← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

والثاني: ما لحقته تاء التأنيث، ولا يجري الحكم فيه على الإطلاق، بل الأمر فيه ينقسم قسمين: أحدهما: أن تكون الكلمة مبنية على التاء، فهذا لا تبدل فيه الواو والياء همزة البتة، بل تبقى على ما كانت عليه في الأصل، فتقول فيما أصله الواو: شقاوة وإتاوة ونقاوة وإداوة وهراوة وعلاوة. وفيما أصله الياء: (نهاية وبداية) ونفاية، ورواية، وما أشبه ذلك، فلا تعل فيه الواو والياء، وما جاء من ذلك معلا فنادر، قال سيبويه في تعليل التصحيح: (قويت حيث لم تكن حرف إعراب كما قويت الواو في قمحدوة) يعني أنها إنما أعلت لما وقعت طرفا، والطرف أضعف مما ليس بطرف، ولذلك يلحقه من الإعلال ما لا يلحق غير الطرف، فلما وقع الإعراب على التاء قويت الواو والياء، فلم يدخلها الإعلال حين تحصنت بالتاء، كما تحصن قمحدوة وقلنسوة وعرقوة ونحوها بالتاء فلم تعل (اللام)؛ إذ القاعدة -على ما يأتي- أن الواو المتطرفة في

стр. 5007

الاسم لا تثبت بعد الضمة حرف إعراب، بل تقلب الضمة كسرة، والواو ياء، فإذا وقع بعدها التاء صحت ولم تعل. هذا تعليل سيبويه، وهو صحيح، فأما صلاءة وعباءة وإعلالهم للكلمة هنا مع بنائها على التاء، فكأنه مبني على صلاء وعباء وإن لم ينطق به على ذلك المعنى، كما قالوا: مسنية ومرضية، فقلبوا الواوين ياءين وإن لم تقعا طرفا، إذ القاعدة ألا يكون هذا الحكم إلا في المتطرفتين، لكن قدر أن التاء دخلت على الكلمة مقلوبة فتركته على حاله. والثاني: ألا تكون الكلمة مبنية عليها، فلا أثر لها، ويدخلها حكم الإبدال كأن لم توجد التاء، فتقول: امرأة معطاءة للدراهم، وميفاءة بالعهد، وإغفاءة واحدة الإغفاء، ولقاءة واحدة، وإعطاءة (واحدة)، وذلك لوجود المذكر وما أشبه ذلك مما التاء فيه عارضة لا لازمة. فهذا القسم هو الذي يدخل في كلام الناظم، وهو صحيح، إذ لا اعتداد بالتاء. فالحاصل أن قسم ما يبنى على التاء داخل فيه.

стр. 5008

ويجاب عن هذا أن تاء التأنيث لما اعتدوا بها وصار ما قبلها بسببها في حكم ما ليس بطرف، اعتبر الناظم فيها هذا المعنى، فلم تدخل له تحت قوله: (آخرا) (إذ ليست الواو والياء آخرا) كما أنها ليست الواو في قمحدوة آخرا، قضي بذلك التصحيح، ولو كانت آخرا) حقيقة لاعتلت، فقوله: آخرا، يريد (به) ما وقع آخرا في الحقيقة، وما وقع (آخرا) بالحكم، فمما [فما] لم يقع آخرا على أحد الوجهين فلا اعتلال فيه، ثم قال: (وفي فاعل ما أعل عينا ذا اقتفي) في فاعل: متعلق باقتفي، والفاعل أراد (به) ما كان من الأسماء على هذا الوزن. وما: واقعة على الفعل الذي انتسب إليه وزن الفاعل، وهي موصولة، أو نكرة موصوفة. وعينا: تمييز، أصله الفاعل، كاشتعل الرأس شيبا، وأصله: ما اعتلت عينه. وهذا موضع ثان من مواضع إبدال الهمزة من الواو والياء، يريد أن الياء والواو تبدلان أيضا همزة في الفاعل المأخوذ من الفعل الذي اعتلت عينه، (ولا يريد بما اعتلت) (عينه) ما كانت عينه حرف علة، وإنما يريد بذلك ما دخل عينه الإعلال بالقلب أو الإبدال. وقوله: في فاعل ما أعل عينا. لم يعين في هذا الوزن موضع الإبدال، ولكنه يتعين بتعيين موضعه من الفعل، إذ قال: ما أعل عينا، فكأنه يقول: في عين الفاعل مما أعل من الأفعال عينا ذا اقتفي. وهذا الكلام المختصر قد أحرز أوصافا بها يتم هذا الحكم:

стр. 5009

أحدها: أن يكون الاسم على وزن فاعل، فإنه إذا كان كذلك جرى فيه الإبدال، فإن لم يكن على هذا الوزن لم تُعل العين، نحو: مفاعل، ومتفاعل، ونحو ذلك. فإنك إنما تقول: ملاوذ، ومعاود، ومباين، ومعاين. وكذلك: متساوٍ، ومتجاوز، ومتباين، ومتماين، وما أشبه ذلك، فتبقى العين على تصحيحها، ولا تقول: ملائذ، ولا مبائن، ولا متساءٍ، ولا متمائن، بالهمز؛ لأن اسم الفاعل محمول في الإعلال على فعله، وأفعال هذه الأوزان غير معتلة العين، نحو: لاوذ، وعاود، وباين، وعاين، وتجاوز، وتساوى، وتباين، وتماين، والقاعدة: أن اسم الفاعل إنما يعتل باعتلال فعله، فإذا صح صح، فكذلك هذه الأشياء. والثاني: أن يكون هذا الوزن منسوبا إلى فعل، ومعنى كونه منسوبا إليه أن يكون في الاشتقاق راجعا إليه (خاصة)، لا أنه يريد أن يكون اسم فاعل جاريا عليه؛ لأن هذا الحكم جار فيما إذا كان جاريا على الفعل نحو: قام فهو قائم، وباع فهو بائع، ودام فهو دائم، وبان فهو بائن، وفيما لم يكن جاريا كحائض، وامرأة زائر، من زيارة النساء، وعلى هذا يشمل ما كان من فاعل بالتاء وبدونها كقائمة وقائلة وصائمة، ونحو ذلك؛ لأن النسبة إلى الفعل هنا موجودة، فههنا يجري على الفعل في الإبدال، فإن لم يكن جاريا على فعل فمقتضى هذا الكلام ومفهومه أن الإبدال لا يكون هنا، فنحو: الحائر وهو مجتمع الماء، والصائر لشق الباب، والعائر

стр. 5010

للرمد، والحائش لجماعة النخل؛ لا يعل، لما كان غير جار على فعل ولا منسوب إليه، هذا ما يعطيه كلامه. والثالث: أن يكون ذلك الفعل المنسوب إليه قد أعلت عينه كقائم، فإنه منسوب إلى (قام المعتل العين، وبائع منسوب إلى باع، وهائم منسوب إلى هام، وكذلك ما أشبهه مما هو جار على الفعل اسم فاعل له، وكذلك ما ليس بجار نحو حائض، فإنه منسوب إلى حاضت، وزائر منسوب إلى زار وإن لم يكن عليه، فاعتل (لذلك من جهة أن الاسم محمول في اعتلاله على الفعل، فكما اعتل الفعل بقلب عينه ألفا سواء كانت واوا أم ياء، فكذلك اعتل) الاسم بقلب عينه الياء أو الواو همزة. وقد ظهر من مفهوم هذا أن الفعل إذا لم يدخل عينه الإعلال، وإن كان واوا أو ياء، فإن فاعلا (منه) لا يعل، بل يبقى على أصله، فتقول في فاعل من عوِر، وحوِل، وروِي، وهوِي: عاور (غدا) وحاوِل، وراوٍ، وهاوٍ، وكذلك ما عينه الياء من نحو: صيِد، وعيِس البعير، وغيِف، وغيِد، تقول في فاعله: صايد غدا، وعايس، وغايف، وغايد، فلا تهمز، بل تصححه لتصحيح فعله. هذا معنى كلامه، وفيه من النظر الصناعي ما في مسألة كساء، من أنه (اعتد) في ظاهر كلامه على أن الهمزة مبدلة من الواو والياء. والذي ذكر

стр. 5011

ابن جني وغيره أن الواو والياء أبدلت منهما الألف، وأن الهمزة مبدلة من الألف. وذلك أن (قائل) و (بائع) أصلهما قاول وبايع، كما أن أصل قال وباع قوَل وبيَع، فسكن حرف العلة من قاول وبايع كما سكن في فعله، ووجب قلبهما ألفا كما انقلبا في قال وباع؛ لأن الألف قبل حرف العلة من حيث كانت زائدة تشبه الفتحة، فانقلب حرف العلة ألفا كما انقلب في قال وباع، للفتحة المحققة، فصار: قاال وبااع، وهكذا بألفين، فلما اجتمع الساكنان لم يكن بد من الحذف لأحدهما أو التحريك، والحذف لا يمكن فيصير اسم الفاعل على لفظ الماضي فيلتبس، وأما التحريك فلا يمكن أن يرجع لأجله إلى الأصل من الياء والواو، فيكون رجوعا عما منه فُر، فلم يبق إلا تحريك الألف نفسها، وذلك لا يمكن فيها، فأبدلوها حرفا يقرب منها غاية القرب ويمكن تحريكه، وهو الهمزة، فأبدلوا الثانية همزة ولم يبدلوا الألف الأولى إلى الهمزة؛ لأن الألف الزائدة في (فاعل) لا أصل لها في الحركة، ولم تتحرك قط؛ فكانت الألف الثانية أولى، وهذا النحو هو الذي مضى في مسألة كساء، فيمكن أن يكون الناظم قائلا بهذا النحو، إلا أنه تجوز في العبارة، واختصر العمل اختصارا وهو يريده، وإما أن يكون بنى على ظاهر كلام كثير من النحويين في هذا، وعلى ظاهر الأمر لم يثبت درجة مقدرة لم تظهر قط. ثم بعد في كلامه معترض، وهو أنه شرط في فاعل أن يكون منسوبا إلى فعل فيقتضي كلامه أمرين:

стр. 5012

أحدهما: خروج حائض ونحوه من هذا الحكم؛ لأنه ليس له فعل يجتمع معه في الاشتقاق، إذ لو كان له فعل لكان جاريا عليه اسم فاعل، لكنه معدوم، فإذا امتنع الجريان امتنعت النسبة الاشتقاقية (أيضا)؛ لأن (حائض) هذا الذي لا تدخله التاء ليس بمشتق من حاضت، وإنما يشتق من حاضت اسم الفاعل الجاري، إذا قلت: هي حائضة غدا، وأما غير الجاري فليس له فعل ولا معناه معنى الفعل، وإنما معنى حائض معنى أن لو قلت: حيضى، وإذا لم يكن له فعل فقد خرج باشتراطه أن يكون الاسم فاعل ما أعل عينا، وبذلك خرج (عن) أن تقلب عينه همزة، فكنت تقول على هذا: حايض، على الأصل. وكذلك سائر الباب، وهذا فاسد. والأمر الثاني، وهو أبين من هذا: أن يكون ما كان من الجوامد المعتلة العين نحو: حائر، وحائش، وعائر، وصائر، لا تعتل عينه، فكنت تقول: حاير، وحاوش، وعاور وصاير. وهذا غير صحيح، بل حكمه عندهم في الإعلال حكم الجاري على الفعل؛ لأن الإعلال في الأسماء ليس بمختص بما جرى على فعل، بل الأسماء كلها المشتقة والجامدة جارية على الفعل في حكم الإعلال مطلقا، ولذلك أدخل هذا القسم في التسهيل إذ قال: (وتبدل الهمزة أيضا وجوبا من كل ياء أو واو وقعت عينا لما يوازن فاعلا أو فاعلة، من اسم معتزٍ إلى فعل معتل العين، أو اسم لا فعل له). فقوله: (أو اسم لا فعل له) استدراك ضروري، وهو الذي اعتُرض به ههنا.

стр. 5013

وقد يجاب عن الأول بأن حائضا ونحوه في تقدير الجاري على الفعل وإن لم يكن كذلك في الحقيقة الاستعمالية، والفعل أصله، ومنه اشتق، لكن عرض الآن فيه اعتبار معنى النسب، فتنوسي أصله، ولذلك يقول فيه سيبويه: إنه محمول على مقدر يجري عليه، كأنك قلت: شيء حائض. وما هذا إلا تحقيق لأصله الذي هو اسم الفاعل الجاري على الفعل، وإذا كان في الأصل كذا دخل تحت معنى النسبة إلى الفعل، إذ لا شك أنه على هذا النحو منسوب إليه، فصح كلام الناظم بالنسبة إليه. وأما حائر ونحوه فقد يقال: إنه يقدر له فعل في أصل الاشتقاق يجري عليه حتى يرد إلى طريقة اسم الفاعل المشتق، وهو جواب متكلف، وبعيد من لفظه، لكن الحكم بالإعلال يقتضي ذلك، قال الفارسي في التذكرة وتكلم على كون حائض ونحوه جاريا على شيء في الأصل: إن مما يدل على ذلك (إعلال) العين في حائض، بالهمز، قال: فلولا أنه على حاضت لما اعتلت. قال: وليس ينبغي أن يتشكك في همزة حائض، لأنهم قد قالوا: موت مائت، بالهمز البتة، ولولا ذلك لقيل: ماوت، قال: فيجب على هذا الذي ذكرناه من همز مائت وحائض أن يكون قولهم: شعر شاعر، ووتد واتد، ودارع، ونابل وتامر، ولابن، جميعها جار على

стр. 5014

فعل مقدر وإن لم يظهر إلى الاستعمال. هذا ما قال، وهو قياس صحيح، فإن كان الناظم يريد بقوله: (فاعل ما أعل عينا) سواء كان ذلك الفعل مستعملا أم لا فكلامه صحيح، وإن أراد به الاستعمال فقط فهو غير صحيح، إلا أن يقال: إن الحائش والحائر ونحوه من الألفاظ النادرة التي لم يبن عليها، فهو الأظهر من كلامه، والجاري على ما يقتضيه القياس، وإن كان ظاهر التسهيل أنه قياس فيه، فتأمله. واقتف: معناه اتبع هذا الحكم في فاعل ما أعل عينا. * * * والمد زيد ثالثا في الواحد ... همزا يرى في مثل كالقلائد هذا موضع ثالث مما تبدل فيه الهمزة من حرف اللين، والمد أراد به حرف المد، فسماه مدا بوصفه اللازم فيه، ويريد أن حرف المد إذا كان زائدا، وكان في الواحد قد وقع ثالثا فإنه يبدل همزة في الجمع على مثال القلائد، وهو ما شاكله مما هو على مفاعل. وهذا العقد قد جمع في هذا الإبدال شروطا لا بد منها في إبدال ذلك الحرف همزة:

стр. 5015

أحدها: أن يكون حرف مد، وحرف المد عبارة عن الألف والواو والياء إذا كان ما قبلهما من جنسهما، فانضم ما قبل الواو وانكسر ما قبل الياء ولا يكون ما قبل الألف إلا مفتوحا، فإذا كان الحرف المبدل منه كذلك ثبت الإبدال، فلو لم يكن كذلك لم يصح الإبدال، كقولك: جهور، فإن الواو هنا ليست بحرف مد، فلا تبدلها في الجمع همزة، وكذلك عثير وحثيل، لا تهمز الياء في الجمع، وإنما تقول: جهاور وعثاير، وحثايل، وكذلك تقول في هبيخ: هبايخ، وفي جدول: جداول، وفي قسور: قساور، وإنما صحت ههنا لأن الواو والياء في هذه الأمثلة جعلت في مقابلة الأصول، إذ الكلمة بها ملحقة، فكان الواجب أن يجري مجرى ما قابلته من الحروف الصحاح فتسلم من الإعلال، وأيضا لما يأتي في علة الإبدال بحول الله تعالى. والثاني: أن يكون حرف المد زائدا، وهو قوله: (والمد زيد) و (زيد) جملة في موضع الحال من المد، والعامل فيه الفعل المتأخر من حيث عمل في ضميره، فإذا كان حرف المد غير أصلي ثبت له الحكم، فإن كان أصليا بنفسه أو منقولا عن أصل فمفهوم كلامه أنه لا يبدل همزة، فمقام ومعاش ومقال لا تعل فيه الألف، وإنما تقول (فيه) في الجمع على مفاعل: مقاوم ومعايش ومبايع، وأنشد

стр. 5016

المازني للفرزدق: وإني لقوام مقاوم لم يكن ... جرير ولا مولى جرير يقومها فقال: مقاوم، ولم يقل: مقائم، وكذلك معيشة ومدينة، على من جعلها من دان يدين: إذا أطاع، وتقول في جمعهما: معايش ومداين، وأما من جعل مدينة من مدن وجمعها على مدن فإنه يهمز على مقتضى الشرط، لأن الياء زائدة فتقول: مدائن وكذلك تقول إذا جمعت معونة على مفاعل لم تهمز وإنما تقول: معاون، وفي ملومة: ملاوم، وفي محوزة محاوز، وكذلك ما أشبهه، وما أتى به من هذا مبدلا همزة فمحفوظ غير مقيس، مثل ما روى (خارجة بن مصعب) عن نافع من همز (معائش) وقالت العرب: مصائب في جمع مصيبة، ومنارة ومنائر، ومزادة ومزائد، ومسيل ومسائل، فيمن جعله من السيل. ووجه هذا

стр. 5017

الشاذ تشبيه الأصلي بالزائد فكأن معيشة ومصيبة كصحيفة، وكذلك سائر المثل. ووجه ترك الإعلال أن هذه الحروف أصلها الحركة لأنها عين الكلمة التي على مفعلة أو مفعِل (أو مفعَل) أو مفعلة أو نحو ذلك، فإذا وقعت بعد ألف الجمع تحركت بحركتها فلا موجب لإبدالها. فإن قلت: فإن المفرد منها معل فهلا أعل (الجمع) حملا عليه كما أعل قائم وبائع بالحمل على فعله؟ فالجواب: أن المفرد أعل لشبه الفعل الحاصل فيه على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، فلما جمعوه زال (بالجمع البناء الذي كان به) شبه الفعل، لأن الفعل لا يجمع، فبعد عن الإعلال، فلم يبدلوا العين همزة، ولما كان الشبه حاصلا في قائل وبائع لكونه على وزن الفعل وعاملا عمله أعل بقلب الواو والياء همزة، بخلاف الجمع، ولذلك صحح لُوَمة وحُضُض، ومِرَر، ونحوها لما فرجت [خرجت] عن شبه الفعل. هذا محصول جواب الفارسي في الإغفال، وأصله للمازني في تصريفه. والثالث: أن يكون حرف المد ثالثا في المفرد، وذلك قوله: (ثالثا في الواحد)، فإذا كان كذلك أبدل في الجمع، فإن كان غير ثالث لم يبدل، فالمدة

стр. 5018

الثانية لا تبدل في الجمع همزة، فلا تقول في طابق: طآبق (ولا في كاهل وغارب كآهل ولا غآرب). وما أنشده أبو الحسن من قول الشاعر: تربعن من وهبين أو بسويقة ... مشق السآبي عن رءوس الجآذر فأبدل الهمزة من ألف السابياء، وهي ثانية تقع قبل ألف الجمع، كما أبدلوها بعد ألف الجمع إذا كانت ثالثة، فشاذ يحفظ. وبتلك المنزلة أن لو كانت المدة رابعة نحو قنديل وبهلول وشملال، فإنما تقول فيه: قناديل، وبهاليل، وشماليل. وإنما تبدل المدة حرفا آخر غير الهمزة على ما سيذكره هو. وإنما قال: (في الواحد) فقيد ذا المدة، لأنه إنما يريد أن المدة التي في الواحد تبدل في الجمع. والرابع: أن يقع حرف المد في الجمع على مثال القلائد، وهو مثال مفاعل، فإنه إن لم يكن في الجمع على هذا المثال لم تقلب همزة، إذ لا موجب

стр. 5019

لقلبها. فعجوز إذا جمعتها على عُجُز، ذهبت المدة في الجمع، وكذلك إذا جمعت مدينة على مُدُن، وصحيفة على صحف، وما أشبه ذلك من الجموع التي تذهب فيها المدة أو تكون على حالة أخرى. (فأما) إذا كانت في وزن القلائد وجب سبب الإبدال فقلت في رسالة: رسائل، وفي حمالة: حمائل، وفي [كنانة] كنائن، وفي مدينة -على أشهر اللغات- مدائن، وفي سفينة: سفائن، وفي خريدة: خرائد، وفي عجوز عجائز، وما أشبه ذلك. وقوله: (في مثل كالقلائد) أراد في مثل القلائد، فزاد الكاف ضرورة، نحو: فصُيِّروا (مثل) كعصف مأكول وهذا مثل البيت من كل وجه، حيث أقحم الكاف بين مثل ومجرورها. ووجه الإبدال هنا أنك لما جمعت رسالة مثلا على فعائل، جاءت ألف الجمع ثالثة، ووقعت بعدها ألف رسالة، فالتقت ألفان، فلم يكن بد من حذف إحدى الألفين أو تحريكها، فلو حذفوا الألف الأولى لبطلت دلالة الجمع، ولو حذفوا الثانية لتغير بناء الجمع، لأن هذا الجمع لا بد له أن يكون بعد ألفه الثانية حرف مكسور بينها وبين حرف الإعراب، ليكون

стр. 5020

كماعل [كفاعل، كمفاعل]، ولم يجز أيضا حركة الألف الأولى مخافة أن تزول دلالتها على الجمع؛ لأنها إنما تدل عليه ما دامت ساكنة إلى لفظها، ولو حركت أيضا لانقلبت همزة وزالت دلالة الجمع، فلم يبق إلا حركة الألف الثانية بالكسر لتكون كعين مفاعل، فلما حركت انقلبت همزة فصارت رسائل، كما ترى، وهذه العلة جارية فيما حرف المد فيه ألف، ثم شبهت الياء في صحيفة والواو في عجوز بألف رسالة؛ لأن (ما) قبلهما من جنسهما وما هو بعض منهما، وهما ساكنتان، فجرتا مجرى الألف. والأصل في هذا إنما هو الألف، لأنها أقعد في المد من الواو والياء. ذا [هذا] تعليل ابن جني، وتعليل الخليل يشبه هذا، وهو أن قال: إنما همزت في صحائف ورسائل وعجائز لأن حروف اللين فيهن (ليس) أصلهن الحركة، وإنما هي حروف ميتة لا تدخلها الحركات، فلما وقعن بعد الألف همزن ولم يظهرن، إذ كن لا أصل لهن في الحركة، قال: فلو ظهرن في الجمع متحركات كانت الحركة ستدخلهن في غير الجمع في بعض المواضع. يعني في مثل ما إذا خففت خطيئة ومقروءة، فلو جاز أن تحرك حرف المد لخففت الهمزة بإلقاء حركتها على حرف المد وحذفها كما تفعل في الصحيح، وهذا لا يجوز، لبطلان الغرض الذي سيقت له من المد، لأن الحركة تذهب عنها المد، فلما كان تحريك حروف المد لو قيل: عجاوز وصحايف يؤدينا إلى تحريكها في موضع آخر سدوا هذا الباب، فأتوا بالهمزة بدلا منها محافظة على ما فيها من المد.

стр. 5021

وكلام الناظم في هذا الإبدال على ظاهر ما قال فيه، إذ ليس في حروف المد غير ما قال، كما كان فيما تقدم من المسائل، إلا أن عليه في هذا التقرير دركا في قوله: (والمد) لأنه لا يخلو أن يريد به المد كيف كان من تمكين أو لين مع مجانسة الحركة أو عدم المجانسة، فيدخل عليه كل واو أو ياء ساكنة كان ما قبلها من الحركة ليس من جنسها؛ لأنها إذا كانت على هذا الوصف ففيها مد، ولذلك لا يقع قول أو سيل في قافية مع وَبْل أو جهل، لما في الواو والياء من المد، ولأجل ذلك أيضا يجمع بين ساكنين في نحو أصيْمّ وقميْدّ في أصمّ وقمدّ، فتقول على هذا في عشوزن: عشائر [عشازن]، وفي عدولى -إن حذفت الألف-: عدائل، وهذا لا يكون، وإنما تقول: عشاوز، وعداول، وكذلك ما أشبهه، لا تهمزه البتة، أو يريد به المد الذي هو التمكين دون ما هو لين، ولا يكون ذلك إلا مع مجانسة الحركة. وهو الذي يظهر منه كما تقدم تفسيره، فيخرج عنه همز الياء في نحو كليبة وجريرة [حريرة] علمين منقولين إلى العلمية بعد حصول التصغير، فإنك إنما تقول: كلائب وحرائر بالهمز، وذلك كله لأجل أن المعتبر في حرف اللين إنما هو السكون والزيادة في الواحد خاصة ولا مبالاة بحركة ما قبله، فيستثنى منه ما جر فيه الحكم إلى تقدير الحركة كعشوزن وعدولى؛ لأنك لما حذفت النون والألف لإقامة بنية التكسير لم يكن بد من تقدير تحريك الواو لتصير عشوز وعدول، كجهور وجدول، لأن مثل عَدَوْل وعَشَوْز غير موجود، فصارت الواو بهذا التقدير متحركة، فيفعل بها ما يفعل بالمتحركة من

стр. 5022

تصحيحها، بخلاف كلائب في كليب وحرائر في حرير، فإن الياء لم تتحرك قط لفظا ولا تقديرا، فوجب الهمز، وأصل هذه المسألة فيما رأيت لابن جني في الخصائص، لما تكلم في فك الصيغ، على نقل عشوزن في التكسير من عشوز إلى عشوز، أخذ يستدل على هذا بأنه لو كسره وهو (على) ما كان عليه من سكون واوه دون أن يكون قد حركها لوجب عليه همزها، وأن يقال: عشائز، لسكون الواو في الواحد كسكونها في عجوز ونحوها، قال: فأما انفتاح ما قبلها في عشوز، فلا يمنعها الإعلال، وذلك أن سبب همزها في التكسير (إنما هو) سكونها في الواحد لا غير، فأما اتباعها ما قبلها وغير اتباعها إياه فليس مما يتعلق عليه حال وجوب الهمز أو تركه. ثم استدل على هذا أيضا بقولهم في ألندد: أليدّ، لأنك لما حذفت النون للتصغير بقي ألدد، وهو مثال منكور، فيصير إلى مثال غير منكور وهو أفعل، فلما صار إلى ذلك أدغمه، فصار كألدّ مذكر لداء، فعامله معاملته، قال: فلذلك قالوا في تحقيره أليدّ، فأدغموه ومنعونه الصرف، هذا ما قال، وهو ظاهر كما ترى. والجواب أن يقال: أما القسم الأول فهو غير داخل عليه؛ لأنه عبر بالمد، والمد على حقيقته إنما هو في تلك الحروف إذا كان ما قبلها من جنسها، وأما إذا خالفها فإنما فيها بعض اللين المشبه للحركة، ولذلك لا تقع الياء ولا الواو

стр. 5023

المفتوح ما قبلهما في قافية مع التي قبلها من جنسها، فلم يرد إلا ما فيه حقيقة المد. وأما الثاني فالظاهر لزومه، والله أعلم. وقوله: همزا يرى في مثل كذا، ضمير (يُرى) عائد على المد، وإنما يريد بذلك ما كان منه موجودا - في بنية التكسير، فإن المدة التي اجتمعت فيها هذه الشروط على قسمين: أحدهما: أن تقوم بنية التكسير مع وجودها كجهور وجدول (وعثير)، وسائر أشباه ما تقدم، فهذا الذي أراد. والثاني: ألا تقوم بنية التكسير إلا بحذفها، إما وجوبا وإما تخييرا، نحو: أُباتر، إذا جمعته فإنه لا بد لك من حذف الألف لتقوم بنية التكسير، فتقول: أَباتر، فلا يبقى للمدة هنا ذكر، وكذلك جُخادب وعُذافر، وكذلك إذا جمعت حبارى -على من قال في تصغيره: حبيرى، بحذف الألف الأولى- فقلت: حَبارى، لم تدخل مراده، وكذلك ما أشبهه مما تحذف فيه المدة، فلا كلام له إلا فيما تبقى فيه المدة في الجمع، وربما نبه على ذلك بالمثال، وهو القلائد، جمع قلادة. فيريد في مثل هذا الجمع الذي تبقى فيه المدة التي كانت في المفرد، فعلى هذا لا يوجد هذا الحكم إلا فيما

стр. 5024

جمع على فعائل من الثلاثي الأصول، وأما ما كان رباعي الأصول أو ملحقا به فلا بد من حذف المدة. * * * كذاك ثاني لينين اكتنفا ... مد مفاعل كجمع نيفا هذا موضع رابع من المواضع التي تبدل فيها الهمزة من حروف اللين، ويريد أن مفاعل وما أشبهه من الجمع إذا اكتنف ألفه حرفا لين فإن ثاني الحرفين يبدل همزة وجوبا، وإنما قال: (لينين) ولم يقل: (مدين) ولا (حرفي مد)؛ لأنه لا يريد ما كان فيه المد فقط، وذلك ما كان (ما) قبله من جنسه، وإنما يريد ما هو أعم من ذلك، ومعنى (اكتنفا) هنا: أحاطا، أي أحاط ذانك اللينان بالمد الذي في مفاعل، وهو الألف، فكانا في كنفيه، أي: في جانبيه من ههنا وههنا، والكنف: الجانب، وكنافا الطائر: جناحاه؛ لأنهما يكتنفانه. وهذا العَقْد يتعلق به مسائل: إحداها: أن حرفي اللين لم يقيدهما بشيء، وذلك يقتضي أنهما قد يكونان معا واوين أو ياءين أو أحدهما واو والآخر ياء، على وجهين، فالحاصل أربعة أقسام، فأما الواوان فنحو أول وأوائل، أصله أواول، وكذلك إذا بنيت مثل فوعل من القول، فقلت: قوَّل أصله قوول، ثم جمعته لقلت: قوائل، أيضا

стр. 5025

وأصله قواول، وأما الياءان فنحو: خيِّر وخيائر، وعيل -وهو الفقير، من عال يعيل إذا يعيل [كذا]: إذا افتقر- الجمع: عيائل والأصل (عيايل) وخياير، (ومثل) فيعل من البيع تقول فيه: بيائع، وأما الواو والياء مع تقدم الواو فنحو) صوائد في جمع صائدة، من صادت تصيد ونحو بوائع في جمع فوعل من البيع، وأما مع تقدم الياء فنحو حيز وحيائز، لأنه فيعل من حاز يحوز، وكذلك صيب من صاب يصوب وصيائب، قيائل جمع فيعل من القول. فهذه الأوجه الأربعة مضمنة في إطلاقه اللينين وجميعها عنده محكوم عليه بإبدال ثانيهما همزة، والحكم الشائع ذلك إلا أن يشذ الشيء فيحفظ كقولهم في ضيون: ضياون، وكان القياس أن يقال: ضيائن، وظهر من هذا اتباعه لمذهب الخليل وسيبويه والجمهور. وقد ذهب أبو الحسن إلى أن هذا الإعلال في ثاني اللينين مختص باكتناف الواوين كأوائل، وكان يقول في جميع فيعل من القول قياول، وفي فوعل من البيع: بوايع، وفي خير: خياير، ولا يهمز، وما ذهب إليه الناظم أرجح للقياس والسماع. أما القياس فإن أصل هذا كله قواول وبيايع، فلما وقعت الألف بين حرفي علة وهي شبيهة بهما، والثاني من حرفي العلة يلي الطرف، وذلك

стр. 5026

(مما) يضعفه، هربوا من ذلك إلى الهمزة، ولا فصل بين الياءين والواوين، وبين الياء والواو. قال ابن جني: وأصل التغيير إنما هو لما اجتمعت فيه واوان كأوائل، أصله أواول، فالألف بينهما حرف كالنفس ليس بحاجز حصين، ووليت الأخيرة منهما الطرف - همزوها كما يهمزون الأولى من الواوين إذا وقعتا في أول الكلمة نحو أواصل في جمع واصل، ثم شبهوا الياءين والواو والياء، بالواوين؛ لأن فيهما ما فيهما من الاستثقال، فهمزوا لذلك. وأما السماع فقال المازني: سألت الأصمعي عن عيل، كيف تكسره العرب؟ فقال: عيائل يهمزون كما يهمزون في الواوين. فقال ابن جني: فإن قال قائل: إن همزهم عيائل من الشاذ فلا ينبغي أن يقاس عليه. قيل: إنما يكون هذا شاذا لو كنت سمعتهم لم يهمزوا نظيره في كثير من المواضع ثم رأيتهم قد همزوا عيائل فبذا كان يمكن أن يقال إن همزهم شاذ (فأما) ولم نرهم صححوا نظيره تصحيحا، وفي الياء ما في الواو من الاستثقال في كثير من المواضع، فليس لك أن تحكم بشذوذه، فإذا جاء السماع بشيء وعضده القياس فذلك ما لا نهاية وراءه .. وحكى أبو زيد أنهم يقولون: سيقة وسيائق، وأما أبو الحسن فزعم أن الهمز غير مطرد في الياءين، ولا في الياء

стр. 5027

والواو، وقال: إنما ينبغي أن يطرد في الواوين فقط؛ لأن اجتماع الواوين ليس كاجتماع الياءين، ولا كاجتماع الواو والياء، ألا ترى أن الواوين إذا اجتمعا أولا قلبت الأولى همزة، ولا يكون ذلك في الياءين كبَيْنٍ: اسم موضع، ولا في الواو والياء كويح. قال ابن الضائع: نظرُ سيبويه أسدُّ؛ لأن الواوين غير أول يجتمعان أيضا، وكما سمع أوائل سمع أيضا عيائل، والسماع واحد، والقياس متقارب. المسألة الثانية: أنه يقيد حرفي اللين بزيادة أو أصالة، فدل ذلك على أن الحكم معهما من إبدال الهمزة من ثانيهما ثابت، اتفق أن يكونا أصلين أو زائدين، أو أحدهما أصل والآخر زائد، وهو إطلاق صحيح، قال سيبويه: وإذا التقت الواوان على هذا المثال فلا تلتفتن إلى الزوائد وغير الزوائد، ألا تراهم قالوا: أول وأوائل، فهمزوا ما جاء من نفس الحرف، فأما كونهما معا أصلين فنحو أول، فإن الواوين معا أصلان، فإن وزنه أفعل، وهو من باب (يين) وأما كونهما معا زائدين فلعله لا يوجد، وأما كون الأول زائدا دون الثاني فنحو صوائد جمع صائدة، وخيائر جمع خير، وأما العكس فنحو قوائل في جمع فعول من القول، فإطلاقه يؤذن بأن الحكم هنا في الإبدال مخالف له في المسألة التي قبل هذه، حيث اشترط هنالك في حرف المد الزيادة ولم يشترط ذلك هنا. المسألة الثالثة: أنه أتى بمفاعل الذي هو من أبنية الجمع ومثله بجمع نيف، فدل ذلك عنده (على) أنه مختص بالجمع لا حظ له في

стр. 5028

المفرد، وجميع ما تقدم إنما هو في الجمع، وأما المفرد فمفهومه أن هذا الحكم لا يكون فيه. فإذا بنيت فواعل من القول قلت على مقتضى هذا: قواول، فلا تهمز، أو من البيع فتقول: بوايع، فلا تهمز أيضا، وكأن الحجة في هذا أن الجمع هو الذي جاء فيه السماع، فقيل بالقياس فيه، وأما المفرد فلم يأت فيه شيء فلا يتعدى به الأصل، وهذا ما يظهر من كلامه، وفيه نظر؛ لأن النحويين في هذه المسألة بين قائلين: قائلٍ يقصر هذا الحكم على ما اكتنف فيه ألف الجمع واوان، فلا بد عنده من شرطين، أحدهما أن تكون المدة ألف جمع، والآخر: أن يكون المكتنفان واوين. وقائلٍ لا يشترط شيئا من ذلك، بل الحكم جار عنده في الجمع والمفرد المشابه له، كفواعل من القول أو من البيع، كما تقدم، فتقول فيهما: قوائل وبوائع، فتهمز بلا بد عند أصحاب هذا القول. فإذا كان الخلاف هكذا ثبت أن ما اختاره الناظم مذهب ثالث، وهو الفرق بين الجمع والمفرد، فيهمز في الجمع دون المفرد، وقد تقدم وجهه، ولا يستنكر مثل هذا للناظم، فقد تقدم في هذا الشرح من هذا النحو بعض مواضع، وليس إحداث قول ثالث في المسألة بخرق إجماع عند طائفة من الأصوليين، لا سيما إن كان القول المحدث لا يرفع ما اتفقوا (عليه كهذا الموضع، فإنه مفصل في القولين، فيوافق الأخفش في نفي الحكم) عن المفرد، ويوافق سيبويه في إثباته في الجمع مطلقا، فكل قول لا يرفع ما اتفقوا عليه فقد أجاز إحداثه طائفة ممن منع الإحداث، وهو الذي اختار ابن الحاجب، وقد يمكن أن يكون الناظم لم يتعرض للمفرد ولا قصد إخراجه عن الحكم، بل سكت عنه لأنه معدوم في السماع

стр. 5029

بخلاف الجمع فإنه قد سمع، فيكون إنما تعرض للمسموع وسكت عن غيره، فلا يوجد له خلاف، ويكون المفهوم فيه معطلا لكون الغالب أن هذا الحكم لا يكون إلا في الجمع، وهذا قد ينتهض اعتذارا والله أعلم. المسألة الرابعة: أن قوله (كجمع نيفا) تمثيل لمفاعل، فإن جمع نيف نيائف، فهو مما اكتنف فيه الألف حرفا اللين، فوجب همز الثانية. و(نيفا) منصوب على المفعولية بجمع؛ لأن جمعا في كلامه مصدر مقدر بأن والفعل، أي: كأن تجمع هذا المثال الذي هو نيف فتقول: نيائف، فهو كقوله تعالى: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما﴾ وأنشد سيبويه: فلولا رجاء النصر منك ورهبة ... عقابك قد صاروا لنا كالموارد ومعنى النيف الزيادة، وأصله من الواو، يقال: عشرة ونيف، (ومائة ونيف)، وكل ما زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الذي يليه. وقد نيف فلان على السبعين، أي: زاد عليها، وكذلك أناف على السبعين، وقال بعضهم: النيف إن زاد على المائة فكأنه عشرة (أو أقل)، فإن كان مع الألف احتمل عشرة وأكثر. ثم هو مع العدد على قدر ذلك، كلما كثر كثر به، وفرق بينه وبين البضع، فإنه لا يقال إلا مع العشر والعشرين

стр. 5030

إلى الستين، ولا يقولون: بضع ومائة، ولا بضع وألف، بخلاف النيف، كما ذكر، والبضع: ما بين الثلاثة إلى التسعة. وإذا تقرر هذا فقد تضمن هذا التمثيل وصفين بوجودهما يجب إبدال ثاني اللينين همزة. أحدهما: ألا يكون حرف اللين الثاني بدلا من همزة كما تقدم في الأمثلة، وهو الذي اتصف به نيف الذي مثل به، نَيْوِف كهين وميت، فلو كان ذلك الحرف بدلا من همزة لم يجز إبداله همزة كحوايا في جمع حوية وحيايا في جمع حيية، فإن الياء الثانية فيهما مبدلة من همزة، إذ الأصل أن تقع في موضع هذه الياء همزة فعائل المبدلة من المدة الثانية في المفرد كمدائن في جمع مدينة وسفائن في جمع سفينة، فيقال: حوائي، وحيائي، وكذلك سائرها، ثم أبدلت الهمزة ياء لعلة تأتي إن شاء الله، فلو قلبوا الياء همزة لكانوا قد رجعوا إلى ما منه فروا، وذلك نقض الغرض، وهو ممنوع عندهم. والوصف الثاني أن يكون حرف اللين الثاني يلي الطرف، ولا يكون بينه وبين الطرف فاصل تحقيقا ولا تقديرا، وذلك ظاهر في نيائف، إذ لا فاصل بين واو نياوف وبين الطرف لا تحقيقا، إذ ليس بموجود، ولا تقديرا، إذ ليس الأصل يناويف، وعلى هذا الحد جرى ما تقدم من المثل. فلو كان بينهما فاصل لم يجز الهمز نحو طواويس في جمع طاووس، وعواوير في جمع عُوَّار، ونواويس (في جمع نَوَّاس)، وسوايير في جمع سايور، وكذلك ما أشبه

стр. 5031

هذا لا يبدل فيه حرف اللين همزة لبعده من الطرف، فقوي بذلك عن أن يعتل، كما قوي صُوَّام عن أن يعتل لفصل الألف بينه وبين الطرف، بل صح عند من يقول: صُيَّم. فالخلاف الذي بين سيبويه والأخفش يرتفع ههنا. وكذلك إن كان القياس الفصل لكنه ذهب في ضرورة الشعر، فحكم التصحيح باقٍ؛ لأن الفصل حاصل، في التقدير نحو ما أنشده سيبويه من قول الشاعر: وكحل العينين بالعواور أصله: العواوير؛ لأنه جمع عوار، فاعتبر الأصل فترك الهمز؛ لأن المحذوف في حكم الموجود، كما اعتبروا الأصل في رُويا، ونُويٍ، حين خففوا فلم يقلبوا الواو ياء اعتبارا بالأصل، ومثل هذا كثير، وعلى هذا إذا انعكست الضرورة فاضطر الشاعر إلى مد مثل أوائل لقال: أوائيل، فترك الهمزة بحالها، (وإن كانت الياء المزيدة قد حجزت بين العين واللام؛ لأنه لما أراد أوائل فمد مضطرا ترك الهمزة بحالها) لأن الأصل القصر، كما ترك الواو في عواور؛ لأنه عواوير، فلم يعتد بحكم الاضطرار في الموضعين، قاله ابن جني، وهو قياس صحيح، وقد أنشد قول الراجز

стр. 5032

الذي أنشده سيبويه: فيها عيائيل أسود ونُمُر بالهمز، وفيه حجة لهذه الطريقة. وقال السيرافي: إن مد في الضرورة جمع عيل فينبغي ألا يهمز وأنشد: فيها عياييل .. على رواية ترك الهمز، والقياس قول ابن جني، ويكون عياييل -على ما قال الأعلم- جمع عيال أو جمع عيل، لكن على عدم اعتبار الأصل، فقد قال ابن خروف في العواور في البيت: لو لم ينو الياء لهمز. فإن قلت: هل يدخل تحت كلام الناظم همزُ نحو أوائيل في الاضطرار كما قاله ابن جني؟ فالجواب: أن تمثيله لا يعطيه بنصه وإنما يعطيه بمعناه، إذ التقدير القياسي كالمنطوق به، لكن قد يقال: إذ كان مفهوم هذا الشرط الذي هو عدم الفصل اقتضى أن الفصل مانع دخل له في المانع للهمز الفصل الاضطراري، فاقتضى أنك إذا قلت: أواييل، لم تهمز؛ لوجود الفاصل حسا، وهذا على خلاف ما قرر ابن جني، ولعله في ذلك على مذهب السيرافي القائل بأن الفصل مطلقا يمنع الهمز ويستشهد بالعياييل، والله أعلم. ثم أخذ يذكر ما يعرض لهذه الهمزة المبدلة من حرف العلة في النوعين

стр. 5033

المذكورين إما لكونه مدة في الواحد، وإما لكونه ثاني لينين اكتنفا مد مفاعل، فقال: وافتح ورد الهمز يا فيما أعل ... لاما وفي مثل هرواة جعل واوا، وهمزا أول الواوين رد ... في بدء غير شبه ووفي الأشد يعني أن الهمزة المذكورة تبدل ياء وتبدل واوا، فأما إبدالها ياء ففي كل ما كان معتل اللام بعد ما تفتح تلك الهمزة، والألف واللام في الهمز لتعريف العهد في الذكر، والذي تقدم له ذكره من الهمز ما كان عارضا في الجمع من ياء أو واو أو ألف، وذلك في المسألة المتقدمة آنفا، وفيما قبلها، فإذا وضع المسألة في الهمزة العارضة في الجمع فإنها إن كانت غير عارضة لم تبدل ياء، فجواءٍ في جمع جائية لا يقال فيه: جوايا، ولا في: نواءٍ: نوايا، وهو جمع نائية، لأن الهمزة فيه أصلية، من جاء يجيء، وناء ينوء، وكذلك ما أشبهه، ووجه التصحيح ظاهر، فإن الإعلال أبعد عن الأصلية منه عن العارضة، وأيضا فإنهم أرادوا التفرقة كما سيأتي، وما جاء على خلاف التصحيح فشاذ، نحو قولهم (في) جمع مرآة: مرايا، والقياس فيه مراءٍ، قال الراجز: مثل المرايا زلقات الأقطار وكذلك إن عرضت في المفرد فلا تبدل ياء، فلو بنيت فُواعلا من طويت وشويت لقلت: طُواءٍ وشواء. وكذلك في بناء فُعائل من مطوت [طويت] ورميت تقول:

стр. 5034

مطاء ورماء، وكذلك فُعائل من حييت أو غير ذلك من المعتل، لا تقول فيه: طُوايا ولا مُطايا ولا حُيايا، ولا ما أشبه ذلك، وهذا صحيح، وقد علل ذلك سيبويه بوجهين: أحدهما أن هذه الهمزة ليست بعارضة في جمع، وسبب الإبدال عروضها في الجمع كما تقدم، وإنما هي بمنزلة مفاعل من شأوت إذا قتل: مشاءٍ، وبمنزلة فاعل من جئت إذا قلت: جاءٍ؛ لأنها لم تخرج إلى مثل مفاعل من الجمع، فهمزتها بمنزلة همزة فعالٍ من حبيت، أي ليست بعارضة، وإنما هو بمنزلة ما هو من أصل الكلمة، ولذلك تجمعها على مطاء ولا تقول: مطايا. والثاني: أنك لو قلت: رُمايا ومُطايا لالتبس بالمفرد؛ لأن المفرد يكون على فُعالى نحو حبارى وحلاوى ونعامى، بخلاف فَعالى فإنه لا يكون على زنته مفرد، فأمنوا الالتباس في الجمع فأعلوا، ولم يأمنوه في المفرد فلم يعلوا. فلمجموع هاتين العلتين لم يحكموا للمفرد بحكم الجمع، وإلا فكان للقائل أن [القائل قد] يقول: إذا كانوا قد عاملوا المفرد في نحو فواعل من القول معاملة الجمع فهمزوا الواو الثانية، فهلا عاملوا المفرد هنا معاملته في قلب الهمزة، فيقال في الجواب ما تقدم من العلتين.

стр. 5035

ثم شرط في هذا الحكم اعتلال اللام بقوله: (فيما أعل لاما) يريد أن محل هذا الإبدال ما كانت لامه معتلة، فإن كانت لامه صحيحة لم يتعد ما تقدم له من ثبوت الهمزة نحو: رسائل، فلا يقال فيه رسايل، ولا في أوائل: أوايل، لأن لاماتها صحيحة، والاعتلال الذي أراد هو أن يكون ياء غير منقلبة عن شيء كهدية وهدايا، ورمية ورمايا وبقية وبقايا، أو منقلبة عن واو نحو: مطية ومطايا، وألية وألايا، قال كثير: قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الألية برتِ أو تكون همزة كخطيئة وخطايا ورزيئة ورزايا. وقال المازني: لو بنيت مثل فعيلة من جئت وسؤت كنت قائلا في تكسيره: جيايا وسوايا، وما أشبه ذلك، ولم يخرج من هذا الحكم إلا ما استثناه هو من جمع إداوة ونحوه، مما لامه واو قبلها ألف ظاهرة، فهذا هو الذي قصد، إلا أنه يُنظر في قصده بالإعلال، إذ لا يخلو أن يريد بقوله: (فيما أعل لاما) كون اللام قد دخله الإعلال كما كان ذلك مراده في قوله قبل: (وفي فاعل ما أعل عينا ذا اقتفي) أو يريد ما آخره حرف علة مطلقا، وحروف الاعتلال معروفة، فإن أراد الأول فيصح ويدخل له فيه ما لامه همزة أو واو أو ياء، لأن كل واحد من هذه الحروف يعتل في فعائل، أما الهمزة إذا كانت لاما فلا بد من إعلالها؛ لأنها تجتمع مع الهمزة العارضة في الجمع فيصير خطيئة إلى خطائئ

стр. 5036

فلا بد من إبدال الثانية ياء، حذرا من اجتماع الهمزتين، فقد اعتلت الهمزة إذا، ثم إذا تقلبت ياء فإنها تقلب إذا قلت: خطاءَيُ، وكذلك الياء الأصلية والمبدلة من واو، فعلى كل تقدير ما آخره أحد هذه الأحرف إذا جمع على فعائل لزمه إعلال آخره، فكلامه على هذا التقدير صحيح. وإن أراد الثاني، وهو ما آخره حرف علة، فهذا يمشي (له) فيما آخره ياء أو واو، وأما ما آخره همزة فليست الهمزة عندهم من حروف الاعتلال؛ ألا ترى أنها تجري بوجوه الإعراب مطلقا، وتكون الكلمة معها تجري مجرى ما آخره حرف صحيح، فيظهر إذًا -على هذا الوجه- أن يكون ما آخره همزة خارجا عن قاعدته، وهو خطأ محض، إذ الجميع في هذا الحكم على حد واحد، كما تقدم تمثيله، وليس ثم من يفرق بين ما آخره همزة وما ليس كذلك. لكن يجاب عن هذا بأن الهمزة في باب التصريف معدودة في حروف الاعتلال، لأنها لا تكاد تستقر على حال واحدة لدخول التسهيل عليها بالحذف والإبدال والتخفيف بين بين، فصارت كالواو والياء والألف. وإنما تعد الهمزة كالحروف الصحاح في باب الإعراب لظهوره فيها وجريانها بوجوهه، فلذلك عدها في حروف الاعتلال، والله أعلم. هذه شروط هذا الحكم المذكور، فإذا اجتمعت فُعِلَ بالكلمة ما ذكر من ترتيب الإعلال بعضه على بعض، إلا ما شذ من قولهم: غفر الله خطائِئَه، وقول

стр. 5037

الشاعر، أنشده سيبويه: له ما رأت عين البصير وفوقه ... سماء الإله فوق سبع سمائيا وشبهه. ثم في ذلك مسائلُ: إحداها: أن الذي ذكر هنا إنما هو فتح الهمزة وإبدالها ياء، وذلك قوله: (وافتح ورد الهمز يا فيما أعل لاما)، فذكر أمرين: فتح الهمزة وقبلها ياء، ولم يبين ما الذي يتقدم على صاحبه منهما، فيحتمل أن يكون الفتح مقدما على قلب الهمزة ياء، فحين قالوا: خطائي كمرائي فتحو الهمزة أولا فصار خطاءا، ثم أبدلوها (ياء) فقالوا: خطايا، وهذا هو الذي يقوله النحويون ويجري على ألسنة المعربين. ويحتمل أن يكون إبدال الهمزة ياء مقدما على الفتح فيكون أولا خطائيُ، ثم خطايا، وهذا ترتيب ما قال الفارسي في الإيضاح، ولا نص في كلام الناظم على وجه الترتيب، إلا أن يعتبر تقديمه لما قدم فيكون على ما رتب الناس سوى الفارسي أو يكون عطف بالواو التي لا تفيد رتبة إشعارا بأنك مخير، أي الأمرين قدمت فهو حسن. المسألة الثانية: النظر في ترتيب العمل في هذا الإعلال وما الذي يقتضيه كلام الناظم من ذلك، فأما ما آخره همزة نحو خطايا فأول أحواله

стр. 5038

خطايْئ، (بياء ساكنة لا تقبل الحركة كما تقدم من قول الخليل، فقلبت همزة لما تقدم ذكره من التقاء الساكنين فصار خطائئ)، بهمزتين فقلبت الثانية ياء فرارا من اجتماعهما في كلمة فصار خطائي، ثم حولت كسرة الهمزة فتحة لما كانت عارضة في الجمع، وإنما حولت فتحة هنا لأنهم قد قالوا في مداري [مدارى] وفي معاي: معايا، فأبدلوا الكسرة فتحة مع أنه ليس في الكلمة همزة عارضة في الجمع، فلما عرضت في خطائي (همزة)، كان ذلك تغييرا لحق الكلمة فاجترئ عليها بعد ذلك، فألزمت الفتح تخفيفا، لأن الفتح أيضا تغير [تغيير] كما أنهم لما لزمهم حذف الهاء من حنيفة (في النسب) اجترءوا على حذف الياء أيضا فقالوا: حنفي وأيضا فإنهم أرادوا أن يكون بين الهمزة العارضة في الجمع والهمزة التي كانت في الواحد فصل، فغيروا الهمزة في خطايا وأثبتوها في جَواءٍ جمع جائية. فإن قيل: فقد قالوا: قبائل وسفائن، فأقروا الهمزة وإن كانت عارضة في الجمع. قيل: إنما صحت الهمزة في سفائن لأن اللام صحيحة فلم يمكن تغيير الهمزة، هذا تعليل ابن جني. ثم نرجع إلى ترتيب العمل، فلما حولت الكسرة فتحة صارت خطاءَيُ، هكذا، فتحركت الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا على القاعدة الآتية بحول الله

стр. 5039

تعالى، فصار: خطاءا، فاستثقلوا اجتماع همزة بين ألفين لأنها بمنزلة ثلاثة أمثال لاتحاد مخرجها، فأبدلوها ياء اعتبارا بالواحد فصار: خطايا، كما ترى، فهذه ست مراتب (في وجه الصناعة في هذه المسألة. وأما ما آخره حرف علة غير الهمزة فله خمس مراتب)، يسقط من ذلك العمل بالهمزتين، فأول أحوال مطايا: مطائي، بياء ساكنة مجتمعة مع الألف، ثم مطائي، ثم مطاءَيُ، ثم مطاءا، ثم مطايا. فإذا تقرر هذا فيقال: إن الذي ذكر الناظم من هذه المراتب أربع مراتب، الأولى والثانية ذكرهما في المسألة المتقدمة، وذكر هنا التحويل فتحة والإبدال ياء، وترك إبدال الهمزة الثانية ياء في خطائئ وقلبها ألفا بعد الإبدال. وإنما ترك ذكرهما لأن لكل واحدة منهما قاعدة جُملية يذكرها، فإحداهما قاعدة تسهيل الهمزة، والأخرى قاعدة انقلاب الواو والياء ألفا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما. هذا وإن كانت هاتان المرتبتان في أثناء الترتيب فإن كل مرتبة تجذبها قاعدتها فتعمل فيها ما تقتضيه. المسألة الثالثة: النظر في وجه هذا العمل الذي ذكر، وعلى أي مذهب هو؟ فالذي لا يشك فيه من مذهبه أنه على مذهب الجماعة من أن هذه الهمزة المبدلة ياء إنما هي العارضة في الجمع، لأنه قال: (ورد الهمز يا فيما أعل لاما)، فأحال على الهمز المتقدم المعلوم، ولا همز فيما تقدم إلا العارض (في) الجمع، ونقل عن الخليل خلاف هذا، وأن خطايا ورزايا ونحوهما مما لامه

стр. 5040

همزة قد قلبت لامه التي هي الهمزة إلى موضع ياء فعيلة، وكأنها في التقدير: خطائي، ثم قلبت الهمزة فصارت في موضع الياء فصار: خطائيُ، فأبدلت الكسرة فتحة، وعمل بها ذلك العمل المتقدم، فحمله على القلب كما ترى، قال ابن جني: (وكأن الخليل إنما ذهب إلى القلب في هذا لأنه قد رآهم قلبوا نظيره مما لامه صحيحة نحو ما أنشد سيبويه: تكاد أواليها تفرَّى جلودها ... ويكتحل التالي بمور وحاصب أراد أوائلها فقلب. وقال الآخر: وكأن أولاها كعاب مقامر ... ضربت على شُزُن فهن شواعي أراد: شوائع، وقال الآخر: لقد زودتني يوم قو حزازةً ... مكان الشجا تجول حول الترائق أراد: التراقي، قال: فله أن يقول: إذا قلبوا فيما اللام فيه صحيحة فهم (أن) يقلبوا فيما اللام فيه معتلة أجدر، قال: ولأن القلب ضرب من الإعلال، والإعلال إلى المعتل أسبق منه إلى الصحيح). وقد رجح مذهب الجمهور بوجهين:

стр. 5041

أحدهما: أنه قد حكي عنهم: غفر الله خطائِئَه، بوزن خطاععه، وحكى أبو زيد: دريئة ودرائئ، بوزن دراعع، وخطيئة وخطائئ، فنطقوا كما ترى بالهمزتين، كما ذهب إليه غير الخليل، ولو كان على ما قاله لم يكن ثم همزة ثانية البتة. والثاني: وهو إلزام سيبويه لمن قال بالقلب أن هذا التغيير إنما ثبت في هذا النحو للهمزة العارضة في الجمع (كما تقدم)، بخلاف الهمزة الموجودة في المفرد فإنها لا تغير بل تبقى على حالها، فيقال في جمع جائية جواءٍ لا جوايا، وقد صارت الهمزة على قول الخليل هي الثابتة في المفرد وليست بعارضة في جمع، فكان الواجب أن يقال في خطايا: خطاءٍ وفي رزايا: رزاءٍ، كما يقال: جواء وسواء في جمع جائية وسائية. وقد أجاب الفارسي عن هذا الأخير إذ سأله ابن جني عنه فقال: (إن) اللام لما قدمت فجعلت في موضع الهمزة العارضة أشبهتها، فجرى عليها حكمها، فغيرت كما تغير العارضة في الجمع، كما تقول في جمع قوس: قسي، وأصله قووس، ولكنهم أخروا العين إلى موضع اللام، فكان يجب أن تصحح لأنها عين الفعل، فيقال: قُسُوٌّ، ولكنهم لما أخروها إلى موضع اللام أعلت كما تُقل [تعل] اللام، فجرى قسي مجرى عتي، وكذلك الأمر هنا، وهذا الاعتذار من

стр. 5042

الفارسي (قد يصح) أن يكون توجيها لمسموع لا إثبات لقياس، فالظاهر ما ذهب إليه الناظم والجماعة. وأما قلب الهمزة واو [واوا] ففيما آخره واو قبلها ألف، وذلك قوله: (وفي مثل هراوة جعل واوا)، يعني أنه يستثنى مما تقدم ما كان آخره كآخر هراوة فتجعل الهمزة العارضة في جمعه واوا لا ياء، ولا شك أن هراوة فيه وصفان، وهما: كون الواو صحيحة لم تعتل، وكونها بعد ألف، فكذلك يشترط فيما فيه هذا الحكم لأنه اشترط المماثلة لهراوة، فأما كون الواو صحيحة فلا بد منه تحرزا من نحو مطية ومطايا، فإن أصلها مطيوة فعيلة من مطا يمطو، فكان الأولى مثلا (أن يقال) مطاوَى، من أجل القصد الذي قصدوا في هراوَى، لكنهم لما كانوا قد أعلوه في الواحد بقلبه ياءً وإدغامِ الياء في الياء عاملوه معاملة ما أصله الياء، فقالوا: مطايا. فإذا ما جاء على خلاف هذا فمحفوظ نحو: شهية وشهاوى، وكان الأصل شهايا، لأنه كمطية، لكنهم اعتبروا الأصل فيها ولم يعتبروا إعلالها. وقد حكى ابن جني أيضا: مطية ومطاوى. ويحتمل أن يكون شهاوى جمع شهوى، فيكون على القياس. قال المازني: (فإن قال قائل: شهاوى جمع شهوى، فقد قال قولا يجوز)، وقواه ابن جني بقول العجاج:

стр. 5043

فهي شهاوَى وهو شهواني وقال: معنى شهواني (شهوان)، وهو مذكر شهوى. وأما وقوعها بعد ألف فتحرز من نحو عدوة، فلا يقال فيه على هذا عداوى، وكذلك ما أشبهه؛ لأن الألف لم تقع قبل الواو الصحيحة. وقد اعتبر هذا الشرط في التسهيل أيضا فقال: (مجعولة واوا إن سلمت في الواحد بعد ألف)، وهذا الشرط لم يشترطه غيره، وإنما اشترطوا صحة الواو في الواحد خاصة، فيقال (على) هذا القول في فعول من شأوت: شآوى، وعداوى في عدوة، وقد حكى سيبويه: فلوة وفلاوى. وكأن إنما اشترط هذا (الشرط) لأنه محل السماع الفاشي، ومحل نصوص الأئمة، فاقتصر عليه. وكلام سيبويه محتمل للقياس فيه ولعدم ذلك، ألا تراه بعد ما قرر القياس في إداوة ونحوه قال: (وقالوا: فلوة وفلاوى، لأن الواحد فيه واو، فأبدلوه في الجمع واوا) فيمكن أن يريد أن هذا لاحق في القياس بذلك، ويحتمل أن يكون توجيهه توجيه سماع، ولعل الناظم نحا هذا النحو؛ لأن العادة لسيبويه إذا قال بعد تقرير القياس: وقالوا: كذا، أنه لا يقيسه. فإذا اجتمع الشرطان صح جريان الحكم المذكور من إبدال الهمزة واوا نحو: هراوة وهراوى، وهو ما مثل به. والهراوة: العصا الضخمة، ومن مثله: إداوة وأداوى، وغباوة وغباوى، وشقاوة وشقاوى، وعلاوة وعلاوى.

стр. 5044

وقد ظهر من هذا أنه لم يرتض مذهب الأخفش في إبدال ياء نحو هدية واوا، فإنه يقول في هدية: هداوى، وفي رمية: رماوى، وكذلك ما أشبه ذلك مما لام ياء، والقياس القلب إلى الياء كما تقدم. وما اختاره الأخفش مخالف للسماع، وما جاء من هداوى في جمع هدية وأشاوى في جمع أشياء فشاذ لا يقاس عليه. وإنما أبدلت هنا واوا ولم تجر مجرى ما تقدم؛ لأنه لما ظهرت الواو في الواحد أرادوا أن يظهروا في التكسير ما كان في الواحد، فلم يمكنهم أن يظهروا الواو بنفهسا، لأن الواو التي في أداوى بدل من الهمزة التي هي بدل من ألف إداوة، فأبدلوا من الهمزة التي عرضت في الجمع واوا؛ لأن ذلك موضع تثبت في مثله الواو. قال ابن جني: وإنما فعلوا ذلك لأن اللام إذا كانت واوا رابعة فصاعدا فقد كثر قلبهم إياها إلى الياء نحو أغزيت واستغزيت ومغزيان وملهيان، وغازية ومحنية، فأظهروا الواو هنا من أداوى ونحوها ليعملوا [ليعلموا] أن الواو في إداوة وإن كانت رابعة فإنها كانت صحيحة غير منقلبة وإذا كانوا قد راعوا الزائد في الجمع نحو ياء خطيئة حتى قالوا: خطايا، فهم بمراعاة الأصل أجدر. ثم قال الناظم: (وهمزا أول الواوين رد) .. إلى آخره، هذا موضع خامس من المواضع التي يبدل فيها حرف العلة همزة. رُد -هنا- بمعنى صَيِّر أو

стр. 5045

أبدل، ولا أتحقق الآن هذا لغة، فانظر فيه. والرد ههنا يتعدى إلى مفعولين أولهما قوله: أول الواوين، والثاني قوله: همزا. و (في بدء) متعلق باسم فاعل محذوف حال من أول الواوين، أي: رد أول الواوين كائنا في بدء كذا همزا، ويريد أن الواوين المجتمعين في بدء الكلمة يجب أيضا إبدال السابقة منهما همزة إلا ما استثنى. هذا معنى كلامه في الجملة، إلا أن التفصيل يقتضي النظر في مواضع: أحدهما: أنه قال: (أول الواوين) فجعل الحكم متعلقا بالواوين المجتمعتين خاصة، وقصرُ ذلك يؤذن باختصاص الحكم بذلك دون ما يتصور من اجتماع حرفي العلة، وذلك لا يخلو من أوجه ثلاثة: أحدها: أن يكونا معا واوين، كما قال، ولا إشكال في تعلق الحكم بهما كما سيذكر إثر هذا. والثاني: أن يكونا معا ياءين كما لو بنيت مثل صيقل من اليسر فقلت: ييسر، أو من اليقظة فقلت: ييقظ، أو من يئس مثل يعسوب فقلت: ييئوس، (ومن ذلك في كلام العرب يَيْن، فكل ما كان على هذا النحو) لا تبدل منه الياء السابقة همزة. والثالث: أن يكون أحدهما واوا والآخر ياء نحو: ويح، وويس، وويل، ويوم ويُوح، ومثل يعسوب من وعد إذا قلت: يوعود، أو فعيل منه
следующие страницы →