Полный текст (5 477 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.
стр. 5146
هذا التضعيف باللام لا بالعين (وحدها) اعتبر فيها ذلك المقدار، فكان الكسر أولى عندهم. فالحكم في مثل هذا مذبذب، إذ كانت اللام ليست بأجنبية من العين، لأنهما أصلان، بخلاف الحرف الزائد فإنه أجنبي، فلذلك لم يعتبر تضعيف العين (به) كما تقدم. وإن فقد وصف كون الياء غير لام فكانت لاما فحكمها أيضا حكم هيم ونحوه، لكنه سيذكرها بعد هذا على تفصيل (غير تفصيل) الحكم في هيم، فلذلك أخر ذكر ذلك عن هذه المسألة، والله أعلم.
وواوا آثر الضم رد اليامتي ... ألفى لام فعل أو من قبل يا
كتاء بان من رمى كمقدره ... كذا إذا كسبعان صيره
وإن يكن عينا لفعلي وصفا ... فذاك بالوجهين عنهم يلفى
هذه مواضع أخر من قلب الياء واوا للضمة قبلها، فأولها أن تقع الياء لاما في فعل، وذلك قوله: "وواوا اثر الضم رد اليا متي. ألفى لام فعل". يعني أن الياء إذا وجدت في الكلام لاما لفعل لا لاسم فإن الياء ترد إلى الواو للضم
стр. 5147
الذي قبلها؛ وذلك أن الضمة توجد كذلك على وجه واحد، وهو أن يكون الفعل ماضيا، فإنه إن كان مضارعا كان على يفعل لا على يفعل، فلا تقع فيه (الياء بعد الضمة)، ولا يوجد في الماضي غير محول إلا في فعل واحد، وذلك نهو، أصله: نهي، من نهيت. وإنما امتنع ذلك في كلامهم لما يؤدي إليه من الخروج من الأخف إلى الأثقل؛ إذ يلزم فيه قلب الياء واوا كما فعلوا في نهو، لأن حركة العين تقوى على اللام وإن تحركت، من حيث كانت (اللام) ضعيفة، بخلاف ما إذا كانت عينا وهي متحركة فإن الضمة لا تقوى عليها كما تقدم، وإذا كان كذلك لم يكن بد من قلب الياء واوا، والياء أخف من الواو، مع أنهم إذا أتوا بالمضارع كان ولابد على يفعل، لأن باب فعل أن يكون على يفعل، فكنت تقول مثلا: رمو يرمو، فيجتمع في الماضي والمضارع واو، والضمة كالواو، فكان كاجتماع واوين، وذلك ثقيل، فهربوا مما كان مؤديا إلى ذلك. بخلاف الواو إذا وقعت لاما نحو: سرو، فإنه لا يلزم فيه خروج من خفة إلى ثقل، فاستعملوه وأهملوا الآخر. فإذا ثبت هذا لم يبق مما يقع عليه هذا القانون من الماضي إلا المحول إلى فعل من غيره، وذلك فعل اللازم له معنى التعجب، (وذلك) نحو: كرم الرجل زيد، وما/ أشبه ذلك. فإذا بني مثله من فعل لامه ياء
стр. 5148
لزم فيه لأجل قصد التعجب فعل، ولا ينقل إلى فعل لئلا يلتبس به، فاعتزموا عليه وقالوا: لقضو الرجل، من قضي يقضي، ورمو من الرمي، ونهو من النهي، وهدو من هدى يهدي، وكذلك ما أشبهه، فقلبوا فيه الياء واوا؛ إذ لم يمكنهم غير ذلك، فالفعل الذي أراد هو الفعل الماضي المبني على فعل، وهو عنده من المطرد في القياس، ولو فرضنا أن ليس بمقيس لكانت عبارته فيه صحيحة، لأنه إنما قال: "متى ألفى لام فعل"، أي: إذا وجد هذا في كلام العرب فحكمه هذا، بل لم يلتزم هو أن يوجد، فلا يعترض عليه بأن ذلك سماع فكيف تثبت له هنا قاعدة مطردة، لأن هذا من القواعد التصريفية الجارية في القياس وجد مقتضاها في السماع أو لم يوجد؛ ألا ترى أنهم يفرضون أشياء فيه أن لو كانت كيف تكون.
الثاني من المواضع: أن تكون الياء الواقعة بعد الضمة في آخر اسم لاما له أو غير لام، لكنها قبل تاء التأنيث، وكأن هذا الكلام من الناظم في (قوة) تقسيم، وهو أنه لما ذكر أولا حكم العين وما في حيزها في القلب وعدمه أخذ يذكر الآن اللام وما في حيزها أيضا، فكأنه يقول: إذا وقعت الياء بعد الضمة في آخر كلمة فإنها تبدل واوا في موضعين:
أحدهما: أن تقع لاما لفعل. ولم يستثن من ذلك شيئا، لأنها لا تكون آخر الفعل إلا لاما له.
стр. 5149
والثاني: أن تقع آخر اسم، لكن بشرط أن يكون في آخره هاء التأنيث أو الألف والنون.
وماعدا هذين الموضعين فلا تقلب فيه الياء واوا على ما سيذكر إن شاء الله تعالى.
فأما ما آخره الهاء فهو الذي نبه عليه بقوله: "أو من قبل تا". وهو معطوف على معنى "لام فعل"، لأن معناه: في موضع اللام، إذ ليست لام التمثيل بعينها، فجاء قوله: "من قبل تا" معطوفا على هذا المعنى، كأنه قال: ألفى في موضع اللام، أو من قبل تاء. لكن لما كان قوله "من قبل تا" لا وجود له في كلام العرب على هذا المثال الذي يذكره؛ إذ لم يسمع مثال مقدرة من الرمي في الكلام، وإنما هو فرض فرضوه على قولهم عرقوة وقمحدوة ونحوهما- لم يترك كلامه مبهما (فقال): "لتاء بان من رمى كمقدرة"، أي: كالتاء الموجودة في بناء من بنى من رمى مثل مقدرة. فقوله: "كتاء بان" على حذف مضاف، أي: بناء بان، إذ الباني بنفسه ليس له تاء إلا في بنائه الذي بني، وبناؤه المبني على هذا المثال هو قولك: مرموة، لأن شرط البناء مقابلة الأصلي بالأصلي والزائد بالزائد، كما هو مذكور في الكتب المبسوطة، فالأصل أن يقال هنا في البناء من رمى: مرمية. وهذا الذي أشار إليه بأن تقلب ياؤه واوا للضمة، وكذلك ما كان نحوه من بنائك على مثال مقدرة من سرى يسري فتقول: مسروة، أو من بني فتقول: مبنوة أو من عنى يعني فتقول: معنوة. وكذلك ما أشبهه، فتقلب الياء واوا، ولا تقلب الضمة كسرة فتصح الياء، قالوا:
стр. 5150
لأن الكلمة لما بنيت على هاء التأنيث فصارت غير مفارقة لها صارت الواو فيها بمنزلة واو قمحدوة/ وقلنسوة وعرقوة وترقوة، فقد جرت الهاء هنا مجرى الألف والنون على ما يأتي في كون الكلمة مبنية كلها لم تكن الكلمة موجودة قبل الألف والنون في نحو: عثمان وعمران، فكنت أولا تستعمل عثم وعمر ثم دخلتا عليهما، فكذلك المسألة الأخرى، لم يكون قمحدو، وعرقو، ونحوهما، هكذا مستعملا ثم دخلت عليه التاء.
ويتعلق بكلامه هنا مسألتان:
إحداهما: أن من شرط هذا الحكم الذي قرر في مثال مقدرة من الرمي أن يكون مبنيا على تاء التأنيث كما تقدم في التعليل أنفا، فإنها أن لم تكن الكلمة مبينية عليها لم يصح هذا الحكم، بل ينعكس الأمر، فتحكم اللام على الضمة فتنقلب كسرة، فتقول في مرموة: مرمية، كما لو قدرت سقوطها من قمحدوة لقلت: قمحدية. إلا أن العرب عاملته على لزوم التاء، ولأجل هذا الشرط يقول المازني وغيره حين يذكرون هذا: تقول في مفعله من رميت: مرموة، إذا بنيتها على التأنيث، ومرمية، إذا بنيتها على التذكير. ومعنى ذلك أن تقدر الكلمة من أول أحوالها غير منفكة من التاء أو تقدرها منفكة وإن لم ينطق بها إلا بالتاء، فهو عندهم أمر تقديري، ؤإذا كان كذلك فالناظم لم يشترط هذا الشرط، ولا ظهر من كلامه إشارة إليه، فاقتضي أنك تقول: مرموة، وإن قدرت
стр. 5151
أنه أتى (به) على التذكير. وذلك غير صحيح، بل الحكم عندهم- كما ذكرت- لك، فكلامه إذا مشكل.
والجواب عن هذا: (أن) في كلامه ما يرفع عنه الاعتراض، وذلك أنه قد تقرر من مذهبه في هذا النحو على ما بينه لنا شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف- ﵀ أن اللزوم وعدمه عنده ليس إلا من جهة السماع فما سمع في مثاله النطق بالمذكر فهو الذي يصح فيه عنده وعند غيره البناء على التذكير، (و) مالم يسمع فيه المذكر فهو المبني على التأنيث، وهو مذهب سيبويه والحذاق، ولذلك قيد هنا التاء بكونها في مثال لم يسمع له بمذكر (وهو مقدرة)، فقال: "كتاء بان من رمى كمقدرة"، والكاف هنا في موضع الصفة لتاء، كأنه قال: أو من قبل تاء هذه صفتها. فالمثال فيه تقيد ضروري هو هذا، فإذا بنيت من الرمي مثلا مثل فعله قلت: رمية، إن لم تقدر بناءه على التاء، لأنك بنيت على مثال مالا يلزمه التاء، بخلاف ما إذا بنيت منه مثال مقدرة فإنك (لا) تقول إلا مرموة، ولا تقول في هذا: مرمية، كما (لا) تقول في الأول: رموة، لأنه ليس لك الخيرة في ذلك دون العرب. هذا قياس ما قال: ولذلك بنت العرب في عرقوة (و) قمحدوة على التأنيث البته؛ إذ ليس في الكلام وزان
стр. 5152
فعلو ولا فعلو، ولم تنطق العرب قط بعرق ولا قمحد على معناه وهو بالتاء. وأما القلنسي والعرقي فجمع لا مفرد. فإذا ثبت هذا مقدرة الذي مثل به مما بنى على التاء في مذهبه البتة، لأنه لم ينطق له بمذكر، ولا في الكلام مثال مفعل، وأما مكرم ومعون فهو إما/ غير ثابت وإما شاذ، فلا يكون ما بني على مثاله إلا كذلك، وهذا واضح فلا اعتراض عليه حيث اختار اصح المذهبين. وقد أثمر اشتراطه لكون التاء مثلها في نحو مرموة أن يجري ذلك الحكم في كل تاء شانها أن تبني عليها الكلمة إما سماعا كما تقدم، وإما اعتقادا لذلك فيها، فإنك إذا بنيت مثال ما فيه التاء فلك أن تعتقد بناء الكلمة عليها مع كونها قد سمع سقوطها في مثاله، وأن تعتقد سقوطها، وتبني الحكم على الاعتقادين؛ فإذا بنيت من الرمي مثل مفعلة قلت على اعتقاد البناء على التاء: مرموة، بمقتضى كلام الناظم، لأنه شرط في قلب الياء واوا للضمة بناء الكلمة على التاء، وتقول على اعتقاد السقوط: مرمية، فلا تترك الضمة بل تقبلها كسرة والواو ياء؛ إذ تخلف شرطه، فيدخل في باب أدل وأجر. وكذلك إذا بنيت من الرمي مثل حذرة قلت: رموة على البناء، ورمية على عدمه. ومنه ما تقدم من بناء فعلة، ومن ذلك كثير، فكل ما اعتقد فيه البناء على التاء فلا حق بمرموة، وكل ما لحظ فيه لحظ السقوط فخارج عن حكمه، وهذا ظاهر.
стр. 5153
والمسألة الثانية: أنه فرض ههنا بناء مثال آخر وأجازه، أما فرض البناء فكأنه (غير) متفق على صحته عند الحذاق في الجملة، وقد بوب عليه سيبويه، وهو أن تبنى من المعتل ما له نظير من الصحيح وتبين وجه اعتلاله. وتعدى به الناس إلى البناء (من) الصحيح ما له نظير من الصحيح، وهو من الاختراع الحسن في معناه، وهو في المفردات نظير باب الإخبار في المركبات وكثيرا ما يغلط (الناس) فيه كغلطهم في الأخبار أو أشد، لصعوبة مرامه، وبعد أغراضه، ولطف الصنعة، فيه، وخفاء مبانيه. لكن من تنبه له وتمرن فيه عد نبيل القوم، ورافع راية الإمامة في التصريف. والناظم قد ظهر منه إجازة ذلك كمذهب الجمهور، وذهب الجرمي إلى المنع من ذلك رأسا محتجا بأن النحوي إنما كلامه فيما تكلمت به العرب، وفيه تقع الفائدة المطلوبة من النحو، لأن اختراع اللغة باطل، وإذا كان كذلك فلا معنى لها الفن، وإذ هو تشاغل بما لم تتكلم به العرب، فهو تعطيل للزمان من غير ثمرة. والذين أجازوا اختلفوا على القولين:
أحدهما: جواز البناء مطلا كان له نظير في كلام العرب أو لم يكن. وهو مذهب الأخفش، وحجته أنك بنيت مثلا مثل جالينوس أو
стр. 5154
مرزنجوش أو آجر، فلا يعني أن ذلك من كلام العرب، وإنما ذلك على جهة التدريب والتعليم، أي: لو بنت العرب مثل هذا من الغزو مثلا أو من الرد لكان على ماثبت من أقيسة كلامهم، فكما يتشاغل بالتعليل والتوجيه فيما أعتل من كلامهم وما لم يعتل على أن القصد من ذلك تثبيت القوانين وتأكيد تعليمها، كذلك في هذا أيضا تثبيت القوانين الثابتة من كلامهم وتأكيد. وكان أبو الحسن لأجل هذا يبني جميع ما يسأل عنه، فيقول: مسألتك/ ليست بخطأ وتمثيلي عليها صواب. قال: فإن أبي صاحبك فقل له: فلو جاء فكيف كان ينبغي أن يكون، فإنه لا يجد بدا من الرجوع إليك. وأيضا فإن ضرنببا إذا بني على مثال جحنفل لا معنى له في كلام العرب، فلم لا نبني على ما لا مثال له أيضا، وكلاهما ليس من كلامهم. قال السيرافي: ويقومه أن القائل: ابن لي مثل جالينوس لم يكلف أن يجعل هذا (البناء) من كلامهم.
والقول الثاني: مذهب سيبويه، وهو المتوسط، وهو أن في البناء من المعتل المضاعف مثل ما ورد في الصحيح كفاية في التدريب، من أنا لا نخرج بالجملة، عن نظائر كلامهم، وأما البناء من الصحيح فليس فيه تدريب، فلا ينبني منه (شيء)، لأن لنا شغلا فيما نقل من كلامهم.
قال ابن الضائع: وجميع هذه المذاهب صحيح. قال: وعندي أنه لا خلاف بينهم، وإنما هي مذاهب في زيادة التعليم. يريد: لا أنها مذاهب في
стр. 5155
الإلحاق بكلام العرب ما لم يوجد فيه. وذكر أن وضع مثل هذا وضع لغة لم تكلم بها العرب.
وقد نقل هذا الخلاف على معنى أنه ينطق به في الكلام، ويلحق بكلام العرب، ويجوز استعمال تلك الأبنية في ضرائر الشعر أو غيرها، وهو مذهب ابن جنى نصا. وليس الكلام في ذلك هنا، وإنما الكلام هنا على جواز البناء على الجملة أو عدمه، ولا شك أن الناظم حين فرض البناء قائل بقول الجمهور في الجواز لكن لا يتعين هنا مذهب الأخفش من غيره، لأنه بني على ما وجد مثله في كلام العرب، وأيضا فهو بناء من المعتل إذ هو من رميت على مثال الصحيح، وهو مقدرة، وسبعان، وهو الراجح في النظر عندهم لما فيه من التدريب والاعتياد لقوانين التصريف وغيره حتى يصير هذا العلم ملكة في قريب من الزمان. وإن أردت بسط الخلاف على أتم من هذا فابن جنى في المنصف قد أتى فيه ببسط على وجه آخر وطريقة أخرى، وذكر ذلك السيرافي وغيره.
وأما ما آخره ألف ونون فهو الذي أشار إليه بقوله: "كذا إذا كسبعان صيرة" الهاء في "صيره" عائد على البناء المتقدم وهو البناء من رمى، يعني أن هذا الحكم المذكور من قلب الياء واوا للضمة قبلها ثابت فيما إذا بنيت من رمى مثل سبعان، فالأصل أن تقول: رميان، بإظهار الياء، لكن لما كانت الياء ضعيفة لأنها لام، واللام أضعف من العين قويت الضمة عليها ولم تقو على العين، ألا ترى أنك تقول: رجل عيبة، فلم تقلب الياء واوا لكونها عينا، بخلاف اللام لضعفها، ولم تقلب الضمة كسرة للياء لكون الكلمة قد بنيت عليها فصارت
стр. 5156
حشوًا بالألف والنون، وهما أشد في بناء الكلمة عليهما من التاء، لأن الهاء قد تعد كالكلمة المنفصلة، بخلاف الألف والنون فإنها حروف الكلمة البتة، وعلى هذا تقول في فعلان من حييت: حيوان فتقلب الياء الثانية واوا للضمة كما فعلت ذلك في رموان وما أشبه ذلك.
فإذا تقرر هذا فاعلم أنه يتعلق/ بكلام الناظم أشياء:
أحدهما: أن قوله: "واوا آثر الضم رد اليا"، ظاهره أنه يريد الضم على اطلاقه والضم تارة يكون ظاهرا كما تقدم من الأمثلة وتارة يكون خفيا وذلك حيث يسكن تخفيفا، فنص سيبويه وغيره على أن الحكم في ذلك واحد، فإن ذهاب الضمة للتخفيف لا يرفع حكمها، لأن زوالها عارض، فأما في فعل من الفعل فإنك تقول: لقضو الرجل، وهو من قضى يقضي، وهذا مسموع فتركوا الواو على حالها بعد التكسير لأنه في حكم الظهور، وعلى هذا تقول في رمو: رمو، وفي نهو، نهو، ولا ترد الواو إلى أصلها. وأما في فعلان فتقول في: رموان: رموان، وفي حيوان: حيوان، ونترك الواو على حالها لو ظهرت الضمة، لأنها مقدرة الظهور. وكذلك إذا بنيت فعلان من الرمي ثم سكنت العين لقلت: رموان، كما أنك إذا قلت في بناء فعلة أو فعلة منه: رموه ورموة ثم سكنت لقلت: رموة ورموة. والمسائل كثيرة، والتفريع متأت.
والثاني: أنه قد ظهر من استقراء كلام الناظم أن تمثيله في هذه المسألة إنما هو بالمعتل اللام وحدها، فظهر بذلك قصده إلى ذكر ذلك وحده دون المعتل
стр. 5157
العين واللام معا، فإن ذلك إنما يتأتى فيما مثل به لا في غيره، فإنك لو أردت أن تبني من طويت أو حييت مثل فعل لم يجز، لأنك تقول في المبني من حيى: حيو، وليس ذلك بموجود في الكلام، أعني أن يكون ما عينه ولامه ياءان على فعل، وكذلك لو قلت: طوو، لم يكن لذلك نظير في الكلام لما فيه من ثقل التضعيف. ولذلك أمتنع أن تبني من القوة والحوة على فعل، وأيضا لو فرضناه لوجب الإدغام كما تقول في فعلان من طويت: طيان. وكذلك لو بنيت منهما نحو مقدرة لم يجز، لأنك كنت تقول في طويت: مطووة، وهذا غير جائز لأجتماع الواواين ولذلك قال سيبويه والخليل في ترقوة من الغزو: غزوية، لا غير، ولم يجز غزووة لاجتماع الواواين، وإنما يجوز من ذلك البناء من حيى فتقول: محيوة، وكذلك إذا بنيت منه فعلان قلت: حيوان ذكره المازني على أنه منازع فيه (وفيما قبله) غير متفق عليهما. وكذلك يجوز- على خلاف- أن تقول من طويت: طووان، على إجازة سيبويه قووان من القوة، وغيره يمنع ذلك. وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابا كثيرا.
والثالث: أنه ذكر حكم الآخر مع التاء، ومع الألف والنون، ولم يذكر حكمه مع ألفي التأنيث مع أنهما كالألف والنون في ذلك، فإنك تقول إذا بنيت مثال الأربعاء من الرمي: أرمواء، أصله أرمياء، وكذلك مثال الأربعاء: أرمواء،
стр. 5158
أصله أرمياء، فكان من حقه أن يذكر ذلك، وقد نبه عليه في التسهيل حيث قال: "وتبدل الألف واوا لوقوعها إثر الضمة"، ثم قال: "والواقعة آخر فعل، أو قبل علامة تأنيث بنيت الكلمة عليها. وأطلق في علامة التأنيث ولم يقيدها بهاء دون غيرها، إلا أنه جرى على عادة الجمهور إذ لم يفرضوا ألفي التأنيث في هذه المسألة كسيبويه والمازني وابن جني وغيرهم.
والرابع: أن/ هذا الفصل تقرر فيه أن الضمة إذا وقعت بعدها الياء وكانت آخرا تقلب واوا للضمة، وذلك إذا كانت أحد تلك الأشياء، فاقتضى أنها إذا لم تكن على تلك الأوجه فإن الياء لا تقلب (واوا)، وذلك نحو: أظب جمع ظبي، أصله أظبى. وكذلك إذا بنيت من رمى مثل ترتم قلت: رمي أصله: رميى، أو من بنى قلت: بني، (أصله): بنيى وإذا كان كذلك فلابد من الإعلام، لأن حرف العلة إذا كان آخرا فهو أضعف منه إذا كان وسطا، فلابد من أحد الأمرين، امتنع أحدهما بإشارة الناظم إلى ذلك، وهو إبدال واوا (لأنه) قد خصه بفعل
стр. 5159
ومفعلة وفعلان ونحوهما، فلو دخل مثل أظب في هذا الحكم لم يكن لتخصيصه ما خصص ذكره وجه، فلم يبق إلا أن يكون خارجا عنه، وإذا خرج عنه لم يعط المفهوم فيه إلا أن الياء لا تقلب واوا، فيبقى إذا الحكم في المسألة مجهولا غير معلوم؛ إذ ليس عدم القلب ياء بمعين لشيء فكيف وهو دائر بين التصحيح وبين قلب الياء واوا للضمة، وإذا كان كذلك ثبت أن مسألة أظب مغفلة في هذا النظم على شهرتها وكثيرة دورها مضمومة إلى مسألة أدل وأجر ونحوهما مما آخره واو قبلها ضمة، ومثل هذا يعترض عليه في إغفاله إياه، وليس كل داء يعالجه الطبيب!
ثم قال: "وإن تكن عينا لفعلى وصفا" ... إلى اخره. ضمير "تكن" عائد على الياء التي انضم ما قبلها، والإشارة بذلك إلى البناء على فعلى الذي عينه ياء، وهو وصف، ويريد أن فعلى- بضم الفاء- إذا كان عينها ياء، وكانت وصفا لا اسما فإن فيها وجهين من الإعلال، وهما المتقدمان، ولذلك أتى بالألف واللام التي للعهد في الذكر، وذلك أنه ذكر فيما إذا انضم ما قبل الياء على الجملة وجهين من الإعلال، وهما انقلاب الضمة كسرة لأجل الياء، وانقلاب الياء واوا لأجل الضمة، هذا الذي تقدم له، فلابد أن تكون الألف واللام محالا بها على ذلك، فكأنه يقول أنت بالخيار في أن تقلب الضمة كسرة لأجل الياء فتقول: المراة الكيسي، من الكيس، والمرأة الطيبى من الطيب، وكذلك قسمة ضيزى، وامرأة حيكي، أصله فعلى بالضم (لا فعلى)، والدليل على ذلك
стр. 5160
أن فِعْلى- بكسر العين- في الصفات معدوم عند الأكثر ونادر عند المؤلف، إذ حكي منه: عزهى وضئزى، بالهمز. وتأول غيره ضئزى على أنه مصدر وصف به، وإذا كان كذلك ثبت أنه فعلى، فكان الأصل كيسي وطيبي، لكنهم قلبوا الصمة كسرة لتصح الياء، كما فعلوا ذلك في فعل الذي هو جمع كبيض، أو تقلب الياء واوا لأجل الضمة قبلها فتقول: الطوبي والكوسي وحوكي وضوزي، وضوزي أشبه بذلك، كما فعلت (ذلك) في فعل من البيع. حين قلت على مذهبه بوغ. وإنما مثلت بالطوبي والكوسي وإن كانا من فعلي التفضيل بناء على مذهبه فيها في التسهيل. وتقييده فعلي بالوصفية يخرج ما لم يكن منها وصفا. فكل ما كان من الأسماء على فعلى وعينه ياء فليس يدخل تحت الحكم بالوجهين، وإنما فيه وجه واحد/، إلا أن هذا الوجه لم يتعين هنا، فيحتمل أحد هذين الوجهين، والذي يتعين هنا هو قلب الياء لتصح الضمة نحو قولك: طوبي لزيد، قال تعالى ك ﴿طوبي لهم وحسن مآب﴾. وهذه ليست بصفة ولا هي تأنيث الأطيب وإلا لزمت الألف واللام أو الإضافة، فثبت (أنها) اسم. وكذلك ما كان من الفعلى اسما غير صفة، ولذلك لو بنيت فعلي من البيع لقلت: بوعى، أو من الخير لقلت: خوري، أو من العين لقلت: عوني. وكذلك ما أشبهه.
стр. 5161
فإن قيل: ما الذي يدل من كلامه على تعيين هذا الوجه دون الوجه الأول؟
فالجواب: أنه قد قدم أن الياء تقلب واوا إذا سكنت لأجل الضمة قبلها، ففعلي الاسم والصفة في الحقيقة كانا داخلين في ضمن عقده هناك، إلا أنه أخرج الصفة لما جاز (فيها) من الوجهين عنده، فبقى الاسم على ذلك الأصل، وهذا ظاهر جدا، فليس (حكم) فعلي الاسم بمأخوذ من المفهوم هنا، بل من النص هنالك.
ثم ههنا على الناظم سؤالات:
أحدهما: أنه قال: "فذاك بالوجهين"، يعني المتقدمين، ولم يتقدم له في الياء التي قبلها ضمة وجهان فقط، بل ثلاثة (أوجه)، أحدها: التصحيح فتبقى الضمة على أصلها غير منقلبة والياء كذلك على أصلها، والثاني والثالث هما هذان، وعلى هذا فيحتمل كلامه (من حيث) لم يقتصر على وجهي الإعلال أن يكون الوجهان هنا يريد بهما التصحيح والإعلال على وجهيه كليهما، أو على أحدهما، لكن هذا غير صحيح؛ إذ ليس الوجهان هنا إلا وجها الإعلال خاصة، وأما التصحيح فلا يصح ولا تكلمت به العرب قط، فكان كلامه على هذا مشكلا.
والثاني: على "تسليم أنه أراد وجهي الإعلال لم يذكر أن أحدهما أكثر من الأخر، (بل) قال: "فذاك بالوجهين عنهم يلفى"، فأطلق، فاقتضى أنهما
стр. 5162
على حد سواء، كيف وسيبويه وغيره يقولون: ليس لهم في هذا إلا وجه واحد، وهو قلب الضمة كسرة كما قلبت في بيض، ولم يجيزوا غيره، وما جاء من ذلك فشاذ محفوظ لا يقاس عليه، ووجه مخالفة الصفة الاسم هنا التفرقة بينهما كما فرقوا بين الأسم والصفة في فعلي و (في) فعلي، كما يأتي بحول الله تعالى، وقد جعل قلب الياء واوا في التسهيل قليلا، فعلى كل تقدير لم يرتكب ما قال النحويون، ولا ما قاله في التسهيل.
والثالث: أنه حين ذكر الوجهين في الصفة كان من حقه أن يذكر الوجهين في الاسم؛ لأنه قد حكاهما في التسهيل، فقال: "وتبدل الضمة في الجمع كسرة فيتعين الصحيح"، ثم قال: "ويفعل ذلك بالفعلي صفة كثيرا، وبمفرد غيرها قليلا". فدخل في هذا القليل فعلي الاسم، فإذ ذكر في الصفة الوجهين على اختلافهما فكان من حقه أن يذكر مثل (ذلك). في الاسم وإن كان ذلك ليس مذهب سيبويه فإنه قد جاء أيضا في السماع، فكي ابن جني عن أبي حاتم قال: "قرأ على أعرابي بالحرم (طيبى لهم وحسن مآب) قفلت له: طوبي فقال: طيبى. قلت: طوبى! قال: طيبى. فلما طال على قلت له: طوطو/ فقال: طي طي". فظهر أن طيبي لغة هذا
стр. 5163
القارئ، ولا يكون ذلك إلا لأنها لغة لبعض العرب وإن كان الأكثر إبدال الياء واوا. فإذا قوله: "وصفا"، زيادة على طريقته لا يحتاج إليها.
والرابع: أن كلامه حصر قسمين، قسم الاسم المحض كطوبي، وقسم الصفة المحضة كحيكى. وبقى له قسم ثالث مذبذب، وهو الفعلى تأنيث الأفعل، وهذا القسم متردد، بين الأسماء والصفات، ولذلك يشكل حكمه في كلام المؤلف، فمن حيث هو صفة في الأصل يتوهم دخوله في قسم الصفات، فيكون إذ ذاك حكمه فيه حكم الصفة في جواز الوجهين، وهذا غير ما ذكره النحويون سيبويه وغيره، لأنهم ألزموا في فعلي تأنيث الأفعل نحو الطيبي والكيسي الإجراء مجرى الأسماء فتقول فيه: الطوبي والكوسي لا غير، وما جاء على خلاف ذلك فنادر لامبالاة به، وأيضا فيوهم على هذا أن يكون من الصفات المحضة، وهو خلاف ما قاله الناس أجمعون؛ إذ ليس الفعلي أنثى الأفعل عندهم إلا في حيز الأسماء [و] من حيث هو جاز مجرى الأسماء يوهم أنه يحكم عليه بحكم الأسماء، وهو خلاف لما نص عليه في التهسيل، إذا جعل الفعلي تأنيث الأفعل من الصفات المحضة فقال: "والصفة المحضة كالعليا والدنيا تأنيث الأدنى، والجارية مجرى الأسماء الدنيا إذا أريد بها هذه الدار". فإذا كان هذا عنده كذلك كان هذا القسم في كلامه مشكلا جدا، ولو لم يكن مترددا بين القسمين لم يقع في كلامه إشكال.
والجواب عن السؤال الأول: أن الوجهين المحال عليهما ليسا إلا وجهي الإعلال، والتصحيح لا يمكن إجراؤه، لأن الياء ساكنة، ولم يتقدم له في الياء
стр. 5164
الساكنة التي قبلها ضمة تصحيح أصلا، وإنما جاء في المتحركة، وهذه ليست بمتحركة، فلم يبق إلا ما تقدم من وجهي الإعلال.
والجواب عن الثاني: أنه قد مضى له مثل هذا مما أحد الوجهين فيه أرجح من الآخر، ولم ينبه على ذلك اتكالا على إطلاق الجواز فيهما (معا، إلا أن إطلاق الجواز) فيه مخالفة لمذاهب الناس؛ إذ لا أعلم في الصفة خلافا في أنها على وجه واحد، وهو قلب الضمة كسرة وتصحيح الياء إلا ما يجري على مذهب الأخفش في نحو فعل من البيع وما أشبهه، ولم أره منصوصا عنه هكذا. ولعل الناظم إذ كان مذهبه هنالك مذهب لأخفش، وكان قد سمع هنا شيء مما يقتضيه وإن كان نادرا أخذ به، مع ما جاء في السماع الفاشي من موافقة مذهب سيبويه، فجعلهما وجهين متساويين عنده، لأن أحدهما عضده جريانه عنده على القياس وإن كان في السماع قليلا، (والآخر) عضده السماع الفاشي وإن كان ليس بموافق للقياس عنده، فاستويا عنده من هذه الجهة، فأطلق الوجهين إطلاقا إعمالا للدليلين وجمعا بين المذهبين. وعلى هذا يجري الجواب عن السؤال الثالث، لأن طيبي، ونحوه مما جاء قليلا في الأسماء لا قياس (له) يعضده حتى يقاوم عنده/ الوجه الآخر أو يدانيه، فلم يجعله وجها جائزا مع لآخر الذي عليه
стр. 5165
الجماعة، بل جعله لقتله معتد به. وهذا حسن من الاستنباط لا يبعد عن أغراض الناظم في هذا النظم، وأيضا فقد يكون الجواب عن هذين مبنيا على الجواب عن الرابع، وهو أن مذهبه في التسهيل أن الفعلي تأنيث الأفعل من قبيل الصفات المحضة لا مما جرى مجرى الأسماء، ولذلك عني بتمثيل ذلك والتعريف به حيث قال: "والصفة المحضة كالعليا والدنيا تأنيث الأدنى" .. إلى آخره، وقد مر ذكره فوق هذا، قال شيخنا القاضي- ﵀: هذا تبيين لما اصطلح عليه لنفسه؛ إذ هو مخالف لسائر النحويين، فلذلك أتى به، وإلا فكان يكون من قبيل الفضول، إذ ليس من شأنه التمثيل، فإذا إنما بني هنا على ما بينه هنالك، فيجوز عنده فيه الوجهان. وقد أجاز غير الناظم في فعلي التفضيل الوجهين بناء على الاعتبارين لابناء على مذهب الناظم؛ إذ هو في هذه المسألة مخالف للنحويين، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. فنقول على هذا: الكيسي والكوسي، والطيبي والطوبي، وكذلك الميلي والمولى، والبيني والبوني، في تأنيث الأميل والأبين، وكذلك ما أشبهه، (وإذا كان كذلك) فسيبويه حين كان مذهبه في فعلي الأفعل القلب واوا للضمة، لأنه عنده اسم، وكان مذهبه في الصفة قلبه الضمة لأجل الياء فهذا وجهان قياسان عنده، فأخذ الناظم المذهبين في الصفة على الجملة، لأن فعلي الأفعل عنده صفة، فقد ثبت فيه قلب الياء واوا، وحيكي وضيزي ثبت فيهما وفيما أشبهها قلب الضمة كسرة، مع أن كلا القسمين قد سمعت فيه المخالفة، فقالوا في فعلي الأفصل: الكيسي. وقالوا في تصريف ضيزي: صزته، قال ابن جني في الضم الذي هو دليل على الواو: يحتمل أن
стр. 5166
يكون الضيزى منه ضوزى، فعدلت إلى كسر الياء لتنقلب الواو ياء فتخف الكلمة مع أمن اللبس؛ لأنه ليس في الكلام فعلي صفة. قال: ولا نقول على هذا في فعل من القول ونحوه: قيل، لئلا يلتبس فعل بفعل. فإذا كان كذلك اعتدل الأمران، فادعى الناظم لذلك اعتدال الوجهين، والله اعلم.
وقوله: "كذلك بالوجهين عنهم يلفي"، أي: يوجد بالوجهين، ويعني في السماع.
فصل
من لام فعلي اسما أتى الواو بدل ... ياء كتقوى، غالبا جاذا البدل
بالعكس جاء لام فعلي وصفا ... وكون قصوى نادرا الا يخفى
إنما جعل هذا فصلا على حدته لأن الإعلال فيه لغير موجب
قياسي، بل كان القياس في بعضه خلاف ما جاء به السماع، وذلك فعلي الاسم نحو التقوى، فكونهم قلبوا الياء إلى واو على خلاف القياس؛ إذ عادتهم أن يقلبوا الأثقل إلى الأخف، وهم قد عكسوا الحكم هنا فقلبوا الياء التي هي أخف إلى الواو إلى هي أثقل. وقد رام ابن جني أن يرى في هذا وجها من الاعتلال غير ما قالوا من التفرقة بين الاسم/ والصفة فقال: لما غلبت الياء الواو في أكثر المواضع أرادوا أن يعوضوا الواو من
стр. 5167
كثرة دخول الياء عليها فقلبوا الياء، قال: وإنما خصوا اللام دون الفاء والعين لأن اللام أقبل للتغيير لتأخرها وضعفها، وكان ذلك في الاسم دون الصفة لأن الواو أثقل، فأرادوا أن يجعلوا الأثقل في الأضعف؛ إذ الاسم أخف من الصفة، لأن الصفة مقاربة للفعل. قال: "فتأمل هذا فهو أقرب ما يقال في هذا". وما قاله ليس له تلك القوة مع أنه منتزع (من سيبويه).
فلما كان هذا (على: هذا) الوصف فصله عما تقدم، وإن كان الجميع إبدالا جاريا في الاطراد جريانا واحدا.
وتكلم هنا على فعلي وفعلي- بفتح الفاء وضمها- وترك الكلام على فعلي بكسرها وذلك لأمر عليه انبني الإبدال هنا، وهو أنهم أراداوا التفرقة بين الاسم والصفة فأبدلوا في أحدهما ولم يبدلوا في الآخر ليحصل الفرق بن الضربين، ولما كان فعلي وفعلي يقعان اسما وصفة فالاسم من المفتوح الفاء نحو علقي وسلمى ورضوى، والصفة نحو عطشي وسكري، والاسم من مضمومها نحو البهمي والحمى والعمري، والصفة نحو الأنثى والحبلى والشؤمى- جاء بهما في هذا الموضع لأنهما محل التفرقة. وأما فعلى بالكسر فإنما أتى اسما ولم يأت صفة، وما جاء من عزهى وضئرى فشاذ أو مؤول، فلم يتعلق به إذا حكم التفرقة، إذ ليس ثم ما يفرق.
стр. 5168
فأما فعلى- بفتح العين- فإنه على قسمين:
أحدهما: أن يكون لامه واوا كالجدوى من جدوته، والجلوى من جلوت، والسلوى من سلوت، والبلوى من بلوت. ومن الصفة شهوى ونشوى. فهذا لم يقع فيه فرق بين الاسم والصفة، ولذلك قال الناظم: "من لام فعلى اسما أتى الواو بدل ياء"، فشرط أن يكون المبدل منه ياء، فخرج إذا ما لامه واو عن ذلك الحكم فلا بدل فيه أصلا وإنما يجئ على أصله كالأمثلة المتقدمة.
والثاني: أن يكون لامه ياء، فهذا الذي يجري فيه هذا الحكم إلا أنه أثبت ذلك إذا كان ما هي فيه اسما، فأعطى ذلك التقسيم المذكور، فإذا كان اسما أبدلت الواو من يائه نحو التقوى من وقى يقي، والشروى من شريت، لأن شروى الشيء مثله، والشيء إنما يشرى بمثله، والرعوى من رعيب، وكذلك ما أشبهه. وأما إذا كان صفة فلا تبدل نحو خزيا وصديا، وكذلك يا في نحو قول امرئ القيس:
إذا قلت: هاتي نوليني، تما يلت ... على هضيم الكشح ريا المخلخل
أصله: رويا، لأنه من رويت من الماء، فانقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، على حكم لي ونحوه. ولو كان اسما غير صفة لوجب أن يكون روى كالعوى من عويت: إذا لويت، أصله: العويا، قلبت اللام واوا لما تقدم، قاله سيبويه.
стр. 5169
وقوله: "من لام فعلى اسما" الجار متعلق ببدل، لأنه بمعنى مبدل، وبدل: منصوب على الحال من الواو، وياء: مضاف إليه بدل، أي: أتى في كلام العرب هذا المعنى.
ثم قال: "غالبا جاذا البدل/ غالبا: حال من البدل، يعني أن هذا البدل الآتي في فعلي هو الغالب في السماع، ودل هذا على أن ثم سماعا آخر مغلوبا، وهو كذلك فإنهم حكوا: طغيا، للصغير من بقر الوحش، جاء على الأصل، لقولهم: طغت البقرة طغيا: إذا صاحت. وحكي الأصعمي: طغيا، بضم الطاء، ولا شذوذ فيه على هذا. ومن ذلك قولهم: سعيا، اسم موضع، قالت جنوب أخت عمرو ذي الكلب:
أبلغ بني كاهل عني مغلغلة ... والقوم من دونهم سعيا ومركوب
وهو من السعي، وقد تأوله الفارسي على أن يكون الموضع سمي بوصف كصديا، فبقى على ما استقر له قبل النقل كما بقى "يزيد" على إلاله حين نقل إلى العلمية، ثم اختار الشذوذ لأنه علم والأعلام كثيرا ما تغير. وشذ أيضا غضيا لمائة من الإبل، قال الشاعر، أنشده ابن الأعرابي:
ومستخلف من بعد غضيا صريمة ... فأحر به لطول فقر وأحريا
стр. 5170
وريا للرائحة الطيبة. فهذا كله من ذلك المقلوب النادر الذي نبه عليه.
ثم قال ذاكرا للبناء الثاني: "بالعكس جالام فعلي وصفا"، يعني أن فعلي على قسمين أيضا، اسم وصفه، فأما الصفة فجاءت لامها بالعكس مما جاءت عليه لام فعلي الاسم، وحقيقة العكس هو تحويل مفردي القضية على وجه يصدق، وقد قال في فعلي الاسم: أتى الواو بدل ياء، فإذا عكست هذا قلت: أتى الياء بدل واو، فيريد أن فعلي بضم الفاء إذا كانت صفة فإن لامها على قسمين:
أحدهما: أن تكون ياء، فهذا يبقى على أصله كما كان، كما قالوا: طغيا، وهو ما حكاه الأصعمي وقد تقدم آنفا، وكذلك ما أشبهه.
والثاني: أن تكون واوا، فهذا هو الذي تقلب واوه ياء فرقا بين الاسم والصفة كما تقدم، وكان هذا عند الناظم كالمعاوضة بين الاسم والصفة، فلما كان القلب في فعلي في الاسم ولم يكن في الصفة كان هنا دون الاسم لضرب من المعاوضة. وأما الاسم فمفهومه أن البدل لا يكون فيه، فإن كان فهو شاذ كالحذيا من حذوته، أي: أعطيته. وقالو: هو ابن عمي دنيا. بضم الدال غير منون، كأنه مصدر كالرجعى، ولا يكون صفة بألف التأنيث لجريانه على المذكر وعلى المجموع، كقول النابغة:
стр. 5171
بنو عمه دنيا وعمرو بن عامر ... أولئك قوم بأسهم غير كاذب
ولقولهم في معناه: هو ابن عمي دنيا ودنية
وكلا المثالين من بنات الواو، ويدل على هذا الثاني الاشتقاق من دنا يدنو.
وقوله: "غالبا" مما يتعلق بهذا النوع من الإبدال أيضا، يريد أن هذا البدل في الصفات أيضا هو الغالب، استظهارا على النادر الذي حكي ابن جني من قولهم: خذ الحلوى وأعطه المرى، لأنه في الظاهر صفة، وهو من الحلاوة. وعلى ذلك تأول سيبويه القصوى على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
هذا ما أعطاه الحال من تفسير هذا الكلام؛ إذ لابد أولا من إعطاء حق الكلام. وهذا المعنى المفسر قد نص عليه أيضا في التسهيل إذ قال: "تبدل الياء من الواو عند غير تميم لاما لفعلي صفة محضة أو جارية مجرى الأسماء إلا ما شذ كالحلوى". ثم فسر الصفة المحضة-[و] الجارية مجرى الأسماء بما سبق.
وأفادنا هذا الكلام/ أن الوصف في قوله "بالعكس جاء لام فعلي وصفا" أنه يريد في كلا وجهيه من الوصف المحض والجاري مجرى الأسماء.
стр. 5172
إذا تقرر هذا فاعلم أن الناظم خالف النحويين في هذه المسألة في جميع أطرافها، وبيان ذلك ينحصر في طرفين:
أحدهما في محل الإبدال وفاقا وخلافا، وفعلي عندهم فيه على ثلاثة أقسام:
الأول: أن تكون صفة محضة جارية على موصوفها لم تستعمل استعمال الأسماء، كأنثى وحبلى في الصحيح، فهذا القسم لا خلاف بينهم في تركه على أصله لأنه أخلف، وقد تقدم هذا، نقل الإجماع في هذا ابن أبي الربيع.
والثاني: أن تكون صفة استعملت استعمال الأسماء فوليت العوامل وتنوسى جريانها على الموصوف استعمالا كالدنيا لهذه الدار. فهذا القسم تقلب فيه الواو ياء، ولا أعلم في هذا خلافا، بل سمعت شيخنا الأستاذ القاضي- ﵀ يذكر إجماع النحويين على هذا.
والثالث: أن تكون اسما لا أصل له في الصفات، فهذا هو الذي اختلفوا فيه، فمنهم من يجعل حكمه القلب كالصفة التي استعملت استعمال الأسماء، ومنهم من جعل حكمه عدم القلب كالصفة المحضة، قال بعض الأشياخ: وأكثرهم على وجوب قلبه، إذ يطلقون ذلك للاسم، وعلى هذا الخلاف ينبني في حزوى في قول ذي الرمة:
стр. 5173
أدارًا بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق
أهو شاذ أو على القياس؟
هذا ما قالوا، وما خرج عن هذه الأقسام فشاذ يحفظ ولا يقاس عليه. فأما الأول فخالف الناظم فيه الناس فجعل القياس فيه القلب، وإن جاء على خلافه شيء فشاذ ولذلك قيد هنا بالوصفية إذ قال: "بالعكس جالام فعلي وصفا".
والصواب على مذهب الناس غيره أن لو قال: "بالعكس جالام فعلي اسما".
وأما الثاني فهو وإن وافق الناس فيه في اللفظ فهو مخالف لهم في المعنى؛ إذ القلب عنده (ليس) لكونه اسما- كما قالوا- بل لكونه صفة كما تقدم من اصطلاحه، فهو داخل تحت تقييده بالوصف، فليس بموافق (لهم) في الحقيقة، فهذه مخالفة للجميع في القسمين.
وأما الثالث فظاهر أنه فيه مخالف للأكثر.
والطرف الثاني: في الاصطلاح المتفق عليه، وذلك أن الصفة عندهم هي الجارية على الموصوف، فمتى لم تجر على الموصوف فهي عندهم في حكم الاسم لا في حكم الصفة، لأن الاعتبار بالأحكام، ألا ترى أن من الكلم ما الظاهر فيه الدخول تحت الحروف، ومع ذلك حكم لها بأنها أسماء أو أفعال لما
стр. 5174
جرت عليها أحكام الأسماء أو الأفعال، كأسماء الشرط وأسماء الاستفهام، وليس، ونعم وبئس، ونحو ذلك، فكذلك مسألتنا، فأفعل التفضيل حين كان لازما لمن لفظا أو تقديرا كان جاريا على الموصوف، فأطلق عليه لفظ الصفة، فلما خرج عن ذلك فاستعمل بالألف خرج عن لزوم الجريان على الموصوف إلى ولاية العوامل، فلا جرم أنهم أطلقوا (عليه) لفظ الاسم، وإذا كان كذلك/ فالمؤلف قد خرج البتة عن هذا الاصطلاح فجعل الصفة المستعلمة استعمال الأسماء (على قسمين، أحدهما: ما كان كالعليا والدنيا تأنيث الأعلى والأدنى، فهذان عنده وما كان نحوهما من الصفات المحضة، والآخر ما كان نحو الدنيا الذي يطلق على هذه الدار فهذا من الصفات التي استعملت استعمال الأسماء) فهذا ما نص عليه في التسهيل، ولا شك أن مذهبه هنا مبني على ذلك، والناس كلهم على أن (القسمين) قسم واحد، ولا فرق بين القسمين، ولذلك احتاجوا إلى تأويل القصوى والحلوى بأنه اعتبر في القصوى الأصل، قال سيبويه: "استعملوا على الأصل- يعنى صفة- لأنها قد تكون صفة بالألف واللام". وتأول ابن جني الحلوى والمرى على تقدير الجريان كأنها صفة قامت مقام موصوفها، فلذلك لم تغير على القاعدة في ذلك.
стр. 5175
وهذه إحدى الغرائب من ابن مالك، حيث خرج في هذه المسألة عن حكم غيره وقال ما لم يقله أحد، وأنت ترى ما في مخالفة الإجماع من لزوم الخطأ للمخالف؛ إذ الناس مجمعون على خطأ من خالف الإجماع، وعلى تخطئة من خطأهم.
فإن قيل: إن إجماع النحويين ليس بحجة كما أشار إليه ابن جني إذ قال: "اعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حجة أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص أو المقيس على المنصوص، فأما إن لم يعط يده بذلك فلا يكون إجماعهم حجة عليه"، قال: "وذلك أنه لم يرد ممن يطاع أمره في قرآن ولا سنة أنهم لا يجتمعون على الخطأ كما جاء النص عن رسول الله- ﷺ (من قوله): أمتي لا تجتمع على ضلالة، وإنما هو علم منتزع من استقراء هذه اللغة، قال: فكل من فرق له عن علة صحيحة وطريق نهجة كان خليل نفسه وأبا عمرو فكره". هذا قوله، وإذا كان إجماع النحويين ليس بحجة فمن خالفه كان خليل نفسه وأبا عمرو فكره، إذ لم يخالف في كتاب ولا سنة ولا (في) مقيس عليهما أو مستنبط منهما، فكذلك يكون ابن مالك خالف الناس لما سنح له في ذلك من قياس أو استقراء.
فإنا نقول: الذي يقطع به ولا يشك فيه أن الإجماع في كل فن شرعي أصله المنقول حجة، لأن الإجماع معصوم على الجملة، قامت بذلك الدلائل الشرعية على ما تقرر في الأصول. وسبيل ابن جني في المسألة سبيل النظام
стр. 5176
وبعض الخوارج والشيعة، وحسبك بهذا انحطاطا عن مراتب العلماء، وبيان هذه المسألة في الأصول، والذي بني جني عليه هذه المسألة شيء رآه في قولهم: (هذا) جحرضب خرب، حاصله أنه إحداث تأويل لم يذكره أحد من النحويين، ومخالفته سائغة على الأصح من قولي الأصوليين، وعليه الأكثر، ومع هذا فإنه اخطأ فيه حين قصد مخالفة الإجماع في أمر توهم أن مثله لا يخالف فيه هكذا كان يذكر لنا شيخنا الأستاذ- ﵀ أنه لم يوفق في تأويله للصواب، بل حل به شؤم المخالفة، وأحسب أنه كان يذكر (ذلك) أيضا عن شيوخه- فإذا ثبت هذا فإن كان ابن مالك قد اتبع رأي ابن جني في جواز مخالفة الإجماع وقصد ذلك أو لم يقصده، (فهو) مخطئ بلا بد، إذ ليست مخالفته في إحداث دليل ولا تأويل، وإنما مخالفته في حكم يلزم فيه مخالفة كلام العرب على ما نقله الجميع، نعم يقرب الأمر في مخالفة الاصطلاح لا في غيره.
ويمكن أن يجاب عن ابن مالك هنا فيقال:
أما الطرف الأول فإنه غير/ مخالف فيه الحقيقة، وبيان ذلك (أن) القسم الأول منه، وهو الصفة المحضة، شيء لا يوجد في السماع ولا حكاه أحد- فيما علمت- من البصريين، أعني من المعتل اللام إلا ما كان من فعلي الأفعل، وكلام سيبويه عليه إنما هو على فرض وجوده، ولم يحك منه شيئا، بل في كلامه ما شعر أنه لم يحفظه، ألا تراه قال: "فإذا قلت فعلي من هذا الباب جاء على الأصل إذا كان صفة، وهو أجدر أن يجيء على
стр. 5177
الأصل إذ قالوا: القصورى، فأجروه على الأصل وهو اسم، كما أجريت فعلى من بنات الياء صفة على الأصل". قال السيرافي في الشرح: ذكر سيبويه أن الصفة من باب فعلي من ذوات الواو على الأصل، ولم أجده ذكر صفة على فعلي مما لامه واو إلا ما استعمل بالألف واللام كالدنيا والعليا، وهذه عند سيبويه بمنزلة الأسماء، قال: وإنما ذكر أن فعلي من ذوات الواو إذا كانت صفة على أصلها، وإن كان لا يحفظ في كلامهم شيء من ذلك على فعلي، لأن القياس (أن) يحمل على أصله حتى يتبين أنه خارج عن أصله شاذ عن بابه". هذا ما قال، وأنت تراه قد صرح بعدم السماع فيه على بحثه وبحث أمثاله ممن في طبقته أو قبله أو بعده إلى الآن، فلم يحك من ذلك شيء يعرف في المنقول، وقد عرف من حال المؤلف اتباعه للسماع واتكاله على الاستقراء الذي هو أصل الأصول في هذه الصناعة، فاطرح الكلام على هذا القسم رأسا؛ إذ لم ير له لم فائدة حين لم يتكلم بما يقتضيه. وبدل على هذا من كلامه في التسهيل تفسيره للصفة المحضة إذ قال: "والصفة المحضة كالعليا والدنيا تأنيث الأدنى"، ولو كان هذا القسم معتبرا لأشار إليه فقال: "والصفة المحضة هي الجارية على النكرة والمعرفة، وفعل الأفعل"، أو ما يعطي هذا المعنى.
وأما القسم الثاني وهو الصفة الجارية مجرى الأسماء. فهي التي سماها هو محضة، وحكم عليها بعين ما حكم به الناس عليها، فإنما (الخلاف) في التسمية الاصطلاحية لا في الحكم.
стр. 5178
وأما الثالث: فقد وقع فيه الخلاف كما تقدم، ومسائل الخلاف يسوغ فيها الاجتهاد والأخذ بما أداه إليه اجتهاد من القولين، أو من ثالث إن رآه على أحد المذهبين.
فإن قلت: فقد جرى في هذا المذهب على غير الحكمة، إذ جعل الصفات هي محل التغيير والأسماء باقية على أصلها، وهو خلاف المعتاد، ألا ترى أنهم عللوا اختصاص الاسم بقلب يائه واوا لأنه أخف فاحتمل الثقل، بخلاف الصفة لثقلها؟
فالجواب: أن هذا غير مخالف لهم في طلب الخفة للصفة، إذ الصفة إذا (حولت) واوها ياء خفت بلابد؛ وهو أولى أن يكون فيها لثقل الواو، وأما الأسم فلخفته أحتمل البقاء على الأصل من الواو وإن كانت ثقيلة.
وأما فعلي فالأمر فيها بعكس هنا، لأن القلب فيها من الياء التي هي (أخف إلى الواو التي هي) أثقل، فكان من طلب الخفة في الصفة أن تبقى على حالها لا أن تقلب إلى الأثقل. ويدل على هذا/ مذهب سيبويه في فعلي المعتل العين بالياء، حيث قلب في الصفة الضمة كسرة لتصح الياء لأنها أخف والصفة ثقيلة، وكان الأمر عنده في الاسم على خلاف ذلك، فقلب
стр. 5179
الياء واوًا لاحتمال الاسم من الثقل ما لا تحتمله الصفة. وهذا في غاية الوضوح. وإن سلمنا أنه مخالف لهم فقد قال ابن السراج: إنما يغير النعت لأنه جار على الفعل، والأسماء غير جارية على الفعل. يعني أن أصله التغيير والتصريف للأفعال، وما جرى على الأفعال فهو محكوم له بحكم الأفعال، بخلاف الأسماء فإنها ليست كذلك، فهي أولى بالتصحيح من الصفات. ثم قال: وإنما قلبوا الواو ياء في فعلي لاستثقال الضمة والواو، قال ابن خروف: ويلزم على قوله أن يكون ذلك في الصفة لا في الاسم. فهذا الكلام من ابن السراج موافق لأصل مذهب ابن مالك مؤيد له في الجملة، وقد ألزمه ابن خروف القول بمقتضاه وسلمه، فظهر أن ابن مالك لم يخالف إجماعا في حكم البتة.
وأما الطرف الثاني، وهو الاصطلاح، فإنه لم يخالف فيه الجميع، فإن كون فعلي الأفعل لا يمسى صفة هو اصطلاح البصريين، وظاهر الكوفيين على خلافه، قال ابن السكيت في "المقصور والممدود" له: "ومنه ما كان من النعوت مثل الدنيا والعليا، فإنه يأتي بضم أوله، وبالياء". فجعله- كما ترى- قسما من أقسام النعوت- ولعل للكوفيين ما هو أصرح من هذا، وأيضا مذاهب الكوفيين لا ندريها ولا وقفنا منها على شيء معتبر، ولعل لهم مذاهب تخالف مذاهبنا التي اعتدناها ولم نعرف غيرها، فنتوهم أن القول فيها إجماع، وليس
стр. 5180
كذلك، وابن مالك أشد إطلاعا منا (عليها) - أيها المتأخرون- وأيضا فلو لم يكن لغيره فيه اصطلاح لكان جائزا له أن يضعه هو، إذا كان لا يؤدي إلى مخالفة حكم، وإذا نظرنا من جهة القياس فإن فعلي الأفعل أولى أن تكون صفات منها (أن تكون) أسماء؛ أما أولا فإنها تجرى بعد على موصوفاتها جريان الصفة المحضة على موصوفها؛ ألا تراك تقول: هذه قسمة ضيزي، ومشية حيكي، كما تقول: هذه المنزلة الدنيا، والمنزلة العليا، وقال تعالى: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى﴾، وكذلك سائر المثل في فعلي الأفعل.
فإذا قلت: الدنيا والعليا على غير موصوف. فهو على تقدير الموصوف، وإلا فلو لم يكن كذلك لكان قولك: المنزلة العليا، يعرب بدلا لا وصفا، إذ هو عندكم بمنزلة الأسماء، وإنما يكون بمنزلة الأسماء إذا تنرسي الجريان على الموصوفات، وهو هنا غير متناسي، فدل على صحة كونه صفة محضة. وهذا المعنى أودره جني على مذهب البصرين، وأجاب عنه بأن أصل الصفة أن تكون جارية على النكرة لأنها أحوج إليها من المعرفة، لأن وضع المعرفة إنما هو على أن تخص الواحد بعينه فلا يشاركه فيما تريد هنالك غيره، وما كان هذا سبيله فلا حاجة له/ إلى
стр. 5181
الوصف، لكن لما كثرت المعارف وازدحمت على اللفظة الواحدة منها معان كثيرة، ودخلها بعد ذلك اللبس، احتاجت إلى الوصف كزيد البصري، وزيد الكوفي، ومحمد الطويل، ومحمد القصير، وليست (كذلك) حال النكرة، لأنها في أول وضعها مشاعة غير موضحة ولا مختصة، فحاجتها إلى الصفة أشد من حاجة المعرفة إليها، فلما حرمت فعلي الأفعل الجريان على النكرة التي هي أولى بالصفة صار جريانها صفة كلا جريان، لأنك (لا) تقول: هذه امرأة صغرى، ولا مررت بدار حسنى، (حتى) تقول: المرأة الصغرى، والدار الحسنى. وليست كذلك فعلي إذا كانت صفة لا أفعل لها، لأن تلك تستعمل صفة معرفة ونكرة، تقول: هذه امرأة حبلى، والمرأة الحبلى، وقسمة ضيزي (والقسمة الضيزي). فلما حرمت فعلي الأفعل جريانها صفة على النكرة التي هي أولى بالصفة من المعرفة لم يعتد جريانها صفة (للمعرفة) جريانها، كحيث لما حررت الإضافة إلى المفرد واقتصرت بها على الإضافة إلى الجملة، صارت إضافتها كلام إضافة، فألحقت بباب قبل وبعد المنقطعتين عن الإضافة في استحقاقهما البناء، فبنيت بناءهما.
هذا محصول ما أجاب به في شرح المقصور والممدود لابن السكيت، وليس بجواب على طريقة ابن مالك، وذلك أنها جرت صفة على موصوفها، فهي صفة عند الجميع لفظا ومعنى، أما لفظا فظاهر، وأما معنى فإنها قد صارت في
стр. 5182
عداد ما كان من الصفات على غير معنى من، فالأفضل والفضلى في عداد الأحمر والحمراء، وإنما لم تستعمل على ذلك نكرة لأن العرب قد اعتزمت استعمالها في تلك لحالة على معنى من، فلم يكن ليستعمل في النكرة على غير ذلك المعنى، فإن رأيتها قد أجريت نكرة على (غير) معنى من فتلك هي المستعملة استعمال الأسماء، لأنها صارت عند ذلك غير جارية، ولا في معنى الجاري، كالدنيا إذا أريد بها هذه الدار، فإن الصفة أطلقت على هذه الدار (إطلاقا) من غير اعتبار معنى الصفة فيه، حيث صارت اسما لها كسائر الأسماء الجوامد من غير تقدير موصوف، وقد نكروها فقال الراجز:
في سعي دنيا طالما قدمدت
فنكرها كما ترى، فهذا دليل واضح على عدم اعتبار الوصفية فيها، وهذا- والله أعلم- هو الذي دعا المؤلف إلى دعوى أن الدنيا إذا أريد بها هذه الدار فهي المستعملة استعمال الأسماء، ومثل بها لذلك، وأحال على ما كان مثلها أن يحكم له بحكمها، وقد حكي الأخفش حسني، على فعلي نكرة، وجعل من فعلي الأفعل، استعمل استعمال الأسماء فطرحت منه الألف واللام، حيث صارت بمنزلة الأسماء، فهذا مثل الدنيا التي (ذكر)، ومع هذا فإنها لما كان
стр. 5183
أصلها الصفة عوملت الأبطح والأجرع والأدهم ونحوها معاملة أصلا في منع الصرف، مع أن معنى الوصيفة قد تنوسى/ فيها، فإذا قد تبين وجه تفرقة المؤلف بين الدنيا تأنيث الأدنى، والدنيا اسم هذه الدار، فكان الضابط في المستعملة استعمال الأسماء، هو ما كان من فعلى الأفعال قد استعمل نكرة ومعرفة، لكنه قد تنوسى أصله من معنى الوصف، وصار مثل الأسماء المنقولة من الصفات.
وأما ثانيا فإن قولهم: إن فعلى الأفعل تجري على العوامل مباشرة لها، فليس ذلك بمانع (لها) من بقائها على الجريان على الموصوف، لأنها لا تباشر العوامل إلا إذا كان موصوفها معلوما، إما بكونها مضافة إليه كما تقول: مررت بفضلى النساء، (وإما بعهد متقدم فيه، كأن يكون بينك وبين مخاطبك عهد في امرأة وأنها أفضل النساء) فتقول له: مررت بالفضلى، ولا تباشر العوامل على غير علم بالموصوف، فلا تقول: مررت بالفضلى، من غير عهد، وإذا كان كذلك فلا فرق بين فضلى القوم وبين فاضلة القوم، ولا بين الفضلى وبين الفاضلة، فكما أن الفاضل والفاضلة ونحوهما من الصفات لا تباشر العوامل إلا على حذف الموصوف، لأنه باقية على أصلها من الوصفية، كذلك لا تباشر الفضلى العوامل إلا على حذف الموصول، فهي إذا باقية على أصلها من الوصفية. أما إذا قلت في مولود مثلا: خرج فلان إلى الدنيا، أو في ميت: خرج عن الدنيا، أو فتنت الدنيا الناس، أو: إن الدنيا حلوة خضرة، فلم تتو ههنا موصوفا،
стр. 5184
ولا أحلت عليه، كما أنك لم تحل على شيء إذا قلت: إن المال فتان، وإن الغنى غرار، وما أشبه ذلك إلا معرفة مدلول الاسم خاصة، وأما جمعهم لها جمع الأسماء على الأفاعل كالأفضل والأفاضل فلا يبعد أن تجرى الصفات في هذا مجرى الأسماء، أو تخص بعض الصفات بحكم ليس في بعض آخر. وها منتهى القول في هذه المسألة، وهو أقصى ما وجدته في توجيه ما ذهب إليه هنا وفي التسهيل، وعلى أنه في الفوائد موافق لغيره ولكنه هنا ليس بمخالف كما (رأيت)؛ إذ غايته أنه سلك إلى ما قالوه طريقا غير طريقهم فوصل إليه، وعلى أن ما ادعى عليه من مخالفة الإجماع يحتمل النظر من جهات؛ إذ هو في الحقيقة (غير) لازم له، ولولا التطويل لبسطت ذلك، ولكن الكلام في هذا الفصل قد بلغ في البسط ما يحتاج إليه وفق ذلك، فلنقتصر عليه، وبالله التوفيق.
ثم قال: "وكون قصوى نادرا لا يخفى"، يعني أن قولهم "القصوى" وهو تأنيث الأقصى نادر حين جاء على أصله بالواو، وكان القياس أن يقال فيه: "القصيا"، وقد قيل، ولكن الذي جاء في القرآن هو الأصل، وتأوله سيبويه على اعتبار أصله في الصفة، وكذلك ابن جني في الحلوى، كأنه عنده على حذف الموصوف. وهذا الاعتذار ليس على طريقة الناظم، إذ كونها صفة هو الموجب لقلب يائها، وهو الأصل القياسي عنده، نعم والاستعمالي، فإذا كان كذلك، وكان القياس يقضى بالإعلان المذكور، فكونه مخالفا لذلك ونادرا في
стр. 5185
السماع لا يخفى على ما تقدم بسطه (والله أعلم).
فصل
/إن يسكن السابق من واو ويا ... واتصلا، ومن عروض عريا
فيا الواو اقلبن مدغما ... وشذ معطى غير ما قد رسما
هذا فصل آخر تضمن نوعا من أنواع القلب والإبدال، ويعني أن الواو والياء إذا سكن السابق منهما، وكانا متصلين، وكانا غير عارضين، فإن الواو تقلب ياء، سواء كانت سابقة أم لا، وتدغم الياء في الياء. هذا محصول كلامه على الجملة، إلا أن هذا الحكم قد تعلق بمحله أوصاف لا بد من ذكرها، وعليها ينبني، ومحل الحكم هنا اجتماع الواو والياء، فذكر شروطا تتعلق به، وهي ثلاثة:
أحدهما: أن يكون السابق منهما ساكنا، ولم يعين السابق منهما، ما هو؟ فدل على أن الواو قد تسبق الياء، وبالعكس. فالسابق إذا سكن تمكن جريان الحكم، فإن لم يسكن السابق فكانا معا متحركين، أو كان
следующие страницы →