوخنا "قبل" و "بعد" فتقول: أجبني الذين قاموا والذين قام زيد بعد، أي بعدهم، وكذلك في "قبل" وهذا القسم مما يغفل النظر فيه أكثر النحويين منهم ابن مالك في "التسهيل" وغيره من كتبه، فالاعتراض (عليه) وارد من حيث أفهم كلامه امتناع حذف الضمير العائد من الموصول، وإن كان مما لا يجوز قطعه عن الإضافة،

стр. 535

فهناك يمتنع حذف الضمير فلا تقول في نحو: أعجبني الذي أبوه قائم (قائم الذي أب قائم) ولا ما أشبه ذلك/ فالحاصل أن الناظم قصر في هذا الفصل، والاعتذار عنه أن هذا النحو من حذف الضمير لم يذكره الجمهور وهذا كاف في الاعتذار عنه في هذا النظم، وإنما يرد عليه في "التسهيل" هذا إن سلم أن الأمر كما قاله ابن الضائع، وإلا فللناظم أن ينازع فيه ولاسيما في قبل وبعد، فإن هذا الحكم فيهما أضيق، ألا ترى أنهما لا يقعان مبتدأين ولا خبرين مع القطع عن الإضافة، ولا في موضع عمدة البتة، وإنما يقعان في محل الفضلة المستغنى عنها كقول الله تعالى: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾، وإذا وقعا في الصلة مضافين إلى ضمير الموصول فإنهما واقعان موقع العمدة من حيث أن الصلة لا تستقل دونهما نحو: جاءني الذي قام زيد بعده أو قبله، فقد يقال: لا يجوز هنا حذف الضمير وقطعهما عن الإضافة، كما لا يجوز ذلك فيهما إذا وقعا عمدتين، فهذا مما ينظر فيه. واعتذار ثان وهو أن الناظم إنما يتكلم هنا في جلائل النحو وضرورياته وما قاربها وفيها يكثر استعماله ويتداول على الألسنة، ومسألة الاسم الذي يقطع عن الإضافة في باب الموصول من النوادر التي لا يتعرض لمثلها إلا أرباب المطولات، فإذا أهمل ذكرها قاصدا الاختصار فلا عتب عليه. ولما أفهم كلامه أن الضمير إذا كان مجرورا باسم غير صفة لم

стр. 536

يجز حذف كان موافقا للجمهور ومخالفا للكسائي القائل بجواز حذف الضمير المضاف إليه لكن مع المضاف وذلك إذا دل على المحذوف دليل مستشهدا على ذلك بقول الشاعر: أعوذ بالله وآياته ... من باب من يغلق من خارج أراد: من باب من يغلق بابه (من خارج) فتقول على هذا: أعجبني مال من كثر، تريد من كثر ماله، وأكره عرض من مزق، أي من مزق عرضه، وما أشبه ذلك، وما احتج به لا حجة فيه عند من خالفه، لأنه مما حذف فيه المضاف وهو باب وأقيم المضاف إليه وهو الضمير مقامه فاستتر في الفعل فليس الفعل بخال عما يسند إليه فالبيت في هذا مثل قول الآخر: *فدقت وجلت واسبكرت وأكملت* حسب ما هو مذكور في باب الإضافة، وإذا تقرر هذا فلنرجع إلى ما نص عليه الناظم، فقوله: (كذاك حذف ما بوصف خفضا) إلى آخره، ذاك إشارة إلى حذف ضمير النصب، يريد أن حذف الضمير المخفوض بوصف كثير منجل في كلام العرب كما كان في الضمير المنصوب، فإذا قلت: جاءني الذي أنا مكرمه، جاز لك أن تحذف ضميره فتقول: جاءني الذي أنا مكرم، ومن الإثبات قوله تعالى ﴿وتخفى في نفسك ما الله مبديه﴾ ومن الحذف الآية الكريمة التي أشار إليها بقوله: كأنت قاض بعد أمر من

стр. 537

قضى) وهي قوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾، فأنت قاض جاء بعد أمر مبنى من قضية، وهو قوله: "اقض" وكان الأصل: فاقض ما أنت قاضيه، ومن ذلك قول طرفة بن العبد: ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود وقال سعد بن ناشب المازني- وهو من أبيات الحماسة-: سأغسل عني العار بالسيف جالبا على قضاء الله ما كان جالبا وفيها: / ويصغر في عيني تلادى إذا انثنت ... يميني بإدراك الذي كنت طالبا وأنشد الفارسي في التذكرة لتأبط شرا:

стр. 538

سدد خلالك من مال تجمعه ... حتى تلاقى الذي كل امرئ لاق وأنشد غيره أيضا: لعمرك ما تدرى الضوارب بالحصى ... ولازاجرات الطير ما الله صانع وقال جميل: وقد طال جرى بيتها لا أزوره ... كفى حزنا هجران من أنت وامق ومثله في الشعر كثير، وينظر بعد في مثاله هل أحرز قيدا مضطرا إليه في جواز الحذف أم لا؟ والذي قيد به في "التسهيل" هذا الحذف كون الصفة ناصبة للمجرور تقديرا، وهذا القيد الذي تحرز به المؤلف يدخل له اسم الفاعل كان بمعنى الماضي أو لا؛ لأنه الذي في تقدير الفعل، فإذا قلت: زيد ضارب عمرو أمس فهو في تقدير: ضرب عمرا أمس، كما أن الذي بمعنى الحال والاستقبال بمعنى المضارع، وهذا لم يشرحه في شرحه، ويخرج له بذلك الصفة المشبهة باسم الفاعل، لأن الضمير المجرور بها في تقدير المرفوع لا في تقدير المنصوب، فلا يحذف إذا فرض عائدا في الصلة على الموصول، وكذلك اسم الفاعل المراد به مجرد الاسم لا ما يعطيه من معنى الفعل فإنك تقول: هذا ضارب زيد، على معنى ما تقول: هذا صاحب زيد، فليس المجرور هنا في معنى المنصوب، فإذا وقع ضميرا عائدا على الموصول لم يجز حذفه، كما لا يجوز حذف الضمير المجرور بصاحب.

стр. 539

والناظم حين قال: (كذاك حذف ما بوصف خفضا) دخل له اسم الفاعل والصفة الشبهة، لأنها صفة واسم الفاعل المطرح فيه معنى الوصف، إذ يطلق عليه أنه وصف اعتبارا بأصله، فأخرج هذين بقوله: (كأنت قاض) لأن قاض هنا يجرى الضمير وهو ناصب له في التقدير بخلاف الحسن والضارب المسلوب معنى الوصف وهو حسن من التقييد لكنه يوهم قيدا آخر غير معتبر وهو كون العامل في الضمير موافقا في المعنى للعامل في الموصول، لأنك تقول: اضرب الذي أنت مكرم، كما قال طرفة: *ستبدى لك الأيام ما كنت كاهلا* وكقول جميل بن معمر: *كفى حزنا هجران من أنت وامق* فكان الوجه أن يفصح بالقيد ولا يشير إليه بما يوهم قيدا آخر غير معتبر. والجواب: أن معه ما يبين مراده وهو أن قوله: "كأنت قاض" في موضع الصفة لوصف، وتقديره: كذاك حذف ما خفض بوصف شبيه بقاض الواقع بعد أمر من قضى أي الواقع الآية، فإنما أراد بقوله: (بعد أمر من قضى) تعيين الآية التي فيها الوصف المشار إليه، ولا شك أن الضمير المجرور بقاض في معنى المنصوب، فلم يرد إذا بقوله: (بعد أمر من قضى) قيدا آخر، وإنما أراد تعيين موضع الشاهد خاصة ولا يبقى في كلامه إشكال. ثم ذكر القسم الثاني من القسمين فقال:

стр. 540

كذا الذي جر بما الموصول جر كمر بالذي مررت فهو بر/ "ذا" إشارة إلى ما تقدم من حكم الحذف وهو الكثرة والجواز، و "الذي" واقع على الضمير المحكوم عليه بالحذف و "ما" واقعة على الجار للضمير وهو هنا الحرف والموصول مفعول بجر مقدم عليه، أي: بالحرف الذي جر الموصول، ويريد أن الضمير إذا كان مجرورا بالحرف الذي جر الموصول فحكمه حكم ما تقدم من جواز الحذف ومثل ذلك بقوله: (كمر بالذي مررت) يريد بالذي مررت به فهاء به- وهي العائد- قد جرت بالباء المجرور بها الموصول. وقوله: (فهو بر) جواب قوله: "مر" وهو من تمام المثال، ولو لم يأت به لتم مقصوده، ولكنه جاء به مكملا للكلام وعلة للأمر بالمرور به، ويقال: رجل بر، أي: صادق من قوم أبرار، وبار أيضا من قوم بررة. والحاصل أنه اشترط في جواز حذف الضمير المجرور بحرف أن يكون الموصول مجرورا بمثله، وهذا الشرط يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قاصدا لما سواه فيكون قوله في المثال: (كمر بالذي مررت) إنما قصد به تمثيل اتفاق الحرفين الجارين واتفق في المثال أن اتحد متعلقاهما بحكم التبع لا بالقصد الأول، فإن كان قد قصد هذا اشتمل كلامه من ذلك على ثلاثة أنواع أعطى فيها جواز الحذف. أحدها: أن يتحد متعلقا الحرفين، أعنى في المادة والمعنى كالمثال الذي مثل به، فإن متعلق الحرف الجار للضمير مررت، ومتعلق الجار للموصول مر، وكلاهما مشتق من المرور، وفي القرآن الكريم: ﴿يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون﴾ وأنشد

стр. 541

النحويون: نصلي للذي صلت قريش ... ونعبده وإن جحد العموم وكذلك إن كان أحدهما فعلا والآخر صفة نحو قولك: مررت بالذي أنت مار، تريد مار به أنشد ابن جنى: وقد كنت تخفى حب سمراء حقبة ... فبح لان منها بالذي أنت بائح وقال جميل: ولا تسمعي من قول واش وشي بنا ... وقولي له انطق بالذي أنت ناطق والثاني: أن يتحد في المعنى لا في اللفظ نحو: جئت بالذي أتيت به وجئت إلى الذي سرت إليه وقعدت في الموضع الذي جلست وما أشبه ذلك، وهذا النوع في معنى الأول إلا أن الأول أظهر في الجواز. والثالث: أن يختلف المتعلقان في المعنى والمادة معا نحو: نظرت إلى الذي جئت إليه، وعنيت بالذي مررت به، ومنه قول الشاعر: فابلغا الحارث بن نضلة والـ ... مرء معنى بلوم من يثق

стр. 542

أي: من يثق به وأنشد الفارسي: وإن لساني شهدة يشتفى بها .... وهو على من صبه الله علقم يريد: على من صبه الله عليه علقم وكثير من النحويين وخصوصا من تأخر منهم لا يجيزون مثل هذا في الكلام وهو جائز عند جماعة كابن السراج والفارسي وغيرهما على أن سيبويه جعل الحذف فيما كان نحو النوع الأول ضعيفا في الكلام فقال في أبواب الجزاء: وقد يجوز أن نقول: بمن تمرر أمرر، وعلى من تنزل أنزل، إذا أردت معنى عليه، وبه، قال: وليس بحد الكلام، وفيه ضعف، وعليه أنشد قول الشاعر: / إن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتكل ولم يجعل الناظم الحذف هنا إلا كثيرا منجليا على ما نبه عليه بقوله: (كذا الذي جر) أي: هو مثل الحذف في المخفوض بصفة ناصبة له تقديرا، وفي المنصوب كما تقدم. والنوع الثاني والثالث أحرى بالضعف عن سيبويه، وكذلك عنده غيره بالنسبة إلى الأول فهو المشهور في الكلام المعروف الجواز، والأنواع الثلاثة متفقة في معنى واحد وهو كون جار الضمير والموصول واحدا وهو الذي نص عليه، فإن عدم ذلك المعنى لم يجز حذف الضمير إلا شاذا، فلا تقول: جاءني الذي مررت ولا مررت بالذي أعرضت، تريد مررت به وأعرضت

стр. 543

عنه وقد جاء هذا في الشعر. قال حاتم الطائي: ومن حسد يجور على قومي ... وأي الدهر ذو لم يحسدوني ويسهل هذا الحذف إذا كان مدلول الذي ظرفا وقد عاد عليه الضمير بفي كبيت حاتم، أعجبني اليوم الذي جئت تريد جئت فيه، ويقيسه غير الناظم ويحسنه للعلم بأن "في" هي المحذوفة، فتعينت كما تعين المحذوف في نحو: مررت بالذي مررت، بخلاف غير الظرف، فإنه لا يتعين فيه الجار نحو: الذي رغبت زيد، ومنه ما أنشده الفارسي من قول الشاعر: فقلت له لا والذي حج حاتم ... أخونك عهدا إنني غير خوان ولعل المجيز لحذف ضمير الظرف بني على مذهب أبي الحسن في التدريج، إذ يجوز حذف "في" مع الضمير، ويصير الضمير منصوبا على المفعول به اتساعا، فكأنه يقول: وأي الدهر ذو لم يحسدونيه، ثم حذف الهاء لأنها كالهاء في نحو: جاءني الذي ضربته ومذهب سيبويه عدم التدريج فكأنه حذف الجار

стр. 544

والمجرور اعتباطا ومثالهم الذي تكلموا في المسألة عنده قوله تعالى: ﴿واتقوا وما ما لا تجزى نفس عن نفس شيئا﴾ تقديره: لا تجزى فيه. قالوا: إذا جاز ذلك عند سيبويه في الصفة فهو في الصلة أولى بالجواز، وإذا ثبت هذا أشكل كلام الناظم على هذا التفسير حيث جعل ما كان نحو: *وهو على من صبه الله علقم* قياسا وجعل ما كان نحو: *وأي الدهر ذو لم يحسدوني* موقوفا على السماع حيث أخرجه بالقيد الذي تقدم ذكره. والجواب أن يقال: لعله ذهب إلى رأى أبي الحسن في التدريج وإليه مال ابن جنى أيضا وبوب عليه في "الخصائص" وإذا كان كذلك صار بعد حذف في من قبيل الضمائر المنصوبة فدخل له تحت مسألة الضمير المنصوب بهذا الاعتبار. فإن قيل: فيدخل له إذا تحت قوله: (والحذف عندهم كثير منجل) في كذا وليس كذلك إذا لم يبلغ عندهم مبلغ الحذف في الضمير المنصوب، بل هو قليل في الكلام بالنسبة إلى حذف المنصوب بالأصالة. فالجواب: أن الحذف أيضا في المجرور/ بفي بعد حذفها كثير منجل؛ لأنه إذا صار في عداد المنصوبات صار له حكمها، لأنه صار من قبيل المنصوب على المفعولية اتساعا، وإنما القلة راجعة إلى حذف "في" لا إلى حذف الضمير، فلا تقدح قلته في كثرة حذف الضمير المنصوب على الجملة فتأمله.

стр. 545

والتفسير الثاني: أن يكون تمثيله بـ "مر بالذي مررت "تقييدا" لما تقدم كأنه يقول: كذاك الضمير الذي جر بما جر الموصول إذا كان مثل هذا المثال الذي وجد فيه اتحاد متعلقى الجارين وغير ذلك من القيود، وذلك أن الحذف الجائز جوازا حسنا مشروط بأربعة شروط: أحدها: أن يكون مجرورا بحرف لا باسم، فإنه إن جر باسم فقد تقدم حكمه. والثاني: أن يكون الموصول مجرورا بذلك الحرف نفسه وقد تبين هذا. والثالث: أن يتحد متعلقا الحرفين، وهذا يشمل النوع الأول والثاني في التفسير الأول، ويخرج عنه الثالث، لأن الحذف فيه قليل، وأكثر ما يجيء في الشعر، فيكون الناظم على هذا لم يعتبره في القياس، وعلى هذا أكثر المتأخرين، ومن أجازه كالفارسي وغيره فإنما أجازه على ما فيه من القلة، وإلى اشتراط هذا الشرط ذهب في كتاب "التسهيل" وهو جدير بأن يشترطه وخصوصا في هذا النظم. والرابع: ألا يكون المتعلق الثاني مبنيا للمفعول، بحيث يقام المجرور مقام الفاعل، وذلك ظاهر من تمثيله، وهو ضروري الاشتراط، وقد فاته ذكره في "التسهيل" وهو مستدرك عليه، فإنه إن كان المجرور مقاما مقام الفاعل لم يجز حذفه وذلك نحو: مررت بالذي مر به فلا تقول: هنا مررت بالذي مر؛ لأنه يبقى الفعل بلا فاعل ولا نائب عنه وذلك فاسد، ومن هنا يظهر أن هذا الوجه الثاني في تفسير كلام الناظم أولى؛ لأن الأول يدخل عليه فيه جواز حذف المجرور المقام مقام الفاعل وذلك غير صحيح، وكثير من الناس

стр. 546

لا يذكرون هذا الشرط، والاعتراض وارد على من لم يذكره، وزاد بعض الناس شرطا خامسا وهو أن لا يوقع لبسا، ولعل مشترطه تحرز به من نحو: أمرتك بالذي أمرت ب زيدا فيقول: لا يحذف هنا الضمير المجرور لالتباسه بالمنصوب إذ كنت تقول: الذي أمرته زيدا الخير والذي أمرت به زيدا الخير. فإذا قلت: أمرتك بالذي أمرت زيدا، لم يدر ما المحذوف الجار والمجرور أم المنصور، فكان ذلك ممتنعا. فإن قلت: إن تقدم حرف الجر يدل أن المحذوف مجرور. قيل: ذلك لا يلزم فقد يجمع في الكلام الواحد بين تعدي أمر بنفسه وبالحرف كما قال: *أمرتك الخير فأفعل ما أمرت به* ومثل هذا استغفرت الله مما استغفرت منه، وسميتك بالذي سميتني به، وما أشبه ذلك، فإن كان هذا الشرط لازما فمثال الناظم يحرزه لأن مررت، بالذي مررت به لا يلتبس في حذف الضمير. فإن قيل: فقد يلتبس بغير ذلك، إذ كنت تقول: مررت بالذي مررت عليه فإذا حذفت لم يدر ما المحذوف.

стр. 547

فالجواب: إن تجويزهم للحذف/ دليل على أن المحذوف مماثل حرفه للحرف المتقدم، وإلا فكان يمتنع حذف الضمير المجرور بحرف مطلقا، إذ ما من مسألة من الباب إلا ويمكن فيها هذا التوهم، على أن التوهم قد تحرك على بعض علماء سبتة. حدثنا شيخنا الأستاذ أبو عبد الله بن الفخار- رحمة الله عليه قال: سئل شيخنا أبو إسحاق الغافقي عن حذف الضمير من الصلة في قولك: رغبت فيما رغبت فيه، فجوز ذلك، فأنهى الخبر إلى تلميذه شيخنا أبي عبد الله بن عبد المنعم فمنعه واستشهد بأنه يقال: رغبت فيما رغبت فيه على معنى القبول، ورغبت فيما رغبت عنه على معنى الإعراض، ولا يكون الحذف إلا حيث يتعين المحذوف خوف اللبس، فلو حذف الضمير هنا لصار في الكلام إجمال، وهو خلاف المطلوب فوجب اجتنابه، وشرط انتفاء اللبس من جملة الشروط المجوزة للحذف. قال: فأنهى ذلك إلى الأستاذ: فاستدل على الجواز بأنك إذا رأيته محذوفا دلك ذلك على اتفاق الحرفين، ولو كانا متباينين لم يجز حذفه؛

стр. 548

لأنه مشروط بالاتفاق، وعكسها مثلها وهي أن تقول: رغبت عما رغبت عنه يجوز فيها حذف "عنه" لحصول الموافقة ولا لبس فيه أصلا لوجود الحذف لأنه لو كان غير موافق لم يجز الحذف. قال: وعلى هذا وقف الأمر عند نحاة سبتة، انتهى ما ذكره الأستاذ ابن الفخار شيخنا لنا، واستحسن نظر شيخه الغافقي، وهو كلام صحيح، وهو الموجب أعنى موافقة الحرفين لجواز الحذف، فإذا مثال الناظم لا لبس فيه البتة وإنما يعتبر شرط من اشترط عدم اللبس فيما تقدم من الأمثلة من باب "أمر" وما أشبه ذلك إن كان معتبرا فإني لم أر من اشترط إلا ما حكاه شيخنا الأستاذ ابن الفخار، فإنه جعله من جملة الشروط، ولم ينسبه إلى مشترطه فانظر فيه. ***

стр. 549

ثم أخذ في ذكر نوع خامس من المعارف فقال: المعرف بأدة التعريف ... أدة التعريف ي الألف واللام، وهو الذي أخذ يتكلم على المعرف بها فقال: أل حرف تعريف أو اللام فقط ... فنمط عرفت قل في النمط اعلم أنه تكلم على الأداة أولا ولم يتكلم على المعرف بها إلا بقوله: (فنمط عرفت قل فيه النمط) لأن الاسم الداخل عليه "أل" ليس فيه بحسب قصده حكم يتفصل وإنما التفصيل في أداة التعريف، فلذلك اقتصر على ذكرها وذكر أقسامها وأحكامها دون أحكام الاسم المعرف، لأن أحكامه تابعة لأحكامها. فتقول أولا: (أل حرف تعريف) بيان الأصل فيها وأنها في الوضع الأول تفيد التعريف وما عدا ذلك من أقساما فمفرع عنها، لأن الأصل دللتها على معنى، فزيادتا لغير معنى على خلاف الأصل، ودلالتها على غير التعريف مبنى عليه كالتي للمح الصفة والغالبة، وأما الموصولة فاسم كالذي/ والتي فليست من أنواع هذه، بل يطلق عليها "أل" باشتراك الاسم كمنذ ومذ الاسميتين مع الحرفيتين، والكاف و "عن" و "على" ونحو ذلك. فقد تبين أن الأصل فيها وهي حرف الدلالة على معنى التعريف، ثم إنه خير هاهنا بين أمرين في تعيين الحرف المعرف. أحدهما: أن يكون "أل" بكمالها، كما تدل "قد" على معنى التوقع و "لم" على النفي، وما أشبه ذلك.

стр. 550

والثاني: أن يكون حرف التعريف اللام وحدا دون الهمزة، وهما وجهان مسوقان مساق التخيير في اعتقاد أحدهما، وكأنه خير بين القولين المنقولين عن النحويين، فذكر عن الخليل أن "أل" بكمالها هي حرف التعريف، وأنها بمنزلة "قد" و "لو" و "هل" و "بل" وحكي عنه أنه كان يسميها "أل" كقولنا: "قد" وأنه لم يكن يعبر عنها بالألف واللام، كما يعبر عن "قد" بالقاف والدال ولا عن "هل" بالهاء واللام، وهذه عادة الناظم في هذا النظم حسب ما أنت رائيه. وذهب غير إلى أن حرف التعريف هو اللام وحدها، وأما الهمزة فزيدت ليتوصل بها إلى النطق باللام؛ لأنا ساكنة، كما جئ بهمزة الوصل في غير هذا الموضع ليتوصل إلى النطق بالساكن، هذا هو الذي يفهم ها هنا من إطلاق العبارة حيث قال: (أو اللام فقط) وقد جعل المؤلف الخلاف هنا في موضعين، أعني في غير هذا النظم: أحدهما: ما المعرف أهو "أل" بكمالها أم اللام وحدها؟ فمذهب الخليل وسيبويه أنا "أل" بكمالها، ومذهب غيرهما أنها اللام فقط، وهذا هو الذي بين هنا. والثاني: إذا قلنا: إنا "أل" بكمالها فهل الهمزة أصلية أم زائدة؟ فمذهب سيبويه عنده أنها زائدة، ومذهب الخليل أنها أصلية. وأما إن قيل: إنها اللام وحدها فلا نزاع أن الهمزة همزة وصل.

стр. 551

فالحاصل من الخلاف في "أل" ثلاثة أقوال: أحدها: أن حرف التعريف اللام خاصة. والثاني: أنه "أل" بكمالها، والهمزة همزة وصل. والثالث: كذلك إلا أن الهمزة همزة قطع. ومذهب الناظم في غير هذا الكتاب هو ما نسب إلى سيبويه والخليل، ويشعر أن ذهب إلى ذلك هنا تعبيره عنه بـ "أل" لا بالألف واللام، ولا باللام، كما يعبر عنه غيره وتقديمه له حيث قال: (أل حرف تعريف) وتأخير المذهب الآخر وإنما ساق ذلك مساق التخيير لتنظر أنت في مدارك القولين. وإذا ثبت ذلك لم يؤخذ من هنا حكم على الهمزة، وإنما يؤخذ له ذلك من فصل همزة الوصل من باب التصريف، إذ نص هنالك أنها زائدة، فمذهبه إذا ما نقل عن سيبويه، ولكل واحد من هذه المذاهب حجة تعضده، وشاهد يؤيده، فمن الدليل للخليل أن هذه الهمزة ثبتت حيث تحذف همزات الوصل البتة، وذلك في نحو ﴿قلء الله أذن لكم﴾، ﴿ء الله خير أما يشركون﴾، ﴿ء آلذكرين حرم أم الأنثيين﴾، وقالوا: يا الله وآفا الله، عند بعضهم، وما أشبه ذلك، فقد أنشد سيبويه لغيلان: /

стр. 552

عجل لنا هذا وألحقنا بذال ... بالشحم إنا قد مللناه بجل فأفرد "أل" وأعادها في البيت الثاني وذلك يدل على قوة اعتقادهم لقطعا فصار قطعهم "أل" وهم يريدون الاسم بعدها كقطعهم "قد" وهو يريد الفعل بعدها كقول النابغة الذبياني: أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد التقدير: وكأن قد زالت فقطع "قد" من الفعل كقطع "أل" من الاسم، وعلى هذا قالوا: "ألى" في التذكر، كما قالوا: قدى. ومن الدليل للمذهب الآخر وهو زيادة الهمزة وعروها عن الدلالة- أنهم أوصلوا حرف الجر إلى ما بعد حرف التعريف نحو: عجبت من الرجل ومررت بالغلام وذلك يدل على أن حرف التعريف غير فاصل بين الجار والمجرور، وإنما كان كذلك لأنه في نهاية اللطافة والاتصال بما عرفه، ولا يكون كذلك إلا لأنه حرف واحد لاسيما وهو ساكن، ولو كان عندهم حرفين كـ "هل" و "بل" و "قد" لما جاز الفصل لاستقلال الحرف، ومن ثم أنكروا على الكسائي قراءة، ﴿ثم ليقطع﴾ بإسكان اللام، و ﴿ثم ليقضوا﴾، لأن "ثم" قائمة بنفسها، ليست كالواو والفاء، وأيضا فإن التنكير لما كان مدلولا عليه بحرف واحد وهو التنوين كان التعريف الذي هو مقابله مدلولا عليه بحرف واحد وهو اللام؛ لأن الشيء يحمل على ضده، كما يحمل على نظيره.

стр. 553

وأما المذهب الثالث فمتعلقه ظاهر لفظ سيبويه حيث قال: في باب عدة ما يكون عليه الكلام، وقد جاء على حرفين ما ليس باسم ولا فعل فذكر "أم" و "بل" وغيرهما. ثم قال: وأل حرف تعريف الاسم، فأخذ ابن مالك من هذا أن "أل" هي المعرفة بجملها، وذكر في ألف الوصل أن الهمزة موصولة، فاجتمع من ذلك ما تقدم والكلام في استقصاء الأدلة والفصل بين الخصوم له مجال مواسع لا يليق بما نحن فيه الآن، وإنما ذكرت بعض ذلك توجيها، وسيأتي في باب التصريف ما في هذا الخلاف من النظر بحول الله ومشيئته. ثم قال: (فمنط عرفت قل فيه النمط) يعني أنك إذا أردت تعريف لفظ "نمط" فأدخل عليه "أل" و "قل فيه النمط" فيصير بأل معرفة بعد أن كان نكرة دونها وهذا مثال يدل على نظائره فرجل وفرس وبلد وقمر إذا أردت تعريفها فقل: الرجل والفرس والبلد والقمر، وكذلك ما أشبهه ولم يعتن هنا بذكر أنواع التعريف في هذا الحرف وأنواع تعريفه ثلاثة: أحدها: تعريف العهد وهو ينقسم إلى تعريف عهد حسي كقوله تعالى: ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول﴾ وإلى

стр. 554

تعريف (عهد) علمي كقوله تعالى ﴿إذ هما في الغار﴾، وقوله: ﴿إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى﴾. والثاني: تعريف الجنس نحو قولك: الرجل خير من المرأة. وقال تعالى: ﴿إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا﴾. والثالث: تعريف الحضور كقولك: هذا الرجل وسأقوم اليومض والساعة. هذه أقسام "أل" في التعريف، وبقى في كلام/ الناظم شيء وذلك أنه كان حقه أن يقول: عرفته، فتأتى بضمير المفعول، أو يعدى الفعل إلى "نمط" فيقول: (فنمطا عرفت) لأن النصب لا يكسر الوزن فلم أتى بعرفت غير معدي؟ فالجواب: أن عرفت في موضع الصفة لـ "نمط"، وعلى هذا يستقيم معنى البيت فإنما أراد فنمط معرف يقال فيه النمط وحذف الضمير من الجملة الواقعة صفة كما حذفه جرير في قوله- أنشده سيبويه-:

стр. 555

أبحت حمى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح وأنشد أيضا قول الحارث بن كلدة: وما أدرى أغيرهم تناء ... وطول العهد أم مال أصابوا فـ "حميت" و "أصابوا" في موضع الصفة كأنه قال: محمى ومصاب، وإذا كان معنى "عرفت" في البيت على الصفة، فلا سبيل إلى النصب في "نمط" بـ "عرفت" لأن الصفة من تمام الاسم فهي كبعضه، وبعض الشيء لا يعمل في بعضه، هذا معنى تعليل سيبويه، فإن قيل: هذا مشكل من جهة اللفظ والمعنى، أما من جهة اللفظ فإن نمطا لما كان المراد به نفس اللفظ كان معرفة لا نكرة، وذلك شأن ما يراد به مجرد اللفظ، فإنك تقول: رجل المنكر، لا يبتدأ به ولا يصح أن تقول: رجل منكر على أن تجعله صفة لأنه قد صار علما به، كما صار أفعل وفعلان وسائر الأمثلة الموزونة بها أعلاما على المثل التي توزن بها فلم جعلت "عرفت" نعتا لـ "نمط" والمراد مجرد اللفظ لا غير ذلك؟ وأما من جهة المعنى فلأنه في معنى (فنمط) إذا عرفته قل (فيه النمط) و (نمط المعرف) لا تدخل عليه "أل" لأن تعريفه إن كان بالإضافة فلا تدخل عليه "أل" وكذلك إن كان علما لا تدخله "أل" وإن كان معرفا بها فلا تدخل عليه أيضا مرة أخرى، وإنما كان وجه العبارة أن يقول: فنمط أردت تعريفه

стр. 556

قل فيه النمط (إذ لا يقال فيه النمط) إلا وهو نكرة مراد التعريف لا وهو معرفة. فالجواب: أن يقال: أما الأول فإن نمطا لم يرد عينه هنا بالقصد الأول وإنما جاءت إرادة لفظه بالعرض، لأن المقصود لفظ ما أي لفظ كان، فكأنه قال: فأي لفظ أردت تعريفه أدخل عليه "أل" هذا معنى كلامه، وإنما جاء تعيين لفظ نمط بالقصد الثاني، وإذا كان مقصود هذا لم يكن معرفة وصح وصفه بالجملة وأبين من هذا أن يكون أصله معرفة لكنه أتى به منكرا- كما ينكر العلم كقولك: هذا زيد مقبل، تريد زيدا من الزيود ومقبل نعته، فكذلك هنا أي: فنمط من الأنماط معرف قل فيه النمط وهذا بين. وأما الثاني: فإن معنى (عرفت) في كلامه إرادة التعريف فكأنه قال: "فنمط" أردت تعريفه وهذا في الكلام العربي الفصيح موجود، ففي القرآن الكريم: ﴿وكم من قرية أهلكناها﴾ الآية، المعنى: أردنا إهلاكها "فجاءها بأسنا" ويقع ذلك مع إذا نحو: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ﴾، ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ وإذا كان (هذا) موجودا في الكلام فلا مانع من استعماله والنمط: ضرب من البسط، والنمط أيضاً:

стр. 557

الجماعة من الناس أمرهم واحد، وفي الحديث: خير هذه الأمة النمط الأوسط يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي قال أبو عبيد: النمط: هو الطريقة/ يقال: ألزم هذا النمط، قال: والنمط أيضا: الضرب من الضروب والنوع من الأنواع، يقال: ليس هذا من ذلك النمط، أي: من ذلك النوع، وهذا المعنى يقال في المتاع والعلم وغير ذلك. *** ثم ذكر ما جاء من الألف واللام بخلاف الأصل من الدلالة على التعريف فقال: وقد تزاد لازما كاللات ... والآن والذين ثم اللاتى ولاضطرار كبنات الأوبر ... كذا وطبت النفس يا قيس السرى اعلم أن "أل" قد تخرج عن أصلها فلا تدل على تعريف، وهي إذ ذاك قسمان: أحدهما: ما لا يفيد معنى آخر فهذه تسمى زائدة. الثاني: ما يفيد معنى آخر سوى التعريف، وهذا القسم هو الذي للمح الصفة وأما الألف واللام الغالبة فهي راجعة إلى التي تفيد التعريف فابتدأ بذكر القسم الأول وهو قسم الأول وهو قسم الزائدة وجعله نوعين: أحدهما: ما كانت زيادته لازمة البتة.

стр. 558

والثاني: ما كانت زيادته اضطرارية. فأما الأول: فهو الذي أراد بقوله: (وقد تزاد لازما كاللات) إلى آخره، يعني أن العرب قد تزيد قليلا "أل" لغير معنى في مثل هذه الألفاظ المذكورة بحيث: لا تنفك عنها، وهذه العبارة لا تدل على أن هذه الزيادة موقوفة على السماع إذ لم يبين ذلك، بل نبه على قلة وجود ذلك وإشعاره بالقلة بحرف قد لا يشعر بقياس ولا بعدمه، لأن القليل قد يقاس عليه في بعض المواضع، وقد لا يقاس عليه بخلاف ما إذا أتى بلفظ القلة فاعتبره. فالحاصل أنه سكت عن ذلك ولا ش أن هذا النحو مما لا يقاس عليه، وإنما يتلقى من السماع، إذ لم يكثر كثرة يقاس عليها ولا ظهر فيه وجه قياس فيوقف على محله، وهذا في الزيادة اللازمة. وأما التي للاضطرار فأولى بعدم القياس في الكلام وكذلك في الشعر أيضا، إذ لم تكثر زيادتها كثرة توجب قياسا، كما كثر فيه قصر الممدود وصرف ما لا ينصرف وشبه ذلك، فجاز القياس فيه. ولما كان ما تحت "قد" في قوله: "وقد تزاد" منقسما إلى القسمين وكان كل واحد منهما منتظما تحتها، وكان مسكوتا عن قياس ذلك في الأول كان مسكوتا عنه أيضا في الثاني، أعني عن القياس في الشعر فلقائل أن يقول: هذا تقصير من الناظم لعدم التنبيه على القياس فيه أو عدمه ويجاب عن ذلك بأنه قد أشعر بذلك إشعارا خفيا من جهة أنه لم يعقد

стр. 559

فيها أصلا ولا أتى بقانون الزيادة ولا بما يشعر به، وإنما أتى بأمثلة من الضربين مطلقة تشير إلى أنها كذلك وردت، ولو أراد القياس لقال: وقد تزاد لازما، في نحو كذا، أو فيما كان يشبه كذا أو ما أشبه هذه العبارة، فلما اقتصر على أمثلة مطلقا ولم يقدم لها قانونا دل على أنها عنده سماعية لا قياسية، ثم أتى بأمثلة أربعة للقسم الأول: أحدها: "اللات" وهو اسم/ صنم كان بالطائف، وأصله "اللات" اسم فاعل وهو رجل كان يلت السويق للحاج إذا قدموا، وكانت العرب تعظم ذلك الرجل لإطعامه الناس في كل موسم، ويقال: إنه عمرو بن لحى بن قمعة، وقيل: ربيعة بن حارثة وهو والد خزاعة، وعمر عمرا طويلا، فلما مات اتخذ مقعده الذي كان يلت فيه السويق منسكا، ثم طال الأمر بهم إلى أن عبدوا تلك الصخرة التي كان يقعد عليها ومثلوها صنما وسموها اللات اشتقوا لها اسما من اللت. وقد قرأ ابن عباس: ﴿أفرأيتم اللات﴾ على فاعل من لت، فالألف واللام في "اللات" عند الناظم زائدتان، وهو مذهب الأخفش

стр. 560

فيها وفي "العزى" ويدل على صحة مذهبه أنهما علمان بمنزلة يغوث ويعوق ونسر ومناة وغير ذلك من أسماء الأصنام، فهذه كلها أعلام غير محتاجة في تعريفها إلى أداة، وليست من باب الحارث والعباس من الأوصاف التي سمي بها، فدخلها الألف واللام لتلمح أصلها وإذا كان كذلك وجب أن تكون فيها زائدة، وأيضا فيؤكد زيادتها لزومها الاسم كلزومها في الذي والآن. فإن قيل: فقد حكى أبو زيد لقيته فينة والفينة. وقالوا في الشمس: إلهة والإلاهة، وليست فينة وإلهة بصفتين، فيجوز تعريفهما وفيهما اللام كالحارث والعباس .. فالجواب: أن هذا مما اعتقب عليه تعريفان: أحدهما: بالعلمية، والآخر بالألف واللام ولم نسمعهم. قالوا: عزى ولالات بغير أداة، فدل لزوم اللام على زيادتا وأن ما هي فيه ليس مما اعتقب عليه تعريفان: هذا توجيه ابن جنى، وهو ظاهر في اللات، وأما في العزى ففيه بحث تكلم عليه ابن جنى ليس من مطلب هذا الشرح، إذ لم يتعرض له الناظم. والثاني: من الأمثلة "الآن" وهو اسم للزمان الحاضر والألف واللام فيه زائدة على ذلك الأخفش، وقد خالف في ذلك طائفة وجعلوها للتعريف من الأصل الأول، واستدل ابن جنى على زيادتها وأنها ليست للتعريف بأنا

стр. 561

اعتبرنا جميع ما لامه للتعريف فوجدنا إسقاطها منه جائزا كالرجل والغلام، ولم تقل العرب فيما بلغنا فعلته آن كما قالوا: فعلته الآن، فدل هذا على أنها ليست للتعريف ولا أيضا للمح الصفة، فإن التي للمح الصفة يجوز إسقاطها، فدل لزومها أيضا على أنها ليست للمح الصفة، بل هي زائدة، كما يزاد غيرها من الحروف، ثم يبقى النظر في تعريفها وذلك على رأى الفارسي وابن جنى بألف ولام تضمن الآن معناها، كما بنيت "أمس" لتضمن معناها، وعلى رأى الزجاج بالإشارة. والثالث: "الذين"، فالألف واللام فيه أيضا زائدة كما قال والدليل على ذلك: أنه من الأسماء الموصولات، وقد وجد من الموصولات ما ليس فيه ألف ولام وهو معرفة كـ "من" و "ما" و "أي"، فهذا يدل على أن "الذين" معرفة لا بالألف واللام، وأيضا لو كانت فيه للتعريف لقالوا "لذين" من غير ألف ولام، إذ لم نجدها تعرف إلا حيث يجوز إسقاطها كما تقدم، وهذه لا تسقط البتة، وإن سقطت فذلك من النوادر غير المعتد بها، فدل ذلك على أنها لغير التعريف وليست أيضا/ للمح الصفة، فلم يبق إلا أن تكون زائدة. وقد ذهب ابن خروف إلى أن تعريف "الذين" وأخواته من الموصولات الداخلة عليها الألف واللام بهما لا بالصلة، وأن ما ليست فيه معرف بها تقديرا كـ "أي" و "من" و "ما" وخطأ من زغم أن

стр. 562

تعريفها بالصلة قال: وكيف ذلك وهي جمل وقد تكون صفات وهي نكرات، ثم استدل على أن تعريفهما إنما هو بالألف واللام، أن ما هي فيه لا يكون نكرة البتة بخلاف ما ليست فيه فإنه قد يكون نكرة "كمن" و "ما" و "أي" وما استدل به ليس له فيه حجة، أما أولا فإن أصل وضع الموصول أن يتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل، إذ لم يمكنهم أن يدخلوا الألف واللام على الجمل، فأتوا بما يصح فيه ذلك وهو الموصول كالذي والتي، فأدخلوها عليه فصح لهم الوصف بالجملة بإصلاح لفظها بتصديرها بما فيه الألف واللام. وأما "من" و "ما" و "أي" فإنما لم يوصف بها لعدم الألف واللام فيها إذ هي المسوغة لأن تجرى الجملة صفة للمعرفة فراعوا اللفظ كما راعوا لفظ كل وبعض فلم يصفوهما بالمعرفة حيث لفظهما لفظ النكرة، ولا- أيضا- وصفوهما بالنكرة اعتبارا بالمعنى ومعناهما معنى المعرفة، وبهذا المعنى يجاب عن اختصاص "أي" و "من" و "ما" بوقوعها نكرات موصوفة، لأن ألفاظها النكرات، بخلاف الذي والتي ونحوهما. قال الفارسي في "الإغفال": إنما حسن الوصف بالذي من بين أخواته لمكان حرف التعريف فيه وأنه لم يحدث تعريفا فهو لفظ المحدث التعريف فأجرى في هذه الأشياء مجراه، فهذا نص من الفارسي فيما ذكرته، وأيضا فإن فيهما ابهاما ليس في الذي وأخواتها فلذلك لم يوصف بها وهي موصولات، بخلاف "الذي" وأخواتها.

стр. 563

وأما ثانياً: فإن أيا و "ما" و "من" لا تقع نكرات موصوفة إلا مع العرو عن الصلات والخلو عنها، فإذا وجدت الصلات لم يصح أن تقع نكرات، وهذا من أدل الدليل على أن تعريفها بالصلة لا بالألف واللام مقدرة، إذ التعريف فيها يدور مع الصلة وجودا وعدما، ولم نجده يدور مع الألف واللام، كذلك فدل على أن علة التعريف الصلة لا الألف واللام فالصحيح إذا ما ذهب إليه الناظم من زيادتها. والرابع: "اللاتي" وهو جمع "التي" كما أن "الذين" جمع "الذي" واللام فيهما واحد، وكذلك فيما كان من بابهما نحو: الذي والتي واللائين واللاء واللواتي والألى وما أشبه ذلك. ولازما من قوله: (وقد تزاد لازما) اسم فاعل يمكن أن يكون حالا من المصدر المفهوم من (تزاد) كـ "شديدا" من قولك: ضربته شديدا وكأنه قال: وتزاد زيدا لازما. ثم ذكر القسم الثاني من الزيادة فقال: (ولاضطرار كبنات الأوبر) أي: وقد تزاد أيضا للاضطرار الشعري، لا على اللزوم ولا على الجواز، وأتى لذلك بمثالين: أحدهما: زيدت فيه اللام في العلم وذلك "بنات الأوبر" وهو اسم علم لضرب من الكمأة صغار ذات زغب، هذا ما حكى الجوهري، وذكر ابن

стр. 564

سيده عن أبي حنيفة قال: هي كمأة أمثال الحصى يكن في النقض من واحدة إلى عشر وهي رديئة الطعم، وهي أول الكمأة قال: وقال: مرة هي مثل الكمأة وليست بكمأة وهي صغار. وأصله أن لا تدخله الألف واللام، بل تقول: هذه بنات أوبر، واحدها ابن أوبر وأنشد الأصمعي: ومن جنى الأرض ما تأتي الرعاء به ... من ابن أوبر والمفرود والفقعه فأدخلوا عليها الألف/ واللام في الشعر ضرورة فقالوا: "بنات الأوبر" وإشارة الناظم إلى ما أنشده ابن جنى وقال: أخبرنا أبو علي قال: أخبرني أبو بكر، عن أبي العباس، عن أبي عثمان قال:

стр. 565

سألت الأصمعي عن قول الشاعر: ولقد جنيتك اكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر لم أدخل الألف واللام؟ فقال: أدخل ذلك زيادة للضرورة كقول الآخر: *باعد أم العمرو من أسيرها* قال ابن جنى وأنشدني أبو علي، عن أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي *يا ليت أم العمرو كانت صاحبي* يريد أم عمرو، وهذا على رواية من روى العمر- بالعين المهملة- وإلا فالأشهر الغمر- بالغين المعجمة- قاله ابن سيده ومثل ذلك أيضا قول الآخر- أنشده ابن جنى: - يقول المجتلون عروس تيم ... سوى أم الحبين ورأس فيل
следующие страницы →