Полный текст (5 477 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
هذا توجيه ابن مالك في الشرح، وردّه بعض النحويين بأن ذلك الاحتمال غير بالغ بدليل قولهم: زيدٌ القائم، والقائم بإجماع النحويين يجوز أن يكون صفة، ولا يلزم أن يتقدم على المبتدأ لهذا الاحتمال باتفاق.
وأجاب ابن عصفور عن هذا بالفرق بينهما من جهة أن النكرة أحوج للوصف من المعرفة. وقد وُجّه بغير هذا.
والنَمِرَةُ: بُرْدة من صوف تلبسها الأعراب. والنّمَرِةُ أيضا: مؤنث النّمِر، وهو سَبُعٌ أخبث من الأسد. والجمع: نُمور.
والمثال الثاني: «هل فتًى فِيكُم؟ ». وهو نكرة تقدمّها/ أداة استفهام، فحصلت الفائدة بسببه. ووجهُ حصولها أن الاستفهام سُؤَالٌ عن غير معيّن ليعيّن في الجواب، فهو لا يقتضى فيما دخل عليه إلا إبهامه، فأشبه أداة العمومِ الحاصرة، فحصلت الفائدة. ويشمل هذا المثال بالمعنى كُلّ أاةٍ من أدوات الاستفهام، نحو: أجل عندك أم امرأة؟ ومن في الدار؟ وما جاءَ بك؟ وأىُّ رجلٍ قائم؟ .
والمثال الثالث: «ما خِلٌّ لنا». وهذا نكرة تقدّمها أداة نفي، فأفاد بسبب ذلك. وَجْهُ حُصُولِ الفائدة أنّ النكرة في سياق النفي تَعُمٌّ، وإذا عَمّت كان مدلولُ النكرةِ جميعَ أفراد الجنس، فصارت النكرةُ عد ذلك في معنى المعرفة، فأفادت.
والخِلّ والخليلُ: الصاحبُ الذي خَلَصَت مَحبّتُه.
стр. 702
والمثال الرابعُ: «رجلٌ من الكرام عندنا». فرجل نكرةٌ موصوفة بقوله: «من الكرام» أى: كائن من الكرام، أفاد الابتداءُ بها لأجل وصفها، لأنك لو لم تَصِفْها فقلت رجلٌ عندنا، لم يُفِدْ، كما أنك لو أزلْتَ حرف النفي أو حرف الاستفهام من المثالين قبلُ فعَلْتَ: «فتىً فيكم» و «خِلٌّ لنا»، لم يحصل معنًى يُفادُ. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنّ مُّشركٍ﴾، ﴿ولأمَةٌ مُّؤمنةٌ خَيرٌ مِنّ مُّشركَةٍ﴾.
وإنما أفادت هنا لأنّ النكرة إذا وُصِفَت أفادها الوصفُ بعضَ اختصاصٍ فتقرُبُ بذلك من المعرفةِ، فتحصل الفائدة؛ قال سيبويه: «ولو قلت: كان رجل من آل فلان فارسًا، حَسُن؛ لأن هذا قد يَحتاجُ إلى تُعلِمَه أن ذلك في آل فلان، وقد يجهله، ووصف النكرة [الذى] أشار إليه يُصور على أربعة أوجه، وجميعها تحصُلُ الفائدة في الابتداء بالنكرة بسببه:
أحدها: هذا، وهو أن يكون الوصف والموصوف معًا ملفوظا بهما، وهو ما مَثّل الناظم.
والثاني: أن يكون الوصفُ مقدّرًا، نحو: السمنُ مَنَوان بدرهم. فمنوان: مبتدأ محذوفُ الصِّفة، والتقدير: مَنَوان منه بدرهم. ومنه أيضا قولهُ تعالى: ﴿يَغْشَى طَائِفةٌ مِنْكُمُ، وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهم﴾. فقوله: (وطائفةٌ): مبتدأ
стр. 703
في تقدير الوصف، أى: وطائفة أخرى، [أو] وطائفة من غيركم. كذا قدره المؤلف، يعنى المنافقين. ومنه قولُ امرِى القيس:
إِذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِها انْحَرفَتْ لَهُ
بِشِقٍّ، وَشِقٌّ عِنْدَنَا لَمْ يُحَوَّلِ
أى: وَشِقٌّ آخَرُ غيرُ مُحَوّل.
والثالث: أن يكون الموصوفُ محذوفًا، وقامت الصفةُ مقامه، نحو قولك: ضاحك في الدار. وحكاه ابن عُصفور عن الكوفيين. وهو صحيح في الاعتبار.
والرابع: أن تكون النكرة موصوفةٌ من جهة المعنى، وذلك في التصغير، نحُو: رُجَيلٌ في الدار. كأنه قال: رَجُلٌ صغيرٌ في الدار. ولذلك لا يعمل اسم الفاعل إذا صُغِّر، كما أنه لا يعمل إذا وُصِفَ قَبل العمل. فالمُصَغّر عندهم بمنزلة الموصوفة فهذه الأقسام الأربعة يشملها كلامُ الناظم، لأنه أتى بمثالٍ النكرةُ فيه موصوفة، كأنه قال النكرة الموصوفة يجوز الابتداءُ بها لإفادتها. وهذه العبارة تشمل ما كانا فيه ملفوظا بهما، وما لا، وإلّا فلو كان مرادُه ما لُفِظ فيه بهما لأوهم أن الوصف على غير ذلك لا يفيد، فلا يُبْتَدأ بالنكرة إِذْ ذاك وهذا غير صحيح.
стр. 704
والمثال الخامسُ: «رَغْبَةٌ في الخيرِ خَيْرٌ». فهنا نكرة تعلّق بها معمول، وهو المجرور، فأفاد الإخبارُ عنها. ولم لم يتعلّق بها شيءٌ لما أفادت، نحو: رَغْبةٌ خيرٌ. ويجرى مجرى هذا ما كان مِثله في كون النكرة عاملةٌ في معمول. ومن ذلك قول النبي ﷺ : / «أَمرٌ بمعروفٍ صدقةٌ، ونهىٌ عن منكر صدقة». ويدخل في عداد هذا الصفة إذا رفعت الفاعل -على مذهب الأخفش- نحو: قائمٌ الزيدان؛ إذ هو لا يشترط الاعتماد. ومه أيضًا قولك: قولٌ الخيرَ أحسنُ من قولٍ الشرّ، وإكرمٌ زيدٌ عمرًا حَسَنٌ. وما أشبه ذلك.
ووجهُ الإفادة هنا أن النكرة قد حصل لها بالمعمول بعض الاختصاصِ، كما حصل لها بالصفة، فأشبهت المعرفة بِقُرْبِها منها، فأفادت.
والمثال السادس: «عَمَلُ بِرٌّ يزينُ». وهنا نكرة أضِيفت إلى نكرةٍ فأفاد الابتداءُ بها، وأيضًا نكرة لم يُرَد واحدُ من جنسها دون غيره، فاحتمل المثال القصدين.
أما الأول فهو الظاهر لوجود الإضافة، ومنه في القرآن الكريم ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُه﴾. وفيه أيضا: ﴿وَالذِينَ كَسَبُوا السّيئَات
стр. 705
جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمثلها﴾. وفي الحديث: (خَمُسَ صَلواتٍ كتَبَهُنّ اللهُ عَلَى العِبَادِ).
ووجه الإفادة هنا ما في الإضافة من إعطاء الاختصاص المقرّب من المعرفة.
وأما الثاني فهو ممكنٌ أن يريده وإن كان فيه إضافةٌ؛ إذ هو في ذلك مرادف لما لا إضافة فيه، وذلك أن قولهم: تَمرةٌ خيرٌ من جَرَادةٍ، ورجلٌ خيرٌ من امرأة. لم يُريدُوا فيه واحدًا معيّنا، ولا أَيضًا الجنسَ كلّه، وإنّما أرادوا أنّ واحدًا من هذا الخبر -أىّ واحدٍ كانَ- خيرٌ من واحدٍ من هذا الجنسِ، أىّ واحدٍ كانَ. فالنكرة هنا لمّا كانت المرادة بغير عينها في القصدِ الأولِ، كانت في الإخبار عنها كالمعرفَةِ إذا كانت مرادةً بعينها، فحصلت الفائدة. وأيضا لما لم يكن المرادُ واحدًا بخصوصه، أشبه الاسم العام، فأفاد الإخبار. وكذك الحكم في مثال الناظم وإن كان مضافًا؛ لأن قوله: «عَمَلُ بِرٌّ يزينُ»، يمكن أن يُرَادَ به: عمل برٍ، أىّ عَمَلٍ كان، كأنه يقول: أَيّ عمل كان من أعمال البرّ اتصف به الرجل فهو يَزِينُه. وهذا صحيح في القصد.
وقد جعل قولهم: تمرةٌ خيرٌ من جَرَادة، مما قصد به العموم، وبه قال المؤلف في الشرح، وهو سبب الإفادة، على قوله. وقال غيره. إن سبب
стр. 706
الإفادة هنا قصد المفاضلة بي نوعين، فهو الموجب لذكر واحدٍ لا يدلُّ على العموم. ولو قال الناظم هنا: «وَعمَلُ برٍ خيرٌ من عمل شرّ»، أو شبه ذلك، لكان مثله. فهذه ستة أمثلة مما وقع فيها الابتداءُ بالنكرة لإفادته، أتَى بها ليُرشِدَ بها إلى مواضع الإفادة في الابتداءِ بالنكرة، ولذلك أتمّ المسألة بقوله: «وَلْتَقِسُ ما لم يُقَلْ». يعني أنّ مواضع الإفادة غير محصورة فيما قيل هنا، بل القياسُ جارٍ في كل نكرة أفاد الابتداء بها، ليس على ما يظهر من كلام هؤلاء المتأخرين الذين يحصُرون الإفادةَ في مواضعَ توهم أن الإفادةَ لا تتعدّاها، وإن كان قصدهم كقصد الناظم فإنهم لم يُصَرّحوا به حتى نَتَبَيّن مرادهم، كما بيّن الناظمُ مراده، والإ فلو أرادوا ظاهرَ كلامهم لكان غير صحيح، من حيث تَحجرت لهم مواضع كثيرة أفاد فيها الإبتداء بالنكرة وليست مما عدُّوا.
وليس فيما عدّوا موضعٌ إلا ويُتَصور فيه عدم الإفادة. وَيتبيّن ذلك بحول الله، وبه يتم شرح كلام الناظم، أما الذى نَقَصهم فيذكر إثر هذا./ وأمّا أنّ ما عَدُّوا يتَصور فيه عدمُ الإفادة فلأن الموضع الأول مما ذكر الناظمُ لا يختصّ بالإفادة، لو قلت: عند الناس درهم، أو في الدنيا رجل، لم يُفِدْ. وهو في القيود مثل: «عند زيدٍ نَمَرِةٌ».
стр. 707
والثاني كذلك؛ إذ قلت: هل امرأة في الأرض؟ وهل شخص عاقل؟ ونحو ذلك لم يحصل به فائدة؛ إذ لا يستفهم أحدٌ عن مثل هذا، لضرورة العلم به وكذلك الثالثُ إذا قُلْتَ: ما حمارٌ بِمُتكلِّمٍ. وما بحر لنا. وما أشبه ذلك.
وكذلك الرابع، قال سيبويه: «لو قلت: كان رجل في قوم عاقلا، لم يحسن لأنه لا يستنكر أن يكون في الدنيا عاقل». ومثل هذا لا يُفيد كثير التأنّي والافتراض.
ولو قلت في الموضع الخامس: أكلٌ للخبز مفعول، وشربٌ للماء معمولٌ به. وما أشبه ذلك، لكان عبثًا من الكلام.
وكذلك السادس إذا قلت: عَمَلٌ رجلٍ موجود. وخَبَرُ امراةٍ سُمِع، وغلام إنسان قائم.
فهذه أمثلةُ مثل الأمثلة التى أتى بها الناظم، ولم يحصل بها فائدة زائدة فبِحقٍ ما قال: «ما لم يُفِدْ»، وقوله: «وَلْتَقِس ما لم يُقَلْ»، أى: اعتبر ما حصلت به الفائدة فأجز الابتداءً به.
وأكثر ما ذكر هؤلاء المتأخرون من ذلك، على ما جمعه بعض شيوخنا، عشرون موضعًا، تقدم للناظم منها ما ذكر، ومنها:
стр. 708
أن يكون في المبتدأ معنى العموم كقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُون﴾، (قُلْ: كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتهِ).
ومنها: أن يكون فيه معنى الحصر، نحو قولهم: شئٌ ما جاءَ بك، وشرٌّ أهَرّ ذا ناب، لأنّه مقدّر بالفاعل، أى: ما جاءَ بك إلا شيءٌ، وما أهَرّ ذا نابٍ إلا شرٌّ.
ومنها: أن يكون فيه معنى الدعاءِ، نحو قول الله تعالى: ﴿سَلَامُ عَلَى إِلْ ياسِين﴾. وقولهم: سلامٌ عليكم. وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلمُطَفّفين﴾ و ﴿وَيْلٌ يومئذ للمكذّبين﴾.
ومنها أن يكون فيه معنى التعجّبِ، كقولهم: عَجَبٌ لزيد! ومنه عند طائفة: ما أحسنَ زيدا! في مذهب سيبويه وغبر عن ابن مالك: بأن يكون فيه معنى الإبهام. وهو صحيح في: ما أحسن زيدا! كما قال.
ومنها: أن يكون فيه معنى الشرط، نحو: من يكرمِنى أكرمْه. فمن:
стр. 709
مبتدأ، خبره: يكرمنى.
ومنها: أن يكون فيه معنى الفعل، وهو داخل في تمثيل الناظم بقوله: «ورغبة في الخير خيرٌ، ويعمّ معنى الفعل أيضا ما فيه معنى الدعاء، ومعنى التعجب في قولهم: عَجَبٌ لزيد.
ومنها: أن يكون في جواب من سأل بالهمزة وأم، فقال: أرجل في الدار أم امرأة؟ فإن جواب ذلك أن يقال: رجل، أى: في الدار. لانحصار الجواب بين الاسمين، فلا يكون الجواب إلّا بأحدهما.
ومنها: أن يكو مقرونا بواو الحال. وهذا راجعٌ إلى ما قالوه من التنويع، لأنه مُثِّل بقوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمّتْهُمْ﴾ .. الآية. وكلاهما راجعٌ إلى النكرة الموصوفة كما مر وقد مثّله المؤلف بقول الشاعر:
رَحَلْنَا فسَلّمْنَا، فَسَلّمَ كارِهًا
عَلَينا، وَتَبْرِيحٌ مِنَ الْوَجْدِ خَانِقُهْ
ومنها: أن يكون معطوفا أو معطوفًا عليه. أما عطفُه فهو ما أنشده المؤلِّف من قول الشاعر:
عِنْدِى اصْطِبارُ، وَشَكوى عند قاتِلَتىِ
فَهَلْ بأعجبَ مِنْ هَذا امْرؤٌ سَمِعَا؟ !
стр. 710
وأما العطفُ عليه فنحو قول الله تعالى: ﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْروفٌ﴾. على أن يكون التقدير: طاعةٌ وقولٌ معروفٌ أمثل. وهو أحدُ تَقْدِيرىْ سيبويه. وقالوا: شهرٌ ثرى، وشهرٌ ترى، وشهرٌ مرعَى.
ومنها: الجريان مجرى المثل، كقولهم: أمتٌ في الحجر لا فِيكَ.
ومنها: أن يكون فيه معنى الأمر، نحو قول الله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾.
ومنها: أن يتقدم على النكرة شئ من معمول خبرها، كقولهم: فيها أسدٌ رابضٌ -فأسدٌ: مبتدأ، ورابضٌ هو الخبر، وفيها: متعلّق برابض، لقول العرب إنّ فيها أسدًا رابضً.
стр. 711
والذين خَصُّوا الابتداء بالنكرة بمواضعَ معلومة لم يَرْفَعُوها إلى هذا العدد. وإنّما عدّها ابنُ أبي الربيع عشرة مواضِعَ، وكذلك ابنُ عصفُورٍ في المقرِّب نحوا من أربعة عَشَر موضعًا، ومنها أشياءُ متداخلةٌ، فقد قَصَّر عَدُّهم، واقتضى حيث منع الجائزُ لم يذكروه. وأيضًا فقد يفيدُ في المثالِ الأوّلِ من أمثلة الناظم حيث يكونُ الظرفُ أو المجرور غير مختصّ، كقوله ﵇: «في أربعين شاةٌ». وعليه نقول: في خَمْسِ ذَوْدٍ شاةٌ، وفي عشرٍ شاتان، وفي أربعين دينارًا دينارٌ. وما أشبه ذلك. ويفيد أيضًا وإن لم يتقدم الظرف أو المجرور، كقول امرئ القيس:
مُرَسّعَةُ بين أَرْساغِهِ
بِهِ عَسَمٌ يَبَتغِى أَرْنَبَا
وحكي ابن الحاج عن شيخه الشلوبين أنه كان لا يمنع: رجلٌ في الدار - ولكن يقول: الأكثر والأحسن في ذلك التقديم، كأنهم آثروا أن لا يقدّموا إلا موضع الاهتمام والعناية.
فإن قلت: إن «مرسّعةٌ» كالخَلَفِ من الموصوف.
стр. 712
قيل: الموصوف لم يتخصّص ولا دلّ عليه دليل، فلا أثر له في تحسين الابتداءِ بالنكرة، كما أنه لا أثر للصفة في قولك: رجل من قوم عاقِلٌ. وأيضًا فإنّ التقديم عند الشلوبين لموضع الاهتمام والعناية، كأن المعنى: الدار فيها رجل، لا لمعنى آخر، يدلّ على ذلك التزامُ تقديمه حيث كان يسوغُ الابتداء بالنكرة باتفاق، وذلك قولك: ما في الدار رجلٌ. فالأحسنُ في هذا تقديم الخبر لأنه الذى أوقع الفائدة الحاصلة بكونه معرفة. ولذلك حكى من كلامهم: ما له سَبَدُولا لَبَدٌ، وما في الدار أخذ. وفي التنزيل: ﴿مَا لَهُمْ مِن مّحِيصٍ﴾، ﴿مَا عَلَيكَ مِنْ حِسَابِهِمُ مِنْ شيءٍ﴾. وهو كثير جدًا ففى الدار رجلٌ، من هذا بلا شك. وهو أحسنُ ما وُجِّه به هذا الموضع. وعلى هذا قد يُفيدُ: هل فتى فيكم؟ بغير استفهام، وما خل لنا، بغير نفي، ورجل من الكرام عندنا، بغير صفة. فقد ثبت بهذا كلّه أن المقصودَ حصولُ الفائدة. وبالجملة ما يفيد وما لا يفيد إنما يرجع الحكم فيهما إلى الأغراض والمقاصد الخاصّة. بشخصٍ شخصٍ وحالٍ حالٍ وقد يكون ما هو مفيدٌ لشخص مّا غير لآخر، وحَصْرُ ما يختلف بحسب الأشخاصِ والأحوال والمقاصد صعبٌ عسير. فالحقُّ ما فعل الناظم، وعلى هذا القانون يجرى الكلام في قوله في حدّ الكلم: «لفظ مفيد». فقد يكون الكلام
стр. 713
مفيدًا في بعض المواضع دون بعض/ كما تقدم، وذلك على إحدى الطريقتين المذكورتين هنالك.
وبقي من النظر في هذه المسألةِ النظرُ في قوله:
ولا يَجُوزُ الابتدِا بالنكره ... ما لم يُفِدْ ... ... ...
إلى ماذا يرجع الضمير في «يُفِدْ»؟ وهو محتمل وجهين:
أحدهما: أن يعود إلى الابتداء، أي: ما لم يُفِد الابتداءُ بالنكرة. هذا هو الظاهر.
والثاني: أن يعود إلى غير مذكور، لكنه مفهوم من سياق الكلام، وهو الكلام المبتدأ فيه بالنكرة، كأنّه يقول: لا يجوزُ الإبتداءُ بالنكرة إِلا إذا أفاد الكلام بذلك.
والفرق بين الأول والثاني: أنّ الأول يعطى أن الفائدة تحصُل من جهة النكرة لأنها موصوفة أو عامة، أو على حالة تقوم في الابتداء بها مقام المعرفة، كما تبيّن. فالفائدة منسوبة للنكرة، لا لغيرها. وأما الثاني فلا تتقيّدُ الإفادة بذلك، بل المعنى أن الفائدة إذا حصلت من الكلام كانت بسبب تقييد المبتدأ، أو تقييد الخبر لا المبتدأ، فالابتداء بالنكرة جائزٌ. وبيهما فرقٌ في الحكم، لأنه قد يكون الابتداءُ بالنكرة جائزًا لا لمسوِّغٍ فيها نفسها، بل لمسوغ يعطيه الخبر، إذا قُيِّدَ بِقَيْدٍ، لو لم يُقَيّد به لم يحصل من الكلام فائدة، كقولك: «إنسانٌ صَبَر على الجوع عشرين يومًا، ثم سار أربعة بُرْدٍ في يومه، وفعل كذا، وتصرّف في كذا، وهو في سنّ الشيوخ». فهذا لم يُوجِبْ له الفائدةَ إلا تقييدُ الخبرِ لا تقييدُ المبتدأ.
стр. 714
وهذا المنزَعُ لابن الحاج في تقييده على «المقرّب» لابن عصفور، ولم آره لغيره. وفيه يقول: ما من مثال يمتنع لأجل الابتداء بالنكرة إلا وهو جائز إذا كثرت قيودُ خبره، وذلك أنّ امتناعه إنما هو لأنه لا ينكر أن يكون في الدنيا مخبر عنه بمثل ذلك الخبر، قال: فإذا قيّدت الخبر تقييداتٍ كثيرةً وضيّقت عمومه، صار مفيدًا، فجاز لذلك قال وتمثيلُ ذلك أنّ سيبويه قد نصّ على امتناع: كان إِنسانٌ حليمًا، فلو قيّدت خبره -كما ذكرتُ- لساغَ ذلك وجاز، فكنت تقول: كان إنسانٌ حليمًا عند قَتْل أَحبِّ ولده إليه. وأتى على آخر الفصل.
فمثل هذه الفائدة لم يعطها تقييد المبتدأ، ولا كانت من جهته، فلم يكن عودُ الضمير على «الابتداءِ» بصريح في إعطاءِ هذا المعنى، بخلاف ما إذا عاد على الكلام. والله أعلم.
[ثم قال]:
وَالأَصُلُ فِي الأَخْبَارِ أَنْ تُؤَخَّرَا
وَجَوَزُوا التّقْدِيمَ إِذْ لا ضَرَرَا
لما قَدّم أولًا الأحكام المتعلّقة بكلّ واحد من المبتدأ والخبر على حِدَتِه، وذلك التعريف بكل واحدٍ منهما، والعال [فيه]، وما يجوز أن يقع مبتدأً أو خبرًا -أخذ الآن في ذكر بعض الأحكام المتعلقة بكل واحد منهما بالإضافة إلى الآخر، وذلك التقديم والتأخير، فعرّفَ أولًا بقاعدة أَصْلية، وهى أن الأصل في المبتدأ
стр. 715
أن يكون مُقدما على الخبر، والأصل في الخبر التأخيرُ عن المبتدأ.
ولما كان كل واحد من الحُكْمين لازمًا عن الآخر اقتصر على أحدهما فقال: «والأصل في الأخبار أَنْ تُؤَخّرا». ولزم منه أن الأصل في المبتدآت أن تقدّم.
وقوله: «أن تُؤَخّر»، يعنى/ عن المبتدآت، فحذفه للعلم به، لأنّ كلامهم فيهما.
وما قاله صحيح؛ لأن المبتدأ -حسبما تقدّم- عامل في الخبر، ورتبة العامل التقدم على معموله، كالفعل وما أشبهه. وأيضا فهو الكثير في الاستعمال، والكثرة دليل الأصالى؛ وتقرر في الأصول أن الأصالة على ثلاثة أقسام: أصالة قياسية فقط. وأصالة استعمالية فقط، وأصالة مطلقة، وهى التى عَضَد القياسُ فيها الاستعمال. والأصالة هنا من القسم الثالث؛ لأن القياس قد عَضَدَ فيه الاستعمالَ؛ فالقياس أن العامل مقدم على المعمول، والاستعمال أن هذا هو الأغلب في الكلام، أعنى تقديم المبتدأ وتأخير الخبر ثم أردف بأصل ثانٍ استعمالِىّ، وهو إجازةُ تقديم الخبر على المبتدأ فقال: «وجَوّزُوا التقديم». يريد تقديم الخبر على المبتدأ. وإنما كان هذا أصلًا استعماليًا، لأن القياس غيرُ عاضدٍ له، بل هو معارضٌ، حيث اقتضى لزوم الخبر موضعه من التأخير، فلولا السماعُ لاقتصر على الأول. ووجهُ هذا الأصل الاستعمالي أن العامل المتصرِّفَ في نفسه حقِّه أن يتصرّفَ في معمولة بالتقديم والتأخير ما لم يَعْرِضْ عارض، والمبتدأُ متصرّفٌ في نفسه فينبغي أن يتصرّفَ في معموله. والتصرُّفُ في
стр. 716
المبتدأ: هو كونه باقيًا على أصل وَضْعِه من كونه صالحًا لأن يكون فاعلًا أو مفعولًا ومضافًا. هكذا قالوا: والتصرف في العوامل: أن يكون العاملُ باقيًا على أصله لم يتغيّر عن حاله الذى له بأصل الوضع، كخرج وخارج، وكذلك المبتدأ. فإن لم يكن كذلك لم يُسَمّ متصرِّفا، ولم يتصرّف في معموله. هذا معنى التصرفِ عند المحققين كالرّماني وغيره ومحلّ بيان المسألة الأصولُ.
فإذا كان كذلك جاز في المبتدأ -الذى هو متصرّف في نفسه- أن يتصرفَ في معموله، وهو الخبر، بالتقديم عليه، فتقول: قائم زيدٌ، ومُصَلِّ أخوك، وضربتُه زيدٌ، وقائمٌ أبوه زيدٌ. وما أشبه ذلك.
والضمير في «جَوّزوا» إما أن يعود على العَرَب، وإما على النحويين. فإن كان عائدًا على النحويين فيريردُ بالنحويين أهلَ البصرة، فإنّ الكوفيين مَنَعوا تقديم خبر المبتدأ عليه اعتمادًا على أن ذلك يودّى إلى تقديم ضمير الاسم على ظاهره؛ ألا ترى أنك إذا قلت: قائمُ زيد، كان في قائم ضميرٌ يعودُ على زيد؟ وكذلك إذا قلت: أبوه قائم (زيد)، فالهاء في أبوه عائد على زيد؛ فقد تقدم ضمير الاسم عليه. والأغلب أن رُتبة الضمير العائد على الاسم بعد ذلك الاسم، فوجب أن لا يجوزَ تقديمهُ عليه. وإن كان عائدًا على العرب فهو إشعارٌ بوجودِ ذلك سماعًا؛ وقيام الحجة (به) على الكوفيين، وذلك قد أتى في
стр. 717
النظم والنثر، فقد قالوا: مَشْنُوءٌ من يشنَؤُك. فَمَشْنُوءٌ خبر المبتدأ الذى هو: من يَشْنَؤُكَ، وقد عاد [منه] الضميرُ على متأخر. وكذلك قالوا: تميمي أنا. وقال الشاعر:
بَنُونا بَنُو أَبنائِنا وَبَنَاتُنَا
بَنُوهُنْ أبناءُ الرّجالِ الأَبَاعد
وأيضا إن مَنَعُوه لأجل عود الضمير على ما بعده -على الجملة- فذلك الذى يوجب جوازه لما جاء في كلام العرب من ذلك، فقد قالوا: «في بيته يؤتى الحَكَمُ»، و «في أثوابه يُلَفُّ الميتُ»، وفي التنزيل الكريم (فأوجَسَ في/ نفسه خيفةٌ موسى). وقال زهير:
مَنْ يَلْقَ يَومًا عَلَى عِلّاتِه هَرِمًا
يَلْقَ السماحَةَ مِنْه والنّدَى خُلُقا
وقال الأعشى ميمون:
أصَابَ المُلُوكَ فَأَفْناهُمُ
وَأخْرَجَ مِن بَيْتهِ ذا جَدَنْ
стр. 718
وهذا أكثر من أن يُحصَى، فالحقّ جوازُ المسألة، وهو ما رآه الناظم ونقله، وقد نبّه على صحة القياس في عود الضمير على ما بعده هنا بقوله: «إذْ لا ضَرَرا»، أى: في جواز تقدّم الخبرِ على المبتدأ، وإن عاد فيه الضميرُ على ما بعده، وذلك أن أصل الضمير عوده على ما قبله وإن كان مفسّره لفظيًا، فَمَرْتَبَتُه ما اتصل به التقديم، نحو: زيد ضربته، وعمرو قائم أبوه، والزيدان قاما، وأكرمتُ زيدًا فأعطيته كذا. لكن قد يتأخّر صاحب الضمير عنه حيث تعيّن له مرتبة التقديم، نحو قولك: ضَرَب غلامه زيدٌ، فالهاء في «غلامه» عائدةٌ على زيد، وهو متأخر، ومع ذلك فهو جائز بإجماع من الفريقين البصريين والكوفيين. وإنما أجازوه لأن مرتبة زيدٍ، وهو الفاعل، مُقَدّمة على رتبة الغلام، وهو المفعول، فزيد متأخبرٌ في اللغظ متقدّم في الأصل، فاعتبر أصله فجازت المسألة كما لو كان في رتبته لفظًا فكذلك يجب أن حال المبتدأ مع خبره، لأن أصل المبتدأ التقديمُ؛ فإذا كان متأخرًا في اللفظ فهو متقدِّمٌ في الأصل، لأنّ رُتْبَتَه التقديم، فإذا كان له ما يُحْرِزُ رُتْبَته فلا ضَرَرَ في تأخيره عن ضميره -وإنما يكون الضررٌ فيما إذا كان الضمير عائدًا على ما بعده، ورتبة صاحبه التأخير فهنالك يلزم المحذورُ ويحصلُ الضّررُ القياسي، نحو: ضرب غلامهُ زيدًا، برفع الغلام ونصب زيد؛ فإن هذا غير سائغ في القياس ولا موجودٍ في السماع إلا شاذًا. وعلى أن المؤلف قد حكى الإجماع في جواز نحو: في داره زيد، وهذا الإجماع قد لا يثبت مع هذا الخلاف المذكور، نقله ابنُ الأنبارىّ في «الإنصاف» له -فالخلاف موجود، ودليل السماع بالجواز ناهض، وإنما الذي
стр. 719
يجب منعُه هنا ما عاد فيه الضّميرُ على ما بعده وهو في مرتبته من التقديم، كما قُلْتَ: غلامُه في دارِ زيدِ، أو مثلُها زبدًا على التمرة، أو ثوبُه على زيد، أو ما أشبه ذلك. ولذلك يجب هنا تقديم الخبر، ما سيأتى إن شاء الله. فثبت أن ما ذهب إليه الناظُم هو الصحيحُ. والضّرَرُ: الاسمُ من قولِك: ضَرّه يضره ضرًا، وهو: ضد النفع. والاسم.
الضَّرَرُ. وسمى مخالفَة القياسِ أو السماع ضَررًا، لأنّه مخالفةً في اتباعِ العرب، وخروج عن الصواب، وذلك ضررٌ في اللسان ظاهر.
ثم ذكر أنّ هذا التقديم الجائز قد يمتنعُ وقد يَجِبُ. فأمّا القسم الأول وهو امتناع التقديم، فهو الذي شَرَعَ فيه أولًا فقالَ:
وَامْنَعْهُ حَيْثُ يَسْتَوِى الْجُزْآنِ
غُرْفًا وَنُكْرًا عَادِمَىْ بَيَانِ
كَذَا إِذَا مَا الفِعْلُ كَانَ خَبَرا
أَوْ قُصِدَ اسْتِعْمالُهُ مُنْحَصِرا
أَوْ كَانَ مُسْنَدً الذى لَامِ ابْتِدَا
أَوْ لَازِمِ الصّدْرِ كَمَنْ لِى مُنْجَدِا
/ فذكر مما يمتنع فيه تقديمُ الخبرِ خمسةَ أنواعٍ:
أحدها: أن يكون المبتدأ والخبر مستويين في التعريف أو في التنكير، وذلك قولُه: «وامنعه حيث يستوى الجزآن» إلى آخره:
فالضمير في «امنعه» عائد على التقديم المذكور وهو تقديم الخبر.
стр. 720
والجزآن هما جزءا الجملة الابتدائية، لأنها من جزأين وهما المبتدأ والخبر.
والعُرفُ: مصدرُ عرفت الرجل مَعْرِفَةً وعِرْفَةً وعِرْفانا وعُرفًا أيضا. والنُّكْرُ: ضد العُرف، وقد نَكِرَه (نُكرًا) وهما في موضع الحال، كما لو قال: حيث: يستوى الجزآن تعريفا وتنكيرا، أو معرفتين ونكرتين، وعادمى بيان: حال ثانٍ منهما.
وأراد أن تقديم الخبرِ ممتنعٌ إِذا استويا في التعريف فكانا معًا معرفتين، أو استويا في التنكير فكانا معًا نكرتين، فتقول: زيدٌ أخوك، فزيد: مبتدأ، وخبره: أخوك. ولا يجوز تقديمُ أخوك البتة فتقول: أخوك زيد، على أنّ خبر مقدّم. وكذلك: صديقى زيد، والقائم زيد، وهذا محمد. وما أشبه ذلك. وكذلك إذا قلت: رجل من بنى فلان خير من زيد. لا يجوز تقديم خَيْرٍ على رَجُلٍ، على أنه خبرٌ على حاله.
ووجه المنع هنا التباسُ المبتدأ والخبر بعضهما ببعض، فلو قَدّمَتَ الخبر لم يكن ثَمّ دليل على أنه الخبر، بل كان ظاهر الأمر [يدلّ] على أن المبتدأ، فلو كان ثَمّ دليل على التقديم والتأخير لم يمتنع تقديم الخبر. وهذا مفهوم.
قوله: عادمى بيان، يريد أن المنع المذكور مختص بما إذا لم يَحْصُلْ بيانُ أن المقدّمَ هو الخبر، كما مثّل، فعلى هذا إِذا وُجِد البيان جاز التقديم فتقول في
стр. 721
نحو: زيدٌ زهير شعرًا، وعمرو حاتمٌ جودًا، وبكرٌ عنترةُ شُجاعَةٌ: زهيرٌ زيدٌ، وحاتم عَمْرٌو، وعنترةُ بكرٌ. وغير ذلك مما يكون المبتدأ فيه مشبها بالخبر. ومنه ما أنشده النحويون من قوله:
بَنُونا بَنُوَ أبنائِنا، وَبناتُنا
بَنُوهُنّ أَبناءُ الرِّجالِ الأَباعِدِ
فبنونا: خبر مقدم. وبنو أبنائنا: مبتدأ؛ لأن المعنى: بنو أبنائنا بَنُونا، أى: مثلُ بينا.
ومما قدّم فيه الخبر أيضًا لوجود البيان ما أنشده المؤلف لحسانَ بنِ ثابتٍ، ﵁:
قَبِيلَةٌ، ألأمُ الأَحْيَاءِ أكرمُها
وأَغْدَرُ النّاسِ في الجِيرانِ وَافيها
وأنشد أيضًا:
وَأَغْنَاهُما أَرْضَاهُما بِنَصِيِبهِ
وَكُلٌّ لَهُ رِزْقٌ مِنَ الله واجب
فَأَلأَمُ الأحياءِ، وأغناهما: خبران -عنده- مقدّمان. وأكرمها أرضاهما: مبتدآن مُؤَخّرا، مع التساوى؛ لأنّ المعنى لا يستقيم إلا بذلك.
стр. 722
ومن ذلك أيضا قولُ الآخر:
جَانيكَ مَنْ يجْنِى عَلَيْكَ وَقَدْ
تُعْدِى الصِّحَاحَ مَبَارِكُ الجُرْبِ
ومن الأمثلة في تنكيرها وتقديم الخبر لوجود البيان، ما رُوى في الحديث من قول النبي ﷺ : «مسكينٌ مسكينٌ رَجُل لا زوج له». فَرَجُلٌ هو المبتدأ عنده، ومسكين خبره.
واعلم أنّ هذا الحكم الذى قَرّره الناظمُ مبنيٌّ على قاعدتين:
إحداهما: أنّ المجعول خبرًا لا يصحُّ أن يُعتقد كونه مبتدأ، وبالعكس، وذلك مع بقاء المعنى في الحالة الثانية على ما كان عليه في الحالة الأولى؛ فإنه لو كان ذلك عنده صحيحا لم يمنع تقديمُ الخبر عند عدم البيان لإيهام كونه مبتدأ؛ إِذْ لو فُرِضَ الخبر / المقدّمُ مبتدأَ لم يفَسُرِ المعنى بذلك فما مُنع التقديم مع اللبس دلّ ذلك على أن المنع لأجل اختلاف المعنى عند اختلاف الاعتقادين.
والثانية: مراعاةُ اللبس، وقد أشارَ إليها بقوله: «عادِمىْ بيانِ»، يريد: فلو لم يُعدَمُ البيان لجاز تقديم الخبر؛ إِذ لا محذُورَ فيه، فلما وُجِد اللبس مع فرض التقديم مُنِع، لالتباس المعنى بالتباس الخبر بالمبتدأ.
стр. 723
فأما القاعدة الأولى فإن لعلماء العربية فيها اختلافًا، فأربابُ علم المعانى يذهبون إلى ما أشار إليه الناظم من أن الخبر إذا كان مساويًا للمبتدأ، فإن كل واحدٍ منهم إِذَا جُعِل مبتدأً والآخَرَ خبره أعطى من المعنى غير ما يعطيه العكس؛ فإذا قلت: زيدٌ أَخُوك، فهو لمن يعرف زيدًا ويطلبُ له حكما بأحدِ من يعرفه بقلبه كأنّ المخاطب قال: من زيدٌ من هؤلاء المعروفين عندى؟ فقيل له: زيد أخوك. وإذا قلت: أخوك زيد. فهو لمن يعرف أنّ له أخًا، وهو يطلب الحكم عليه بالتعيين من بين معارفه، كأنه قال: من أخى من هؤلاء؟ فقيل: أخُوك زيد. وعلى هذا تقولُ: زيد المنطلقُ، لمن يطلب أن يعرف حكما لزيد باعتبار تعريف العهد والحقيقة أو استغراقها. وتقول: المنطلق زيد، لمن في ذهنه المنطلق، باعتبار تعريف العهد [أو الحقيقة]، وهو يطلب تعينه. وعلى هذا النحو تقولُ في تنكيرهما: عَبْدٌ يسكن المسجدَ عبدٌ تقىٌّ، أو عبد تقى عَبْدٌ يسكن المسجد. وتقول: مكرمُ زيدٍ اليومَ مهنُيك غدًا. ومُهنُيك غدًا مكرمُ زيدٍ اليوم. وتقول: صلاةٌ بالليل عملٌ مخلصٌ، [وعملُ مخلصَ] صلاةٌ بالليل. وهل قائم في الدار مكرمٌ لك؟ وهل مكرمٌ لك قائم في الدار؟ وما أشبه ذلك. فأيّهما جعلت المسئولَ عنه فهو المبتدأ المعتبر تقييد في القرب من المعرفة، والآخر خبره.
وذهب إلى مذهب أهل المعاني من أهل النحو جماعةٌ كابن خروف والجُزُوليَ وابن عصفور وغيرهم، إلا أنهم قدّروا الخبر تقدير المجهول فقالوا
стр. 724
إذا قلت: زيدٌ أخوك، فزيد معروف عند المخاطب، والأخوة مجهولةٌ عنده، وبالعكس وما قالوه فيه مسامحة؛ إذ لو كان الخبر مجهولًا لم يُؤْتَ به معرفة، بل كانوا يقولون في الأول: زيدٌ أخٌ لك. وفي الثاني: أخوك مُسمّى زيدًا، أو نحو ذلك. هذا هو المطابق، فإن استعملت المعرفة في موضع النكرة فعلى خلاف الأصل، اعتبارًا بالمثال.
وذهبت طائفة من النحويين إلى أن ذلك ليس بلازم، وأن التقديم والتأخير وإن استويا في التعريف، بناء على أن المحصول واحد عند فرضِ المبتدأ خبرًا أو بالعكس، فإذا قلت: زيدٌ أخوك. فهو في معنى أخوك زيد، وإذا كان المعنى واحدًا فسواءٌ قدمت الخبر أو جعلته مبتدأً، والحكم واحدٌ، فيصبح في قولك: زيد أخوك، أن يكون زيدٌ مبتدأً في موضعه، أو خبرًا مقدمًا وكذلك [في]: أخوك زيدٌ. ويحصل من ذلك جوازُ تقديم الخبر على المبتدأ. وهو ظاهر كلام سيبويه والفارسىّ والسيرافي، ونصّ ابن جنى. بل ذكر الزجاجُ في «معانيه» قول الله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ يجوز أن / يكون (تلك) في وضع رفع على اسم (زالت)، وفي موضع نصف على خبر (زالت). قال: ولا اختلافَ في هذا بين النحويين في الوجهين.
стр. 725
وللناظم أن يحبحّ لترجيح مذهبه بأمرين:
أحدهما: أن أهل المعانى قد أطبقوا على اختلاف المعنى عند اختلاف الإعراب، كعبد القاهر، وفخر الدين الرازىّ، والسكاكى، وابن عميرة، وابن الناظم في كتبه.
والثاني: أن لقائلٍ أن يقول: إن النحويين إنما أجازوا الوجهين م حيث الأمر اللفظى، ولا شكّ أنّ المعرفتين يجوزُ -على الجُمْلة- أن يُجْعَلَ كلُّ واحدٍ منهما مبتدأً خبره الآخر. وكذلك النكرتان إذا كان لهما مسوغٌ. وبهذا المعنى تَأَوّلَ ابنُ خَروفٍ وغيرُه ظاهر كلام سيبويه في إجازة الوجهين، فكأنهم تركوا النظر في لحظ المعانى والمقاصد وأحالوه على أهله. وربما وُجد هذا للنحوين في مواضع، كما رأيتهم يجيزون في تقديم المفعول على الفاعل والفعل (وتأخيره عنهما، ويجيزون في حذف المفعول وإثباته وما أشبه ذلك اعتبارًا بالصلاحية) اللفظية، فإذا جاء أهل نظر المعانى أوجبوا كثيرا مما يجيزه النحويون أو منعوه البتة، وذلك بحسب المقاصد ومقتضيات لأحوال في أداء المعانى. فلعلّهم فَعلُوا في مسألتنا كذلك، ويتفق هذا مع قصد الناظم، ولا ينافي من حيث تعرض الناظم لما سكت هؤلاء عنه.
وأما القاعدة الثانية فإنّ مراعاةَ اللبس في كلام العرب أو عدم مراعاة
стр. 726
يشير إلى أصل ذلك أنّ وضع الكلام إنما هو للبيان عن المعاني التى في النفس، فالأصل اجتناب ما لا يحصل معه البيان من لبس أو غيره، ولذلك وصفوا الإعراب في الاسماء لأجل التفرقة بين المعاني، إذا لو لم يضعُوه لم يحصلِ الفرقُ ووقع اللبسُ حسبما قرره النحويون. ووضعوا أبنيه التصغير والتكسير والسب، والمبالغة وغير ذلك، ليتبيّن مرادهم في الأسماء والمسميات؛ إذ لا يتميز المعنى المراد من غيره دونها. ثم إِنّ العرب يعرض لها الإبهام في كلامها واللبس المبعد ع فهم المراد، إما قصدًا منها أوّليًا حتى يكون البيان مناقضا لما قصدت، كما في نحو: (فَغَشِيهم مِنَ اليمِّ ما غَشِيَهُمْ، وكما يُحذف الفاعل في: ضُرِبَ زيدٌ، والمفعول في مثل: أعطيتُ، إذا لم ترد الإعلام بالآخذ أو المأخوذ، وما أشبه ذلك. وإما على غير قصد أولىّ، بل يكون الحكم اللفظي يؤدى إليه، كما إذا استوت الصيغتان لفظا وهما مختلفتان حكما، لأجل الإعلال، كالمختار والمنقاد للفاعل والمفعول، أو لغير الإعلال، كالمصطفى للمفعول به والمصدر والزّمان والمكان، وكما في تصغير عَمْرو عُمَر وعامر أيضا في الترخيم، إذا قلت: عُمَير. وكالنسب إلى أَحَد وأَحَدَ عشر وأحد وعشرين، مُسمّى بها، إذا قلت: أَحَدِى. والنسب إلى عَصِىّ وعَصَاه إذا قلت: عَصَيوىّ. وكترك الإشمام في بِعتُ وقُلْتُ، مَبْنِييّنِ للمفعول عند من يقول: بِيعَ [قُول] وما أشبه ذلك، مما / يقع فيه اللبسُ على غير
стр. 727
قصدٍ، بل لأنّ لأحكام اللفظية اضطَرَّت إليه.
فأما (الأصل) الأوَّل من قصد البيان فلا نزاع فيه على الجملة، وأما قصدُ الإبهام فكذلك لاختلاف المقاصد باختلاف مُقْتَضِيات الأحوال. وأما عروضه على غير قصدٍ فهو موضع النظر، وقد انقسم بحسب السماع ثلاثة أقسام:
أحدها: [ما] ثبت فيه عدمُ اعتبار اللبس كالأمثلة المذكورة، فاتُّكِل في بيانها على القرائن أو البيان عند الحاجة إليه. فمن اعتبر اللبس فيه خالف العرب كالناظم في مسألة: قُلتُ بِعتُ، مَبْنِيَّين للمفعول.
والثاني: ما ثبت فيه اعتباره، فأزيل حتى ظهر المعنى المراد، أو امتُنِع من الحكم المؤدّى إليه كالتزام الترخيم على من نوى في نحو «ضاربة» ولم يقولوا فيه: يا ضاربُ، على من لم ينْوِ، لالتباس المؤنث بالمذكر. وكالتزام عُدَيِّى في تصغير عَدَوِىّ، غير مُسمَّى به، فلم يقولوا عُدَىّ فيحذفوا يائىِ النسب، لالتباسه بتصغير غير المنسوب. وكامتناعهم من النسب إلى اثنى عشر، غير مُسمّى به، خوفا من الالتباس بالنسب إلى اثنين. وكتفرقتهم في الندبة بين نحو: ظهرها وظهره، [وظهرهما]، وظهرهم. وما أشبه ذلك. وهذه جملة متفق عليها، فمن لم يعتبر هنا اللبس فقد خالف العرب والنحويين.
стр. 728
والثالث: ما لم يثبت فيه شئ من ذلك، ولا ظهر من كلامهم ما يدلّ على الرجوع إلى أحد القسمين، كلزوم تقديم الفاعل على المفعول، أو المبتدأ على الخبر، ولزوم إقامة الأول من مَفْعُولَىْ ظن مقام الفاعل خوف اللبس، وما أشبه ذلك -فاختلف النحويون في هذا القسم بماذا يُلْحَقُ؟ فجمهور المتأخرين، وابن السراج من المتقدِّمين، والسيرافي في بعض المسائل يلحقونه بالأصل الأول، وبالقسم الثاني من هذه الأقسام، فراعوا اللبس، والتزموا من الأحكام ما يرتفع بسببها ومنهم الناظم، حسبما ظهر منه هنا، وفي باب ما لم يُسمَّ فاعله، وفي باب تعدّى الفعل ولزومه، وغير ذلك.
والظاهر من المتقدمين عدمُ مراعاته وإلحاقُه بالأول من هذه الأقسام، مثل سيبويه، فإنه لا يكاد يُوجَد في كتابه تعليلُ به لمثلِ هذه الأشياءِ ولا بناءٌ عليه ولما تكلَّم في أبواب التصريف على «فُوعِلَ» ونحوه من القول أو من البيع، وأنّك تَقُول: قُووِل وبُويع علل ترك الإدْغام بعروض الواو، ولم يتعرص للبس بِفُعَّل لو قيل: قُوِّل وبُيِّعَ. ولم يتعرض أيضا لالتزام رتبة الفاعل والمبتدأ وما أشبه ذلك، بل الأظهر عدم اعتباره بذلك، كما تَقدّم ذكره. وقد تَقَدَّمَ أيضا عن الزجاج ما يشير بعدم اعتباره اللبس عند النحويين في مثل هذا القسم، وأنهم متفقون على ذلك. وكأنهم لم يبالوا بهذا الضرب من الالتباس كما لم يبالوا به في التصغير والنسب في الأسماء الأعلام دون غيرها.
وللناظم أن يُرَجِّح مذهبه بوجهين:
أحدهما: الوقوفُ مع الأصل الأول من قصد الإفهام الذي وُضِع له الكلام، فإليه ينبغي أن يرجع بالمحتملات، فإنه إذا دار الموضعُ بين أَنْ
стр. 729
يُرَدّ / إلى ما هو أصلٌ وإلى ما ليس بأصلٍ فردّه إلى ما هو الأصل أحقّ.
والثاني: أن البيان ورفْعَ اللبس في كلامهم أكثر وأشهر من الإبهام والتعمية، والحمل على الأكثر هو المتعيّن، ويبقى ما عدا ذلك موقوفًا على محلّه لا يُقاسُ عليه.
وفي القاعدتين بعد هذا نظرٌ يطولُ، وأولى المواضع به الأصول.
النوع الثاني من أنواع الخبر اللازم التأخير: أن يكون الخبر فعلًا، وذلك قوله: «كَذَا إِذا ما الفعلُ كان خَبَرا» يعنى أن المبتدأ إذا أخبر عنه بفعل، أو بجملة فعلية، فإن المبتدأ يلزمُ تقديمُه على الخبر، نحو قولك: زيد قامَ، وعَمْرو خَرَج، وبكر ضرب عمرًا، وزيد يضرب أخاك، وما أشبه ذلك. فلا يجوز هنا أن تقدّم الفعل فتقول: قام زيد، ولا: خرج عَمْرو، ولا: ضَرَب عمرًا بكرٌ، ولا يضرب أخاك زيدٌ، على أن تُبْقِي الأسماءَ على حالها من الإبتداءِ، والأفعالَ أخبارها. وهذا الحكم كأنه متفقٌ عليه بين النحويِّين إِلا أنهم اختلفوا في التعليل.
فذهب المؤلف إلى أن المانع من ذلك إيهام كون المبتدأ فاعلًا بالفعل إذا تقدّم، ولذلك لو برز الفاعلُ لجاز التقديم نحو: قاما الزيدان، وقاموا الزيدون، وكذلك: قام أبوه زيد، وضربتهُ، زيدٌ، وما أشبه ذلك. فالمانع من التقديم على مذهبه اللبس.
وذهب ابنُ أبي الربيع إلى أن الخبر ههنا إذا تقدم صار المبتدأ فاعلًا بلا بُدٍّ، لأنه -أعنى المبتدأ- قد اجتمع عليه عاملان، أحدهما
стр. 730
معنوي وهو الابتداء، والآم لفظي وهو الفعل المقدم إذ هو طالب [له] من جهة المعنى، والعامل اللفظي أقوى من العامل المعنوي؛ ولأن الفعل إن لم يعمل في ذلك الاسم وقد هُيِّئ له، لزم التهيئة والقطع، وذلك ممتنع.
وظاهرُ تعليل ابن أبي الربيع تجويزُ التقديم، إلا أن المبتدأ يتغير حكمه. بل قد نصّ على هذا المعنى، لكن حاصله يرجع إلى أن الخبر لا يكون متقدما وهو خبر، فاجتمع في المعنى مع تعليل المؤلف على امتناع التقديم.
وفي كلام الناظم هنا نظر من وجهين:
أحدهما: أن هذا الإطلاق في امتناع التقديم غير صحيح؛ إذ ليس كل خبر كان فعلا يمتنع تقديمه، بل هو على ضربين.
الأول: أن يكون فاعل الفعل ضميرًا عائدًا على المبتدأ، كزيد قام، وعَمْرو يخرج.
والثاني: أن يكون فاعله غير ذلك، بأن يكون إما ظاهرًا نحو: زيد قام أبوه، وعمرو خرج أخوك إليه. وإما ضميرًا بارزا، نحو: زيد ضربته، والزيدان قاما، والزيدُو قاموا. وإما ضميرًا غير بارز لكنه غير عائدٍ على المبتدأ، نحو: زيدٌ أَضرِبهُ، وعمرو أُكْرِمُه، وبكرٌ تَقُومْ إليه.
فأما الضربُ الأوّل فهو الذي يصحّ معه كلامُ الناظمِ للعلّة المذكورة، من إبهام كون المبتدأ فاعلا. وأما الثاني فلا يصح معه، إذ يجوز أن تقول: قام أبوه [زيدٌ]، وخرج أخوك إليه عمرو، وضربته زيدٌ، وقاما الزيدان، وقاموا الزيدون،
стр. 731
وأضْرِبه زيدٌ، وأكْرمُه عَمْرٌو، وتقومُ إليه زيدٌ. وقد بيّن هذا المعنى في التسهيل حيث قال: «إن لم يوهم ابتدائية الخبر أو فاعليّة المبتدأ» [وأنت إذا قُلتَ: قاما الزيدان، أو ضربتُه زيدٌ، لم يوهم التقديم فاعلية المبتدأ-] لان الفعل لم يتهيأ للمبتدأ فيرتفع به، أو يصح ارتفاعه به. وهكذا تحرز من ذلك في / «الفوائد المحويّة» فقال: «إلا أن يكون فِعْلًا لم يَبُرز فاعله» ولا يقالُ: لعلّه قصد ظاهر كلامه، وأنّ هذه المسائل كلّها يمتنع فيها تقديم الخبر، والعلّة كونُ الخبر فعلًا. لأنا نقول: لا يَصحُّ حملُه على هذا لمخالفته في ذلك للنحويين، وكأنه مجمعٌ عليه عندهم؛ قال ابن أبي الربيع: يجوز أن يقال: زيدٌ ضربته، وضربته زيدٌ، ونحو ذلك. قال: «ولا أعلم بين النحويين فيه خلافًا». وإذا كان كذلك لم يصحّ حملُ كلامه عليه البتّةَ.
ولعلّ ابن أبي الربيع إنما قال ذلك فيما كان نحو: زيدٌ ضربته. وأما نحو: الزيدان قاما، فلا إجماع فيه البتّة فقد حكى ابن ولّاد في سُؤَالاته لأبي إسحاق الزجاج أن أبا إسحاق قال: إن الأخفش والمبرد يجيزان: قاما الزيدان، على التقديم والتأخير، وباقي البصريين لا يجيزونه. وبهذا قد يعتذر عن الناظم في نحو: الزيدان قاما، بأن يقال: لعلّه أخذ فيه بمذهب الأكثر، وإن كان على خلاف ما ذهب إليه في
стр. 732
التسهيل والفوائد.
أما نحو: ضربته زيد، فلا يمكن الاعتذار عنه، مع عدم نقل الخلاف.
فإن قيل: فلعله خالف الإجماع هنا فمنع: ضربته زيدٌ، ونحوه، قياسًا على منع: قاما الزيدان، والسماع في المسألة معدوم أو كالمعدوم، وقد قال ابن جني: إن مخالفة إجماع النحويين سائغة.
فالجواب: أن هذا الاعتذرا لا يصح [البتّةَ]؛ إذ مخالفة إجماع النحويين كمخالفة إجماع الفقهاء وإجماع الأصوليّن وإجماع المحِّدثين، وكلّ علم اجتمع أربابه على مسألةٍ منه فإجماعهم حجة، ومخالفهم مخطئ. وهذه المسألة محل بيانها أصول النحو، وقد ذُكِر طرف منها في الأبواب الآتية من هذا الشرح، والله المستعان فكان الواجبُ على الناظم أن يقيّد هذا الإطلاق، ولا أجد الآن جوابًا أرتضيه.
والنظر الثاني: أن قوله «كَذَا إِذَا ما الفِعْل كانَ خَبَرَا»، كان من حقه أن يقول: كذا إذا ما الخبر كان فِعْلًا؛ لأن كلامه إما هو في الخبر بالنسبة إلى تقديمه وتأخيره، بحسب ما يعرض فيه، فهو المبتدأُ في المعنى المخبر عنه بما يعرض فيه من العوارض الموجبة لخروجه عن أصله، ومنها كونه فعلًا. فهذا الكلام على القلب لفهم المعنى، وهو جائز في الشعر، ونَحوٌ منه قولُ خِداشٌ بن زُهَير، أنشده سيبويه:
فَإِنَكَ لا تُبالِى بَعْدَ حَوْلٍ
أَظَبْىٌ كانَ أُمَّكَ أَمْ حِمارْ؟
стр. 733
وأنشد غير ذلك، وَوَجّهه بأن المعنى من الكلام. والأمر في هذا قريب.
النوع الثالث من أنواع الخبر الذى يلزم التأخير: أن يكون واليًا لأداة الحصر لفظًا أو معنى، وعبّر عن ذلك بقوله: «أو قُصِدا استعمالُه مُنْحَصِرا». والضمير في «استعماله» عائدٌ على الخبر، يعنى أن الخبر إذا كان محصورًا بأداة من أدوات الحَصْرِ، وقُصِد ذلك فيه، لزم أن يكون مُؤَخّرًا عن المبتدأ، والأصل في وجوب التأخير هنا المحصورُ بإنماء دون المحصور بما وإلّا، فتقول: إنما زيدٌ قائم، فالمنحصر هنا عندهم قائم. وكذلك إذا قلت: إنما أنت كاتبٌ/، وإنما زيد شاعر فالكاتب والشاعر هو المحصور. وإذا قلت: ما زيدٌ إلا قائم، وما أنت إلا كاتب، فالمنحصر عنده ما بعد إلّا فهو الذى يجب تأخيره فلا تقول: إنما قائم زيدٌ، ولا: إنما كاتب أنت. وكذلك لا تقول: ليس إلا قائمًا زيد، ولا ما أشبه ذلك وما جاء بخلاف ذلك فظاهر أنه عنده نادر لا يُقَاس عليه، نحو ما أنشده في الشرح من قوله:
فَيَارَبِّ، هَلْ إِلّا بِكَ النّصْرُ يُبْتَغى
عَلَيْهِمْ، وَهَلْ إلّا عَلَيْكَ المُعَوّلُ
الأصل: هل النصر إلا بك، وهل المعوَّل إلا عليه.
стр. 734
فإنما وجب التأخير هنا لأنه لا يعرف المحصورَ فيه من المحصور إلا بذلك، أعنى مع الحصر بإنّما، فإذا قَصَدْتَ حصر القيام في زيد قلت: إنما زيدٌ قائم، ثم حَمَلوا إِلّا عليها في وجوب التأخير [إن كان المحصور معها ظاهرًا معروفًا].
وقد ظهر من هذا أنّ الذى يجب تأخيرُه هو المحصورُ، وهو الواقع بعد إلّا، والمتأخر مع إنما. وليس كذلك؛ بل قيل إلّا هو المحصور فيما بعدها، فإذا قُلْتَ: ما زيدٌ إلا قائم، فالمعنى أن زيدًا مقصورٌ على الانتصاف بالقيام لم يتصف بغيره، قالوا: وهو ردٌّ على من زعم أن زيدًا اتصف بغير القيام.
ويمكن أن يكون غير زيد قد قام. وإذا قلت: ما قائم إلا زيدٌ، انقلب المعنى فصار القيام مقصورًا على زيد، فلم يقم أحد غيره، وهو ردٌ على من زعم أن غير زيد قائم، ويمكن أن يكون زيد متصفًا بغير القيام. وكذلك حكم إنّما، لأنها في معنى ما وإلا.
فإذا قلت: (إنما زيد كريم، فزيدٌ معصور على الاتصاف بالكرم، لم يتصف بغيره. وإذا قلت: -) إنما الكريم زيدٌ، وإنما كريم زيد، صار المعنى أن الكرم ليس بمتصف به إلا زيد، ويَحْتَمِل هنا أن يكون لزيد أوصاف أخر، (كما) يَحْتَمل في الأَوّل أن يكون غير زيد متصفًا بالكرم.
فقد حَصَل أنّ المتأخّر هو المحصورُ فيه لا المحصورُ، وهو قد قال: إن المنحصر يلزم تأخيره، فهو مناقض لقولهم: إن المنحصر يلزم تقديمه. وهو
стр. 735
معنى ما ذُكِر آنفا. وقد رَدّ على الناظم بهذا شيخُنا الأستاذ أبو عبد الله بن الفخّار ﵀ وقُرر أن الحق ما ذكره الناسُ.
واعتذر عنه بعض تلامذته بأنه أراد بالمنحصر المقرون بأداة الحصر لا المحصور من جهة المعنى، فإنه محصور فيه لا محصور، فكأنه أطلق عليه هذا اللفظ من جهة اقتران الأداة به وملابستها له. أو يكون أراد المنحصر فيه، لكنه حذف الجار، فاستتر الضمير، كما سمى الفخر بن الخطيب كتابه «المحصول»، والمراد المحصولُ فيه.
وهذا الثاني اعتذارٌ ضعيف، وهذا السؤالُ واردٌ عليه في قوله في الفصل الذى يلى هذا: «وَخَبَرَ المَحْصُورِ قَدِّم أبدًا». والاعتذارُ هنالك مثلُه هنا. وقد ظهر من موافقة كلامه هنا لكلامه هنالك وفي باب الفاعل:
وَمَا بِإلَّا أَوْ بِإِنّما انْحَصَرْ أخِّر ... ... ...
أنه قصد هذا الإطلاق، وأنه يُسمِّى المحصور فيه محصورًا أو منحصرا. وهى عادته في «التسهيل» مع أنّه فسّر الحصر في الشّرح على المعنى الصحيح.
فتلخص أن هذا اصطلاح له خَالَف به اصطلاح غيره من أهل النحو والبيان، وهذا قريب، غير أنه يُوهِم المخالفة، والله أعلم.
стр. 736
النوع الرابع / من أنواع الخبر اللازم للتأخير: أن يكون خَبَر مبتدأ قد دخلت عليه لازم الابتداء، وهو المراد بقوله: «أَوْ كَانَ مُسْنَدًا لِذِى لَامِ ابْتِدَا». فالضمير في «كان» عائد على الخبر، ومدلول (ذى) هو المبتدأ، أى: صاحب لام ابتداء فكأنه يقول: ويجيب تأخير الخبر عن المبتدأ إذا كان الخبر مسندًا لمبتدأٍ صاحب لامٍ ابتدائيّةٍ دخلت عليه، وذلك قولك: لَزيدٌ قائم، ولأنت كرم. وقال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِن مُّشْرِكِ﴾، وما أشبه ذلك. فمثل هذا يلزم فيه تأخير الخبر، لأن لام الابتداء لها صدر الكلام فدخولها على المبتدأ يوكّد الاهتمام بأَوَّليته، فلو قَدّمت هنا الخبر فقلت: قائم لَزيدٌ، وكريمٌ لأنتِ، لم يسع، لمنافاته لما قصد بها من التصدير. ولأجل أن لها صدرَ الكلام امتنع تَأثُر ما دخلت عليه للعوامل القلبية نحو: علمت لزيد قائم، فإن جاء ما ظاهرة تقديم الخبر فشاذٌ لا يقاس عليه، نحو قول الشاعر:
خَالِى لأَنْتَ، وَمَنْ عُوَيفٌ خَالُهُ
يَنَلِ العَلَاءَ، وَيكْرُمِ الأَخْوَالا
وعلى أنه لا يتعيّن أن «خالى» خبرًا، لإمكان تأويله على أحد
стр. 737
وجهين: إما على زيادة اللام، كما زيدت في قوله:
أُمُّ الحُلَيسِ لَعَجُوزٌ شَهْربَهْ
على رأى طائفةٍ فيه، وكما في قول الآخر:
مَرُّوا عِجَالًا فَقَالُوا: كَيْفَ سَيِّدُكُم
فَقَالَ مَنْ سُئِلُوا: أُمْيسَى لَمَجْهُودا
وإما على أن يكون «أنت» خبر مبتدأ محذوف تقديره: خالى لهو أنت، فكان اللام إنما دخلت على المبتدأ لا على الخبر، فتكون على أصلها في التقدير. وقد قيل ذلك في قوله:
أُمُّ الحُلَيسِ لَعَجُوزٌ شَهْربَهْ
النوع الخامس: أن يكون الخبر مسندًا لمبتدأٍ لازم لصَدْرِ الكلام، لعلّةٍ اقتضت ذلك، وهو قوله: «أوْ لَازِمِ الصَّدْرِ». فلازم مجرورٌ عطفًا على «ذى»، كأنه قال: أو كان مسندًا للازم الصدر.
وهو على حذف الموصوف، أى: أو مبتدأ لازم الصَّدْرِ. والصدرُ: هو صدرُ الكلام.
يريد أن الخبر إذا كانَ مبتدؤُه ممن له صَدْرُ الكلام فيلزمُ تأخيرُه، لأنّ
стр. 738
المبتدأ إذا كان كذلك لم يصح أن يتقدّم عليه مما في جهته شئٌ من معمول أو غيره.
والمبتدأ الذى هو لازمٌ للصدر على سبعة أضرب:
أحدها: اسم الشرطِ نحو قولك: مَنْ يكرمْنى أُكرِمْه. فمن: مبتدأ، خبره: يكرمنى. وكذلك: ما تصنَعْه أَصْنَعْ مثله. وأيُّهم يَأْتِنى آية. وفي التنزيل الكريم: ﴿وَقَالُوا: مَهْمَا تَأْتِنَا بِه مِنْ آيةٍ﴾، فهو لازمٌ للصدر لأنه تضمَّن حرفًا له صدرُ الكلام، وهو حرف الشرط، ولذلك لا يعمل ما بعده فيما قبله.
والثاني: اسم الاستفهام، نحو قولك: ما عندك؟ ومَنْ يأتيك؟ وأيُّهم قائمٌ؟ وكم مالك؟ على مذهب سيبويه، وأتى الناظم بمثال هذا الضرب وهو قوله: «مَنْ لِى مُنْجِدا؟ ». فمن: مبتدأ خبرُه المجرورُ، ومُنجدًا: حال من الضمير في «لى».
والمنجد: المغيث والناصرُ والمعين، يقال: اسْتَنْجَدَنى فأنجدتُه، أى: استعان بي فأعنتُه.
والثالث: كم الخبرية نحو قولك: كَمْ رَجُلٍ عِنْدَك! وكَمْ رَجُلٍ لى!
وإنما لازمت الصدرَ هنا لأحد وجهين، إما بالحمل على الاستفهامية، لمساواتها لها في كثير / من أحكامها وفي لفظها، وإذا
стр. 739
كانت الاستفهامية لازمةً للصدر لتضمنها حرف الصدر، وهو حرف الاستفهام الهمزة أو غيرها، فكذلك ما جرى مجراها، وإما بالحمل (على) رُبّ التى هى حرف لمساواتها لها في المعنى إن قيل بأن معناها التكثير، أو لأنها، مقابلتها إن قيل: إنها للتعليل. وقد مَرّت الإشارةُ إلى هذا الخلاف في سبب بنائها، وموضع استيعاه بابُ كم. وعلى كلا القولين فهى لازمةٌ صدرَ الكلام، فلزمت الصدر كم بالحمل عليها.
والرابع: ما أُضيف إلى أحد هذه الثلاثة، نحو: غلامُ من يَقُم أَقُمْ (معه). وغلام من يأتِنِى أُكرمُه. وغلامُ أيِّهم أتاك؟ وغلامُ كم رجل جاءك!
فهذا حكمهُ أن يكون في صدر الكلام مثلُ ما أضيف إليه إذا لم يضيف إليه، وذلك لمصاحبته لما له صدرُ الكلام.
والخامس: ضمير الشأن فإنه يلزم صدر الكلام، وتكون الجملة التى تقع خبره بعده، فتقول: هو زيد منطلق. هى قام زيد. ولا يجوز أن تتقدم الجملة عليه وإن جاز تقدمها على غيره، إذ لو قدّمت عليه فقيل: زيد منطلق هو، أو قامت هند هى، لم يعلم كونه ضمير الشأن، لتَوَهُّم أن يكون توكيدا للضمير أو الظاهر أو بدلا، فالتزموا تأخير الخبر وتقديم المبتدأ لذلك.
فإن قلت: كيف يكون ضميرُ الشأن من الأسماء اللازمة للصدر، وأنت تُدخل عليه العوامل نحو كان وإنّ، فإنك تقول: كان زيدق قائم، أى: كان الأمر
стр. 740
زيدُ قائم، وإنه زيدٌ قائمٌ.
وأدوات الصُدور إذا كانت أسماءً لا تدخل عليها العوامل إلا متأخرةً، حيث يمكن تأخُّرها؟
فالجواب: أن ملازمة الصدر في كلامه محتملةً لأن يريد بها امتناع سبقية العامل لها، كأسماء الشرط والاستفهام، وأن يريد ما يلزم الصدر بالنسبة إلى جُزْءَى الجملة خاصة، أى هو معروفٌ بذلك على الجملة، وعلى هذا الثاني يدخل ضمير الشأن.
لا يقالُ: إن حمله على هذا الثاني غير مستقيم؛ إذ يدخل (فيه) على هذا المعنى جميع ما تقدم من قوله: «وَامْنَعْه حَيْثُ يَسْتَوِى الجُرْآنِ» إلى هنا، لأن المبتدأ فيها لازم للصدر على الجملة فكان الأولى الاقتصارَ على هذه اللفظية، وحينئذٍ لا يكون في كلامه بيان لما هو من أسماء الصدر ولكنه لم يفعل؛ فدلّ على كون مراده لزومًا مخصوصًا مشهورًا، وما ذاك إلا أسماء الشرط والاستفهام.
لأنا نقون: ضمير الشأن مما لزم الصدر لزومًا مخصوصا مشهورًا بوضع أولى، لأن وضعه أن يكون صدر الجملة كأسماء الشرط والاستفهام، ولم يكن التقديم له يعارض عرض له كسائر ما تقدم، فإن تقديم المبتدأ في: زيدٌ أخوك، أو زيدٌ قام، أو ما زيدٌ إلا قائم، أو لزيدٌ قائم.
ليس بالوضع الأول، بل لعارض أوجب له التقديم، وهو في الأصل غير
следующие страницы →