Полный текст (5 477 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
/ تقدير معنويّ دلّ عليه الكلام، وتقديرٌ صناعيٌّ اقتضاه الاضطرارُ إلى تقدير متعلق الظرفِ أو المجرور، وأما تحصيلُ المعنى فمن هذا الظاهر، والدليلُ على هذا أنّك تقول: إنّ في الدار زيدًا، و: إنَّ عندك زيدًا، فهذا الظرف أو المجرور لو كان على تقدير كائن أو استقر حقيقةً لم يصحَّ هذا الكلام، لأن المقدّر حقيقةً كالمنطوق به، فكائن لا يلى «أنّ» إلّا منصوبا فيرتفع زيدٌ ضرورةٌ. واستقر لا يصحّ أن يلى «إنَّ» على حال، فلم يكن أن يكون مقدرًا حقيقة، وإن لم يكن كذلك فالتقدير معنويّ لا لفظي.
ويبيّن هذا أنك تقولُ: زيدٌ في الدار ضاحكًا، فتؤخرُ الحال عن العامل فيها ولا يجوز التقديم فتقول: زيد ضاحكا في الدار، إلا في نُدُور لا يُعتدُّ به، فو كان العاملُ مقدّرا حقيقة لجاز التقديمُ كما يجوز لو ظهر فكنت تقول: زيد ضاحكًا قائمٌ في الدار، كما تقولُ: زيدٌ قائم في الدار ضاحكًا؛ وفي امتناعهم من ذلك دليلٌ على أن المقدِّر غير معتبر في الحقيقة، ولذلك كان العامل (عندهم) الظرف أو المجرور بما فيه من ذلك المعى، إذ هو عِوَضُه ومُؤَدًّ معناه.
فالحاصل أنّ تقدير كائن أو استقر أَمْرٌ معنويٌّ اقتضته الصناعة، لا حقيقي لفظي، وهو تحقيقٌ في الموضع إن كان الناظم قد قصده فلفظه
стр. 667
يقتضيه، وهو رأي المحقّقين كابن السراج والفارسيّ والشلوبين وغيرهم؛ ولذلك جعلوا «زيد في الدار» قسمًا من أقسام الكلام برأسه كما فعل الفارسيّ في أوّل الإيضاح.
وإطلاقه القول بأنه هذا العامل منويٌّ، ظاهرٌ في أّنَّه عنده لا يظهر، إِذ لم يذكر خلاف ذلك، وهو مذهب المحققين، فلا يقال: زيدٌ كائن في الدار، ولا: مستقرٌّ عندك، ولا ما أشبه ذلك، كأنهم عوَّضوا الظرف وحرف الجر منهما، فلو أظهروا لكان جميعًا بين العوض والمعوض منه. وأمّا قولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآه مُسّتقرًا عِندَهُ﴾، فليس مما ظهر فيه المتعلّق، بل هو في التأويل بمنزلة «جالس» كأنه قال: فلما رآه جالسًا عنده؛ ألا ترى أنه لو حُذِفَ «مُستَقرًا» هنا وقيل: فلما رأه عنده، لم يُفِدْ؛ لأنك تقول: زيد عندي وإن لم يكن معك بالحضرة، لكنه بحيث لو أرسلت إليه لجارك. وإنما الذي يُحذفُ ويلزم حذفُه ما يكون ظهورُه وحذفُه سواء». هذا ما قال ابنُ أبي الربيع، وقال: «فتفطّن لهذا فإنه صحيح، وبه كان الأستاذ أبو علي ينفَصِلُ». فإذًا من زعم أن المتعلَّق الذي للظرف والمجرور قد يظهر، فليس زعمُه بقوِيّ، فلهذا قال الناظم: «ناوين معنى كائن»، فجعله من قبيل المعاني المئوية، والمعاني لا تظهرُ أبدًا، فكذلك كائن
стр. 668
أو مستقرٌّ لا يظهر، لأنه من قبيل المعاني التي دلّ عليها غير ألفاظها في التأويل. ثم إنَّ قوله: «ناوين معنى كائنٍ أَوِ استَقَر»، يقتضي أَنّ العامل في الظرف والمجرور هو ذلك المعنى لا غيره، إذ لو كان غيره لم يفتقر إلى تقديره ونيّته. وأيضًا هو يقتضي أن ما تحمّله الظرف من ضمير فهو / في الحقيقة محمولٌ في هذا المقَدّر لا الظرف، وكذلك ما تحمله المجرورُ هو محمولٌ في عامله لا المجرور -وأيضًا قوله: وأخبروا بظرف أو بكذا، ثم قَيَّده بنيّة كائن أو استقر، يشير، إلى أن الظَّرفَ والمجرور ليسا خبرين بأنفسهما، بل بما فيهما من ذلك المعنى المقدر، فهذه ثلاثة أشياءَ محتاجة -بحسب ما يَفْتَقِر إليه شرحُ كلامه- إلى عقد ثلاثِ مسائلَ:
المسألة الأولى: أنّ النحويين اختلفوا في العامل في الظرف والمجرور الواقعين خبرًا على ثلاثة مذاهب:
أحدهما: أن العامل فيهما معنى الكون والاستقرار، واختلفوا في هذا المقدّر، حسبما يأتي آخرِ الفصل، إن شاء الله.
والثاني: أن العامل فيهما المبتدأُ بنفسه. وهو رأيُ ابن خروف، وكأنّه استنبطه من كلام سيبويه، بل هو كالنصّ.
والثالث: أن العامل فيهما هو المخالفة، ومعنى المخالفة أنك إذا قلت: زيد أخوك، فالثاني هو الأول، وكلُّ واحدٍ منهما يرفعُ الآخر، فإذا خالفه وكان غيره انتصب بذلك المعنى. حَكَى هذا المذهب عن الكوفيين
стр. 669
السيرافيُّ وابن الأنباري في الإنصاف.
أمّا مذهب ابن خروف فهو عنده رأيُ سيبويه، وكذلك قال السيرافي: «إنه ظاهر كلامه. وهو كالنص له في باب «ما ينتصب من الأماكن والوقت». وفي أبواب الصفات.
قال ابن خروف: وهو مذهبُ المتقدِّمين من أهلِ البصرة، وحكاه ابن أبي غالب عن الأعلم. وردّه المؤلِّفُ من أوجه سبعة:
أحدهما: أنه مخالفٌ لما اشتهر عن البصريين والكوفيين من غير دليل.
والثاني: أن قائله يوافقنا على أنَ المبتدأ عامل رفعٍ، ويخلفننا بادعاء كونه عامل نصب. وما اتفق عليه إذا أمكنَ أولى، ولا ريب في إمكان تقدير خبرٍ مرفوعٍ ناصبٍ للظرف، فلا عدول عنه.
والثالث: أنه يستلزم تركيب كلام تامٍّ (من) ناصبٍ ومنصوبٍ، لا ثالث لهما، (ولا نظير لذلك).
والرابع: أنه (قولٌ) يستلزمُ ارتباط مُتباينين دون رابط، ولا نظير لذلك.
ومن ثمّ لم يكن كلامًا: زيد قام عَمْرو، حتى يقال: إليه، أو نحوه.
стр. 670
الخامس: أنّ نسبة الخبر من المبتدأ كنسبةِ الفاعل من الفعل. والواقع موقع الفاعل من المنصوبات لا يغني عن تقدير الفاعل، فكذا الواقع موقع الخبر من المنصوبات لا يُغني عن تقدير الخبر.
السادس: أنّ الظرفَ الواقع موقع الخبر من نحو: زيد خَلْفَك، نظيرُ المصدر من نحو: أنتَ إلا سيرًا، في أنّه مَنْصوب مُغنٍ عن مرفوعٍ، والمصدر منصوب بغير المبتدأ، فوجب أن يكون الظرف كذلك، إلحاقًا للنّظير بالنظير.
والسابع: أنّ عامل النصب في الظرف المذكور بإجماع من ابن خروف ومنّا لا يكون إلِلا فعلًا أو شبهه، أو شبه شبهه. والمبتدأ لا يشترط فيه ذلك، فلا يصح انتصاب الظرف المذكور به.
هذا ما رَدّ به هذا المذهب. ولابن خروف فيه نَظَرٌ يُسْتَشْعر من تقديره في شرح الكتاب، لا يليق بسطُه بما نحن فيه، فإنّ المقصود ها توجيهُ ما ذهب إليه الناظم.
وأمّا مذهب الكوفيين فردّه / أيضًا من أوجه أربعة:
أحدها: أن المخالفة بين المتباينين نسبتُها إلى كل واحدٍ مهما نسبة واحدة، وإذا كان كذلك فإعمالها في أحدهما دون الآخر ترجيح من غير مرجح.
стр. 671
والثاني: أن المخالفة بين الجزأين هي محققة في مواضع كثيرة، ولم تُعْمَل فيها باتفاق، نحو: أبو يوسف أبو حنيفة، و: زيد زهير، و: نهارك صائم. فلو صلحت المخالفة للعمل في الظرف المذكور لعملت في هذه الأخبار ونحوها لتحقق المخالفة فيها.
والثالث: أن المخالفة معنى لا يختص بالأسماء، فلا يصح أتكون عاملة، لأن العامل لا يكون غير مختص، هذا إذا كان العامل لفظًا، مع أنه أقوى من المعنى، فالمعنى، إذا عَدِم الاختصاص أحقُّ بعدم العمل لضعفه.
والرابع: أنها لو كانت صالحة للعمل لزم على مذهب الكوفيين أَلّا تعمل في الظرف عند تأخّره، لأنّ فيه عندهم عائدًا هو رافعُ المبتدأ، مع بعده بالتقدم، فإعمال ذلك العائد في الظرف لقربه مه أحق.
وإذا بطل هذان المذهبان لم يبق ما يُنْسَبُ إليه العمل إلا شيء يقدّر، وهو ما ذكره الناظم، لأنّه الذي يدل عليه الظرف والمجرور، وهو معى الكون والاستقرار والظروف والمجرورات لا يعمل فيها إلّا الفعل أو ما يعطى معناه كاسم الفاعل وغيره، أو ما يفهم من الكلام من معناه، وهذا من ذلك؛ لأن الكلام قد دَلّ على معنى الكون والاستقرار، فوجب أن يكون هو العامل. وهذا المعنى
стр. 672
لما كان ذا وجهين أحدهما: أنه يحتمل التقدير اللفظي لأنّه عامل في الظرف والمجرور. والآخر: أنه يحتمل التقدير المعنوي لأنه لا يظهر في اللفظ لقيام الظرف والمجرور مقامه، اعتبرهما الناظمُ في هذا الكلام فقال: «وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ اوْ بِحَرْفِ جَرُّ» فجعلهما بأنفسهما خبرين، ولم يعتبر أنهما من قبيل المفرد أو الجملة، ذهابًا إلى تناسي التقدير اللفظي، ثم قال: «ناوِينَ مَعْنى كائنٍ أَوِ اسْتَقَرّ»، فجعلهما معمولين لهذا المقدّر، وإذا كان كذلك لم يَبْقَ إِلّا التقدير اللفظي كضربا زيدًا.
المسألة الثانية: أنّ الضمير العائد من هذا الخبر إلى المبتدأ محمول في هذا المقدّر لا في الظرف والمجرور، لأنّهما إذا كانا في تقديره ولم يستقلّا بالخبريّةَ، فهما عند تقديره كما هُما عند إظهاره لو ظَهر. وهذا هو ظاهرُ كلام الجمهور وظاهر كلام ابن خروفٍ، بل هو مُقتَضَى ما تقدّم من مذهبه. وما نُقِل عن غيره أنّ الظرف نفسه هو المتحمِّلُ للضمير وكذلك المجرور، بما فيها من معنى الفعل الذي تتضمّناه، ولا يتعلقان بمحذوف عنده إلا في الصلة والصفة والحال. وهذه المسألة يبني البحث فيها على ما قبلها، فما صحّ هناك من المذهَبَينِ انبنى عليه هنا موافقه من أحد الرأيين.
المسألة الثالثة: أن هذا الكلام يقتضي أن الخبر في الحقيقة هو ذلك المقدر لا هذا الظاهر، لكن لا على حدٍّ ما لو ظهر، بل على تقدير أنّ الظرف والمجرور / كالعِوَضِ منه. وَدَلّ على ذلك من كلامه قولُه: «ناوِينَ
стр. 673
مَعْنى كائِنٍ أوِ استقَر فجعله منويًا لا يَظْهَرُ، وجعله أيضًا في عداد المعاني لا في عداد الألفاظ الصريحة، وجعله أيضًا مما تُنُوسِيَ في الخبريّة حتى كأنّ الظرف والمجرور هما الخبر بأنفسهما، حيث قال: وَأخبروا بكذا. وهذا يقتضي ما تقدم من مذهب ابن السراج والفارسيّ وغيرهما في كون قولك: زيد عندك، وزيدٌ في الدار - قسمًا برأسه بين المفرد والجملة. وهو مخالف لما ظهر من كلام ابن خروف أيضا ورأيه في المسألة.
وإذا ثبت هذا توجه النظر إلى قوله: «ناوينَ مَعْنى كائِنٍ أو اُستقرّ وهو يحتمل بحسب إتيانه بأو وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك منه تخييرًا في أحد التقديرين، فلك أن تُقَدِّر الخبر اسم فاعل، ولك أن تقدّره جملةً فعلية، أي: إنّ هذا بحسب التقدير المعنوي سواءٌ، كما أنك تُقَدِّر ذلك من لفظ «كان» أو «حصل»، أو «ثبت» أو «استقر»، أو «وُجِد»، أو نحو ذلك. فلا يتعيّن للتقدير لفظ دون آخر، لأنّ المرادَ المعنى العامُّ، فكذلك تقدِّر معنى الفعل هنا في صيغة فعل أو اسم فاعل؛ إذ هو تقدير معنوي أو كالمعنويّ. وهذه الطريقة جاريةٌ على ما تقدّم من مذهب ابن السراج والفارسيّ، وهو أحد المذاهب في المسألة؛ إِذْ قد اختلفوا في هذا المقدّر ما هو، على أربعة مذاهب:
أحدها: أن يقدّر فعلا مطلقًا لأنه عاملٌ في الظرف والمجرور، والأصل في العمل أن يكون للفعل، وإنما اسم الفاعل [في العمل] فرعٌ عنه، وتقدير الفعل الذي هو أصل أولى لأن الحذف تصرّف، والأصل أعرقُ في التصرُّفِ من
стр. 674
الفرع. وأيضًا فإن تقدير الفعل إذا وقع الظرفُ أو المجرور صلةً متعين، وإذا تعيّن [في موضع] وكان في موضع آخر محتملا، فالوجهُ الحملُ على ذلك المتعيِّن. ولهذا [في] النحو نظائر كثيرة.
والثاني: أَنْ يقدّر اسمُ فاعل مطلقًا، وهو رَأْيُ المؤلف في غير هذا الكتاب واستدلّ على صحّته بأُمورٍ، منها: أَنّ الفعل هنا لا يغني تقديره عن تقدير اسم الفاعل ليُستَدلّ على أنه في موضع رفع، واسم الفاعل مُغْنٍ عن تقديره، و [تقدير] ما يغني أولى من تقدير ما لا يُغني. وأيضًا فكلُّ موضعٍ وقع فيه الظرفُ أو المجرور صالحٌ لوقوع اسم الفاعل فيه، وبعض مواضعه غير صالح للفعل نحو: أَمّا عندك فزيدٌ، و: جئت فإذا عندك عَمْروٌ؛ لأن أمّا وإذا المفاجأة لا يليهما فِعْلٌ. وأيضا فالفعل المقدّر جملةٌ بإجماع، واسمُ الفاعل عند المحقّقين ليس بجملة، والمفرد أصل، وقد أمكن فلا عُدولَ عنه.
والثالث: التخييرُ بين التقديرين بناءً على تعادل المذهبين وتكافؤ الأدلة، قال ابن عصفور: وهو الصحيح عندي.
وهذه المذاهب الثلاثة مبنيّةٌ على أن التقدير لفظيّ لا معنوي كما أشار إليه الناظم، وهو المذهب الرابع في المسألة، وقد تقدّم الدليل على صحته.
الوجه الثاني: أن يكون تخييرا بين الوجهين على قول من يُخَيّر بينهما، وقد تقدّم أنه رأي ابن عصفور.
стр. 675
ووجهٌ ثالث: أن يكون خَيّر/ بين المذهبين المذكورين، وكأنه يرى تقدير اسم الفاعل أولى، لتقديم ذكره، ويكون هذا الموضعُ نظير قوله في «أل» «أَلْ حَرْفُ تعريفٍ أَوٍ اللّامُ فَقَطْ»، فقدّم ما هو عنده الأولى. وهذا هو الذي ارتضى في التسهيل، واستدلّ عليه بما تقدّم وبغيره. لكن لا ينبغي أن يُحْمَلَ كلامُه هُنا عليه؛ لأَنه إذ ذاك من التقدير اللفظي. ولذلك استدلّ على تعيين اسم الفاعل بظهوره في بعض المواضع في جملة ما استدلّ به. وهذا لا يظهر هنا مع قوله: «ناوين مَعْنَى كائِنٍ» فجعل نِيَّتَه معنويةً لا لفظيةً، وإنما يمشي هذا الكلامُ على مَذْهبِ ابنِ السّراج كما تَقدّمَ.
فإن قيل: إنّ الناظم أَطلق القَوْلَ في جَعْلِ المجرور خبرًا، وقد علم أنه على وجهين تام وغير تام، فالتام ما يُفْهم بمجرد ذِكره وذِكْرِ معموله ما يتعلّق به، نحو ما تقدم من الأمثلة. وغير التام ما ليس كذلك، كما إذا قلت: زيد بك، وتريدُ: واثق بك، أو: ناهضٌ بك، وتقول: زيدٌ في المسجد، وأنت تريد: قائم أو عاكف أو قارئ. وكذلك الظرف أيضا أَطْلَق القولَ في جعله خبرًا وكان من حَقّه تقييدُه؛ إذ منه التامُّ وغير التامِّ، فالتامُّ نحو ما تقدم. وغير التام نحو: زيد عندك، إذا أردت أنه مأسور عندك. وتقول: زيد أمامك وأنت تريد: سائرٌ أمامك، أو آكل، أو نحو ذلك. فأمّا التام فهو الذي يقع خبرا للمبتدأ كما تقدم، وأما غير التامِّ فلا يقع خبرًا البتة، وإنما يكون الخبر غيره، فيؤتى به ضرورةً فتقول: زيدٌ واثق بك، وناهض بك وعاكف في المسجد، ومأسور عندك، وسائر أمامك.
стр. 676
ولا يجوز حذفُه إلا حيث يحذف الخبر المفرد أو الجملة فتقول: أَمّا زيد فبك مأخوذٌ، وأما عمرو فبغيرك، أي: مأخوذ، فحذف كما حُذِف «قائم» إذا سألتَ: من قائم؟ فقيل لك: زيد أي: زيدٌ قائم. وما أشبه ذلك. فليس المجرورُ هنا بخير [بخبر] البتّةَ، وكذلك مثله من الظروف الناقصة. ولذلك لم يجز سيبويه في قولهم: بك زيد مَأخوذ، إلا رفع «مأخوذ»، وكذلك: اليوم قائم زيدٌ، لم يجز في «قائم» إلا الرفع وكذلك ما كان نحوهما، وذلك لأَنّ هذه الأشياء لا تقومُ مقام المقدّر، إِذ لا يُفْهم من مجرد ذكره، وإنما تقومُ مقامه إذا كانت تعطى [تعطي] معناه بمجرد ذكرها، فَكَأَنْ لا محذوف؛ قال سيبويه: «وأما بك مأخوذٌ زيدٌ، فإنّه لا يكون إلا رفعًا، من قَبِلِ أَنّ بِكَ لا يكون مستقَرًا للرجل». قال: «ويدلُّكَ على ذلك أن لا يستغنى عليه السكوت، قال: «ولو نصبت هذا لنصبت: اليومَ منطلقٌ زيد، واليوم قائم زيدٌ، وإنما ارتفع هذا لأنه بمنزلة مأخوذُ زيدٌ». فقد قات الناظمُ إًا هذا الشرطُ الضروريُّ، فيقتضي إطلاقه أن تقول: زيدٌ بك، وعمرو عليك، وأشباه ذلك، على تقدير الكون والاستقرار. وذلك غيرُ صَحِيح، إذ لا يُفْهَم معنى الاستقرار من هذه الحروف. واقتضى أن تقول: / زيدٌ أمامك، وأنت تريد: نازل أمامك، على تقديرك معنى الاستقرار. وذلك غير صحيح.
فالجواب أن الناظم لم يُغْفِل هذا الشرط البتّة، بل أشار إليه إشارة
стр. 677
[حسنة] حيث قال: ناوِين مَعْنَى كَذَا، يعني أنهم إنما أخبروا بالظرف أو بحرف الجرّ حالة كونهم مُقَدِّرين معنى الاكون والاستقرار [و] حيث [يكون] الظرفُ وحرف الجر ليعطيانه، وذلك إنما يصدُق على الظّرف التام وحرف الجرّ التام. فإذا قلت: زيدٌ في الدار، أو زيد عندك، فالمفهوم المعتاد في هذا معنى الاستقرار، فمثلُ هذا يقع خبرا. وإذا قلت: زيدٌ بك، أو عمرو إليك، فليس المفهوم هنا معنى الاستقرار. فخرج عن كونهم أخبروا به، وإن فُرِض أن المحذوف مفهوم بقرينةٍ، كما تقول: زيدٌ على أهل البصرة، أي: أمير، فهذا أيضًا من قبيل ما لا يكون حرف الجرِّ خبرا؛ إذ لا يفهم مِنْه مطلقُ الكون والاستقرار، ولذلك لما قاله سيبويه: «وتقول: عليك أميرًا زيدٌ، لأنه لو قال: عليك زيدٌ، وهو يريد الإمرة، كان حسنا». ردّ عليه ابن الطراوة وقال: وهذا وهم، لأنك وإن حذفت الأمير فأنت تريده لا مستقرًا، قال: فإظهاره وإضماره سواءُ، يعني أنه لا يجوز في الأمير إلا الرفع، لأنه هو الخبر، أظهرته أو أضمرته.
قال ابن عصفورٍ: وهذا الذي قاله حق، إلا أنّه لا يمتنع أن يكون هذا الأمير الظاهر غيرَ الخبر، ويكو حالًا مؤكدةً. قال: وعلى هذا أجاز سيبويه هذا. وعلى هذا يكون قولهم: أنا بالله ثم بك، والأمر إليك، وما أشبهه مما هو محذوف الخبر لدلالة الكلام على المحذوف، لا مما أخبر فيه بحرف الجرّ، إذ
стр. 678
ليس بمنْوِيّ فيه معنَى الكون والاستقرار، وإنما تقدير الكلام: أنا واثقٌ بالله، والأمر راجع إليك؛ فإذًا أحرفُ الجر أو الظرف على أربعة أقسام:
أحدهما: ما يفهم منه الاستقرار بنفسه، فهذا يقع خبرًا للمبتدأ على مقتضى شرطه.
والثاني: أنّ ما لا يُفْهَم منه استقرارٌ ولا غيره البتّةَ لفقد القرينة، أو لأنه لا يُؤدِّي مَعْناه، فهذا لا يقعُ خبرًا لفقد الشرط.
والثالث: ما لا يُفهَمُ منه الاستقرار، وإنما يُفْهم منه غَيرُه لقرينةٍ دالّةٍ، فلا يقع خبرًا أيضًا، لأن الذي يفهم منه غير الاستقرار، فهو إن كان محذوفًا -أعنى ذلك المفهوم- فهو الخبر، لا المجرور ولا الظرف، إلا أن هذا قسمان: قسمٌ يكون جائز الحذف كقولك: أما زيد فبعمرو مأخوذ، وأما بكر فبك. ولا شكّ في أن هذا محذوفُ الخبر، وحرف الجرّ فضلة غير تام.
وقسم لازم الحذف وإن لم يكن المحذوف هو الاستقرار نحو: زيدٌ على البصرة، وأنا بالله، والحمد لله، والأمر إليك. وهذا هو الرابع، وهو محتمل، فقد يكون من قبيل ما لا يقع خبرا؛ إذ لا يعطى معنى الكون والاستقرار بحسب مفهومه الظاهر؛ إذ المعنى: زيد والٍ على البصرة، وأنا واثق بالله، والحمدُ مصروفٌ لله، والأمر راجعٌ إليك. فهذا المفهومُ أخصّ من الكون والاستقرار، وحرف الجرّ المعطى لمعنى الاستقرار هو [في] الغالب لا غيره.
وهذا جارٍ على ما قاله ابنُ الطراوة وابن عصفور في كلام سيبويه. ويدل عليه أنه قد / يظهر في بعض المواضع بخلاف الكون والاستقرار،
стр. 679
فيخرج هذا القسم باشتراط الناظم وقد يكون راجعا إلى معنى الكون والاستقرار لِغَلَبةِ حذف ذلك المتعلّق، كقولك: الحمدُ للهِ، ﴿ولله الأَمْرُ مِنْ قبلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، ﴿ومَثَلُ نُوُرِه كَمِشكاةٍ﴾. وما أشبه ذلك؛ لأنّ العرب قَلّما تتكلّمُ هُنَا بالخبر، وإذا كان كذلك صار من جهة المعنى إلى القسم الأوّل، فيقدّر: الحمد ثابتُ لله، ومستقرّ الأمر لله، وبهذا التّقْدير تجدُ المعربين يقدّرونه ويدلُّ على هذا القصد قولهم: زيد كأسدٍ، فإن الأصل فيه: [زيد] شبيه بالأسد، فحذف اسم الفاعل وعوض منه الكاف. وهذا التعويض يدلّ على اطراح حكم «شبيه» في التقدير؛ إذ لو كان معتبرًا لم يصحّ تعويض الكاف منه، إذ لا يصح الجمع بينهما، فلا يقال: زيدٌ شبيه كعمرو. فكأنّهم رجعوا في التقدير إلى: كائن ومستقر، وأقاموا الكاف مقام شبيه في الدلالة على معنى الشبه. وهذا ظاهر. وعلى ذلك يكون هذا القسم داخلصا تحت ما يكون من المجرورات خبرًا. وبهذا الاعتبار يبقى كلامُ سيبويه في: زيدٌ على البصرة، ونحوه، محمولًا على ظاهرة، ولا يلزم اعتراض ابن الطراوة فتأمّله. وإذا تقرّرَ هذا ظهر أنّ كلام الناظم قد اشتمل على اشتراط التّمام، ودخل في ضمنه فوائد جَمّة لو تتبعتُها لطال الكلام، فتركتُ لك ذلك أيها الناظرُ في كلامه.
وإذا قلت: زيد عندك، أو زيد في الدار، فمعنى الاستقرار -إذا كان هو المراد- مفهومٌ، فإن لم ترد ذلك المعنى وقصدت: زيد مقيم، أو آكل عندك أو
стр. 680
زيد قائم، أو مُصَلّ في الدار، فليس هذا بمنوىّ معه معنى الاستقرار، فلا يكون خبرًا للمبتدأ، دلّ على المراد دليلٌ أو لم يدلّ. وهذا كله ظاهر/.
لكن فات الناظم من هذا مسألةٌ يقتضى كلامُه فيها الجوازَ وليست بجائزة، وذلك إذا أخبرت عن المبتدأ بظرفٍ مقطوعٍ عن الإضافة نحو: القتالُ قبلُ، وقيامُك بعدُ، بخلاف ما إذا أضفتَ فإنّ وقع الظرف خبرًا جائزٌ، فتقولُ: القتالُ قَبَل يوم الجمعة، وقيامُك بعدَ قيامي، وما أشبه ذلك. نصّ على ذك سيبويه، قال السيرافيّ: «ولا أعلم له مخالفًا». فمثل هذا يدخل تحت قوله: «نَاوِينَ مَعْنى كائِنٍ أَوِ استقرّ»؛ فإن تقدير هذينن مع القطع عن الإضافة وعدمه سواءٌ، فعليه المعنى. ولا يقال: إِنّ إنما أخبر عما فعلت العرب بقوله: «وأخَبروُا»، ومثل هذا الكلام إنما يصدُق على ما قالت لا على ما لم تقله، فلا اعترضا عليه؛ لأنا نقول: إن سُلِّم عودُ الضمير على العرب لا على النحويين، ففي ضمنه أنّ ذلك قياس لا يوقف منه على المسموح، ولهذا أتلى بالمسألة لا للإخبار عما فعلت العرب، وعلى هذا القصد توجّه الاعتراض، فلو صرّح بالقيد هنا ولم يشر إليه كما صرّح به في التسهيل لدخل له نحو: قيامك قبلُ، في غير التام، لكنه
стр. 681
لم يفعل، فكائن معترضًا عليه. ووجهُ كونِهِ غير تام ظاهر، لكونه قد حُذِف منه ما به تمام معناه، وهو المضاف إليه، وإن كان مرادًا في التقدير.
/ وقال السيرافي في تعليل منع وقع قبلُ وبعدُ خبرين: إنهما إذا أخبر بهما قد حُذِفَ معهما ما يعملُ فيهما، فكا حذفُ المضافِ إليه مع ذلك إجْحافًا فتجنبوه، ولابن الضائع هنا تعليلٌ هو روحُ كلام سيبويه، فتأمّله.
واعلم أن الناظم من عادته التنبيهُ على مسائل الخلاف، وعلى ارتضاء ما يرتضيه من الأقاويل. ولا شكّ أنّ مسائلَ الخلافِ على قسمين: قسم ينبني على الخلاف فيه حكم من الأحكام الكلاميّة. وقسم لا يَنبني عليه إلا أمر اصطلاحي وتحقيق صناعي لا غير، فأما الأول فالنظر في ترجيح ما رجّحه الناظم، وجَلَب الحُجَج عليه مما تَعْني الناظرَ في هذه الصناعة عموما، والشارحَ بحسب ما يتعلق بشرح النظم خصوصًا. وأما الثاني فالكلام فيه حسب ترجيح ما رجح الناظم وَجلبِ الأدلّة عليه إنّما هو من جهة ما يلزم الشارحَ من بيان مقاصد الكلام المشروح، والنزول إلى مقام صاحبه، لبيان ارتضاء ما ارتضاه، وتزييف ما زيفَه، لا من جهة أن تنبني عليه فائدةٌ؛ إذ هو خالٍ منها كمسألتنا، لأنّ كون الظرف أو حرف الجرّ يُقدر معه كائنٌ أو استقر، أو لا يقدّر معه ذلك لأنّه يودّي معناه - سواءٌ في الحكم.
стр. 682
وكذلك مسألة الابتداء وعمله في المبتدأ وحده، أو في المبتدأ والخبر، أو عدم ذلك- أمرٌ لا تنبني عليه فائدةٌ كلامية فالكلام في ذلك كله وتسويد الأوراق به لا يُجدِي في المقصود من علم النحو مَزيدًا. قال ابنُ الحاج فيما علّق على المقرب العصفُورِيّ: جملة ما أقوله أنّ كلّ خلافٍ وبَحْثٍ في هذه الصناعة لا يؤدّى إلى الوقوف على كيفيّة التكلم فهو فَضْلٌ لا يحتاج إليه، والاشتغال به بطَالة. قال: وقد أُولِع المدرِّسون بذلك، وإِن لم يكن نافعًا في تعليم الصغار، فالاشتغالُ به اشتغالُ بما لا يُغْني. وأشدّ من نقض الاشتغال به اعتقاد أن ذلك مهمّ ضَروريٌّ مُوصّل إلى معرفة حقيقة، مكسِبٌ علمًا بكلام العَرَب. ثم مضى في كلامه، ثم قال في هذه المسألة التي نحن فيها: فالغرض أن قولك: زيد في الدار، مرادف لقولك: زيد استقر في الدار، أو يستقرُّ أو مستقرّ، كلٌّ بمعنى واحدٍ.، انتهى، وهو صحيح واضح، وإذا وضح هذا فكلُّ ما أجلبه من الحجج والترجيحات في المسائِلِ التي هذا شأنها فَلْتعلم أنها مجتلبة بحسب مقصد الشرح، لا بحسب استنتاج فائدة زائدةٍ، وبالله التوفيق.
ثم أَتمّ هذا الحكم في قسم الظرف بقوله:
وَلَا يَكُونُ اسْمُ زَمانٍ خَبَرًا
عَنْ جُثّةٍ، وَإِنْ يُفِدْ فَأَخْبِرَا
لما أطلق القول في وُقوع الظرفِ خبرًا للمبتدأ، وكان المبتدأُ تارةً يكون اسم عين، وهو المراد بالجثة، وتارة يكون اسم معنى -كان من مقتضى إطلاقه أن يجوز وقوعُ ظرف الزمان خبرًا عن كلّ (جثة) كان أو معنى، كما كان
стр. 683
مقتضياً لذلك مع ظرف المكان، فهو في ظرف المكان إطلاق صحيح/، وغير صحيح في ظرف الزمان. فأراد تقييد ذلك الإطلاق، فأخبر أنّ اسم الزمان لا يكون خبرًا عن مبتدأ هو جثةٌ، غلا أن يكون الإخبار به عنه مفيدًا، فإذا أفاد جاز. وحصل من هذا ومما قبله أن الظرف إما أن يكون مكانيًا أو زمانيا، فإن كان مكايا أُخبر به عن كل اسم كان، اسم جثة نحو: زيدٌ أمامك، وعمرو خَلْفَ الحائط، والدراهم عند زيد. أو اسم معنى نحو: قُعودُ زيد مكانَك، وقيامُه خلفَ الدار، وَأَكْلُه عدك. وإن كان زمانيًا فإما أن يكون المبتدأ اسم جثةٍ أو اسم معنى، فإن كان اسم معنى أخبر عنه لحصو الفائدة بذلك، نحو: قيامُك غدًا، وسفرُ زيد بعد غدٍ، وخروج زيد يوم الجمعة. وإن كان اسم جُثّة فلا يُخبر به عند لعَدَمِ الفائدة بذلك، فلا تقولُ: زيدٌ يوم الجمعة، ولا عبد الله غدًا.
والفرق بين ظرف الزمان وظرف المكان في هذا أَن ظروف الزمان أشياءُ تحدُث وتنقضى، وما وُجِدَ منها فمشتملٌ على كلّ موجُودٍ، والجثة كلها موجودة فلا فائدة في الإخبار عنها بذلك، والمصادر وهى أسماء المعانى غير موجودة بل تحدُث، فأفاد الإخبارُ عنها بالظروف الزمانيّة. وأما ظروف المكان فَأَيُّها جُعِلت مستقرًا لشئٍ جاز أن يقع خبرًا وتقع الفائدةُ؛ لأنّ الأمكنة لا تشتملُ على كلِّ موجود، ولا تكون ظروفًا لكل واقع في الوجود لزومًا، بل قد تخلو مها وقد لا تخلو، فصار الإخبارُ بها يُحصّل ما لم يكن معلومَ الحصولِ. وبهذا أشبهت الأمكة الأشكاص فأفادَت كما أفاد الإخبار بالأشخاص.
وقد نَبّه على أصل المنع في هذه المسألة، وهو عدم الفائدة، بقوله: «وغن يُفيد فَأَخْبَرا»، فكأنّه قال: ولا يكون اسمُ زمانٍ خبرًا لجثّةٍ لعدم
стр. 684
الفائدة، فإن أفاد ذلك جاز الإخبارُ به عن الجُثّة. وتعليقهُ الجوازَ على شرطِ الإفادة هو الأصل وهو أولى من تعليقه على مواضع تُعَدُّ وتُحصَرُ، فإن حصر الآحاد قد لا يفي بجميع مواضع الإفادة، بل الغالبُ أنه لا يفي. وإنما وجهُ حصرِها ردُّها إلى أصل الجواز وهو الإفادة، فلذلك اقتصر الناظم عليه فقال: «وَإِن يُفِدْ فَأَخْبَرا». وقد حُصِرت مواضعُ الإفادة في ثمانية: أحدها: أن يشبه اسمُ الجثة اسمَ المعنى في الحدوث في وقتٍ دون وقتٍ، كالرُّطْب والكَمْأَةُ ونحوهما، كقولك: الرُّطْبُ في وقت كذا، والكَمَأَةُ وقتَ الربيع. ومنه قولهم: الهلالُ الليلةَ. وما أشبه ذلك.
والثاني: أن يكون الزمان موصوفا، نحو قولك: نحنُ في زمانٍ طيِّب. ومنه قولُ عبد الله بن مسعود ﵁: «إنكم في زمان كثيرٌ فُقهاؤُه، قليلٌ قراؤُه، كثيرٌ من يعطى، قليلٌ من يَسأَلُ». وقال امرؤ القيس:
أَلاعِمْ صَبَاحًا أَيُّها الطَّلَلُ البالِى
وَهَلْ يَعَمِنْ مَنْ كَانَ في العُصُر الخالِى
وقال الآخر:
نَحنُ -والله- في زَمَانٍ غَشُومٍ
لو رَأَيناهُ في المَنَامِ فَزِعْنا
стр. 685
/وقال أوس:
لَعَمْرُكَ إِنَّا والأَحَالِيفُ هاؤُلى
لَفِي حِقْبَةٍ أَظْفارها (لَمْ تُقَلّم)
والثالث: أن يكونَ المبتدأ عامًا واسم الزمان خاصًا أو مسئولا به عن خاصٍّ، كقولك: نحن في شهر كذا. وفي أيّ الفصول نحن؟ وهذا [كلامٌ] مخرجٌ عن حدِّه؛ إذ كان الوجهُ أن يُقال: شهرُنا شهرُ كذا، وأيُّ الفصولِ فَصلُنا؟ .
والرابع: أن يكون المبتدأ موصوفًا كقولهم: أكُلّ يوم ثوبٌ تلبسه؟ وأَكُلّ عام لك رجلٌ تَقْتُلُهُ؟ وأنشد سيبويه:
أَكُلّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوونَه
يُلْقُحِه قَوْمٌ وتَنْتُجِونه؟
والخامس: أن يكون المقصودُ ما أضيف إليه ظرف الزمان، كقولهم: زيدٌ حين طرّ شاربُه. فالمقصُودُ: زيدٌ طرّ شاربه. وكذلك: زيدٌ حين بَقَل وجههُ. [وقد] أنشد بعضُهم على هذا بيت الحماسة:
стр. 686
أَقولُ وفي الأكفان أروعُ ماجدٌ
كغُصنِ الأراك وجهُه، حين وَشّمَا
وهو مُحتَمِل.
والسادِسُ: أن يكونَ في بابِ النفي العامّ، كقول النبي ﷺ : «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده».
والسابع: أن يكون الغرضُ التأريخَ، كقولك: كان موسى ﵇ زمن فرعون، وكان إبراهيم ﵇ زمن نُمْرودٍ. ونحوه قولُ امرئ القيس:
أَلاعِمْ صَبَاحًا أَيُّها الطَّلَلُ البالِى
وَهَلْ يَعَمِنْ مَنْ كَانَ في العُصُر الخالِى
وقد تقدّم في نوعٍ آخر - وقال الفرزدقُ:
أَلَمْ تَرَ أَنّ الناسَ مَاتَ كَبِيرُهُمْ
وَقَد كانَ قبَل البعث بعثِ مُحمدِ
والثامن: أن يكون ظرف الزمان قد رفع ظاهرًا غَير جُثّة، نحو: زيدٌ
стр. 687
يوم الجمعة قيامُه؛ إذا حملت «قيامه» على أحد وجهيه.
فهذه المواضع مما أفاد فيها الإخبار باسم الزمان عن الجثة، وإِن جاء ما يُشبهها فحكمه في الجواز حكمها، والجميع منتظم في سلك قوله: «وإن يُفِدْ فأخبرا».
وبقي في هذه المسألة دَرْكٌ على الناظم من أوجه ثلاثة:
(أحدها) أنّ النَحويين إنّما يَعْرضُونَ الكلام هنا [و] ظرف الزمان فيقولون: لا يكون ظرف الزمان خبرًا عن الجثة، والناظم إنما قال: «ولا يكون اسمُ زمانٍ .. ». واسم الزمان غير مرادفٍ لظرف الزمان، لأن ظرفَ الزّمان هو اسم الزمان المنصوبُ المقدّرُ بفي من جهة المعنى، لا اسمُ الزّمان مطلقا؛ إذ اسمُ الزّمان منقسم إلى ظرفٍ وغير ظرفٍ، فكيف يكون مرادِفًا له؟ وإذا لم يكن كذلك خَرَجَ عن وضع المسألة عند غيره.
والجواب: أنّه يمكن وضعُ المسألة على أن يكون اسمُ الزمان غير ظرف؛ إذ لا يخبر به عن جثة، بخلاف المصدر، فإنّ لا يقال: زيد يومُ الجمعة برفع يومٍ، وقد يقال: القيامُ يوم الجمعة. وقال النابغة:
زَعَم الغرابُ بأنّ رحْلَتنا غَدٌ
وبِذَاك خَبرنا الغُدافُ الأَسودُ
стр. 688
رُوي هكذا برفع غَدٍ، ذكره السيرافي. وأيضًا قد تقدّم من مواضع جواز الإخبار بالزمان عن الجثة ما كان الزمانُ فيه مجرورًا بفي، وهو إذا كان كذلك لا يسمّى في الاصطلاح ظرفًا ويُسمّى اسم زمانٍ، كما لا يُسمى الظرف المرفوع/ على السّعة ظرفًا، فإطلاق لفظ اسم الزمان إذًا أجودُ من التعبير بالظرفِ. وهو مه تَنَبُّهٌ حسن.
والثاني من أَوجُهِ الدّرْك: أنّ حاصل كلامه أنّه لا يُخبر باسم الزمان عن الجثة إذا لم تقع فيه فائدة، فإن وقعَتْ فيه فائدةٌ جاز الإخبارُ به عنها. وهذا لا حاصلَ له لأمرين:
أحدهما: أن هذا المعنى قد تقدّم له عندما عَرّفَ بالكلام فقال: «كلامنا لفظٌ مفيدٌ». وهو جارٍ في كلِّ كلام، فما الحاجة إلى تكرار ذلك هنا؟ ! وإلّا فيلزم أن يشترط ذلك فيه إذا أُخْبر به عن الحدثِ؛ لأنه قد لا يفيد نحو: القتالُ في يوم، [أو] الخروج حينًا أو زماا. وكان يلزمه مثلُ ذلك في ظرف المكان والمجرور أيضًا إذا أخبر بهما. بل وفي المفرد والجملة، وكذلك سائر الأبواب هى مفتقرةٌ إلى مثل ذلك، فإن الإفاده مشترطة في الجمع فكما لا يجوز أن تقول: زيدُ يوم الجمعة، لعدم الإفاه فيه من حيث إنه معلوم، فكذلك لا يجوز أن تقول: زيد مكانا أو في مكان
стр. 689
، لعدم الفائدة. وكذلك لو قُلْتَ: السماءُ فوقنا، والأرض تحتنا، والنار محرقة، والماء يُرْوى -وطُوِّل له في القصة- فإن كان مثل هذا لا يلزم الاحتراز منه، فكذلك لا يلزم الاحترازُ منه في ظرف الزمان إذا أُخبِرَ به عن الجثة، من جهة أنه معلوم كما هو معلوم في غير ذلك. وإن كان يلزم الاحترازُ منه لزم مثلهُ في جميع الأقسام. لكن هذا غير لازم هناك فكذلك هنا.
والثاني: أنّ إخراج ظرف الزمان من ثلاثة الأقسام المذكورة آنفا يوهم في باقيها ما لا يصح، وذلك أنه إذا أخبر أن الظرف والمجرور يقعان خبرًا، ثم استثنى من مواقع ظرف الزمان ما لا يفيد، أوهم أن غيره لا يستثنى منه ذلك بل يقع خبرًا أفاد أو لم يفد. وهذا غير صحيح.
فالحاصلُ أن هذين الشرطين كان غنيًا عن الإتيان بهما، ثم ينظر إلى ما يفيدُ وما لا يُفيد من الأخبار بالظرف والمجرور بناءً على ما تقدم في التعريف بالكلام: والجواب عن الأول أنّ كلامه وكلام غيره في مسائل مخصوصة بحسب الإفادة وعدمها ليس من جهة التعريف بالكلام، بل من جهة أخرى وذلك أن من الأبواب ما يطرد أو يغلب فيها عدم الإفادة إلا بشرط، فعادة النحويين أن يُبَيِّنُوا ذلك ليكون فيه حصرٌ لما يُفيد وما لا، وضبط لما يتكلم به. وهذا [من شأنهم]؛ إذ لا يكفي في مثل ذلك مجرّد تعريف الكلام بأنه لفظ مفيد؛ ألا ترى أن غالب الإخبار بظرف الزمان عن الجثة غير مفيد، بخلاف الإخبار به عن الحدث، أو بظرف المكان أو المجرور فتجد ظرف الزمان قد حصل فيه الوصف (الذى) هو مَظنّةُ الإفادة، ومع ذلك فلم يُفِدْ ككونه معرفةً
стр. 690
بالألف واللام أوِ الإضافة، ولو كان ظرفُ المكان والمجرور كذلك لأفاد، فتقول: زيد خَلْفَك، وزيد مكان عَمْرو، وزيد في الدار. ولو قلت: زيد يوم العيد، أو زيد اليوم، أو شهر كذا، لم يُفِدْ. فهذا فرقٌ بينهما، ولأجل هذا نبّهوا على أن ظَرْفَ الزمان لا يفيد الإخبارُ به عن الجُثّةٍ/، واستثناء الناظم ما يفيد بقوله: : وإن يُفِدْ فأخبرا «. رجوعٌ إلى الأصل. ومثل هذه المسألة اشتراطُهم الإفادة في وقوع المبتدأ نكرةً حسبما يذكره، فإنّه إذا كان نكرةً غلب عليه ألّا يُفيد، فنبهوا على أنه لا يقع مبتدأ إلا إذا ساوى المعرفة بحصول الفائدة. ومثل ذلك تنبيهُ المؤلف على أن توكيد النكرة جائز (بشرط) الإفادة، ولم يشترط ذلك في توكيد المعرفة، لغَلَبة حُصُولها حين ذلك، وقد لا تحصُل فائدة مع حصول مظنتها، فلم يفتقروا إلى التبيه على ذلك اعتمادًا على ما تقدم في حدّ الكلام. فاعرف هذا أصلًا اصطلاحيا تحتاج إليه فيما يرد عليك من هذه الأشياء، وتعتمد على مقتضاه في حلِّ أمثالِ هذه الإشكالات، فتقطع به كثيرًا من التشغيب والتعسُّف الذي يقع بين الباحثين.
وبعد هذا نقول: إنّما [نَبّه] الناظم بالقصد الأوّل على ما كان مثل: زيدٌ يوم الجمعة، أو زيدٌ في شهر كذا، لأنه ظرف مُعَرّف يُفِيدُ إذا لم يقع خبرًا لجثّةٍ، ويُفيدُ مثلُه من ظروف المكان والمجرورات، ولا نَقُول: إِنّه نبّه على نحو: زيد يومًا، أو زيد في شهر؛ لأنّ نحو هذا قد ساواه فيه ظرف المكان والمجرور، وكذلك ظرف الزمان المخبر به عن الحدث، فإخراج
стр. 691
مثل هذا موكول إلى العلم بأنّ شرطَ الكلامٍ الإفادةُ، وهذا كله حَسَنٌ، وبالله التوفيق.
وعن الثاني: أن الغرض إذا كان ما تقدّم لم يلزم من هذا الإشكال شيءٌ، لأن قوله: «وإن يُفِدْ فأخبرا» رجوع إلى الأصل من اشتراط الإفادة، من حيث كان الغالب فيه عدم الإفادة، ولذلك منع أولًا الإخبار به، وإِذا كان كذلك لم يلزم منه مفهوم، لأنّ الكلام في قُوّة أَنْ لو قال: «وظرف الزمان مع الجثة غير مفيد فلا يخبر به عنها، فإن فُرِض حصولُ الإفادة به معها جاز الإخبار به عنها». فمثل هذا الكلام لا يقتضى أن غيره يخبر به أفاد أولا، فإذا كان كذلك لم يبق إِشكالٌ. والله أعلم.
والثالث من أوجه الدّرْكِ: أنّ حاصل كلام الناظم نَقَلَ الناسُ أنه مخالف للنحويين. ولم يقل به إلا ابن الطراوة؛ قال ابن أبي الربيع: ظرف الزمان يكون خبرًا عن الحدث ولا يكونُ خبرًا عن الجثة، قال: ولا أعلم في ذلك خلاقًا بين النحويين إلا ابن الطراوة فإنه ادّعى أنّ ظروف الزمان تكون أخبارًا عن الجثة إذا أفادت، فإن لم تُفِد لم تكون أخبارًا. ولا فَرْقَ في هذه بين ظروف الزمان وظروف المكان. ثم أتى بأربعة مواضع دليلًا على صحة زَعْمِهِ، وهى الأول والثالث والرابع والخامس من المواضع المتقدمة. ثم قال ابن الطراوة: فكما جاءت ظروف الزمان في هذه المواضع أخبارًا عن الجثة وأفادت، جاءت ظروفُ المكانِ أخبارًا عن الجثث ولم تُفِد، نحو زيدٌ مكانًا، فالرابط كله الفائدة بالإخبار وعدمها.
стр. 692
قال ابن أبي الربيع [مُنْفَصِلًا] عما قال: أما الهلالُ الليلة، فعلى حذف المضاف، لأن المقصود الإخبار عن ظهوره لنا، أى: حدوث الهلال الليلة. وهو تأويلُ الفارسي. وأما نحن في شهر كذا، فالمراد تعيين الشهر، ووجهُ السؤال: أَيُّ شهر شهرنا، فيقال: شهر كذا. فهو كلام/ مخرج عن حدّه، فلا يُعْتَرَضُ به. وهذا جواب الشلوبين. وأما: «أَكُلّ عامٍ نعَمٌ تَحْوُونه؟ »، فجاز لمكان الصِّفة، وكذلك ما أشبهه، فالمعنى: أكل عام أخذ نَعم؟ أكلّ يومٍ لُبسُ ثوبٍ. فالإخبار في المعنى عن الحدث، فجاز اتساعًا، ولم يخرج بذلك عن الإخبار عن الحدث، كما لا يخرج «يومان» في: صِيدَ عليه يومان -بالرفع- عن كونه ظرفًا في المعنى. وأما قوله: «وجهُه حين وشّما»، فعلى إقحام العين، اعتبارًا بأن التوشيم لا بُدّ له من زمان، والمراد: وجهه وشّم. وكذلك ما كان نحوه. قال: وإذا كان هذا كله راجعا إلى الإخبار بالمفرد عن المفرد، أو بالزمان عن الحدث، ثبت أن الإخبار بظرف الزمان عن الجثة بالقصد من غير أن يكون الكلامُ أُحيل عن طريقه لا يعقل وجُودُه؛ إذ لا فائدة فيه، بخلاف ظُروفِ المكان انتهى معنى كلامه.
стр. 693
فإذًا ظروفُ الزّمان لا يُخْبَر بها عن الجثة البتّة اتفاقًا، وما ظُنّ بخلاف ذلك فليس منها في الحقيقة. وهو ما قضٌ لقوله: «وإنٍ يُفِدْ فَأَخُبِرا». فالإشكال هنا من وجهين، أحدهما مخالفة للنحويين أو متابعته لمن خالفهم، والقطع أن مخالفَ الإجماع مخطئٌ. والثاني: أنّ الإخبار بظرف الزّمان عن الجثة قد يفيد، وهو أمر لا يعقل.
والجواب عن الأول أن نقول: كيف يثبتُ الإجماعُ مع أن ما ذكر من المواضع الثمانية قد سَلّموا وجودَها في الكلام وقياسَ أكثرها؟ ومثل تلك المواضع هى المراد عند من أجاز ذلك، فإنما يثبتُ الإجماع على المنع فيما كان على خلاف تلك المواضع وأشباهها، وليس النزاع فيه، وإن سلم ذلك فإنما يكون إجماعًا معتبرًا إذا ثبت حصوله قبل خلاف ابن الطراوة، وهذا يصعُب إثباتُه، وإذا لم يثبت فالظاهر أن المسألة خلافيّة، وإذا كانت كذلك فلا عَتْبَ على ابن مالك في ارتكابه بعض المذاهب المنقولة في مسألة اجتهاديّة. ثم إنّ أبا علي الشلوبين قد نصّ على عَيْنِ ما ذكره ابن الطراوة في كتاب «الأسئلة والأجوبة»، فقال على أثر ما ذكر جملة من المواضع المذكورة: وجُمْلةُ هذا أن ما وقعت به الفائدة من الأخبار جاز، وما لم تقع به الفائدة لم يجز، وهو ما قال الناظم بعينه، ولو كان ابنُ الطراوة بذلك مخالف للنحويين لم يرتكبه، بل كان يردّ عليه على عادته في التزامه مناقضَته، أو كان يُبَيِّنِ مخالفته لهم إن كان ارتضى مذهبه وإن سُلِّم الإجماع فليس في مسألة يَنْبَى عليها حكم، بل هو في تأويل، ويجوز الخلاف فيه وإحداث قول آخر غير ما أُجمِع عليه على الصحيح عند أهل الأصول.
стр. 694
وعن الثاني: أن ابن الطراوة وغيره إنما أرادوا أن الإخبار بظرف الزمان عن الجثة جائز حيثُ تحصُل الفائدة، من غير تعيينٍ لوجه الإفادة، من كونه على تأويل أو غير تأويل، لأن ظاهر الإسناد في قولك: الهلالُ الليلةَ، وأكل يومٍ ثوب تلبسه/، وما كان نحو ذلك على [أنّ] الجثة أُخْبِر عنها بظرف الزمان فأفاد، والوقوف مع الظاهر هو المراد، وأما التأويل فالنظر فيه ثانٍ عن جواز المسألة، والاعتماد على الظاهر والحملُ عليه -وإن أمكن غيرُه- هو مذهب ابن مالك في عربيته، وهو أصل سيبويه، بَوَّب عليه ابن جنى في الخصائص، وسيأتي التنبيه على مواضع من هذا القبيل، بحول الله ومشيئته. وأيضًا فقد يظهر القصد إلى الإخبار بنفس الظرف في نحو: نحن في زمان الصيف، أو في شهر كذا. ولا ينبغي أن يُعدَلَ به عن هذا الظاهر لأن يُقال: إنما المراد الإخبار بأن الزمان زمانُ الصيف، وأنّ الشهر شهر كذا؛ إذ لقائل أن يدّعى مثلَ ذلك في ظرف المكان مع الجثة فيقول في قولك: زيدٌ في مكان كذا: إن المعنى: مكان زيد مكان كذا. وعند ذلك يستوى الظرفان في الإخبار بهما عنن الجثة.
فإن قيل: إنما القصد الأول في ظَرْفِ المكان الإخبار بأَنّ «زيدٌ» مستقَرٌّ فيه.
قيل: وكذلك القصدُ في (النحو) قولهم: نحن في شهر كذا، أو
стр. 695
في زمان كذا، الإخبار بأنّا مستقرون فيه. وهذا مما يصعُب الجواب عنه. ويؤيِّد هذا أن تعليلهم امتناع الإخبار هنا بأنّ كلّ جُثّةٍ تستلزم الأزمة لأنها موجودة فيها، فكأن الإخبار بذلك إخبارُ بمعلوم، يقتضى أنها إذا أخبر عنها بالزمان على حالةٍ من الأحوال التي تختلف بحسبها الأزمان أو الجثث ممّا لا يكون معلومًا للمخاطب، لزوم الجوازُ كالأحداث وطروف الزمان. وقد علّل ابنُ الباذِش المنعَ بأن متعلق ظرف الزمان لا دلالة عليه مع الجثث، فإذا قلت: زيدٌ اليوم، صلح لأشياء كثيرة، لجواز أن يكون المعنى: منطلق اليوم، أو مقيم، أو غير ذلك. ولم يَقْصِرْه الاستعمال على معنىً بعينه، كما قصر ظروف المكان، وكما قصر ظروف الزمان مع الأحداث على معنى كائن أو استقرّ. ولو قُصِد غير ذلك لم يجز الحذفُ. فعلى هذا إذا فُرِضَ قصد الاستعمال لبعض ظرف الزمان مع الجثة على معنى كائن أو استقر، كتلك المواضع، جاز الإخبار بها. وهذا لا مدفع فيه، بل هو أمر معقول موافق للمنقول. وعلى الجملة فهذا الاختلافُ راجعٌ إلى اختلافٍ في عبارةٍ لا اختلافٍ في معنىً. والله أعلم.
والجثة: شخصُ الإنسانِ قاعدًا أو نائمًا، كذا قال الجوهرى. فخصّه بالإنسان كما ترى. واستعمالُ النحويين له على ما هو أعمّ من ذلك، فالجثةُ عندهم شخصُ كُلِّ متشخّص.
стр. 696
وقوله: «فأخبروا»، أراد: أَخْبِرَنْ، بنون التوكيد، فأبدلها للوقت ألفًا، وذلك سائغ.
وَلا يَجُوزُ الابْتِدَا بالنّكره
مَا لم يُفِدْ كَعِنْدَ زَيدٍ نَمِرهْ
وَهَلْ فَتًى فِيكُمْ فما خِلٌّ لَنا
وَرَجُلٌ مِن الكَرامِ عِنْدَنَا
وَرَغْبَةٌ فِ الخَيرِ خَيرٌ، وَعَمَلْ
بِرٌّ يَزِينُ. وَلْتَقِسْ مَا لَمْ يُقَلْ
أعلم أنه لما كان الغَرضُ من الكلام حصولَ الفائدة، وكان الإخبار عن غير مُعَيّنٍ لا يُفيد، كان أصلُ المبتدأ التعريف. ولهذا إذا أخبر عن معرفة لم تتوقف الإفادة على أمرٍ زائدٍ سوى التعريف، بخلاف النكرة/، فإن الفائدة في الإخبار عنها تتوقّفُ على أمرٍ زائد. قال المؤلف: ويلزم من كون المبتدأ معرفةٌ أن يكون الخبر نكرةٌ في الأصل لأمرين، أحدهما: أن كونه معرفة مسبوقًا بمعرفة يُهِمُ كونَهما صفة وموصوفًا، فيجيءُ الخبر كرةً لرفع التوهم.
والثاني: أَنّ نسبة الخبر من المبتدأ كنسبة الفعل من الفاعل، والفعل يلزم تكيره، فاستحق الخبر لشَبَهِهِ به أن يكون راجحًا تنكيرُه على تعريفه. ثم إِنّه يتصوّر فيهما أربعة أقسام:
стр. 697
أحدها: أن يكون معًا معرفتين. فهذا جائزٌ، ولا يحتاج مثله إلى التنبيه على حصول افائدة، لغلبة وجودها فيهما. وسكوت الناظم على التنبيه على هذا القسم يدلّ على ذلك. فإن فُرِض فيه عدمُ الفائدة فذلك يخرج باشتراط الإفادة في الكلام. وأيضًا فقولُه: «ولا يجوز الابتدا بالنكره»، قد يُفْهِمُ أنّ المعرفة يُبْتَدَأُ بها، فيدخل هذا القسم فيما يجوز، لأن الابتداء فيه بالمعرفة. ومثال ذلك: ﴿اللهُ ربُّكم وربُّ آبائِكُمُ الأوّلين﴾، و (محمدٌ رسولُ اللهِ)، وزيد أخوك، وهذا عبدُ الله، وشبه ذلك.
والثاني: أن يكون المبتدأُ معرفة والخبرُ نكرةً، فهذا جائز، ولا يفتقر إلى اشتراط تحصيل الفائدة لما تقدّم آنفا. وأيضًا قد نبّه بالمفهوم على جواز الابتداءِ به. ولم يقيّد الخبر بتعريفِ دون تنكير، فدخل هذا كما دخل ما قبله.
ومثاله: ﴿واللهُ عليمٌ حكيمٌ﴾ ﴿وهُوَ عليمٌ بذاتِ الصُّدُورِ﴾. وزيد قائم. وما أشبه ذلك.
والثالث: أن يكون المبتدأ نكرةً والخبرُ معرفةً.
والرابع: أن يكونا جميعا نكريين.
وهذان القسمان داخلان تحت نصِّه وقوله: وَلَا يَجُوزُ الابتدا بِالنّكِرَه ما لم تُفدْ ...
стр. 698
فنبّه على أنّ أصل النكرة والغالب (فيها) إذا وقَعَت مبتدًأ أن لا تُفيدَ، فلا يجوز الابتداءُ بها، فإن وُجِدَ في بعض ذلك فائدةٌ جاز الابتداء بها.
وهذا التقسيم الرباعي لم يَعْتَدْ به الناظمُ، وَإِن كان قد نبّه عليه في «التسهيل»؛ إذ لا كبيرَ ثمرةٍ في ذلك. وأيضًا فإن الخبر يقع ظرفًا وحرف جر، وجملة. ولا يُسمّى شيءٌ من ذلك معرف ولا نكرة، وإِنّما يوصف بذلك ما وقعت موقِعَه، فاستغنى عن الكلام في تنكيره أو تعريفه.
ثمّ إنّ الناظم نبّه على شيءٍ يَجِبُ التبيه عليه، وهو أَنّ الابتداء بالنكرة ليس مقتصرًا به على مواضع من الكلام دون أُخَرَ، ولا محصورة بشروط تتعدد، وإنما المعتبر في ذلك حصولُ الفائدة عند الابتداء بها. وذلك أنّ من المتأخرين من يقول: لا يبتدأ بالنكرة إلا بشروط. ثم ثذكر من المواضع التى وقعت فيها الفائدة مثل ما ذكره الناظم، كالجزولى، وابن عُصفور في المقرب، وابن أبي الربيع في البسيط، وغير هؤلاء فيوهِمُ كلامُهم أنّ الابتداء بالنكرة مقصور على تلك المواضع، وأن ما عداها عَرٍ عن ذلك، وليس كذلك. وذلك أن السبب الذي لأجله امتنع الابتداء بها عند النحويين المتقدمين كُلّهم، ومن اعتُبِر كلامُهم من المتأخرين، إنما هو عدم الفائدة في الإخبار عنها، والشروطُ التى يذكر هؤلاء
стр. 699
إنّما ساغ الابتداءُ بالنكرة عندها لوجود الفائدة معها في الاخبار، ولا يمكن أنْ / يكون ما عدوا مقصورا عليه الابتداءُ بالنكرة، فالاشتغال بتعدادها دون التّبيه على أصْل ذلك عناءٌ لا فائدةَ فيه. ولذلك لمّا ذكر الناظمُ منها جُملةٌ على جهةِ التمثيل ختم بقوله: «وَلْتَقِسْ ما لم تُقَلْ». اتكالًا على تحصيل أصل المسألة. وإنما يذكر متقدمو النحويين في هذا كسيبويه والأخفش والمبرّد وابن السراج ما يكثُر وجودهُ مما يُسيغُ الابتداءَ فالنكرة لوقوع الفائدة بذكر ذلك، كالوصف والعموم، ولا يُوجَد لهم في ذلك حصرٌ. والدليل أنّ المعتبر عندهم في ذلك الجوازٍ والمنعٍ أنما هو حصول الفائدة وعدمها، أنه قد تَتّصِفُ النكرةُ ثم لا يكون في الاخبار عنها فائدة، فلا يجوز الإخبار عنها. نَصّ على ذلك سيبويه فقال في باب «كان»: «ألا ترى أنك لو قلت: كان إِنسانُ حليمًا، أو كان رجلٌ منطلقا، كنت تُلبِسُ، لأنه لا يُستنكرُ أن يكون إِنسانٌ هكذا». فهذا نصٌّ بأنّ المانع من ذلك فَقْدُ الفائدة في الخبر. وقال في بابٍ بعده، بعد ما ذكر «ما أحد مثلك»، لا، وأمثلة نحوه: «وإنما حسن الإخبار هنا النكرة لأن المخاطب قد يحتاج إلى أن تُعلِمه هذا». وتَمّمَ هذا المعنى ثم قال: «ولو قلت: كان رجلٌ في قوم عاقلا، لم يحسُن، لأنه لا يُستنكر أن يكون في الدنيا عاقل». فهذا نصٌّ أيضا بأن الصنعة إذا لم تكن مفيدة،
стр. 700
فوجودها كعدمها. وذكر أيضًا ذلك المبرد في «المقتضب»، والأخفش في «الأوسط» وشَفَى فيه ابنُ السّراج في «الأصول» وقال في بعض كلامه: «وإنما يُراعَى في هذا الباب الفائدةُ، فمتى ظَفِرتَ بها في المبتدأ وخبره فالكلامُ جائز، وإلا فلا معنى له في كلام العرف ولا في كلام غيرهم». فلأجل هذا اعتنى الناظم ببيان الموجب للابتداء بالنكرة، ولم يحفل بحَصْرِ ما لا ينحصرُ. ثم أخذ يذكر أمثلة مما حصلت فيه الفائدة فجاز الإخبار، وهي ستة:
أحدها: «عند زيد نَمِرَةٌ». فهذا مبتدأ قد أُخبر عنه بظرف مختص بإضافته إلى معرفة، وقَدّم عليه، فحصل بسبب ذلك الإفادة. ولو قُدّم هذا المبتدأ لم يُفِد الإخبارُ إذا قلت: نَمِرَةٌ عند زيد. وكذلك لو كان الظرف غير مضافٍ أو مضافًا إلى نكرة نحو: مكانًا رجل، أو عند رجل نَمِرَةٌ. فإذًا كُلُّ نكرةٍ أُخبِرَ عنها بمثل هذا الإخبار المفيد جاز الابتداءُ بها. والمجرور في حكم الظرف إذا قلت: في الدار رجل، ولزيد مالُ. وما أشبه ذلك. وكذلك إذا قلت: أمام زيد رجلٌ، وخلفك غُلَامٌ، وأمام بكر فرس، ونحو ذلك.
وإنما أفاد الابتداءُ بالنكرةِ على هذا الترتيب، لأنّ تقديم الظرف والمجرور نَصٌّ في أنه الخبر، وأما إذا قلتَ: نَمِرَةٌ عند زيدٍ، فإن الظرف يحتمل أن يكون صفة للنكرة، فينتظر السامع الخبر. فَقُدِّم [لرفع] هذا الاحتمال.
стр. 701
هذا توجيه ابن مالك في الشرح، وردّه بعض النحويين بأن ذلك الاحتمال غير بالغ بدليل قولهم: زيدٌ القائم، والقائم بإجماع النحويين يجوز أن يكون صفة، ولا يلزم أن يتقدم على المبتدأ لهذا الاحتمال باتفاق.
وأجاب ابن عصفور عن هذا بالفرق بينهما من جهة أن النكرة أحوج للوصف من المعرفة. وقد وُجّه بغير هذا.
والنَمِرَةُ: بُرْدة من صوف تلبسها الأعراب. والنّمَرِةُ أيضا: مؤنث النّمِر، وهو سَبُعٌ أخبث من الأسد. والجمع: نُمور.
والمثال الثاني: «هل فتًى فِيكُم؟ ». وهو نكرة تقدمّها/ أداة استفهام، فحصلت الفائدة بسببه. ووجهُ حصولها أن الاستفهام سُؤَالٌ عن غير معيّن ليعيّن في الجواب، فهو لا يقتضى فيما دخل عليه إلا إبهامه، فأشبه أداة العمومِ الحاصرة، فحصلت الفائدة. ويشمل هذا المثال بالمعنى كُلّ أاةٍ من أدوات الاستفهام، نحو: أجل عندك أم امرأة؟ ومن في الدار؟ وما جاءَ بك؟ وأىُّ رجلٍ قائم؟ .
والمثال الثالث: «ما خِلٌّ لنا». وهذا نكرة تقدّمها أداة نفي، فأفاد بسبب ذلك. وَجْهُ حُصُولِ الفائدة أنّ النكرة في سياق النفي تَعُمٌّ، وإذا عَمّت كان مدلولُ النكرةِ جميعَ أفراد الجنس، فصارت النكرةُ عد ذلك في معنى المعرفة، فأفادت.
والخِلّ والخليلُ: الصاحبُ الذي خَلَصَت مَحبّتُه.
стр. 702
والمثال الرابعُ: «رجلٌ من الكرام عندنا». فرجل نكرةٌ موصوفة بقوله: «من الكرام» أى: كائن من الكرام، أفاد الابتداءُ بها لأجل وصفها، لأنك لو لم تَصِفْها فقلت رجلٌ عندنا، لم يُفِدْ، كما أنك لو أزلْتَ حرف النفي أو حرف الاستفهام من المثالين قبلُ فعَلْتَ: «فتىً فيكم» و «خِلٌّ لنا»، لم يحصل معنًى يُفادُ. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنّ مُّشركٍ﴾، ﴿ولأمَةٌ مُّؤمنةٌ خَيرٌ مِنّ مُّشركَةٍ﴾.
وإنما أفادت هنا لأنّ النكرة إذا وُصِفَت أفادها الوصفُ بعضَ اختصاصٍ فتقرُبُ بذلك من المعرفةِ، فتحصل الفائدة؛ قال سيبويه: «ولو قلت: كان رجل من آل فلان فارسًا، حَسُن؛ لأن هذا قد يَحتاجُ إلى تُعلِمَه أن ذلك في آل فلان، وقد يجهله، ووصف النكرة [الذى] أشار إليه يُصور على أربعة أوجه، وجميعها تحصُلُ الفائدة في الابتداء بالنكرة بسببه:
أحدها: هذا، وهو أن يكون الوصف والموصوف معًا ملفوظا بهما، وهو ما مَثّل الناظم.
والثاني: أن يكون الوصفُ مقدّرًا، نحو: السمنُ مَنَوان بدرهم. فمنوان: مبتدأ محذوفُ الصِّفة، والتقدير: مَنَوان منه بدرهم. ومنه أيضا قولهُ تعالى: ﴿يَغْشَى طَائِفةٌ مِنْكُمُ، وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهم﴾. فقوله: (وطائفةٌ): مبتدأ
стр. 703
في تقدير الوصف، أى: وطائفة أخرى، [أو] وطائفة من غيركم. كذا قدره المؤلف، يعنى المنافقين. ومنه قولُ امرِى القيس:
إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِها انْحَرفَتْ لَهُ
بِشِقٍّ، وَشِقٌّ عِنْدَنَا لَمْ يُحَوَّلِ
أى: وَشِقٌّ آخَرُ غيرُ مُحَوّل.
والثالث: أن يكون الموصوفُ محذوفًا، وقامت الصفةُ مقامه، نحو قولك: ضاحك في الدار. وحكاه ابن عُصفور عن الكوفيين. وهو صحيح في الاعتبار.
والرابع: أن تكون النكرة موصوفةٌ من جهة المعنى، وذلك في التصغير، نحُو: رُجَيلٌ في الدار. كأنه قال: رَجُلٌ صغيرٌ في الدار. ولذلك لا يعمل اسم الفاعل إذا صُغِّر، كما أنه لا يعمل إذا وُصِفَ قَبل العمل. فالمُصَغّر عندهم بمنزلة الموصوفة فهذه الأقسام الأربعة يشملها كلامُ الناظم، لأنه أتى بمثالٍ النكرةُ فيه موصوفة، كأنه قال النكرة الموصوفة يجوز الابتداءُ بها لإفادتها. وهذه العبارة تشمل ما كانا فيه ملفوظا بهما، وما لا، وإلّا فلو كان مرادُه ما لُفِظ فيه بهما لأوهم أن الوصف على غير ذلك لا يفيد، فلا يُبْتَدأ بالنكرة إِذْ ذاك وهذا غير صحيح.
стр. 704
والمثال الخامسُ: «رَغْبَةٌ في الخيرِ خَيْرٌ». فهنا نكرة تعلّق بها معمول، وهو المجرور، فأفاد الإخبارُ عنها. ولم لم يتعلّق بها شيءٌ لما أفادت، نحو: رَغْبةٌ خيرٌ. ويجرى مجرى هذا ما كان مِثله في كون النكرة عاملةٌ في معمول. ومن ذلك قول النبي ﷺ : / «أَمرٌ بمعروفٍ صدقةٌ، ونهىٌ عن منكر صدقة». ويدخل في عداد هذا الصفة إذا رفعت الفاعل -على مذهب الأخفش- نحو: قائمٌ الزيدان؛ إذ هو لا يشترط الاعتماد. ومه أيضًا قولك: قولٌ الخيرَ أحسنُ من قولٍ الشرّ، وإكرمٌ زيدٌ عمرًا حَسَنٌ. وما أشبه ذلك.
ووجهُ الإفادة هنا أن النكرة قد حصل لها بالمعمول بعض الاختصاصِ، كما حصل لها بالصفة، فأشبهت المعرفة بِقُرْبِها منها، فأفادت.
والمثال السادس: «عَمَلُ بِرٌّ يزينُ». وهنا نكرة أضِيفت إلى نكرةٍ فأفاد الابتداءُ بها، وأيضًا نكرة لم يُرَد واحدُ من جنسها دون غيره، فاحتمل المثال القصدين.
أما الأول فهو الظاهر لوجود الإضافة، ومنه في القرآن الكريم ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُه﴾. وفيه أيضا: ﴿وَالذِينَ كَسَبُوا السّيئَات
стр. 705
جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمثلها﴾. وفي الحديث: (خَمُسَ صَلواتٍ كتَبَهُنّ اللهُ عَلَى العِبَادِ).
ووجه الإفادة هنا ما في الإضافة من إعطاء الاختصاص المقرّب من المعرفة.
وأما الثاني فهو ممكنٌ أن يريده وإن كان فيه إضافةٌ؛ إذ هو في ذلك مرادف لما لا إضافة فيه، وذلك أن قولهم: تَمرةٌ خيرٌ من جَرَادةٍ، ورجلٌ خيرٌ من امرأة. لم يُريدُوا فيه واحدًا معيّنا، ولا أَيضًا الجنسَ كلّه، وإنّما أرادوا أنّ واحدًا من هذا الخبر -أىّ واحدٍ كانَ- خيرٌ من واحدٍ من هذا الجنسِ، أىّ واحدٍ كانَ. فالنكرة هنا لمّا كانت المرادة بغير عينها في القصدِ الأولِ، كانت في الإخبار عنها كالمعرفَةِ إذا كانت مرادةً بعينها، فحصلت الفائدة. وأيضا لما لم يكن المرادُ واحدًا بخصوصه، أشبه الاسم العام، فأفاد الإخبار. وكذك الحكم في مثال الناظم وإن كان مضافًا؛ لأن قوله: «عَمَلُ بِرٌّ يزينُ»، يمكن أن يُرَادَ به: عمل برٍ، أىّ عَمَلٍ كان، كأنه يقول: أَيّ عمل كان من أعمال البرّ اتصف به الرجل فهو يَزِينُه. وهذا صحيح في القصد.
وقد جعل قولهم: تمرةٌ خيرٌ من جَرَادة، مما قصد به العموم، وبه قال المؤلف في الشرح، وهو سبب الإفادة، على قوله. وقال غيره. إن سبب
следующие страницы →