← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

والثاني: أن يكون راجعا إلى مسألة (أسار ذان) وهو أقرب مذكور ليبين أنه مقيس لأن المبتدأ أصله أن يؤتى له بخبر ولا يستعني عنه بغيره، فلما بين أن هذا المثال الذي عدم فيه المبتدأ خبره مقول كأنه مظنة لسبق الفهم إلى أنه مسموع غير مقيس لما عرض فيه من الخروج عن أصل الباب، فأزال هذا التوهم بقوله (وقس) أي أن هذا كثير في كلام العرب بحيث يسوغ فيه القياس وإن جاء على خلاف الأصل. والثالث: أن يكون راجعا إلى أقرب مذكور أيضا، لكن على معنى آخر وهو أنه لما قدم الإشارة إلى (اشتراط) تقدم الاستفهام، لكنه أتى بالهمزة وحدها خاف أن يتوهم اختصاص ذلك بها من بين سائر أدوات الاستفهام، فرفع ذلك التوهم بقوله: (وقس) كأنه أراد: قس سائر أدوات الاستفهام على الهمزة، فإن الوصف إذا وليها رفع الفاعل وأغنى عن الخبر، ومثال ذلك قولك: متى ذاهب البكران؟ وأين جالس صاحباك؟ وكيف مصبح إخوتك؟ وما أشبه ذلك، فهذا مما يليق أن يكون مراده. والرابع: أن يكون منبها على أن هذا الحكم غير مختص بالفاعل المثنى، بل هو جار في غيره من المفرد والمجموع فتقول: أسار هؤلاء؟ وأقائم الزيدون؟ ، وأفائز إخوتك؟ وكذلك المفرد على أحد الاحتمالين فيه إذا قلت: أقائم زيد؟ ، وأسار هذا؟ وقد نبه هو على أن المجموع مثل المثنى في قوله: "وقد يجوز نحو فائز أولو الرشد". وفي قوله: (والثاني مبتدأ وذا الوصف خبر) إلى آخره .. والخامس: أن يكون راجعا إلى المرفوع بالفاعلين، فإنه قال: (والثاني فاعل أغنى) فكأنه يوهم الاقتصار على الرفع للفاعل وإن كان قياساً

стр. 597

فيه فأخبرك أن الرفع بالصفة لا يختص بالفاعل، بل قد يكون مفعولا لم يسم فاعله كقولك: أمضروب الزيدان؟ وأمكرم إخوتك؟ وما أشبه ذلك، والحكم فيهما واحد، فنبه على ذلك ليكون قد نص عليه فلا يؤخذ له بقياس. والسادس: أن يكون قصد أن هذا الحكم لا يختص (باسم الفاعل الذي نبه عليه المثال، لأنه إنما أتى بهذا المثال من باب اسم الفاعل وإنما يتوهم أنه مختص به)، وليس في الحقيقة كذلك، بل نقول: أحسن الزيدان وأقرشي قومك؟ وإنما أراد صفة يصح رفعها للظاهر، ولم يرد كونها اسم فاعل وقد مر التنبيه على ذلك، وهذا الوجه والذي قبله يرجعان إلى قيد واحد في الحقيقة وهما وجهان من حيث الانتزاع. والسابع: /أن يكون تنبيها على أن الصفة إذا تقدمها الاستفهام، فإن رفعها للظاهر المغني عن الخبر قياس بإطلاق لا وهن فيه ولا ضعف، فلا يتحاشى عنه، كما يتحاشى إذا لم يتقدمها شيء نحو: قائم الزيدان، فإنه لا يبلغ في الجواز رتبة ما تقدم عليه الاستفهام. فإن قلت: فإن الخالي عن الاستفهام قياس عنده أيضا لقوله: (وقد يجوز نحو فائز أولو الرشد) وهذه العبارة مشعرة بالقياس لكن على ضعف، فلو كان مراد الناظم التنبيه على الجواز فيما تقدمه الاستفهام والتنكيت على ما لم يتقدمه لاقتضى عدم القياس فيه، لكنه لم يفعل ذلك، فدل على عدم قصده لهذا المعنى وإلا كان كالمتناقض. فالجواب: أنه لم يقصد التنبيه على كون العاري من الاستفهام لا يقاس بخلاف غيره، بل قصد أن المعتمد على الاستفهام قياس على الإطلاق إذ قال: "وقس" ولم يقيد ذلك بضعف ولا قلة سماع، فظهر

стр. 598

من ذلك أن غير المعتمد ليس كذلك، بل هو قليل ضعيف، وكونه بحيث يقاس عليه مع ذلك أمر محتمل بينه بقوله: "وقد يجوز" وهذه الأوجه يمكن أن يكون أشار إلى جميعها بقوله: (وقس) فلا يختص التفسير ببعضها دون بعض وهو أولى؛ لأن جميعها أحكام ضرورية تقدم ذكرها بالإشارة إليها. فيبعد أن يشير إلى بعضها دون بعض مع أنها كلها قياس والله أعلم. ثم قال: (وكاستفهام النفي) يعني أن النفي بأداة من أدواته كالاستفهام فيما تقدم له من الحكم وهو كونه معتمدا على الوصف في رفع الفاعل، فكما أن قولك: (أسار ذان)، قياس مطرد، فكذلك قولك: ما سار ذان، لأن النفي مما يعتمد عليه اسم الفاعل في عمله، كما يعتمد على الاستفهام، ومن ذلك ما أنشده فبي الشرح من قول الشاعر: خليلي ما واف بعهدي أنتما ... إذا لم تكونا لي على من أقاطع فإن قيل: إطلاقه النفي صريح في أن أدواته كلها صالحة لهذا الموضع، إذا كان كذلك دخل فيها "ما" التميمية نحو: ما قائم الزيدان، والحجازية إذ عدم شرط من شروط إعمالها نحو: ما إن قائم أخواك، وما قائم إلا أخواك، وهذا قد يقرب الأمر فيه، فإن أداة النفي هنا كأداة الاستفهام لا عمل لها، فتدخل على المبتدأ وما يليه، كما تدخل على الجملة الفعلية في قولك: ما قام زيد، ودخل في مقتضاه أيضا "ما" إذا عملت و "لا" إذا عملت عمل "إن" أو "ليس" و "إن" كذلك و "ليس" أيضا، ومثل هذا لا يقدم على إجازته بغير دليل وسماع يمكن أن يقاس عليه أو بنص إمام

стр. 599

تضمن القول بالقياس في هذه الأشياء وإلا جاز أن تقول بجواز دخول نواسخ الابتداء على (سار ذان) إذا جاز ليس قائم الزيدان، وما قائم الزيدان؟ وهي الحجازية، وكذلك "لا"، و "إن" اللتان كليس فتقول إن قائم الزيدان ولا قائم الزيدان، وهذا كله فيه نظر. فالجواب: أن هذا كله قد نص على جوازه في "شرح التسهيل" عملا أطلقت الاستفهام أطلقت النفي ليتناول/ منها كل ما يصلح لمباشرة الأسماء، وذلك "ما"، و "لا" و "إن"، و "ليس" إلا أن "ليس" يرتفع الوصف بعدها على أنه اسمها ويرتفع به ما يليه فيسد مسدها، كما سد مسد خبر المبتدأ قال: وكذا الحكم بعد "ما" إن جعلت حجازية ولم ينتقض النفي، فإن جعلت تميمية أو انتقض النفي فالوصف بعدها مبتدأ، والمرفوع به ساد مسد الخبر، ثم أتى بأمثلة ذلك، فالحاصل أنه بنى هاهنا على ما بنى عليه هنالك، وأنه تضمن عهدة دخول الناسخ على مثل هذا المبتدأ، فإن كان في ذلك سماع يقاس عليه فلا عتب، وإن كان ذلك بالقياس النظري فهو غير مسلم لأمرين: أحدهما: أنه أناب مرفوعا عن منصوب وهو خبر "ليس" و "ما" الحجازية وذلك غير موجود في كلام العرب، فإن وجد فبحيث لا يعتد به، وقد منع ابن خروف أن ينوب منصوب عن مرفوع في نحو: ضارب زيدا. قال: بل يجري عنده مجرى قائم زيد حين أناب منصوبا عن مرفوع،

стр. 600

وليس ثم فاعل ولا مبتدأ قال "فإن قلت: ضارب زيدا عمرو كان أضعف من قائم زيد لعلمه في المفعول وقد رفعته بالابتداء، وإذا لم ينب المخالف في الإعراب هنا فكذلك في مسألتنا، والموجود في كلام العرب في هذا النحو نيابة المرفوع عن مثله، أما نيابة المرفوع عن المنصوب فلابد لابن مالك من إثباتها مقدمة لمسألته، وإثباتها متعذر. والثاني: أن عمل الصفة في باب اسم الفاعل إنما حصل في موضع قوى فيه جانب الفعلية باشتراط الاعتماد حسب ما مر، ألا ترى أن أقائم الزيدان؟ صار في معنى أيقوم الزيدان؟ وكذلك مع النفي، وإذا كان الأمر كذلك فدخول النواسخ مناف لتقوية جانب الفعل، بل هي مقوية لجانب الاسمية؛ لاختصاصها بالدخول على المبتدأ والخبر، وعدم قبولها للدخول على الفعل، فلا يسوغ إذا رفع الصفة عند دخول الناسخ، كما لا يسوغ عند التعري من الاعتماد، بل هنا أولى أن لا ترفع لتقوية جانب الاسمية فيها، فقربت بذلك من الجوامد. ووجه ثالث- أشار إلى معناه الفارسي-: وهو ما يلزم على ذلك من دخول النواسخ على غير مبتدأ وخبر وذلك معدوم النظير، وهذا كله قد نبه عليه ابن خروف فقال: ولا ينبغي أن يجوز كان قائم زيد، على أن تجعل قائم اسم "كان" وزيد فاعلا يسد مسد الخبر؛ لأنه أناب مرفوعا عن النصب، وأدخل كان على ما ليس بمبتدأ وخبر، وعلى صفة، وقوى فيها معنى الاسمية وقد رفع بها، هذا ما قال وفيه ما ذكرت وغيره. فإن أجيب عن الأول: بأن المنصوب قد ينوب عن المرفوع كما في قولهم: ضربي زيدًا

стр. 601

قائمًا، وإذا جاز "مثل هذا فليجز عكسه. والثاني: بأن النواسخ قد تدخل على ما لا خبر فيه بل ناب عنه غيره. وحكى ابن كيسان عن الكسائي: دخول "إن" على نحو: كل رجل وضيعته، فقالوا: إن كل ثوب وثمنه، وإذا جاز في "إن" مثل هذا فليجز في مسألتنا فيقال: لم يبلغ مثل هذا أن يقاس عليه لقلته وخروجه عن قياس كلام العرب فلا يعتبر به. والذي ينبغي أن يقال/ في الجواب عن الناظن أن دخول الناسخ على الصفة مذهب له حسب ما صرح به في الشرح فإياه اتبع في هذا النظم، ويمكن أن يقال: - وهو الأولى- إن إطلاقه النفي لا يتعين منه دخول ناسخ ينفي به لأن مثل ذلك يتوقف على جوازه ابتداء، وهو لم يتعرض لذلك هنا، فلا يؤخذ له منه مذهب؛ لاحتمال أن يريد نفيا لا يكون ناسخا للابتداء والله أعلم. وعلى الناظم هنا سؤال وهو أن يقال: لم لم يفرض الناظم المسألة مع غير الاستفهام والنفي، وقد علم أن ذلك لأجل الاعتماد، والاعتماد يحصل بغيرهما كالاعتماد على المبتدأ، فهلا بين أن "قائم" من قولك: زيد قائم أبواه مبتدأ وأبواه فاعل سد مسد الخبر، كما بين ذلك مع الاستفهام والنفي؟ والجواب: أن ذلك لا يجوز فيما جرى على المبتدأ (فإن قائما) وقع نكرة وحق الخبر أن يكون نكرة فقد وقع في موضعه، وعاد مما تعلق به الضمير على المبتدأ، فلم يجز أن ينوى به غير موضعه لأنه شبه

стр. 602

التهيئة والقطع إلى هذا النحو نحا الفارسي في الجواب. وقد يجاب بجواب آخر: وهو أن الخبر الذي هو قائم إن اعتاد أنه مبتدأ صار من قبيل قائم الزيدان؛ لأنه إذ ذاك مقطوع من زيد، والجملة هي الخبر، فصار قائم أبواه جملة مستقلة، فلم يبق للمبتدأ الذي هو قائم ما يعتمد عليه واسم الفاعل هنا إنما يرفع إذا اعتمد إلا قليلا. فإن قيل: لم لا يجوز على ذلك القليل؟ قيل: لا يجوز لما تقدم أولا للفارسي، فالواجب ما فعله الناظم من تخصيص ذلك بالنفي والاستفهام، والكلام على سائر مواضع الاعتماد كالكلام هنا، كما لو قلت: أعجبني زيد قائم أبواه، فترفع قائما، أو مررت برجل قائم أبواه وتكون الجملة في موضع الحال أو في موضع الصفة. ثم قال: (وقد يجوز نحو فائز أولو الرشد). "قد" هنا بمعنى ربما وكذلك عادته أن يأتي بها للتقليل، ويعني أنه قد يجوز قليلا أن يأتي هذا الوصف مبتدأ يرفع فاعلا يغني عن الخبر وإن لم يتقدم نفي ولا استفهام وذلك نحو (فائز أولو الرشد) فهذا المثال لم يتقدمه نفي ولا استفهام، وقد رفع الفاعل وأغنى عن الخبر، إذ لا يمكن فيه غير ذلك لإفراد فائز وجمع أولى، فلا يصح أن يكون "فائز" خبرا مقدما و "أولو" مبتدأ، إذ لا يخبر بالمفرد عن الجمع ومثال ذلك ما أنشده في الشرح من قوله: خبير بنو لهب فلاتك ملغيا ... مقالة لهبي إذا الطير مرت

стр. 603

ويلحق به- وإن لم يكن كمثاله- قول الفرزدق: فخير نحن عند الناس منكم ... إذا الداعي المثوب قال يالا لأنه يتعين فيه عند ابن مالك أن يكون خبر مبتدأ ونحن فاعلا، ولا يكون خبرا مقدما ونحن مبتدأ، قال: لأنه يلزم في ذلك الفصل بمبتدأ بين أفعل التفضيل و "من" وهما كالمضاف والمضاف إليه، فلا يقع بينهما مبتدأ، وإذا كان خبر مبتدأ لم يلزم ذلك، لأن فاعل الشيء كجزء منه، على أن ابن خروف تأول البيت على أن "نحن" توكيد للضمير في "خير" وعلى الجملة فهذا عند الناظم جائز على قلة لقوله: (وقد يجوز نحو) كذا. فإن قيل: إجازته للقياس في هذه المسألة إما أن تكون موافقة الأخفش أولا، فإن كانت/ موافقة له فلم جعلته أولا مخالفا له عند الكلام على قوله: (فاعل أغنى في أسار ذان) وإن لم تكن موافقة له فما هذا المذهب الثالث؟ والناس في المسألة على فرقتين: فرقة تمنع وهم الجمهور، وفرقة تجوز مطلقا وهم الأخفش ومن وافقه، وقد نقل المؤلف الجواز عن الكوفيين أيضا. وأما مذهب ثالث يجوز عدم الاعتماد على قلة فمذهب مبتدع ورأي مخترع.

стр. 604

فالجواب: إن ما ذهب إليه لم يوافق فيه الأخفش ولا غيره (وذلك لأن الأخفش لا يجيز المسألة على قلة، بل هي عنده جائزة جوازا حسنا فخالفه الناظم كما خالفه غيره)، وأما إجازته إياها على قلة فهو عنده مذهب سيبويه والناس في إيراد مذهب سيبويه على رأيين؛ لأنه قال: وزعم الخليل- ﵀ أنه يستقبح أن تقول: قائم زيد، وذاك إذا لم تجعل قائما خبرا مقدما مبنيا على المبتدأ، كما تقدم وتؤخر فتقول: ضرب زيدا عمرو، وعمرو على ضرب مرتفع، ثم قال: فإذا لم يريدوا هذا المعنى، يريد أن يكون "قائما" خبرا مقدما، وأرادوا أن يجعلوه فعلا كقولك: يقوم زيد وقام زيد، قبح، لأنه اسم. قال: وإنما حسن عندهم أن يجري مجرى الفعل إذا كان صفة جرى على موصوف، أو جرى على شيء قد عمل فيه، كما أنه لا يكون مفعولا في ضارب حتى يكون محمولا على غيره فتقول: هذا ضارب زيدا، وأنا ضارب زيدا. قال: فكما لم يجز هذا (يعني أن ينصب غير محمول على شيء) كذلك استقبحوا أن يجري، (يعني ضاربا) مجرى الفعل المبتدأ. فذكر أن عدم الاعتماد قبيح على الجملة، واستقباحه له يحتمل أن يريد به عدم الجواز جملة، ويحتمل أن يريد أنه مع قبحه جائز بخلاف ما إذا

стр. 605

اعتمدت الصفة فإن ذلك جائز حسن وعلى الأول حمله طائفة، ويظهر ذلك من السيرافي حيث قال: إذا نقلت الفعل إلى اسم الفاعل ورفعت الفاعل به ولم يكن قبله ما يعتمد عليه قبح وإنما قبحه فساد اللفظ لا المعنى. لو قلت: قائم الزيدون، لكان مبتدأ بغير خبر. قال: ومجيزه يزعم أن الفاعل يسد مسده ويحتاج إلى برهان على ذلك، هذا اختصار كلامه، ونجوه أيضا يظهر من ابن خروف، لأن سيبويه يطلق لفظ القبح ويريد به المنع، وقد استدل على ذلك الفارسي في "التذكرة" بمواضع من كلام سيبويه يقع فيها لفظ القبح ومراده المنع، ولم ير ابن مالك هذا التفسير، بل زعم أن المفهوم من كلام سيبويه القبح دون المنع. قال: ومن زعم أن سيبويه لم يجز جعله مبتدأ إذا لم يل استفهاما أو نفيا فقد قوله ما لم يقل، ثم استدل على صحة استعماله بالبيتين المتقدمين، فلهذا- والله أعلم- أتى بالمسألة لينبه على أنها مع عدم الاعتماد غير ممتنعة خلافا لمن ظن أن ذلك كذلك. واعلم أن الناظم لما أطلق القول في جواز القياس على "أسار ذان"، اقتضى جواز ذلك، وأن يقال به فيما إذا كان بعد الصفة ضمير منفصل نحو قوله تعالى: ﴿قال أراغب أنت عن آلهتي﴾ فأنت يجوز أن يكون فاعلا بـ "راغب"، كما يجوز أن يكون زيد من قولك أقائم زيد؟ فاعلا بـ "قائم"، وقد نص على جواز ذلك في "شرح التسهيل" وانبني على ذلك جواز عدم المطابقة، فيكون الضمير المنفصل فاعلا البتة فتقول: أقائم

стр. 606

أنتما؟ وأضارب أنتم؟ وهذا أيضا قد نص عليه/ في "الشرح" وأن لا فرق بين قولك: أضارب الزيدان؟ وما ضارب بهما؟ وهذا فيه نظر فإن الضمير المنفصل لا يكون فاعلا مع إمكان اتصاله وإنما يكون فاعلا إذا لم يمكن اتصاله بالعامل نحو: ما قائم إلا أنت، وأعجبني الضاربه أنا، وما أشبه ذلك. أما إذا تأتى الاتصال فانفصاله يدل على أنه مبتدأ قدم عليه خبره لا فاعل. ألا ترى إلى قوله ﵇: "أو مخرجي هم" ولم يرو إلا بتشديد الياء لأنه خبر وهم مبتدأ، فجمع من أجل الضمير الذي في الخبر والتقدير: أو هم مخرجي ولو كان "هم" فاعلا لقال: أو مخرجي هم، بتخفيف الياء كما تقول: أو مخرجي أخواك، لكنه لم يفعل، فدل على أنه لا يجوز أن يكون الضمير المنفصل فاعلا ولا أن يكون غير مطابق للصفة، هذا ما قال بعض المتأخرين فاستثنى كما ترى الضمير المنفصل ولم يستثنه الناظم فكان معترضا عليه. والجواب: أن ما قاله هذا المتأخر غير مسلم له، بل انفصال الضمير هنا هو الصواب وإن لم يكن في الصفة من الموجب ما قال، لأن الصفة هنا خاصة توجب انفصال الضمير ليست في الفعل وسيأتي بيانها في هذا الباب إن شاء الله. فالضمير إذا وقع بعدها مطابقا لها احتمل ما يحتمله الظاهر، وإذ ذاك تجوز المخالفة فتقول: أضارب الزيدان؟ وأقائم هما؟

стр. 607

وأقاعد أنتم؟ وما أشبه ذلك، وقد جاء السماع بذلك. أنشد المؤلف في الشرح قول الشاعر: *خليلي ما واف بعهدي أنتما* وأما ما في الحديث من قوله: "أو مخرجي هم"، فلا دليل له فيه البتة؛ لمجيئه على أحد الوجهين، فلا يلزم من كونه آتيا في الرواية على الابتداء والخبر ألا يجوز خلاف ذلك، وغايته أنه لم يسمع فيه، فقد سمع في غيره وإطلاق الناظم غير صحيح في انتظام الضمير وغيره لاسيما مع التمثيل بما لا ضمير فيه، بل في كلامه ما يدل على أن رأيه رأى هذا المتأخر حسب ما يأتي. والرشد والرشد: ضد الغي، فهو إذا فتحت الراء والشين مصدر رشد بالكسر، يرشد بالفتح رشدا، وإذا ضممت الراء وسكنت الشين فهو مصدر رشد بالفتح يرشد بالضم رشدا. وقال ابن القوطية: رشده الله رشدا وأرشده هداه، فرشد رشدا ورشادا اهتدى، ورشد رشدا ضد غوى، ومعنى: (فائز أولو الرشد)، أي أن أهل الرشد فائزون في الآخرة بمطلوبهم جعلنا الله منهم.

стр. 608

ثم أتم ما بقي من مسألته فقال: والثان مبتدأ وذا الوصف خبر إن في سوى الإفراد طبقا استقر قوله: "والثان" أراد: والثاني فحذف الياء للحاجة إلى ذلك، وهو أيضا جائز في الكلام، فقد قرأ ابن عامر والكوفيون: ﴿يوم يدع الداع﴾ من غير ياء مطلقا، وأنشد سيبويه في نحوه: وأخو الغوان متى يشا يصرمنه ... ويعدن أعداء بعيد وداد أراد: الغواني بالياء، و (مبتدأ)، أراد مبتدأ: ولكنه سهل الهمزة بالإبدال المحض على لغة من قال في: أخطأت أخطيت، ثم حذفها لالتقائها ساكنة مع التنوين، وأراد بالثاني: الاسم الواقع بعد الوصف وهو زيد مثلا في قولك: أقائم زيد؟ فيريد بهذا الكلام أن الاسم الواقع بعد الوصف المذكور لا يخلو أن يكون غير مفرد أو مفردا ويعني بغير المفرد المثنى والمجموع، فإن كان غير مفرد، فلا يخلو أن يطابقه الوصف المتقدم أولا، فإن لم يطابقه/ جرى على الحكم المتقدم من كون الوصف مبتدأ وما بعده فاعل به، إذ لا يمكن

стр. 609

في المسألة غير ذلك، وإلا فلو جعلت الزيدين من قولك: أقائم الزيدان؟ مبتدأ والوصف خبرا للزم أن تخبر بالمفرد عن المثنى وذلك غير جائز، وكذلك لو كان مجموعا، إذ لا يجوز الزيدان قائم ولا الزيدون قائم وهذا الحكم مفهوم من قوله: (إن في سوى الإفراد طبقا استقر) فمفهوم الشرط أنه إن لم يطابق فلا يكون الثاني مبتدأ والوصف خبرا بلابد، والطبق المطابق وهو الموافق، والمطابقة: الموافقة، والتطابق: الاتفاق، ويقال: طابقت بين الشيئين: إذا جعلتهما على حد واحد وألزقتهما، فجعل الموافق للشيء كأنه حذى حذوه، وجعل ملتفا به، و"طبقا": حال من ضمير "استقر" وهو عائد على الوصف، أي: إن استقر ذلك الوصف مطابقا لما بعده في التثنية أو الجمع وإن طابق الوصف الاسم وجب حمل الوصف على أنه خبر مقدم والثاني: مبتدأ؛ لأن الوصف لو كان مرفوعا على الابتداء وما بعده فاعل به لم يكن مطابقا، لأنه جار مجرى الفعل فلا يوصف ولا يصغر ولا يثنى ولا يجمع، كما لا يكون ذلك في الفعل، فلابد من أن يكون خبرا مقدما وهو الذي نص عليه بقوله: (إن في سوى الإفراد طبقا استقر) أي: أن الثاني يعرب مبتدأ والوصف خبر إذا طابقه في غير الإفراد. وأما إن كان الاسم الواقع بعد الوصف مفردا فإنه يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون فاعلا بالوصف على حد ما كان عليه وهو غير مطابق له، والوصف مبتدأ ناب الفاعل عن خبره.

стр. 610

والثاني: أن يكون مبتدأ خبره الوصف المتقدم، وإنما احتمل وجهين لأن إفراد الوصف يمكن أن يكون لجريانه مجرى الفعل فيرتفع ما بعده به وهو مفرد ويمكن أن يكون لأجل المطابقة بينه وبين الثاني لا لجريانه مجرى الفعل فيرتفع ما بعده على الابتداء والوصف خبره، وهذا الحكم مفهوم من قيد الإفراد في قوله: (إن في سوى الإفراد طبقا استقر) يريد: أن انحتام الحكم بكون الثاني مبتدأ خبره الوصف مشروط بكونه غير مفرد، فإذا إذا كان مفردا فلا ينحتم ذلك الحكم، وضد الانحتام الجواز فيكون ذلك الحكم جائزا مع وجود الإفراد، لا واجبا، فيدخل الوجه الآخر. فإن قيل: إنك أخذت بمفهوم الصفة هنا جواز أن لا يكون الثاني مبتدأ والوصف خبرا، وأخذت بمفهوم الشرط انحتام أن لا يكون كذلك، وذلك أنه لما قال: (إن الثاني مبتدأ والوصف خبر شرط فيه أن لا يكون) مطابقا فأخذت من مفهومه أنه إن لم يكن مطابقا فلا يكون كذلك، ومفهومه الجاري على كلامه أنه إن لم يطابق فلا ينحتم ذلك الحكم؛ لأن الشرط إنما هو شرط في الانحتام، وهو الذي قررته في مفهوم التقييد بغير الإفراد، وإذا كان كذلك اقتضى أنه إن لم يطابق جاز أن يكون الثاني مبتدأ خبره الوصف وذلك غير صحيح. فالجواب: أن المفهوم هنا في الوجهين عدم الانحتام كما تقرر في السؤال لكنه قد بين قبل هذا وجوب أحد الوجهين حين تكلم على (أسار

стр. 611

ذان) فحتم بكون الوصف مبتدأ وما بعده فاعل به، فصار مفهوم الشرط هنا معطلا لمعارضته النص له كما حكم العلماء القائلون بالمفهوم بتعطيله في نحو قوله تعالى: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾. لأن الدليل قد قام (على) أن الربا وإن لم يتضاعف محرم الأكل، فكذلك ما نحن فيه لما كان قد حتم بحكم واحد عند عدم المطابقة صار مفهوم الشرط هنا المقتضي لعدم انحتامه غير معتد أو نقول/: إنه جعل الثاني مبتدأ والوصف خبرا بشرط واحد وهو المطابقة في غير الإفراد، ولا نقول: حتم ذلك، إذ ليس فيه إلا أن هذا الإعراب مشروط بكذا، فمفهوم الشرط أنه إن لم يطابق في غير الإفراد فلا يكون كذلك، وهذا حكم صحيح في نحو: أسار ذان، ويبقى قيد عدم الإفراد من حيث جزء الشرط لا مفهوم له منفردا، فلا يكون قولك: أقائم زيد؟ مذكورا للناظم لا بمنطوق ولا بمفهوم، بل تركه لفهم حكمه مما تقدم له في الطرفين، وهما المطابقة في غير الإفراد، وعدم المطابقة، والأمران محتملان حسب ما تقدم توجيهه قبيل هذا، ولا يبقى عليه إشكال إلا في شيء آخر يظهر منه حكم لا يستقيم، وذلك أنه يقتضي أن المطابقة في غير الإفراد يكون فيها الثاني مبتدأ والوصف خبرا بإطلاق، وذلك غير صحيح من جهتين: إحداهما: أن ذلك ليس في كل لغة، بل هو مختص بلغة من لا يلحق الفعل علامة التثنية والجمع إذا أسند إلى الظاهر فيقول: قام

стр. 612

الزيدان وقام الزيدون وأما من يلحق العلامتين فيقول: هنالك قاما الزيدان وقاموا الزيدون وهي لغة: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" فيصح أن يعرب الثاني فاعلا بالوصف لا مبتدأ إذا قلت: أقائمان الزيدان؟ وأقائمون الزيدون؟ (بخلاف من يقول: قام الزيدان والزيدون فإنه لا يقول هنا: أقائمان الزيدان وأقائمون الزيدون) إلا على الابتداء والخبر، ولا يقال: إنه غنما تكلم على اللغة المشهورة وهي لغة القرآن، وما قال لازم فيها بخلاف لغة: "يتعاقبون فيكم ملائكة" فإنها قليلة فلم يعتد بها في قانونه لأنا نقول: كان يكون هذا عذرا لو لم ينبه هو عليها في باب الفاعل بقوله: (وقد يقال سعدا وسعدوا) إلى آخره ولا مرية في أن الصفة هنالك جارية مجرى الفعل، فقد نبه على، هذه اللغة واعتد بها فلزمه أن يبنى عليها في نظمه هذا وإلا أوهم أن ذلك الإعراب لازم في اللغتين معا وهو غير مستقيم. والثانية: على تسليم أنه لم يعتد إلا باللغة المشهورة، فذلك على الإطلاق فيها غير صحيح أيضا، وإنما يلزم ذلك في التثنية وفي الجمع السالم إذا قلت: أقائمان الزيدان؟ وأقائمون الزيدون؟ وأقائمات الهندات؟ وأما في جمع التكسير فلا، إذ لا يجوز في اللغة الفصيحة أن تجمع الصفة جمع التكسير إذا كان مرفوعها (مجموعا) فتقول: أقيام الزيدون؟ وأنت تعتقد أن الزيدين فاعل بقيام على حد ما لو قلت: أقائم الزيدون؟ فهو إذ ذاك

стр. 613

في عداد أقائم زيد؟ كما يجوز هناك الوجهان، فكذلك هنا نص على هذا الحكم في جمع التكسير سيبويه وغيره وسيأتي التنبيه عليه في باب النعت إن شاء الله ولا أجد الآن جوابا عن هذين وأقربهما الأول. *** ورفعوا مبتدأ بالابتدا ... كذاك رفع خبر بالمبتدأ أخبر في هذين المزدوجين بأمرين: أحدهما: أن المبتدأ والخبر كلاهما مرفوع، وذلك مفهوم من إخباره/ بالرافع لهما. والثاني: أن العامل للرفع في المبتدأ الابتداء، والعامل في الخبر المبتدأ فأما الأول فقوله: (ورفعوا مبتدأ بالابتداء) يعني أن الرافع للمبتدأ (هو الابتداء) وإنما بين هذا لأن كل عمل لابد له من عامل، هكذا تقرر الأمر في كلام العرب وظهر في العوامل الملفوظ بها الموجودة عند وجود عملها، فما لم يظهر فيه ذلك للعيان قدروا عاملا ليستتب قياسهم، وما بنوا عليه صناعتهم وأما الثاني فقوله: "كذاك رفع خبر بالمبتدأ" أي إنهم رفعوا أيضا الخبر بالمبتدأ الذي هو طالب له، وأصل العمل الطلب، فأما الخبر فسيفسره بعد، وقد أشار إليه قبل بقوله: "وعاذر خبر" وأما الابتداء فلم يبينه.

стр. 614

وقد اختلفت عبارات الناس في تفسيره، فالذي رآه ابن مالك أنه: عبارة عن كون الاسم مجعولا أول الكلام معرى من العوامل اللفظية حقيقة أو حكما مسندا إليه الخبر، أو مسندا هو إلى ما يقوم مقام الخبر، وحقيقته ترجع إلى تعري الاسم من العوامل اللفظية، وهي عبارة أكثر الناس كالجرمي والفارسي وابن الأنباري وغيرهم، ويظهر ذلك من سيبويه في أول الكتاب. وقال الزجاجي: إنه مضارعة المبتدأ للفاعل، وقيل: مضارعته للفعل وقيل: غير هذا مما لا حاجة إلى ذكره، إذ لا فائدة إلا نسبة العمل لشيء ما جريا على أسلوب ضبط القوانين ولنجر على ما ظهر من المؤلف. فإذا قلت: زيد منطلق، فزيد ارتفع بالوصف الذي اتصف به وهو كونه عادما ما يعمل فيه من عامل لفظي، والمنطلق (ارتفع) بزيد وهو المبتدأ، وهو وإن كان ليس بفعل ولا معناه معنى الفعل فصحيح أن ينسب إليه العمل، لأن أصل العمل الطلب، والمبتدأ طالب للخبر طلبا لازما اختصاصيا فيعمل فيه، كما أن فعل الشرط عند طائفة والناظم منهم في غير هذا النظم عامل في فعل الجواب، وإن كان المطرد ألا يعمل الفعل في الفعل، ولكن لما كان طالبا له عند اقتران أداة الشرط به عمل فيه وهو ظاهر قول الخليل، فإنما معتمدهم في العمل الطلب فإذا طلب لفظ ما لفظا آخر وكان طلبه له اختصاصيا، ولم يقع منه موقع الجزء عمل فيه، وهذا الذي ذهب إليه الناظم في رفع المبتدأ والخبر وهو مذهب سيبويه. قال في باب الابتداء: واعلم أن المبتدأ لابد له من أن يكون المبني عليه شيئا هو هو أو يكون في مكان أو زمان، وهذه الثلاثة

стр. 615

يذكر كل واحد منها بعد ما تبتدئ. قال: فأما الذي يبنى عليه شيء هو فإن المبنى عليه يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء، وقد ذكر نحو هذا في غير هذا الموضع وهذا مذهب جمهور البصريين ولأجل أنه الصحيح عنده بنى عليه واعتمده، وفي المسألة خلاف شهير جملته خمسة مذاهب: أحدها: ما تقدم. والثاني: أن الابتداء رافع للمبتدأ والخبر معا. والثالث: أن الابتداء رافع للمبتدأ وهو والمبتدأ معا رافعان للخبر. والرابع: أن المبتدأ والخبر رفع كل واحد منهما صاحبه وهو مذهب الكوفيين ومن الناس من يحكي عنهم أن المبتدأ يرتفع بما يعود عليه من الخبر والذي حكى ابن الأنباري والمحققون عنهم هو الآخر. والخامس: أن/ الابتداء رافع للمبتدأ والخبر معا لا مطلقا، بل يرفع المبتدأ بغير واسطة، ويرفع الخبر بواسطة المبتدأ، وهو اختيار ابن الأنباري، والمسألة طويلة والخلاف فيها يرجع إلى تحقيق اصطلاحي لا ينبني عليه في التفريع فائدة، فالأولى فيها وفي أمثالها ترك الاشتغال بالرد والترجيح وقد نص ابن مالك على ما ذهب إليه هنا

стр. 616

واحتج على صحته بإبطال ما عداه وقد تقدم طرف من التوجيه له، فلنضرب عن ذكر الحجج واستيعابها صفحا، لكن نذكر مذاكرة جرت بين كوفي وبصرى في مذهبيهما، فحكى ابن الأنباري في "الإنصاف" أنه اجتمع أبو عمر الجرمي وأبو زكريا يحيى بن زياد الفراء فقال الفراء للجرمي: أخبرني عن قولهم: زيد منطلق، بم رفعوا زيدا؟ فقال له الجرمي: بالابتداء، فقال له الفراء: ما معنى الابتداء؟ قال: تعريه من العوامل اللفظية. قال له الفراء: (فأظهره) فقال له الجرمي: هذا معنى لا يظهر. قال له الفراء: فمثله إذا. فقال له الجرمي: لا يتمثل. قال له الفراء: ما رأيت كاليوم عاملا لا يظهر ولا يتمثل، فقال له الجرمي: أخبرني عن قولهم: زيد ضربته، بم رفعتم زيدا فقال: بالهاء العائدة على زيد. فقال له الجرمي: الهاء اسم فكيف ترفع الاسم؟ فقال الفراء: نحن لا نبالي من هذا فإنا نجعل كل واحد من الاسمين إذا قلت زيد منطلق رفعا لصاحبه. فقال الجرمي: يجوز أن يكون كذلك في زيد منطلق، لأن كل واحد منهما مرفوع في نفسه، فجاز أن يرفع الآخر، وأما الهاء في ضربته ففي محل النصب، فكيف ترفع الاسم؟ فقال الفراء: لم نرفعه بالهاء وإنما رفعناه بالعائد على زيد. فقال الجرمي: ما

стр. 617

معنى العائد؟ فقال الفراء: معنى لا يظهر. فقال الجرمي: أظهره، قال الفراء: لا يمكن إظهاره، قال الجرمي: فمثله: قال: لا يتمثل، قال الجرمي: لقد وقعت فيما فررت منه. قال ابن الأنباري: فحكى أنه سئل الفراء بعد ذلك فقيل له: كيف وجدت الجرمي: فقال: وجدته آية، وسئل الجرمي فقيل له: كيف وجدت الفراء؟ فقال: وجدته شيطانا، وهنا مسألة اصطلاحية في كلام الناظم إشارة إليها وإلى مقصد النحويين فيها وذلك حيث قال: (ورفعوا مبتدأ بالابتدا) والضمير في رفعوا إما أن يكون عائدا على العرب، وإما على النحويين وهم المصطلحون وعلى كلا التقديرين فمعنى الكلام أنهم هم الرافعون لهما بسبب وجود الابتداء والمبتدأ، فمن حيث جعلوا الرفع موجودا مع وجودهما ومعدوما مع عدمهما جعلوهما كالسبب في الرفع، وليس السبب في الحقيقة إلا المتكلم، ثم إنهم ينسبون العمل للألفاظ لتحقيق هذا الاصطلاح، إذ كانت هي العلامات لرفع ما يرفع ونصب ما ينصب وجر ما يجر ويستعمله الناظم كثيرا كقوله: (ترفع كان المبتدأ اسما والخبر تنصبه) وهو اصطلاح عام في كلام أهل هذه الصناعة لضبط القوانين لا أنهم مدعون لذلك حقيقة لأن الألفاظ لا ترفع ولا تنصب ولا تجر، وعلى هذا نبه ابن جني في "الخصائص" حين بين أن مقاييس العربية معنوية في الغالب، ومثل ذلك بموانع الصرف، ثم قال: ومثله اعتبارك باب الفاعل والمفعول به بأن تقول: رفعت هذا بأنه فاعل، ونصبت هذا بأنه مفعول. فهذا اعتبار معنوي لا لفظي. قال: ولأجله

стр. 618

ما كانت/ العوامل اللفظية راجعة في الحقيقة إلى أنها معنوية ألا تراك إذا قلت: ضرب سعيد جعفرا فإن (ضرب) لم تعمل في الحقيقة شيئا، وهل تحصل من قولك: ضرب إلا على اللفظ بالضاد والراء والباء على صورة فعل، وهذا هو الصوت، والصوت مما لا يجوز أن يكون منسوبا إليه الفعل. وإنما قال النحويون: عامل لفظي وعامل معنوي ليروك ّأن بعض العمل يأتي مسببا عن لفظ يصحبه كمررت بزيد، وليت عمرا قائم، وبعضه يأتي عاريا من مصاحبة لفظ يتعلق به كرفع المبتدأ بالابتداء ورفع الفعل بوقوعه موقع الاسم هذا ظاهر الأمر وعليه صفحة القول. فأما في الحقيقة ومحصول الحديث ما يعمل فيهما فالعمل من الرفع والنصب/ والجر والجزم إنما هو المتكلم نفسه لا لشيء غيره. قال: وإنما قالوا: لفظي ومعنوي لما ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامة اللفظ للفظ أو باشتمال المعنى على اللفظ وهذا واضح. هذا ما قال، وهو ما أشار إليه الناظم في قوله: (ورفعوا مبتدأ بالابتدا) ومما يؤنسك بهذا وأنهم جعلوا اللفظ والمعنى كالسبب في اختلاف وجوه

стр. 619

الرفع والنصب والجر والجزم ما حكاه ابن جني في "الخصائص" قال: سألت الشجري يوما فقلت له: يا أبا عبد الله: كيف تقول: ضربت أخاك؟ فقال: كذلك قلت: أفتقول ضربت أخوك؟ فقال: لا أقول أخوك أبدا. قلت: فكيف تقول: ضربني أخوك؟ قال: كذلك، فقلت: ألست زعمت أنك لا تقول: أخوك أبدا؟ فقال: أيش ذا اختلفت جهتا الكلام، فهذا في قوة أن لو قال: صار المفعول فاعلا أو زال اللفظ الذي يقتضي الرفع وخلفه لفظ آخر يقتضي النصب، فهذا الاصطلاح في النحو قد تبين معناه، وإنما بسطت القول فيه لأن ابن مضاء ممن ينسب إلى النحو قد شنع على النحويين في هذا المعنى أخذا بظاهر اللفظ من غير تحقيق مرادهم فنسبهم إلى التقول على العرب وإلى الكذب في نسبة العمل إلى الألفاظ، بل نسبهم إلى مذهب الاعتزال والخروج عن السنة وظلمهم- عفا الله عنه- إذ لم يعرف ما قصدوه.

стр. 620

وقد صنف في الرد عليه وفي بيان مقاصد النحويين في هذه الأشياء ابن خروف جزءا سماه: "تنزيه أئمة النحو مما ينسب إليهم من الغلط والسهو" فإن أردت كمال القول في ذلك فعليك به. وبالله التوفيق. *** ولما تبين من قوله: أولا المبتدأ وعرفه التعريف الذي تقدم ذكره أخذ في بيان الخبر وتعريفه فقال: والخبر الجزء المتم الفائدة ... كالله بر والأيادي شاهده وبين أنه الجزء الذي تمت به فائدة الكلام، وإنما قال: الجزء لأنه من الجملة المفيدة جزؤها. فإذا قلت: زيد فهذا أحد الجزءين ولا تحصل به فائدة إلا مع الخبر إذا قلت: قائم أو عائم أو صائم، فهنالك يكتفي السامع بالفائدة الحاصلة له. وقد جرت عادة النحويين المتأخرين أن يعرفوه بأنه الجزء الذي استفيد من الجملة أو أنه الذي تقع به الفائدة (أو أنه) معتمد الفائدة كما قال الجزولي: وهذا خطأ لأن المفرد وحده لا يفيد شيئا، وإنما فيه الدلالة/ على مسماه، وذلك ليس بفائدة خبرية، فإذا كان كذلك فكلام الناظم ﵀ مخالف لهذا المعنى حيث عرفه

стр. 621

بأنه الجزء المتم الفائدة، فجعله متما لها ولم يجعله معطيا لها من أصل، كما هو ظاهر من كلام غيره، فمعناه أن الفائدة حصلت بينهما، أعني بين المبتدأ والخبر، فالمبتدأ يحصل شيئا منها لكن على غير تمام، ثم يأتي الخبر فيتمها ويكملها، هذا مقتضى لفظ "متم" وحيث اعتبرنا نحن ما قاله الناظم مع ما قاله غيره سبق لنا ما قاله غيره، واعتبرنا ذلك بأن المبتدأ إذا ذكر وحده لم يفدنا شيئا حتى يذكر الخبر، فما وجه ما قاله الناظم؟ والجواب: أن ما ظهر من الناظم هو الصواب، والذي لا ينبغي أن يقال بغيره وذلك أنه لا يمكن أن يقال: إلا أن الفائدة حصلت بهما معا، وكل واحد من الجزءين له حظ وطريق خاص في إعطاء الفائدة. ومن الدليل على هذا أنه لا يستفاد من الخبر وحده فائدة البتة إذا قلت: قائم أو عالم دون أن يأتي بالمبتدأ، كما أنه لا يحصل بالمبتدأ وحده فائدة دون أن يؤتى بالخبر. وأما من أطلق من النحويين القول بأن الخبر هو محل الفائدة، فمن جهة أنه الذي جاء آخرا وعند الإتيان به حصلت الفائدة، ولم يتشوف إلى منتظر، كما يتشوف بعد ذكر المبتدأ إلى الخبر، فإذا ثبت هذا فللمبتدأ حظ في الإفادة من حيث هو المحدث عنه، وللخبر حظ أيضا من حيث هو الحديث، فصح إذا أن الخبر هو الجزء المتمم الفائدة كما قال الناظم. فإن قيل: كيف هذا وأنتم تشترطون في المبتدأ أن يكون معروفا عند السامع والخبر مجهولا، فإذا ذكرت المبتدأ فكأنك لم تزد شيئا على ما كان عند السامع فإذا ذكرت الخبر فقد ذكرت ما كان مجهولا عنده وذلك هو موضع الفائدة ضرورة، وإلا فلو كان معلوما لم يستفد شيئا.

стр. 622

فالجواب: أن هذا وإن كان ظاهرا لا يوجب أن الخبر هو المستفاد وحده أو المستفاد به وحده، بل نظير علمك بالمبتدأ وحده علمك بمدلول الخبر، ولاشك أنه معلوم للسامع قبل الإخبار وإلا لم يصح الإفهام، فإذا كل واحد من المبتدأ والخبر معلوم من جهة، وإنما المجهول النسبة والحكم بأن صاحب هذا الاسم هو صاحب هذا الآخر، وهذه النسبة المجهولة لا يستقل بإعطائها الخبر وحده دون المبتدأ ولا المبتدأ دون الخبر، بل هما جميعا، وهو مقتضى ما قاله الناظم، فوضح أن كلامه غاية في تحقيق المسألة، والكلام فيها هنا مستعار من علم آخر للحاجة إليه، وأتى بمثالين وهما: الله بر، والأيادي شاهدة، ومعنى: بر أي: يبر عباده، وهو من قولهم: بره يبره برا فهو بر من قوم أبرار، وبار من قوم بررة، وهو راجع إلى معنى الإكرام، والأيادي: العطايا، واليد الجارحة لا تجمع في الغالب على أياد، ولا تجمع على أيد، وأما اليد بمعنى العطية فإنها تجمع على أياد ولا تجمع على أيد، نص على ذلك أهل اللغة، وقد تجمع اليد بمعنى العطية على يدي كثدي وثدى، وقد تجمع اليد الجارحة على أياد. أنشد ابن جني: / ومستامة تستام وهي رخيصة ... تباع بساحات الأيادي وتمسح

стр. 623

ومعنى "و" "الأيادي شاهده"، أي: أن نعم الله تعالى وعطاياه التي خولها عباده من غير استحقاق بأنه بر بهم ورحيم بهم سبحانه. *** ثم قال: ومفردا يأتي ويأتي جمله ... حاوية معنى الذي سيقت له وإن تكن إياه معنى اكتفى ... بها كنطقي الله حسبي وكفى قسم الناظم- ﵀ خبر المبتدأ إلى أقسامه العظمى وهي ثلاثة أقسام: أحدها: الجملة الصريحة. والثاني: المفرد الصريح أيضا. والثالث: الظرف وشبهه وهو المجرور، وإنما جعله قسما برأسه مع أنه واحد من القسمين إما من الجمل، وإما من المفردات؛ لأن له حكما يخالف فيه المفرد والجملة كما سيذكر. وهذه الأقسام الثلاثة لا يخرج عنها نوع من أنواع الخبر على كثرتها وانتشارها إذ الخبر ينقسم إلى نيف وسبعين قسما، كل قسم منها يخالف صاحبه في حكم ما، لكن أتى الناظم بالأحكام التي لابد للخبر منها من حيث هو خبر وترك ما سوى ذلك لعدم الاحتياج إليه ولعدم ارتضائه الأحكام المخالفة لما ذكر، وقد ذكرها ابن خروف في "شرح الكتاب" وابتدأ بذكر الجملة وذلك أنه جعل الخبر أولا منقسما إلى قسمين: مفرد وجملة، ثم

стр. 624

استدرك القسم الثالث بعد، ثم جعل الجملة على قسمين: أحدهما: ما كانت هي المبتدأ من جهة المعنى. والثاني: ما لم يكن كذلك، وهذا الثاني هو المراد بقوله: (ويأتي جمله حاوية معنى الذي سيقت له) فكأنه قال: ويأتي جملة ليست هي المبتدأ معنى، ودل على أن هذا مراده قوله في القسم الثاني: "وإن تكن إياه معنى اكتفى" فأما ما لم تكن هي نفس المبتدأ في المعنى فشرط فيها شرطا أتى به على مساق اللفظ فقال: (ويأتي جمله حاوية معنى الذي سيقت) فيريد أن هذه الجملة التي ليست للمبتدأ يشترط فيها أن تحتوي على معنى المبتدأ وهو الذي سيقت الجملة لأجله، فالضمير في "سيقت" عائد على الجملة، وفي "له" عائد على "الذي" ومدلول الذي هو المبتدأ، فإنها إن لم تكن تحتوي على معناه لم يصح وقوعها خبرا له؛ لعدم الربط بين المبتدأ والخبر. فإذا قلت: زيد عمر وأخوك، أو زيد عمر وقائم، لم يجز لعدم الرابط بخلاف ما إذا احتوت الجملة على المبتدأ من جهة المعنى، فإن الفائدة حاصلة لأجل الربط، والكلام صحيح نحو: زيد أبوه قائم أو زيد قام أبوه، وإذا ثبت هذا بقى النظر في مسائل أربع: إحداها: أنه أطلق الجملة ولم يقيدها باسمية دون فعلية، فدل ذلك على أنهما كلتيهما تقعان خبرا للمبتدأ وذلك صحيح، فمثال الاسمية قولك: زيد أبوه قائم، وزيد عمر وقاعد في داره، وبكر خالد قائم في حانوته وما أشبه ذلك. ومثال الفعلية قولك: زيد قام أبوه وعمر ولا يقوم، وبكر أكرمت عمرًا

стр. 625

من أجله، وما أشبه ذلك، وقد يدخل الناسخ على الجملة الاسمية كقولك: زيد إنه قائم، وعمر ووما هو قائما، وزيد لا أحد في داره، وقد تكون/ الجملة منفية كما تكون موجبة نحو: زيد لا هو قائم ولا عمرو، وزيد ما هو قائم، إذ لم يعمل "ما" على لغة بني تميم أو على لغة أهل الحجاز إذا فقد شرط الإعمال نحو: زيد ما هو إلا قائم، وزيد ما إن هو قائم، وزيد ما قائم هو وما أشبه ذلك، كما أن الفعلية أيضا تكون موجبة ومنفية نحو: زيد هرج ولا يخرج وزيد ما خرج، وكل واحدة من الجملتين على قسمين: قسم يكون فيه للمبتدأ لفظا ومعنى نحو: زيد هو قائم وزيد قام وقيم سكون فيه للمبتدأ لفظا ولما هو من سببه معنى نحو: زيد أبوه قائم وعمرو خرج أبوه، ويدخل الناسخ النفي كما تقدم، وكل هذا ينتظمه كلام الناظم. والثانية: أن اطلاقه ينتظم أيضا جواز وقوع الجملة خبرا، كانت خبرية أو طلبية ولا يتشرط فيها أن تكون محتملة للصدق والكذب، فأما الخبرية فما تقدم، والطلبية والإنشائية وإن لم تكن طلبية فتكون اسمية وفعلية، فالاسمية نحو: زيد ليته أخوك، وعمر ولعله قادم، والأسد لعله يأكلني، وبكر كأنه الأسد فالتشبيه هنا ليس بخبري ولكنه إنشائي، وزيد سلام عليه، وبكر ويح له وترب لفيه، والفعلية نحو: زيد اضربه، وعمر ولا تشتمه، وزيد لا يقصدك، وبكر هلا أكرمته، وزيد نعم الرجل، وعمر وبئس الغلام، وما أحسن زيدا، وزيد أكرم به، وزيد غفر الله له، وبكر اللهم اغفر له، وزيد عسى أن يحج، وزيد عساه يموت غدا، ويدخل الاستفهام على الجملة الخبرية فتصير طلبية نحو: زيد أهو قائم؟ وزيد أأبوه قائم، وزيد كيف هو؟ وزيد أين هو؟

стр. 626

وزيد متى قيامه؟ وزيد هل أكرمته؟ وزيد كيف وجدته؟ وزيد أين استقر؟ وما أشبه ذلك، فهذا كله مما يقع خبرا للمبتدأ بمقتضى إطلاقه، كما أنها تقع أخبارا إذا كانت غير إنشائية وهذا مذهب الجمهور. وذهب ابن الأنباري وابن السراج ومن وافقهما إلى أن الجملة الطلبية لا تقع خبرا للمبتدأ من حيث هي طلبية، وحجتهم في ذلك أن الجملة الواقعة خبرا للمبتدأ مؤولة بالمفرد كما تقول: زيد أبوه قائم، فهو في تأويل زيد قائم الأب وكذلك زيد يقوم في تأويل زيد قائم، ولو حاولت تقدير الجملة الطلبية بمفرد لم يصح، لذهاب معنى الطلب إذا قدرت قولك: زيدا اضربه، بقولك: زيد مضروب، بخلاف الجملة الخبرية، فإن معناها لا يذهب بتصييرها بالتقدير إلى المفرد وما جاء مما ظاهره هذا فعلى إضمار القول، فالقائل زيد اضربه، هو على تقدير مقول فيه اضربه، كما يقدر القول في الجملة الواقعة صلة أو صفة إذا لم تكن خبرية كقوله وإني لرام نظره قبل التي ... لعلى وإن شطت نواها أزورها أي: قبل التي أقول من أجلها لعلى أزورها، وكذلك قول الآخر في الصفة:

стр. 627

*جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط* التقدير: جاءوا بمذق يقول من رآه: هل رأيت الذئب قط؟ والخبر والصفة والصلة يجرين مجرى واحدا، فلذلك يقدر القول مع ما جاء من الإخبار جملة غير خبرية، ورده المؤلف من وجهين: أحدهما: أن خبر المبتدأ لا خلاف في أن أصله أن يكون مفردا، والمفرد من حيث هو مفرد لا يحتمل الصدق/ والكذب، فالجملة الواقعة موقعه حقيقة بألا يشترط احتمالها للصدق والكذب؛ لأنها نائبة عما لا يحتملهما وما قاله المؤلف صحيح وأيضا لو اشترط في الجملة احتمالها للصدق والكذب للزم من ذلك أن تكون أيضا واقعة موقع ما لا يحتملهما؛ لأن المفرد لا يحتملهما، فالجملة إذا- وإن كانت خبرية- لا يصح تقديرها بالمفرد لذهاب معنى الخبرية واحتمال الصدق والكذب، فالحاصل أن الجملتين المحتملة وغير المحتملة بالنسبة إلى تقديرهما بالمفرد سواء، فما يلزم في إحداهما يلزم في الأخرى. والثاني: أن وقوع الخبر مفردا طلبيا ثابت باتفاق نحو: كيف أنت؟ فلا يمتنع ثبوته جملة طلبية بالقياس لو كان غير مسموع فكيف وهو مسموع كقول رجل من طييء: قلت من عيل صبره كيف يسلو ... صاليا نار لوعة وغرام

стр. 628

هذا ما قال، وفيه بحث ولكن فيه تقوية لمذهبه على الجملة وما زعموه من إضمار القول لا يستقيم معناه، لأن معنى زيد اضربه هو معنى اضرب زيدا من غير فرق، وأنت لو قلت: زيد مقول فيه اضربه لكان مخالفا لمعنى اضربه فقد أوقعهم هذا التقدير في مثل ما فروا منه، والخبر في هذا المعنى مخالف للصلة والصفة؛ إذ المعنى على تقدير القول فيهما مستقيم وموافق للمعنى المراد، وهو في الخبر مخالف للمعنى المراد، فلا قياس مع وجود الفارق، وغنما يصح تقدير القول في الخبر الذي وقع جملة طلبية في نحو قوله: *وكانت كليب خامري أم عامر* فهذا بلا شك على تقدير: كليب مقول فيهم هذا الكلام، لأن المعنى عليه لا على حقيقة الطلب؛ وأيضا إن احتجنا إلى التأويل فيمكن في الكلام غير ما ذكروه من إضمار القول وذلك وجهان:

стр. 629

أحدهما: أن الجملة في نحو زيد اضربه، وزيد هل ضربته؟ موضوعة موضع مفرد يفيد الأمر والاستفهام وإن لم ينطق به على ذلك المعنى استغناء عنه بهذا الذي نطق به وله نظائر كثيرة كالتعجب والنداء وما أشبههما. والثاني: أن أصل الخبر أن يكون بالمفرد، لأنه الذي أفاد بالتركيب، وأما الجملة فتقيد وحدها وإنما وقعت الجملة الخبرية موقع المفرد لأن تقديرها به لا يخل بالمطلوب، ووقع الإخبار بالجملة الاستفهامية حملا على الخبرية، وهذا التأويل لابن عبيدة وما قبله لابن أبي الربيع. والثالثة: أن إطلاقه يقتضي أن الجملة التي هي في الإنشاء والإخبار ذات وجهين وهي جملة القسم والجواب، وكذلك الشرط والجزاء، فإن كل واحدة من الجملتين مركبة من جملة محتملة للصدق والكذب، وأخرى لا تحتملها وإذا اجتمعا كانتا معا جملة واحدة محتملة للصدق والكذب، تقع كل واحدة منهما خبرا للمبتدأ مطلقا على الشرط المتقدم، وهو كونها حايوة معنى المبتدأ. فتقول في القسمية: زيد أمانة الله ليخرجن، وعمرو لعمر الله لاكرمنه، وزيد أقسمت إنه لكريم.

стр. 630

وتقول في الشرط والجزاء: زيد إن يكرمني أكرمه، وعمرو متى يأتني آته/ وما أشبه ذلك، وهذا رأى الجمهور وذكر عن ثعلب منع الإخبار بجلة/ قسمية فلا يجوز عنده زيد لأكرمنه، ولا زيد أقسم ليخرجن. قال المؤلف: وهذا ضعيف، إذ لا دليل عليه مع ورود الاستعمال بخلافه كقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم﴾ الآية وكذلك قوله تعالى: ﴿والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة﴾ الآية، ومثله: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا﴾ - الآية وقوله: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾. والرابعة: أن قوله: (حاوية معنى الذي سيقت له) يحتمل تفسيرين: أحدهما: خاص وهو أن يريد بذلك المعنى ما يشترطه غيره من اشتمال الجملة على ضمير يعود على المبتدأ فكأنه يقول: وجملة حاوية ضمير الذي سيقت له نحو: زيد قام أبوه وزيد أبوه قائم، وهذا هو الأصل وإن جاء في الجملة ما ليس بضمير وكان رابطا فهو قائم مقامه نحو قوله: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾، وما أشبه ذلك.

стр. 631

والثاني: عام، وهو أن يريد ما هو أعم من الضمير، إذ المقصود الربط بين الجملة والمبتدأ وذلك يحصل بالضمير وغيره ويصدق على الجميع أنه معنى المبتدأ، وجملة ما ذكروا من ذلك خمسة أشياء: أحدها: الضمير وقد ذكر. والثاني: اسم الإشارة نحو قوله تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾، "أولئك" هو الرباط وكأن التقدير: كلها ﴿كان عنه مسئولا﴾، وقوله تعالى: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة، والتقدير: ولباس التقوى هو خير. وقال تعالى: ﴿والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار﴾ الآية، وقوله: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة﴾ وما أشبه ذلك. والثالث: إعادة المبتدأ بلفظه كقوله تعالى ﴿الحاقة ما الحاقة﴾، و ﴿القارعة ما القارعة﴾، ﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين﴾ ﴿وأصحاب

стр. 632

الشمال ما أصحاب الشمال﴾ وما أشبه ذلك، وأنشد سيبويه لسوادة بن عدي: لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا فالموت الثاني في موضع الضمير العائد على المبتدأ في الأصل، لأن أرى علمية، فالأصل الموت لا يسبقه شيء، ومنه عند طائفة قول توبة بن الحمير: فأما الصدور لا صدور لجعفر ... ولكن أعجازا شديدا ضريرها وقال الآخر- أنشده الفارسي-:

стр. 633

فأما القتال لا قتال لديكم ... ولكن سيرا في عراض المواكب وقال الآخر: ألا ليت شعري هل إلى أم مالك ... سبيل فأما الصبر عنها فلا صبرا وهذا عند طائفة من النوع الذي بعده، كما أن من الذي نحن فيه قولهم: أما العبيد فذو عبيد، وأما ابن مزنية فابن مزنية، وأما عبدان فذو عبدين، وما أشبه ذلك. والرابع: الاسم الذي يعم ما تقدم وغيره ومثلوه بقولهم: زيد نعم الرجل، / وعمر وبئس الغلام، ومنه قوله تعالى: ﴿والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾، ويحتمل أن يكون منه قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾، فالرجل في نعم والغلام في بئس يعم المبتدأ وغيره، فحصل الربط بسبب تناوله له، وكذلك "المصلحين" و "من أحسن" في الآيتين. والخامس: إعادة الأول بمعناه لا بلفظه نحو: زيد قام أبو عبد الله،

стр. 634

ويذكر هذا عن الأخفش، واستدل على ذلك بقول الشاعر: إذا المرء لم يخش الكريهة أوشكت ... حبال الهوينى بالفتى أن تقطعا فالمعنى أوشكت حبال الهوينا به أن تقطع، فوضع الفتى موضعه. ورد عليه الشلوبين بأن البيت شرط وجزاء. ولا يلزم أن يعود من جملة الجزاء إلى جملة الشرط ضمير، كما يلزم ذلك في الخبر. واستشهاد الأخفش صحيح لأنه إنما استشهد بوقوع الأول بمعناه حيث يقع الضمير، فـ "الفتى"- في شاهده- موضوع موضع الضمير بلابد، وإذا ساغ ذلك على الجملة فليسغ حيث يفتقر إلى الربط، وإنما الرد عليه بأمر آخر. أنا ذاكره على إثر هذا بحول الله. فهذه خمسة أوجه تضمنها قول الناظم: (حاوية معنى الذي سيقت له) فإن قيل: أي التفسيرين أولى أن يحمل عليه كلامه؟ فالجواب: إنه محتمل لهما معا، لكن الثاني أقرب إلى معنى كلامه لقوله: (حاوية معنى الذي سيقت له) وهذا الكلام لا يعين الضمير من غيره، ولأن مذهبه في غير هذا النظم أن غير الضمير مما تقدم يجري مجراه في الربط، وأيضا، فهو أعم لجمعه لما ذكر غيره من وجوه الربط، فأما في النظر

стр. 635

الأصح فالتفسير الأول أولى وذلك أن ما عدا الضمير لا يتخلص فيه قياس يطرد كاطراد الضمير، ولا ما يقاربه وإن اتفق ذلك فيقيد لا مطلقا، والناظم قد قال: (حاوية معنى الطي سيقت له) بعد قوله: (ويأتي جمله) وهذا يقتضي إجراء القياس بإطلاق وليس كذلك. فأما اسم الإشارة فإنه يلزم من القول بالقياس فيه أن يقال: زيد قام هذا أو ذاك، والزيدون خرج أولئك، وتجويز مثل هذا صعب جدا، وقد منعه ابن الحاج. وأما قوله تعالى: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ فذلك المتقدم ضعيف عند النحويين، وقد حمل الزجاج الآية على غير هذا الوجه، وضعف هذا الوجه فأجاز فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ذلك تابعا لـ "لباس التقوى" وخير خبر اللباس، وهو رأي الفراء. والثاني: أن يكون "لباس التقوى" خبر ابتداء مضمر كأنه قال: وستر العورة لباس المتقين. والثالث: هو ذلك الضعيف وأيضا إن سلم اطراده فيما تقدم من قيامه مقام الضمير، فليس ذلك في كل موضع وعلى كل حال. فأكثر ما ورد ذلك إذا طال المبتدأ بصلة أو صفة أو نحو ذلك، فيحتاج إذ ذاك إلى إعادة لفظ المبتدأ بلفظ الإشارة المستعمل للبعد كذلك، وأولئك إذ له موقع/ ليس للضمير، لأنه ليس في الضمير دلالة على البعد، ومن ذلك الآيات المستشهد بها.
следующие страницы →