← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

بل هو محتمل قبل الإتيان بالجوب [لأن يكون غير قسم فليس لحذفه سبيل إلا مع قرينة تحمل على المراد، بخلاف لعمرو الله، فإنه قبل الاتيان بالجواب] ظاهر المعنى في القسم، فلذلك لم يلزم الحذف في «عهد الله» وما أشبهه، بل لك أن تقول: علىّ عهد الله لأفعَلنّ، وعلى ميثاق الله لأفعلَنّ، وما أشبهه. والموضع الثالث من مواضع لزوم حذف الخبر: بعد الواو التى بمعنى مع، وهو الذى قال فيه: «وبعد واوٍ عَنّنت مفهوم مَعْ». يعنى أنّ حذف الخبر أيضا لازمٌ بعد الواو التى تُؤَدِّى معنى مع، بشرط أن يكون ذلك المعنى بَينًا ظاهرًا فيها، بحيث يتعين فيها فلا يحتمل العطف. وهذا الشرط المراد بقوله: «عَيّنت»، وذلك قولك: أَنْتَ ورأيُك، وكُلُّ عمَل وجزاؤهُ، وكلُّ ثوبٍ وقيمتُه، وكلُّ رجل وضيعتُه. ومنه قول عنترة: مِنَ يكُ سائلًا عَنِّى فإنّى وَجِرْوَةُ لا تَرود لُه ولا تعارُ وقولُ امرئ القيس: فكان تنادينا وعَقدُ عذارِه وقال صحابي: قد شَأَوْنَكَ فاطْلُبِ ومثل ذلك الناظم بقوله: كلّ صانع وما صَنَع.

стр. 772

فالواو في هذه الأمثلة كلِّها صريحٌ فيها معنى مع، فهى مما يلزم فيه حذف الخبر، لأن الواو وما بعدها قامام مَقامَ مع وما يَنْجرُّ بها، مع ظهور المعنى، بحيث حصل الاستغناء بالواو مع ما بعدها، فتنزّلا في الاستغناء بهما عن الخبر منزلة / «عجبا» وَأمثاله في الاستغناء بها عن الأفعال، فكما لزم هالك لزم هنا. والتقدير في هذه الأمثلة: أنت ورأيك مقترنان، وكلّ عمل وجزاؤه مقترنان. وكذلك سائرها وهذا هو الجارى على رأى الناظم حيث جعل الخبر محذوفًا، والواو بمعنى مع. وبعض النحويين يخالف في المسألتين؛ فأما ابن خروف فلا يقدّر خبرًا لتمام الكلام وصحة معناه، من غير افتقار إلى تقدير شئٍ (كما لم يقدِّره) في نحو: أقام الزيدان شئ لاستقلال الكلام، فهذا كأن الناظم لم يره لما يلزم عليه من أن يكون الأمرُ كذلك في كلّ موضعٍ التُزِم فيه حذفُ الخبر. بهذا رَدّ عليه المؤلف في الشرح. وأمّا ابن أبي الربيع وبعض من تقدم فإن الواو عندهم ليست بمعنى «مع»، بل على أصلها من العطف، وحكى هذا عن الأخفش، وأن المعطوف في موضع الخبر. (ويقول) ابن أبي الربيع: إن الأصل في قولهم: كلُّ رجلٍ وضَيعتُه: كلُّ رجلٍ مع ضيعته، وضيعتُه معه، فحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول، فقيل: كُلُّ

стр. 773

رجلٍ وضيعته. والناظم لم يرد إلا أن الواو بمعنى مع، ووجودها هو الذى يسوغ التزام حذف الخبر، لأنها كالنائبة مع بعدها عن مع ومجرورها، ولو كانت الواو للعطف لم يصلح فيما بعدها أن ينوب مناب الخبر. وأيضا لا يحذف الخبر في لاعطف الصريح لأنه لا دليل عليه، ولهذا شرط الناظم في الواو أن تكون مُعَيِّنة لمعنى مع، فإنها إن لم تعيِّنه لم يلزم الحذف، بل يصير إما جائزًا وإما ممتنعًا، فإذا قلت: زيد عمرو، وأنت تريد: مع عَمْرو، كان لك أن تأتيَ بالخبر فتقول: زيدٌ وعمرو مقترنان أو متلازمان، ولك أن تستغنى اتّكالا على أن السامع يفهم معنى الاقتران، لأّنّ معنى المصاحبة وإن دَلّت الواوُ عليه غير متعيّن، لإمكان معنى العطف ولو قلت: زيد وعمرو يلتقيان أو يصطرعان أو يتفرقان، وما أشبه ذلك -لم يجز هنا حذف الخبر، لانتفاء احتمال معنى «مع» في الواو، وتَعَيُّنِ كونها عاطفةٍ لمجرّد الجمع، فلا بد من الإتيان به. ومنه قول الشاعر: وَكُلُّ امرِئٍ والْمُوْتُ يَلْتَقِيانِ فهذا كله من أول الدليل على أن الواو هى التى بمعنى مع، لا العاطفة، إذ لا دلالة للعاطفة على الخبر. قال ابن خروف: لو قلت: ما كلُّ رجلٍ إلا وضيعهُ، لجاز، لكون الواو بمعنى مع وفي موضعها. قال: ولا يجوز ذلك في العطف، فقد ظهر وجه ما ذهب إليه الناظم في المسألتين، والله أعلم.

стр. 774

والموضع الرابع من مواضع لُزُومِ حَذْفِ الخبر: قبل الحال التيلا يصحّ وقوعها خبرًا عن المبتدأ، وذلك قوله: وَقَبْلَ حالٍ لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الّذِى خَبَرُهُ قَدْ أُضْمَرِا يعنى أنّ الخبر يلتزم حذفُه أيضًا قبل حالٍ لا يصح فيها أن تقع خبرًا عن المبتدأ، وهو الذى أضمر خبره، أى: لا يصحُّ جعل تلك الحال خبرًا عن المبتدأ. ومثّل ذلك بمثالين: أحدهم: «ضربي العبيد مُسِيئًا». فضربي: مصدر، وهو مبتدأ، ومسيئًا: حال لا يصح الإخبار بها عن ضربي. والخبر محذوف تقديره /: إذا كان مسُيئًا، أو ضَرْبُه مسيئا. ومثل ذلك: ضربي زيدًا قائما، وأكلى التفاحة نضيجةً، وقيامي ضاحكًا، وخروج زيد محتاجًا. وما أشبه ذلك فكل هذا لا يصح أن تقع الحال فيه خبرا، فهو مما عَنَى الناظم. والثاني: «أَتَمّ تَبْيينَى الحق منُوطًا بالحكم». فأتمّ: أفعل تفضيل مضاف إلى مصدر، وهو مبتدأ، ومنوطًا: حالٌ لا يصحّ الإخبار به أَتَمّ. والخبر محذوف تقديره: إذا كان أو إِذْ كان، أو بيينه منوطاً بالحكم.

стр. 775

ومثله (قولك): أكثرُ شربي السويق ملتويا، وأخطب ما يكون الأمير قائمًا، وأرخَصُ ما يكون البردُ قفيزين بدرهم، وأبغضُ ضربِ زيد إلىّ قائمًا. وما أشبه ذلك. هذا معنى كَلَامه على الجملة، ثم نَقُولُ: إِنّ قوله «لا تكون خبرًا» إنما يعنى الخبر الاصطلاحي يريدُ بذلك التّحَرر من الحال التى يَصِحُّ جعلُها خبرًا عن المبتدأ، فإن ذلك متى صح لم يلزم حذف الخبر وسد الحال مسده، بل إن كان فعلى الجواز كما ذُكَرِ عن الأخفش أنه حكى: زيد قائمًا، وخرجت فإذا زيدٌ جالسًا. وعن علىّ ﵁: «ونَحنُ عُصْبَة»، تقديره: زيد موجودٌ قائمًا، أو ثابت، أو نحو ذلك. وكذلك سائر المُثُل. فالحال في مثل هذا لا تُسد مسد الخبر فَيُحذفَ لزومًا، لإمكانه جَعْله خبرًا بنفسه، من غير احتياج إلى تقدير شئ، فإن جاء شئ من ذلك فهو أقرب إلى وقفه على السماع لقلّته، وإن احتمل ان يقاس عليه فالحذف غير لازم. وإنما يكون لازمًا في نحو ما ذكر. ومثل ذلك مما لا يحذَفُ معه الخبرُ قولك: ضَرْبِى زيدًا شديدًا، هذا لا يلزمُ معه حذف الخبر، بل ذلك مفتقر في جوازه إلى السماع، وإنما الوجه الرفع على خبر المبتدأ، لإمكانه فلا يعدل عنه. ثم نقول: إن تمثيلَه المبتدأ بمصدر، أو بما أضيف إلى المصدر مُعَيِّنٌ لموضع الحذف، فإن نحو: «ضربي العبد مسيئًا» و «أَتَمّ تَبْييِنى الحق مَنُوطًا» هو الموجودُ في السماع (في المسألة)، والذى يصحُّ القياسُ فيه، بخلاف:

стр. 776

زيدٌ قائما، ونحوه، ولذلك قال في التسهيل: إن كان المبتدأ أو معموله مصدرًا عاملا في مُفَسِّر صاحبها. ولم يطلق القول في ذلك، وإذا تَقَرّر هذا بقي على الناظم دَرْكٌ من وجهين: أحدهما: أن مثالَيه اللّذَين مَثّل بهما وما أشبههما يستعمل على وجهين، فأحد الوجهين أن تكون على ما قال من التزام حذف الخبر، وذلك إذا لم يكن الحالُ معمولًا للمصدر الواقع مبتدأ، وإنما يكو معمولًا للخبر المحذوف، فإنه إن كان معمولًا للمصدر فلابُدّ من الإتيان بالخبر، وهو الوجه الثاني؛ فإذا قلت: ضَرْبى زيدًا قائمًا، فجعلت العامل في «قائم»، ضربي، فلابدّ من الإتيان بالخبر، فتقول: حَسَنٌ، أو قبيحٌ أو شديدٌ، ونحو ذلك، إلا أن يَدُلّ عليه من الكلام دليل، فيجوز إِذْ ذاك حذفُه، كما إذا قيل لك: أَىُّ شَيْءٍ أعجب إليك؟ فتقول: ضربي زيدًا قائمًا، أو شُرْبى السّويق ملتويًا، أو ما أشبه ذلك أما إذا كان العامل في الحال غير المبتدأ، وهو الخبر مثلا في المسألة، حيث تقدّر: إذا كان قائمًا، أو إِذْ كان قائمًا، أو ضَرْبُه قائمًا - فهنالك يلتزم الحذف. فالمسألة ذات وجهين لا ذات وجه واحدٍ، والناظم / أطلق هنا القول في التزام حذف الخبر، فكان إطلاق غير صحيح، وإنّما الصحيح ما فعله في التسهيل حيث شرط أن يكون المصدر عاملا في مُفسِّر صاحب الحال، وقال: تحررتُ بذلك من مصدرٍ لا يكون كذلك، كقول: ضربى زيدًا قائما شديدٌ، قال: فالمبتدأ فيه مصدر عامل في صاحب الحال وفيها، فلم يصلح أن تُغْنِىَ عن خبره، لأنها من صِلَتِه. انتهى

стр. 777

وقد مثل الأخفش في «الأوسط» بقولك سمعُ أذنى زيدًا يقول ذاك حسنٌ. فهذا فيه ما ترى. والثاني: أن تقييده الحال بعدمِ كَوْنِها خبرًا عن المبتدأ، أى بِعَدَمِ صَلَاحيتها لذلك، يقتضى أنها لا تنوب عن الخبر إلا كذلك. وهذا ظاهر في نحو مثاليه. أَمّا إذا كان المبتدأُ مضافًا إلى غير مصدر صريح، بل إلى ما الموصولة بكان، فإن الحال تكون خبرا هنالك. وتصلح للخبرية مع مأنها تنوبُ عن الخبر ويحذف لزوما، فتقول: أخطب ما يكون الأميرُ قائمًا، مع أنّه يجوز رَفْعُ قائم فتقول: أخطب ما يكون الأمير قائمٌ، أجاز ذلك الأخفش، وكان يقول فيه: أضَفْتَ «أخطب» إلى أحوالٍ قائمٌ أحدها. وقاس المبرد على ذلك: «أحسن ما يكون زيدٌ قائمٌ». وأجاز يونس أيضًا -فيما حكى السيرافي عنه-: «أحسن ما يكون زيدٌ قائم»، أى: ثابتٌ وهو رأى المؤلف. فمثلُ هذا وإن كان مجازًا جائز. فالحال -على الجملة- هنا مما يصلح وقوعها خبرًا، فجئُ من أها لا تسدّ مسدّ الخبر، لكنها تسدّ مسدّه باتقان الأئمة، فكان هذا الشرطُ بإطلاقٍ غير صحيح، وإنما هو صحيح فيما كان فيه أفعل مضافًا إلى مصدر صريح لا مؤول. والفرقُ بينهما أن الأصل (الحقيقة) فالإخبار عن ضَرْبِي بقائمٍ

стр. 778

لا يصح، لأنه غيره/ فامتنع «ضربي زيدًا قائم»، وكذلك: «أشد ضربي زيدًا قائم». وأما في نحو: «أخطب ما يكون الأمير قائم»، فإنهم لما تجوزوا أَوّل الكلام بإضافة «أخطب»، وهو من صفات الأعيان إلى الأكوان، وليس بعضها، استجازوا التجوز آخرًا بالإخبار أخبارَ الأعيان عن الأكوان، وأنّس بذلك في اللفظ كونُ أ×طب وقائم -وهما المبتدأ والخبر- متناسبان في الأصل، لأنهما للأعيان، بخلاف ضَرْبِي مع قِائمٍ. فالحاصل أن كلام الناظم معترض الإطلاق. ووجه ثالث، وهو أن هذا التمثيل الذى مَثّل به إما أن يشير به إلى قيودٍ معتبرةٍ في المسألة أَوْ لا، فإن كان يشير إلى قيود لزم أن يُؤْخَذَ له منه اشتراط الإفراد في الحال (فلا تقول على هذا: ضربى زيدًا وهو قائم، على أن يكون محذوف الخبر قبل هذه الحال)، لأنها ليست بمفردة منصوبة. لكن هذا جائز عند الأئمة، فالحال كيفما وقعت الحكمُ معها واحدٌ، فيجوز: ضَرْبى العبدَ وهو مُسِئٌ، وأتمّ تبيينى الحقّ وهو مَنُوطٌ بالحكم. ومن هذا ما جاءَ في لاحديث، من قوله ﷺ : أقربُ ما يكون العبدُ من رَبِّه وهو ساجدٌ». ومنه قول الشاعر، أنشده في شرح التسهيل: خَيُر اقُتِرابِى مِنَ المولى حَلِيفَ رِضًا وَشَرُّ بُعْدِىَ عَنْه وَهْوَ غَضْبَانُ ويجوز أن تقول: ضربي العبدَ يُسِئُ، وأتمُّ تبينِى الحق يُناطُ بالحكم.

стр. 779

وكذلك: ضربي العبدَ قد أساءَ، وأتم تبينِي الحق قد أُنِيطَ بالحكم. ومن هذا / ما أنشده سيبويه من قول الشاعر: وَرَأْىُ عَيْنَىّ الفَتَى أَخَاكَا يُعْطِى الجَزيلَ فَعَلَيْكَ ذَاكا وإن كان التمثيلُ غيرَ مشيرٍ إلى قيدٍ لَزِم أن لا يُؤخَذَ له منه كونُ المبتدأ مصدرًا أو مضافا إلى مصدر، مع أن ذلك معتبرٌ عنده. فظهر أن الناظم لم يضبط هذه المسألة على عادته. والجوابُ أن يقال: أما الأول فظاهر اللزوم، إلا أن يكون قوله: «وقبل حالٍ» محرزًا لما قصد، وهو مرادُه غَيْرَ شك، وذلك أنه ذكر أن الحذف للخبر إنما هو قبل الحال، وكون الخبر قبل الحال يشعرُ بأن لاحال مقطوعة عن عمل المبتدأ فيها، إذ لو كان عاملا فيها لكانت من تمامه لأن المبتدأ مصدر موصول، فكل معموله له من صلته، وإذا كان كذلك لم يصحّ أن يكون موضع خبره قبل الحال، وإما يصحّ تقديره بعده؛ إذ لا يقع الخبر بين أثناء المبتدأ، فلما قال: «وقبل حال» دَلّ على أن العامل في الحال غير المبتدأ، وأنها معمولة للخبر المضمر، وإذ ذاك تعيّن موضع حاجته من الوجهين، وصح كلامه فيه، ووافق ما قيّد به في التسهيل، على اختصار بديع، وإشارة حسنة. وأما الثاني فإن الرفع في نحو «أخطب ما يكونُ الأميرُ قائمٌ» مختلف (فيه)، فقد زعم سيبويه أنه لا يكون فيه إلا

стр. 780

النصب، قال: «وأما عبد الله أحسن ما يكون قائمًا، فلا يكون فيه إلّا النصب»، قال: «لأنه لا يجوز أن تجعل أحسن أحواله «قائم» على وجهٍ من الوجوه». يعى بأنّ الأحوال ليست إياه. وقائم هو عبد الله، فلا تخبر عن الشئ بغيره. وإلى هذا ذهب الزجاج والفارسي والجمهور. وإليه رجع المبد، ونقع عنه ابن ولّاد أنه لا خلاف في ذلك. وليس بصحيح». بل الخلاف فيه عن يونس والأخفش موجود، نعم عليه الجمهو منهم، قال السيرافي: وهو الصحيح عندى، لأنّ قولك: أحسن أفعاله قائم، لا يجوز. قال: فإن قيل: يكون كقولنا: أحسن صفاته قائم. فالجواب: أن «ما يكون» مصدر، وحق المصدر أن يكون مصدر الفعل (فصار) بمنزلة قولك: أحسن أفعاله، وأما صفاته فهى: قائم وقاعد، وقائم بعض صفاته. وقد ردّ الفارسىّ مذهب الأخفش بأنه قبيح وقريب من الامتناع، لأنّ أخطب قد أخرج عن أصله، وألز ما دل على ذلك من الإضافة، فإذا رفعته، يعنى «قائم» فقد نقضت ذلك الغرض مع إلزامهم ما يدل على إخراجه عن الأصل. فال: فالرفع في الخبر مع إضافته إلى ما يجعله حدثًا لا يستقيم، لأنك

стр. 781

كأنك الآن تخبر عن الحال بالقيام، والحال لا تقوم، فتعيده بذلك إلى ما قد أخرج عنه. ذكر هذا في الجزء السادس والعشرين من التذكرة. فإذا كان كذلك فالناظم هنا ذاهبٌ مذهب سيبويه والجمهور، وهو أولى مما ذهب إليه في التسهيل، والله أعلم. وأما الثالث فإنه يمكن أَنْ يقول: إنه قدّم أن الخبر يحذف قبل حال لا يصلح أن تقع خبرًا للمبتدأ، فقد قيد الحال الواقع قبلها الخبر، فلا يؤخذ له م التمثيل تقييد آخر فيه، فيحصل أن الحال التى لا تصلح خبرًا للمبتدأ كيف وقعت هى سادّةٌ / مسدّ الخبر، وهى تكون مفردًا كمثاليه، وجملة اسمية وفعلية، فالجميع إذًا مراد. والمثال لم يُقْصَد به الدلالة على خلاف ذلك، وكثيرًا ما يأتي بقواعدَ تشتمل على مُثُلٍ كثيرةٍ مختلفة الوضع، ثم يمثل ببعض ذلك، فلا يكون التمثيل المعيّن مُقَيّدا، بل مُبَيِّنًا لبعض ما اشتملت عليه، ولذلك نقول: إِنّ تمثيله هنا يقبل كون لامصدر مصرّحًا به أو مؤولًا، وحينئذٍ يدخلُ له: أخطب ما يكون الأميرُ قائمًا، وأشباهُه، بسبب أن المصدر الصريح والمؤول سواءٌ في الحكم، ولذلك يقعان فاعلية ومبتدأَين، وغير ذلك. فالأمر في هذا قريب. ويمكن أن يكون قصد التقييد بالمثال، ويكون ذلك وفقًا لرأْى سيبويه، فإنه يرى أَنّ الحال لا تسدّ مسدّ الخبر إلا إذا كانت منصوبةً مع صلاحية المعنى، فَإِن كانت جملة قَدّر للمبنتدأ خبرًا، وهو ثابت أو موجود. ومذهب الأخفش

стр. 782

جوازُ كونها فعلًا تسدّ، وكذلك الفراء. وذهب السيرافي إلى جواز وقوع الحال جملة بالواو سادّةً. ومال إليه ابن خروف. والمَنُوطُ، من قولك: ناط الشى ينوطه نوطًا: عَلّقه. ويطلق في التعليق المعنوىّ مجازا، ومنه هذا، فتقول: كلامُ زيدٍ منوطٌ بالحكم: إذا لَصِق بها وعَلِق بها. ثم يتعلق بهذه المسألة نظران: أحدهما: الكلام في مواضع الخلاف منها وهى أربعةٌ: أحدها: ما تَقَدّم من عَدَمِ جواز الرفع في الحال ليقع خبرًا عن المبتدأ؛ فقد مَرّ أَنّ ذلك هو المشهور المعروف، وأن يونس والأخفش والمبرد -في أحد قوليه- أجازو الرفع حيث كان المصدر مؤولا، ومرّ الاحتجاج على ما ذهب إليه الناظم. والثاني: أن كونَ الخبرِ مقدّرَ الحذف معتبرًا في المعنى -وإن كان حذفه لازمًا- هو رأى الجمهور، وهو أحد المذاهب الثلاثة. والثاني: أن (هذا) مبتدأُ لا خبر له، بل أغنى عنه فاعل المصدر، كما أغنى عن الخبر فاعل الصفة في نحو: أَقائم الزيدان؟ فكما لا يحتاج هنا إلى تقدير خَبَرِ، لأن معناه معنى الكلام المستقبل، وهو: أيقوم الزيدان؟ فكذلك لا يُحتَاج في مسألتنا إلى تقدير خبر، لأن معنى الكلام: ضربت العبد مسيئًا.

стр. 783

والثالث: أن الحال هى المغنية عن الخبر إِغناء الظَرْفِ عن الخبر. وهو رأى ابن كيسان، قال: «وقد يجعلون الحال خبرًا للمصدر كالوقت، فيقولون: ضَرْبُكَ زيدًا قائمًا، وخروجك معى راكبًا»، قال: «وقد يجعلون الواو خبرا للمصدر لأنها تكون بمعنى الحال ([والوقت، كقولك: قيامُك والناسُ قُعودٌ. وقال: إن المصدر يكون خبره الحال])، كقولك: قيامُك محسنا، أى: قيامك في إحسانك». فأما مذهبُ الجمهورِ فهو ظاهرُ المعنى، لأنّ المعنى، على قولك: إذا كان قائمًا، إو إذ كان قائمًا، أو ضَرْبُه قائمًا. فالخبر مرادٌ بلا بُدٍّ، وغير مستغنًى عنه. فإذا كان كذلك تعيّن تقديرُه. ولا سيّما مع وجود بعض معمولاته وهو الحال؛ إذ لا يصحُّ أن يكون معمولًا للمبتدأ أصلًا، كما نبّه عليه، وكما يأتى. وأما الثاني فضعّفه المؤلف بأنه لو صحّ الاقتصار في التقدير لصحّ الاقتصار على الصدر وفاعله دون الحال، كما صحّ الاقتصار على الصفة وفاعلها، فكنت تقول ضربى زيدًا، كما تقول: أقائم الزيدان؟ لأن فيه معنى /، في الآخر معنى: أيقوم الزيدان؟ لكن ذلك ممنوعٌ ففي امتناعه مع جوازه مع الصفة دليلٌ على انهما غير متساويين. وأما الثالث فغير صحيح؛ لأن الحال إذا أقيمت مقام الخبر فإمّا أن لا يُقَدّر لها عامل أو يقَدّر، فإن لم يقدّر لها عاملٌ لزم من ذلك أمران، أحدهما: وجود نَصْبٍ من غير ناصب، وذلك معدوم في الأحكام

стр. 784

الصناعية، ولو جاز ذلك مع غير المصدر، فكنتَ تقولُ: زيدٌ قائمًا، لأن معناه: في حال قيام. والثاني: أن الحال عنده مُشَبّهةٌ بالظرف في إقامتها مقام الخبر، والظرف لا بدّ له من عامل فيه هو مفتقر إليه، وهو أصل، فالحال التى هى فرع أولى أن تكون مفتقرة إليه، لِبُعد أن يكون الفرعُ مستغنا عما لا يستغنى عنه الأصل. وإن قدر لها عامل لم يكن إلا مثل المقدر للظرف، فكما تقول في قولك: زيدٌ في حال قيام، إن تقديره: ضربي زيدًا مستقرٌ قائمًا. وهذا إخبار عن الضرب بما هو للضارب، وهو محال. فظهر أن هذا المذهب غير صحيح، وصح ما قاله الناظم. والثالث من مواضع الخلاف: كون الحال غير معمولة لضربي الذى هو المبتدأ. فقد تبيّن ذلك من قوله: «وقبل حال»، بل هى معمولةٌ لشئٍ آخر، وهو رأىُ من قالَ بتقدير الخبر، إلا ما ألزمه الفارسىّ المؤلفُ في مسألة: أولُ ما أقول/ إِنِّى أحمد الله؛ إذ أجاز أن تكون إن المكسورة محكية بالقول، فتكون من صلته والخبر محذوف، أعنى خبر «أوّل ما اقول» وهو ثابت أو موجود -قال ابن مالك: فكما جاز أن يُحذَف الخبرُ هناك بلا دليل زائد على الحاجة إليه، كذلك يلزمُه تجويز حذف الخب ها وتقديره بمثل ما قدّره هناك، لأن الحاجة إليها سواءٌ، والمخبرُ عنه في الصورتين مصدر، لأن (أوّل) القول قولٌ. وما قاله الفارسيّ -إن كان يلزمه عنه ما ألزمه ابُنُ مالك -فقد رَدّه الناس بأن معنى قولك: أولُ ما أقول: إني احمد الله ثابت أو موجود، أولُ هذا الكلام ثابت أو

стр. 785

موجود، لأن القول هو متعلّقه، فالإختبار بثابت. أو موجود [إنما وقع عن أول «إني أحمد الله»، وأوله باعتبار الحروف الهمزة، وباعتبار الكلمات «إنى»، فيكون الإخبار بثابت أو موجود] ن الهمزة أو إنى. وهذا فاسدٌ من وجهين، أحدهما: الإخبار عن أول الكلام بالوجود مع العلم بذلك كون تقدير هذا الخبر، والخبر لا يكون مؤكِّدًا. والثاني إيهامُ انتفاء وجود سائر الكلام مع العلم بوجوده بنفس نطق الناطق به. وأيضًا فإن تقديره «ثابت» أو «موجود» خبرًا بعد «إنى أحمد الله» تقديرُ ما لا دليل عليه، إذ ليس هو بالتقدير أولى من غيره من المقدرات الممكنة، وحذفُ ما كان في حذفه كذلك ممنوع. وهذا يلزم في قولك: ضربي (العبد مسيئًا، لو قَدرت معه «ثابت» أو «مستقرّ»، وأيضا لا مانع يمتنع من قولك: ضربى) زيدًا قائمًا حَسَنٌ، بإظهار الخبر، -الخبر، فكيف يُجعَلُ ملتزم الحذف. هذا خلافُ كلام العرب. والرابع من مواضع الخلاف: الحالُ إِذا كانت غير مُفْردةٍ، فهل يجوزُ وقوعها هنا سادّةً مسدّ الخبر أم لا؟ فمنهم من أجاز ذلك على الجملة، كالكسائي والفراء والأخفش والسيرافي، ومال إليه ابن خروف، ومنع من ذلك سيبويه كما تقدم أولًا. وحجة من أجاز السماعُ المتقدّم/، والقياس على المفرد. وحجّة من مَنَعَ دُورُ ذلك السماع مع أّنّ نيابة الحال هنا عن الخبر، على خلاف القياس، فلا يتعدّى موضع السماع. وإذا قلنا بجواز وقوع الحال غير مفرد ففيها الخلاف من جهتين:

стр. 786

إِحداهما: إذا وقعت جملة اسمية، فهل يصح خلوها من الواو أم لا؟ نقل المؤلّف عن الكسائي جواز خُلُوِّها منها، فأجاز أن تقول: مَسَرتُك أخاك هو قائم، وإكرامُك زيدًا أبوه مطلقٌ -وما أشبه ذلك. وذلك أن المشهور عند النحويين غير الكسائي أنها لا تستغنى عنها، قال: وحملهم على ذلك أن الاستعمال لم يرد بخلاف ثم رَجّح مذهب الكسائي وقال: مقتضى الدليل أنّ حذف الواو هنا أولى، لأنه موضع اختصار لكن الواقع خلاف ذلك، قال: وبابُ القياسِ مفتوحٌ. فيظهر أنّ رأيه هنا كرأيه هنالك، إِذ لم يُقَيِّد الحال بشئٍ من هذا. والثانية: إِذا وقعت الحال جملةً فعلية منع ذلك الفراءُ فرارًا من كثرة مخالفة الأصل، لأَنّ سَدّ الحال مَسَدّ الخبر على خلاف الأصل، ووقع الفعل موقع الحال على خلاف الأصل، فلا يُحكمُ بجواز ذلك هنا، فإنه مخالفةٌ بعد أخرى. قال ابن مالك: وهذا الذى اعتَبَره قد دَلّتِ عليه العربُ على أنّه غير مُعْتَبرٍ، بوقوع الجملة الاسمية موقع الحال المذكورة، فلو لم تقع الجملة الفعلية موقع الحال المذكورة نقلًا لجاز وقوعها قياسًا على الجملة الاسمية ومع ذلك فقد جاء السماعُ بخلاف ما قال. ثم أَنشد ما تقدم: وَرَأْىُ عَيْنىّ الفَتَى أَخاكا يُعْطِى الجَزِيلَ، فَعَلَيْكَ ذَاكا النظر الثاني: أنّ الحال لا شَكّ أنها تعلّق بالخبر؛ إِذ قد نفي أن تعلق بالمبتدأ بقوله: «وقبل حال». لكنَ بَقِى النظرُ في تقدير الخبر، وما الذى يقدّر؟ لم يتعرض لتعيينه، بل اكتفى بالإشارة على أنّ لا بُدّ من تقديره وترك تعيينه للناظر

стр. 787

في كتابه.، وللنحويين فيه مذهبان: أحدهما: أن يقدّر «إذا كان»، أو «إذ كان»، وهى التامة لا الناقصة، فكأنه قال: ضربي زيدًا ثابت إِذا كان قائما. ثم ناب الظرف عن الخبر، فصَار هو الخبر، ثم حذف لسدّ الحال مَسَدّه. وهذا تقديرُ الجمهور من البصريين. والثاني: أن يُقَدّر مصدرٌ مضاف إلى صاحب الحال، كأنه قال: ضربى زيدًا ضَرْبُه قائمًا. وهذا منقُولٌ عن الأخفش، وهو الذى ارتضى المؤلفُ في التسهيل، وَشرحِه: واحتج على رجحانه على مذهب الجمهور، وَجَجلَب ذلك، والترجيح بين المذهبين لا داعى إلى ذكره هنا؛ إذ ليس من ضروريات شَرْحِ هذا النظم، لأنّه لم يتعرّض لذلك، فلا تعرض له. وقد تحصل للناظم أربعةُ مواضعَ مما يلزمُ فيه حَذْفُ الخبر، وهى التى ذكر في التسهيل وغيره، وهى التي اشتهر ذكرها وثبت قياسُها. وثَمّ أشياءٌ أُخَر غير قياسيّةٍ لم يتعرض لها من حيث لم تكن من قصده، كقولهم: حَسْبُك يَنَمِ اس. فحسبك: مبتدأٌ، ناب ع خبره الجواب. وقد قال الأخفش: إِنّ لا خبر له لتأوّله باكفف. وقالوا: لحقٌّ أنه ذاهب، تقديره: لحقٌّ ذلك أمرك إلا انهم حذفوا الخبر. وقالوا: كلاهما وتمرًا. وكل شيءٍ ولا شَتيمةُ حُرٍّ. وما كان نحو هذا من القليل (الذى ينقل ولا يقاس عليه).

стр. 788

(ثم قال) / وَأَخْبَرُوا بِاثْنَينِ أَوْ بِأَكْثَرا عَنْ وَاحِدٍ كَهُمْ سَرَاةٌ شُعَرَا هذه مسألة من مسائل المبتدأ والخبر، وهى: هل يقتضى المبتدأ الواحد أكثر من خبر واحد أم لا؟ ولا بُدّ قَبْلَ النظر في كلامه من تعيين مَحَلِّ السؤال. وذلك أن المبتدأ إذا كان واحدًا وأُخْبِر عنه بأكثر من خَبَر واحدٍ فَهُو على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يتعدد لفظًا ومعنى لتعدُّدِ المبتدأ في نفسه حقيقةً، نحو قولك: بنو فلان فقيهُ وكاتبٌ وشاعر، وأخواك صالح وعالم. ومنه قول الشاعر: يداك يدٌ خَيْرَها يُرْتَجَى وَأُخْرَى لأعْدَائِها غَائِظَهْ وقال آخر: كفّاكَ كفٌّ لا تُلِيقُ دِرْهَمَا جُودًا، وَأُخْرَى تُعْط بالسّيْفِ الذمَا

стр. 789

أو حكما، نحو قول الله تعالى: ﴿اعلمُوا أَنّما الحياةُ الدُّنيا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزِينَةٌ، وَتَفَاخرٌ بَيْنَكُمْ، وَتَكاثُرٌ فِى الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ﴾. وقال الشاعر: وَالْمَرْءُ سَاعٍ لِأمْرٍ لَيْسَ يُدْرِكُهُ وَالْعَيْشُ شُحٌّ وَإِشْفَاقٌ وَتَأمِيلُ وهذا القسم ليس مما نحنُ بصَدَدِ الكلام عليه؛ لأن الإخبار فيه إنما وقع بواحد عن واحد؛ لأن قولك: بنو فلان فقيه وكاتب وشاعرٌ، بمنزلة أن تقول: فلان فقيه، وفلان كاتب، وفلان شاعر. وكذلك قوله: وَالْعَيْشُ شُحٌّ وَإِشْفَاقٌ وَتأمِيلُ بمنزلة أن لو قال: بَعضُ العيش شُحٌّ، وبعضُه إشفاقٌ، وبعضُه تأميلٌ. وكذلك سائر الأمثلة، فهو راجعٌ إلى الإخبار بمفرد عن مفرد، فليس مما يدخُلُ تحت كلام الناظم، لأن قال: وأخبروا بكذا عن واحد. وهذا ليس الإخبار فيه عن واحد. والثاني: أن يتعدّد الخبر لفظًا دون معنى، لقيامه مقام خبر واحدٍ لفظا ومعنى، كقولهم: هذا حلوٌ حامضٌ، بمعنى: مُزّ. وهذا أعسرُ يَسَرُ، بمعنى: أضبط وهو العامل بكلتا يديه. فهذا القسم يصح دخولُه تحت لفظ الناظم من باب أحرى؛ لأن المبتدأ هنا لا يستغلّ بأحد الخبرين دون الآخر، وقد يستغلُّ في نحو قوله: «هم سَرَاةٌ

стр. 790

شُعَرَاءُ». على أن المؤل جعل هذا الضربَ خارجًا عن المسألة من جهة عدم الاستقلال بأحد الخبرين، فصارا معًا في معنى الخبر الواحد، فهما في الحقيقة خبر واحدٌ، وإنما تَعدّدَ في اللفظ خاصّةً. والأمر في هذا قريبٌ. وقد عدّ الجمهور هذا من الإخبار بخبرين لا بخبرٍ واحدٍ. وهما مما يشملُه كلامه. فالأظهر أنه مُرَادٌ له، وإذا كان كذلك ظهر موافقتُه للناس في أن الثاني من اللفظين خبر ثانٍ. وقد نُقِل عن الأخفَشِ خلاف هذا، وأن الثاني صفة للأول لا خبر. وهذا عندهم ضعيف؛ وقد أبطل الفارسىُّ في «التذكرة» أن يكون الثاني أحد التوابع، فقال: إن قلت: إن الثاني تابع للأول، فليس يجوز أن يكون الثاني بدلًا من الأوّل؛ لأن الأول مرادٌ كما أن الثاني كذلك، قال: ومن هنا لا يجوز أن يكون الثاني صفة للأول، قال: والصفة أظهر أَنْ لا تجوزَ، لأنك لا تصف الحلو بأنه حامض، وإنما تخبر عن الأول أنه قد جمع الطعمين، يعنى في قولك: هذا حلوٌ حامض. ولا مدخل لشئ من باقي التوابع هنا، فالوجه ما عليه الجمهور. والثالث: أن يتعدّد الخبر لفظا ومعنى مع اتحاد المبتدأ، كقولك: زيد كاتبٌ شاعرٌ، وأخوك قائمٌ / ضاحك. وما أشبه ذلك. ومنه مثال الناظم: هُمْ سَرَاةٌ شُعَراءُ. فَسَرَاة راجع للجميع وكذلك شعراء، فليس من

стр. 791

الضرب الأول، ولذلك لم يعطف بالواو؛ فإن العطف بالواو يلزم في الأول؛ إذ لا يقال: بنوك فقيه كاتب شاعر، كما أنه لا يجوز في الثانى العطف، فلا تقول هذا حلوٌ وحامضٌ. والسراة: جميع سَرِىّ، على غير قياسٍ. والسرِىُّ: الرجلُ ذُو المروءةِ، ويقال: هو الذى جمع السخاء والمروءة. ويقال منه: سَرَا يَسْرُو، وسرى يسرى، وسرُو يَسْرُو: سَرْوًا وَسراوَة. وليس السّراةُ بجميع عند السهيلى، وإنما هو اسم مفردٌ مستعارٌ من السراة، وهو الوسط والأعلى، كما يقال: هم الذِّروةُ والسّنام، أى: الأشراف في قولهم. وهذا الضربُ أيضًا من تعدُد الخبر، عليه الجمهور من الأئمة كالخليل وسيبويه وابن السراج والفارسىّ وبان جنى، وغيرهم؛ قال سيبويه في قولهم: هذا زيد منطلق: «زعم الخليل أن رفعه -يعنى المنطلق- يكون على وجهين: فَوَجْهٌ أنّك حين قلت: هذا عبدُ الله، أضمرت هذا أو هو، كأنك قلتَ: هذا منطلقٌ، أو هو منطلقٌ». قال: «والوجهُ الآخرُ أن تجعلَهما جميعًا خبرًا لهذا، كقولك: هذا حُلوٌ حامضٌ، لا تُرِيد أن تَنْقُض الحَلَاوَة، ولكنك تَزْعُم أنه جَمَع الطَّعْمَينِ». فهذا ما رأى الناظم، ولم يخالف فيه -فيما أعلم- إلا ابن الطراوة، فإنه قصر جواز الإخبار بخبرين على نحو: حلو حامض، مما لا يستقل أحدهما بالإخبار دون صاحب؛ لا يريدُ أن يخبر عنه بأنه حلو، وبأنه حامض، بل يريد:

стр. 792

مُزّ. بخلاف: هذا زيدٌ منطلق، فإن الإخبار عن هذا بزيد غير الإخبار عنه بمنطلق، وتبعه ابن عصفور على هذا المذهب. فيكون الناظم بإتيانه بهذا المثال مُنَكِّتًا عليهما ومخالفًا لهما؛ إذ لا مانع من حمل مثل هذا على أنه من تعدّد الخبر، فكما يخبر عن المبتدأ بخبرين لا يصدقُ الكلام بأحدهما دون الآخر، كذلك يخبر عنه بخبرين يصدق الكلام بأحدهما دون الآخر. ثم إننا ننظر في القصد بالإخبار بخبرين فأكثر، على أىّ معنى يكون؟ فيحتمل أن يكون الإخبار بكل واحد على انفراده، وأن يكونَ القصدُ الإخبار بمجموعهما، أما الأول فظاهر أنه إنما يصلح مع تقدير مبتدأ للخبر الثاني، كأنك قلت: هم سَرَاةٌ، وهم شعراءُ. فهذا المعنى هو الذى يعطيه قصد الانفراد، بخلاف ما إذا قصدت الإخبار بالمجموع فإذ ذاك يصح أن يكونا معًا خبرين عن الأول حقيقة، وإذا كان كذلك ظهر أن الخبرين في القصد في معنى خبر واحدٍ، كأنه قال: هم جامعون للوصفين. وعلى هذا المعنى نصّ الفارسي في التذكرة، وأنك إذ قلت: زيدٌ ظريفٌ كاتب، فكأنك جامعٌ لهذين الوصفين. وذكر ذلك ابن جني أيضا في «التنبيه» وحمل قولك: زيد قائم أخوه قاعدةٌ جاريته، على أنهما خبران لزيد. وذكر أنه تخلص بينه وبين أبي علىّ أنّ الضمير الرابط بين المبتدأ وخبره عائد من المجموع، ولكن في كلّ واحد منهما ضمير، وهو الذى يقتضيه الأشتقاق بدليل رفعه للظاهر.

стр. 793

وقد استدلّ ابن خروفٍ على أنهما / ليسا خبرًا بعد خبر، بل مجموعها هو الخبر، بأّنّ المبتدأ هو العامل فيهما معًا، ولا يرفع رافع مرفوعين غير التوابع، فزيدٌ قائم كاتب، بمنزلة حلو حامض، لأنه لم يخلص لواحد منهما، فالمعنى في مجموعهما. وإذا كان الأمر كذلك فمخالفة ابن الطراوة وابن عصفور في: زيد كاتب قائم، بحسب القصد بمنزلة: حلو حامض، لا يستغنى بأحدهما في الإخبار دون الآخر إلا من حيث الصلاحية للاستغلال خاصة. وقد يحتمل أن يكون قصدُ الناظم بذلك المثال التّحرزَ من نحو: هذا حلوٌ حامض، فلا يدخل له إلا ما كان مثل: هم سَرَاةٌ شعراءُ، مما يصحُّ فيه أحد الخبرين للاستقلال، وهو الذى يجوز معه عطفُ أحدهما على الآخر، وعليه نَبّه في التسهيل بقوله: «وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا، بعطفٍ وغير عطف». فلو قلت هنا: هم سراة وشعراء، لكان بخلاف القسم الأول والثاني؛ فإن الأول لا بدّ فيه من العطف، والثاني لا يجوز فيه العطف. ووجه إخراجه للأوّل ظاهرٌ، وللثاني أَنّ كُلّ واحدٍ منهما -أعنى من الخبرين- كبعض كلمة، فلا يسوغ أن يقال فيهما: خبران، إلا مجازًا، وفي الحقيقة هما خبرٌ واحدٌ، كما كان الحالان في قولهم: بَيّنْتُ له حسابه بابًا بابًا، وتصدّقت بمالي درهمًا درهما، في معنى الحال الواحدة. والناسُ على خلافِ رأيه في هذا القسم. ولكن الخطب في ذلك يسير، لأنه خلاف في اصطلاح، وهم في الحقيقة متفقون، فلا معنى للاحتجاج للناظم ولا لغيره. ثم نرجع إلى تفسير كلامه، فقوله: «وَأَخْبَرُوا باثنين أو بأكثرا». إلى آخره، يعنى أن العربَ أخبرت عن المبتدأ الواحد بخبرين وبأكثر من خبرين،

стр. 794

فالإخبار بخبرين نحو قولهم: هذا حُلْوٌ حامِضٌ. وفي قراءة عبد الله: (وَهَذا بَعْلِى شيخٌ). وفي القرآن أيضا: ﴿كَلَّا إِنّها لَظَى نَزَّاعَة لِلشّوَىَ﴾، على قراءة الرفع، وهى لمن عدا حفصًا. وقال الشاعر: يَنَامُ بإحدى مُقلتيه ويتّقي ... بأخرى الأعادي فهو يَقظَان هاجع ومن الإخبار بأكثر من خبرين ما أنشده سيبويه من قول الراجز: مَنْ كَانَ ذَا بَتّ فهَذا بَتّي مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتىِّ وفي القرآن الكريم: ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ. ذُو العَرْشِ المَجِيدُ. فَعّالٌ لمَا يُريدُ﴾. وقد يكون من هذا قوله: ﴿إِنّها لَظَى. نَزّاعَةً لِلشّوَى﴾، على عَدِّ: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَر وَتَوَلَّى﴾ خبرًا ثالثًا. وحين أخبر الناظمُ عن العرب أنهم فعلوا ذلك، وأتى بمثال من غير ما سمع، دلّ على أن ذلك غير موقوف على السماع وأنه قياس، وذلك مستقيم؛ فإنه كذلك عند النحويين. ولما أطلق القول في الخبرين فصاعدًا، وعلم من قصده بالتمثيل أنه يُبِين عدم الانقياد لمذهب ابن الطراوة وابن عصفور، كان تمثيله مطلقا في غير ذلك القصد، فإنه حين قدم قبل ذلك أن الخبر ينقسم إلى مفرد

стр. 795

وجملة، وظرف ومجرور، كان من الجائز أن يقعَ ذلك هنا، فيكونَ الخبران مفردَين، أو جملَتين/، أو ظَرْفين، أو مجرورَين، أو يكونا متخالفين، أحدهما مفرد [والآخر جملة وشبه ذلك، وكذلك يقتضى أن يقع أحدهما إن كانا مفردين نكرة] والآخر معرفة. أما وقوعهما مفردين فلا إشكال فيه، وكذلك إن كان أ؛ دهما معرفة والآخر نكرة، ومنه مثال سيبويه: هذا زيد منطلق. وهو مسموع، وكذلك: ﴿وَهَذا بَعْلِى شَيْخٌ﴾ و ﴿كَلّا إِنّها لَظَى﴾ .. الآية. وقوله «فَهَذا بَتِّى مُقَيْظٌ، .. البيت. وهو كثير. على أن ابن الحاج قال فيما قيد على مُقَرّب ابن عصفور: وينبغى أن يُنْظر في الإخبار بخبرين: أحدهما معرفة، والآخر نكرة، فلم أسمع من ذلك شيئًا. قال: وهو نحو: زيد ضاحك أخوك، ونحوه». فإن أراد ظاهر لفظه فالسماع بذلك شهير، وإن أرادَ ما مَثّل به من تأخير لمعرفة فيقُربُ أن يكون كما قالَ، ولكن لا معنى للاختصار بتأخير المعرفة. وأما وقوعهما جملتين، أو أحدهما فيمكن؛ قال ابن الحاج: أكثر ما ورد ذلك في المفردات، وذلك أن الجملة يجوز فيها أَنْ تقدّر في موضع الحال، ومن ذلك قولُ الله تعالى: ﴿الله لَا إِلَه إِلّا هُوَ الحىُّ القَيُّومُ، لَا تَأخُّذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ، لَهُ ما في السّمَواتِ وَمَا فِى الأَرْضِ﴾. قال: فظاهر

стр. 796

الآية أنها أخبارٌ. ويمكن أن يكون من ذلك: ﴿ألم. ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلمُتّقِينَ﴾. ومثلُ هذا الظرفُ والمجرور إِذا قُلْتَ: زيد عند زيدٍ مكان عمرو، وزيد عندك في الدار، وما أشبه ذلك. هذا كلّه سائغ قياسًا، وصالح الدخول تحت إطلاق التمثيل، فلا إشكال (فيه) إلا في مسألة واحدة، وهى إذا كان أحدُ الخبرين إنشائيا، نحو: أين زيد قائم؟ فإنه لا يجوز أن يكون «أين» «وقائم» معا خبرين عن زيد، وكذلك ما كان مثله. وقد نصّ على امتناع هذا ابن جنى في «التمام»، وذكر أنه وَقَفَ الفارسىّ عليه، فَسَلّم قوله فيه. قال ابن الحاج: ومثل ذلك عندى: زيدٌ قائم اضرِبْهُ. وزَيْدُ هَلْ ضَرَبْتَه؟ خارجٌ. ومثله كثير. فعلى هذا يشكل كلامُ الناظمِ في إطلاق التمثيل، إلا أن يُجَابَ عن ذلك بِأَنْ ترك ذكر ذلك اتكالًا على أن تقدير جمعهما في خبرٍ واحدٍ غيرُ متأتٍّ، كما تأَتّى في جميع ما تقدّم، إذ لابُدّ من الخبرين أن يُؤْتَى بهما على معنى الاجتماع في خبر واحدٍ كما مَرّ، وذلك غير جائز مع كون أحدهما إنشائيًا. والله أعلم.

стр. 797

كَانَ وأَخَوَاتُهَا هنا ابتدأ الناظم ﵀ بذكر العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر، فتنسخ حكم الابتداء إلى أَحكامٍ أُخَر، وتُسمّى لأجل ذلك النواسخَ؛ لأنها نسخت عمل الابتداءِ في الاسمين اللذين كانا قيل دُخُولها مبتدًأ وخبرا، وهى سبعةُ أنواعٍ: كان وأخواتها، وما وأخواتها، وعسى وأخواتها -وهى أفعال المقاربة- وإن وأخواتها، ولا التى لنفي الجنس، وظن وأخواتها، وأعلم وأخواتها. وابتدأ بذكر كان وأخواتها فقال: تَرْفَعُ كَانَ الْمُبْتَدَأ اسْمًا وَالخَبَرْ تَنْصِبُهُ كَكَانَ سَيِّدًا عُمَرْ يعنى أن هذا الفعل -الذى هو كان- يدخل على المبتدأ والخبر، فيرفع المبتدأ فيصير اسمًا لها -ويُسمّى بذلك- وينصب خبر المبتدأ بعد ذلك. ولم لم يذكر ما يصيرُ إليه الخبر بعد ذلك احتمل وجهين: / أحدهما: ينصبه على أنه خبرٌ لكان، وكأنه لما لم يَحدُثْ للخبر اسم آخر بالنسبة إلى ما عمل فيه، كما حَدَث للمبتدأ فَسُمّى اسمًا لكان، تَرَك [ذِكْر] ذلك، تنبيهًا على بقاء الاسم الأَوّل، لكن بالإضافة إلى كان لمكان عمها فيه، فَيُسمى خَبَر كان. وهذا هو الظاهر من قصده، وهو مراده بلا شَكّ، غير أن اللفظ لا يُعينه.

стр. 798

والثاني -وهو بَعِيدٌ من قصد- أن يُرِيدَ ما دلّ عليه ظاهر لفظه من أن خبر المبتدأ تنصبه كان إذا دخلت عليه، ولم يبيّن وجه نصبه، أهو على أن يصير خبر كان، أم على غير ذلك؟ لَمّا كان وجهُ نَصْبِهُ مُختَلفًا فيه بَين البصريين والكوفيين؛ فذهب البصريون إلى أَنّه منصوب خبرًا لها، فالمبتدأ والخبر معها كالفاعل والمفعول. وذهب الكوفيون إلى أنه ينصَبُ على الحال. والراجح في مراد الناظم هو الاحتمال الأَوّل، ويدلّ عليه من كلامه قولُه في باب «إنّ»: لإِنّ، أَنّ، [لَيْتَ]، لَكِنّ، لَعَلْ كَأن -عَكسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ إذ لم يقل أَحَدٌ: إن المنصوب في باب «إن» حالٌ. وإذا ثبت هذا ظهر أنه مخالف للكوفيين وموافقٌ للبصريين. والدليل على صحة ما ذهب إليه أمران: أحدهما: أن الخبر يأتى عَلَما نحو: كان أخوك زيدًا، وضميرًا نحو: ما كان أخوك إلا إِيّاىَ، واسمَ إشارة نحو: كان أخوك هذا، ومضافًا نحو: كان زيدٌ غلامَك، وبالألف واللام نحو: كا زيدٌ العاقلَ الكريم، كما أنه يأتى أيضا نكرة نحو: كان زيدٌ قائمًا. وليس وقوعه أحد المعارف بأقل من وقوعه نكرةً، بل وقوعُه معرفةً كثيرٌ جدًا بحيث لا يُحصَى. لو كان حالًا لم يجز البتةَ وقوعُه معرفةً قياسًا، بل كان يكونُ ذلك مسموعًا، فلا يقال: إن الحال أيضًا تأتي

стр. 799

معرفة نحو: طلبتَه جَهْدَك وطاقتك، ورجع عَوْدَه على بَدْئِهِ، ومررتُ به وَحْدَه، وَأَرْسَلَها العِراكَ -لأنا نقول: هذا كله من النادر المسموع الذى لا يُقاس عليه. وأيضًا ليست أحوالًا بأنفسها بل هى أسماءٌ موضوعةٌ مواضع الأحوال، فليست مما يستدلّ به على وقوع الحال معرفة، [وذلك مُبَيّن] في بابه. والثاني: أن الحال من شأنها أن لا تلزم في الكلام، بل قد تأتى، وقد لا تأتى، وذلك بحسب مقاصد الكلام، فتقول تارةٌ: جاءَ زيدٌ ضاحكًا، إذا أردتَ الإخبار عن مَجيِئه على خاصّةً. فلو كان المنصوب بعد «كان» حالًا لساغ الاقتصار مَعَه على المرفوع مع اعتقاد النقص فيها، فكنت تقول: كان زيدٌ، وتقتصر. لكن هذا غير جائز، فدلّ على أن المنصوب ليس بحالٍ، وغذا لم تكن حالصا لم يبق مما يُدّعى إلا ما قاله البصرين للاتفاق على أَنْ لا قولَ في المسألة غير هَذَين. فإن قال قائل: فإن «كان» قد يُقْتَصر معها على المرفوع، فإنك (تقول): كان زيدٌ يا فَتىً، كقولِ الشاعرِ: إِذَا كَانَ الشّتَاءُ فَأَدْفُئِوني وهذا كثيرُ، فهذا الاقتصارُ يَدُلُّك على أنّ المنصوبَ حالٌ. فالجواب: أنّ ذلك إِنْ تَأَتَّى في كان وما أشبهها من الأفعال المستعملة

стр. 800

تامّة وناقصة، فلا يتأتى فيما لم يستعمل إلا ناقصًا، وذلك: فَتِئَ وزال ماض يزال / فإنها لا يقتصر فيها على المرفوق البتّةَ، فلا تقول: ما فَتِئَ زيدٌ، على هذا، ولا لم يَزَلْ عُمَر، وتقتصر. فلو كان التمام دالًا على ما قالوا لساغ التمامُ في هذين، لكن ذلك غير جائز، فدلّ على أَنّ التمام في «كان» وَأخَواتها استعمالٌ آخرْ مباينٌ لهذا الاستعمال المبوب عليه. وهذا المقدار كافٍ، إن شاء الله- وقوله: «والخبرٌ»: يحتمل الرفع على الابتداءش، والخبر «تنصِبُه». والجملة معطوفة على الجملة الأولى. ويحتمل النصب على إضمار فِعْلٍ، من باب الاشتغال. وهو أولى لمناسبة الجملة الأولى. والضمير المرفوع في «تنصبه» عائد على «كان». وأتى بمثال من ذلك وهو: كان سيِّدًا عُمَر. وسيدًا: هو الخبر، وعُمَر هو المبتدأ، ولكنه قَدّم وأَخّر لضرورة الوزن. وهو مع ذلك جائز، حسبما يذكره. وعلى ذلك تقول: كان زيدٌ أخاك، وكان بشرٌ قائمًا. وما أشبه ذلك. ثم ذكر ما يشترك مع «كان» في هذا الحكم من الأفعال فقال: كَكَانَ ظَلّ بَاتَ أَضْحَى أَصْبَحَا أَمْسَى وَصَارَ لَيْسَ زَالَ بَرِحَا فَتِئَ وَأنْفَكّ، وَهَذِى الأَرْبَعهْ لِشِبْهِ نَفْىٍ أَوْ لِنَفْىٍ مُتْبَعَهْ وَمِثْلُ كَانَ دَامَ مَسْبُوقًا بِمَا كَأعْطِ مَا دُمْتَ مُصِيبًا دِرْهَمًا أراد ككان: ظَلّ، وباتَ، وأضحى، وأصبح. وكذا سائرها، بالعطف بالواو غير أَنّه اضْطرُّ فحذف العاظف. ويعنى أن هذه الأفعال -وعددها

стр. 801

اثنا عشر فعلا -حكمُها حكمُ كان- وهو الثالثَ عَشَر- فيما ذكر من نصب الخبر ورفع الاسم، فتقول: ظل زيدٌ قائما، ومنه: (ظَلّ وجْهُهُ مُسْودًا). وبات زيدٌ ساهرا، ومنه: بَاتَتْ طِرَابًا وَبَات اللّيلَ لَمْ يَنَمِ وَأَضْحَى عَمْرُ ساهرًا، ومنه: وَيُضْحِى فَتِيتُ المِسْكِ فَوْقَ فِراشِها وأصبح زيدٌ مقيما، ومنه: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانَا﴾. وأمسى زيدٌ قائما. ومنه: أَمْسَتً خَلَاءً وَأَمْسَى أَهْلُها احْتَمَلُوا وصار زيد عالمًا. وليس أخوك منطلقا، ومنه: ﴿ألا يَوْمَ يأتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾

стр. 802

وما زال زيدٌ منتظرًا لك. ومنه: وَلَا أَرَاها تَزَالُ ظَالِمَهَ وما بَرِحَ أخوك قائمًا، ومنه: فَقُلْتُ يَمِينُ اللهِ أَبْرَحُ قاعدًا وما فَتِئَ زيدٌ مقيما. ومنه ﴿قَالُوا: تَالله تَفْتَؤُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ .. الآية. وما أنفك زيدٌ طالبًا، ومنه: حَرَاجِيجُ ما تَنْفَكُّ إِلّا مُنَاخَةً ولا أُكَلِّمك ما دُمْتَ قَائِما، ومنه: ﴿إِلّا ما دُمْتَ عَلَيهِ قَائِمًا﴾. فهذه كلُّها تعملُ عَمَل كان كما ترى، إلا أنّه جعلها قسمين: قسم يعمل بلا شرط، وذلك ثمانية أفعال: كان، وظل، وبات، وأضحى، وأصبح، وأمسى، وصار، وليس.

стр. 803

وقسم اشترط في عمله شرطًا، وهو ما سوى ذلك، لكنها على ضربين، ضرب اشتَرَطَ في عمله تقدّم نفي أو شبهه على الأفعال، وهي الأربعة التي أشار إليها إشارة القريب بقوله: «وهذي الأربعة إلى آخره، يعني أن هذه الأفعال القريبة الذكر، وهي: زال، وبرح، وفتئ، وانفكّ إنما تدخل في هذه الباب إذا أُتبِعت نفيًا أو ما أشبه النفي، يريد أن يكون النفي أو شببه متقدّمًا عليها وواليًا لها، فأما النفي فنحو: [-ما زال زيد قائمًا، وكذلك لا، نحو: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، ولن، نحو ما أنشده الخليل-]: لن يزال قومُنا مخصبين / ... صالحين ما اتّقوا واستقاموا ولم، نحو: لم يزل أخوك شاخصًا، ولَمّا، نحو: لما يزل أخوك مقبلًا، وسائر حروف النفي كذلك. وكذلك القول في برح وفَتئ وانفكّ، لا تأتي إلا بعد نفي، نحو: ما برح زيدٌ قائمًا، وما فَتئ سائرًا، وما انفكّ مسرورًا.

стр. 804

وهذا النفي قد يكون ظاهرًا كما تقدّم، وقد يكون مقدّرًا -ويَنْتظمه كلامُ الناظم؛ إذ لم يُعيِّن أحدهم دون الآخر-، ومثاله في القسم: ﴿قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾، أي: لا تفتأُ، وفي الشعر قولُ الكنديّ: فقلتُ: يمينُ الله أبرحُ قاعِدًا ولو قطعوا رأسي لديْكَ وأوْصالي وقال الآخر: تنفكُّ تسمعُ مَا حَيِيتَ بِهَالِكٍ حَتّى تَكُونَهْ وأما شبه النفي فالنهي، نحو: لا تَزَلْ قائمًا، وأنشد في الشرح: صاحِ شَمِّرْ ولا تَزَل ذاكِرَ الْمَوْت فنسيانهُ ضلالٌ مبينُ وكذلك: لا تَبْرحْ سائرًا، ولا تنفكّ ضاحِكًا، ولا تفتأُ مسرورًا، وما أشبه ذلك. والضرب الثاني: اشترط في عمله تقدُّم ما المصدرية الظرفية عليه، وذلك قوله: (ومثلُ كان دامَ مَسْبوقًا بِما) كائنةً على هذه الصفة التي بيّنها المثال وهو: (أعطِ ما دُمتَ مُصيبًا درهمًا) فقيّد (ما) بأن تكون مصدرية تَحَرُّزًا من

стр. 805

النافية والموصولة والنكرة الموصوفة، وغير ذلك من أنواعها، فلا تقول: ما دام أحدٌ أخاك، ولا: ما دام انتفاعك به الفرس، ولا ما كان حو ذلك. وأن تكون المصدرية ظرفية، فلو كانت غير ظرفيّة لم تعملْ (دام) معها، نحو: يُعجبني ما دُمت فاضلًا، أي دوامك، فلا يكون (فاضلًا) هنا خبر. وكذلك: فرِحتُ بما دمت فاضلًا؛ لأنّ التقدير: بدوامك فاضلًا، فلا يقال [هذا كما لا يقال]: دام زيدٌ فاضلًا، على الخبر، ولا دام زيدٌ صاحبك. فإذا احتمع الشرطان صحّ دخولها هنا، فتقول: لا أكلِّمك ما دمتَ قائمًا، وأنا قائم ما دام زيدٌ قائمًا، فالتقدير هنا: مُدّةَ دوامكَ قائمًت، ومُدّة دوام زيد قائمًا. ومنه قول الله تعالى: ﴿لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. ويحتمل المثال غير ذلك. ومعنى (أعطِ ما دُمتَ مصيبًا دِرْهمًا): أعطِ الناسَ المالَ، وهَبْ لهم، ولا تقطع ذلك عنهم، ما أصبتَ دِرهمًا فما زاد، فإن الخير خيرٌ. ويتعلّق بهذا الكلام مسائل: إحداها: في معاني مَا ذكر من الأفعال الناقصة، وسيأتي ذكر معاني التامّة -بحول الله-، وهي على الجملة مُجرّدة للدلالة على الزمان عند المحققين، وكان أصلُها التمام، فجرّدت عن دلالتها على الحدث، فصارت تدلّ على الزمان بحسب ما كنت تدلّ عليه قبل ذلك، فهي دالّة إمّا على زمان مُحصل ليس إلا، أو

стр. 806

مع انتقال، أو دوام. فأما (كان) فجاءت لتجعل الحديث فيما مضى إما منقطعًا أو غير منقطع، نحو: كان زيد الشيخ شابًا، و ﴿كَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وأما ظلّ فلتجعله ثابتًا في النهار، نحو: ظلَّ زيد منطلقًا، أي: أتى عليه النهار وهو منطلق. وأما بات وأضحى وأصبح وأمسى، فلتجعله ثابتًا في هذه الأوقات إلى وقت إخبارك، والفرق بين كان وهذه، أنّ هذه تقتضي الدوام إلى وقت الإخبار، وكان تقتضي الانقطاع. كذا قال السيرافي. قال: «وربما توسّعتِ العربُ في بعض هذه، فاستعملوه/ في معنى كان وصار». فأصل بات لزمان الليل، واضحى لوقت الضحى -قال ابن خروف: وتستعمل للصباح؛ لقُرب الوقتين -، وأصبح لوقت الصباح، وأمسى لوقت المساء. وأما صار فلزمان الانتقال من حالٍ إلى حال، نحو: صار الطين خَزَفًا، وصار زيد عالمًا. وأما ليس فأداة نفي تنفي ما هو حالٌ، [تقول]: ليس زيد قائمًا،

стр. 807

أي: ما هو في هذه الحال قائمًا. وأما [ما] زال، وما انفكّ، وما فَتِئ، وما برح -فهي مع النفي تعطي معنى كان الدوامية-، ومن هنا لزمها النفي ليصحّ تجرُّدها للزمان، فقولك: لم يزل الله عالمًا، وكان الله عالمًا، بمعنى واحد، وكذا البواقي على هذا المعنى تُستعمل إذا قلت: ما برح زيدٌ قائمًا، وما انفكّ قائمًا، وما فتئ قائمًا. وأما ما دام فكذلك إذا لحقتها ما المذكورة رادفت كان الدوامية، فقولك: لا أكلمك ما دام زيد قائمًا، مرادف لقولك: لا أكلّمك ما كان زيدٌ قائمًا. فقد تبيّن أنها كلّها مجرّدة للدلالة على الزمان، إما مطلقًا وإما مصدرًا، ما عدا ليس، فإنها لا تدلّ على زمان؛ لعدم تصرّفها. والثانية: أنه أتى من هذه الأفعال بثلاثة عشر فعلًا، وترك مما ذكر الجمهور تمام العشرين، ومما ذكره هو في التسهيل، تمام اثنتين وثلاثين، فقد ذكر الناس منها: غدًا، نحو: غدًا زيدٌ عالمًا، ومنه قول ابن مسعود ﵁: «اغدُ عالمًا أو متعلّمًا، ولا إِمّعةً». وراح، نحو: راح زيدٌ فَرِحًا. وفي الحديث: «لو توكّلتم على الله حقّ توكُّله لرزقكم كما يرزُق [الطير] تغدو خِماصًا وتَرُوح بطانًا». وآض، نحو: آض زيد عالمًا، أي: صار كذلك. ومنه قول طرفة:

стр. 808

لهُ شربتان بالعشىِّ وأربعٌ من الليلِ حتى آض سُخْدًا مُوَرمَا وعاد، نحو: عاد زيدٌ فاضلًا، أي: صار. ومنه: ﴿حَتّى عَادَ كَالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾، وقول الشاعر: تَعُدْ فِيكُم جزرَ الجزورِ رماحُنا وجاء في قولهم: ما جاءت حاجَتك، أي: صارت. وقَعَد في قولهم: شحذ شفرته حتى قَعَدتْ كأنها حربةٌ، أي: صارت. وحكى الكسائي: «قعد لا يسأل حاجةً إلا قضاها». وآل، نحو: آل زيد عالمًا، أي: صار. فهذه هي التي ذكر الناسُ زيادةً على ما ذكره الناظم. والتي زاد الناظم هي: فَتأ، وأفتأ، ووَنَى، ورام -وهي مرادفة: فَتِئ- ورجع، وحار، وارتد، واستحال، وتحوّل، وهي مرادفة: صار. وأسحر من السّحَر، وأفجر من الفّجر، وأظهر من الظهيرة، وهي اثنا عشر فعلًا. فالجميع اثنان وثلاثون فعلًا لم يذكر منها إلا أقلّ من النصب، فكان الوجه أن يذكر ذلك، أو يكون حين أراد الاقتصار على المشهور يذكر المشهور عند الناس، أو يكون

стр. 809

حين لم يرد الاستيفاء ينبّه على أنّ ثَمّ أشياء أُخر، فيقول: هي كذا وكذا، وما كان نحو ذلك، كما فعل سيبويه؛ فإنّ الحصر لا يفيد، وعدم التنبيه على ما بقي يوهم أن لا زائد على ما ذكر، فالاعتراض من وجهين: الاستفاء لما ذكره الناس، والثاني: أنه لم يبقَ بعدما ذكره شيءٌ. وفي ذلك ما فيه. والجواب: أنّ ما ذكره المؤلف وغيره هو أقصى ما وجد في كلام العرب بعد البحث والتفتيش، وعلى طول الأزمنة وكثرة الباحثين، فالغالب على الظنّ أنه لم يبق بعد ذلك منه إلا / ما لا بال له، ثم إن ما ذَكَر في التسهيل زائدصا على ما نقله الناس نوادرُ لا يُعتدّ بذكرها في مثل هذا النظم مع احتمالها؛ لأنّ جملة منها لا يَتعيّن دخولها في هذا الباب، في بعضها خلاف، فبَعُد رثبتها فيه. وأما السبعة التي زادها الناس فإن منها ما لم يأت إلا في مَثَلٍ أو شِبهه، وذلك: جاء وقَعَد -ومنها ما خالف فيه ابن مالك فلم يثبته، وذلك: آل وغدا وراح، ونصّ [على ذلك] في التسهيل. وأما عاد فاعترض ابن خروف على مثبته بقوله: تَعُدْ فيكم جزر الجَزورِ رماحُنا بأن الحال أحسن، على حذف المضاف، أي: مثل جزر الجزور.

стр. 810

وأمّا آض فهو قليل ليس في نمط غيره. وأيضًا فإن ذكره لصار قد انتظم في ما كان بمعناها، ومن ذلك آص، وكذلك آل، وجاء، وقعد، وعاد، وحال، واستحال، وتحوّل وارتدّ ورجَعَ. وأما فَتَأ وأفتأ فلغتان في فَتِئَ، فانتظمهما فَتِئَ. ولم يبق بعد هذا إلا أسحر وأفجر وأظهر، ولم تثبُت عنده، وغدا وراح. وقد رَدّ كونهما من هذا الباب بأن المنصوب بعدهما لا يكون إلا نكرة فهو حال لا خبر. وونى ورام -ماضى يري- وهما كما قال: «لا يكاد النحويون يعرفُونهما إلا من عُنِى باستقراء الغريب»، ويكفى مثلُ هذا عذرًا للناظم في نظمه. والثالثة: أن قول الناظم: «تَرْفَعُ كَان المبتَدَأ اسْمًا وَالْخَبَرْ» .. إلى آخره، ليست الألف واللام فيه بتعريف الجنس الذى يشمل كُلّ مبتدأ بحيث يرادفه كلّ، بل أراد بالألف واللام العهد في الحقيقة المتقدمة، فلا يعترض عليه بأن يقال: إن كلامه يقتضى أن كان وأخواتها تدخل على كُلِّ مبتدأ وخبر، وذلك غير صحيح؛ فإن من المبتدأت ما لا يصح لذلك؛ فقد ذكر في التسهيل من / ذلك ستّة أنواع: المبتدأ المخبر عنه بجملة طلبية، نحو: زيدٌ اضْرِب، وعمرو هل أكرمته؟ والمتضمن معى الاستفهام نحو: أَىُّ القوم أفضلُ؟ أو الشرط نحو: أَيُّهم يَأْتِ أكرمْه، أو غير ذلك من مقتضيات تصدير المبتدأ. والمبتدأ اللازم الحذف، كالمقدر في النعت المقطوع وشبهه، والقديم التصرف نحو:
следующие страницы →