Полный текст (5 477 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
اعتبرنا جميع ما لامه للتعريف فوجدنا إسقاطها منه جائزا كالرجل والغلام، ولم تقل العرب فيما بلغنا فعلته آن كما قالوا: فعلته الآن، فدل هذا على أنها ليست للتعريف ولا أيضا للمح الصفة، فإن التي للمح الصفة يجوز إسقاطها، فدل لزومها أيضا على أنها ليست للمح الصفة، بل هي زائدة، كما يزاد غيرها من الحروف، ثم يبقى النظر في تعريفها وذلك على رأى الفارسي وابن جنى بألف ولام تضمن الآن معناها، كما بنيت "أمس" لتضمن معناها، وعلى رأى الزجاج بالإشارة.
والثالث: "الذين"، فالألف واللام فيه أيضا زائدة كما قال والدليل على ذلك: أنه من الأسماء الموصولات، وقد وجد من الموصولات ما ليس فيه ألف ولام وهو معرفة كـ "من" و "ما" و "أي"، فهذا يدل على أن "الذين" معرفة لا بالألف واللام، وأيضا لو كانت فيه للتعريف لقالوا "لذين" من غير ألف ولام، إذ لم نجدها تعرف إلا حيث يجوز إسقاطها كما تقدم، وهذه لا تسقط البتة، وإن سقطت فذلك من النوادر غير المعتد بها، فدل ذلك على أنها لغير التعريف وليست أيضا/ للمح الصفة، فلم يبق إلا أن تكون زائدة.
وقد ذهب ابن خروف إلى أن تعريف "الذين" وأخواته من الموصولات الداخلة عليها الألف واللام بهما لا بالصلة، وأن ما ليست فيه معرف بها تقديرا كـ "أي" و "من" و "ما" وخطأ من زغم أن
стр. 562
تعريفها بالصلة قال: وكيف ذلك وهي جمل وقد تكون صفات وهي نكرات، ثم استدل على أن تعريفهما إنما هو بالألف واللام، أن ما هي فيه لا يكون نكرة البتة بخلاف ما ليست فيه فإنه قد يكون نكرة "كمن" و "ما" و "أي" وما استدل به ليس له فيه حجة، أما أولا فإن أصل وضع الموصول أن يتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل، إذ لم يمكنهم أن يدخلوا الألف واللام على الجمل، فأتوا بما يصح فيه ذلك وهو الموصول كالذي والتي، فأدخلوها عليه فصح لهم الوصف بالجملة بإصلاح لفظها بتصديرها بما فيه الألف واللام.
وأما "من" و "ما" و "أي" فإنما لم يوصف بها لعدم الألف واللام فيها إذ هي المسوغة لأن تجرى الجملة صفة للمعرفة فراعوا اللفظ كما راعوا لفظ كل وبعض فلم يصفوهما بالمعرفة حيث لفظهما لفظ النكرة، ولا- أيضا- وصفوهما بالنكرة اعتبارا بالمعنى ومعناهما معنى المعرفة، وبهذا المعنى يجاب عن اختصاص "أي" و "من" و "ما" بوقوعها نكرات موصوفة، لأن ألفاظها النكرات، بخلاف الذي والتي ونحوهما.
قال الفارسي في "الإغفال": إنما حسن الوصف بالذي من بين أخواته لمكان حرف التعريف فيه وأنه لم يحدث تعريفا فهو لفظ المحدث التعريف فأجرى في هذه الأشياء مجراه، فهذا نص من الفارسي فيما ذكرته، وأيضا فإن فيهما ابهاما ليس في الذي وأخواتها فلذلك لم يوصف بها وهي موصولات، بخلاف "الذي" وأخواتها.
стр. 563
وأما ثانياً: فإن أيا و "ما" و "من" لا تقع نكرات موصوفة إلا مع العرو عن الصلات والخلو عنها، فإذا وجدت الصلات لم يصح أن تقع نكرات، وهذا من أدل الدليل على أن تعريفها بالصلة لا بالألف واللام مقدرة، إذ التعريف فيها يدور مع الصلة وجودا وعدما، ولم نجده يدور مع الألف واللام، كذلك فدل على أن علة التعريف الصلة لا الألف واللام فالصحيح إذا ما ذهب إليه الناظم من زيادتها.
والرابع: "اللاتي" وهو جمع "التي" كما أن "الذين" جمع "الذي" واللام فيهما واحد، وكذلك فيما كان من بابهما نحو: الذي والتي واللائين واللاء واللواتي والألى وما أشبه ذلك. ولازما من قوله: (وقد تزاد لازما) اسم فاعل يمكن أن يكون حالا من المصدر المفهوم من (تزاد) كـ "شديدا" من قولك: ضربته شديدا وكأنه قال: وتزاد زيدا لازما.
ثم ذكر القسم الثاني من الزيادة فقال: (ولاضطرار كبنات الأوبر) أي: وقد تزاد أيضا للاضطرار الشعري، لا على اللزوم ولا على الجواز، وأتى لذلك بمثالين:
أحدهما: زيدت فيه اللام في العلم وذلك "بنات الأوبر" وهو اسم علم لضرب من الكمأة صغار ذات زغب، هذا ما حكى الجوهري، وذكر ابن
стр. 564
سيده عن أبي حنيفة قال: هي كمأة أمثال الحصى يكن في النقض من واحدة إلى عشر وهي رديئة الطعم، وهي أول الكمأة قال: وقال: مرة هي مثل الكمأة وليست بكمأة وهي صغار. وأصله أن لا تدخله الألف واللام، بل تقول: هذه بنات أوبر، واحدها ابن أوبر وأنشد الأصمعي:
ومن جنى الأرض ما تأتي الرعاء به ... من ابن أوبر والمفرود والفقعه
فأدخلوا عليها الألف/ واللام في الشعر ضرورة فقالوا: "بنات الأوبر" وإشارة الناظم إلى ما أنشده ابن جنى وقال: أخبرنا أبو علي قال: أخبرني أبو بكر، عن أبي العباس، عن أبي عثمان قال:
стр. 565
سألت الأصمعي عن قول الشاعر:
ولقد جنيتك اكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
لم أدخل الألف واللام؟ فقال: أدخل ذلك زيادة للضرورة كقول الآخر:
*باعد أم العمرو من أسيرها*
قال ابن جنى وأنشدني أبو علي، عن أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي
*يا ليت أم العمرو كانت صاحبي*
يريد أم عمرو، وهذا على رواية من روى العمر- بالعين المهملة- وإلا فالأشهر الغمر- بالغين المعجمة- قاله ابن سيده ومثل ذلك أيضا قول الآخر- أنشده ابن جنى: -
يقول المجتلون عروس تيم ... سوى أم الحبين ورأس فيل
стр. 566
أراد: أم حبين، وأنشد أيضا عن الفارسي:
أما ودماء لا تزال كأنها ... على قنة (العزى) وبالنسر عندما
وأنشد غيره:
*أما ودماء مائرات تخالها*
وهو أبين في الإعراب والمثال الثاني زيدت فيه الألف واللام في التمييز ضرورة، لأن التمييز من شرطه أن يكون نكرة على مذهب البصريين، فإذا جاء بالألف واللام حكمنا بأنه من الضرائر الشعرية، كما زيدت في بنات الأوبر، وذلك المثال قوله: (كذا وطبت النفس يا قيس) أراد: وكذا بحرف العطف أي: وكذا في هذا المثال الآخر، وهو قطعة من بيت أنشده في الشرح هكذا وهو:
رأيتك لما أن عرفت وجوهنا ... صددت وطبت النفس يا قيس عن عمرو
وأنشده السيرافي هكذا:
رأيتك لما عرفت جلادنا ... رضيت وطبت النفس يا بكر عن عمرو
فقول الناظم: (وطبت النفس) فأتى في لفظه بالواو حكاية للبيت،
стр. 567
ولأجل الحكاية لم يقل: "كذا طبت النفس" و "يا قيس" من لفظ البيت الذي فيه الشاهد، فأدخل الألف واللام على نفس، وهو تمييز منقول من الفاعل، ومثل ذلك من التمييز ما قال الآخر:
علام ملئت الرعب والحرب لم تقد ... لظاها ولم تستعمل البيض والسمر
وقوله: (ولا ضطرار) مفعول له جره باللام وإن استوفى شروط النصب، فيجوز أن يقال: وقد تزاد اضطرارا وهو جائز، لكنه قليل، نص الناظم على ذلك في بابه وجاء بقوله: "السرى" صفة لقيس تكملة للبيت، والسرى: الشريف. يقال: رجل سرى، من قوم سراة، وجمع السراة: سروات. ويقال في فعله: سرا يسرو وسرى- بالكسر- يسرى سروا فيهما، وسرو يسرو سراوة، ويبقى بعد في هذا الكلام نظر من وجهين:
أحدهما: أنه جعل "بنات الأوبر" مما زيدت فيه الألف واللام اضطرارا ومن مذهبه الذي تقرر قبل أن ما جاء في الشعر مما يتأتى تحويله إلى ما ليس بضرورة، فليس حكمه حكم الضرورات، فإذا نظرنا فيما عده ضرورة هنا وجدناه يتأتى مساقه على غير جهة الضرورة، فقد كان يمكنه في الأول أن يقول: ولقد نهيتك عن بنات أوبر بغير ألف ولام ولا ينكسر الوزن، وإنما فيه زحف وهو الوقص، وذلك/ حذف التاء من متفاعلن وذلك جائز، فلم يضطر على مذهب ابن مالك إلى زيادة الألف واللام، فجعله ذلك من الاضطرار على مذهبه غير صحيح.
стр. 568
فإن قال: إن إسقاط الألف واللام وإن كان لا يكسر الوزن غير منقاد للطبع انقياد عدم إسقاطها، فهو على هذا التقدير ضرورة.
فالجواب: إنه لم يراع مثل ذلك حين أمكن عنده في قوله:
* ... صوت الحمار اليجدع*
أن يقال: "حمار يجدع" وهذا لا ينقاد للطبع انقياد الآخر، فمثل ذلك التقدير جار على طريقته وكان يمكنه في الثاني أن يقول: ونفس طبت يا قيس عن عمرو، فإن تقديم التمييز عنده جائز في الكلام، وإن كان قليلا فليس بضرورة عنده، وإذا كان قليلا فعدم التقديم مع إمكانه دليل على أن الألف واللام لم يدخلها للضرورة فقد ناقض هنا الناظم أصله الذي أصل.
والثاني على تسليم أنه لم يبن على تلك القاعدة أن دخول الألف واللام على التمييز ليس بضرورة، إذ لم يختص بالشعر وإنما يعد ضرورة المختص بالشعر كصرف ما لا ينصرف ونحو ذلك، وهذا ليس من ذلك، إذ قد جاء في الكلام مثل ذلك نحو ما حكى البغداديون أن من العرب من يقول: قبضت الأحد عشر الدرهم.
стр. 569
وفي الحديث: "أن امرأة كانت تهراق الدماء"، والحديث عند ابن مالك حجة في إثبات القوانين وبناء القياس عليه.
فإن قيل: إن الألف واللام في هذا ونحوه زائدة أيضا، وقد نص على ذلك في "شرح التسهيل" فدخلت إذا في دعوى الزيادة قيل: كان يسلم هذا لولا أنه علل الزيادة بالضرورة، إذ قال: "ولاضطرار كبنات الأوبر" إلى آخره.
فالحاصل أن هذا الموضع جرى فيه الناظم على غير تأمل، وأقصى ما وجدت في الاعتذار عن الأول من النظرين أنه أخطأ في مجرد التمثيل خاصة.
وأما الزيادة للضرورة فموجودة، إذ لم يرد المثال المذكور بعينه، بل أراد أيضا ما كان نحوه، وقد تقدمت أبيات يصعب إيرادها مع إسقاط الألف واللام كقوله:
*باعد أم العمرو ... ... *
وقوله:
*علام ملئت الرعب*
وإذا كان كذلك ثبت الأصل الذي بنى عليه من الزيادة على الجملة.
فإن قيل: كيف يثبت مع كون "بنات الأوبر"، و "طبت النفس"، بمنزلة
стр. 570
ما جاء في الكلام، فقد زيدت الألف واللام إذا لغير الضرورة وهو الإشكال الأول بعينه؟
قيل: هذا سؤال وارد ولا جواب لي عنه الآن، وليس كل داء يعالجه الطبيب.
وأما الثاني: فإن ما جاء في الكلام من ذلك قد يخرج على غير زيادة فقولهم: قبضت الأحد عشر الدرهم، قصد فيه التعريف، لكن الشائع أن يعرف الأول خاصة، ثم إنهم شذوا فعرفوا الثاني مع الأول فقالوا: قبضت الأحد عشر درهما، ثم زادوا شذوذا فعرفوا ما لا يحتمل التعريف إتباعا لما يحتمله على الجملة، فليس إذا من قبيل النكرات أعني الدرهم وإنما هو معرفة.
وقوله في الحديث: "تهراق الدماء" منصوب على التشبيه بالمفعول به لا على/ التمييز، نص على ذلك في "شرح التسهيل" وسيأتي ذلك في باب التمييز إن شاء الله، وإذا كان كذلك صح ما قاله من أن الزيادة في نحو: (طبت النفس) للاضطرار والله أعلم.
***
وأما القسم الثاني: من الألف واللام الخارجة عن أصلها من التعريف، وذلك ما يدخل على الأسماء المنقولة من الصفات ونحوها لتلمح الأصل، وتسمى التي للمح الصفة فقد قال فيه:
وبعض الأعلام عليه دخلا ... للمح ما قد كان عنه نقلا
كالفضل والحارث والنعمان ... فذكر ذا وحذفه سيان
الضمير في (عليه) عائد على بعض، وفي (دخلا) عائد على "
стр. 571
أل" وذكره، لجواز التذكير والتأنيث في الحرف و"ما" واقعة على الأصل المنقول منه العلم وعائده ضمير عنه والضمير في (نقلا) و (كان) عائد على بعض أيضا، ويعني أن بعض الأسماء الأعلام قد دخلت عليه "أل" ليتلمح بها الأصل الذي نقل عنه هذا العلم.
واعلم أن العلم الذي شأنه هذا لابد فيه من أربعة أوصاف كلها مشار إليها بهذا الكلام:
أحدها: أن يكون منقولا لا مرتجلا لقوله: (للمح ما قد كان عنه نقلا) فلازم أن يكون له أصل نقل منه إلى العلمية لتكون الألف واللام يلمح بها فلا تدخل على مرتجل البتة.
والثاني: أن تكون داخلة عليه بعد التسمية لأن قوله: (للمح ما قد كان عنه نقلا) يريد به لأن يلمح بدخولها أصل الاسم المسمى به، وذلك يستلزم أن تكون داخلة بعد التسمية؛ لأنها لو كانت داخلة قبلها أو معها لاستهلكت التسمية معناها فلم تدل على شيء، وهذا هو الفرق بين الألف واللام التي للغلبة والزائدة وبين التي للمح الأصل، فإن الغالبة كانت داخلة قبل التسمية، ثم وقعت التسمية عليها، وكذلك ما لم تتقدمه لكن قارنته في التسمية كالنضر والنعمان "ولفظة الله" على رأيه في "شرح التسهيل" وكذلك السموأل واليسع من المرتجلات على ما قال هنالك أيضا، فالأداة في هذه الأشياء مقارنة للتسمية، فليست لتلمح الأصل في النضر ونحوه، وكذلك في السموأل ونحوه، وهذا الثاني يخرج بالوصف الأول. وبينهما أيضا فرق آخر حكمي وهو: أن التي للمح الأصل يجوز لحاقها وعدم لحاقها على حد سواء أو ما
стр. 572
هو نحو ذلك بخلاف الغالبة وغيرها فإنها لازمة ولا يجوز حذفها إلا نادرا لا يعتد به. قال سيبويه: فإن أخرجت الألف واللام من الصعق والنجم لم يكن معرفة من قبل أنك إنما صيرته معرفة بالألف واللام، كما صار ابن رألان معرفة برألان، فلو ألغيت رألان لم يكن معرفة. يعني أن الألف واللام من حقيقة الاسم في العلمية وهذا الفرق منبه عليه بقوله: (فذكر ذا وحذفه سيان).
والثالث: أن يقصد بدخولها لمح الأصل، لأنه قال: (للمح) كذا، أي: دخل لأجل أن لمح فيه الأصل، فهذا ولابد مستلزم لتذكر الأصل والتماحه، فلو لم يلمح الأصل لم تدخل البتة؛ لأن الاسم إذ ذاك بمنزلة زيد وعمرو، فكما أن زيدا وعمرا لا تدخل عليه الألف واللام، فكذلك ما كان بمعناه، ولذلك تجد كثيرا من الصفات المسمى بها لا تدخل عليها كمالك وحاتم ومتمم وفاطمة وعائشة/، وما أشبه ذلك.
والرابع: أن يكون الاسم يصلح أن تدخل عليه الألف واللام قبل التسمية وهذا معنى تلمح الأصل بها، لأن إلحاقها إشعار بان الاسم كأنه باق على أصله لم ينتقل إلى علمية، فإذا كان كذلك فكل علم نقل مما يصح أن يدخل عليه فهو الذي تدخل عليه بعد النقل والتسمية فلا تدخل على العلم المنقول من الفعل نحو: يزيد ويشكر وتغلب، ومن ثم
стр. 573
كان دخولها على يزيد في قول ابن ميادة:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدا بأعباء الخلافة كاهله
ضرورة كما كان ضرورة في نحو:
*باعد أم العمرو من أسيرها*
ولم يحكم له بأنه على لمح الأصل لهذا الذي تقدم، وقد بسط الفارسي هذا المعنى في "التذكرة" بسطا حسنا ثم قال: فمن قرأ من القراء: ﴿الليسع﴾ استقام أن يتأول فيه أنه عربي جعل الشيء بعينه. فأما من قرأ: ﴿الليسع﴾، فلا ينبغي له أن يحمله على أنه يفعل من وسع، دخل فيه اللام لأن ذلك لا وجه له ولكنه أعجمي معرب وافق لفظه لفظ المضارع وليس به- انتهى كلامه- وكذلك لا تدخل على المنقول من مضاف ومضاف إليه، كما إذا سميت بضارب (زيد أو بصاحب عمرو)، إذ لا يصح دخول الألف واللام على المضاف وإن فرضت صلاحيته للمح الأصل فيه، هذه الأربعة أوصاف يقتضيها كلامه ولابد منها. وعبارته في "التسهيل" عن هذا المعنى قوله:
وفي المنقول من مجرد صالح لهما ملموح به الأصل وجهان، ثم مثل ذلك بقوله: (كالفضل والحارث والنعمان)، فأتى بثلاثة أمثلة تشير إلى ثلاثة أنواع مما يلمح فيه الأصل.
أحدها: الفضل، وهو منقول من مصدر فضل الرجل يفضل فضلا:
стр. 574
إذ ظن ذا فضل فهذا تدخل عليه الألف واللام وعلى ما كان من نوعه مثل قيس، من قاس يقيس قيسا وزيد من زاد يزيد زيدا، وأوس من آسه يؤوسه أوسا، أي أعطاه، وعمرو إذا اعتقدت أنه منقول من العمر الذي هو الحياة.
والثاني: الحارث، وهو منقول من الصفة تقول: حرث يحرث فهو حارث، وتدخل عليه هذه الألف واللام وعلى ما كان مثله نحو: عباس وقتال وحسن وجراح وما أشبه ذلك
والثالث: النعمان، وهو منقول من اسم عين وهو الدم، ومنه سميت شقائق النعمان لشبه لونها به، وهذا أيضا مما تدخل عليه الأداة عنده، وعلى ما كان من نوعه كأوس إذا جعلته قد نقل من الأوس وهو الذئب وكذلك ما أشبهه، فقد نبه على أنواع المنقول من الاسم، فالأول منقول من اسم المعنى، والثاني منقول من الصفة، والثالث منقول من اسم العين، وفيما قرره هنا نظر من وجهين:
أحدهما: أن ظاهر كلامه يقتضي القياس في جميع ما ذكر من الأنواع الثلاثة فيجوز على قوله أن تقول في قيس القيس وفي زيد الزيد وفي عمرو العمرو في غير ضرورة كما تقول في فضل الفضل، وكذلك يجوز على قوله/ في مالك المالك وفي فاطمة الفاطمة وفي حاتم الحاتم، كما تقول في قاسم القاسم وفي عباس العباس، وكذلك تقول في حجر الحجر وفي حبل الحبل وفي جعفر الجعفر وفي بكر البكر، كما تقول في نعمان النعمان وهذا كله غير صحيح، لأن مثل هذا لا يقاس عليه
стр. 575
وإنما بابها كلها السماع فلا يتعدى بواحد منها ما سمع.
والحاصل من هذا أن المفردات كلها من الأعلام المنقولة الجائز قبل التسمية دخول الألف واللام عليها، يجوز أن تدخل عليه الألف واللام الآن وما أظن أحدا يقول بهذا.
والثاني: أنا إذا سلمنا القياس فإنما يصح في نوع واحد منها وهو المنقول من الصفة فهنالك ذكر الناس لمح الصفة وأصلوا معناه، وفيه تكلم سيبويه والخليل حيث قالوا: الحارث والحسن والعباس، إنما أرادوا أن يجعلوا الرجل هو الشيء بعينه، يعني على أصل الصفة ولم يجعلوه سمي به، ولكنهم جعلوه كأنه وصف له غلب عليه، ومن قال: حارث وعباس فهو يجري مجرى زيد. قال ابن خروف: وهذا في كل صفة سمى بها. ولما تكلم الفارسي في "التذكرة" على قول الشاعر:
* ...... وبالنسر عندما*
قال: فالقول إن اللام هنا ليس على حد قولك: العباس وعباس، لأن من أدخل اللام هنا جعله الشيء بعينه، ومن لم يدخل جعل الاسم علما بمنزلة زيد وأسد، ثم قال: ومن قال في الحارث والعباس حارث وعباس، لم يقل إذا سمى باسم جنس غير صفة بإلحاق لام التعريف، ألا ترى أنهم لم يقولوا في رجل اسمه ثور أو يربوع أو أسد الثور ولا اليربوع ولا الأسد.
قال: فإن قلت: فقد قالوا الفضل في رجل اسمه فضل، فإنما ذلك لأنه على حد الصفة كأنهم جعلوه عبارة عن الحارث بعينه من حيث جاز وحسن أن يقصد بذلك، كما حسن أن يقصد بالحارث والعباس قال: فدخلت اللام هنا،
стр. 576
كما دخلت في الحارث والصعق فأنت ترى أنهم إنما يجعلون لمح الأصل في الصفة ويعتذرون عما جاء منها في المصدر وينفون ذلك عن اسم الجنس جملة، وهو الذي لا يصح غيره، فهذا من الناظم غير صواب.
ووجه ثالث: وهو أنه مثل هذا بالنعمان وجعله مما يجوز تجرده من الألف واللام وعدم تجرده، وهو قد جعله في "شرح التسهيل" من قسم العلم الذي قارنت الأداة نقله فلزمته فقال في "التسهيل": بعد تقرير أن ذا الغلبة تلزمه اللام غالبا إن كان معرفا بها قبل ذلك، ومثله ما قارنت الأداة نقله أو ارتجاله. قال في "الشرح": ويشارك ذا الغلبة المصاحبة للأداة فيما نسب إليه ما قارنت الأداة نقله كالنضر والنعمان أو ارتجاله كالسموأل واليسع فلا يجرد هذان النوعان إلا لنداء أو غيره من العوارض التي يجرد لها الأعشى ونحوه من الأعلام الغالبة، ثم ذكر أن هذا آكد في عدم التجرد من ذي الغلبة ما هو مسطور هنالك، وهذا مناقض لما نص عليه في نظمه هذا، فأحد الموضعين غير صحيح، إما كلامه هنا أو في الشرح، إذ لا/ يستقيم أن يصحا معا، لأنهما حكمان متناقضان على شيء بعينه ففي هذا كله ما ترى.
стр. 577
والجواب: عن الأول والثاني أن القياس في الأنواع الثلاثة ألا مانع منه لأنه إذا كانت العرب قد أرتنا مذهبها في لمح الأصل ورأينا ذلك يكثر في السماع فبيناه على شرطه، وكون العرب لم تقل ذلك في جملة منها (لم يكن منها ترك) تركا للقياس، وإنما كان لفقد الشرط وهو لمح الأصل لا أنه عندها لا يلمح، فإذا لمحنا نحن الأصل أدخلنا الألف واللام ولم يبق محذور، وهذا رأيه في "شرح التسهيل" فإنه ذكر فيه أن العلم إذا كان منقولا من صفة أو مصدر أو اسم عين وكان عند التسمية به مجردا من أداة التعريف جاز في استعماله غالبا أن يلمح به الأصل فتدخله الأداة قال: وأكثر دخولها على منقول من صفة كحسن وعباس وحارث ويلي دخولها على منقول من مصدر كفضل وقيس، ويليه دخولها على منقول من لسم عين كليث وخرنق. فهذا هو الذي ذهب إليه هنا- والله أعلم- ولا أعلم من قال بذلك غير ابن مالك.
وفي كلام الزمخشري في "المفصل" إشارة إلى شيء من ذلك في غير المنقول من اسم عين، والذي يثبت من ذلك في القياس إن ثبت اعتباره نوع من المنقول من الصفة وإن جاء غير ذلك فهو مسموع نحو: فضل وخرنق وأما أن يقال بالقياس في الجميع فلا.
стр. 578
واعلم أن في القول بالقياس في هذه الأنواع أخذا من كلام الناظر نظرا وذلك أنه قال: (وبعض الأعلام عليه دخلا) وهذا البعض يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد كل ما كان منها مفردا، لأن العلم منه مفرد، ومنه غير مفرد كالمركب والمضاف، وهذا الحكم مختص بالمفرد دون غيره، وهو بعض من جنس العلم فكأنه يقول: والمفرد من الأعلام عليه دخلا وهذا يقتضي القياس كما نص عليه في غير هذا.
والثاني: أن يريد ما أدخلته العرب عليه من المفردات فكأنه يقول: وبعض الأعلام أدخلت العرب عليه الألف واللام، وهذه حكاية سماع لا تشعر بقياس، ويؤيد ذلك إتيانه بالفعل الماضي من قوله: دخل ولم يقل يدخل، فإن كان مراده الوجه الأول فهو جار على طريقته في "التسهيل" و"شرحه" لكنه خالف الناس فيما ذهب إليه.
وإن كان مراده الثاني فهو موافق للناس، مخالف لرأيه في غير هذا الموضع وكان هذا المحمل أولى إذا احتمل كلامه كذلك، وعبارته في أصل المسألة موافقة في المعنى لعبارة الزمخشري حيث قال: وبعض الأعلام تدخله لام التعريف وذلك على نوعين: لازم وغير لازم، وفسر اللازم باللام الغالبة، ثم قال: وغير اللازم في نحو: الحارث والعباس والمظفر والفضل والعلاء، وما كان صفة في أصله أو مصدرا، هذا منتهى كلامه وهو محتمل كاحتمال كلام الناظم، إلا أن الناظم زاد الاسم المنقول من اسم عين وهو النعمان ونحوه.
стр. 579
وأما النظر الثالث: فإني لا أحقق الآن أي الوجهين/، هو الجاري على كلام العرب، فإليك النظر في ذلك.
ثم ذكر حكم الألف واللام هنا فقال: (فذكر ذا وحذفه سيان) "ذا": إشارة إلى الألف واللام، يعني أن لحاقها وعدم لحاقها سيان: ليس أحدهما بأكثر من الآخر، ولا أحدهما لازما دون الآخر، كما تقدم في الزائدة فإن أردت لحاقها فلك ذلك، وإن لم ترد ذلك فالتجرد عنها جائز فتقول: حارث والحارث وعباس والعباس وفضل والفضل وخرنق والخرنق وليث والليث، وبهذين مثل في الشرح المنقول من اسم العين، ووقع لفظ الحذف هنا على تسامح حيث قال: (فذكر ذا وحذفه سيان) إذ الحذف إنما يستعمل فيما كان ثابتا بحكم الأصل، ثم أزيل والألف واللام هنا ليس الأصل فيها الإثبات ثم حذفت، بل الأمر هاهنا بالعكس إذ الأصل عدم اللحاق، لأنه علم وقبل العلمية لم يكن لازما لها، كما لزمها الاسم الغالب، فكان حقه أن يقول: فذكر ذا وتركه سيان أو نحو هذا، ولكنه أطلق على عدم اللحاق حذفا مجازا وتوسعا في العبارة، ويقال: هما سيان، إذا استويا والواحد: سي، وحقيقة معناه: مرادفة مثل، ومنه "لاسيما" وقال الحطيئة في مفرد "سيان":
فإياكم وحية بطن واد ... ضمور الناب ليس لكم بسي
стр. 580
ويقال أيضا مما سواءان وهما سواء.
***
(ثم قال):
وقد يصير علما بالغلبة ... مضاف أو مصحوب أل كالعقبه
ذو الغلبة من الأعلام هو: كل اسم اشتهر به بعض ماله معناه اشتهارا تاما حتى صار بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ لم يفهم منه غير ذلك الشيء (وهذا معنى كونه صار علما بالغلبة. أي: بغلبة ذلك الاسم لذلك الشيء) من بين سائر ما ينطلق عليه الاسم حتى يصير في عداد الأسماء الأعلام المحضة كزيد وعمرو فحقيقة الأمر فيه أنه علم في الأصل الاستعمالي، وأما في الأصل القياسي فهو من المعرف بأداة التعريف، إذ لم يزل معناها، ولو زال معناها لصار نكرة، فلذلك لم يعد الناظم الألف واللام هنا ضربا آخر كما عد الزائدة والتي للمح الأصل وهذا فرق ما بينهما وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك، وبه أيضا يظهر الفرق بين العلم بالوضع وبين العلم بالغلبة، فإن العلم بالوضع إنما وضع لإبانة "شخص من سائر الأشخاص، وليس فيه دلالة على وجود معنى ذلك الاسم في الشخص الذي سمى به فاختصاصه المسمى به شخصا بعينه ليميزه عن غيره أوجب تعريفه، وهذا إذا اشترك فيه المسمون لم يكن بينهم اتفاق يجب به اشتراكهم في الاسم؛ لأن جماعة سموا بزيد لا يختصون بمعنى جمعهم على تسمية زيد يباينون به من اسمه عمرو، وأما العلم بالغلبة فإن أصله أن يكون معرفة باللام أو بالإضافة، وهذا
стр. 581
يجب لمن سمي به التعريف، لكن لمعنى يوجب تلك التسمية له ولمن شاركه في ذلك المعنى كالرجل وغلام زيد فلا يختص أحد هذين وما أشبههما باسم دون سائر من فيه ذلك المعنى (كزيد وغلام/ رجل)، ثم إنه قد يغلب على ذلك الاسم على بعض المسمين به ممن شاركهم في معناه حتى يصير له كالعلم الذي (يعرف به إذا ذكر مطلقا، ولا يعرف به غيره ممن شاركه إلا بعهد تقدم، إلا أن) أصل تعريفه الألف واللام أو بالإضافة باق بدليل زوال تعريفه بزوالهما والعلم بالوضع ليس كذلك، فهذا فرق ما بينهما ثم نبه الناظم على أن ذا الغلبة على وجهين:
أحدهما: المضاف، وهو ما غلب عليه الاسم المشترك فيه وهو مضاف.
والثاني: "مصحوب أل" وهو ما غلب عليه الاسم وهو قد صحبته الألف واللام فمثال الأول ابن رألان، فإن ابن رألان أصله أن يصلح لكل من كان ابنا لرألان حتى أنه اختص بجابر الطائي السنبسي وحده، فإذا أطلق لم يدل إلا عليه، ما لم يكن ثم عهد في غيره ومثله ابن عباس، وابن عمر وابن الزبير وما أشبه ذلك.
ومثال الثاني: "العقبة" وهو مثاله، فإن العقبة اسم لكل طريق صاعد في الجبل، ثم اختص بعقبة منى التي تضاف إليها الجمرة فيقال: جمرة العقبة ومثله الصعق لخويلد بن نفيل، وكذلك
стр. 582
الصديق، والفاروق، والنجم، والثريا، والدبران، والأعشى، والأخطل، وكذلك الكعبة، والمدينة، وما أشبه ذلك.
***
ثم أخذ يذكر حذف الألف واللام وهذه وهل هو جائز أم لا، فقال:
وحذف أل ذي إن تناد أو تضف ... أوجب وفي غيرهما قد تنحذف
(حذف) مفعول بـ "أوجب"، أي: أوجب حذف "أل" وذي إشارة إلى "أل" وهي نعت لها وأنث على اعتبار الكلمة، كما ذكر في مواضع أخر على معنى اللفظ نحو قوله: (فذكر ذا وحذفه سيان) و "أوجب" هو الدال على جواب "إن" وليس بجواب صناعي، وإلا وجب أن يأتي بالفاء، والذي سوغ كونه في الحكم غير جواب أن معموله قد تقدم على الشرط، وتقدم المعمول مؤذن بتقدم العامل، فكأن الفعل مقدم على فعل الشرط، ومع هذا فإن فيه مما يختص بالشعر الإتيان بفعل الشرط مضارعا، وذلك لا يكون إلا عند الإتيان بالجواب الحقيقي، وأما إذا حذف الجواب ودل عليه كما هنا فمختص بالشعر ونحو هذا مما في الشعر ما أنشد سيبويه من قول الشاعر:
*والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب*
стр. 583
ويعني الناظم أن "أل" هذه التي في الاسم الغالب- ودل على أنه أرادها الإشارة بأداة العرب- تحذف إذا ناديت ذلك الاسم أو أضفته حذفا واجبا، فلا يجوز بقاؤها مع واحد منهما فلا تقول: يا الأعشى ولا يا الأخطل، وإنما تقول: يا أعشى ويا أخطل.
وفي الحديث: "إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان". وأنشد سيبويه:
يا زبرقان أخا بني خلف ... ما أنت ويب أبيك والفخر
وأنشد لجرير بن عبد الله البجلي:
стр. 584
*يا أقرع بن حابس يا أقرع*
ووجه ذلك أنه لا يجوز الجمع بين حرف النداء والألف واللام وسيأتي بيان ذلك في باب النداء إن شاء الله حيث تعرض له الناظم/، وكذلك لا يجوز أن تقول: يا الأخطل القوم ولا يا الأعشى همدان، وإنما تقول: أخطل القوم وأعشى همدان ونابغة بني ذبيان وأعشى قيس.
أنشد سيبويه- للنابغة الجعدي: -
ألا أبلغ بني خلف رسولا ... أحقا أن أخطلكم هجاني
وأنشد ابن جني:
ولو بلغت عوا السماء قبيلة ... لزادت عليها نهشل وتعلت
ووجه هذا أيضا أنه لا يصح الجمع بين الألف واللام والإضافة في غير باب الحسن الوجه وما أشبهه وسيأتي ذلك في بابه إن شاء الله.
فإن قيل: يرد على هذا الحكم سؤالان.
أحدهما: أنه أوجب حذف "أل" في هذين الموضعين فلا يجوز عنده غير ذلك فيهما، أما في الإضافة فذلك ظاهر، وأما في النداء فلم يجب، ولهم في نداء ما فيه الألف واللام ثلاثة أوجه:
стр. 585
أحدها: حذفها كما ذكر.
والثاني: التوصل بأي نحو: يأيها الرجل.
والثالث: اسم الإشارة نحو: يا هذا الرجل، وهذا مما فيه الألف واللام فلقائل أن يقول: قد تجوز هذه الأوجه الثلاثة هنا، والثاني أن هذا الحكم إن كان ضروري الذكر هنا، فكذلك ما تقدم مما فيه الألف واللام زائدة أو غيرها فكان حقه أن يذكر حكمها مع النداء والإضافة وإن لم يكن ضروريا، وإنما باب ذلك باب النداء، وباب الإضافة، فكان من حقه أن يدع ذكره إلى أبوابه، لكنه لم يفعل، بل خص الألف واللام الغالبة بالذكر هنا، فما وجه ما فعل من ذلك؟
فالجواب عن الأول: أن من شرط الألف واللام التي يتوصل بأي أو بهذا إلى نداء ما هي فيه أن تكون جنسية نحو: يأيها الرجل ويأيها الناس، وكذلك يا هذا الإنسان ويا هذا الرجل والألف واللام في النابغة والصعق ونحوهما ليست كذلك، فلا يصح إذا نداؤها بأي ولا بهذا، فلم يبق إلا ما ذكره الناظم من حذفها، فهو إذ ذاك واجب لا يصح العدول عنه إلى غيره، وعن الثاني أن مراده هنا بيان لزوم الألف واللام في ذي الغلبة، لا بيان حذفها مع النداء والإضافة، بل معنى كلامه أن الألف واللام لا تحذف من ذي الغلبة إلا لعارض يلزم معه حذفها أو في قليل من الكلام فبين العارض ما هو حتى يظهر أين يلزم إثباتها، ودل على ذلك قوله بعد: (وفي غيرهما قد تنحذف) أي: قليل، ولزم من ذلك أن القياس والكثير في كلام العرب ألا تنحذف، بل تثبت مطلقا، فأما ما تقدم من أنواع الألف واللام فغير محتاجة إلى هذا النوع من التنبيه، فالزائدة لا تحذف البتة، إما لأنها لا تقبل النداء ولا الإضافة كالآن، أو لا تقبل أحدهما كالذين واللاتي، وهي لا تقبل
стр. 586
أيضاً الحذف في النداء لصلاحية أي معها كقوله تعالى: ﴿وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر﴾. وإما لندوره فلم يعتد بما يمكن فيه على قلة من الإضافة كاللات، وأما التي للمح الأصل. فقد قال فيها: (فذكر ذا وحذفه سيان) فصارت في عدا المعرفة، فلم يحتج إلى ذكر فيها (إلا في بابه)
فإن قيل: فقد نقصه موضع ثالث يجب فيه حذف الألف واللام وهو قياس، وذلك مع "لا" التي لنفي الجنس كما تقول: لا سماك الليلة طالع ولا نابغة بعد نابغة بني ذبيان، وقد قالت العرب- أنشده سيبويه: -
*لا هيثم الليلة للمطي*
وقال الآخر:
*إن لنا عزى ولا عزى لكم*
وما أشبه/ ذلك، وهو لم يذكره فاقتضى أن الألف واللام لا تحذف مع لا إلا قليلا لقوله بعد ذكر الموضعين (وفي غيرهما قد تنحذف) وليس ذلك بصحيح، بل الحذف معها واجب وجوبه مع يا والإضافة.
فالجواب: أن ما جاء من دخول "لا" على العلم قليل وغير مقيس.
стр. 587
ألا ترى أنه اشترط في اسم "لا" أن يكون نكرة، أعني عند بنائه معها حيث قال: (عمل إن اجعل للا في نكره). فلم يحكم بدخولها وعملها في معرفة، فعلى ذلك بني هاهنا.
فالحاصل أنه لم يذكر حكم الألف واللام هنا مع النداء والإضافة سدى، وأنه إنما خصها بذكر هذا الحكم ليرى لزوم الألف واللام في غير هذين الموضعين، وعلى هذا المعنى نبه في "التسهيل" بقوله: ويلزم ذا الغلبة باقيا على حاله ما عرف به قبل دائما إن كان مضافا وغالبا إن كان ذا أداة، فأشار بقوله: باقيا على حاله إلى التحرز مما يعرض له من زوال اختصاصه بقصد تنكيره. أو ندائه.
وقوله: (وفي غيرهما قد تنحذف) "قد": المراد به التقليل هنا، وعلى هذا المعنى يستعملها الناظم في كتبه وذلك ثابت (فيما) أنشد سيبويه للهذلي:
قد أترك القرن مصفرا أنامله ... كأن أثوابه مجت بفرصاد
فقد هنا بمعنى ربما وضمير "غيرهما" عائد على النداء، والإضافة
стр. 588
المفهومين من قوله: (إن تنادي أو تضف) وذلك جائز كقوله تعالى: ﴿وإن تشكروا يرضه لكم﴾، أي يرضي الشكر لكم، وضمير "تنحذف" عائد على "أل" يعني أن حذف الألف واللام هذه التي للغلبة قد يأتي حذفها فيما عدا النداء والإضافة لكن قليلا ومثال ذلك ما حكى سيبويه من قولهم: "هذا يوم اثنين مباركا فيه".
وحكى ابن الأعرابي أن من العرب من يقول: هذا عيوق طالعا، وزعم أن ذلك جائز في سائر النجوم، ولعل ذلك بالسماع وإلا فالظاهر من الناظم أنه سماع، ولما بين أن الحذف قليل (هنا) دل على أن الإثبات هو الباب الشهير فيها والقياس المستتب وهو كما ذكر.
وهنا فرغ من بيان أقسام المعارف وبقى له قسم المضاف لم يتكلم عليه هنا فأخره إلى الموضع الأليق به، وعند ذلك تم له ما قصد من ذكر أحكام المفرد التي يجب تقديمها قبل الخوض في أحكام المركب.
***
стр. 589
الابتداء
هنا ابتدأ كلامه في الأحكام التركيبية، والتراكيب كلها راجعة عند الاعتبار إلى جملتين: جملة اسمية وهي المصدرة بالاسم، وهي جملة المبتدأ والخبر، وجملة فعلية وهي المصدرة بالفعل وهي جملة الفعل والفاعل، وإلى هاتين الجملتين ترجع التراكيب الإفادية كلها، وأما جملة المنادى نحو: يا زيد فعدها قوم جملة ثالثة مباينة للجملتين المتقدمتين فهي عندهم مركبة في الأصل من الحرف والاسم وعند الجمهور هي راجعة إلى الجملة الفعلية على تقدير نيابة الحرف عن الفعل، وهذا مذهب ابن مالك في "التسهيل" إذ قال: "المنادى": منصوب لفظا أو تقديرا بـ "أنادي"/ لازم الإضمار، وأما في هذا النظم فهو محتمل، لأنه لما فرغ من الأحكام المتعلقة بالجملتين الاسمية والفعلية ذكر بعد ذلك النداء فيمكن أن يكون ذلك مقطوعا مما تقدم، لأن كون النداء من قبيل الجمل الفعلية أمر تقديري وحكم لو ظهر لنا في معنى النداء، ويمكن أن يكون ألحق النداء بما قبله من الجملة الفعلية وأخر ذكره لما فيه من كون الفعل مقدرا أبدا، ويدل على هذا الإمكان ذكره في "باب التحذير والإغراء" (لاشتراكهما في امتناع ظهور الفعل، فهذا الثاني أظهر في قصد الناظم) وهو موافق لمذهبه في "التسهيل"، وقد شرع في ذكر الجملة الاسمية أولا وما يتعلق بها من الأحكام، ثم أتبعها بالجملة الفعلية وما يتعلق بها فأما الجملة
стр. 590
الاسمية فقال فيها:
مبتدأ زيد وعاذر خبر ... إن قلت زيد عاذر من اعتذر
وأول مبتدأ والثاني ... فاعل أغنى في أسار ذان
هذه توطئة اصطلاحية في معنى المبتدأ والخبر، تفيد التعريف بهما على الجملة فيعني أنك إذا قلت: زيد عاذر، فزيد يعرب مبتدأ وعاذر خبره، ويجري مجرى هذا ما كان نحوه من قولك: عمرو خارج وبكر منطلق، والله ربنا، ومحمد نبينا، وما أشبه ذلك، و (من اعتذر) مفعول عاذر وهو من تمام المثال.
ثم قال: (وأول مبتدأ والثاني ... ) إلى آخره "هذا نوع ثان من الجملة الابتدائية وهو ما لا يكون فيه خبر استغناء عنه بفاعل يرفعه المبتدأ لكونه عاملا عمل الفعل، وذلك الصفة فيريد أنك إذا قلت: "أسار ذان "فـ" أسار" وهو الأول مبتدأ تقدمت عليه أداة من أدوات الاستفهام، وأما الثاني: وهو "ذان" تثنية "ذا" فإنه فاعل بسار؛ لأنه اسم فاعل جار في عمله مجرى الفعل، وذلك الفاعل "أغنى" يعني عن الخبر، فلم يحتج إليه لحصول الفائدة به دون أن تأتي بالخبر فلا حاجة إلى تقديره، كما لا تحتاج إلى تقدير المفعولين لعلم إذا قلت: علمت أن زيدا قائم على طريقة بعض المتأخرين هذا ما قال على الجملة، وحقيقة معنى كلامه يتبين ببيان مثاليه: أما الأول فإن زيدا في قولك: "زيد عاذر" اسم مخبر عنه، لم يتقدم عليه عامل لفظي يطلبه برفع ولا نصب ولا جر، فكونه مخبرا عنه دل عليه قوله: "وعاذر" خبر أي: خبر عن المبتدأ الذي هو زيد، فقد بان أن زيدا مخبر عنه، وكونه لم
стр. 591
يتقدم عليه عامل لفظي بوجه من وجوه الإعراب دل عليه نفس المثال، إذ لم يتقدم عليه شيء من العوامل اللفظية، وعدم العامل قد يكون حقيقة كما مثل، وقد يكون حكما فيوجد العامل اللفظي داخلا على المبتدأ، ولكنه في حكم ما لو لم يدخل عليه عامل البتة، فلا يخرج الاسم عن كونه عادما للعامل اللفظي فقد يدخل الحرف الزائد على المبتدأ كقول الله سبحانه: ﴿هل من خالق غير الله﴾، فـ "خالق" مبتدأ وإن دخلت عليه "من"، لأنها زائدة، والزائد لا حكم له، وقالوا: بحسبك زيد، فالباء زائدة أيضا وحسبك مبتدأ خبره زيد.
وأما المثال الثاني: فإن سار في قولك: (أسار ذان) اسم أيضا قد عدم العوامل اللفظية فلم يتقدم عليه شيء منها كما في "زيد عاذر" لكن فارقه بأن هذا ليس بمخبر عنه وإنما هو صفة من الصفات التي ترفع الظاهر وقد رفعت ظاهرا على الفاعلية وهو "ذان" وتقدمت/ في أول الكلام فلم تقع جزءا من الخبر ولا خبرا، فونه عادما للعامل اللفظي ظاهر، وكونه صفة من الصفات الرافعة للظاهر كذلك، وعليه دل بقوله: (والثاني فاعل) فهي من الصفات التي شأنها هذا، فيدخل تحت مضمون المثال اسم الفاعل واسم المفعول نحو: أمضروب عبداك، والصفة المشبهة باسم الفاعل نحو: أحسن أبواك؟ وما جرى مجرى ذلك نحو: أقرشي قومك؟ وكون الصفة قد تقدمت في أول الكلام ظاهر من مثاله أيضا، فإنها إن لم تسبق لم تكن مبتدأ وإن رفعت الظاهر نحو: الزيدان قائم أبواهما، فقائم هان خبر لا مبتدأ.
وأما قوله: (فاعل أغنى) فهو بيان أن من شرط كون سار ونحوه
стр. 592
مبتدأ أن يكون مرفوعه مغنيا ومعنى قوله معنيا أن يحسن السكوت عليه لحصول الفائدة به، فإن لم يكن كذلك فمفهومه أنه ليس بمبتدأ أعني "سار" ونجوه كما إذا قلت: أقائم أبوهما؟ فقائم هاهنا لا يكون مبتدأ، إذ لا يحسن السكوت على ذلك وإن أتيت بالفاعل حتى تقول: الزيدان فتأتي بمبتدأ يكون قائم خبره، وهذا الشرط مع قوله: (أسار ذان) يخرج أيضا قولك: أقائم؟ مما يرفع الضمير ولا يرفع ظاهرا مذكورا، فإنه لا يحسن السكوت عليه من جهة أنه في حكم المفرد، والمفرد لا يكون كلاما، وإنما لم يغن ضمير الفاعل هنا وإن كان رافعه صفه تجري مجرى الفاعل، لأن الصفة تستلزمه من حيث هي مشتقة، لا من حيث قصد التركيب للإفادة، ومن هنا قيد الإغناء بقوله: (في أسار ذان) أي: أن كونه مغنيا إنما يكون في نحو: "أسار ذان" ووجه إغنائه وقيامه مقام الخبر، فلم يحتج إلى تقدير كون المبتدأ في معنى الفعل، فالجملة في قوة الفعلية كأنك أتيت بالفعل نفسه فقلت: أيسير ذان؟ ولو كان هكذا لم يحتج إلى خبر؛ لإغناء الفاعل مع الفعل وحصول الفائدة بذلك، وإذا ثبت هذا ظهر أن في قوة هذين المثالين التعريف بالمبتدأ على حد ما عرف به في "التسهيل"، إذ قال: وهو ما عدم حقيقة أو حكما عاملا لفظيا (من مخبر عنه أو وصف سابق رافع لما انفصل وأغنى.
فقوله: ما عدم حقيقة أو حكما عاملا لفظيا) هو معنى قوله: (مبتدأ زيد وعاذر خبر) إن قلت: كذا، وقوله: "أو وصف سابق رافع ما انفصل
стр. 593
وأغنى" هو معنى قوله: (وأول مبتدأ والثاني فاعل أغنى) في كذا، وقد مر شرح ذلك، فلا تظنن أنه أتى بمثالين على ظاهرهما وهكذا عادته في هذا النظم فأعطه حظا من نظرك، فإن فيه دفائن قلما يتنبه لها إلا من أعطاه حقه في التفتيش والبحث والله المستعان، و "سار" اسم فاعل من سرى يسري سرى، وهو سير الليل بخلاف سار، فإنه ليس كذلك. وأسرى أيضا بمعنى سرى و "ذان" تثنية "ذا" اسم الإشارة للقريب المذكر، ويتعلق بكلام الناظم مسألتان:
إحداهما: أنه لما أتى بالمثال الذي ناب فيه الفاعل عن خبر المبتدأ قرنه بهمزة الاستفهام، فدل ذلك من إشارته على أن لحاقها من شرط هذا الحكم، فلا يجوز إذا أن يرفع اسم الفاعل ونحوه من الصفات فاعلا منفصلا ينوب عن الخبر إذا لم يقرن بهمزة الاستفهام/ ولا بما يقوم مقامها فلا تقول: لا قائم الزيدان ولا سار ذان، وهذا تنبيه على طرف من شرط اسم الفاعل وهو أن يكون معتمدا على متقدم قبله، ومن جملة ما يعتمد عليه الاستفهام والنفي، وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله، لكن الخاص من الاعتماد بهذا الموضع هو ما ذكره، لأنه يعتمد عليه المبتدأ الذي هو في ذكره بخلاف غير ذلك من وجوه الاعتماد كوقوع اسم الفاعل خبرا، أو حالا، أو صفة، أو منادى، أو غير ذلك، فإن ذلك خارج عن باب الابتداء فإن كان كذلك ثبت أن الاقتران بهمزة الاستفهام شرط في كون المبتدأ يرفع الظاهر النائب عن الخبر وهو رأي الجمهور.
стр. 594
وذهب الأخفش إلى جواز ذلك من غير تقدم استفهام ولا غيره، فتقول قائم الزيدان وخارج الصالحون ونحو ذلك، والأصح قول الجمهور الذي اختاره الناظم؛ لأن اسم الفاعل قد تقرر فيه أنه لا يعمل حتى يعتمد، لأنه بالاعتماد يتقوى فيه جانب الفعل، لأنه إذا وقع في الصلة نائب عن الفعل، وبذلك يعمل وإن كان بمعنى الماضي، وإذا وقع صفة أو حالا أو خبرا فهو قد وقع في موضع الاسم المشتق، وأيضا ذلك موضع تقع فيه الجملة الفعلية كثيرا، والاستفهام أيضا طالب الفعل، وكذلك النفي، ولذلك يترجح معهما النصب في باب الاشتغال فلذلك لم يعمل إلا أن يعتمد، وهذا التعليل موافق للسماع إذ لم ينقل نحو: قائم الزيدان إلا نادرا بحيث لا ينبني عليه قياس، وأيضا فإن اسم الفاعل اسم محض واشتقاقه لا يوجب له العمل عمل الفعل، إذ يلزم أن يعمل كل مشتق عمل فعله الذي اشتق منه، أو من مصدره كالمسجد والمربع والمصيف والمغرفة، وما أشبه ذلك ولكنه إنما يعمل إذا تقدم ما يطلب بالفعل أو كان في موضع لا تدخل عليه فيه العوامل اللفظية التي تدخل على الاسم النعت والخبر فيقوى فيه حينئذ جانب الفعل، وهذا الاحتجاج الأخير منقول معناه من كلام السهيلي، وفيه نظر لمن تأمله، فقد ثبت رجحان ما قاله الناظم، وما احتج به الأخفش من الاشتقاق غير منتهض دليلا من حيث يشترط في عمل اسم الفاعل الاعتماد القوي بجانب الفعل وإلا فهو إلى الاسم أقرب منه إلى الفعل ولم يعمل في الماضي عند البصريين اعتمد عدم جريانه على فعله، فوجود الاشتقاق إذا عدم شرط العمل غير مؤثر في العمل ولزوم الضمير تابع للاشتقاق هكذا قالوا:
стр. 595
والحاصل أن مجرد الاشتقاق لا يكفي في إطلاق القول بجواز العمل، فإن السماع لا يساعد عليه.
المسألة الثانية: أن تمثيله بأسار ذان فيه تنبيه على الموضع الذي يتعين فيه الرفع في الثاني على الفاعلية وهو حيث يكون غير مطابق للمبتدأ إذا كان (ذان) مثنى و (سار) مفرد ولا يخبر عن المقرر بالمثنى، فلا تقول: الرجل قائمان فكذلك لا يكون (ذان) خبرا لـ (سار) البته، فلم يكن له وجه إلا الحمل على أنه مرفوع بـ (سار) على معنى أيسير ذان، أما لو كان مطابقا لكان في الإفراد محتملا لما قال، ولأن يكون الأول خبرا للثاني قدم عليه كقولك: أقائم زيد حسب ما يذكره بعيد هذا. فلا يتعين ما ذكر وإنما يتعين في غير المطابقة كما مثل./
***
ثم قال:
وقس وكاستفهام النفي وقد ... يجوز فائز أولو الرشد
أما قوله (وقس) فهو على الجملة راجع إلى حكم تقدم أو أحكام تقدمت أي: قس على ما تقدم ذكره غيره، وهذا يحتمل سبعة أوجه من التفسير:
أحدهما: أن يريد القياس على ما ذكر تمثيله من المبتدأ المخبر عنه في قوله (مبتدأ زيد وعاذر خبر)، وقوله (وأول مبتدأ والثاني فاعل) إلى آخره، وذلك أنه أتى بمثالين حكم عليهما بأعيانهما ولم يأت بما يدل على أن الحكم المذكور مقيس يجري في غيرهما فبين ذلك بالنص، كأنه قال وقس على المثالين غيرهما، فالحكم مطرد في كل واحد منهما.
стр. 596
والثاني: أن يكون راجعا إلى مسألة (أسار ذان) وهو أقرب مذكور ليبين أنه مقيس لأن المبتدأ أصله أن يؤتى له بخبر ولا يستعني عنه بغيره، فلما بين أن هذا المثال الذي عدم فيه المبتدأ خبره مقول كأنه مظنة لسبق الفهم إلى أنه مسموع غير مقيس لما عرض فيه من الخروج عن أصل الباب، فأزال هذا التوهم بقوله (وقس) أي أن هذا كثير في كلام العرب بحيث يسوغ فيه القياس وإن جاء على خلاف الأصل.
والثالث: أن يكون راجعا إلى أقرب مذكور أيضا، لكن على معنى آخر وهو أنه لما قدم الإشارة إلى (اشتراط) تقدم الاستفهام، لكنه أتى بالهمزة وحدها خاف أن يتوهم اختصاص ذلك بها من بين سائر أدوات الاستفهام، فرفع ذلك التوهم بقوله: (وقس) كأنه أراد: قس سائر أدوات الاستفهام على الهمزة، فإن الوصف إذا وليها رفع الفاعل وأغنى عن الخبر، ومثال ذلك قولك: متى ذاهب البكران؟ وأين جالس صاحباك؟ وكيف مصبح إخوتك؟ وما أشبه ذلك، فهذا مما يليق أن يكون مراده.
والرابع: أن يكون منبها على أن هذا الحكم غير مختص بالفاعل المثنى، بل هو جار في غيره من المفرد والمجموع فتقول: أسار هؤلاء؟ وأقائم الزيدون؟ ، وأفائز إخوتك؟ وكذلك المفرد على أحد الاحتمالين فيه إذا قلت: أقائم زيد؟ ، وأسار هذا؟ وقد نبه هو على أن المجموع مثل المثنى في قوله: "وقد يجوز نحو فائز أولو الرشد". وفي قوله: (والثاني مبتدأ وذا الوصف خبر) إلى آخره ..
والخامس: أن يكون راجعا إلى المرفوع بالفاعلين، فإنه قال: (والثاني فاعل أغنى) فكأنه يوهم الاقتصار على الرفع للفاعل وإن كان قياساً
стр. 597
فيه فأخبرك أن الرفع بالصفة لا يختص بالفاعل، بل قد يكون مفعولا لم يسم فاعله كقولك: أمضروب الزيدان؟ وأمكرم إخوتك؟ وما أشبه ذلك، والحكم فيهما واحد، فنبه على ذلك ليكون قد نص عليه فلا يؤخذ له بقياس.
والسادس: أن يكون قصد أن هذا الحكم لا يختص (باسم الفاعل الذي نبه عليه المثال، لأنه إنما أتى بهذا المثال من باب اسم الفاعل وإنما يتوهم أنه مختص به)، وليس في الحقيقة كذلك، بل نقول: أحسن الزيدان وأقرشي قومك؟ وإنما أراد صفة يصح رفعها للظاهر، ولم يرد كونها اسم فاعل وقد مر التنبيه على ذلك، وهذا الوجه والذي قبله يرجعان إلى قيد واحد في الحقيقة وهما وجهان من حيث الانتزاع.
والسابع: /أن يكون تنبيها على أن الصفة إذا تقدمها الاستفهام، فإن رفعها للظاهر المغني عن الخبر قياس بإطلاق لا وهن فيه ولا ضعف، فلا يتحاشى عنه، كما يتحاشى إذا لم يتقدمها شيء نحو: قائم الزيدان، فإنه لا يبلغ في الجواز رتبة ما تقدم عليه الاستفهام.
فإن قلت: فإن الخالي عن الاستفهام قياس عنده أيضا لقوله: (وقد يجوز نحو فائز أولو الرشد) وهذه العبارة مشعرة بالقياس لكن على ضعف، فلو كان مراد الناظم التنبيه على الجواز فيما تقدمه الاستفهام والتنكيت على ما لم يتقدمه لاقتضى عدم القياس فيه، لكنه لم يفعل ذلك، فدل على عدم قصده لهذا المعنى وإلا كان كالمتناقض.
فالجواب: أنه لم يقصد التنبيه على كون العاري من الاستفهام لا يقاس بخلاف غيره، بل قصد أن المعتمد على الاستفهام قياس على الإطلاق إذ قال: "وقس" ولم يقيد ذلك بضعف ولا قلة سماع، فظهر
стр. 598
من ذلك أن غير المعتمد ليس كذلك، بل هو قليل ضعيف، وكونه بحيث يقاس عليه مع ذلك أمر محتمل بينه بقوله: "وقد يجوز" وهذه الأوجه يمكن أن يكون أشار إلى جميعها بقوله: (وقس) فلا يختص التفسير ببعضها دون بعض وهو أولى؛ لأن جميعها أحكام ضرورية تقدم ذكرها بالإشارة إليها. فيبعد أن يشير إلى بعضها دون بعض مع أنها كلها قياس والله أعلم.
ثم قال: (وكاستفهام النفي) يعني أن النفي بأداة من أدواته كالاستفهام فيما تقدم له من الحكم وهو كونه معتمدا على الوصف في رفع الفاعل، فكما أن قولك: (أسار ذان)، قياس مطرد، فكذلك قولك: ما سار ذان، لأن النفي مما يعتمد عليه اسم الفاعل في عمله، كما يعتمد على الاستفهام، ومن ذلك ما أنشده فبي الشرح من قول الشاعر:
خليلي ما واف بعهدي أنتما ... إذا لم تكونا لي على من أقاطع
فإن قيل: إطلاقه النفي صريح في أن أدواته كلها صالحة لهذا الموضع، إذا كان كذلك دخل فيها "ما" التميمية نحو: ما قائم الزيدان، والحجازية إذ عدم شرط من شروط إعمالها نحو: ما إن قائم أخواك، وما قائم إلا أخواك، وهذا قد يقرب الأمر فيه، فإن أداة النفي هنا كأداة الاستفهام لا عمل لها، فتدخل على المبتدأ وما يليه، كما تدخل على الجملة الفعلية في قولك: ما قام زيد، ودخل في مقتضاه أيضا "ما" إذا عملت و "لا" إذا عملت عمل "إن" أو "ليس" و "إن" كذلك و "ليس" أيضا، ومثل هذا لا يقدم على إجازته بغير دليل وسماع يمكن أن يقاس عليه أو بنص إمام
стр. 599
تضمن القول بالقياس في هذه الأشياء وإلا جاز أن تقول بجواز دخول نواسخ الابتداء على (سار ذان) إذا جاز ليس قائم الزيدان، وما قائم الزيدان؟ وهي الحجازية، وكذلك "لا"، و "إن" اللتان كليس فتقول إن قائم الزيدان ولا قائم الزيدان، وهذا كله فيه نظر.
فالجواب: أن هذا كله قد نص على جوازه في "شرح التسهيل" عملا أطلقت الاستفهام أطلقت النفي ليتناول/ منها كل ما يصلح لمباشرة الأسماء، وذلك "ما"، و "لا" و "إن"، و "ليس" إلا أن "ليس" يرتفع الوصف بعدها على أنه اسمها ويرتفع به ما يليه فيسد مسدها، كما سد مسد خبر المبتدأ قال: وكذا الحكم بعد "ما" إن جعلت حجازية ولم ينتقض النفي، فإن جعلت تميمية أو انتقض النفي فالوصف بعدها مبتدأ، والمرفوع به ساد مسد الخبر، ثم أتى بأمثلة ذلك، فالحاصل أنه بنى هاهنا على ما بنى عليه هنالك، وأنه تضمن عهدة دخول الناسخ على مثل هذا المبتدأ، فإن كان في ذلك سماع يقاس عليه فلا عتب، وإن كان ذلك بالقياس النظري فهو غير مسلم لأمرين:
أحدهما: أنه أناب مرفوعا عن منصوب وهو خبر "ليس" و "ما" الحجازية وذلك غير موجود في كلام العرب، فإن وجد فبحيث لا يعتد به، وقد منع ابن خروف أن ينوب منصوب عن مرفوع في نحو: ضارب زيدا. قال: بل يجري عنده مجرى قائم زيد حين أناب منصوبا عن مرفوع،
стр. 600
وليس ثم فاعل ولا مبتدأ قال "فإن قلت: ضارب زيدا عمرو كان أضعف من قائم زيد لعلمه في المفعول وقد رفعته بالابتداء، وإذا لم ينب المخالف في الإعراب هنا فكذلك في مسألتنا، والموجود في كلام العرب في هذا النحو نيابة المرفوع عن مثله، أما نيابة المرفوع عن المنصوب فلابد لابن مالك من إثباتها مقدمة لمسألته، وإثباتها متعذر.
والثاني: أن عمل الصفة في باب اسم الفاعل إنما حصل في موضع قوى فيه جانب الفعلية باشتراط الاعتماد حسب ما مر، ألا ترى أن أقائم الزيدان؟ صار في معنى أيقوم الزيدان؟ وكذلك مع النفي، وإذا كان الأمر كذلك فدخول النواسخ مناف لتقوية جانب الفعل، بل هي مقوية لجانب الاسمية؛ لاختصاصها بالدخول على المبتدأ والخبر، وعدم قبولها للدخول على الفعل، فلا يسوغ إذا رفع الصفة عند دخول الناسخ، كما لا يسوغ عند التعري من الاعتماد، بل هنا أولى أن لا ترفع لتقوية جانب الاسمية فيها، فقربت بذلك من الجوامد.
ووجه ثالث- أشار إلى معناه الفارسي-: وهو ما يلزم على ذلك من دخول النواسخ على غير مبتدأ وخبر وذلك معدوم النظير، وهذا كله قد نبه عليه ابن خروف فقال: ولا ينبغي أن يجوز كان قائم زيد، على أن تجعل قائم اسم "كان" وزيد فاعلا يسد مسد الخبر؛ لأنه أناب مرفوعا عن النصب، وأدخل كان على ما ليس بمبتدأ وخبر، وعلى صفة، وقوى فيها معنى الاسمية وقد رفع بها، هذا ما قال وفيه ما ذكرت وغيره. فإن أجيب عن الأول: بأن المنصوب قد ينوب عن المرفوع كما في قولهم: ضربي زيدًا
следующие страницы →