← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

فتقول: إذا قام الدليلُ على الزيادة في الحرف أو غيره فلا بد من القول به كما دخل التصريف بعض الحروف من الزيادة والنقص والقلب والإبدال وقد قالوا إنّ اللام في لعلّ زائدة لقولهم علّ فليكن ذلك هنا وأما قوله إنه وضْعُ كلمةٍ مستحقَّةٍ للتصدير على حرفٍ واحدٍ ساكنٍ ولا نظير لذلك فنقول إذا دلّ الدليل فلا يجب الإتيانُ بالنظير وهي قاعدةٌ في الأصول ثابتة وأيضا فكان يجب على هذا ألا يسكن أولُ كلمة لأنها معرضة للتصدير وللابتداء بها ومستحقة لذلك ولا فرق بين الوضع أولا والإعلال ثانيا في حكم الابتداء فإذا كانوا هنالك قد أتوا بهمزة الوصل فليأتوا بها في الموضع الآخر على أنَّ ابن جني قد علَّل إسكانهم للام وضعًا فتأمله في حرف اللام من سر الصناعة وأما افتتاح حرف بهمزة وصل فلا يلزم من وجوده وجودُ النظير كما تقدم كما أنه يعارَض بأنا لم نجد نحن همزة قطع تحذف في الدرج لزوما وقولهم ويلُمِّه شاذ يحفظ وأما فتح الهمزة فليس لغير سبب بل لسبب عندهم قوي وقد ذكروا في ذلك أوجها منها ما ذكر سيبويه من التفرقة بينها وبين ما في الأسماء والأفعال وعلل السيرافي بما أشار إليه المؤلف من التخفيف لكثرة الاستعمال لأن كل اسم منكور بتعرف باللام وهو اكثر من أن يحصى [٥٠٥]

стр. 4972

فلزم اللام كثرة الاستعمال ففتحت لذلك وما عارض به الناظمُ هذا التعليل قد يُجاب عنه بأن الهمزة المسهّلةَ في حُكم المحقَّقة وليست غيرها فهي هي فلا يُقال إنها وقعت في غير موضع المبدل منه وإنما يقال ذلك في المبدلة وهي في الحقيقة واقعة موقع الهمزة ألا ترى أنها تثبت إذا سقطت الهمزة فالبدل على الجملة في موضع المبدل منه ويعارض ببدل الهمزة الثانية من أيمّة على عامة اللغة فإن المحققة لا تقع هنالك فإن قال ذلك للاستثقال وليس هنا استثقال قيل خلف الاستثقال هنا قُبْحُ بقاءِ همزة الوصل على صورتها من التحقيق فسهلت إصلاحا* للفظ وأما عدم سقوطها مع تحريك اللام فإنها تسقط في لغة قوم فيقولون لَرْضُ ولَحْمَر وأيضا قد حُكِي اِسَلْ وإن كان شاذا فإن قيل فلم تثبت في الأفصح تسقط من سل ونحو في المشهور؟ فالجواب أن لام التعريف مبنية على السكون لا أصل لها في الحركة بوجه بخلاف سين اسل فإن لهذه الكلمة تصرفاتٍ كثيرة تكون السين فيها متحركة كسؤال وسأل وسائل وغير ذلك فلما تحركت السين في سل صارت الحركة كأنها ليست بعارضة لها فسقطت همزة الوصل ولما تحركت اللام في الأرض كانت الحركة عارضةً البتة ومن كلامهم ترك الاعتداد بالعراض فمن لم يعتدَّ به ترك الهمزة ولم يحذفها ومن اعتدّ به أسقطها وهذا توجيهٌ في غاية [٥٠٦]

стр. 4973

الحسن وفرقٌ واضح بين الموضعين وأما قطعها في يألله وأَفَأَلله فإن هذه الكلمة اختصت بأشياء لم يختص بها غيرها وظهر فيها من الأحكام التي لا يُقاس عليها ما سواها نحوٌ من خمسة عشر حكما فيكون هذا الفرد من تلك الجملة فإن التغيير يأنسُ بالتغيير وإذا كان كذلك فلا نُكر في أن يُجعل ذلك القطع عوضا من حرف القسم كما جعلوا في غير هذا الموضع الواو نائبة عن رُبَّ فقالوا وبَلَدٍ عامِيَةٍ أعماؤُهُ وبَلَدٍ مِلْءِ الفِجاجِ قَتَمُهْ فلو كان ما قاله من الإجحاف لازما للزم أيضا في هذا الآخر لكنه موافق على صحته فكذلك يلزمه أن يوافق على أفألله ويكفي من المناقشة هذا واعلم أن الناظم أشار في باب المعرَّف بالأداة إلى خلافٍ سوى ما ذُكر هنا وقد تقدم بيانه على الجملة هنالك وإن الذي يتخلَّص من كلامه في الموضعين أنه ذهب في هذا الكتاب إلى ما نقل عن سيبويه من زيادة الهمزة مع أن أل بجملتها هي الدالة على التعريف وتعلّق في ذلك بظاهر طلتك سيبويه في باب «عِدَّة ما يكون عليه الكلم» حين ذكر من الحروف ما هو على حرفين [٥٠٧]

стр. 4974

وأدرج في أثنائه أل فأخذ المؤلف من ذلك أن الجملة هي الدالة ثم نقل عنه في باب ألِف الوصل أن الهمزة زائدة فجعل هذا خلافا لمن لم ينصّ على هذا المقدار من النحويين بل نسب التعريف إلى اللام فقط وكل ذلك لا يتحصل منه خلاف محقق في المسألة أما كون الهمزة أصلية أو زائدة فقد ذُكِر أنه لا خلاف بين الخليل وسيبويه وكذلك لا خلاف أيضا بين سيبويه وغيره في الدلالة على التعريف لأن همزة الوصل كما تقدم لها حالان حال تُعد فيه كالجزء من الكلمة فمن ههنا أطلق ههنا أطلق سيبويه الدلالة على الجملة وحال تعد فيه كالمنفصلة ومن هنا أطلق غير سيبويه الدلالة على اللام وحدها ويدلك على أن الخلاف في المسألة مندفعٌ فيما بين الخليل وسيبويه ومَن وراءهما أن الشراح للكتاب لم يتعرضوا له ولا نصوا على استنباطه من لفظ الكتاب إلا ما حكاه السيرافي عن غيره من استنباطه من تشبيه سيبويه أل بقد وسوف أنها ألف قطع ولم يحك ذلك عن الخليل والذي حكاه عن الخليل ابن جني في سر الصناعة فالحاصل أنَّ ما نقله المؤلف لم يذهب إليه فيما أعلم أحد من النحويين ولا تحقق له فيه نقل محرر والله أعلم وقد يمكن أن يكون قولُه في باب المعرَّف بالأداة «أل حرفُ تعريف أو اللامُ فقط» ليس بإشارة إلى خلافٍ كما مرَّ الشرح فيه ولكن يكون معناه [٥٠٨]

стр. 4975

التخيير في الإطلاق أي قُلْ أيَّ ذلك شئتَ فإن شئت أن تقول إن حرف التعريف أل بجملتها أو اللام وحدها فذلك إليك وكلاهما صحيح وبمعنى واحد في محصول الأمر وأن الخلاف خلافٌ في عبارة لا في حقيقة معنى ويكون وجه التنبيه على هذا أمران أحدهما رفْعُ ما يتوهم من الخلاف في المسألة والثاني الجمعُ بين عبارات النحويين وأنّ من أطلق أنّ التعريف بأل اعتبر حال وقوع الهمزة كالجزء ومن أطلق أنّ التعريف باللام اعتبر حال وقوعها كالمنفصل ولا يكون على هذا في المسألة إشكالٌ يتعلق بهذا النظم وكثيرا ما تجده فيه ينزع إلى منازع التحقيق والتحصيل وقد مرَّ من ذلك مواضعُ متعددة يكون فيها إذا قررها في هذا النظم أسَدَّ منه في تقريرها في التسهيل والله الموفق ثم قال «وَيُبْدَلُ ... مَدًّا فِي الِاسْتِفْهَامِ أَوْ يُسَهَّلُ» ضمير «يُبْدَلُ» عائدٌ على همز الوصل المتأخر الذكر في قوله «هَمْزُ أَلْ كَذَا» فيعني أن همزة الوصل المذكورة آنفا إذا وقعت في الاستفهام ووقوعها فيه أن تتقدمها أداته فإنها لا تحذف كما يُحذف ما تقدم في الدرج بل تبقى إلا أنّ لك في بقائها وجهين: أحدهما أنْ تبدلها مدة والمدة هنا من جنس حركة أداة الاستفهام ولا شك أن حركة الهمزة الفتحُ فالمدة المبدلة من الهمزة ألفٌ فتقول آلرجل [٥٠٩]

стр. 4976

خير أم المرأة؟ وآلحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنفية؟ وقرأ القراء ﴿آلذكرين حَرَّمَ أم الأنثيين﴾ ﴿آلله أذِنَ لكم﴾ ﴿آلله خيرٌ أم ما يُشركون﴾ وهذا أشهر ما نُقل عنهم وهذا منه دليل على أن تلك المَدَّةَ عنده هي الهمزة في الأصل وهو مذهب الجمهور وذهب بعضُهم إلى أنها ألِفٌ أجنبية سِيقتْ للفرق لا أنّها الهمزة أُبدلت لما يُلفى من المحذور واستجاده بعضُ من تأخر من النحويين لولا حكاية التسهيل فيها فهو الذي يقطع على الألف أنَّها مبدلةٌ كما قال الناظم إذ لو تحامَوا الإتيان بالهمزة لم يثبتوها مُسهّلة لكنهم فعلوا ذلك فدلَّ على أنها هي أيضا الألف الظاهرة والثاني التسهيل بَيْنَ بَيْنَ فتقول أالرجلُ** أفضلُ أم المرأة؟ وأالشجاعة** أفضلُ أم البذلُ؟ وقد قُرئ به للقراء في المواضعِ المعلومة وزعم ابن الباذش أنّ هذا الوجه هو الذي يوجبه قولُ سيبويه في باب الهمز أنها تخففُ بينَ بينَ كما يخفف غيرها من الهمزات المتحركة إلا ما استثني من المفتوحة التي قبلها ضمة أو كسرة وإنما يُخفَّف بالبدل الهمزة الساكنة وهذا العمومُ يتناول الوصل والقطع" [٥١٠]

стр. 4977

والفرق بين هذا والذي قبله أنّ الهمزة في هذا الوجه بزنة المتحركة ولذلك جاء في الشعر وما أدْري إذا يَمَّمْتُ أمرا ... أُريدُ أيُّهما يليني أالخير** الذي أنا أبتغيه ... أمِ الشَّرُّ الذي لا يأْتَلِيني أنشد بيت الشاهد السيرافي وقول عمر بن أبي ربيعة أنشده سيبويه أالحقُّ** أن دار الرباب تباعَدَتْ ... أو انْبَتَّ حبلٌ أن قَلْبكَ طائِرٌ** بخلاف الوجه الأول فإن الهمزة فيه بزنة الساكن لا بزنة المتحرك ولذلك قال الناظم «وَيُبْدَلُ ... مَدًّا» وأراد الاستفهام الهمزة خاصة وقد ظهر من هنا ومما تقدم أن سائر الهمزات في الأفعال والأسماء والمتقدمة لا تثبتُ مع استفهام ولا غيره بل تقول أسْتَعْلَم زيد عمرًا؟ وأبنُك أكرمُ أم ابن زيدٍ؟ وفي التنزيل الكريم ﴿أصْطَفى البنات على البنين﴾ وذلك على الأصل إذ لا حاجة إلى إثباتها لحصول الفرق بين الاستفهام والخبر لأنَّ الهمزة في الخبر مكسورة فتقول [٥١١]

стр. 4978

اِبنُك أفضلُ من فلان واِستعْلم زيد عمرًا. وفي الاستفهام مفتوحة كما تقدم فلا لبس بخلاف همزة أل فإنها لما فُتحت لم يظهر فرق بين الاستفهام والخبر فإذا قلت الرجل عند فلان والغلام في الدار لم يتبين للمخاطب معنى كلامِك فتركوا الهمزة وأثبتوها ليحصل الفرق ويزول اللبسُ لكن على غير صورتها الأولى ليزول قُبحُ اللفظ إذ لو بقيت على حالها لكانت همزةُ الوصل في ظاهر الحال مع وصلِ اللام بما قبلها على حالها دون وصلها بما قبلها وذلك قبيحٌ فغيروها عن لفظها الأول ليخفى موضعها وكان ذلك بأحد الوجهين إلا أنّ تقديم الناظم للإبدال مشعرٌ بأولويته عنده وذلك صحيح في النقل والقياس أما في النقل فلأنَّ الأشهر عند القراء الإبدال وبه يقرأ هؤلاء المتأخرون وبه أخذ علينا شيوخُنا للقراء السبعة وأما في القياس فإنَّ الأولى حين أرادوا أن يهربوا من قُبحِ اللفظ بالهمزة أن يبلغوا بها أقصى ما يمكن من التغيير حتى تصير كأنها غيرها ولا يكون ذلك إلا مع الإبدال ولذلك انقلبت إلى السكون بعد التحريك بخلاف التسهيل بينَ بينَ فإن الهمزة معه باقيةٌ على قوتها وعلى زِنَةِ أصلها ومعاملةٌ معاملة المحققة فلم يزُلْ قُبحُ اللفظ بذلك كل الزوال مع أن التسهيل أيضا وجهه ظاهر كما تقدم وههنا مسألة تتعلَّقُ بمحلِّ الإبدال والتسهيل وذلك أنَّ قوله «هَمْزُ أَلْ كَذَا» يحتمل أن يكون مستأنفا مما تقدم كأنه قال وهمزُ أل حكمه ذلك [٥١٢]

стр. 4979

الحكم ثم ذكر فيه الإبدال والتسهيل مع همزة الاستفهام فيكون الإبدال والتسهيل لم يحكم به إلا على همزة أل وحدها وعلى هذا التقرير جرى تفسيرُ كلامه فيما تقدم وهو الذي ذكره كثير من النحويين إذ لم يتعرضوا لهمزة ايمُن في هذا الحكم بل ظاهر قولهم فيها أن حكمها حكمها حكم همزة ابنٍ واسمٍ وغيرهما من سقوطها مع همزة الاستفهام فتقول أيمُن** الله ما يُحلَف به؟ كما تقول أَبنُك قائمٌ أم ابن فلان؟ ولا شك أن هذا الوجه يُلقى فيه على لغة من فتح الهمزة اللبسُ الذي يُلقى في همزة أل ولكن يكون الناظم تابعا لغيره في هذا المعنى ويحتمل أن يكون قوله «هَمْزُ أَلْ كَذَا» غير مُستأنفٍ وحدَه بل مع ايمُن كأنه قال وهمزُ أيمُن** وهمزُ أل كذلك في الحكم أيضا من كونه همز وصل ولذلك قال قبله «وَتَأْنِيثٍ تَبِعْ» ولم يذكره مع ما تقدم كما ذكر ابنًا واستا وإن كان لا يتبعهما تأنيث فيكون قوله بعد ذلك «وَيُبْدَلُ مَدًّا» إلى آخره راجعا إلى همزهما معا أي ويُبدَل همزُ أيمُن** وهمز أل مدا في الاستفهام أو يُسهَّل وذلك أنّ «أيمن**» الأفصح فيه فتحُ الهمزة وقد تكسر فإذا كُسرت جرى الاسم مجرى ابن واسم وأخواتهما وإذا فتحت جرت مجرى أل في إثبات الهمزة للفرق المذكور فتقول على الإبدال آيمن** الله ما يُحلف به؟ وعلى التسهيل أَايمن** الله ما يُحلف به؟ وجعل الفارسي هذا في الإيضاح قياسا على أل* فقال «حكم التي في أيمُن** في [٥١٣]

стр. 4980

القسم حكمها في القياس» يعني في إثبات الهمزة مع الاستفهام فجعل ذلك قياسا ولم يلتزم فيه السماع فيظهر أنه لم يأخذ كلام سيبويه على أنه نصٌّ على هذه المسألة وذلك أنَّ سيبويه تكلم على فتح همزة أل وأنَّ ذلك للفرق بينها وبين التي في الأفعال والأسماء ثم قال «وصارت في ألف الاستفهام إذا كانت قبلها لا تحذف» ومضى في تمام التعليل ثم قال «ومثلها من ألفات الوصل الألف التي في أيمُ** وأيمُنُ**» ثم تكلم على فتحها وعلى كونها ألف وصل ولم يتعرض لحكم الإثبات والحذف فيها ونحو هذه العبارة ذكر في آخر أبوبا ما لا ينصرف في باب إرادة اللفظ بالحرف الواحد فظاهر هذا أنه لم يتكلم على حكمها مع الاستفهام وعلى هذا الظاهر جرى السيرافي وابن خروف من أنهما إنما فسر كلامه بأنها مثل همزة أل في كونها موصولة وكونها مفتوحة ولم يتكلما على إثباتها مع الاستفهام فظهر أن هذا قياسٌ من الفارسي لا نص من سيبويه فيه ودل على ذلك قوله «في القياس» إذ ليس في كلام سيبويه ما يُشعر بأنه لا سماع فيه وقياسُ الفارسي صحيح كما قاسوا فتح همزته على همزة أل لكونه لم يتمكن في بابه تمكن الأسماء ولم يستعمل إلا في موضع واحد وهو القسم فكذلك قاس الفارسي فيه الحكم الآخر وقد حمل ابن الضائع قول سيبويه «ومثلها من ألفات الوصل الألف التي في أيمن**» على أنه يريد ما ذكره الفارسي من قياس الإثبات وعلى كلِّ [٥١٤]

стр. 4981

تقدير فيكون الناظم على هذا قد نبَّه على ما نبّهوا عليه من ثبوت الهمزة في أيمن** مع ألف الاستفهام وعبارتُه في التسهيل مشعرةٌ بهذا المقصد إذا قال «لا تثبت همزة الوصل غير مبدوءٍ بها إلا في ضرورة ما لم تكن مفتوحة تلي همزة استفهام فتبدل ألِفًا أو تسهل» فهذه العبارة تشمل بعمومها همة أيمن** لكنه لم ينبه في الشرح إلا على همزة أل* خاصة وفي إطلاق الناظم لفظ الاستفهام إيهامٌ ما إذ كان للاستفهام أدوات كثيرة من جملتها الهمزة وهي المرادةَ بلا شك إلا أنه لم يبين ذلك فيوهم أنه يريد الهمزة وسائر الأدوات وذلك فاسدٌ إذ لا موجب لإثبات همزة الوصل مع هل أو غيرها فكان من حقه أن يحرر العبارة فيقول مثلا اَيمُنُ** هَمْزُ أَلْ كَذَا وَيُبْدَلُ ... مَعْ هَمْزِ الاسْتِفْهامِ أَوْ يُسَهَّلُ أو نحو هذا فلا يبقى عليه اعتراضٌ. ولما أتم الكلام على فَصْلِ الزِّيادة أخذ في الكلام على الإبدال فقال: [٥١٥]

стр. 4982

فهرس موضوعات الجزء الثامن الموضوع الصفحة الوقف ....... ٥ الإمالة ....... ١٢٩ التصريف ....... ٢١٨ فصل في زيادة همزة الوصل ....... ٤٧٤ [٥١٦]

стр. 4983

الإبدال أحرف الابدال هدأت موطيا ... فأبدل الهمزة من واو ويا آخرا اثر ألف زيد وفي ... فاعل ما أعل عينا ذا اقتفي ولا بد قبل الكلام على هذه الحروف التي ابتدأ بذكرها أن يذكر معنى الإبدال وحقيقته، وهو في الأصل بمعنى تنحية الشيء وجعل غيره في موضعه بدلا منه، وهذا بخلاف القلب، فإنه تصيير الشيء على خلاف ما كان عليه ونقله من صورة إلى صورة، فالقلب حكم يجري في الشيء نفسه، كقولك: قلبتُ هذه الصحيفة البيضاء إلى جهتها الأخرى التي هي حمراء، فاختلف الحكمان معا على شيء واحد، والإبدال يجري في الشيئين لا في شيء واحد؛ لأنك تقول: أبدلت هذه الصحيفة بصحيفة أخرى، إذا أزلت الأولى وجعلت في موضعها ثانية، هذا أصل المعنى فيهما، ثم نقلوا ذلك إلى الحروف على ما أذكره لك. وذلك أن من الحروف متقاربة ومتباعدة، أعني التقارب والتباعد في المخارج والصفات، فأما الحروف المتباعدة فلا يقع فيها قلبٌ ولا إبدال، أي: لا تقلب الحرف حرفا متباعدا من أصله ولا يبدل أيضا من متباعد منه، وإنما يكون ذلك

стр. 4984

في الحروف المتقاربة، ولذلك لم يدَّع البصريون في نحو حثحث أن الحاء الثانية مبدلة من ثاء حثَّث، لتباعد ما بينهما، وقد مر ذلك. والمتقاربة على مراتب، منها حروف يقرب بعضها من بعض من وجوه كثيرة، ومنها (حروف) يقرب بعضها من بعض من وجوه قليلة، فالأول يجري (فيه) الحرفان عندهم لشدة التقارب مجرى الحرف الواحد، بخلاف الثاني فحروف العلة قريب بعضها من بعض جدا، فأطلق على تحول بعضها إلى بعض قلبا، كما تقول في قام: أصله قَوَمَ، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وفي قِيلَ: أصله قُوِل، فقلبت الواو فيه إلى الياء لعلة كذا؛ لأنهما كأنهما شيء واحد. فإذا قلت: اتصل أو ادَّكر، فالعمل الحاصل (فيهما) من جعل التاء عوض الواو، والدال عوض الذال أو التاء سمي بدلا؛ لأنهما لما تباعدا شيئا عدا شيئين مختلفين. وأما التعويض فهو أعم من هذا، فقد يكون في الحروف المتباعدة والمتقاربة، ولذلك لا يلزم أن يقع العوض في موضع المعوض منه، كتعويض الياء قبل آخر المكسر والمصغر عوضا من محذوف ونحو ذلك، فقد ظهر الفرق بينهما.

стр. 4985

وأصل هذا التقرير في القلب والإبدال للرماني، ولابن جني تفرقة أيضا بين العوض والبدل ذكره في التعاقب وغيره. وقد يوقع النحويون أحد اللفظين مكان الآخر، ولا مشاحة في الإطلاق إذا فهم المراد، فإن الناظم قد يطلق لفظ الإبدال في موضع لفظ القلب، وبالعكس، فلا اعتراض عليه فيه. وإذا تقرر معنى الإبدال فقوله: (أحرف الابدال هدأت موطيا) يريد أن الأحرف التي (يكون) لها هذا الحكم هي المجموعة في هذا الكلام، وهو قولك: هدأت موطيا، وهي تسعة أحرف: الهاء والدال والهمزة والتاء والميم والواو والطاء والياء والألف. وهي حروف الزيادة ما عدا السين واللام والنون، وزاد عليها الطاء والدال. ثم يتعلق بهذا الكلام مسائل: إحداها: أنه لا يريد أن هذه هي حروف الإبدال على الإطلاق، فإن ثم حروفا أخر زيدت في حروف الإبدال، كالجيم والصاد والزاي ونحوها، إلا أنه اقتصر على التسعة منها لأنها المطردة في الإبدال، كما أنه لما تكلم على حروف الزيادة ثم ذكر مواضعها لم يأت منها إلا بمواضع الاطراد، ولأجل ذلك قسمها في التسهيل قسمين وجمعها جمعين فقال: (يجمع حروف البدل الشائع في غير إدغام (قولك): لجد صرف شكس آمنٍ طي ثوب عزيه)) فأتى بحروف البدل الكثير الوقوع في كلام العرب مطردا كان أو غير مطرد، لكنه شرط

стр. 4986

الشياع، ثم قال: (والضروري منه في التصريف هجاء: طويت دائما) فأتى بالقسم الضروري المطرد، وهو الجاري في مسائل التصريف، والذي جرى فيه القياس. وإلى هذا القسم الثاني نحو هنا، إذ عليه تكلم، وإياه بسط في هذا النظم. وهدأت معناه: سكنت، وموطيا: اسم فاعل من أوطأت الرجل إذا جعلته وطيئا، إلا أنه خفف همزته بإبدالها ياء لانفتاحها وانكسار ما قبلها. كذا قال ابن الناظم. وقد أتى الناس بحروف البدل أكثر مما أتى به هنا، فأتى بها سيبويه أحد عشر حرفا، يجمعها قولك: أجد طويت منها. وذكر بعد اللام فضمت إلى الأخر، فجمعت هكذا: أجد طويت منهلا. وجمعها بعضهم: طال يوم أنجدته. وزاد إليها الرماني حرفين، وهما الصاد والزاي، ويجمعها: طال يوم صد أنجزته، وهي على ما جمعها في التسهيل اثنان وعشرون حرفا، واقتضى كلامه فيها ما هو أعم من ذلك، وهو حروف البدل على أعم من أن يكون شائعا أو غير شائع، وذلك الحروف كلها، لا يستثنى منها شيء، ومن تتبع ذلك وجده، وقد استوفاها (ابن جني) إلا النادر، فعليك بذلك في سر الصناعة.

стр. 4987

المسألة الثانية: أن حروف الإبدال قد يمكن أن يكون أراد بها الحروف التي تبدل من غيرها ويبدل غيرها منها، فيريد الحروف التي يقع فيها الإبدال من كلا طرفيه، فالألف تبدل من غيرها، ويبدل غيرها منها، والهمزة كذلك، والواو والياء، وما سوى ذلك. وقد يمكن أن يريد ما يكون بدلا من غيره مطلقا، كان بعد ذلك مبدلا منه أو لا. وهذا الثاني هو المتعين، إذ ليس مقصوده النظر في المبدل منه؛ لأنه قد يكون هو الأصل، وهو الشائع في البدل أن يكون من أصل كقام وما أشبهه، فإن الألف فيه بدل من واو هي الأصل، فما فائدة التعرض لكون الواو هي المبدل منها. وقد يكون المبدل منه غير أصل، كياء ملهى التي انقلبت منها الألف، لكن ليس المقصود منها كونها مبدلا منها، وإنما المقصود كون الألف بدلا منها، فلا تعرض لغير هذا. فإن قيل: ما الدليل على هذا من اللفظ؟ فالجواب: إنه لا دليل عليه من لفظه، وإنما أطلق العبارة اتكالا على فهم المراد؛ إذ لا كلام في الحرف إذا كان على أصله إلا من حيث يخلفه غيره، فالنظر في ذلك الخَلَف - وهو العارض- هو الذي يُقصد مثله، وإن قصد المبدل منه فبالقصد الثاني، من حيث تعيينُ الذي أبدل هذا منه فقط. المسألة الثالثة: فيما يمكن أن يعترض على عبارته به، والاعتراض عليه من أوجه: أحدها: أن قصده هنا بحصر حروف الإبدال إما أن يكون لحصر الحروف المطردة الإبدال دون المشهورة من غير اطراد، والنادرة، أو يكون

стр. 4988

على أعم من ذلك، وهذا الثاني لا يمكن كما تقدم قبل هذا، لكن كلامه لم يتقيد بذلك، بل هو مطلق يصلح للقياسي وغيره، وإذا قلنا إنه يريد الأول فإذ ذاك نقول: ثم حروف أخر يكون الإبدال فيها قياسيا، وذلك الصاد والزاي والنون (والصاد) تبدل من السين إذا وقع بعدها قاف أو غين أو خاء أو طاء في كلمة واحدة، نحو: صُقت في سقت، وصملق في سملق، وصالح في سالح، وصاطع في ساطع، ومن هذا قراءة من قرأ: ﴿الصراط﴾ بالصاد، في قراءة غير قنبل وحمزة. وذلك لأن هذه الحروف مستعلية، والسين مستفلة، فأرادوا أن يكون العمل فيها من وجه واحد، فأبدلوا الصاد من السين لذلك، والزاي أيضا تبدل من السين قياسا إذا سكنت وبعدها الدال في نحو: يُسْدل، تقول: يزدل، وفي يسدر: يزدر، وكأنهم كرهوا اجتماع السين والدال، لما بينهما من المقاربة في المخرج مع التباعد في الصفات، فأبدلوا من السين حرفا يقرب من الدال، وهو الزاي، إذ كلاهما مجهور وغير مطبق، وكذلك الصاد تبدل زايا أيضا، قال سيبويه: (وسمعنا العرب الفصحاء يخلصونها -يعني الصاد- زايا)، يريد في نحو: يصدر، والتصدير، ونحو ذلك. والنون أيضا تبدل الألف منها في الوقف إذا قلت في اضربَنْ: اضربا، فتبدلها ألفا. وقد

стр. 4989

تقدم له ذلك، فهي إذًا من حروف الإبدال المطردة، ولم يذكره هنا، وكذلك أبدلت الألف من التنوين، والتنوين نون، وقد ذكر ذلك أيضا. ولعل من يتتبع حروف البدل يجد فيها من هذا النوع القياسي أشياء، فليست إذًا حروف البدل القياسي بمنحصرة في هذا العدد. والثاني: إنه [أنه] حين عزم على جمع حروف البدل المقيس كان يقتصر على ما قاله في التسهيل من هجاء (طويت دائما)، فأتى بثمانية أحرف وترك الهاء، لأن إبدالها غير قياسي في بدلها وفي البدل منها، أما البدل منها فأبدل منها الياء كقولهم في: دهدهت الحجر: دهديت، وقالوا: صهصيت بالرجل، إذا قلت له: صه، صه. وأصله: صهصهت. وأبدل منها الهمزة في آل، وأصله: أهل، فأبدل من الهاء الهمزة (فصار) أأل، ثم أبدل الهمزة ألفا لاجتماع الهمزتين على ما يجب في تسهيل الثانية هكذا قالوا. ومن ذلك ماء، أصله موه، فقلبت الواو ألفا، وأبدلت الهاء همزة، فصار ماء. وقالوا: أمواء، فأبدلوا أيضا، والأصل

стр. 4990

أمواه، وأنشد ابن جني، عن أبي علي: وبلدة قالصة أمواؤها ... تستن في رأد الضحى أفياؤها وأما بدلها فمن الهمزة، نحو هياك في إياك، أنشد الأخفش: فهياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده أعيت عليك مصادره (وقال ابن جني): وطيء تقول: هِنْ فعَلَ، يريدون: إن فعل، وقال: لهنك قائم، والأصل: لأنك، قال: ألا يا سنا برق على قلل الحمى ... لهنك من برق علي كريمُ وقالوا: هيا زيد، يريدون: أيا زيد، قال ابن جني: قرأت على الفارسي

стр. 4991

فانصرفت وهي حصان مغضبة ... ورفعت بصوتها: هيا أبهْ قال ابن السكيت: يريد أيا أبه. قال: وهو قريب؛ لأن أيا أكثر من هيا، وقالوا: هَمَا والله، في: أما والله لقد كان كذا، وقال: هراق، وهنار الثوب، وهراح الدابة، والأصل: أراق، وأنار، وأراح. وقالوا: هزيد منطلق؟ يريدون: أزيد؟ وأنشد الأخفش: وأتى صواحبُها فقلن: هذا الذي ... منح المودة غيرنا وجفانا وحكى اللحياني: هردت الشيء أهريده، يريد: أردته. وأبدلت أيضا من الألف، كقوله: أنشده ابن جني: قد وردت من أمكنه ... من ههنا ومن هنه إن لم أروِّها فمه؟ أراد: ومن هنا. وأما (فمه) فيمكن أيضا أن يكون من هذا، أي: فما أصنع؟ أو نحو هذا.

стр. 4992

وأبدلت أيضا من الياء في قولهم: هذي، قالوا في الوقف: هذه، بالهاء. ومنهم من يبدل وصلا ووقفا. وقالوا في تصغير هَنَة: هنيهة، والأصل الواو، لبيت سيبويه: على هنوات شأنها متتايع وأبدلت أيضا من الواو، قال ابن جني: أبدلوها في حرف واحد، وهو قول امرئ القيس: وقد رابني قولها: يا هنا ... هُ ويحك ألحقت شرا بشر فالأصل: هناو، لأن لام الكلمة واو، فأبدلوا الهاء من الواو. كذا قال أصحابنا. قال: ولو قيل: إن الواو قلبت ألفا، ثم أبدلت الهاء منها لكان قولا قويا، فتكون الهاء كالهمزة في كساء، في أنها بدل من الألف المبدل من الواو، وهو أشبه من قلب الواو في أول أحوالها هاء؛ لأن الواو إنما اطرد قلبها ألفا في هذا الموضع، وأيضا فقلن [فقلب] الألف هاء أقرب من قلب الواو لبعدهما. فأنت ترى أن الهاء إنما أبدلت أو أبدل منها في مواضع مسموعة غير مقيسة، أو في لغات ضعيفة لا يعتد بمثلها في هذا النظم، فلم ذكر الهاء هنا؟

стр. 4993

فإن قلت: إنما ذكرها لموضع فيها قياسي، وهو إبدالها من تاء التأنيث في الوقف، وقد تقدم فمن أجل ذلك عدها في حروف البدل. فالجواب: أن ذلك مختص بالوقف، فله بابه، ولذلك لم يذكر الهاء في التسهيل في هجاء (طويت دائما) وأيضا فكان يلزمه أن يذكر هنا النون؛ لأنها تبدل في الوقف ألفا، وذلك نون التنوين، ونون التوكيد الخفيفة، وقد تقدم ذكرهما في بابهما، لكنه لم يفعل ذلك، فأحد الأمرين يلزمه، إما ترك ذكر الهاء، وإما ذكر النون. والثالث: أن البدل على قسمين: أحدهما: أن يكون بسبب الإدغام، والثاني: ألا يكون كذلك، فأما الثاني فهو الذي أراد النحويون الكلام عليه ههنا، وأما الأول فلم يقصدوه هنا، وإنما باب ذكره الإدغام، وأيضا فهو يكون في الحروف كلها إلا في الألف. وكلام الناظم لم يتقيد بما قصدوه هنا دون الآخر، فاقتضى أن حروف البدل هذه التسعة كان ذلك في إدغام أو في غير إدغام، وذلك غير صحيح باتفاق، وقد تحرز من هذا في التسهيل حيث قال: يجمع حروف البدل الشائع في غير إدغام كذا. فأخرج البدل للإدغام، وذلك يكون في إدغام المتقاربين، كما تقول في اذبح خروفا: اذبح خروفا [اذبخ خروفا] فتبدل الحاء خاء؛ لأجل إدغامها في

стр. 4994

الخاء، إذ لا يمكن الإدغام مع بقاء الأول حاء. وكذلك سائر (الحروف) المتقاربة في الإدغام. فإن قلت: فقد ذكروا الإدغام للإبدال ههنا أيضا، وذلك في نحو قولهم: اتسق، واتعد، واتزن، وكذلك: اطلع، واطرد، إذ أصلها: ايتعد من الوعد، وايتزن من الوزن، وايتسق من مادة: وس ق، وكذلك اطلع أصله: اطتلع، و (اطرد أصله) اطترد)، من طلع وطرد، لكن وقع الإبدال في حرف العلة وفي التاء، ثم وقع الإدغام، وكذلك (ما أشبهه مما ذكروا فيه الإبدال بلا شك، وليس بقليل ولا غير مطرد، بل قاسوه، وذكره الناظم معهم، وإذا كان كذلك لم ينبغ أن يقيده بإخراج الإبدال في الإدغام، إذ يخرج عن حروف الإبدال بهذا التقرير الطاء والتاء، فإن الشائع في إبدالها لما يدغم، لكنهم أدخلوا في الإبدال هذا النوع، فالاحتراز منه على الإطلاق لا يصح. فالجواب: أن) هذا القبيل لم يقع الإبدال فيه للإدغام أصلا، ولربما وقع فيه الإبدال لعلة أخرى، كما يقال في ايتعد ونحوه: لما ثقل عليهم ذلك لأجل تلاعب الحركات به في ايتعد، وياتعد، وموتعد، فتارة

стр. 4995

يصير ألفا، وتارة واوا، وتارة ياء، أرادوا أن يبدلوا منه حرفا جلدا يبقى على حالة واحدة مع اختلاف الحركات، فأبدلوه تاء، ثم أدغموا لضرورة اجتماع المثلين، فهو من قبيل اجتماع المثلين لا من قبيل إدغام المتقاربين. على هذا النحو جرى الحكم في اطرد واطلع ونحوه، وذلك أنه من باب اضطلع واصطبر، لما أرادوا تقريب التاء لانسفالها من حروف الاستعلاء، أبدلوها طاء، فحين لم تلق الطاء المبدلة طاء أخرى بقي الأمر على (حاله) كاصبطر [كاصطبر] واضطرب، ولما لقيت طاء ألزم الإدغام بحكم الاتفاق ولم يقصد إلى إبدال التاء طاء لأجل كون ما قبلها طاء، فالقصد التقريب لا الإدغام. وستأتي الإشارة إلى هذا في موضعه إن شاء الله تعالى. فإذًا القيد المذكور معترض به على الناظم، وهو قوله: (في غير إدغام) إذ لا بد منه، إذ معناه في غير قصد الإدغام، وههنا لم يقصد الإدغام، وإنما أدى إليه الحكم. والجواب عن الاعتراض الأول: أن كلامه إنما هو في الإبدال المطرد؛ لأن النحوي لا كلام له في الأمور السماعية إلا بالعرض، والمقصود بالذات هو ما تعلق به القياس، وإذا كان كذلك فليس إلا ما ذكر. وما اعتُرض به من إبدال السين صادا أو زايا ليس بالكثير، وإنما يكون ذلك في لغة قليلة، ولذلك حين بوَّب سيبويه على ذلك قال: هذا باب ما تقلب فيه السين صادا في بعض اللغات

стр. 4996

وكذلك قال هو وغيره في إبدال الزاي منها، فلما كان ذلك قليلا بالنسبة إلى اللغة الشهيرة لم يعتن بذكره. فالحاصل من هذا أن ما خرج عن عقده فإما سماع، وإما لغات قليلة، وأما النون فقد دخلت له تحت ذكره الألف والميم؛ لأن الميم تبدل من النون، فالميم هي التي أخذت هذا الحكم، فلم يحتج إلى ذكر النون. وكذلك الألف مع نون التوكيد والتنوين، فلم يخرج له شيء من ذلك عن كلامه، وأما إبدال الألف منها فقد ذكر ذلك في مواضعه، فلا اعتراض عليه. والجواب عن الثاني: أن الهاء إنما ذكرها لأجل إبدالها القياسي في الوقف، ولم يتعرض هنا في التفصيل لذكرها؛ لأنه كان يكون تكرارا حين تقدم له ذكر ذلك. وكلامه في التسهيل أولى بالاعتراض؛ إذ يقتضي كلامه أن الإبدال في الهاء ليس من قبيل المطرد، إذ أدخلها في حروف البدل الشائع وأخرجها من المطرد. فإن أجيب عن كلامه في التسهيل لزمه الاعتراض هنا، فإن الوجه الذي لأجله ذكرها في المطرد ينقض عليه ذكرها هنا. فالحاصل أنه لا بد من ورود النقد عليه في أحد الكتابين، إلا أن قال: إنه لحظ في أحد الموضعين غير ما لحظ في الآخر، حتى يمكن الجمع بين اللحظين، فحينئذ يرتفع النقد جملة. وبيان ذلك أنه قصد هنا -كما تقدم- بيان حروف البدل المطرد، ولا شك أن الهاء مما يطرد إبداله في موضع تقدم له ذكره فيه، وأما قصده في التسهيل فأمر آخر مضموم إلى

стр. 4997

الاطراد، وهو كونه من ضروريات (باب) التصريف وهو معنى قوله: والضروري في التصريف هجاء: طويت دائما) ولم يقل: (والمطرد) من ذلك هجاء كذا، فدل على أن مقصوده: ذكر الحروف التي يجتمع فيها الاطراد والاختصاص بباب التصريف، (ولا شك أن الإبدال المطرد في الهاء ليس من ضروريات باب التصريف) بل من ضروريات باب الوقف. وقد ذكر ذلك في الوقف، ولم يذكره في التصريف كما فعل هنا، فإذا كان كذلك ثبت أن إسقاط الهاء من الضروري لقصد نص عليه ليس الاطراد وحده، بخلاف ما قصد (هنا) فإنه لم يرد إلا مجرد الاطراد خاصة، فاستقام الكلامان، وظهر قصده في الموضعين. وهذا من منازعه المعدودة في المقاصد الحسان، والله أعلم. والجواب عن الثالث: أن اصطلاح أهل التصريف استمر في حروف الإبدال على أحد القسمين، وهو الذي ليس للإدغام، فلا تسمع حروف الإدغام تطلق إلا على ما لا يضطر فيه الإدغام إلى الإبدال، ولا شك أن هذا هو مقصد الناظم، فلم يحتج إلى بيانه لسبق الفهم إليه، وإنما بين ذلك في التسهيل توكيدا لما اصطلحوا عليه، فلا ضير في تركه. ثم أخذ في تفصيل مواضع هذه الحروف في الإبدال، فابتدأ بالهمزة فقال: (فأبدل الهمزة من واو ويا، آخرا اثر ألف زيد) فقرر أن هذا الإبدال في الهمزة الذي يذكره لازم إذ لم يخير فيه، بل حتم الحكم به، وهذا صحيح

стр. 4998

كما سيتبين لك [إن] شاء الله تعالى، ويعني أن الهمزة تبدل لزوما من كل واو وكل ياء كانا على هذه الأوصاف المذكورة، وهي كونهما آخرا إثر ألف زيد، وهي ثلاثة: أحدها: كون الواو والياء آخرا، يريد آخر الكلمة، فإنهما إذا كانتا كذلك حصل لها الحكم المذكور، وهو القلب همزة، فإن لم تقعا طرفا بل وقعتا وسطا أو أولا، فذلك الإبدال اللازم غير محكوم به بمقتضى مفهوم كلامه، فالمعاينة والمقاومة ونحوهما تصح فيهما الياء والواو لعدم وقوعهما آخرا؛ لأن العلة التي لأجلها يقع الإعلال مفقودة في غير الآخر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقوله: (آخرا) يحتمل أن يكون منصوبا على الحال من الواو والياء وإن كانا نكرتين، لكنه قليل. وكان حقه إذ ذاك أن يقول: آخرين؛ لأنه حال منهما. ويحتمل أن يكون آخرا (إنما) انتصب على الظرف، والعامل فيه اسم فاعل، وهو صفة الواو والياء، كأنه قال: من واو وياء كائنتين في الآخر. وهو الأجود، أو حال (منهما)، وهو جيد أيضا. ويكون (قوله): (إثر ألف) بدلا من (آخر) على أنه صفة أو حال كما تقدم. والثاني: أن يكون الواو أو الياء إثر ألف كما قال، فإذا كانت كذلك ثبت حكم القلب همزة، فإن لم يكن كذلك فمفهومه ألا تقلب همزة وإن كانت

стр. 4999

آخرًا / نحو: رمى ودعا، إذ أصله رَمَيَ ودَعَوَ، فانقلبتا ألفا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، ولا يجوز أن تقلبا همزة، إذ لا موجب لذلك. وكذلك الأدلي في جمع دلو، والأجري في جمع جرو، وأصله: أدلِوٌ وأجرِوٌ، فقلبوها ياء ولم يلبوها همزة. والثالث: أن تكون تلك الألف الواقعة قبل الواو أو الياء زائدة، وذلك قوله: (إثر ألف زيد)، فزيد في موضع صفة لألف، أي ألف زائد، فلو كانت الألف أصلية أي منقلبة عن أصل، لم تقلب همزة، وإن وقعت آخرا، كقولك: آي، وزاي، وآية، وطاية، وراية، وراي، قال العجاج: رايٌ إذا أورده الطعنُ صَدَرْ وكذلك ما أشبه هذا؛ إذ أصلا لألف فيها الواو، وبهذا يحكم عليها قياسا إلا أن يرد اشتقاق أو غيره كما في آية؛ لأن اللام إذا كانت ياء حكم على العين بأنها واو؛ لأن باب طويت وشويت ورويت واسع جدا، بخلاف باب حييت وعييت فإنه قليل. وكذلك (واو) لم يُعلُّو [يعلوا] آخره لأن الألف منقلبة عن أصل وهو الواو أو الياء، على اختلافهم في ذلك، وكذلك إذا بنيت من الرمي مثل جحمرش فقلت: رميايٌ، لم تقلب الياء همزة؛ لأن الألف منقلبة عن الياء الثانية المقابلة لراء جحمرش، وإنما صحت الواو

стр. 5000

والياء لأنهما وقعتا موقع اللام، وهم قد أعلوا العين، فلم يكونوا ليجمعوا على الكلمة إعلالين، وذلك أن هذه الأحرف خارجة عن القياس، لأن سبيلها في القياس أن تصح العين وتعل اللام، فيقال: أيًا، وروًى، وأياة، وطواة، ورواة، كما قالوا: نواة وشواة، لكنهم أعلوا العين فامتنعوا من إعلال اللام لذلك. وما جاء على خلاف هذا فهو شاذ غير مقيس، نحو: باء، وتاء، وثاء، وحاء، وخاء، وسائر حروف الهجاء التي على هذا النوع. وشذ في راية راءة، حكاه سيبويه. ومن هنالك قرر الفارسي في بعض مجالس إقرائه الحكم في باء وتاء وثاء وغيرها مما اعتل فيه العين واللام (من حروف الهجاء، فقال له بعض حاضري المجلس، وكان فتى يعرف بالبوراني: أفيجمع على الكلمة إعلال العين واللام)؟ ! فقال أبو علي قد جاء من (ذلك) أحرف ساكنة فيكون هذا منها، ذكر ابن جني تلك الأحرف المشار إليها في سر الصناعة. فالحاصل أن الكلمة إذا اعتلت لم تعل لامها، إلا أن يجيء شيء فيحفظ، ولذلك حكم على آءة ونحوها أن اللام منها همزة ليس ببدل عن شيء تحاميا من القول بإعلال العين واللام. وهذا كله لم ينشأ إلا من أصالة الألف التي قبل الواو والياء. فلو كانت زائدة كما قال لم يكن في الكلمة إذا قلبت

стр. 5001

الياء والواو همزة إلا إعلال واحد فيؤتى به، فتبدل الواو في ذوات الواو، والياء في ذوات الياء همزة لاجتماع ثلاثة الشروط التي ذكر، نحو قضاء من قضيت، وعطاء من عطوت، وسقاء من سقيت، وكساء من كسوت، ورداء من الردية. وكذلك علباء من علبيت السقاء، وغُزَّاء وعداء من غزا يغزو وعدا يعدو، وكذلك ما أشبهه. وما جاء على خلاف ذلك فشاذ محله الضرورة، نحو ما أنشده المازني: ولاعب بالعشي بني أبيه ... كفعل الهر يحرش [يحترش] العظايا فأبعده (الإله) ولا يؤبِّي ... ولا يشفى من المرض الشفايا أراد: العظاء والشفاء فتركه على الأصل، وأول الشعر على ما قاله ابن جني:

стр. 5002

إذا ما الشيخ (صم) ولم (يكلم) ... ولم يك سمعه إلا ندايا وأنشد ابن جني قول الراجز: أهبى التراب فوقه إهبايا وقول الآخر: عشية أقبلت من كل أوب ... كنانة عاقدين لهم لوايا وكأنهم شبهوا ألف الإطلاق للزومها القافية بتاء التأنيث، من حيث لزم فتحُ ما قبلهما، وكانتا زائدتين، ولذلك لم (يأت) هذا إلا في موضع (النصب). هذا بيان كلامه إلى غاية ما قصد فيه، لكنه ظاهر بل صريح بأن الهمزة مبدلة من الواو والياء من غير توسط عمل بين ذلك، وهو يظهر من كلام كثير من النحويين، إذ يقولون في مثل هذا: هذه الواو والياء وقعت طرفا بعد ألف زائدة فوجب قلبها همزة. وعليه كلامه في التسهيل. والذي يذهب إليه ابن جني، ونص عليه المازني في تصريفه أن الأصل في قضاء وسقاء ونحوهما: قضاي وسقاي. وفي

стр. 5003

نحو كساء وعلاء: كساوٌ وعلاو، فلما وقعت الياء والواو طرفين بعد ألف زائدة ضعفتا لتطرفهما ووقوعهما بعد الألف الزائدة المشبهة للفتحة في زيادتها، فكما قلبت الياء [والواو] ألفين لتحركمها وانفتاح ما قبلهما في نحو: عصا ورحا، كذلك قلبتا أيضا ألفا لترفهما وضعفهما، وكون ألف زائدة قبلهما في نحو كساء ورداء، فصار التقدير: قضاا، وسقاا، وكساا وعلاا، فلما التقى ساكنان لم يكن بد من أحد أمرين، إما أن يحذفوا أحدهما فيعود الممدود مقصورا، وهذا مكروه؛ لأنه نقض لغرض من المد، وإما أن يحركوا الألف الثانية، وإذا حركوا فإما أن يردوها إلى أصلها ليتحرك؛ لأن الألف في نفسها لا تقبل الحركة، وذلك أيضا مكروه؛ لأنه رجوع إلى ما رُفض، وإما أن يقلبوها همزة، وهذه عادتهم إذا أرادوا تحريك الألف أبدلوها همزة، نحو قراءة أيوب السختياني: ﴿ولا الضألين﴾، وحكى أبو زيد في كتاب الهمز: شأبة ودأبة، وأنشدوا: يا عجبا لقد رأيت عجبا ... حمار قبان يسوق أرنبا خاطمها زأمَّها أن تذهبا إلى أشياء من هذا النحو، وذلك أن الهمزة أقرب الحروف إلى الألف، فقلبوها إليها لتقبل الحركة فصارت: قضاء، وسقاء، وكساء، وعلاء. قال ابن جني: فالهمزة في الحقيقة إنما هي بدل من الألف، والألف التي أبدلت

стр. 5004

الهمزة عنها بدل من الياء والواو، لكن النحويين إنما اعتادوا هنا أن يقولوا: إنما الهمزة منقلبة عن ياء واو [وواو] ولم يقولوا: من الألف، لأنهم تجوزوا في ذلك، ولأن تلك الألف التي انقلبت عنه الهمزة هي بدل من الياء أو الواو، فلما كانت بدلا منهما جاز أن يقال: إن الهمزة منقلبة عنهما، وأما (في) الحقيقة فإن الهمزة بدل من الألف المبدلة عن الياء والواو. قال: وهذا مذهب أهل النظر الصحيح في هذه الصناعة، وعليه حذاق أصحابنا فاعرفه. فهذا ما قال، وما اعتذر به عن الفريق الآخر هو العذر للناظم فيما فعل من ذلك، مع أنه لم ينفرد [يتفرد] به، بل هو تابع لغيره، قال سيبويه في باب ما اعتل من الأسماء المعتلة على اعتلال الأفعال: (اعلم أن فاعلا منها مهموز العين، وذلك أنهم يكرهون أن يجيء على الأصل مجيء ما لا يعتل (فعل) منه، ولم يصلوا إلى الإسكان مع الألف، وكرهوا الإسكان والحذف فيه فيلتبس بغيره)، قال: (فهمزوا هذه الواو والياء إذا كانتا معتلتين، وكانتا بعد الألف). فهذا ظاهر منه أن الهمزة مبدلة من الياء والواو لا من الألف، لكنهم حملوا المسألة على ما قرره ابن جني، وبه فسر

стр. 5005

السيرافي كلامه في الكتاب، فلا اعتراض على الناظم في مساق المسألة على ما رأيت؛ إذ كتابه في غاية الاختصار، ولا يليق استيفاء وجه الصناعة على الحقيقة إلا بالمطولات، مع أن ما قال ليس بمنافر للصناعة، إذ يمكن أن تكون الهمزة على حقيقة (ما قال من إبدالها من الياء والواو)، كما أبدلوها من الواو في وُقتت ووشاح وأواصل، ونحو ذلك من المواضع التي يمكن فيها دعوى القلب ألفا ثم همزة. وأيضا فما نص عليه هو الظاهر، والحمل عليه أولى حتى يدعو داع إلى غيره. وقد جعل ابن جني في الخصائص الحمل على الظاهر أصلا وإن أمكن أن يكون على غير ذلك، وأخذ ذلك من سيبويه حين تكلم على سِيد، وأنه من ذوات الياء حملا على ما ظهر، مع إمكان أن يكون من ذوات الواو مشتقا من ساد يسود، فكذلك مسألتنا، والله أعلم. إلا أن في قاعدته نظرا، وذلك أنه أطلقها إطلاقا فيقضي جريان حكمها في كل ما دخل تحتها، والأسماء التي آخرها واو أو ياء بعد ألف زائدة على قسمين: أحدهما ما كان منها غير لاحق به تاء التأنيث، كالأمثلة المتقدمة الذكر، وهذا لا إشكال في صحة جريان الحكم فيه.

стр. 5006

والثاني: ما لحقته تاء التأنيث، ولا يجري الحكم فيه على الإطلاق، بل الأمر فيه ينقسم قسمين: أحدهما: أن تكون الكلمة مبنية على التاء، فهذا لا تبدل فيه الواو والياء همزة البتة، بل تبقى على ما كانت عليه في الأصل، فتقول فيما أصله الواو: شقاوة وإتاوة ونقاوة وإداوة وهراوة وعلاوة. وفيما أصله الياء: (نهاية وبداية) ونفاية، ورواية، وما أشبه ذلك، فلا تعل فيه الواو والياء، وما جاء من ذلك معلا فنادر، قال سيبويه في تعليل التصحيح: (قويت حيث لم تكن حرف إعراب كما قويت الواو في قمحدوة) يعني أنها إنما أعلت لما وقعت طرفا، والطرف أضعف مما ليس بطرف، ولذلك يلحقه من الإعلال ما لا يلحق غير الطرف، فلما وقع الإعراب على التاء قويت الواو والياء، فلم يدخلها الإعلال حين تحصنت بالتاء، كما تحصن قمحدوة وقلنسوة وعرقوة ونحوها بالتاء فلم تعل (اللام)؛ إذ القاعدة -على ما يأتي- أن الواو المتطرفة في

стр. 5007

الاسم لا تثبت بعد الضمة حرف إعراب، بل تقلب الضمة كسرة، والواو ياء، فإذا وقع بعدها التاء صحت ولم تعل. هذا تعليل سيبويه، وهو صحيح، فأما صلاءة وعباءة وإعلالهم للكلمة هنا مع بنائها على التاء، فكأنه مبني على صلاء وعباء وإن لم ينطق به على ذلك المعنى، كما قالوا: مسنية ومرضية، فقلبوا الواوين ياءين وإن لم تقعا طرفا، إذ القاعدة ألا يكون هذا الحكم إلا في المتطرفتين، لكن قدر أن التاء دخلت على الكلمة مقلوبة فتركته على حاله. والثاني: ألا تكون الكلمة مبنية عليها، فلا أثر لها، ويدخلها حكم الإبدال كأن لم توجد التاء، فتقول: امرأة معطاءة للدراهم، وميفاءة بالعهد، وإغفاءة واحدة الإغفاء، ولقاءة واحدة، وإعطاءة (واحدة)، وذلك لوجود المذكر وما أشبه ذلك مما التاء فيه عارضة لا لازمة. فهذا القسم هو الذي يدخل في كلام الناظم، وهو صحيح، إذ لا اعتداد بالتاء. فالحاصل أن قسم ما يبنى على التاء داخل فيه.

стр. 5008

ويجاب عن هذا أن تاء التأنيث لما اعتدوا بها وصار ما قبلها بسببها في حكم ما ليس بطرف، اعتبر الناظم فيها هذا المعنى، فلم تدخل له تحت قوله: (آخرا) (إذ ليست الواو والياء آخرا) كما أنها ليست الواو في قمحدوة آخرا، قضي بذلك التصحيح، ولو كانت آخرا) حقيقة لاعتلت، فقوله: آخرا، يريد (به) ما وقع آخرا في الحقيقة، وما وقع (آخرا) بالحكم، فمما [فما] لم يقع آخرا على أحد الوجهين فلا اعتلال فيه، ثم قال: (وفي فاعل ما أعل عينا ذا اقتفي) في فاعل: متعلق باقتفي، والفاعل أراد (به) ما كان من الأسماء على هذا الوزن. وما: واقعة على الفعل الذي انتسب إليه وزن الفاعل، وهي موصولة، أو نكرة موصوفة. وعينا: تمييز، أصله الفاعل، كاشتعل الرأس شيبا، وأصله: ما اعتلت عينه. وهذا موضع ثان من مواضع إبدال الهمزة من الواو والياء، يريد أن الياء والواو تبدلان أيضا همزة في الفاعل المأخوذ من الفعل الذي اعتلت عينه، (ولا يريد بما اعتلت) (عينه) ما كانت عينه حرف علة، وإنما يريد بذلك ما دخل عينه الإعلال بالقلب أو الإبدال. وقوله: في فاعل ما أعل عينا. لم يعين في هذا الوزن موضع الإبدال، ولكنه يتعين بتعيين موضعه من الفعل، إذ قال: ما أعل عينا، فكأنه يقول: في عين الفاعل مما أعل من الأفعال عينا ذا اقتفي. وهذا الكلام المختصر قد أحرز أوصافا بها يتم هذا الحكم:

стр. 5009

أحدها: أن يكون الاسم على وزن فاعل، فإنه إذا كان كذلك جرى فيه الإبدال، فإن لم يكن على هذا الوزن لم تُعل العين، نحو: مفاعل، ومتفاعل، ونحو ذلك. فإنك إنما تقول: ملاوذ، ومعاود، ومباين، ومعاين. وكذلك: متساوٍ، ومتجاوز، ومتباين، ومتماين، وما أشبه ذلك، فتبقى العين على تصحيحها، ولا تقول: ملائذ، ولا مبائن، ولا متساءٍ، ولا متمائن، بالهمز؛ لأن اسم الفاعل محمول في الإعلال على فعله، وأفعال هذه الأوزان غير معتلة العين، نحو: لاوذ، وعاود، وباين، وعاين، وتجاوز، وتساوى، وتباين، وتماين، والقاعدة: أن اسم الفاعل إنما يعتل باعتلال فعله، فإذا صح صح، فكذلك هذه الأشياء. والثاني: أن يكون هذا الوزن منسوبا إلى فعل، ومعنى كونه منسوبا إليه أن يكون في الاشتقاق راجعا إليه (خاصة)، لا أنه يريد أن يكون اسم فاعل جاريا عليه؛ لأن هذا الحكم جار فيما إذا كان جاريا على الفعل نحو: قام فهو قائم، وباع فهو بائع، ودام فهو دائم، وبان فهو بائن، وفيما لم يكن جاريا كحائض، وامرأة زائر، من زيارة النساء، وعلى هذا يشمل ما كان من فاعل بالتاء وبدونها كقائمة وقائلة وصائمة، ونحو ذلك؛ لأن النسبة إلى الفعل هنا موجودة، فههنا يجري على الفعل في الإبدال، فإن لم يكن جاريا على فعل فمقتضى هذا الكلام ومفهومه أن الإبدال لا يكون هنا، فنحو: الحائر وهو مجتمع الماء، والصائر لشق الباب، والعائر

стр. 5010

للرمد، والحائش لجماعة النخل؛ لا يعل، لما كان غير جار على فعل ولا منسوب إليه، هذا ما يعطيه كلامه. والثالث: أن يكون ذلك الفعل المنسوب إليه قد أعلت عينه كقائم، فإنه منسوب إلى (قام المعتل العين، وبائع منسوب إلى باع، وهائم منسوب إلى هام، وكذلك ما أشبهه مما هو جار على الفعل اسم فاعل له، وكذلك ما ليس بجار نحو حائض، فإنه منسوب إلى حاضت، وزائر منسوب إلى زار وإن لم يكن عليه، فاعتل (لذلك من جهة أن الاسم محمول في اعتلاله على الفعل، فكما اعتل الفعل بقلب عينه ألفا سواء كانت واوا أم ياء، فكذلك اعتل) الاسم بقلب عينه الياء أو الواو همزة. وقد ظهر من مفهوم هذا أن الفعل إذا لم يدخل عينه الإعلال، وإن كان واوا أو ياء، فإن فاعلا (منه) لا يعل، بل يبقى على أصله، فتقول في فاعل من عوِر، وحوِل، وروِي، وهوِي: عاور (غدا) وحاوِل، وراوٍ، وهاوٍ، وكذلك ما عينه الياء من نحو: صيِد، وعيِس البعير، وغيِف، وغيِد، تقول في فاعله: صايد غدا، وعايس، وغايف، وغايد، فلا تهمز، بل تصححه لتصحيح فعله. هذا معنى كلامه، وفيه من النظر الصناعي ما في مسألة كساء، من أنه (اعتد) في ظاهر كلامه على أن الهمزة مبدلة من الواو والياء. والذي ذكر
следующие страницы →