← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

وقوله: "فاحكم بذا الإعلال فيه حيث عن". يريد أن هذا الإعلال المذكور محكوم به مطلقا في هذا الجمع حيث وجد وكيف كان، فالضمير في "فيه"راجع إلى الجمع المذكور الموصوف بذلك الوصف، وضمير "عن" الفاعل عائد إما على الجمع أي: حيث كان ذلك الجمع، لا يستثنى من مواضعه شيء، وهو الذي اعتلت عين واحدة أو سكنت ووجدت الكسرة فيه. وإما أن يعود على السبب المذكور الفاعل للإعلال، وهو الكسر قبل الواو المعتلة أو الساكنة في الواحد. ولما كان كلامه يقتضي إطلاق الحكم بالإعلال في موضعين، أحدهما: مسألة زوج وزوجة، والآخر: مسألة قيمة وقيم، وكان ذلك فيهما (غير) صحيح استثناهما بقله: "وصححوا فعلة". إلى آخره. فأما الموضع الأول فإن النحويين قد نصوا على عدم القلب في زوج وزوجة، وعود وعودة، وثور وثورة، (ونحو ذلك)، نص على لذلك فيه سيبويه والمازني وابن جني وغيرهم، وكذلك المؤلف في التسهيل، لأنه شرط في الجمع وجود الألف بعد الواو كحوض وحياض، قال سيبويه: "وإذا قلت: فعلة، فجمعت ما في واحده، والواو أثبت الواو كما قلت فعل فأثبت ذلك، وذلك قولك: حول وعوض، لأن الواحد قد ثبتت فيه". قال: "وليس بعدها ألف فتكون كالسياط". قال: "وذلك قولك كوز وكوزة" ثم مثل، ثم قال: "فهذا قبيل آخر"، قال: "وقد قالوا: ثورة وثيرة، قلبوها حيث كانت بعد

стр. 5112

كسرة، واستثقلوا/ ذلك كما استثقلوا أن تثبت في ديم". قال: "وهذا ليس بمطرد، يعني ثيرة"، وهذا معنى قول الناظم: "وصححوا فعلة"، أي: لم يقلبوا الواو في هذا المثال كما قلبوا في فعال، ويعني في الأمر العام، وأما وثيرة، فقال: (كان) قياسه ثورة، لأن ثورا كزوج، وهو عندهم من الشاذ، أعني في القياس، فأما في الاستعمال فمطرد وكثير كما أن استحوذ وإن كان في القياس شاذا فمطرد في الاستعمال. وقال أبو العباس: "إنما قالوا: ثيرة، ليفرقوا بين الثور من البقر وبين الثور من الأقط". وقال أيضا: "بنوه على فعلة فانقلبت الواو لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم حركت الياء وأقرت بحالها لأن الأصل ههنا السكون. قال ابن جني: "وأخبرني ابن مقسم، عن ثعلب قال: جمع ثور ثورة، وثيرة، وأثوار، وثيران، . قال: وإذا كان الأمر هكذا فقد جمعوا ثورا من الحيوان ثيرة. وذهب ابن السراج إلى أنه مقصور من فعالة، كأنه في الأصل ثيارة، فوجب القلب كما وجب في سياط، ثم قصرت الكلمة بحذف الألف، فيبقى القلب بحاله. قال ابن جني: "وهذا آخر قول أبي بكر".

стр. 5113

قال: وكأنهم لما قصروا الكلمة بقوا العين مقلوبة ليكون قلبها دلالة على أنها مقصورة، ويكون بينها وبين ما أصله فعلة، غير مقصور فرق نحو زوجه. قال الفارسي: "وقد أومأ سيبويه في باب أسد إلى أنه مقصور من فعول، كأنه قال أسود، ثم حذف الواو، ثم أسكن العين"، ثم تكلم بعد ذلك بأشياء، لا حاجة إلى إيرادها. والحاصل أن شرط وجود الألف بعد الواو لم يفت الناظم ذكره، لأنه لما استثنى ما ليس فيه ألف عن ذلك الحكم دل على أن الألف مشترطة كما تقدم تأويله قبل هذا. وأما الموضع الثاني فإنه حكي في فعل وجهين إذ قال: "وفي فعل وجهان"، ولعله يعني بالوجهين ما ذكر غيره من القولين في المسألة، فإن كون قيم ونحوه قياسا هو مذهب سيبويه وأكثر النحويين على خلاف ما إذا كان فعل (مصدرا) كما تقدم، قال سيبويه: "وأما (ما) كان قد قلب في الواحد فإنه لا يثبت في الجمع إذا كان قبله الكسر، لأنهم قد يكرهون الواو بعد الكسرة حتى يقلبوها فيما قد ثبتت في واحده". قال: "فلما كان ذلك من كلامهم ألزموا البدل ما قلب في الواحد، وذلك قولهم: ديمة وديم، وحيلة وحيل" ... ، إلى آخر

стр. 5114

المثل ثم قال: "وهذا أجدر أن يكون إذا كانت بعدها لألف"، قال: "فلما كانت الياء أخف عليهم والعمل من وجه واحد جسروا عليه في الجمع إذ كان في الواحد محولا واستثقلت الواو بعد الكسرة كما تستثقل بعد الياء". وقد خالف بعض الناس في قياس مثل هذا وجعله سماعا، (والأصح ما ذهب إليه غيره، لأن عليه كلام العرب وموافقة الجماعة)، وهو الذي اختاره الناظم إذ قال: "والإعلال (أولى) "، يعني أن القول بالإعلال هو أولى وإن كان قد جاء فيه التصحيح نحو: حاجة وحوج، وحيلة وحول، والأكثر: حيل، حكاهما ابن السكيت. فهذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. ومثل الناظم بحيل جمع حيلة، وأصله الواو، لأنه من الحول. هذا ما حرر الناظم إلا أنه/ يقتضي إطلاقه شيئين: أحدهما: أن نحو ريان ورواء عنده ليس بقياس. والثاني: أن نحو كوة وكواء ليس بقياس أيضا. أما المسألة الأولى فإنه من نحو ريان وطيان بجمع على رياء وطياء، وفي

стр. 5115

قي- للقفر الخالي، لغة في (القواء-: قياء). وهذا مشكل، فإنه مخالف لكلام الناس والكلام والعرب، أما مخالفته لكلام الناس فإن ابن جني والزمخشري وغيرهما على استثناء ما اعتلت لامه من هذا الفصل، وأنك إنما تقول: وطراء في طيان، ورواء في ريان، ولم يحكوا في ذلك خلافا. وأما مخالفته لكلام العرب فإن العرب لا تجمع في كلامها بين إعلالين في كلمة، وهذه الألفاظ وما أشبهها لو قلبت فيها الواو ياء لزم ذلك بلا بد، وقد قال المبرد في تصريفه: لا خلاف في أنه لا تجتمع على الحرف علتان. يعني في القياس، وأيضا المسوع من كلام العرب- على ما نقل قوم- رواء من الماء، جمع ربان، وأصله رويان، فاعتلت عينه لأجل الياء، وجعله المبرد ري، وأصله روى كقي، وعلل الصحة بما تقدم. فهذا الإطلاق من الناظم فيه ما ترى. وأما المسألة الثانية فإن الناس اشترطوا أيضا فيما كانت واوه في الواحد ظاهرة ما اشترطوا فيما إذا كانت فيه معتلة من صحة اللام، والناظم لم يفعل ذلك، بل أكد انتفاء هذا الشرط في الوجهين معا بقوله: "بذا الإعلال فيه حيث عن". وهذا كله غير صحيح، وقد اشترط في التسهيل الشرطين معا في الساكن العين في المفرد، وهما وقوع الألف بعد الواو في الجمع، وصحة اللام في المفرد، فاقتضى كلامه هنالك أنك تقول في كوة: كواء، ولا تقول: كياء، لئلا

стр. 5116

يجتمع على الكلمة إعلالان، وهو لا يكون إلا شاذا، كما تقدم ذكره. واقتضى كلامه هنا أن يقال: كياء، إذ لم يشترط صحة اللام، ومعنى صحة اللام في هذا الشرط على خلاف معناها فيما تقدم، إذ معناها هنالك ألا تتغير اللام كانت حرف علة أولا، وأما هنا فمعنى الصحة ألا يكون اللام حرف علة سواء اعتل أم (لا)، ككوة وكواء. وكما لو جمعت هوة أو دوى فقلت: هواء: ودواء، فلابد من التصحيح للواو في الجمع هروبا من إعلالين في كلمة. وقد جعل ابن جني العلة في قلب الواو الساكنة في المفرد إذا قلبتها في الجمع مركبة من خمسة أجزاء لابد منها، إذ كان الأصل أن تصح في الجمع كما صحت في المفرد، فكنت تقول: حوض وحواض، وروض ورواض. فإنما قلبت عنده لمجموع خمسة أشياء: أحدها: أن الكلمة جمع، والجمع أثقل من الواحد. والثاني: أن الواو في المفرد ضعيفة بالسكون في حوض وروض وثوب. والثالث: أن قبل الواو في الجمع كسرة، لأن الأصل: حواض، ورواض. والرابع: أن بعد الواو ألفا، والألف قريبة الشبه بالياء. والخامس: أن اللام صحيحة، إنما ي باء أو ضاد أو نحوهما، وإذا صحت اللام أمكن إعلال العين.

стр. 5117

فقد صار مجموع/ هذه الأسباب عنده هو العلة، فإذا انفرد بعضها لم يؤثر ولم يكن علة، ألا ترى أن مالا ينصرف إذا كانت فيه سبب واحد من شبه الفعل لم يمنع الصرف، فإذا انضم إليه سبب آخر منع من الصرف. قال: وهذا هو القياس ليكون بين السبب الأقوى وبين السبب الأضعف فرق. فإذا متى لم تذكر هذه الأسباب كلها وأخللت بعضها انكسر القول، ولم تجد هناك علة؛ ألا ترى أن طوالا جمع، وقبل واوه كسرة، وبعد واوه ألف، ولامه صحيحة، ومع ذلك فعينه سالمة لما تحركت في الواحد الذي هو طويل. فلما نقص بعض تلك الأوصاف لم يجب الإعلال. وكذلك: زوج وزوجة، ونحوه، وقد اجتمع فيه سكون واو الواحد، والكسرة التي قبل الواو في الجمع، وأنه جمع، ولامه صحيحة، إلا أنه لما لم يقع بعد واوه ألف صحت الواو. وكذلك: رواء جمع ريان، وطواء جمع طيان، هو مثال جمع، وقد انكسر ما قبل واوه، وبعدها ألف، والواو في واحده ساكنة بل معتلة، لأن الأصل: رويان وطويان، إلا أنه لما كانت لامه معتلة صححت عينه ولم تعلل. إلى هنا انتهى تمثيل ابن جني فقد أحد الشروط، وبقى تمثيل تخلف شرط الجمع، وشرط انكسار ما قبل الواو في الجمع، وذلك (ظاهر)،

стр. 5118

أما الأول فلو لم يكن فعال جمعا لم يعل نحو: خوان، وصوار، (وسوار) وإن كان مكسورا قبل الواو وبعدها ألف. وما جاء من قولهم: صيار، فقد تقدم ما فيه. وأما الثاني فظاهر أيضا، إذ لو لم ينكسر ما قبل الواو لم تنقلب نحو: زوج وأزواج، وعود وأعواد، وثور وأثوار وإن كان جمعا، والواو في واحده ساكنة، وبعد واوه في الجمع ألف، واللام منه صحيحة، وما جاء من قولهم: عيد وأعياد، فشاذ، وكأنهم أرادوا التفرقة بين أعواد جمع عود وبينه إذا كان جمع عيد. ثم قال ابن جني "فاعرف ما ذكرته فإن أحدا من أصحابنا لم يحتط في بابه وذكر علته الموجبة لقلبه هذا الاحتياط، (ولا) قيدوه هذا التقييد". وهو كما قال ضابط حسن. ولم يذكر الناظم من أجزاء هذه العلة صحة اللام، كما أنه لم يذكر من أجزاد العلة في المعتل العين في المفرد صحة اللام أيضا، وهي مجموعة من ثلاثة أجزاء هذا أحدها، والثاني كسر ما قبل الواو في الجمع، وكونه جمعا، وقد تقدم تمثيلها وتمثيل فقدها في التفسير والاعتراض. على أن ابن عصفور لم يشترط صحة اللام بل حكاه عن ابن جني ثم شاحه في المثال وقل: "يجوز عندي أن يكون رواء جمع روى لا جمع ريان، فتكون صحة

стр. 5119

الواو في الجمع لتحركها في المفرد". وكأن الناظم يشير إلى هذا النظر الذي أشار إليه ابن عصفور من عدم اشتراط هذا الشرط. ولا شك أن كلام ابن جني في صحة الاشتراط أرجح، والله أعلم. وقوله: "وجمع ذي عين" منصوب بإضمار فعل من باب لاشتغال، يفسره قوله: "فاحكم"، لأنه قد اشتغل بضميره المجرور، كأنه قال: أعل جمع/ ذي عين احكم بذا الإعلال فيه. والفاء في قوله: "فاحكم" دالة على معنى الشرط، كأنه في تقدير: مهما يكن من شيء فاحكم بذا لإعلال في جمع ذي عين أعل أو سكن. ومعنى عن: عرض، عن لي الشيء بمعنى عرض لي، يعن ويعن عننا. ويقال: لا أفعل كذا ماعن في السماء نجم، أي: عرض وظهر. والمعن: الخطيب. وعلى هذا (المعنى) يجري تصاريف هذه المادة. فمعنى "عن" في كلامه حيث وجد هذا الجمع، وحيث ظهر من جميع المواضع. والواو لاما بعد فتح انقلب ... كالمعطيان يرضيان ووجب إبدال واو بعد ضم من ألف ... ويا كموقن بذا لها اعترف هنا نسخ المِؤلف- رحمه الله تعالى- حكم انقلاب الواو ياء لأجل الكسرة قبلها إلى سبب آخر ذكره. وهذا موضع سابع من المواضع التي تقلب فيها الواو ياء.

стр. 5120

فقوله: "والواو لاما بعد فتح يا انقلب"، والواو: مبتدأ خبره "انقلب"، والضمير عائد، إليه، و"يا" منصوب بانقلب على المفعول به، وأصله: ياء انقلب، لكن قصره. على قول من قال: شربت ما يا هذا. فصار: يا انقلب، فحذف التنوين لالقاء الساكنين على (قول) من قال- وهو أبو الأسود-: ولا ذاكر الله إلا قليلا فصار: يا انقلب. وهذا إجحاف كثير؛ إذ ترك الاسم على حرف واحد من غير تنوين، فهو أكثر حذفا من أيش. وقد كان شيخنا الأستاذ- ﵀-يلغز علينا: ما كلمة ثلاثية لحقها الحذف حتى لم يبق منها إلا حركة، فهذا أقل من حرف لكنه في المبنيات لا في المعربات، وفي الأفعال لا في السماء، إلا أن الناظم لا يبالي بهذا الإجحاف حرصا على تحصيل المعاني الكثيرة في العبارة اليسيرة، وما أكثر استعماله لنحو: شربت ما يا هذا، وقد مضى منه الكثير، نبه على بعضه وترك التنبيه على بعض لكثرة ذلك، وسيأتي منه أيضاً أشياء

стр. 5121

وقوله: "لاما" منصوب على الحال من الواو، [و] العامل فيها إما الفعل بعدها، وإما مقدر، أي: إذا كان لاما. يعني أن الواو تقلب أيضا ياء لغير كسرة قبلها إذا اجتمع في تلك الواو وصفان، أحدهما: أن تكون الواو لاما. والثاني: أن ينفتح ما قبلها. فأما كون الواو لاما فذلك نص قوله: "والواو لاما"، وهو تحرز من أن تكون عنيا (فإنها إن كانت عينا) لم تنقلب لغير كسرة، كقولك: اجتوروا، واعتونوا، يجتورون ويعتونون، فهم مجتورون ومعتونون. وكذلك: احتوشوا فهم محتوشون، وتعاونوا، وتراودوا. وما أشبه ذلك، لأنه لا موجب لهذا القلب إذا لم تكن متطرفة، فإن للحشو قوة ليس للطرف، فالطرف لضعفه يلحق من الإعلال بأدنى سبب ما (لا) يلحق الحشو. وقوله: "لاما"، ولم يقل: طرفا، مقصود له، ليدخل له فيه ما كان في آخره زيادة غير معتد بها كهاء التأنيث، فإن هاء التأنيث لا اعتداد بها فكأنها لم تزد، فمغزاة، ومدعاة، ومصطفاة، الألف فيها وفيما أشبهها منقلبه عن الياء التي انقلبت عن الواو، بدليل أنك إذا أزلت التاء فثنيت أو جمعت بالتاء قلت:

стр. 5122

مغزيان، ومدعيان/، ومصطفيان، والمصطفيات، وأصلها الواو، لأنها من الغزو والدعوة وصفو الشيء وصفوته. وكذلك إذا لحقه علامتا التثنية أو الجمع فالحكم بالانقلاب لا يتخلف، فتقول: المصطفيان والمصطفيات، كما ذكر. فيظهر على هذا أن عبارته هنا أخص من قوله في التسهيل: "وكذلك الواقعة إثر فتحة رابعة فصاعدا طرفا أو قبل هاء التأنيث". إلا أن عبارته غير صحيحة بخلاف كلامه في التسهيل فإنه صحيح، وبيان ذلك أنه ليس كون الواو لاما هو المراد، وإنما المراد أن تقع الواو طرفا لا يكون بعدها إلا هاء التأنيث أو مالا يعد من حروف الكلمة، وعلى هذا التقرير جرى التفسير المتقدم، وإلا فإذا حكمنا عبارته في اللام فيقتضي أن اللام إذا لم تقع طرفا فالحكم كذلك، وليس هذا بصحيح؛ ألا ترى أنك إذا بنيت من الغزو مثل عنكبوت فقلت: غزووت، فإنك تقدر أصله: غزوووت، فاللام الثانية تقدر واوا لكونها حشوا وإن كانت لام الكلمة وليست طرفا، وعن تلك (الواو) انقلبت الألف، ثم حذفت في قول الجمهور، ومن رأى أنها لا تحذف قال: غزوووت، ولا يقول: غزويوت؛ إذ لا معتبر بكونها لاما. فهذا اعتراض وارد على الناظم إلى اعتراض آخر يذكر إثر هذا إن شاء الله تعالى. وأما كون الواو مفتوحا ما قبلها فتحرز من أن يكون مضموما أو مكسورا، فإنه إن كان ما قبلها مكسورا فقد تقدم له قبل هذا أنها تقلب واوا

стр. 5123

للكسرة قبلها، فمغز، ومله، ويغزى، ويلهى، ويصطفى، وما أشبه ذلك قد قلبت فيها الواو لأجل الكسرة، لأنك تقول: مغزيان، وملهيان، ويغزيان، ويلهيان، ويصطفيان، فانقلابها إلى الياء على ما ينبغي، فلم يكن لإدخال ذلك هنا وجه، لأنه مجرد تكرار. وأما إن كان ما قبلها مضموما فهي أبعد من أن تقلب ياء، لأن الضمة طالبة بالواو لا بالياء، ولذلك تقلب لها الياء واوا كما سيأتي في كلام الناظم. حيث نبه على هذا المعنى، كما إذا بنيت من الرمي مثل مقدرة فإنك تقول: مرموة، فتقلب الياء واوا، إذ أصلها مرمية، فاستثقلت الياء بعد الضمة فقلبت إليها، وإنما يكون هذا الحكم الذي ذكره إذا انفتح ما قبل الواو كما قال، فإذا ما جاء على خلاف ذلك مما اجتمعت فيه الشروط فمحفوظ نحو: مذروان، القاعدة فيه أن يقال: مذريان، كما تقول: مدريان، لكن لما لم يفرد (له) واحد جرت الألف للزومها مجرى ألف عنفوان في منعها انقلاب الواو ياء، قال عنترة:

стр. 5124

أحولي تنفض استك مذرويها ... لتقتلني؟ فهأنذا عمارا ثم أتى بمثالين، (مثال) من الاسم، وذلك: المعطيان، وهي صفة مبنية للمفعول بالقصد ليكون ما قبل الواو مفتوحا، ومثال من الفعل وهو يرضيان، من رضى، ولم يأت برضيا ولا بيرضيان، للمعنى الذي ذكر من فتح ما قبل الواو، وكلاهما أيضا منبه على ما في حيزه، فمثال الاسم منبه على دخول هذا الحكم في الأسماء، ومثال الفعل منبه على دخوله في الأفعال، وإنما أتى بالمثالين (للمثنى) ليظهر بذلك حقيقة الانقلاب؛ إذ لو أتي بقولك/ المعطى ويرضى لم يتبين بذلك مقصوده، فكان يكون الإتيان بالمثال ضائعا. ثم إذا تقرر هذا فاعلم أن الناظم- ﵀ ذكر في هذا القلب شرطين ونقصه عمدة الشروط، وذلك أن قولك: قفا وعصا وقنا، وما كان نحو ذلك، قد اجتمع فيه الشرطان، ومع ذلك فلا يصح أن تقلب واوه التي انقلبت عنها الألف ياء البتة، بل تقول: قفوان وعصوان وقنوان، وإن كانت الواو لاما وانفتح ما قبلها، وسبب ذلك تخلف شرط كون اللام رابعة فصاعدا، هذا هو الضابط الأعظم لتلك الواو، فإن كانت ثالثة لم تنقلب

стр. 5125

ياء، وسبب هذا أن انقلاب الواو (ياء) في هذه المسألة إنما هو بالحمل على ما انقلبت فيه للكسرة، قال سيبويه: "سألت الخليل عن ذلك- يعني عن قلب الواو الرابعة ياء دون الثالثة- فقال: إنما قلبت من قبل أنك إذا قلت: يفعل، لم تثبت الواو للكسر قبلها، وذلك يغزي ويغازي، فلم يكن لتكون فعلت على الأصل، وقد خرجت يفعل وجميع المضارعة إلى الياء"، قال: "فقلت: ما بال تغازينا وترجينا وأنت إذا قلت يفعل منهما كان بمنزلة يفعل من غزوت"- يعني لا تقلب الواو لكسرة قبلها، لأنك تقول في المضارع: نتغازى ونترجى، فلا ينكسر ما قبلها كما تقول: يغزو، في غزا، ويدعو في دعا، فلا ينكسر ما قبل الواو؟ - فقال الخليل: الألف هنا- يعني في تغازينا وترجينا- (بدل من الياء التي أبدلت من الواو، وإنما أدخلت التاء على غازينا ورجينا) - يعني أن أصل الفعل دون التاء أن تقول: نغازي ونرجي، ثم لحقت التاء بعد أن لم تكن، فعاملوا الفعل على أصله لوجود سبب القلب، وذلك للكسرة في المضارع. هذا ما قال الخليل، ثم بني غيره على علته فقالوا: إذا كان المضارع من الثلاثي، وكان الماضي منه على فعل فإن الحكم كذلك، فكما حمل الخليل الماضي في قلب الواو ياء على المضارع كذلك نحمل المضارع على الماضي. فقالوا في مضارع

стр. 5126

رضي: يرضيان، وفي شقي: يشقيان، لأن الماضي قد انقلبت فيه اللام ياء للكسرة، فكذلك نفعل بالمضارع لئلا يختلف الباب، وهو كلام العرب. فإن كان الكسر لا يدخل في واحد منهما بقيت اللام على أصلها غير منقلبة، فتقول في محا يمحي- على لغة الواو: يمحوان، وفي يضحى على لغة الواو-: يضحوان. وكذلك ما أشبهه مما لم ينكسر فيه ما قبل الواو في أحد الفعلين. فالحاصل أن ما ذكر من الشرطين لا يكفي في تحصيل الحكم دون أن يذكر شرط كونها رابعة فصاعدا. فإن قيل: تمثيله أعطى كونها رابعة فصاعدا، وأعطى كون ذلك الحكم فيما يكون القلب فيه بالحمل، فأما إعطاء كونها رابعة فصاعدا فظاهر، لأن "المعطى" كذلك، ولا شك أن فعله كذلك وهو أعطى، وكذلك "يرضى" الواو فيه رابعة إذا عددت حرف المضارعة. وأما إعطاء كون القلب بالحمل فظاهر أيضا، لأن معطى اسم مفعول وأصله قد انقلبت واوه للكسرة في معطى، وكذلك ما أشبهه من أسماء المفعولين، أو تقول: أو تقول: القلب فيه بالحمل على الفعل الذي جرى عليه، لأن معطى محمول على يعطى المنقلبة ياؤه حملا على أعطى أو على يعطى/. فعلى كل تقدير هو محمول على غيره، وذلك الغير قد وجد فيه موجب القلب. وأما يرضى

стр. 5127

فمحمول على رضي كما استدركه الناس قياسا على تعليل الخليل، وإذا كان ذلك فالتمثيل ناب الإتيان به عن النص على ذلك الشرط، وهذه عادته أن يعطى الشروط والأحكام من الأمثلة. فالجواب: أن التمثيل قد تقدم من عادته (فيه) أنه إنما يجعله عوضا عن النص على الشروط إذا قال مثلا: الحكم كذا فيما كان نحو كذا، أو في كذا وشبهه، دون أن ينص على بعض الشروط، ويعطى بالمثال باقيها، كما قال: وارفع بواو، وبيا اجرر وانصب ... سالم جمع عامر ومذنب وشبه ذين ... ... ... ..... إلى غير، ذلك من المواضع المتقدمة والمتأخرة، أما كونه يذكر شروطا بالنص عليها، ثم يشير بعد ذلك بالمثال إلى شروط أخر فهذا يحتاج إلى ثبوت ذلك من كلامه، وكونه يفهم من مقصده. وأيضا فنردد هذا المعنى في تقسيم فنقول: لا يخلو أن يكون أراد بالتمثيل الإشارة إلى أوصاف وشروط محتاج إليها أو لم يشر بها إلى شيء، فإن كان لم يشر بها إلى شيء بل أتى بها لمجرد البيان للقاعدة بالمثال لزمه السؤال الأول حتما، وإن كان أشار به إلى

стр. 5128

شروط معتبرة فذلك لا يعطيه المقصود كما أراد، لأن المثالين معا فيهما من الأوصاف ما ليس بمعتبر في هذا القلب اتفاقا، أما معطى ففيه أنه جار على فعل جريانا قياسا، ومشتق من مصدره قياسا، فاقتضى أن هذا الكلام مختص من الأسماء بما هو جار على الفعل ومشتق من مصدره، فلا يدخل له فيه إلا اسم المفعول، واسم المصدر، والزمان والمكان، نحو: ملهى، ومدعى، ومرسى، ومستدعى، ومتراغى، وما أشبه ذلك، وأما غير ذلك فلا. وهذا غير صحيح، فقد قالوا إذا بنيت من الغزو مثل جعفر قلت: غزوى، فألفه منقلبة عن ياء لا عن واو، وكذلك في مثل فوعلل: غوزوي، إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا تحصى، وكل ذلك ليس بجار على فعل ولا مشتق منه لا قياسا ولا سماعا، ومع ذلك فلابد من قلب الآخرة ياء وذلك بالحمل على الغير، على ما سأبينه بحول الله تعالى. فاعلم أنهم قالوا: إذا وقعت الواو آخر الاسم رابعة فصاعدا فلا يخلو أن يمكن أن يصاغ منه فعل أولا يمكن، فإن أمكن فحكم الواو حكمها لو كانت آخر فعل، فتقول في ملهى: ملهيان، وفي مغزى: مغزيان، وفي مستدنى: مستدنيان. ومن ذلك ما تقدم من الأمثلة، إذ يمكن أن تقول في غزوى وغزوى:

стр. 5129

غزويت، وفي غزوى: اغزويت، كما (تقول) في ملهى لو بنيت منه فعلا: ملهيت، وفي مغزى: مغزيت، وفي مستدنى: استدنيت، فتكون الواو في الفعل منقلبة في الماضي حملا على المضارع كما تقدم في الفعل، فصارت كأنها جارية على الفعل هذا الاعتبار وإن لم تكن كذلك في الحقيقة، وإن لم/ يمكن أن تبني منه فعلا لم تقلب الواو ياء نحو مغزو، ألا ترى أن الفعل لا يكون قبل (آخره) حرف مد ولين زائد. فإن قيل: ملهيت وما أشبهه لي من أوزان الفعل، لأن مفعلت غير موجود إلا شاذا نحو: مرحبك الله ومسهلك، ولذلك إذا وقعت الميم أول الفعل لم يقض بزيادتها، وكذلك غزوى وغزوى ونحو ذلك لا يبنى منها (فعل) فكيف اعتبرت الفعل هنا؟ فالجواب: أن المراعي أن يجيء على رنته في الحركات والسكنات فقط دون لفظ الزيادة. ولا تنقلب في شقاوة لأنه لا يمكن مع الألف فيها وزن فعل، وكذلك نص سيبويه وغيره أنك تقول في فوعلة ممن غزوت: غوزوة، وفي أفعلة:

стр. 5130

أغزوة. ولا تقول: غوزية، فتقلب الواو الأخيرة ياء لأنها آخر وإن كنت تقلبها في الفعل الذي لفظه إذا قلت: غوزيت، لأن الواو مدغمة في غوزوة فلا يكون منها فعل على لفظها، كما لا تقلب الواو في شقاوة ونحوها. ويدل على ذلك من كلام العرب قولهم: أدعوة، وهو أفعولة، وهي تنقلب في أفعلت من ذلك، وكذلك: مغزو، وهي تتقلب في مغزى، ولكن لا تقلب هنا البتة للعلة المتقدمة. وتقول على هذا في قوعلل منا لغزو: غوزوي، لأنه ملحق بفعلل، وفعلل من الغزو تقول فيه: غزوى، لأنك تقول: غزويت، فتجرى الملحق مجرى أصله، إذ قد كانت الألف منقلبة ياء قبل الإلحاق. وأيضا لو لم يكن ملحقا لكنت تقول في التثنية غوزويان، لأنك تقول منه: اغوزويت. فهذه القاعدة هي التي اعتمدوها في الباب، وتمثيل الناظم لا يشعر بشيء منها، وإنما فيه إشعار باختصاص ذلك بما كان اسم مفعول أو نحوه كما تقدم. وأما "يرضى" ففيه أن الواو رابعة بحرف المضارعة، فاقتضى أن المضارع إذا كان على يفعل مطلقا فألفه منقلبة عن ياء، كان الماضي منه على فعل أو على فعل، إذ لا دليل على الاقتصار على دون فعل. وهذا غير صحيح؛ لأن يفعل الذي ماضيه على فعل لا تقلب واوه ياء إن كان من ذوات الواو، بل ترد إلى أصلها كالثلاثي كما تقدم، وما جاء من نحو يشأيان فشاذ يحفظ ولا يقاس عليه،

стр. 5131

وقد جعله المازني غلطا لأن الألف بدل من الواو، فكان الأصل أن يقال: يشأوان، فقلبها ياء مخالف لقياسهم وكلامهم. فالذي تحصل من هذا- على فرض أنه أتى بالأمثلة مقيدة بشروط وأوصاف- أنه أعطى من الشروط أيضا ما لا يشترط، وترك ما هو الواجب أن يشترط، وإن فرضت حرف المضارعة غير معتد به كان فيه إشارة إلى القضاء لقلب الواو ألفا وإن كانت ثالثة. وهذا كله فاسد. وقد يجاب عن هذا بأن الأمثلة تعطي أيضا أوصافا محتاجا إليها، لأنه قال: "والواو لاما بعد فتح يا انقلب"، كهذا المثال، والكاف في موضع نصب على الحال من ضمير انقلب، أي انقلب ياء حالة كونه بالصفة التي في المعطى ويرضى، وطاهر أن المعطى فيه للواو أوصاف، وهي كونها طرفا/، ورابعة، والفتحة التي قبلها محولة من كسر، لأن المعطى محول للمفعول من بنية الفاعل، ثم إنه اسم فاعل واسم الفاعل قد تقرر فيه في غير هذا الموضع أنه جار مجرى فعله، وأن الفعل مثله في الإعلال وغيره من الأحكام التصريفية، فتبين أن الفعل كذلك، فإذا الواو إذا وقعت في الفعل طرفا ورابعة ومحولة من كسر إلى فتح فحكمها ذلك الحكم، بل الفعل أحرى بذلك من الاسم، ثم إن الاسم الممثل به جار على فعله في الحركات والسكنات وعدد الحروف، كما تقرر في باب اسم الفاعل، فاقتضى أن كل اسم جار على فعله كذلك، فالحكم المذكور متعلق به، وقد تقدم أنك إذا بنيت مثل جعفر من الغزو فقلت: غزوى، فالألف منقلبة عن

стр. 5132

الياء، لأنك لو بنيت منه فعلا لقلت: غزويت، فالاسم الجامد إذا (قد) قدر له فعل يجرى عليه، وذلك الجريان (كان سبب الانقلاب، فصار الجريان) على الفعل في المعطى معتبرا، لكن تارة يكون الجريان تحقيقا كالمعطى، وتارة يكون تقديرا كغزوى، فحصل المقصود من التمثيل باسم الفاعل. وأما "يرضى" فإنه فعل مضارع ماضيه على فعل، أصله الواو، فقلبت ياء، فيجري ذلك الحكم في كل مضارع كان ماضيه على فعل وكانت لامه واوا، (و) لا نبالي أكانت الواو رابعة أم لا، وحرف المضارعة معتدا به أم لا، وهذا هو الذي أراد بلابد. وعلى هذا فلو قيد الواو بكونها رابعة لم يحل له مقصود؛ إذ كان ذلك يوهم في "يرضى" الاعتداد بحرف المضارعة، والمحققون على أنه لا اعتداد به، وأن الواو إنما انقلبت لانقلابها في الماضي لا لكونها رابعة. ولهذا لما قيد المؤلف في التسهيل الواو بكونها رابعة استشكله بعض الشيوخ الأندلسيين وقال: إن المؤلف لم يتعرض لبيان ما تصير به الألف رابعة من الزوائد التي تلحق الكلمة، قال: ولا تعتبر حروف المضارعة في الأفعال، ولذلك يقال: يمحوان. قال: (و) ذكر ابن الضائع اعتبارها في مثل يرضيان ويشقيان ويدعيان، وهو ومشكل باستشكال النحويين ليشأيان في مضارع شأى، وبغير ذلك من

стр. 5133

كلامهم، ثم ذكر أن الانقلاب إنما هو الأجل الكسر في الماضي كما تقدم، وهذا في مثاله هنا ظاهر جدا، بخلاف التقييد بالرابعة على الإطلاق في كتابه التسهيل فإنه ليس بقيد محرز. فقد حصل مقصود الناظم بالتمثيل بيرضى ظاهرا، وأما التمثيل بالمعطى ففي تحرير مقصده تكلف كما رأيت، ولو بين أكثر من هذا لكان أولى! ثم قال: "ووجب إبدال واو بعد ضم من ألف (ويا) "، لما أتم الكلام على إبدال الواو إلى غيرها أخذ في إبدال غيرها إليها، فذكر أن الواو تبدل وجوبا لا جوازا من كل ألف وياء وقعت بعد ضمة، ويعني إذا وردت الضمة على حرف بعده ألف أو ياء فإن الألف لا تثبت بعد الضمة، وكذلك الياء لا تثبت بعد كذلك بعد الضمة، لاستثقال ذلك في الكلام، لكن على شرط يذكر. أما الألف فلم يشترط في انقلابها شرطا، ولذلك لما يأت لها بمثال، ومثال ذلك/ ضويرب في ضارب، وخويرج في خارج، وكذلك فاعل وتفاعل إذا بنيتهما للمفعول فقلت: فوعل، وتفوعل، نحو: ضورب زيد، وتقوتل في الدار وكذلك (تقول) في ساباط: سويبط، وفي هاجر: هو يجر، فقلبت الألف واوا لطلب الضمة بذلك. وأما الياء فاشترط فيها شروطا، وذلك ما أشار إليه المثال وهو موقن، وذلك أنه مفرد، ذوياء ساكنة، (مفردة) غير لام. فهذه أربعة أوصاف:

стр. 5134

أحدها: كونه مفردًا، وذلك أن موقنا اسم فاعل من أيقن، فهو مشتق من اليقين، فواوه ياء في الأصل، قلبت للضمة قبلها، وهو أيضا جار صفة على مفرد فهو مفرد، ومثله موسر من اليسر، وموقظ من اليقظة، ونحو ذلك. (وإذا ذكرت الصفة جرى في حكمها فعل الذي في حكمها، فإذا (قلت): يوقن، قلبت الياء واو، وكذلك يوسر ويوقظ) على هذا كل ما كان من الأسماء مفردا فحكمه هذا الحكم. فإذا بنيت من البيع مثال فعل (قلت): بوع، أصله: بيع، فصار إلى ما صار إليه موقن. وكذلك إذا بنيت مثل ترتب من البيع قلت: تبوع، أو مثل مفعلة من عاش (قلت) معوشة، أصله: معيشة، فنقلت الضمة إلى العين فصارت الياء ساكنة بعد ضمة، فقلبت واوا فقيل: معوشة، ومنه قول الشاعر: وكنت إذا جارى دعا لمضوفة ... أشمر حتى ينصف الساق (مئزري) وأما معيشة فهي على هذا مفعلة- بكسر العين- إذ لو كانت مفعلة لكانت معوشة، كما تقدم.

стр. 5135

فلو كان جمعا نحو بيض جمع أبيض فحكمه خلاف هذا على ما سيأتي إثر هذا إن شاء الله تعالى. وقد جرى الناظم في هذا الحكم على مذهب أبي الحسن، وهو الذي اتبع في التسهيل، وأما الخليل وسيبويه والجمهور فمذهبهم أن فعلا من البيع يقال فيه: بيع، وأن مثال ترتب منه يقال فيه: تبيع، وأن مفعلة من عاش يقال فيه: معيشة. فمعيشة المسموع يحتمل على مذهب الجمهور أن يكون مفعلة- بكسر العين- أو مفعلة بضمها، وما جاء من قوله: وكنت إذا جارى دعا لمضوفة شاذ. وكذلك (ديك) وقيل يحتمل عندهم أن يكون فعلا وفعلا، (وعند الناظم لا يكون إلا فعلا بالكسر، وكذلك التيه يجوز أن يكون فعلا وفعلا) عند الجمهور. وأما التوه فلا يجوز عندهم أن يكون إلا من الواو، (و) عند الناظم يجوز أن يكون من الواو أو من الياء على ذلك التقرير. والتفريع على القولين يتسع، ولكن حجة ما ذهب إليه الناظم أن قلب الضمة كسرة إنما استقر في الجمع نحو: بيض في جمع أبيض، ولم يستقر في المفرد، والقياس يقتضي التفرقة بين الجمع والمفرد، لأن الجمع أثقل من الواحد فهو أدعى للتخفيف، فلذلك قلبت الضمة كسرة في الجمع لتصح الياء، ولم تقلب الياء واوا، لأن الياء أخف من الواو. وأما المفرد فإنه أخف من الجمع فاحتمل الواو.

стр. 5136

ومن الدليل على الفرق بينهما في ذلك أنا قد وجدنا الجمع يقلب فيه ما لا يقلب في الواحد، ألا ترى أن الواوين المتطرفتين تقلبان ياءين في الجمع كعتي وجثي في جمع عات، وجاث، ولا تقلبان في المفرد إلا شذوذا كمرضى ومسنية، بخلاف المفرد/ فإن عدم القلب هو الباب، ولا يكون الجمع إلا شاذا، نحو ما حكاه سيبويه من قولهم: إنكم لتنظرون في نحو كثيرة، وكذلك (قالوا) صيم في جمع صائم، ولا يجوز في حول المفرد: حيل. وقد احتجوا أيضا بمضوفة المتقدم، وهو من من ضاف يضيف إذا حذر وخاف. والذي رجحوا مذهب سيبويه والخليل، وذلك لأن العلة التي لأجلها انقلبت الواو ياء في الجمع موجودة في المفرد، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى. وقد فرق الأخفش بما تقدم، وأيضا فإنه لم يجيء فعل مما عينه ياء على مذهب الأخفش، وكل ما جاء على لفظ فعل بالواو فتصريفه بالواو لا بالياء. فإن قيل: إنما كان ذلك لكراهية قلب الياء واوا. قيل: فلم جاء في الفاء (القلب) ولم يجيء في العين؟ ما ذاك إلا لأن العين حكم لها بحكم اللام، فقلبت الضمة لأجلها، وهو ما نزع سيبويه نحوه. وأما مضوفة فمن الشاذ على مذهب الجمهور. وقد استدل الأخفش بقولهم للريح الحارة: هيف وهوف، والأصل الياء، فهوف- بلا شك- فعل منه، انقلبت ياؤه واوا كما كان ذلك في

стр. 5137

مضوفة، وفي ذلك تقوية لما قال وإضعاف للدليل المتقدم من أنه لم يجيء فعل مما عينه ياء. وقد رام ابن عصفور الانفصال عن هذا باحتمال أن يكون هيف وهوف لغتين كالتيه والتوه، واحتمال أن يكون هيف أصله هيوف مثل ميت وهين، ثم أدغمت الياء في الواو، فصار "هيف"، ثم خفف فصار هيف كميت. وهذا عند غيره ضعيف؛ قال ابن الضائع: تركيب هـ وف لم يأت، وهو نادر. وأيضا فالهيف هو الريح ذات السموم المعطشة؛ وقالوا: رجل هيوف ومهياف: إذا كان لا يصبر عن الماء، وهو اشتقاق صحيح وتصريف دال على خلاف ما قال ابن عصفور، وأيضا فإنهم لم يقولوا: هيف كما قالوا: ميت، فلو كان أصله ذلك لنطقوا به كما نطقوا بأصل ما كان عليه فيعل، وقال الفارسي في التذكرة: أظن القاسم حكى في مصنفه عن الفراء: رجل ضورة، للذليل الفقير، فإن يكن ذلك كما أظن ففيه حجة لقول أبي الحسن في قلب الياء واوا في نحو بيض إذا لم يكن جميعا كما كان قوله: وكنت إذا جارى دعا لمضوفة حجة له. يعني- والله أعلم- أنه من الضير، بمعنى الضر، فهو إذا من الياء. على أن الجوهري حكى في كتابه: ضاره (يضوره) يضيره ضورا وضيرا، فلا يكون فيه على هذا حجة لإمكان كونه من الواو، إلا أن يثبت أنه على لغة الياء. وقال فيها أيضا: فعول عزيز في الواحد مطرد في المصدر

стр. 5138

والتكسير، فدل على هذا مشابهة المصدر لعمومه وشياعه التكسير لتجاوزه وكثرته. قال: وإذا كان كذلك لم يكن لصاحب الكتاب حجة في العيسة مصدرا لأعيس على أبي الحسن فيما يقوله في ديك وقيل. قال: مثله أعين بين العينة، حكاها الفراء. وعلى هذا فدليل الأخفش قد يظهر وجهه، ولهذا- والله أعلم- ارتضى الناظم مذهبه. فإن قيل: فلم حملت مذهب الناظم على أنه مذهب الأخفش ويمكن أن يكون مذهبه هنا مذهب سيبويه والجماعة/ من جهة أنه إنما مثل بموقن، وهذا المثال وما كان نحوه لا يختلف فيه سيبويه والأخفش، لأن الحرف المبدل قد بعد من الطرف، وإذا كان كذلك فقد قال سيبويه في فعلل من الكيل: كولل. وكذلك فعلل فعلا تقول فيه: كولل، كما تقول في بيطر: بوطر، وقد أنشد سيبويه: مظاهرة نيا عتيقا وعوططا ... فقد أحكما خلقا لها متباينا وعوطط: فعلل من تعيطت الناقة. وإنما لم يخالف في هذا لبعد الياء من الطرف، فقويت الضمة عليها، فإذا لم تكن بعيدة من الطرف كفعل

стр. 5139

من البيع اختلف الأخفش وسيبويه كما تقدم، ومثاله (إنما) يشير إلى موضع الوفاق؟ فالجواب: أنه وإن احتمل هذا فالأولى أن يحمل على أنه يشمل المتفق عليه والمختلف فيه؛ إذ لو كان ذلك مراده لم يقل بعد ذلك: "ويكسر المضموم في جمع"، فخصه بالجمع، بل كان يعم به فعلا كان من الجموع أو من المفردات، (وإلا) فكان ينقصه من أجزاء المسألة جزء كبير، فلذلك كان الأولى التفسير المتقدم، مع أنه يمكن أن يكون ذكر الجزأين المتفق عليهما وهما ما بعد حرف العلة فيه عن الطرف، إذ كان من فعل جمعا وترك بينهما واسطة هي في محل الاجتهاد، والله أعلم. والوصف الثاني من أوصاف المثال المتقدم: كون يائه ساكنة، فإنها إذا كانت كذلك قويت الحركة عليها فقلبتها، وذلك أن الياء والواو أختان بمنزلة ما تدانت مخارجه من الحروف كالدال والتاء والذال والثاء ونحو ذلك، وقد رأيناهم يغلبون إحداهما على الأخرى إذا سكنت نحو: سيد وميت، أصله: سيود وميوت، فقلبت الواو ياء ليكون العمل (من جنس واحد، وكذلك طيه ولية، ففعلوا مثل ذلك ليخف العمل) فيهما، ولما وجب هذا في الواو والياء لما فيه من الخفة وجب نحو ذلك في أميهما،

стр. 5140

فأجريت الضمة مجرى الواو، والكسرة مجرى الياء، لأنهما بعضهما، فكما قلبت الواو للكسرة قبلها ياء، كذلك قلبت الياء للضمة قبلها واوا. وإنما قويت الحركتان وإن كانتا ضعيفتين على قلب الياء والواو، من قبل أنهما لما سكنتا ضعفتا، فقويت الحركة على إعلالها وقلبهما، فكما تقلب الواو المتحركة في نحو سيد وقيم، كذلك قلبت الكسرة الواو الساكنة، والضمة الياء الساكنة، أما الأول فنحو ميقات، وأما الثاني فنحو موسر، وذلك أن الحرف أقوى من الحركة، فلما قلبت الياء بقوتها الواو المتحركة كذلك قلبت الضمة والكسرة والياء الواو الساكنتين دون المتحركتين لضعفهما. هذا ما قال ابن جني. فأما لو تحركت الياء فلا تنقلب إلا قليلا لقوتها بالحركة، وذلك نحو شييخ وبييت، في تصغير شيخ وبيت، وما أشبه ذلك. والذي جاء من ذلك قليلا ما نقل السيرافي عن بعضهم في شيخ: شويخ وفي بيت: بويت. وقد حكى سيبويه في ناب: نويب، ووجه ذلك بأن الألف في ناب ونحوه لما كان الأكثر فيها أن تكون منقلبة عن واو غلبوا الواو عليها حملا على الأكثر. قال ابن الضائع: وهاتان اللغتان- يعني القلب وعدمه- نظيرتا قيل وبيع، وقول وبوع، فيما بني للمفعول، قال: وعلى هذا يجوز في الناب (نييب، بالضم والكسر، وقد حكي فيه سيبويه/ نويب)، قال: ويقوي توجيه سيبويه ضم الأول، ألا ترى أن الضم هو الموجب للواو في تصغير بيت فقط. فإذا ثبت أن هذا القلب لغة قليلة لم يعتد بها الناظم

стр. 5141

ولا عدها، وأيضا (فإن) هذه اللغة لا تكون في جميع الباب، ألا ترى أنك لا تقول في عيبة: عوبة، ولا في هيام: هوام، ولا ما كان نحو ذلك. فإذا القلب ههنا غير قوي ولا مطرد. والوصف الثالث: أن تكون الياء مفردة، وذلك في موقن ظاهر، فإن لم تكن مفردة بل كانت مع ياء أخرى ضاعفتها لم يحكم بالانقلاب واوا وإن كانت الياء ساكنة، فبيع فعل من البيع على وزن سلم، أو من الحيض إذا قلت: حيض لا جمع حائض، لا تبدل فيه الياء واوا، فلا تقول: بويع ولا حويض، وكذلك ما أشبهه. ووجه ذلك أن الياء إذا أدغمت بعدت عن الاعتلال وعن شبه الألف، لأن الألف لا تدغم أبدا، فإذا قويت لم تتسلط الحركة قبلها عليها فتقلبها كما لم تتسلط عليها عين تحركت. ثم اعلم أن هذا الإفراد المشار إليه بالمثال تارة يكون تحقيقا كجميع ما تقدم من المثل، وتارة يكون مقدرا وإن كان ظاهر الأمر أن الياء غير مفردة، فيحكم إذ ذاك بما هي عليه في الحقيقة من الإفراد، فتقلب واوا للضمة، فإذا بنيت نحو بيطر من البيع قلت: بيع فتدغم بالضرورة، فإذا بنيته للمفعول قلت: بويع، فتقلب الياء الساكنة واوا للضمة لأنها غير مضاعفة، والإدغام هنا في بنية الفاعل عارض، وإنما الياء هنا كياء بيطر، وأنت تقول فيه: بوطر، فكذلك بويع، لكون الياء الثانية كالحرف الأجنبي، وكذلك إذا بنيت مثل بيطر من القول فهذا يقال فيه: قيل، أصله: قيول، فإذا بني للمفعول قيل: قوول. وكذلك ما كان نحو هذا. وهو تنبيه حسن في معناه، فتنبه له، وقد مضى منه شيء قبل هذا،

стр. 5142

ولم ينبه عليه في التسهيل في هذه المسألة، وإن كان قد نبه عليه في مسألة قلب الواو (الساكنة) ياء للكسرة. والوصف الرابع: كون الياء غير لازم. هذا أيضا ظاهر فيما تقدم من المثل، فإن كانت الياء لاما ولا تكون ساكنة أيضا فإن لها حكما سيأتي إن شاء الله تعالى، حيث ذكره، حاصله أن الياء لا تقلب للضمة. وقول الناظم: "بذا لها اعترف"، الاعتراف: الإقرار، اعترفت بحق فلان قلبي. وكأن الاعتراف يدور على معنى الإقرار بثبوت حق قبل المقر، لثبوت الحجة عليه؛ إذ لا يقال في الغالب إلا فيما كان عليه من الحقوق حجة ظاهره. ولكن يقال: ما فائدة ذكر هذا هنا؟ وإنما يظهر أنه فضل لا مزيد فائدة فيه كبعض أشياء تندر منه لا يكون فيها زيادة. والجواب عن ذلك أنه لم يقصد بهذا الكلام تمام لفظ البيت فقط، وإنما أراد به شد عضده فيما ذهب إليه من مخالفة الجماعة عند ارتكابه مذهب الأخفش وحده، وذلك أنه قد نصب نفسه في منصة الاجتهاد كما تقدم مرارا، وعادة المجتهد أن يتبع الدليل فيصير إلى ما صيره إليه، فكأن قائلا قال له: لم تركت الجماعة/ واتبعت مذهب غيرهم؟ فأجاب بأن الدليل قام عليه حتى أقر أنه الحق والذي ينبغي أن يتبع، وإن كان المذهب الآخر عليه الجمهور فليس ذلك بحجة عليه تلزمه الرجوع إليهم، بل المسألة بعد اجتهادية ما لم ينعقد الإجماع فيكون الراجع عنه مخطئاً،

стр. 5143

ويكون الدليل شبهة غير صحيحة. فلم يأت بهذا الكلام إلا لينبهك على هذا المعنى، والله أعلم. وقوله: "ووجب (إبدال واو) ... " إلى آخره، تضمن في الشعر، وهو فيه قبيح، وأقبح قبيحه أن يتصل آخر كلمة من البيت الأول بأول كلمة من البيت الذي يعده، كهذا الذي فعل الناظم، وهو في النظم كثير جدا. وقد مر التنبيه عليه. ثم أخذ في ذكر ما استثنى من الجمع فقال: ويكسر المضموم في جمع كما ... يقال: هيم، عند جمع أهيما يعني أن الياء إذا وقعت قبلها الضمة، وكانت الياء على الأوصاف المذكورة، من كونها ساكنة مفردة غير لام فإنها لا تقلب واوا لأجل الضمة قبلها كما فعل بالمفرد، بل ينعكس الحكم في الجمع فتقلب الضمة لأجل الياء كسرة، فتقول في جمع أهيم: هيم، وهو مثاله، أصله هيم، من الهيام وهو أشد العطش، ورجل أهيم وامرأة هيماء، وكذلك بعير أهيم، أي: أخذه الهيام، وهو داء يأخذ الإبل فتهيم، أي: تذهب في الأرض لا ترعى، وناقة هيماء، قال كثير عزة: وإني قد أبللت من دنف لها ... كما دنفت هيماء ثم استسلت

стр. 5144

فاستثقلوا الياء بعد الضمة لتباينهما فأدى ذلك إلى إعلال أحد المتباينين؛ إما الضمة للياء، وإما الياء للضمة، لكن الياء لما كانت تلي الطرف عوملت معاملة الطرف، فكما أن الياء إذا كانت طرفا وقبلها ضمة تقلب الضمة كسرة كأظب، أصله: أظبى كأفلس، فكذلك إذا كانت تلي الطرف؛ ولذلك قالوا: صيم وقيم قفلبوا الواو ياء: لما كانت تلي الطرف، ثم لما تباعدت عنه حين قالوا: صوام وقوام، لما يقلبوا. وهذا ظاهر. ومثل ذلك بيض في جمع أبيض، وعين في جمع عيناء أو أعين، وكذلك صيد في جمع أصيد، ورجل أميل ورجال ميل، قال الأعشي: غير ميل ولا عواوير في الهيجا ولا عزل ولا أكفال (وهو كثير). فإن فقد وصف السكون لم تقلب الضمة وجوبا نحو: غير في جمع غيور، وبيض في جمع بيوض، وكذلك ما أشبهه. فلا تقلب الضمة كسرة لأجل تحرك الياء، نعم لو فرضت تخفيفها بإسكان ضم الياء على حد قولهم في رسل: رسل، لقلت: بيض، فكسرت؛ لأنه قد صار- بالتسكين- إلى وزان فعل؛ فيصار به مصير فعل؛ فنقول: بيض وغير، وما أشبه ذلك.

стр. 5145

وإن فقد وصف الإفراد فلا يكون ذلك الحكم أيضا، وذلك نحو بيه جمع بائع، وحيض جمع حائض لا يقال فيه: حيض ولا بيع. وكذلك في عيل جمع عائل، وسيل جمع سائل، قال أبو النجم: كأن ريح المسك والقرنفل ... نباته بين التلاع السيل وأنشد ابن جني" فتركن بهزا عيلا أبناؤها ... وبني فزارة كاللصوت المرد فلا تقلب الضمة في شيء/ من هذا. ووجه هذا (أن الياء المشددة قوية ليس لها ضعف المفردة كما تقدم قبل هذا، فكما) أن الياء إذا كانت مشددة لا تقلب للضمة قبلها (واوا) فلا تقول في مثل سلم من البيع: بويع، فكذلك لا تقلب الضمة لها، كانهم قصدوا بهذا نوعا من الموازنة. وكذلك الواو المشددة لا تقلب ياء للكسرة قبلها، فكذلك الضمة لا تقلب كسرة للياء المشددة، وأما نحو لي جمع ألوى فإن فيه جائز والضم جائز وذلك لأجل أن العين باللام مضاعفة فاعتبر فيها، هذا النحو، لكن لما كان

стр. 5146

هذا التضعيف باللام لا بالعين (وحدها) اعتبر فيها ذلك المقدار، فكان الكسر أولى عندهم. فالحكم في مثل هذا مذبذب، إذ كانت اللام ليست بأجنبية من العين، لأنهما أصلان، بخلاف الحرف الزائد فإنه أجنبي، فلذلك لم يعتبر تضعيف العين (به) كما تقدم. وإن فقد وصف كون الياء غير لام فكانت لاما فحكمها أيضا حكم هيم ونحوه، لكنه سيذكرها بعد هذا على تفصيل (غير تفصيل) الحكم في هيم، فلذلك أخر ذكر ذلك عن هذه المسألة، والله أعلم. وواوا آثر الضم رد اليامتي ... ألفى لام فعل أو من قبل يا كتاء بان من رمى كمقدره ... كذا إذا كسبعان صيره وإن يكن عينا لفعلي وصفا ... فذاك بالوجهين عنهم يلفى هذه مواضع أخر من قلب الياء واوا للضمة قبلها، فأولها أن تقع الياء لاما في فعل، وذلك قوله: "وواوا اثر الضم رد اليا متي. ألفى لام فعل". يعني أن الياء إذا وجدت في الكلام لاما لفعل لا لاسم فإن الياء ترد إلى الواو للضم

стр. 5147

الذي قبلها؛ وذلك أن الضمة توجد كذلك على وجه واحد، وهو أن يكون الفعل ماضيا، فإنه إن كان مضارعا كان على يفعل لا على يفعل، فلا تقع فيه (الياء بعد الضمة)، ولا يوجد في الماضي غير محول إلا في فعل واحد، وذلك نهو، أصله: نهي، من نهيت. وإنما امتنع ذلك في كلامهم لما يؤدي إليه من الخروج من الأخف إلى الأثقل؛ إذ يلزم فيه قلب الياء واوا كما فعلوا في نهو، لأن حركة العين تقوى على اللام وإن تحركت، من حيث كانت (اللام) ضعيفة، بخلاف ما إذا كانت عينا وهي متحركة فإن الضمة لا تقوى عليها كما تقدم، وإذا كان كذلك لم يكن بد من قلب الياء واوا، والياء أخف من الواو، مع أنهم إذا أتوا بالمضارع كان ولابد على يفعل، لأن باب فعل أن يكون على يفعل، فكنت تقول مثلا: رمو يرمو، فيجتمع في الماضي والمضارع واو، والضمة كالواو، فكان كاجتماع واوين، وذلك ثقيل، فهربوا مما كان مؤديا إلى ذلك. بخلاف الواو إذا وقعت لاما نحو: سرو، فإنه لا يلزم فيه خروج من خفة إلى ثقل، فاستعملوه وأهملوا الآخر. فإذا ثبت هذا لم يبق مما يقع عليه هذا القانون من الماضي إلا المحول إلى فعل من غيره، وذلك فعل اللازم له معنى التعجب، (وذلك) نحو: كرم الرجل زيد، وما/ أشبه ذلك. فإذا بني مثله من فعل لامه ياء

стр. 5148

لزم فيه لأجل قصد التعجب فعل، ولا ينقل إلى فعل لئلا يلتبس به، فاعتزموا عليه وقالوا: لقضو الرجل، من قضي يقضي، ورمو من الرمي، ونهو من النهي، وهدو من هدى يهدي، وكذلك ما أشبهه، فقلبوا فيه الياء واوا؛ إذ لم يمكنهم غير ذلك، فالفعل الذي أراد هو الفعل الماضي المبني على فعل، وهو عنده من المطرد في القياس، ولو فرضنا أن ليس بمقيس لكانت عبارته فيه صحيحة، لأنه إنما قال: "متى ألفى لام فعل"، أي: إذا وجد هذا في كلام العرب فحكمه هذا، بل لم يلتزم هو أن يوجد، فلا يعترض عليه بأن ذلك سماع فكيف تثبت له هنا قاعدة مطردة، لأن هذا من القواعد التصريفية الجارية في القياس وجد مقتضاها في السماع أو لم يوجد؛ ألا ترى أنهم يفرضون أشياء فيه أن لو كانت كيف تكون. الثاني من المواضع: أن تكون الياء الواقعة بعد الضمة في آخر اسم لاما له أو غير لام، لكنها قبل تاء التأنيث، وكأن هذا الكلام من الناظم في (قوة) تقسيم، وهو أنه لما ذكر أولا حكم العين وما في حيزها في القلب وعدمه أخذ يذكر الآن اللام وما في حيزها أيضا، فكأنه يقول: إذا وقعت الياء بعد الضمة في آخر كلمة فإنها تبدل واوا في موضعين: أحدهما: أن تقع لاما لفعل. ولم يستثن من ذلك شيئا، لأنها لا تكون آخر الفعل إلا لاما له.

стр. 5149

والثاني: أن تقع آخر اسم، لكن بشرط أن يكون في آخره هاء التأنيث أو الألف والنون. وماعدا هذين الموضعين فلا تقلب فيه الياء واوا على ما سيذكر إن شاء الله تعالى. فأما ما آخره الهاء فهو الذي نبه عليه بقوله: "أو من قبل تا". وهو معطوف على معنى "لام فعل"، لأن معناه: في موضع اللام، إذ ليست لام التمثيل بعينها، فجاء قوله: "من قبل تا" معطوفا على هذا المعنى، كأنه قال: ألفى في موضع اللام، أو من قبل تاء. لكن لما كان قوله "من قبل تا" لا وجود له في كلام العرب على هذا المثال الذي يذكره؛ إذ لم يسمع مثال مقدرة من الرمي في الكلام، وإنما هو فرض فرضوه على قولهم عرقوة وقمحدوة ونحوهما- لم يترك كلامه مبهما (فقال): "لتاء بان من رمى كمقدرة"، أي: كالتاء الموجودة في بناء من بنى من رمى مثل مقدرة. فقوله: "كتاء بان" على حذف مضاف، أي: بناء بان، إذ الباني بنفسه ليس له تاء إلا في بنائه الذي بني، وبناؤه المبني على هذا المثال هو قولك: مرموة، لأن شرط البناء مقابلة الأصلي بالأصلي والزائد بالزائد، كما هو مذكور في الكتب المبسوطة، فالأصل أن يقال هنا في البناء من رمى: مرمية. وهذا الذي أشار إليه بأن تقلب ياؤه واوا للضمة، وكذلك ما كان نحوه من بنائك على مثال مقدرة من سرى يسري فتقول: مسروة، أو من بني فتقول: مبنوة أو من عنى يعني فتقول: معنوة. وكذلك ما أشبهه، فتقلب الياء واوا، ولا تقلب الضمة كسرة فتصح الياء، قالوا:

стр. 5150

لأن الكلمة لما بنيت على هاء التأنيث فصارت غير مفارقة لها صارت الواو فيها بمنزلة واو قمحدوة/ وقلنسوة وعرقوة وترقوة، فقد جرت الهاء هنا مجرى الألف والنون على ما يأتي في كون الكلمة مبنية كلها لم تكن الكلمة موجودة قبل الألف والنون في نحو: عثمان وعمران، فكنت أولا تستعمل عثم وعمر ثم دخلتا عليهما، فكذلك المسألة الأخرى، لم يكون قمحدو، وعرقو، ونحوهما، هكذا مستعملا ثم دخلت عليه التاء. ويتعلق بكلامه هنا مسألتان: إحداهما: أن من شرط هذا الحكم الذي قرر في مثال مقدرة من الرمي أن يكون مبنيا على تاء التأنيث كما تقدم في التعليل أنفا، فإنها أن لم تكن الكلمة مبينية عليها لم يصح هذا الحكم، بل ينعكس الأمر، فتحكم اللام على الضمة فتنقلب كسرة، فتقول في مرموة: مرمية، كما لو قدرت سقوطها من قمحدوة لقلت: قمحدية. إلا أن العرب عاملته على لزوم التاء، ولأجل هذا الشرط يقول المازني وغيره حين يذكرون هذا: تقول في مفعله من رميت: مرموة، إذا بنيتها على التأنيث، ومرمية، إذا بنيتها على التذكير. ومعنى ذلك أن تقدر الكلمة من أول أحوالها غير منفكة من التاء أو تقدرها منفكة وإن لم ينطق بها إلا بالتاء، فهو عندهم أمر تقديري، ؤإذا كان كذلك فالناظم لم يشترط هذا الشرط، ولا ظهر من كلامه إشارة إليه، فاقتضي أنك تقول: مرموة، وإن قدرت
следующие страницы →