Полный текст (5 477 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.
стр. 5426
فإن قيل: قد زعم سيبويه أن معدا ميمه أصلية، فهو إذا فعلل، فنقلت حركته وأدغم، فلم لم يظهر كقردد؟
فالجواب: أن سيبويه قد زعم أن معدا ليس فعللا في الأصل ثم أدغم، وإنما هو فعل أصل بناء، كما أن خدبا فعل.
فإن قيل: ولعل خدبا فعلل في الأصل، ثم أدغم.
قيل: قد زعم سيبويه أنه لم يأت في الكام فعلل كقردد.
ثم قال: "وشذ في ألل ونحوه فك بنقل"، يعني أن ألل وما كان مثله من الفعل بابه أن يدغم، وما جاء على غير ذلك فشاذ يحفظ ولا يقاس عليه. وهذا المثال من الثلاثي لأنه الذي جاء فيه الإظهار، وألل على فعل، كان أصله أن يقال: (أل): ألل السقاء: إذا تغيرت رائحته، وأللت أسنانه أيضا: فسدت، وأللت الأذن: إذا رقت. ومثل ذلك قولهم: "لححت عينه: إذا التصقت، وصككت الدابة، وضبب البلد: كثرت ضبابه، ومششت الدابة، وقطط شعره". ومن ذلك في الاضطرار قول قعنب بن أم صاحب، أنشده سيبويه:
стр. 5427
مهلاً أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضننوا
وقد أجاز ابن السراج فك المدغم في الشعر مطلقا نحو: ردد في رد، وما أشبه ذلك. (و) لم أر هذا الشذوذ جاء في فعل ولا فعل، على أن فعل في المضاعف نادر، حكى ابن جني منه لفظين: لببت يا هذا، عن يونس، وشررت في الشر، عن قطرب. ومن الناس من يعد الضرورة قسما مسوغا للفك/، فيعده من أنواع ما خرج عن حكم الإدغام، وهو على طريقة ابن السراج ومن ذهب مذهبه، ويعد ما جاء في الكلام من الشاذ منبهة على الأصل، فيجعلون هذين نوعين، فإذا اعتبرنا ما اعتبروا عددنا ما نبه عليه المؤلف من الشذوذ نوعا سادسا. ولكنه ذكره هنا مختصا بالفعل لأنه به مثل، ولا فرق بين الفعل والاسم في هذا، فقد عدوا الشذوذ في الاسم منه، وأنشدوا عليه لرؤبة، وأنشده سيبويه، ثبت ذلك في الرقية:
الحمد لله العلي الأجلل ... أنت مليك الناس ربا فاقبل
وأنشد ابن السراج:
стр. 5428
قد علمت ذاك بنات ألببه
يريد: بنات أعقل هذا الحي، أي: ألبه، وغير ذلك من الأمور التي مضت وسيأتي جملة منها إن شاء الله.
ويشمل كلام الناظم في الشطوط القسمين، وما جاء منبهة على الأصل، وهو الآتي في النثر، وما جاء في الشعر ضرورة، لأنه شاذ كله عما ثبت في القياس.
وقوله: "بنقل" في موضع الصفة لفك، (أو) في موضع الحال منه أي: ملتبس بنقل، أو حالة كونه ملتبسا بنقل. وأراد بذلك أنه موقوف على النقل لا أنه قياس.
فإن قلت: قوله "بنقل" حشو، لأن قوله: "وشذ" مجزئ عنه، إذ عادته أنه حيث يقول: وشذ، فمعناه أنه موقوف على السماع. وأيضا فقوله: "فقبل" حشو أيضا؛ إذ معلوم أن ما كان بابه النقل مقبول على ما هو عليه إلا أنه لا يقاس عليه، وليس من عادته الإتيان من الكلام بما لا فائدة فيه.
والجواب: أنه يمكن أن يكون قصد بهذا اللفظ تنكيتا على مسألة وذلك أن الشاذ في الاصطلاح على ثلاثة أقسام: شاذ في القياس دون الاستعمال، وشاذ في الاستعمال دون القياس، وشاذ فيهما معا. فأما الشاذ في القياس دون الاستعمال فمثله ابن جني بقولهم: أخوص الرمث، واستصوبت الأمر، واستحوذ، وأغيلت المرأة، ونحو ذلك؛ إذ هو كثير في السماع مطرد
стр. 5429
فيه، وأما في القياس فخارج عنه، إذ القياس الإعلال. وأما الشاذ في الاستعمال دون القياس فمثله بالماضي من يذر ويدع، واسم الفاعل من أبقل المكان، إذ المستعمل باقل، ومبقل شاذ، وكذلك ودع شاذ في الاستعمال. وأما الشاذ فيهما فمثله بتتميم مفعول مما عينه واو نحو: ثوب مصوون، ومسك مدووف، وفرس مقوود، ورجل معوود. فأما الأول فمتبع فيه العرب مطلقا، وكذلك الثالث. وأما الثاني فهي متبعة فيه في المنطوق به خاصة دون ما سكت عنه، فلك أن تقول (أنت): وزن ووعد لو لم تسمعهما. ولا تمتنع منها، ولا من غيرهما قياسا على ما تركته العرب. وإذا كان كذلك فقد يكون الناظم أراد هنا أنه شذ في الاستعمال لا في القياس، لأن المستعمل منه شيء يسير والقياس قابل له. وبيان ذلك أنا نظرنا ما سمع من ذلك فوجدنا ذلك الاستعمال فيه إنما هو فعل- بكسر العين- دون فعل وفعل، ثم إنا وجدنا غالب ما استعمل منه في فعل إنما هو فيما كان من باب الخلق والعيوب/، ألا ترى إلى قولهم: لححت عينه: إذا التصقت بالرمص، وهو عيب فيها، وقالوا: صككت الدابة: إذا قرع أحد عرقوبيها الآخر وضاقا، وذلك عيب أيضا. وضبب البعير: إذا وجعه فرسنه، وألل السقاء: إذا تغيرت ريحه، وأللت الأذن: إذا رقت، وذلك أيضا راجع إلى الخلق والعيوب. وقالوا: مششت الدابة مششا، وهو شيء يشخص في وظيفها حتى يكون له حجم وليس له صلابة العظم الصحيح، وهو عيب ظاهر، وقطط شعره قططا، وهو أشد الجعودة، وهو من الخلق والعيوب أيضا. وهذا غاية ما ٍرأيت من هذا القبيل منقولا، وجميعه- كما
стр. 5430
ترى- راجع إلى باب الخلق والعيوب، ولم أجد ما هو بعيد الدخول فيه إلا قولهم: ضبب البلد: إذا كثرت ضبابه، ولا يبعد أن يعد مثل هذا كالعيب للأرض. وإذا كان كذلك فقد تقدم لنا أن ما كان من الخلق والألوان على فعل مما عينه معتلة فإنه يصحح ولا يعل نحو: عور، وحول، وهيف، وعين، وخوص، وخيف، حملا له على مرادفه الذي هو افعل، فكذلك كان القياس في المضاعف لأنهم مما يجرون المضاعف مجرى المعتل، فيصححون حيث يصح المعتل، ويدغمون حيث يعتل. هذا هو الغالب كما هو مقرر عندهم، فحيث وجد شيء من المضاعف على فعل وهو من باب الخلق والألوان فك، لكنهم لم يفعلوا ذلك بل أدغموا ما كان كذلك ولم يظهروه إلا قليلا، فقالوا: غم الرجل يغم غما: إذا كثر شعر وجهه وقفاه. وغم الفرس غمما: كثر شعر ناصيته. وجمت الشاة. جمما: لم يكن لها قرون. وجش الصوت يجش جششا: صارت فيه كالبحة. ولست أسنانه كسسا: تقدمت السفلى العليا. وسكت الأذن تسك سككا: صغر قوفها وضاق صماخها. وشق الفرس شققا: إذا مال في جريه إلى جانب، وشلت يمينه تشل شللا: بطلت، وشج يشج شججا: إذا بقى في جبهته أثر الشجة. وصم يصم صمما: إذا ذهب سمعه. وضز يضز ضززا: إذا لحق حنكه الأعلى بالأسفل. ولص الرجل لصصا: إذا اجتمعت منكباه حتى يكادا يضربان أذنيه. وكذلك إذا تقاربت أضراسه. ورح الحافر والقدم رححا: إذا انبسطا، وهو في الحافر محمود إلا أن ينبسط جدا فمذموم. ودن البعير دننا: إذا قرب صدره من الأرض فهو أدن، وهو من أعظم العيوب. ومن هذا كثير. فأنت ترى
стр. 5431
اتساع الإدغام في هذا الباب مع أن القياس فيه أن لو كان مفكوكا كله كما كان الباب في المعتل العين التصحيح. فهذا- والله أعلم- هو الذي قصد الناظم التنكيت عليه، كأنه قال: وشذ في فعل- مما هو من قبيل ألل- الفك استعمالا حالة كونه منقولا، أي: شذ (في) النقل وإن كان في القياس غير شاذ. ولأجل هذا أتى بألل الراجع في المعنى إلى العيوب، وعلى هذا يكون لقوله: "فقبل" فائدة، وهي أن ما شذ في الاستعمال دون القياس قد يظن فيه أنه يعمل فيه القياس، وليس كذلك، لأن كلامها جاء مخالفا له، فالذي كان الأصل هذا الباب أن يأتي المضاعف مفكوكا لا مدغما، وإن أتى مدغما فيكون شاذا، فانعكس هذا الأصل عندها/، فصار الأصل شاذا، وغيره هو المطرد، فلابد لنا من اتباعها حيث سارت، وترك القياس، وتلقى ما جرت عليه بالقبول. فقد ظهر بهذا التقرير أن كلامه لا حشو فيه.
وحيى افكك وادغم دون حذر ... كذاك نحو تتجلى واستتر
أما قوله: "وحيى افكك وادغم" فهو النوع السابع من الأنواع المستثناة، وأشار بهذا المثال إلى ما كان التضعيف واجتماع المثلين فيه لا يلزم في جميع تصاريف الكلمة، وذلك أنك تقول في المضارع: يحيا، فلا يجتمع المثلان، لانقلاب الثانية ألفا، فلما كان كذلك لم يراعوا الاجتماع تلك المراعاة، فلم يلزموا الإدغام كما لزم في رد وشد وصب وعض وما
стр. 5432
أشبه ذلك، لما كان التضعيف فيه لازما في التصاريف كلها، فكان ما يزول في بعض التصاريف أخف عليهم مما هو لازم، لأنه صار كالعارض الذي لا يعتد به، قال سيبويه: "اعلم أن آخر المضاعف من بنات الياء يجري مجرى ما ليس فيه تضعيف من بنات الياء، ولا يجعل بمنزلة المضاعف من غير الياء، لأنها إذا كانت وحدها لاما لم تكن بمنزلة اللام من غير الياء، فكذلك إذا كانت مضاعفة، وذلك نحو: يحيا ويعيا، ويحيى، (ويعيى)، أجريت ذلك مجرى يخشى ويخشى". هذه هي العلة في خروج هذا القبيل عن لزوم الإدغام، وعلى هذا التعليل يدخل له تحت هذه الإشارة كل ما كانت الياءان فيه لا تلزمان في التصاريف، فجرى فيه الحكم المذكور. فقوله: "وحيى افكك وادغم" يريد أن ما كان من هذا النحو يجوز فيه الوجهان، لكنه لم يرجح بين الوجهين، وقال سيبويه: "والإدغام أكثر، والأخرى عربية كثيرة". فوجه الإظهار ما تقدم من معاملة التضعيف حين لم يلزم معاملة العارض، وأما الإدغام فعلى قياس الصحيح. ومن السماع في الوجهين قوله تعالى: ﴿ويحيا من حيى عن بينة﴾، قرأ بالإظهار نافع والبزى وأبو بكر، والباقون بالإدغام. ومن الإدغام في الشعر ما أنشده سيبويه من قول الشاعر:
стр. 5433
عيوا بأمرهم كما ... عيت ببيضتها الحمامة
وأنشد في الإظهار:
وكنا حسبناهم فوارس كهمس ... حيوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا
أصله: حييوا، فأعل حتى صار مثل رضوا.
وكلام الناظم في المسألة مجمل يتفسر بتفصيل يبين المقصود فنقول: إن المضاعف الثاني من المضاعفين في حيى ونحوه إما أن يكون ساكنا أو متحركا، فإن كان ساكنا لم يجز إدغامه بوجه مثل: حييت وعييت، لأن من شرط الإدغام تحرك الثاني أو تقدير تحركه، فإن كان سكونه لا يقبل الحركة لم يدغم، وهذا عام في الإدغام كله، وسيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى، ومثاله قد نبه على هذا، إذ كان المضاعف الثاني منه متحركا ولم يكن ساكنا.
وإن كان الثاني متحركا فلا يخلو أن تكون الحركة حركة إعراب أو حركة بناء، فإن كانت حركة إعراب لم يجز الإدغام أيضا، لأن تلك الحركة غير لازمة، كالمضارع في حال النصب إذا قلت: يحيى، كقوله/ تعالى:
стр. 5434
﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى﴾ لأنه في حال الرفع ساكن، وفي حال الجزم محذوف، فجاءت في حال النصب عارضة فلم يعتد بها. وكذلك إذا قلت: رأيت محييا، لأنه في الرفع والخفض ساكن فلا تقول: أن يحى، ولا محيا. وقد نبه على هذا أيضا تمثيله؛ إذ حركة حيى حركة بناء لا حركة إعراب، وقد شذ من هذا قول الشاعر أنشده في التذكرة:
وكأنها بين النساء سبيكة ... تمشي بسدة بابها فتعى
وفيها: وقال: فلان يريد أن يحى أرضه، يدغم ولا يدغم. ووجه الكلام ألا يدغم، يبقى على سكون الياء في الرفع. قال: ولو بنيت الرفع على النصب فاستجزت فيه الإدغام في الواحد وفي الجمع لجاز ذلك فقلت: هو يحى ويعى، فترفع الياء، قال: وتحتج بأن تقول: كرهت أن يكون حرف في نصبه بياء واحدة مشددة، وفي رفعه بياءين الأخيرة منهما ساكنة. ويقويك على ذلك أنهم قد قالوا في الواحد: مد ورد، بناء على الأثنين والجمع، وأنشد البيت، قال: وتقول على هذا في المجزوم: لم يعى، فتنصب مثل: لم يفر، وإن شئت قلت: لم يعى، مثل: لم يفر. قال: والذي تختاره العرب في الجزم: لم يعى. قال: وسمع
стр. 5435
الكسائي العرب تقول: إبل معاي، يا هذا، وهو رفع، بني على تغير معي. قال: فإن قلت: فمن أراد أن يؤلف فعل ويفعل على الإدغام ويكره أن يكون حي مدغمة ويحيى غير مدغمة، هل يجوز (له) أن يقول: هو يحى؟ قلت: ما أبعد ذلك، وما أحفظه مسموعا عن العرب! وإن ثنيت فقلت: يحييان ويعييان كان الإدغام فيها سهلا، والوجه ألا تدغم. انتهى ما وجدته، وهو مشعر بجواز الإدغام وإن كانت الحركة حركة إعراب، وإنما أجازه من أجازه قياسا ولا سماع فيه إلا ما ذكر من الشذوذ، فلا يعتبر.
وإن كانت الحركة حركة بناء فلا يخلو أن تكون متطرفة أو غير متطرفة، فإن كانت متطرفة جاز. الإظهار والإدغام كما تقدم نحو: حيى، وأحيى، وحيى. وفي الإدغام: حى، وأحى، وحى. وهذان الوجهان صريحان من عقده وتمثيله. وإن كانت الحركة غير متطرفة فلا تخلو أن يقع بعدها ما لا يعتد (به) في بناء الكلمة أو ما يعتد (به)، فإن وقع بعدها ما لا يعتد له في بناء الكلمة عليه فلا حكم له، وكأنه لم يقع، وحكم الكلمة بعد دخوله كحكمها قبل ذلك، مثاله علامة التثنية والجمع كقولك: محييان وحييان. فهذا وأمثاله لا يجوز الإدغام فيه إذ كان المفرد غير مدغم، وكذلك لو سميت امرأة بحيا فجمعها بالتاء فقلت: حييات، لوجب الإظهار، وكذلك محييات في جمع محيية؛ إذ كانت محيية تأنيث محي لا يدغم أيضا لأن التاء عارضة للبناء، والمذكر لا يدغم لأن المضاعف
стр. 5436
الثاني ساكن، وإذا تحرك (تحرك) بحركة إعراب حالة النصب، فصارت الحركة عارضة فيه، (و) قد تقدم آنفا إجازة من أجاز الإدغام في هذا، والأصح خلافه. وهذا كله ظاهر من تمثيل الناظم وجوب إظهاره على ما تقدم من اشتراط تحرك الثاني. وإن وقع/ بعدها ما يعتد به جاز الوجهان، وذلك إذا بنيت الكلمة على تاء التأنيث كأحيية، لأن أفعلة لا يوجد بغير تاء، وتقول- إن شئت-: أحية. وكذلك ألفا التأنيث تقول: عيى وأعيياء، وحيى وأحيياء. وإن شئت أعياء وأحياء. وقال الخليل: أقول في مثل فعلان من حييت، حييان (وتسكن) وتدغم إن شئت. ووجه الفرق بينهما ظاهر، وهو أن حركة المضاعف الثاني إذا صارت وسطا للحاق ما يعتد به صارت الحركة البنائية لازمة في ذلك الموضع، كما كانت الحركة في حيى الذي مثل به الناظم لازمة في ذلك الموضع، بخلاف الحركة في محييان فإنها عارضة بعروض علامة، التثنية والجمع.
فالحاصل من هذا أن الإظهار والإدغام هنا جائزان بثلاثة شروط، وهي: أن يكون ثاني المثلين متحركا، وأن تكون حركته بنائية، وأن تكون غير عارضة في الكلمة.
ثم قال: "كذاك نحو تتجلى". وهذا هو النوع الثامن من الأنواع المستثناة، وذلك إذا كان المثلان أول فعل نحو: تتجلى. ومثل هذا لا يكون أحد المثلين فيه إلا زائدا، لأن مثل ددن لم يأت في الفعل البتة. وهذا المثال الذي مثل به يشمل من حيث معناه الماضي والمضارع إذا كان
стр. 5437
أولهما تاءان، فالماضي يقع ذلك فيه في تفاعل وتفعل إذا كانت الفاء تاء نحو: تتابع وتتارك، وتتبع. والمضارع يقع فيه إذا كان أول الماضي تاء ولحقت المضارع تاء الخطاب أو التأنيث، نحو: تتصارب وتتقارب، وتتكلم وتتجرأ، وما أشبه ذلك. فمثل هذا يجوز الوجهان فيه كما قال، (حيث) أشار إلى ما يجوزان فيه بقوله: "كذاك نحو تتجلى". أما الإظهار فكما تقدم في التمثيل، ويجتمع المثلان، ولا محذور فيه ولا كراهية، لأنه يشبه اجتماعهما من كلمتين، إذ الاجتماع هنا غير لازم، ألا ترى أن تاء المضارعة قد تزول ويؤتى بغيرها من حروف المضارعة، فدخولها عارض على الكلمة التي أولها تاء. وأيضا فإن تاء المضارعة لا يلزم أن (تدخل على ماض في أوله تاء، لأنها قد تدخل على ما فاؤه غير تاء، كقاتل وضارب، وسلم، وما أشبه ذلك، فصارت التاء التي بعدها عارضة لها أيضا من هذا الوجه، وكذلك تاء تفاعل وتفعل داخلة على فاعل وفعل وعارضة لهما لكونها إنما تدخل لمعنى ثم يعدم بانعدامه كحرف المضارعة. وأيضا تاء المطاوعة أو غيرها لا يلزم) أن يأتي بعدها تاء، فصارت كل واحدة منهما عارضة للأخرى، فصار المثلان في الجميع كأنهما من كلمتين، وإذا كانا من كلمتين جاز الإظهار، فكذلك ههنا يجوز الإظهار وأما الإدغام فجائز أيضا، فتقول في الماضي: اتابع، واتارك، واتبع، فتسكن الأول وتأتي لأجله بهمزة الوصل؛ إذ لا يبتدأ بساكن. وتقول في مضارعه: يتابع، ويتارك، ويتبع. وكذلك الأمر واسم الفاعل والمفعول. والإظهار في الجميع جائز. فهذا ما أجاز الناظم، إلا أنه أشار إلى شرط
стр. 5438
(بالتمثيل بالفعل)، وهو كون ما المثلان فيه فعلا، تحرزا من أن يكون اسما، فإن الاسم لا يدغم، فتقول: ببر، ويين، وددن، ونحو ذلك. أما ما الثاني فيه ساكن فظاهر من هذه الجهة، ومن جهة ذلك السكون إذ قد شرط تحرك الثاني. وأما ددن ونحوه فلأنه لو أدغم لسكن الأول ولا يبتدأ بساكن، ولا يجوز أن تلحق ألف الوصل لأن مواضع لحاقها معلومة معدودة، وليس هذا منها.
ثم إن هذا الكلام فيه نظر من وجهين.
أحدهما: أن الفعل المضارع يظهر فيه تعذر الإدغام/ من جهة أن المضارع إذا لحقته تاء المضارعة فاجتمعت مع التاء الأخرى لابد من تسكين التاء الأولى لأجل الإدغام، فإذا فرضنا سكونها فإما أن يبقى المضارع على حالة فيلزم الابتداء بالساكن، وذلك لا يكون، وإما أن تدخل همزة الوصل ليبتدأ بها، وهمزة الوصل لا تلحق المضارع أبدا، إذ لم يأت في كلامهم المضارع أصل بناء، فلذلك لا يدغم البتة، بل يبقى على حاله، فتقول: تتضارب وتتقاتل، ونحو ذلك. نعم، يجوز حذف إحدى التاءين على ما سينبه عليه الناظم إثر هذا. فعلى الجملة لا يصح إذا دخول المضارع في هذا الحكم، لكنه قد مثل به، وأحال به على جواز الإدغام، لقوله: "كذاك نحو تتجلى واستتر". فظهر أن كلامه غير صحيح.
والثاني: أن تمثيله بالفعل لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون اتفاقيا ولا يريده بخصوصه، بل يريد أن كل ما اجتمع أوله المثلان جائز
стр. 5439
فيه الوجهان. وهذا غير صحيح، إذ يدخل عليه جواز الإدغام (فيما كان كذلك من الأسماء غير الجارية على أفعال كددن ونحوه. وقد تقدم أن مثل ذلك لا يدغم) وإما أن يكون إتيانه به قصدا منه، ويكون ذلك شرطا في جواز الوجهين كما تقدم، لكنه يقتضي أن الاسم كيف كان لا يثبت له ذلك الحكم. وهذا الاقتضاء غير مستقيم، لأن ما جرى على الفعل من الأسماء على قسمين، أحدهما: اسم الفاعل، والمفعول، واسم المصدر، والزمان، والمكان. فهذا جار على الفعل في ذلك الحكم، فتقول: متارك ومتبع، ومتارك ومتبع، كما تقول: يتارك ويتبع، فتدغم. وتقول: متتارك ومتبع، ومتتارك ومتتابع، كما تقول: يتتارك ويتبع. والثاني: المصدر المشتق منه هذه الأشياء نحو التتارك والتتبع، فهذا لا يجوز فيه الإدغام، بل يلزم الإظهار. والمانع من ذلك عندهم أن ألف الوصل أصلها ألا تلحق من الأسماء إلا الأسماء الجارية على أفعالها نحو الاستخراج، والاقتدار، والتفاعل والتفعل ليسا بجاريين على أفعالهما تفاعل وتفعل، ولو أرادوا الجاري لقالوا: تفيعالا وتفعالا، لأن الجاري على فعله هو المكسور أوله المزيد قبل آخره ألف. وأما ابن واسم فإنما لحقتها وأخواتهما ألف الوصل عوضا من المحذوف. وإذا لم تلحق المصدر ألف الوصل لم يكن إلى الإدغام سبيل، لما يلزم من الابتداء بالساكن. فقد تلخص أن كلام الناظم غير مخلص.
ونظر ثالث، وهو أن تتجلى لا يخلو أن يعتبر وزنه المخصوص، أو لا يعتبر وإنما يعتبر اجتماع التاءين في أوله، فإن اعتبر وزنه المخصوص خرج عن حكمه تتفاعل ولم يدخل له تحت إشارته إلا ما كان نحو تتفعل. وأيضا لا يدخل له الماضي إذا اجتمع في أوله مثلان وذلك كله غير صحيح. وإن لم يعتبر إلا
стр. 5440
التضعيف في أوله لزم أن يدغم نحو: تتابع وتتارك المحذوفي الفاء من تتتارك وتتتابع إذ قد اجتمع مثلان في فعل مضارع، فصار مثل تتجلى، فاقتضى الإدغام، وذلك لا يجوز، إذ لا يبتدأ بساكن، ولا يسوغ الإتيان بهمزة الوصل، لأنه لا نظير له في المضارع. وإذا ثبت هذا فكلام الناظم في غاية الإشكال.
والجواب عن الأول: أن عدم لحاق همزة الوصل الفعل المضارع لا يمنع الإدغام إذا كان ثم ما يقوم مقامها، وذلك أن في المضارع وجهين، أحدهما: حذف إحدى التاءين، وسيأتي للناظم. والأخر: الإدغام إذا كان قبل المثلين مدة تقوم/ مقام الحركة من كلمة أخرى أو حركة، وذلك كقراءة البزى: (فلا تناجوا)، (ولا تنازعوا)، (ولا تبرجن)، (ولا تناصرون)، فإنه هنا يدغم ويعتد بالاتصال العارض، فتصير الكلمتان عنده كدابة وشابة. وكذلك: (لتعارفوا) و (تكاد تميز) و (فتفرق بكم عن سبيله)، (فإذا هي تلقف)، قال سيبويه: "وأما قوله تعالى جده: ﴿فلا تناجوا﴾، فإن شئت أسكنت الأول للمد، وإن شئت أخفيت وكان بزنته متحركا". قال: "وزعموا أن أهل مكة لا يبينون التاءين". وقد أشار الناظم إلى نفي هذا الإشكال
стр. 5441
المورد، وعدم الالتفات إليه، بقصده إلى التمثيل بالمضارع، وإلا فكان يمثل بالماضي ويحصل المقصود، لكنه عدل إلى ذلك تنبيها على أن المضارع يدخله الوجهان وإن توهم نفى ذلك، وإذا كان كذلك ووجد ما يقوم مقام همزة، الوصل لم يمتنع الإدغام بامتناعها.
والجواب عن الثاني: أن اسم الفاعل والمفعول وغيرهما قد علم جريانها مجرى الفعل المضارع في غالب الأحكام، وتكرر هذا المعنى في أبواب كثيرة، والأمر هنا كذلك، فلم يفتقر إلى بيانه لوضوح الأمر فيه. وأما المصدر فهو عند صاحب تلك الطريقة غير جار على الفعل، وإذا لم يكن جاريا عليه فقد فارق اسم الفاعل وغيره، وصار كددن ونحوه، فلا يجوز عنده فيه الإدغام، لما يلزم من لحاق ألف الوصل في غير موضعها كما ذكر قبل، ذكر هذه الطريقة ابن عبيدة في اختصار البسيط لابن أبي الربيع. وغالب الظن أن ابن أبي الربيع نص على ذلك في البسيط، ولم أره، لكني رأيته ذكر بعينه في الكافي شرح الإيضاح، ووجه المنع بما ذكر ابن عبيدة. والذي نص عليه سيبويه يقتضي أن احكم في التفاعل والتفعل جار بجواز الوجهين كالفعل من غير فرق، ولم يراع ما ذكر من عدم الجريان، ألا تراه قال: ومما يدغم إذا كان الحرفان من مخرج واحد وإذا تقارب المخرجان قولهم: يطوعون في يتطوعون، ويذكرون في يتذكرون". ثم قال: "وتقول في المصدر: ازينا، وادارؤا". ثم بنى على
стр. 5442
قاعدة المتقاربين حكم المثلين، على خلاف ما فعله ابن عبيدة حيث منع من ذلك، ونص على ذلك السيرافي أيضا، ولم يحك فيه خلافا عن أحد، فالظاهر أن المسألة خلافية وما قيل من عدم الجريان ليس كذلك، لأنه على الجملة مصدر، والمصادر تجري في هذا الحكم مجرى أفعالها ويطلق عليها أنها جارية عليها، ألا ترى إلى قولهم: هذا المصدر جار على فعله، وهذا غير جار عليه، ونحو ذلك. والجريان أعم من الجريان الذي يطلق لاسم الفاعل في بابه، وإذ ذاك لا يبقى على الناظم اعتراض، لأن عبارته تقتضي دخول المصدر وإذ ذاك نقول: إن كل واحد من القسمين المفروضين في السؤال صحيح، أما على اشتراط/ كون الكلمة فعلا فظاهر، لأن المصدر من الأسماء الجارية على أفعالها في الأحكام كجريان اسم الفاعل والمفعول، أو نحو ذلك، أعني في هذه الأحكام التصريفية، بخلاف نحو ددن. وأما على عدم اشتراط ذلك وأن المثال إنما أتى به اتفاقيا فكذلك، لأن باب ددن في غاية الندور، وعدم الاعتماد به شهير في أحكام التأليفات، ومن عادته (عدم) الالتفات إلى أمثال هذه الأشياء، والغالب في الأسماء التي يقع المثلان في أولها أن تكون جارية على الأفعال فيحكم لها بحكم الأفعال.
والجواب عن الثالث: أنه لم يرد الوزن المخصوص بعينه لكن أراد ما هو مثله في أحواله، ومنها ألا يكون التاءان قد حذفت معهما تاء ثالثة، لأن تتجلى كذلك. وظهر أنه شرط ثان تحرزا من نحو تتابع الذي أصله
стр. 5443
تتتابع، فإنك لا تقول فيه: اتابع، لأن الأولى تسكن فيلزم الابتداء بالساكن، ولا يجوز الإتيان بهمزة الوصل، لأنها لا تلحق المضارع كما تقدم.
فإن قلت: إن هذا ليس بعلة للمنع، فإنك قد تأتي بمد أو تحريك قبلها، فلم لا يجوز الإدغام كما جاز في نحو: (لا تناجوا) ونحو: (تكاد تميز) و (لتعارفوا) و (فتفرق بكم عن سبيله)، فتقول على هذا" أنت تابع، في: أنت تتابع، وهي تابع، في: هي تتابع. وكذلك: لا تابع يا هذا، وما أشبه ذلك.
فالجواب: أن الإدغام في مثل هذا على خلاف الأصل والقياس، لأنه بناء على الاعتداد بالعارض، والأصل ألا يعتد به، وإذا كانوا قد تركوا الإدغام في أحد الوجهين اعتبارا بعروض أحد المثلين في مسألتنا ونحوها، مع أن التاء قد صارت جزءا من الكلمة نحو: تتابع وتتالى، فما ظنك بالاعتداد بما هو من كلمة أخرى، لكنه سمع ذلك مع عدم الحذف، ولم يسمع مع الحذف فلا نقول به ولا نجيزه. وأيضا الإدغام يشبه الحذف إذ يصير به الحرفان كحرف واحد، فهو إذا اجتمع مع الحذف إخلال بالكلمة، فاجتنبوه. وأيضا لما امتنع فيه الحذف بعد الحذف فارق تتناجون ونحوه، فلما التزم فيه التاءان في جميع أحواله لم تلتفت تلك الحالة؛ إذ كان غير متعين في كثير من أحوال الفعل. وأيضا الإدغام ليس بأصل بل الأصل الحذف، فإذا امتنع الأصل امتنع الفرع. (و) بهذين استدل ابن الضائع.
стр. 5444
والنوع التاسع: ما كان نحو استتر مما هو على افتعل وعينه تاء، وذلك قوله: "كذلك نحو تتجلى واستتر". يريد أن الوجهين جائزان فيه وهما الإظهار والإدغام، فالإظهار نحو: استتر، واقتتل، واختتن، وافتتن، وما أشبه ذلك. ويدخل تحت هذا الإطلاق كل ما جرى ذلك المجرى من المضارع والأمر واسم الفاعل واسم المفعول وغيرها من الجاري على الفعل، فتقول: يقتتل، واقتتل اقتتالا، وهو مقتتل، ومقتتل بسيفه، وما أشبه ذلك، لأن علة الإدغام موجودة في الجميع. ووجه ذلك أن تاء افتعل زائدة وليس بلازم لها أن يكون عين الفعل من جنسها، فصار كون العين من جنسها عارضا، فلذلك جاز الإظهار، وبهذا المعنى فارق اقتتل باب احمر واحمار كان التضعيف والتقاء المثلين فيه لازما، بخلاف اقتل فإنه قد تقع بعد تاء افتعل العين والفاء وجميع حروف المعجم نحو: انتعل/ واختفى، وافتقر، واحتلم، واغتفر، واكتال، وما أشبه ذلك. وهذا معنى تعليل سيبويه. وأما الإدغام فجائز لأنه الأصل، إلا أن من أدغم من العرب يختلفون على وجهين:
أحدهما: نقل حركة التاء الأولى إلى الساكن وهو السين في مثال الناظم، ثم تدغم فتقول: ستر، فتسقط همزة الوصل لتحرك ما بعدها، فيصير على وزن قطع. وعلى هذا تقول في المضارع: يستر، وفي اسم الفاعل: مستر، وفي اسم المفعول: مستر، وفي المصدر: ستارا على وزن كذاباً.
стр. 5445
والثاني: ترك نقل حركة التاء بل تحذفها، فإذا التقى ساكنان السين والتاء كسر السين لالتقاء الساكنين، فتقول: ستر، وفي المضارع: يستر، وفي الفاعل: مستر، وفي المفعول: مستر، والمصدر: ستارا، كالأول في اللفظ والتقدير مختلف، فحركة السين في الأول حركة التاء المنقولة، وهي في الثاني حركة التقاء الساكنين. وهذان الوجهان هما الأصل في هذا العمل.
وثم وجه ثالث وهو كسر التاء إتباعا لكسرة السين فتقول: ستر، وفي المضارع: يستر، وفي اسم الفاعل: مستر- كالذي قلبه- ولا يتصور هذا في اسم المفعول ولا المصدر.
وعلى الوجه الأول قوله تعالى: ﴿وجاء المعذرون من الأعراب﴾، أصله: المعتذرون، وقوله تعالى: ﴿تأخذهم وهم يخصمون﴾ في قراءة ابن كثير وورش وهشام، وقرئ في غير السبع: ﴿بألف من الملائكة مردفين﴾.
وعلى الوجه الثاني، والثالث جاء في قوله تعالى: ﴿وهم يخصمون﴾ في قراءة عاصم والكسائي وابن ذكوان. وفي غير السبع: (مردفين).
وعلى الوجه الثالث جاءت قراءة الحسن: (إلا من خطف الخطفة).
وبعد هذه الأوجه العامة جاءت أوجه أخر لا حاجة إلى ذكرها إذ لم يذكر الناظم منها شيئا، بل أهمل الوجه في الإدغام كما ترى، ففسر بما يمكن أن يقصد ذكره في هذا النظم. ولو أشار إلى شيء من هذه الوجوه لكان الاستيفاء لائقا بالشرح، فتركته حين تركة.
стр. 5446
وقول الناظم: "وحيى افكك وادغم دون حذر"، جاء بادغم على افتعل، وهو الذي اختار السيرافي اتباعا لقول الشاعر:
إذا [فزعوا] ادغمن في اللجم
وقوله: "دون حذر"، يقال: حذرت الشيء أحذره حذرا، أي: تحرزت منه، وأيضا خفته. ومن الأول قوله تعالى: ﴿وإنا لجميع حذرون﴾. ومن الثاني قول الشاعر، أنشده سيبويه:
حذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار
وأراد بهذا أن الوجهين جائزان مطلقا دون تحرز ولا خوف من الوقوع في ممنوع، وذلك أن هذه الأشياء التي ذكر ظاهر فيها موجب الإدغام، وهو اجتماع المثلين الثقيلين على اللسان، فكان الأصل وجوب الإدغام، فالناظر يحذر هنا أن يجوز الإظهار لهذا، فنبهه على أن الإظهار ليس مما يحذر ولا يستبعد، لأن له وجها من القياس وعاضدا من/ السماع، فلا تستنكره.
ثم استدرك في اجتماع التاءين في أول الكلمة حكما ثالثا لما تقدم من الوجهين فقال:
стр. 5447
وما بتاءين ابتدى قد يقتصر ... فيه على تاكتبين العبر
يعني أن ما ابتدئ من الكلم بتاءين اثنتين قد يقتصر فيه على تاء واحدة وتحذف الأخرى فتقول في تتذكر: تذكر، وفي تتكرم: تكرم، ومنه تمثيله: تبين العبر، أي: تتبين العبر. والعبر: جمع عبرة، من الاعتبار والاستبصار، أصله من عبرت: إذا مررت بالطريق. والمعبر: المركب الذي يعبر فيه. والمعبر أيضا: ما يعبر عليه من قنطرة ونحوها. ومن ذلك قولهم: عابر سبيل. وإنما سميت العبرة عبرة لأنها يعبر عليها، أي: يجوزها النظر من ظاهر الأمر فيها إلى الباطن.
وإنما حذفوا إحدى التاءين (فرارا من كراهية التضعيف، إذ لم يمكن أن يلحقوا الفعل المضارع ألف الوصل- كما تقدم- ليدغموا إحدى التاءين) في الأخرى، وكانت الحركة أو المدة المنفصلة يبعد الاعتداد بها حتى يوصل إلى الإدغام، ففروا إلى الحذف حين أرادوا التخفيف. وفي القرآن الكريم من هذا كثيرا كقوله تعالى: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت﴾، ﴿فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم﴾، ﴿ما لكم لا تناصرون﴾، ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾، ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾. إلا أن الناظم لم يبين ما المحذوفة من التاءين، وذلك لأن المسألة مختلف فيها، فتركها في محل الاجتهاد، لم يعين وجها من الوجهين المذكورين. والنحويون اختلفوا في المحذوف على قولين.
стр. 5448
أحدهما: أن المحذوفة هي الثانية، وذلك لأن الأولى حرف معنى فهي أولى بالبقاء، والثانية لا تدل على معنى فهي أولى بالحذف. وهذا مذهب البصريين.
والثاني: أن المحذوفة هي الأولى، وهو مذهب بعض الكوفيين حكاه السيرافي، وكأنه يختار ذلك لكونها زائدة على الكلمة، والثانية من أصل البناء، وإن لم تكن أصلا فهي أولى بالإثبات. وحكى أيضا عنهم قولا ثالثا بجواز الوجهين، والأولى ما ذهب إليه البصريون.
فإن قيل: قد زعمتم أن المحذوف من التاءين هي الثانية، وعللتم ذلك بأن الأولى لمعنى، وكذلك الثانية أيضا لمعنى، لأن تفعل وتفاعل تاؤهما لمعنى.
فالجواب: أن سيبويه قد علل ذلك فقال: "وكانت الثانية أولى بالحذف لأنها هي التي تسكن وتدغم في قوله تعالى: ﴿فادارأتم فيها﴾، ﴿وازينت﴾.قال: "هي التي يفعل بها ذلك في تذكرون، فكما اعتلت هنا كذلك تحذف هناك".
واعلم أن الناظم لم يبين كل البيان شرط الحذف في هذه المسألة إلا أن يفهم له ذلك من التمثيل، وذلك ثلاثة شروط:
أحدها: أن تكون التاءان معا مفتوحتين كما مثل، لأن أصله: تتبين، فإن انضمت الأولى لم يجز، لأن حذف إحداهما إنما جاز لأن لفظها مع لفظ الباقية سواء، فلا تقول في نحو تتحمل: تحمل، ولا في تتبين: تبين، لاختلاف الحركتين، ولما يؤدي إليه الحذف من الإلباس بفعل لا تاءين فيه. وإذا امتنع مع
стр. 5449
تحرك الثانية كان مع سكونها أحرى بالمنع نحو: تتبع، وكذلك إذا انكسرت الثانية نحو: تتر، تتد، مضارع: وتر ووتد. وأيضا امتنع لما يلزمه من الحذف بعد الحذف.
والثاني: أن يكون ذلك مختصا/ بالمضارع، فلا يقع في أمر ولا ماض ولا غير ذلك، فلا تقول في تتالى: تالى، ولا في تتال يا زيد: تال يا زيد، ولا ما كان نحو ذلك؛ لأنه لو حذفت إحدى التاءين مع الماضي لالتبس بغيره إذا قلت في تتابع تابع، وفي تتالى: تالى. بخلاف المضارع فإن العوامل الداخلة عليه ترفع ذلك الإشكال إذا قلت: أنت تتابع، وأعجبني أن تتابع، ولم تتابع. والماضي ليس له ما يخرجه عن الالتباس.
فإن قبل: والأمر أيضا في ارتفاع اللبس كالمضارع، ألا ترى أن ما قبل آخره مفتوح نحو: تتابع يا زيد، وتتال يا عمرو فكان من الواجب على قياس هذا أن يقال: تابع يا زيد، وتال يا عمرو.
فالجواب: أن هذا وارد على هذه العلة التي ذكرها بعض المتأخرين، فالأولى ما تقدمت الإشارة إليه في تعليل الحذف، وهو أن الماضي والأمر قد أمكن فيهما الإدغام والإتيان بألف الوصل لسكون التاء الأولى، فهو الذي أزال الاستثقال. وأما المضارع فلم يمكن أن تلحقه ألف الوصل، فامتنع الإدغام لذلك، إلا أن يعتدوا بعارض الحركة أو المد
стр. 5450
في كلمة أخرى فعوضوا في امتناع الإدغام الحذف، فهذه العلة الصحيحة، وأما الأولى فمنتقضة.
وهذا الشرط أيضا أحرزه تمثيل الناظم بالمضارع.
والثالث من الشروط: أن تكون التاءان غير محذوف منهما ثالثة، تحرزا من نحو: أنت تتابع، أصله: تتتابع، فحذفت إحداهما هذا الحذف المذكور، فلا يجوز بعد ذلك حذف آخر، لأن الحذف بعد الحذف إخلال بالكلمة. وأيضا إذا أردت أن تحذف إحداهما فإما أن تحذف الأولى أو الثانية، أما الأولى فهي حرف معنى فلا يجوز أن تحذف للإخلال بذلك المعنى، وأما الثانية فهي من أصل الكلمة فلا تحذف، إذ لم يحذفوا ههنا إلا ما كان زائدا على الحروف الأصول كما تقدم في الأمثلة:
وهذا الشرط أيضا مأخوذ من تمثيله بتبين، لأن الأصل فيه أن يكون بتاءين خاصة، وأيضا قد قال:
وما بتاء ابتدى قد يقتصر ... فيه على تا ...
فذكر ما كان مبتدأ بتاءين، فخرج ما ابتدئ بثلاث تاءات، إلا أنه يقال: هذا الكلام مشكل، لأنه إما أن يريد بقوله: "وما بتاءين ابتدى" إخراج ما كان بثلاث تاءات، وإما أن يريد إدخاله تحت الحكم من حيث كان ما ابتدئ بثلاث مبتدأ باثنين، فيصدق على ذي الثلاث أنه ذو اثنين، فإن أراد الأول اقتضى أنه لا يحذف ذو الثلاث فلا يقال في تتتابع: أنت تتابع، ولا ما كان نحو ذلك مما أوله ثلاث تاءات وذلك غير صحيح، بل الحذف فه أسوغ، لأنهم إذا كانوا يحذفون في التاءين فمن باب أولى أن يحذفوا في الثلاث، لأن ثلاثة الأمثال
стр. 5451
أثقل من المثلين، ولا خلاف في جواز الحذف هنا. وإن أراد الثاني- وهو الذي ينبغي أن يقال- اقتضى حذف التاءين معا لقوله: "قد يقتصر فيه على تا"، يريد على تاء واحدة. وهذا أيضا غير صحيح، لأن حذف حرفين إخلال كما تقدم، فكان حق العبارة أن يذكر فيها ما يحذف لا أن يذكر ما يبقى بعد الحذف. وهذا الاعتراض ظاهر اللزوم، ولم أجد عنه جوابا، فلو قال عوض هذين الشرطين:
وحذف ثاني ما بتاءين ابتدى ... /أجز كنحو لن تحرى موعدى
لسلم من ذلك الاعتراض، ومن اعترض ثان، وهو أنه قال: قد يقتصر فيه على كذا، فأتى بقد المقتضية عنده للتقليل، فاقتضى أن الحذف قليل في الكلام غير كثير في الاستعمال، وليس كذلك، بل (هو) كثير جدا لا يقصر عن كثرة المجيء على الأصل، والناس خيروا في الوجهين، قال سيبويه: "فإن التقت التاءان في تتكلمون وتتترسون فأنت بالخيار، إن شئت أثبتهما، وإن شئت حذفت إحداهما". والوجهان شهيران في القرآن وفي كلام العرب، فكيف يقول: "قد يقتصر. وهذا أيضا يبعد الجواب عنه.
وقوله: "وما بتاءين ابتدى" بتاءين: متعلق بابتدى. وابتدى مسهل الهمزة بالإبدال على من قال في قرأت: قريت. أو التسهيل القياسي،
стр. 5452
لكن أجرى الوصل مجرى الوقف فأسكن الياء ضرورة. و "ابتدى" وما إليه صلة ما، وهي مبتدأ خبرها قوله: قد يقتصر. والضمير في "فيه" عائد "ما"، ومدلوله الفعل المضارع.
وفك حيث مدغم فيه سكن ... لكونه بمضمر الرفع اقترن
نحو: حللت ما حللته وفي ... جزم وشبه الجزم تخيير قفى
هذا هو النوع العاشر من المواضع المستثناة، وهو ما كان الحرف المدغم فيه ساكنا، فإنه إذا كذلك خرج عن مقتضى اشتراطه الأول، (حيث) قال: "أول مثلين محركين" .. إلى آخره، فخرج إذا عنه ما كان أحدهما فيه ساكنا، وهذا من ذلك، فلا يجب فيه الإدغام، لكن تكلم هنا على الجواز وعدم الجواز، فقسم ما سكن المدغم فيه إلى قسمين:
أحدهما: ما كان سكون الثاني فيه لازما لا يقبل الحركة، وذلك قوله: ﴿وفك حيث مدغم فيه سكن لكذا، والمدغم فيه هو الثاني لأن الأول مدغم. والثاني: مدغم فيه، يعني أن الفك وترك الإدغام واجب إذا سكن المثل الثاني لاقترانه بضمير الرفع، يريد البارز، فإذا كان كذلك قلت: حللت وحللت، وحللت، وحللتما، وحللتم، وحللتن، والهندات حللن. وقد نبه على ذلك بالمثالين في قوله:
стр. 5453
﴿نحو حللت ما حلللته"، إذ يدخل في الأول كل ما فيه التاء من ضمائر الرفع، (وأما الثاني فلا يشاركه غيره إلا نافي الرفع) إذا قلت: حللنا، فإنه يشاركه في النون، ولا تدغم هنا فتقول: حلت، ولا حلنا. وقد حكى سيبويه عن بعض العرب الإدغام في هذا فيقولون: ردت، وردن، ومدن. وهذه لغة ضعيفة. وكذلك حكى بعض الكوفيين في هذا: ردن، فيزيد نونا ساكنة يدغمها في النون، لأن هذه النون لا يكون ما قبلها إلا ساكنا. وحكى بعضهم في ردت: ردات. وهذا كله شاذ لا يعول عليه، فترك الناظم هذا كله لقلته وندوره. ووجه ما نص عليه أنه لما كان الآخر من المثلين لابد له (من) أن يتحرك وحينئذ يدغم فيه، وكان تحرك هذا ممتنعا لوقوعه موقعا لاتصل إليه فيه الحركة امتنع الإدغام، فلا يدغم هذا من يدغم رد/ ونحوه، بل الكل متفقون على الفك إلا من شذ منهم.
والثاني: ما كان سكون الثاني فيه غير لازم، وذلك الفعل الساكن جزما أو وقفا، نحو: لا تمرر بزيد، ولا تردد كذا. فذكر الناظم فيه التخيير في الإدغام والإظهار فقال: "وفي جزم وشبه الجزم تخيير قفى" (و) شبه الحزم هو الوقف، وإنما قال فيه: شبه الجزم، لأن البناء على الوقف مثل الجزم، إن كان الجزم في المضارع بالسكون فالبناء في الأمر على السكون، أو كان الجزم بالحذف فالبناء في الوقف على الحذف، نحو:
стр. 5454
اضرب ولا تضرب، وارم ولا ترم، واخش ولا تخش، واضربا ولا تضربا، واضربوا ولا تضربوا. ولأجل هذا زعم الكوفيون أن فعل الأمر مجزوم وأصله المضارع، لكن حذف حرف المضارعة ولام الأمر، وذلك مبسوط في غير هذا. ولما لم يكن ذلك مذهبه نوع الفعل إلى النوعين، إذ هما عنده متباينان، فقد قال في المعرب والمبني:
وفعل أمر ومضى بنيا ... وأعربوا مضارعا إن عريا
إلى آخره. وقوله: "وشبه الجزم"، أعاد الظاهر وكان الأصل أن يقول: وشبهه، فيأتي بالضمير، وذلك سائغ. وقفى معناه: اتبع، وذلك أن المجزوم والموقوف من المضاعف العين واللام للعرب فيه لغتان:
إحداهما: لغة تميم وهي الإدغام مطلقا، فيحركون الحرف الثاني لأنه يمكن تحريكه وإن كان ساكنا، وذلك إذا نقلت إليه حركة همزة بعده من كلمة أخرى، أو لقى ساكنا بعده، نحو: اخصص أبي واضرب ابنك، أو لحقته علامة تثنية أو النون الخفيفة أو الشديدة نحو: ارددا، وارددن، وما أشبه ذلك. وأيضا التسكين عارض للجزم أو للأمر فلم يعتد به، فالثاني إذا متحرك في الأصل وقابل للحركة في الحال فأدغموا وحركوا الثاني، فقالوا: رد، وفر، وعض، وخص. قالوا: ومن ذلك قوله تعالى: (لا تضار والدة بولدها).
стр. 5455
والثانية: لغة أهل الحجاز، قال سيبويه: "وهي اللغة العربية القديمة الجيدة"، وهي الإظهار. فتقول: اردد، وافرر، واخصص، (واغضض). ومنه قوله: تعالى: ﴿واغضض من صوتك﴾، و ﴿واضمم إليك جناحك﴾، وشبه ذلك، وهو كثير.
ووجه الإظهار سكون الثاني من المثلين، فلم يمكن أن يدغم فيه الأول وهو ساكن فيلتقي ساكنان على غير شرطهما، فامتنعوا من ذلك كما امتنعوا منه في رددت، ورددن ونحوهما.
ولم يذكر الناظم فيما إذا أدغم مثل هذا بأي حركة يتحرك المثل الثاني، وهذا من وظيفة باب التقاء الساكنين. والذي ذكر سيبويه وغيره في ذلك عنهم أربع لغات:
إحداها: الإتباع، فيحرك بمثل أقرب الحركات إليه، وهي الحركة التي قبل المدغم، فيقول: رد، وفر، وعض. إلا مع ضمير المذكر والمؤنث الغائبين فإنهم يحركونه بحركة الضمير فيقولون: ردها، وعضه، ومنه قوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ في مذهب من جعله نهيا. فإن وقع بعده ساكن من كلمة أخرى كسر نحو قوله:
стр. 5456
/فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فأتبعوا مع الضمير حركته لخفاء الهاء، فكان قولهم: ردها، كقولك: ردا، ورده كقولك: ردوا بهذا شبهه الخليل، وقد تقدم في الإمالة دليل على خفاء الهاء، وكسروا مع السكن على أصل التقاء الساكنين، كما لو قلت على لغة أهل الحجاز: اغضض الطرف.
واللغة الثانية: الفتح مطلقا، فتقول: رد، وعض، وفر، وردها، وعضها ورده، وعضه. وما أشبه ذلك، لأن الفتح خفيف، إلا إذا وقع بعده ساكن فكا لأولين، وهم بنو أسد.
والثالثة: الفتح مطلقا من غير استثناء شيء، زعم يونس أنهم يقولون:
فغض الطرف إنك من نمير
والرابعة: الكسر على أصل التقاء الساكنين، فيقولون: رد، وعض، وفر، وكذلك: رده، وعضه، وردها، وعضها، وكذلك: غض الطرف، من باب أولى.
هذا ما حكى سيبويه والجمهور. وللفارسي نقل فيها مخالف لهذا، وانظر في التسهيل ففيه أيضا مخالفة فتأمله.
стр. 5457
وهاتان اللغتان من الإظهار والإدغام فيما عدا أفعل به في التعجب، وهلم على لغة من قال: هلموا، وهلما، وهلمى، وهي على هذه اللغة فعل، ففي أفعل به التزموا الفك، والتزموا الإدغام في هلم، فذكرهما لخروجها عن مقتضى القاعدة فقال:
وفك أفعل في التعجب التزم ... والتزم الإدغام أيضا في هلم
يعني أن العرب التزمت الفك وترك الإدغام في هذا المثال الذي هو أفعل المختص بباب التعجب إذا كان مضاعفا، فقالوا: أشدد بزيد، وأمرر به، وأعزز به، وما أشبه ذلك. ووجه ذلك أن أفعل في التعجب قد لزم لامه الإسكان فصار من قبيل ما لا يقبل الحركة، لأنه لا تلحقه ألف الاثنين ولا نون التوكيد إلا شذوذا، ولا يليه إلا فاعله المجرور بالباء، فلا تنقل إليه حركة همزة تقع بعده، ولا يلقاه ساكن. وهذه الأشياء هي التي منعت من الإدغام في رددت، ورددن وبابه. وإذا كان الثاني ساكنا لازم الإسكان لم يمكن الإدغام لم يلقى فيه إن أسكن الأول من التقاء الساكنين. وهذا بخلاف أفعل في نحو: ما أشده، وأبره، وأحده، فإنك تدغم (هنا) لتحرك الثاني كأفعل التفضيل. فلما كان أفعل في التعجب قد خرج عن (حكم) فعل الأمر المذكور آنفا في جواز الوجهين نبه عليه لئلا يتوهم أنه ذو وجهين، وأخبر أنه ذو وجه واحد وهو الإظهار على أصل الباب.
стр. 5458
ثم استثنى منه أيضا لفظا آخر التزم فيه أحد الوجهين وهو الإدغام فقال: "والتزم الإدغام أيضا في هلم" يعني أن هذا اللفظ الذي هو هلم التزمت العرب فيه الإدغام فلم تظهر، فلا تقول فيه: هلمم، كما تقول: اردد. وإنما يريد هلم التي هي باقية على حكم الأفعال، وذلك أن هلم على وجهين: فعل، واسم فعل، فأما كونها فعلا ففي قول من قال: هلما، وهلمى، وهلموا، ونحو ذلك؟ ودليل كونها فعلا لحاق ضمائر الرفع/ البارزة لها واتصالها بها، كما تقول: ردا، وردوا، وردى. وأما كونها اسم فعل ففي لغة من قال: هلم يا زيد، ويا زيدان، ويا زيدون، ويا هند، ويا هندان، ويا هندات. فلا يختلف آخرها كما لا يختلف إذا قلت: صه يا زيد، ويا زيدان، ويا زيدون. وكذلك سائرها. وهذه لغة القرآنن قال تعالى: ﴿قل هلم شهداءكم الذين يشهدون﴾ .. الآية، وقال تعالى: ﴿والقائلين لإخوانهم: هلم إلينا﴾. ومعناه في الأول: أحضروا. وفي الثاني: أقبلوا. فأما لزوم الإدغام مع كونها اسما فغير غريب وإن قلنا إن أصلها الفعل، كما قال الخليل: إن أصلها: هالم، ثم جعلا شيئا واحدا، فسموا بها الفعل، وحذفوا الألف لكثرة الاستعمال، لأنه لا يستنكر أن يأتي مدغما على لغة بني تميم، وإن كان أهل الحجاز هم الذين جعلوها اسم فعل. وأما لزومه مع كونها فعلا فلأنه صار لها بقلة تصرفهم فيها حالا ليست لسائر الأفعال، قال سيبويه: "لأنها لم تصرف الفعل ولم تقو قوته"، فلذلك أخرجوا ها عن الحكم بالوجهين إلى التزام الإدغام.
стр. 5459
وقوله: والتزم الإدغام في كذا، يريد ما لم تخلفها نون الإناث، فإنه إذا كان كذلك صارت إلى الحكم المذكور قبل هذا من التزام الفك عند لحاق ضمائر الرفع البارزة. وهذا ظاهر.
فهذه هي المواضع المستثناة من لزوم الإدغام المقرر أول الباب، وهي كما تقدم على قسمين، قسم يجوز فيه الوجهان، وقسم لا يجوز فيه إلا الإظهار، فمواضع جوازا لوجهين ثلاثة، واحد قسمي فعل الأمر، والباقي يلزم فيها الإظهار، وما عدا ذلك لزم فيه الإدغام مطلقا، سواء أكان اسما أم فعلا، كان ثلاثيا أو رباعيا، أو على أكثر من ذلك، لا يستثنى من ذلك غير ما استثناه هنا، وقد استوفى ذلك استيفاء حسنا. وإنما ذكر ابن جني من هذه الأنواع ستة فقط، لكن زاد على ما ذكره الناظم: أن يكون الاسم قد لحقه من الزيادة ما يخرج به عن شبه الأفعال وأمثلتها، وذلك قولك في مثل فعلان أو فعلان من الرد: رددان ورددان، فتظهر التضعيف، لأن الألف والنون ليستا من زوائد الأفعال، وصارت الكلمة في مباينتها بناء الفعل بهما بمنزلة حضض وسرر في مباينتهما بناء الأفعال. وهذا في الحقيقة ليس باستدراك، لأن هذا مذهب الأخفش، وأما سيبويه فيدغم بلابد، فيقول: ردان، فيهما، وذلك أن مذهب سيبويه في الألف والنون اعتبار الأسقاط في الإدغام كأن الكلمة منفردة عن
стр. 5460
لحاقهما، فما يلزم فيها دون زيادة فهو لازم بعدها. فرددان إنما هو ردد، ورددان إنما هو ردد، ومثل هذا لابد من إدغامه، لأنه على وزن الفعل، فكذلك إذا لحقته الزيادتان. وأما فعلان فتقول على مذهبه: رددان، وكذلك على مذهب أبي الحسن، إلا أن سيبويه يعتبر إسقاط الزيادة والكلمة بعد الإسقاط على فعل، وفعل لا يدغم نحو: طلل وشرر، كما تقدم، فكذلك رددان. وعلى مذهب أبي الحسن لخروج الكلمة/ بالزيادة عن شبه الفعل، وإذا كان كذلك ظهر أن الناظم ذاهب إلى مذهب سيبويه، قال في الكتاب: "وتقول في فعلن من قويت: قووان، وكذلك حييت. فالواو الأولى كواو عور، وقويت الواو الأخيرة كقوتها في نزوان، وصارت بمنزلة غير المعتل". قال: "ولم يستثقلوهما مفتوحتين كما قالوا: لووى وأحووى". (قال): "ولا تدغم لأن هذا الضرب لا يدغم في رددت". وقال في باب آخر: "وتقول في فعلان: رددان، وفعلان: رددان. يجري الصدر في هذا مجراه لو لم تكن بعده زيادة، ألا تراهم قالوا: خششاء". قال: وفعلان: ردان، وفعلان: ردان، أجريتهما على مجراهما وهما على ثلاثة أحرف وليس بعدهما شيء كما فعلت ذلك بفعلان وفعلان". فهذه
стр. 5461
نصوص منه على ما ذكرت لك من عدم الاعتداد بالزيادة واعتبار صدر الاسم في الإعلال والإدغام إلا فيما يصح لأجلها من نحو الجولان والنزوان، فلأجل ذلك صح قووان ونحوه. فإذا الألف والنون عنده كالهاء، وأنت لو بنيت من الرد مثل فعلة وفعلة لقلت: ردة، فأدغمت كما تدغم ما لا هاء فيه. وقد احتج سيبويه لقوله بقولهم: خششاء، فلو كانت الزيادة معتدا بها لم يجروا هذا مجرى حضض، قال ابن الضائع: وهو استدلال صحيح، لأن الألف والنون كألف التأنيث الممدودة، وقد ألزم سيبويه في مذهبه التناقض، وللكلام في ذلك مجال واسع، فإن أردته فعليك بابن الضائع.
وهنا نجز ما أراد ذكره في هذه الأرجوزة من مهمات النحو وضرورياته وجملة من توابعها، فأخذ في التنبيه على تمام قصده، والختم بما ينبغي الختم به، فقال:
وما بجمعه عنيت قد كمل ... نظما على جل المهمات اشتمل
أحصى من الكافية الخلاصة ... كما اقتضى غنى بلا خصاصة
فأحمد الله مصليا على ... محمد خير نبي أرسلا
стр. 5462
وآله الغر الكرام البررة ... وصحبه المنتخبين الخيرة
يقال: عنيت بكذا أعني به عناية، وأنا معني به، هكذا مبنيا للمفعول، فهو أحد ما التزم فيه البناء للمفعول في أفصح اللغات. فإذا أمرت قلت: لتعن بحاجتي.
ونظيره: نفست المرأة، وأولعت بالشيء، وسقط في يده. ومن ذلك كثير. وقد حكى عن بعض العرب: عنيت بحاجتك- على فعلت مبنيا للفاعل- فأنا أعنى بها قال ابن درستويه: بمعنى الانفعال والمطاوعة، لأن فعلت من أبنية المطاوعة، فمن كانت هذه لغته جاز له أن يقول في الأمر: لتعن بحاجتي. قال: وهو قليل. فأتى الناظم بما هو الأفصح، والفاعل هو الأمر أو الحاجة، وأصله هنا: وما جمعه عناني، إلا أن مثل هذا إنما يقال مبنيا للمفعول كما ذكر. ومعنى عنيت، أي: جعلت لي به عناية وصار لي حرص عليه, فقوله: وما بجمعه عنيت قد كمل، يعني أن ما اعتنى بجمعه وحرص على تأليفه من علم/ النحو قد كمل وتم على حسب ما قصده.
وقوله: "بجمعه" متعلق بعنيت، ودل بهذا اللفظ أنه جامع لا مخترع، فهو يجمع ما قال غيره وما استنبطه من استقراء كلام العرب سواه، وليس له فيه إلا الجمع والترتيب وتهذيب القوانين.
стр. 5463
فإن قلت: هذا يقتضي أنه لا استنباط له في هذا العلم ولا اختراع شيء لم يقله غيره، وليس كذلك، بل فيه مسائل مخترعة واستقراءات مبتدعة، كمسألته في جواز دخول الألف واللام الموصولة على الفعل، ولا أعلم أحدا أجاز ذلك غيره. وكذلك مسألة الدنيا والعليا في باب التصريف، ومسألة إجازة الفصل بين المضاف والمضاف إليه في الكلام إذا كان مصدرا عاملا في الفاصل، وغير ذلك من المسائل التي انفرد بها. وقد مضى التنبيه عليها، فكيف يقول: "وما بجمعه عنيت"؟ .
فالجواب: أن تلك المسائل ليست من مخترعاته ولا انفرد بالكلام عليها، بل ذكرها النحويون، لكنهم جعلوها من الشذوذات، فاختار الناظم فيها مذهب القياس، واختار غيره عدم القياس، فليس ثم في الحقيقة اختراع. وكذلك مسألة الدنيا والعليا، (لم) يخترع فيها إلا مجرد الاصطلاح، ولا يقال في مثل هذا: إنه ابتداع مسألة أو اختراع قانون.
وأيضا فإن هذه المسألة في كتابه نادرة جدا، واختياراته قليلة، فلم يعتبر بها في جنب ما كان منقولا عن غيره. على أن قوله "بجمعه" يمكن أن يكون أراد به جمعه للمسائل التي قصد ذكرها من النحو، كانت على مذهبه أو مذهب غيره، فلا يبقى في كلامه على هذا إشكال.
وقوله: "نظما" يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون تمييزا منقولا من الفاعل، كقوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شيبا﴾، أي: شيب الرأس، وتقدير
стр. 5464
كلامه: قد كمل (نظمه). والثاني: أن يكون حالا من ضمير "كمل"، أي: كمل حالة كونه نظما، وهو مصدر في موضع الحال- والضمير في الوجهين المستتر في كمل عائد على ما، وهي موصولة واقعة على العلم المودع في رجزه.
وقوله: "على جل المهمات اشتمل"، في موضع الصفة لنظم، أي: نظما مشتملا على جل المهمات. والجل معناه: معظم الشيء. والمهمات: هي التي تهم الإنسان، أي: تقلقه. وأصله من أهمني الأمر: إذا أحزنني وغمني، فصارت الأشياء التي يقلق الإنسان حالها ويعنيه أمرها كأنها تحزنه حتى يحصلها أو يخلصها تخليصا يستريح إليه. والمهمات في كلام الناظم على حذف الموصوف، والتقدير: على معظم المسائل المهمات في العربية اشتمل. ومعنى اشتمل: احتوى، ومنه سميت الشملة لكساء يشتمل به، يلتف فيه، لأنها تشتمل عليه وتضمه. فيريد أن هذا النظم قد احتوى على معظم المسائل والأبواب المهمة الضرورية.
وإنما قال: على جل: على المهمات اشتمل، لأنه لم يحتو على جميع الضروريات، بل على أكثرها، فقد نقصه الكلام على جملة من فصول (في) الأبواب، ونقصه أيضا بعض الأبواب من الرأس، فأما ما نقصه من الأبواب فكالقسم، والتقاء الساكنين، فإن هذين البابين لم يعرج عليهما، بل أهمل جانبهما جملة.
стр. 5465
ومن ذلك باب التسمية، إلا أنه دونهما في الضرورة/. وأما ما أهمل من الفصول والمسائل فكمسألة الفصل من المضمرات، ومسألة الأمثلة الموزون بها من الأعلام. ومسألة الموصولات الحرفية وهي: أن، وأن، (وكي)، ولو المصدريات. ومسألة دخول الفاء في خبر المبتدأ، ومسألة التاريخ في باب العدد، ومسألة معاني أبنية الأفعال، ومسألة ما زيدت الميم في أوله من أسماء المصادر والزمان والمكان، والكلام على جملة من الحروف كأي التفسيرية، وحروف التنبيه والجواب، وغيرها، ومدة الإنكار والتذكر، وفصل مخارج الحروف وصفاتها، والإدغام إذا كان في كلمتين، وقسم إدغام المتقاربين، ومسائل من هذا النوع لم يتعرض إليها، فلذلك قال: "على جل المهمات" فحرز الإخبار عما قصد ذكره لئلا يقال له: فأين جميع المهمات وقد نقص منها جملة كبيرة؟ وهو من الاحتراز الحسن.
ثم قال: "أحصى من الكافية الخلاصة"، أصل الإحصاء العد والأحاطة، يقال: أحصيت الدراهم: إذا أحطت علما بأفرادها وعددها- وخلاصة الشيء: ما صفات منه وتخلص عن الشوائب. ويقال: خلص الشيء يخلص خلوصا: إذا صفا. والخلاصة والنقاوة يرجعان إلى معنى واحد. ويريد أن هذا النظم- وإليه يعود ضمير أحصى- قد
следующие страницы →