← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 5461–5477 · переход к 5466.

стр. 5461

نصوص منه على ما ذكرت لك من عدم الاعتداد بالزيادة واعتبار صدر الاسم في الإعلال والإدغام إلا فيما يصح لأجلها من نحو الجولان والنزوان، فلأجل ذلك صح قووان ونحوه. فإذا الألف والنون عنده كالهاء، وأنت لو بنيت من الرد مثل فعلة وفعلة لقلت: ردة، فأدغمت كما تدغم ما لا هاء فيه. وقد احتج سيبويه لقوله بقولهم: خششاء، فلو كانت الزيادة معتدا بها لم يجروا هذا مجرى حضض، قال ابن الضائع: وهو استدلال صحيح، لأن الألف والنون كألف التأنيث الممدودة، وقد ألزم سيبويه في مذهبه التناقض، وللكلام في ذلك مجال واسع، فإن أردته فعليك بابن الضائع. وهنا نجز ما أراد ذكره في هذه الأرجوزة من مهمات النحو وضرورياته وجملة من توابعها، فأخذ في التنبيه على تمام قصده، والختم بما ينبغي الختم به، فقال: وما بجمعه عنيت قد كمل ... نظما على جل المهمات اشتمل أحصى من الكافية الخلاصة ... كما اقتضى غنى بلا خصاصة فأحمد الله مصليا على ... محمد خير نبي أرسلا

стр. 5462

وآله الغر الكرام البررة ... وصحبه المنتخبين الخيرة يقال: عنيت بكذا أعني به عناية، وأنا معني به، هكذا مبنيا للمفعول، فهو أحد ما التزم فيه البناء للمفعول في أفصح اللغات. فإذا أمرت قلت: لتعن بحاجتي. ونظيره: نفست المرأة، وأولعت بالشيء، وسقط في يده. ومن ذلك كثير. وقد حكى عن بعض العرب: عنيت بحاجتك- على فعلت مبنيا للفاعل- فأنا أعنى بها قال ابن درستويه: بمعنى الانفعال والمطاوعة، لأن فعلت من أبنية المطاوعة، فمن كانت هذه لغته جاز له أن يقول في الأمر: لتعن بحاجتي. قال: وهو قليل. فأتى الناظم بما هو الأفصح، والفاعل هو الأمر أو الحاجة، وأصله هنا: وما جمعه عناني، إلا أن مثل هذا إنما يقال مبنيا للمفعول كما ذكر. ومعنى عنيت، أي: جعلت لي به عناية وصار لي حرص عليه, فقوله: وما بجمعه عنيت قد كمل، يعني أن ما اعتنى بجمعه وحرص على تأليفه من علم/ النحو قد كمل وتم على حسب ما قصده. وقوله: "بجمعه" متعلق بعنيت، ودل بهذا اللفظ أنه جامع لا مخترع، فهو يجمع ما قال غيره وما استنبطه من استقراء كلام العرب سواه، وليس له فيه إلا الجمع والترتيب وتهذيب القوانين.

стр. 5463

فإن قلت: هذا يقتضي أنه لا استنباط له في هذا العلم ولا اختراع شيء لم يقله غيره، وليس كذلك، بل فيه مسائل مخترعة واستقراءات مبتدعة، كمسألته في جواز دخول الألف واللام الموصولة على الفعل، ولا أعلم أحدا أجاز ذلك غيره. وكذلك مسألة الدنيا والعليا في باب التصريف، ومسألة إجازة الفصل بين المضاف والمضاف إليه في الكلام إذا كان مصدرا عاملا في الفاصل، وغير ذلك من المسائل التي انفرد بها. وقد مضى التنبيه عليها، فكيف يقول: "وما بجمعه عنيت"؟ . فالجواب: أن تلك المسائل ليست من مخترعاته ولا انفرد بالكلام عليها، بل ذكرها النحويون، لكنهم جعلوها من الشذوذات، فاختار الناظم فيها مذهب القياس، واختار غيره عدم القياس، فليس ثم في الحقيقة اختراع. وكذلك مسألة الدنيا والعليا، (لم) يخترع فيها إلا مجرد الاصطلاح، ولا يقال في مثل هذا: إنه ابتداع مسألة أو اختراع قانون. وأيضا فإن هذه المسألة في كتابه نادرة جدا، واختياراته قليلة، فلم يعتبر بها في جنب ما كان منقولا عن غيره. على أن قوله "بجمعه" يمكن أن يكون أراد به جمعه للمسائل التي قصد ذكرها من النحو، كانت على مذهبه أو مذهب غيره، فلا يبقى في كلامه على هذا إشكال. وقوله: "نظما" يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون تمييزا منقولا من الفاعل، كقوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شيبا﴾، أي: شيب الرأس، وتقدير

стр. 5464

كلامه: قد كمل (نظمه). والثاني: أن يكون حالا من ضمير "كمل"، أي: كمل حالة كونه نظما، وهو مصدر في موضع الحال- والضمير في الوجهين المستتر في كمل عائد على ما، وهي موصولة واقعة على العلم المودع في رجزه. وقوله: "على جل المهمات اشتمل"، في موضع الصفة لنظم، أي: نظما مشتملا على جل المهمات. والجل معناه: معظم الشيء. والمهمات: هي التي تهم الإنسان، أي: تقلقه. وأصله من أهمني الأمر: إذا أحزنني وغمني، فصارت الأشياء التي يقلق الإنسان حالها ويعنيه أمرها كأنها تحزنه حتى يحصلها أو يخلصها تخليصا يستريح إليه. والمهمات في كلام الناظم على حذف الموصوف، والتقدير: على معظم المسائل المهمات في العربية اشتمل. ومعنى اشتمل: احتوى، ومنه سميت الشملة لكساء يشتمل به، يلتف فيه، لأنها تشتمل عليه وتضمه. فيريد أن هذا النظم قد احتوى على معظم المسائل والأبواب المهمة الضرورية. وإنما قال: على جل: على المهمات اشتمل، لأنه لم يحتو على جميع الضروريات، بل على أكثرها، فقد نقصه الكلام على جملة من فصول (في) الأبواب، ونقصه أيضا بعض الأبواب من الرأس، فأما ما نقصه من الأبواب فكالقسم، والتقاء الساكنين، فإن هذين البابين لم يعرج عليهما، بل أهمل جانبهما جملة.

стр. 5465

ومن ذلك باب التسمية، إلا أنه دونهما في الضرورة/. وأما ما أهمل من الفصول والمسائل فكمسألة الفصل من المضمرات، ومسألة الأمثلة الموزون بها من الأعلام. ومسألة الموصولات الحرفية وهي: أن، وأن، (وكي)، ولو المصدريات. ومسألة دخول الفاء في خبر المبتدأ، ومسألة التاريخ في باب العدد، ومسألة معاني أبنية الأفعال، ومسألة ما زيدت الميم في أوله من أسماء المصادر والزمان والمكان، والكلام على جملة من الحروف كأي التفسيرية، وحروف التنبيه والجواب، وغيرها، ومدة الإنكار والتذكر، وفصل مخارج الحروف وصفاتها، والإدغام إذا كان في كلمتين، وقسم إدغام المتقاربين، ومسائل من هذا النوع لم يتعرض إليها، فلذلك قال: "على جل المهمات" فحرز الإخبار عما قصد ذكره لئلا يقال له: فأين جميع المهمات وقد نقص منها جملة كبيرة؟ وهو من الاحتراز الحسن. ثم قال: "أحصى من الكافية الخلاصة"، أصل الإحصاء العد والأحاطة، يقال: أحصيت الدراهم: إذا أحطت علما بأفرادها وعددها- وخلاصة الشيء: ما صفات منه وتخلص عن الشوائب. ويقال: خلص الشيء يخلص خلوصا: إذا صفا. والخلاصة والنقاوة يرجعان إلى معنى واحد. ويريد أن هذا النظم- وإليه يعود ضمير أحصى- قد

стр. 5466

حصل لباب الكافية وعيون فوائدها، وأحاط بها. والكافية هو أرجوزته الكبرى المسماة بالكافية الشافية، وهي قد احتوت من الأشطار المزدوجة على آلاف، ولم أقف عليها بعد، لكن رأيت عن بعض الشيوخ مقيدا أنها منثورة في الكتاب المسمى بالفوائد المحوية في المقاصد النحوية، وقد رأيت هذا الكتاب، ورأيت اختيار ابن مالك فيه موفقا في الغالب لما اختاره في هذا النظم. وقوله: "كما اقتضى غنى بلا خصاصة"، الخصاصة: ضد الغنى. والاقتضاء: طلب القضاء، ومعناه هنا: طلبه للحكم بالغنى. يعني أنه أحصى من الكافية خلاصتها، كما اقتضى لحافظه الغنى الذي لا ينسب صاحبه إلى الفقر. ومراده أن هذه الجملة المنظومة قد اشتملت على حسنين، أحدهما: تحصيل لباب كتابه الأكبر حتى إنه لم يفته منه إلا ما لا يعد خلاصة ولبابا، إذ ليس في طبقة الضروريات. والثاني: أنه مع اشتماله على هذا الاختصار وعدم الإحاطة بالجميع فيه من العلم ما يستغني به الطالب فيكيفه طلب غيره والافتقار إليه. فالغنى المراد هو: الغنى بما فيه من العلم الكافي. والخصاصة (هي): الافتقار إلى غيره، فنفي أن يكون كتابه- على اختصاره- مفتقرا معه إلى غيره، ولعمري إنه لكذلك، لتحصيله ما يجب تحصيله، وما يرجع إلى ما يجب تحصيله. وهذا الكلام تعريف بنظمه وتنزيل له في رتبته التي يعلمها منه، وهكذا ينبغي أن يفعل المؤلف لكتاب ما أن يعرف مقصده فيه ورتبته في الإفادة، حتى يكون ذلك باعثا للناظر فيه على حفظه والاشتغال به، ولا يعد ذلك تزكية منه لفعله، ولا مدحا لنفسه، لأن هذا القصد مذموم فلا يلتمس للأئمة

стр. 5467

الأعلام والعلماء المهتدى بهم والمقتدى بكلامهم إلا أحسن المخارج، ولا يظن بهم إلا أحسن المذاهب، وهو الحق والإنصاف/، والدين والأمانة في الاعتقاد في كبرائنا في أي علم من العلوم الشرعيات. ولما عرف الناظم- ﵀ بما تضمن كتابه من هذا العلم، وما أعطاه من الفائدة، كان من الذي ينبغي أن أعرف أنا بما قصدته في هذا الشرح، وأبين مرتكبي فيه، وما أودعته من منازع شيوخي- ﵃ ونفعني وإياهم، وذلك أني لم أقصد فيه قصد الاختصار الذي قصده غيري ممن شرح هذا النظم لأمور أكيدة: أحدها: أن واضعه لم يضعه للصائم عن هذا العلم جملة، ولو قصد ذلك لم يضعه هذا الوضع؛ إذ كثير منه (مبني) على أخذ الفوائد والقواعد والشروط من التمثيلات والمفهوم والإشارة الغامضة، والمبتدئ لا يليق به هذا التعليم ولا يسهل عليه قصد الإفادة. وإنما يليق بالمتعلم جمل الزجاجي وما أشبهه مما يسهل تصوره ويقرب متناوله. أما إذا كان الطالب قد شدا في النحو بختم كتاب ينفتح له به اصطلاح العلم، وزاول أبوابه، وتنبه لجملة من مقاصده ومسائله- فهو المستفيد بنظم ابن مالك، لأنه يضم له ما انتشر، ويجمع له ما تشتت عليه، ويصير له في النحو قوانين يعتمد عليها ولا يخاف انطماس فهمه عليه، وإذا كان كذلك لم يكن لائقا بشرحه الاختصار المحض والاقتصار على مجرد التمثيل وما يليه.

стр. 5468

والثاني: أن الناظم لم يقتصر في كثير من هذا الكتاب على مجرد النقل الذي لا يشوبه تعليل، ولا أضرب عن ذكر الخلاف والإشارة إلى الترجيح، بل نبه على التعليل، ورمز إلى الأخذ بالدليل، وأرشد إلى أن لبسط العلل فيه موضعا، وللإدلاء بالحجج وفصل القضايا بين المختلفين فيه مجالا متسعا؛ فلذلك بسطت فيه من المآخذ الحكمية العربية ما يسوغ أن يقع تعليلا لمسائلة، وأوردت فيه من التنبيه على الخلاف في المسائل الموردة فيه ما وسعني إيراده، وملت إلى الانتصار للناظم فيما رآه والاعتذار عنه ما وجدت إلى ذلك طريقا. حتى إذا لم أجد لما ارتكبه مساغا في المنقول ولا في المعقول بينتُ الحق في المسألة، ورددت عليه غير مزدر به ولا منتقص له، علما بأن من كلام الناس المأخوذ والمتروك، إلا ما كان من كلام النبوة. والثالث: أن فيه من القواعد الكلية والقوانين العاقدة ما ينبغي بسطه ولا يسع اختصاره، فلو قصد قاصد اختصار الكلام عليها أو اكتفى بالنظر الأول فيها كان إخلالا بمقصد الشرح، وإغفالا لما تأكد طلبه وبسطه منه. والرابع: أن تعويله على الإشارة بالتمثيل، وعقد الضوابط بها، والاتكال على المفهوم، والإتيان بالعبارات الغامضة المعاني ما يدل على أن صاحبه قصد أن يشترك في النظر فيه الشادي والمنتهى، فلذلك حملت العبارة ما تحتمله في باب المفهوم والمنطوق، وخدمتها بالاعتراضات والأجوبة فيما أمكن، وتتبعت قواعده الكلية، وعرضتها على أصول العلم، فما وجدته منها

стр. 5469

صحيحا أثبت وجه صحته، وما كان فيه خلل بينته بقدر الإمكان، إلى أن كمل منه بحمد الله ما رأيت، وعسى أن يكون هذا المنزع هو الحكمي/ في التعليم، والرباني في التحصيل، وهو الذي أرجو، فإن وافق ذلك فبفضل الله، وإلا فقد حرصت على ذلك، والله ينفع بالقصد. وقد سلكت فيه مسلك شيوخي- ﵃ في البحث وتحقيق المسائل، والتأنيس بالتنظير، والتنقير عن دفائن اللفظ، وبتتبعه بقدر الإمكان، والاعتراض وإيراد الإشكال، والاعتذار عن اللفظ المشروح على حسب ما أعطاه الوقت والحال، وأوجبه تحسين الظن بالمؤلف، وعدم الوقوف وراء اللفظ تقليدا دون أن يتحرر معنى الكلام أو يظهر وجهه، والاحتجاج لمذهب المؤلف وترجيحه لما أمكن له وجه ترجيح، وتنشيط القارئ في بعض المواطن بالحكايات عن أهل العلم في المسائل المتكلم فيها. هذا ما جمعت مما شهدته وعرفته وأخذته عن أشياخي، فقد كان شيخنا الأستاذ الشهير أبو عبد الله بن الفخار- رحمة الله عليه- في هذه الطريقة إماما غير مدافع، حافظا لمسائلها، وكان من طرق تعليمه البسط والتعليل وفصل القضية بين المختلفين من أهل البصرتين وغيرهم، وضرب المسائل بعضها ببعض، والاتساع في التنظير، والإمتاع في المسألة المنظور فيها، إلى غير ذلك من التحصيلات المحكمة، والنكت المجتلبة المنقولة عن شيوخه والمفترعة له. وكان شيخنا القاضي أبو القاسم

стр. 5470

الشريف الحسني- رحمة الله عليه- في هذا العلم رفيع الشأن، عالما بدفائن أئمته، وكان من طريق تعليمه تحصيل مضمن الفصول والأبواب، جامعا لما تشتت منها، مقربا للمبتدئ، يقف القارئ على نكت كتابه المقرر واحدة فواحدة، لا يقنع بالفهم البراني فيه، موردا للإشكال، مجيبا عنه، لا يخرج عن طريق كتابه إلا في الندرة، معتذرا عن غفلاته، مرتضيا ما ارتضاه شيوخه في فهمه محمضا بفوائد المعاني ومسائل البيان ومقطعات الشعر الحسان. وكان شيخنا الأستاذ أبو عبد الله البلنسي- ﵁ في هذا العلم عارفا بطرق أئمته المتأخرين، عالما بمقاصدهم فيه، وكان من طرق تعليمه بيان المقاصد بحسب القارئ من الابتداء والانتهاء، مرشحا لفهمه، مدربا له، وموقظا لفكره لاقتناص الجواب وإيراد السؤال، مطرزا مجلسه بنقل نكت شيوخه، متأدبا معهم إذا ذكر أحدا منهم طرب بذكراهم وأمتع بالثناء عليهم كعادة شيخه أبي عبد الله (بن) الفخار. إلى غير هؤلاء ممن لازمت مجالسهم، واستفدت منهم، وانتفعت بسببهم، أعلى الله درجاتهم في عليين. فهذه الطرائق هي التي ذهبت إليها في الشرح، وبنيت عليها، وبالله التوفيق. ثم قال الناظم: "فأحمد الله"، هذه الفاء للتسبيب، لما وصف أن هذه الأرجوزة حوت إحصاء خلاصة الكافية من غير افتقار في الضروريات إلى

стр. 5471

غيرها ترتب على ذلك وتسبب عنه أن يحمد الله- تعالى- على هذه النعمة التي أنعم عليه بها، حيث أعانه ووفقه إلى أن تمم كتاب علم ينتفع بع من بعده، فيكون أجر الانتفاع/ به باقيا له بعد موته لا ينقطع وإن انقطع عمله، لقول رسول الله- ﷺ : "إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع يه من بعده، وولد صالح يدعو له". فواجب أن يحمد الله- تعالى- على ذلك. وأتى بلفظ "أحمد"، ولم يقل: فالحمد لله، إظهارا للعمل في الحمد، وتحققا بالعبودية في ذكره. وقد تقدم معنى الحمد، والصلاة، والنبي. وقوله: "مصليا" حال من ضمير أحمد. و "محمد": اسم من أسماء رسول الله ﷺ ، وهو أشهر أسمائه، وهو الذي سماه به جده عبد المطلب. وقوله: "خير نبي" بدل من "محمد"، ولا يكون عطف بيان، لأنعطف البيان يشترط فيه موافقته للمعطوف عليه في التعريف أو التنكير، و "خير نبي" نكرة. ومعنى "خير نبي": خير الأنبياء، لكن وضع الاسم النكرة المفرد موضع الجمع المعرف اختصارا. وأعطى هذا الكلام أنه أفضل الأنبياء، وبذلك جاء الحديث الصحيح: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر".

стр. 5472

وأرسل: في موضع الصفة لنبي، كأنه قال: خير نبي مرسل، وجعله كذلك ليتضمن أبلغ التفضيل، لأن الأنبياء المرسلين لهم شرف النبوة والرسالة معا، فكان النبي- ﵇ أفضل من حصلت له المزيتان، ولو اقتصر على قوله: "خير نبي" لم يعط تلك المبالغة. وجاء قوله: "خير نبي أرسلا" مؤذنا من حيث خص بصفة الرسالة أن الأنبياء على قسمين: مرسلون وغير مرسلين، وقد خرج الآجري في كتاب الأربعين، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، عن النبي- ﷺ حديثا فيه طول، من فصوله قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. قال: قلت: يا رسول الله، كم الرسل من ذلك؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، جم غفير. قلت: كثير طيب. قال: نعم. قلت: من كان أولهم؟ قال: آدم ﵇. قلت: يا رسول الله، أنبي مرسل؟ قال نعم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسواه قبلا. ثم قال: يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم، وشيث، وأخنوخ- وهو إدريس، وهو أول من خط بقلم- ونوح. وأربعة من العرب: هود، وشعيب، وصالح، ونبيك يا أبا ذر؟ وأول أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى، وأول الرسل آدم، وآخرهم محمد. وقوله: "وآله الغر الكرام". آله: قد تقدم في الخطبة تفسيره. والغر: جمع أغر، والأغر أصله ذو الغرة، وهو للفرس بياض في جبهته فوق الدرهم. ويقال: رجل أغر، أي: أبيض، من قوم غران، قال امرؤ القيس:

стр. 5473

ثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غران وهذا مدح. ولكن الذي قصد الناظم الأغر بمعنى الشريف، يقال للشريف في قومه: أغر، لأنه فيهم كالغرة. وفلان غرة قومه، أي: سيدهم. قالوا: وغرة كل شيء: أوله وأكرمه. والكرام: جمع كريم، وهو الشريف الفاضل، قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. وقال تعالى: ﴿قال: أرأيتك هذا الذي كرمت علي﴾. والكريم: /أيضا: الصفوح، قال تعالى: ﴿فإن ربي غني كريم﴾. والكريم: الحسن، قال تعالى: ﴿من كل زوج كريم﴾. وإنما سمي البذول كريما لأنه فاعل فعل الأشراف. والبررة: جمع بار، كسافر وسفرة، وكاتب وكتبة، وهو من البر، وهو خلاف العقوق، وفلان يبر خالقه، أي: يطيعه ويتبرره أيضا. ومعاني البرور راجعة إلى معنى الموافقة والطاعة. وهذه الأوصاف حقيق أن يوصف بها آل الرسول- ﷺ على التفسيرين، فلو قلنا: إن آله هم عشيرته الأقربون، فصحيح، لأنهم كذلك كانوا من شرف الأنساب والسيادة التي بذوا بها غيرهم، مع

стр. 5474

الموافقة والطاعة والانقياد إلى طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله ﷺ . وإن قلنا: إن آله من يرجع إليه في الدين، فكذلك أيضا، لأنهم غر محجلون من أثر الوضوء. وأيضا فهم سادة الناس، وأكرم الناس، لأنهم المتقون، قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، ولذلك سوى الإسلام بينهم، فليس للفاضل في النسب الصريح على المفضول فيه مزية إلا بزيادة التقوى وشدة الامتثال للأوامر والنواهي، فليس السوداء على ابن البيضاء فضل، فاستوى في هذا الشرف الفاضل والمفضول، وصار الجميع أفضل الناس. ثم قال: "وصحبه المنتخبين الخيرة"، الصحب: اسم جمع لصاحب، وليس بجمع له على القياس على مذهب سيبويه والجمهور، ومثله: راكب وركب. والصاحب في اللغة: ذو الصحبة، وهي الاجتماع والمؤالفة، صحبت فلانا صحبة وصحابة، فهو صاحب، ويجمع أيضا على الأصولين مختلف فيه؛ فذهب جماعة منهم ابن حنبل إلى أنه من رأى النبي- ﷺ وصحبه ولو ساعة، وإن لم تطل الصحبة ولا روى عنه حديثا ولا اختص به اختصاصا زائدا على مجرد اللقاء والمصاحبة. وذهب قوم إلى أنه من رآه- ﵇ واختص به اختصاص الصحبة، وطالت مدة صحبته له، وإن لم يرو عنه.

стр. 5475

وذهب بعضهم إلى أن هذا الاسم إنما سمي به من طالت صحبته للنبي- ﵇ أخذ عنه العلم. قالوا: والخلاف في هذه المسألة راجع إلى إطلاق لفظي في معنى الصحبة، هل تختص بأمر زائد على مجرد الاجتماع والمؤالفة أم لا؟ و"المنتخبين" نعت للصحب، واحدهم منتخب، وهو المختار، ورجل نخبة من قوم نخب- كرطبة ورطب- يقال: جاء في نخب أصحابه، أي: في خيارهم. والانتخاب الاختيار. وكذلك كان أصحاب رسول الله- ﷺ قد اختيروا له وانتخبوا من سائر الطوائف، مصطفون لمصطفى، ﵃، ورضوا عنه. والخيرة بمعنى الاختيار، قال الجوهري: "الخيرة مثل العنبة: الاسم من قولك: اختاره الله تعالى، يقال: محمد- ﷺ خيرة الله من خلقه، وخيرة الله أيضا، بالتسكين"، فكأن الناظم أراد المختارين من الخلق، فوضع اسم المصدر موضع ذلك، وعامله في الإتيان/ به مفردا معاملة المصدر فلم يجمعه. ويحتمل أن يضبط هنا بفتح الخاء على أنه جمع خير، فقد حكى الفراء: قوم خيرة بررة. وقد تقدم أول الكتاب في هذا المعنى حديث اصطفاء الله- تعالى- له أصحابه وعترته، فأغنى عن الإعادة. ***

стр. 5476

[ختام الكتاب] وقد كمل بحمد الله الغرض المقصود، وحصل بفضل الله إنجاز الموعود، وأنا أرجو أن ينفع الله به المفيد والمستفيد، إنه حميد مجيد، وأن يكون هذا المجموع مستقلا بإبداء معاني الخلاصة غنيا عن المزيد، منهضا إلى أوج الاستبصار عن حضيض التقليد. ولذلك وسمته بالمقاصد الشافية في شرح خلاصة الكافية. ولعمري إن مطالعه ليطلع منه على كثير من أسرار علم اللسان، ودفائن سيبويه وغيره من علماء هذا الشأن، التي من قصر إدراكه دونها لم يحل في هذا العلم بطائل، ومن ضاق فهمه عنها فاسم الإمامة عنه زائل، إلى ما تضمنه من حل كثير من عقد كتابه "التسهيل" ومشكلاته، وفك معمياته، وفتح مقفلاته. على أني بكلامه استدللت على كلامه، وبنوره اهتديت في بيداء استبهامه إلى رفع أعلاه. جعلنا الله ممن عمل بما علم، وأدى حق ما أنعم عليه فغنم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد خاتم النبين، وإمام المرسلين، وعلى آله الطيبين، وصحبه المنتخبين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. ***

стр. 5477

(قال مؤلفه- تغمده الله برحمته): (وكان الفراغ من تقييده يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الثاني عام أحد وسبعين وسبعمائة).