← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

النوع الرابع / من أنواع الخبر اللازم للتأخير: أن يكون خَبَر مبتدأ قد دخلت عليه لازم الابتداء، وهو المراد بقوله: «أَوْ كَانَ مُسْنَدًا لِذِى لَامِ ابْتِدَا». فالضمير في «كان» عائد على الخبر، ومدلول (ذى) هو المبتدأ، أى: صاحب لام ابتداء فكأنه يقول: ويجيب تأخير الخبر عن المبتدأ إذا كان الخبر مسندًا لمبتدأٍ صاحب لامٍ ابتدائيّةٍ دخلت عليه، وذلك قولك: لَزيدٌ قائم، ولأنت كرم. وقال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِن مُّشْرِكِ﴾، وما أشبه ذلك. فمثل هذا يلزم فيه تأخير الخبر، لأن لام الابتداء لها صدر الكلام فدخولها على المبتدأ يوكّد الاهتمام بأَوَّليته، فلو قَدّمت هنا الخبر فقلت: قائم لَزيدٌ، وكريمٌ لأنتِ، لم يسع، لمنافاته لما قصد بها من التصدير. ولأجل أن لها صدرَ الكلام امتنع تَأثُر ما دخلت عليه للعوامل القلبية نحو: علمت لزيد قائم، فإن جاء ما ظاهرة تقديم الخبر فشاذٌ لا يقاس عليه، نحو قول الشاعر: خَالِى لأَنْتَ، وَمَنْ عُوَيفٌ خَالُهُ يَنَلِ العَلَاءَ، وَيكْرُمِ الأَخْوَالا وعلى أنه لا يتعيّن أن «خالى» خبرًا، لإمكان تأويله على أحد

стр. 737

وجهين: إما على زيادة اللام، كما زيدت في قوله: أُمُّ الحُلَيسِ لَعَجُوزٌ شَهْربَهْ على رأى طائفةٍ فيه، وكما في قول الآخر: مَرُّوا عِجَالًا فَقَالُوا: كَيْفَ سَيِّدُكُم فَقَالَ مَنْ سُئِلُوا: أُمْيسَى لَمَجْهُودا وإما على أن يكون «أنت» خبر مبتدأ محذوف تقديره: خالى لهو أنت، فكان اللام إنما دخلت على المبتدأ لا على الخبر، فتكون على أصلها في التقدير. وقد قيل ذلك في قوله: أُمُّ الحُلَيسِ لَعَجُوزٌ شَهْربَهْ النوع الخامس: أن يكون الخبر مسندًا لمبتدأٍ لازم لصَدْرِ الكلام، لعلّةٍ اقتضت ذلك، وهو قوله: «أوْ لَازِمِ الصَّدْرِ». فلازم مجرورٌ عطفًا على «ذى»، كأنه قال: أو كان مسندًا للازم الصدر. وهو على حذف الموصوف، أى: أو مبتدأ لازم الصَّدْرِ. والصدرُ: هو صدرُ الكلام. يريد أن الخبر إذا كانَ مبتدؤُه ممن له صَدْرُ الكلام فيلزمُ تأخيرُه، لأنّ

стр. 738

المبتدأ إذا كان كذلك لم يصح أن يتقدّم عليه مما في جهته شئٌ من معمول أو غيره. والمبتدأ الذى هو لازمٌ للصدر على سبعة أضرب: أحدها: اسم الشرطِ نحو قولك: مَنْ يكرمْنى أُكرِمْه. فمن: مبتدأ، خبره: يكرمنى. وكذلك: ما تصنَعْه أَصْنَعْ مثله. وأيُّهم يَأْتِنى آية. وفي التنزيل الكريم: ﴿وَقَالُوا: مَهْمَا تَأْتِنَا بِه مِنْ آيةٍ﴾، فهو لازمٌ للصدر لأنه تضمَّن حرفًا له صدرُ الكلام، وهو حرف الشرط، ولذلك لا يعمل ما بعده فيما قبله. والثاني: اسم الاستفهام، نحو قولك: ما عندك؟ ومَنْ يأتيك؟ وأيُّهم قائمٌ؟ وكم مالك؟ على مذهب سيبويه، وأتى الناظم بمثال هذا الضرب وهو قوله: «مَنْ لِى مُنْجِدا؟ ». فمن: مبتدأ خبرُه المجرورُ، ومُنجدًا: حال من الضمير في «لى». والمنجد: المغيث والناصرُ والمعين، يقال: اسْتَنْجَدَنى فأنجدتُه، أى: استعان بي فأعنتُه. والثالث: كم الخبرية نحو قولك: كَمْ رَجُلٍ عِنْدَك! وكَمْ رَجُلٍ لى! وإنما لازمت الصدرَ هنا لأحد وجهين، إما بالحمل على الاستفهامية، لمساواتها لها في كثير / من أحكامها وفي لفظها، وإذا

стр. 739

كانت الاستفهامية لازمةً للصدر لتضمنها حرف الصدر، وهو حرف الاستفهام الهمزة أو غيرها، فكذلك ما جرى مجراها، وإما بالحمل (على) رُبّ التى هى حرف لمساواتها لها في المعنى إن قيل بأن معناها التكثير، أو لأنها، مقابلتها إن قيل: إنها للتعليل. وقد مَرّت الإشارةُ إلى هذا الخلاف في سبب بنائها، وموضع استيعاه بابُ كم. وعلى كلا القولين فهى لازمةٌ صدرَ الكلام، فلزمت الصدر كم بالحمل عليها. والرابع: ما أُضيف إلى أحد هذه الثلاثة، نحو: غلامُ من يَقُم أَقُمْ (معه). وغلام من يأتِنِى أُكرمُه. وغلامُ أيِّهم أتاك؟ وغلامُ كم رجل جاءك! فهذا حكمهُ أن يكون في صدر الكلام مثلُ ما أضيف إليه إذا لم يضيف إليه، وذلك لمصاحبته لما له صدرُ الكلام. والخامس: ضمير الشأن فإنه يلزم صدر الكلام، وتكون الجملة التى تقع خبره بعده، فتقول: هو زيد منطلق. هى قام زيد. ولا يجوز أن تتقدم الجملة عليه وإن جاز تقدمها على غيره، إذ لو قدّمت عليه فقيل: زيد منطلق هو، أو قامت هند هى، لم يعلم كونه ضمير الشأن، لتَوَهُّم أن يكون توكيدا للضمير أو الظاهر أو بدلا، فالتزموا تأخير الخبر وتقديم المبتدأ لذلك. فإن قلت: كيف يكون ضميرُ الشأن من الأسماء اللازمة للصدر، وأنت تُدخل عليه العوامل نحو كان وإنّ، فإنك تقول: كان زيدق قائم، أى: كان الأمر

стр. 740

زيدُ قائم، وإنه زيدٌ قائمٌ. وأدوات الصُدور إذا كانت أسماءً لا تدخل عليها العوامل إلا متأخرةً، حيث يمكن تأخُّرها؟ فالجواب: أن ملازمة الصدر في كلامه محتملةً لأن يريد بها امتناع سبقية العامل لها، كأسماء الشرط والاستفهام، وأن يريد ما يلزم الصدر بالنسبة إلى جُزْءَى الجملة خاصة، أى هو معروفٌ بذلك على الجملة، وعلى هذا الثاني يدخل ضمير الشأن. لا يقالُ: إن حمله على هذا الثاني غير مستقيم؛ إذ يدخل (فيه) على هذا المعنى جميع ما تقدم من قوله: «وَامْنَعْه حَيْثُ يَسْتَوِى الجُرْآنِ» إلى هنا، لأن المبتدأ فيها لازم للصدر على الجملة فكان الأولى الاقتصارَ على هذه اللفظية، وحينئذٍ لا يكون في كلامه بيان لما هو من أسماء الصدر ولكنه لم يفعل؛ فدلّ على كون مراده لزومًا مخصوصًا مشهورًا، وما ذاك إلا أسماء الشرط والاستفهام. لأنا نقون: ضمير الشأن مما لزم الصدر لزومًا مخصوصا مشهورًا بوضع أولى، لأن وضعه أن يكون صدر الجملة كأسماء الشرط والاستفهام، ولم يكن التقديم له يعارض عرض له كسائر ما تقدم، فإن تقديم المبتدأ في: زيدٌ أخوك، أو زيدٌ قام، أو ما زيدٌ إلا قائم، أو لزيدٌ قائم. ليس بالوضع الأول، بل لعارض أوجب له التقديم، وهو في الأصل غير

стр. 741

واجب، فصار من هذه الجهة كأسماء الشرط وأسماء الاستفهام. ثم نقول: إن دخولَ العوامل سابقة عليه غيرُ مزيلٍ له عن استحقاق/ الصدر على الجملة من جهة أن بعض العوامل قد تسبق أسماء الشرط والاستفهام، ولا يكون ذلك مزيلًا لها عن استحاق الصدر، وذلك عامل الجر، فلا شتراك ضمير الشأن معها في هذا الاعتبار عَدَدْتُه في جملة الأسماءِ اللازمة للصدر وبالله التوفيق. والسادس: ما التى للتعجُّب في نحو قولك: ما أحسن زيدا! فإن «ما» مبتدأ يلزم صدر الجملة، وهو أولى باستحقاقِ الصدريّةِ من ضمير الشأن، إذ لا يدخل عليه ناسخٌ البتة، فلا يجوز تأخيرها هنا، لان العرب وضعت صيغة التعجب هكذا وألزمتها طريقةً واحدةً، فجرت مجرى المثل، فتُرِك المبتدأُ على حاله من التقديم، والخبر على حاله من التأخير. فإن قلت: إما امتنع تقديم الخبر هنا من جهةٍ أخرى، وهى كونه فعلًا فاعله ضمير المبتدأ، فهو بالتقديم يوهم الفاعلية، وقد مرّ ذلك، فكيف يُعَدُّ هنا امتناع التقديم من جهة كونه لازم الصدر؟ فالجواب: أنّ امْتناع التقديم لأجل كون الخبر فعلًا إنما يستقيم يصحُّ التقديم الموهم، فيمنع لأجل الإيهام، نحو: زيد قام لا تقدم هنا وأنت تريد بقاءَ حكم الابتداءِ، لإيهام التقديم زوالَ ذلك الحكم، وصيرورة المبتدأ فاعلا؛ فهذا إنما يَصور حيث يسوغ على الجملة أن تقول: قام زيد -وليس قولُهم هناك: إن الخبر لا يجوز تقديمه، بمعنى أنه لا يجوز تقديمه بحالٍ، بل بمعنى أنه لا يبقي على إعرابه الأول، أى: لا يحكم له

стр. 742

بالابتداء والخبر إذا تقدم الفعلُ، بل يحكم له بحكم الفعل والفاعل. هذا معنى امتناع هنالك، وأما هنا فلا يجوز التقديم البتَّة، سواء اعتقدت كون <ما> فاعلًا أو مبتدأً، فليس مثله، وإذا لم يكن مثله تعيّن أن يكون امتناع التقديم لأمرٍ آخر، وما هو إلا كون <ما> لازمةً للصدر، لجريان الكلام مجري المثل، فبقيت «ما» على أصلها من التصدير، فدخلت في حكم الواجب التصدير الذى ذكر الناظم، والله أعلم. والسابع: المبتدأ الذى دَخَلت الفاءُ في خبره، نحو قولك: الذى يأتيني فله درهمٌ، [وكلُّ رجلٍ يأتينى فله درهم]؛ لأنَّ المبتدأ هنا مُشْربٌ معنى الشرط، ولذلك تُنَافي الفاءُ الأحكامَ المنافيةُ للشرط، وإنما تدخلُ في خَبَر المبتدأ حيثُ لا يكونُ ثَمَّ حكمٌ منافٍ؛ ألا ترى أهم اشترطوا في صحة دخولها أن يكون المبتدأُ موصولًا ولا يكون مرادًا به شَخْصٌ بعينه، وأَلّا يدخل عليه ما ينافي الشرط كالنفي والاستفهام؛ لأنَّ استحقاق الدرهم بالإتيان إذا قُلْتَ: الذى يأتينى فله درهم. وهذا المعنى الذى يقربه من الشرط مفقودٌ هنا، قاله ابن الحاج. وإذا كان كذلك فلم تدخل الفاء في الخبر حتى وجد في المبتدأ معنى الشرط، فالفاء هي العَلَمُ عليه. وما فيه معنى الشرط، ولو في حال، قد صار مستحقًا لصدر الكلام، فلحق بأسماء الصدر من تلك الجهة، فلا يجوز إذًا تَقَدّم خبره عليه، لأنه في معنى جواب الشرط، وجواب الشرط لا يتقدم / على الشرط، فكذلك [ما في] معناه.

стр. 743

فهذه أضرب سبعة تضمنها قوله: «أَوْ لازِم الصَّدْرِ» بألطف إشارة، وحصل من هذا كلّه استيفاء ما ذكره الناس من هذه المواضع فى هذا الفصل، ولم يفُته إلا ما لا بال له. وأما القسم الثاني وهو وجوب تقديم الخبر على المبتدأ فهو الذى شرع الآ فيه فقال: وَنَحْوُ: عِنْدِى دِرْهَمُ، وَلِى وَطَرْ مُلْتَزَمُ فِيهِ تَقَدُّمُ الْخَبرْ كَذَا إِذَا عَادَ إلَيْهِ مُضْمَرُ مِمَّا بِهِ عَنْه مُبِينًا يُخْبَرُ كَذَا إِذَا يَسْتَوْجِبُ التَّصْديرا كَأَينَ مَنْ علُمتَهُ نَصِيرا؟ وَخَبر الْمَحْصورِ قَدِّمْ أبَدَا كَمَا لَنَا إلّا اتّباعُ أَحْمَدَا فذكر لهذا القسم أربعةَ أضرَبٍ: أحدها: الخبرُ الذى يكون تقديمُه مصححًا للابتداء بالنكرة، وذلك قوله: «وَنَحْوُ عِنْدِى دِرْهُمَ وَلىِ وَطَرْ» .. إلى آخره، فأشار بالمثاليه إلى النوع الذى يُصحّح تقديمُه الابتداء بالنكرة، وهو كون الخبر ظرفًا أو مجرورًا مقدّمًا على المبتدأ، فعندى درهم، مما الخبر فيه ظرف، ولى وَطَرُ، مما خبره مجرور

стр. 744

فكلَّما كان الخبر فيه مصححا للابتداء بالنكرة فذلك المصحح لازم له لبطلان فائدة الجملة بزواله. وقد تقدم الكلام فى المسألة عند قوله: وَلَا يجُوزُ الابْتِدَا بِالنِكرَة مَا لَمْ يفدْ، كَعِنْدَ زَيْد نَمَرة وقوله: «مُلتَزَمُ فِيهَ تَقَدُّمُ الخَبرْ». تقدمُ الخبر: مبتدأ، خبره: ملتزم. والضمير في «فيه» عائد على «نحو». والتقدير: تقدمُ الخبر ملتزمُ فى نحو عندى درهمَ ولى وطرَ. والوَطَرُ: الحاجة، والجمع: الأوطار. ولا يُبْنَى منه فِعلُ، قاله الجوهرى. واعلم أنّ هذا الالتزام المذكور هو القياسىُّ لا السماعى، فإنه قد جاء فى كلام العرب نحو: رَجُلُ فى الدار، قال امرؤ القيس: مُرَسّعةٌ بين أَرْسَاعِهِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . البيت. لكنه قليل، فلذلك ألزم التقديم، وعلى هذا جماعة من المتأخرين. وقد ذُكِرَ عن الشلوبين أنه كان لا يمنع وقوع الخبر مؤخرًا فتقول: درهم عندى، ووطَرُ لى، ورجل فى الدار ولكن الأحسن عنده التقديم، فهو من الأخبار التى لا يلزم تقديمها.

стр. 745

وحجة الناظم ومن قال بقوله ما تقدُم من أنه المسوغ للابتداء بالنكرة، فلو بقى مؤخرًا لأوهم كونة صفة للنكرة [فلا تحصل الفائدة. وأما الشلوبين فليس التقديم هو المسوغ للابتداء بالنكرة] عنده، بل لنك إذا قلت: في الدار رجل [فالمَعْنِىُّ به فى هذا الخبر إنما هو أن حصل في الدار المعهودة رجل] وهذا مفيدُ، فموضع العناية هنا الدار، فحسن تقديمها لمكان العناية الموجبة للتقديم فى كلامهم. فالموجب للجواز إذا حصولُ الفائدة بتعريف الدار، بدليل أنك لو قُلْتَ: فى دارٍ رجلُ، لم يَجُز باتفاق. فتقديم ما حصلت به الفائدة لا ينكر. فإذًا اشتراط التقديم هنا إِنما لأجل كونه عَلَمًا على المعنى المقصود الموجب للفائدة. ويدلّ على أن التقديم ليس لتحصيل الابتداء بالنكرة تقديمُه حيث يكون ثَمّ مسوغُ آخَرُ، بحيث لو لم يقدم لجاز الابتداء بالنكرة باتفاق، نحو: ما فى الدار رجل، فالأحسن هنا تقديم الخبر عناية به، لأنه الذى أوقع الفائدة بتعريفه، ولذلك كثر فى كلامهم نحو: ما له سَبَد ولا لَبَد، وما له ثاغية/ ولا راغية، وما فى السماء موضع راحة سحابًا، وما فى الدار أَرِمُ. وفى القرآن العزيز: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهم من شيءٍ، ومَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيء﴾. وفيه: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحيص﴾، ﴿مَا لَكُمُ مّن ملجأٍ يَوْمئِذٍ وما لَكُمْ مّن نّكِيرٍ﴾

стр. 746

﴿مَا لِلظَالِمِينَ منْ حَمِيمٍ﴾ .. الآية. وهو كثير جدًا. فقولهم فى الدار رجل، من هذا القبيل. وإذا كان المسؤغ غير التقديم لم يلزم التقديم، ولذلك أفاد قول امرئ القيس: مُرَسَّعُة بين أَرْسَاغِهِ ... ..................... فإن التقديم للعناية أكثريٌّ وليس بلازم وظاهر السماع مع الناظم، أعنى السماع الذى يقاس عليه، فلذلك اختاره، والله أعلم. والضرب الثانى: الخبر الذى عاد إليه من المبتدأ فى نفسه ضمير، وذلك قوله: «كَذَا إذا عَاد إلِيه مُضُمر» .. إلى آخره. الضمير فى «إليه» عائد على الخبر، وكذلك فى «به»، عائد عليه أيضا. والضمير فى «عنه» عائد على مدلول «ما» وهو المبتدأ، والتقدير: كذلك إذا عاد إلى الخبر مضمر من الأسم المبتدأ الذى أخبر عنه بذلك الخبر. ويريد أن الخبر يلتزم أيضا تقديمه إذا عاد إليه من المبتدأ ضمير، نحو قولهم: على التمرة مثلُها زبْدًا. فعلى التمرة: خبر مثلُها، وقد عاد إليه الهاء من مثلها. وكذلك قولك: فى الدار ساكنُها، وعند زيدٍ مالُه، وفى ملك عَمْرو غلامه. أَهَابُكَ إِجْلَالًا وَمَابِكَ قُدْرَةُ عَلَىَّ، وَلَكِنْ مِلْءُ عِنٍ حَبِيبُها

стр. 747

ووجهُ هذا اللّزومِ عودُ الضمير على ما قبلَه لفظًا وإن لم يك فى مرتبته، فلو بقى الخبر مؤخرًا لعاد الضمير على ما بعده لفظًا ومرتبة، لأن مرتبة صاحب الضمير -الذى هو المبتدأ- التقديم على مفسّره -الذى هو الخبر- وعودُ الضمير على ما بعده لفظا ومرتبة ممتنع فى مثل هذا. ومبينًا: حال يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى بَيِّنٍ، فإنك تقول: أبان الشئُ عن نفسه فهو مبين، بمعنى بان فهو بَيِّنٍ، أى: ظهر. ومنه في التنزيل الكريم: ﴿فَأتُونا بِسُلْطان مُبِين﴾، فمعناه: بَيِّنٍ، بدليل الآية الأخرى: ﴿لَولَا يأتونَ عَلَيْهمِ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾. والثانى: أن يكون بمعنى مُبَيِّنٍ غَيْرَه، ومنه فى التنزيل/: ﴿إِن هُوَ إلَّا نَذِير مُبِين﴾، فهذا بمعنى مُبَيّنٍ، كقول الله تعالى: ﴿لِتُبَيَّن للنَّاس ما نُزِّلَ إليهم﴾. فقولهم: أبان يتعدى ولا يتعدّى، كبيّن وتبين استبان. وهذا الثانى هو مرادُ النّاظم، والله أعلم. فهو حالٌ من الضَّمير

стр. 748

في «به»، وفصل بينهما [بعنه، وذلك جائز، إذ ليس بأجنبى، أى: يخبر عنه به فى حاله كونه مبينا] وأراد بكونه مفسِّرًا للضمير الذى عاد إليه من المبتدأ نحو ما تقدم من الأمثلة، وتحرز بذلك من أن يكون العائد من المبتدأ إلى الخبر لا يفسّرُهُ الخبر بفسه، بل يكون مفسّره ما يتعلق بالخبر، من معمول له ومن مثله قولك: محرزُ زيدًا أَجَلُه، ونافعٌ عمرًا علمهُ، وساترُ خالدًا ثوبه؛ فإن مفسّر الضمير هنا ليس نفس الخبر، بل معموله، وهو: زيدُ، وعَمْرو، وخالد. وإذا كان كذلك فمفهوم هذا القيد أن لا يلزم تقدم الخبر، وإنما يتقدم المفسّر فقط ويبقى الخبر على الجواز الأصلىّ في التقديم والتأخير، فتقول/ على هذا: زيدًا أَجَلُهُ محرزُ، وعمرًا علمُه نافعُ، وخالدًا ثوبُه ساترٌ. وكذلك جميع ما جاء من هذا. والفصل بين العامل والمعمول فى هذا مُغْتفَر، إذ ليس الفاصل بأجنبىّ. وكذلك تقول على هذا: زيدًا أجلُه أَحرَز، وزيدًا غلامه ضرب: فتُؤَخر الخبر وتُقدم المفسّر، وهو معمول الخبر، وهذا جائز عند المؤلّف، وفى نظمه هذا استعمالُ مثل: زيدًا أجَلُه أَحْرَزَ. وقد تَقدم منه مواضِعُ. والضرب الثالث: الخبر الواجبُ التّصدير، وهو الذى نَبّه عليه قولهُ:

стр. 749

«كَذَا إِذَا يَسْتَوْجِب التَّصْدِيرا». الضميرُ فى «يستوجبُ» عائدٌ على الخبر، يعنى أنّه يلزمُ أيضا تقديمُ الخَبَر إذا استحقَّ أن يكون صدرَ الجملة لموجب أوجب له ذلك، مثل أن يكون فيه معنى الاستفهام، كأين في مثال الناظم، فمن: موصولة، صلتها «علمته نصيرا»، وهى مُبْتَدأ، خبره أين. فلا يجوز على هذا أن تقول: من علمته نصيرا أين؟ وكذلك يجب أن تقول عنده: كيف زيد؟ ومتى قيامك؟ وَمِن ذلك قولُ الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السّاعَةٍ: أيّانَ مُرْسَاهَا؟ ﴾ ولا يجوز أن تقول: زيدٌ كيف؟ ولا قيامك متى؟ ولا مرساها أيّان؟ لو فرضته في غير القرآن. وكذلك قولهم: كم مالك؟ وكم جريبًا أرضُك؟ على رأى الفارسيّ، حيث جعل «كم» خبرا لا مبتدأ، نقله عنه ابن خروف في شرح «الكتاب». وهذا الذى قرر هو رأىُ الجمهور. وأجاز الأخفش والمازني: زيدٌ كيف؟ وعمرو أين؟ فلم يريا وجوبَ التقديم هنا. ولا أدرى ما مستندهما في ذلك إِنْ كان النقل عنهما على ما هو الظاهر؟ وإلا فوجوبُ التّصدير على الجملة في أسماء الاستفهام كقولهم: ضرب مَنٌ منّا؟ وقولهم: كان ماذا؟ وأُليْفاظٌ مِنْ هذا النّمَطِ لا تثبت بها إجازاة ما أجازه، وسيأتى ذكر شئ من ذلك في مواضعه، إن شاء الله، فالحق رأى الجماعة في ذلك. ومثلُ ذلك المضافُ إلى اسم

стр. 750

الاستفهام نحو: غلامُ أىّ رجلٍ غلامك؟ وصبحِةَ أىّ يوم سفرُك؟ وعشَيةَ أىّ يوم قدومُ زيد. وما أشبه ذلك. والنصير بمعنى الناصر، والجمع: الأنصار، مثل شريف وأشراف. والضرب الرابع: الخبر الذى يوقع مبتدؤُه محصورًا، وهو الذى قال فيه: «وَخَبَر المَحْصُورِ قَدِّم أبَدَا» .. إلى آخره. خَبَرَ: مفعول مُقَدَّم، أى: قَدِّم خبر المبتدأ المحصور أبدًا، فلا تؤخه البتّة نحو قولك: إنما في الدار أخوك، وما عندى إلا زيدٌ. ومن أبيات الكتاب: وما لى إِلّا اللهُ لا رَبّ غَيرَه وهو كثير. وسببُ تقديم الخَبرِ هنا قد مَرَّ مثله. وعبّر هنا بالمحصور عن المحصور فيه، وقد تقدم الاعتراض عليه والجواب عنه في المسألة التى قبلها. وقوله: «مَا لَنَا إِلّا اتباعُ أَحْمَدَا»، مثال من ذلك. وأحمد: هو رسول الله، ﷺ . أى: إِنَّ اتباعا في الدين والنِّحلة محصور في اتباع محمدٍ ﷺ . وقد نَقَصَ الناظمُ مما ذكر في التسيهل ضربان: / أحدهما: الخبرُ الدالّ عند تقديمه على ما لا يدلُّ عليه عند تأخره،

стр. 751

ومثّلَ ذلك بقولهم: لله درُّك! ولله أنت! فإنّه يدُلُّ مع التقديم على معنى التعجب، ولو قلت: دَرُّك لله، وأنت لله، لم يدلّ على ذلك. وكذلك قولُهم: سواء علىّ أقمت أم قعدت، فقولهم: «أقمت أم قعدت» هو المبتدأ م جهة المعنى، والتقدير: سواءٌ علىّ قيامك وقعودك. ولو قلت: أقمت أم قعدت سواء علىَّ، لتوهّم السامعُ أنّك مستفهمٌ حقيقةً، وذلك غير متوهم مع تقديم الخبر الذى هو سواءٌ. والثاي: الخبر الذى مبتدؤُه أنّ المفتُوحة المشدّدة ومعمولاها، نحو قولك: في علمي أنّك صادق، وعندي أنَّ زيدًا قائم. ولا تقولُ: أنك صادقٌ في علمي، ولا أن زيدًا قائم عندي. ووجه ذلك عنده إِما خوفُ التباسِ المفتوحةِ لو قدمت بالمكسورة، وإما خوف التباس المصدرية بالتى لمعنى لعلّ، وإما تعريضها لدخول إِنّ المكسورة عليها مباشرة. وهو نحو تعليل سيبويه. وإمّا يلزم تأخير «أَنّ» وتقديم الخبر إذا لم يتقدم الكلام أمّا، فإن تقدمت لم يلزم تقديم الخبر، نحو: أمّا أنَّ زيدا قائمٌ ففي علمي. فإذًا حَصْرُ الناظمِ لمواضع وجوب التقديم يقتضى ألا يلزم إلا فيما ذكر، فعلى هذا يجوز تأخير الخبر في هذين الموضعين وما أشبههما مما لم يذكره، وذلك غير صحيح.

стр. 752

وقد يُجَابُ عن هذ بأنه لم يقصد حصر المواضع كلّها، بل نبّه على جملةٍ منها يُلْحَق بها ما عداها مما لم يذكره. وأيضًا فإن الموضع الأول قليل جدًا، ومما لا يَعْتَبِرُ مثله الناظمُ لأنه سماعِىٌّ وجارٍ مجرى المثل الذى شأنهُ أَن لا يُغَيِّر، والموضع الثاني ليس المبتدأ فيه بصريح، فلم تعْيَنِ به كُلّ الاعتناء. والله أعلم. (ثم قال): وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ. بَعْدَ: مَنْ عِنْدَكُما؟ وَفي جَوَابِ: كَيْفَ زَيْدٌ؟ قُلْ: دَنِفْ فَزَيْدٌ اسْتُغْنِىَ عَنْهُ إِذْ عُرِفْ لما تَكَلّم على أحكام المبتدأ والخبر مثبتين، أخذ في الكلام على عروض الحذف فيهما. والقاعدة أن الحذف في كلام العرب لا يكون إلا حيث دلّ عليه دليلٌ من قرينة لفظيّة أنّ معنوية، لأنه لو لم يكن عليه ديل لاختل المقصودُ من الإفهام، فإنك لو قلت ابتدءًا: زيدٌ، وأنت تريد: قائم أو خارج، ولم يكن ثَمّ مما يدلّ عليه، لم يقع بما تكلّمت به فائدة، وكذلك لو قلت: قائم أو خارج، وأنت تريد الإسناد إلى زيد، ولم يكن ثَمّ قرينة تَدُلّ -لم يكن في الكلام فائدةٌ، وهذا حيث يكون ثمّ دليلٌ على محذوف، لكنه لا دليل على تعيينه، وأما لم يكن في الكلام دليل على محذوف، فأحرى أن لا يُحْذف. وقُصَارانا أن نقولَ هنا: إِنّ الكلام لم يحذف منه شئٌ البتّةَ، كما إذا قلنا: زيدٌ قائم، فأنت لا يصح لك أن تقول: إن هذا الكلام محذوفٌ منه؛ إذ هذه دعوى [ليست بأولى من دعوى] عدم الحذف،

стр. 753

بل دعوى عدم الحذف مستندةً إلى الظاهر، وهو دليل في نفسه، والحمل على الظاهر مطلوبٌ وإن أمكن أن يكون المراد غيره. فالحاصل أنّ الحذفَ لا يُدّعى إلا مع الدليل، والناظم ابتدأ بهذه القاعدة الكُلِّية الجارية في أبواب العربية؛ إذ لم يُقَيِّدْها / بهذا الباب، بل قال: «وَحَذْفُ ما يُعْلَمُ جائزٌ»، فأتى بـ «ما» العامة ولم يفيدها، فإن أراد هذا فهو صحيح، ويدخل في العموم بابه من باب أولى. ويحتمل أن يريد التقييم ودلّ عليه السياق، كأنه قال: وحذف ما يُعْلم من المبتدأ والخبر جائز. وعلى هذا يدلُّ ما مَثّل به. وقوله: «وَحَذْفُ ما يُعْلَمُ جَائِرٌ» فيه إشكال من ثلاثة أوجُهٍ: أحدهما: أن العلم بأ؛ د الجزأين قد يكون علما مطلقا كالأمثلة التى مَثّل، وهو العلم الذى يُعَيِّن الجزء، والحذف مع هذا العلم جائز بلا إشكال؛ إِذِ المحذوف معه كالمثبت، وعبارة الناظم منطبقةٌ عليه. وقد يكون علما لا مطلقا، بل يكون الخبر معلومًا على وجه وغير معلوم على وجه، كما إذا قلت: زيدٌ، وحذفت الخبر، أو قلت: قائم، وحذفت المبتدأ. فهذا وما كان مثله يطلق عليه أنه معلوم، لكن علمًا إجماليًا دلّ عليه الكلام، لأن المبتدأ يقتضى خبرًا على الجملة، والخبر يقتضى مبتدأ على الجملة، فالقرينة مُعرفة بالمحذوف. فهو من هذا الوجه معلوم، ومن جهة التعيين مجهول. لكن العرب لا تراعي جهة العلم هنا ولا تعتبره، بل تُغَلِّب جهة الجهل فلا تجيز الحذف البتة، ومع هذا فيصدق أنه معلوم. والناظم لم يقيد العِلْم، فليس له ما يمنع دخول مثله تحت قوله: «وّحَذْفُ ما يُعْلَمُ»، وعند ذلك يقتضى جواز الحذف في مثل: زيد قائم، إذا لم يدل دليل على التعيين لكن هذا غير صحيح وغير جائزٍ باتفاق، فإِطلاقه غير مستقيم.

стр. 754

والثاني -على تسليم أنه أراد العلم بالتعيين- فحكمه بأنه جائز على الإطلاق، من غير تقييد، غير صحيح؛ فإن حذف ما يعلم على وجهين: أحدهما: جائز كالأمثلة المذكورة. والثاني: واجب لا جائز، كالحذف بعد لولا، وبعد الواو التى بمعنى «مع»، وسائر ما ذكر بعد. فإذًا ليس كلُّ ما يعلم فيحذف يكون جائزَ الحذفِ، بل قد يكون جائزًا وقد يكون واجبًا. والثالث: أنه أطلق القول بجواز الحذف في كل ما يكون معلوما من الجزأين، وذلك ليس على إطلاقه، فإن للإثبات مقاصد في كلام العرب لا تنكر، كما أن للحذف مقاصد، فقد يكون الجزء معلوما ولا يجوز مع ذلك الحذف بحسب قصد المتكلم؛ ألا تراهم جعلُوا لحذف الفاعل مقاصد كثيرة، ومثلها يلزم في إثباته؛ إذ لا فرق في المقاصد البيانية بين الحذف والإثبات. ومن أنكر هذا فهو صائم عن فهم كلام العرب. فإن لم يسامح في عدم اعتبار المقاصد البيانية، سردنا عليه مقاصد الإثبات التى لا يسوغ معها الحذفُ وإن كان الجزء معلومًا، فيتكسر عليه قوله: «وَحَذْفُ ما يُعْلَمُ جَائِزٌ». وهى مبسوطة في كتب أهل البيان. وإن سامحناه في ذلك. وقد كان الأولى أن لا يُسامح، لاعتباره المقاصد البيانية في مواضع كما مَرّ في فصل «التقديم والتأخير» -وَرَدَ عليه أيضا بحسب النظر النحوىّ مواضعُ يوجد فيها العلمُ ويمتنع الحذف، فمنها: خبر ما التعجبية لا يجوز حذفه وإن كان معلومًا؛ قال ابن الحاج: لأن القصد من التعجب كأنه منافٍ للاختصار. قال ومثل التعجب في هذا خَبر المقصود في

стр. 755

باب نعم وبئس / إذا أعربناه مبتدًأ وخبره نعم وبئس قال: ومنه أيضا خبر ضمير الأمر والشأن، كقولك: هو زيد قائم، وكذلك المبتدآت في هذه المواضع لا يجوز حذفها وإن كانت معلومة. ومثل ذلك المبتدأ المحصور، والخبر المحصور لا يجوز حذفُ واحدٍ منهما مع الحصر وإن كان معلوما. وقد نصّ أبو الحسن على ضعف قولك لحقٌّ أنّه ذاهب: إنه على حذف الخبر عند سيبويه. وإنما استقبحه الأخفش من جهة [حذف الخبر] خاصّة، قال: ألا ترى أنك لو قلت: لَعَبْدُ الله، ثم أضمرت الخبر، لم يحسن -يعنى مع العلم، وإلا فلا يجوز حذفُه إذا لم يعلمُ فكذلك لحقٌّ أنّه ذاهب بالإضافة، وهو على تقدير: ليقين ذاك أمرك. فهذا نصٌّ على ضعف حذف الخبر هنا وقُبْحه، وقد علل استقباحه بأن لم أكد بالكلام صار مع الحذف كالمتدافعين. ونظيره ما قال ابن جني في نحو: الذى ضربته نَفْسَه زيد، من أن لا يجوز حذف ضمير الموصول هنا لأنه موكّد، والحذف مناف للتوكيد. وعلى ما قال الأخفش يقبح أيضا حذف المبتدأ مع اللام المؤكدة، ولذلك قل نحو: أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ على رأى من جعله على حذف المبتدأ، وقول الآخر: خالِي لأنْتَ ... ...

стр. 756

وقد تقدم. فقد اجتمع لك خمسة مواضع لا يجوز فيها حذف واحد من الجزأين وإن كان معلومًا، فكيف يقول: «وَحَذْفُ ما يُعْلَمُ جَائِزٌ» قولًا مطلقا؟ ! والجواب عن الإشكال الأول: أنّ المراد بالعلم العلمُ بالتعيين، وهو الذى عَينه المثال في قوله: كما تَقُولُ: زَيدٌ، بَعْدَ: مَنْ عِنْدكما؟ ». فكأّنّ المثالَ قيدٌ يُعيِّن العلم، ما هو؟ وعلى أىّ وجه هو وأيضا فإن المعلومَ من وجهٍ دون وجهٍ يُطْلَق عليه أنه غير معلوم، وإذا صح فيه هذا الإطلاق اقتضى مفهوم الكلام أن لا يحذف، لأنه غير معلوم. فليس إدخاله في المعلوم بأولى من إدخاله في غير المعلوم، فلا يصحّ الاعتراض به. والجواب عن الثاني من وجهين: أحدهما: أن لفظ الجائز يطلق على ما استوى فعله وتركه -وعلى هذا المعنى حمله المعترض- ويطلق أيضا على ما لا يمتنع مطلقا، فيدخل فيه الجائز بالمعنى الأول، ويدخل فيه أيضا الواجب، وما كان من باب الأولى في الفعل أو في الترك، لأن الجميع غير ممتنع. ويطلق أيضا باعتبارات أخبر لا حاجة بنا إلى ذكرها. وقد ذكر ذلك أهل أصول الفقه. فعلى الإطلاق الثاني قد دخل الواجب الحذف تحت لفظ الجائز، فكأنَّ الناظم قال: «وحذف ما يُعْلَم غيرُ ممتنعٍ على الجُملة». ولَو عبّر بهذه العبارة لصحّ كلامُه لِشُمولها الوجهين: الواجبَ الحذفِ والجائز الحذف والإثبات، ولا يبقى بعد ذلك إشكال.

стр. 757

والثاني: -على تسليم أنه أراد الجائز بالإطلاق الأول- فإنما معنى كلامه: أن ما يعلم منه جائز فالأمثلة المذكورة، ومه واجب كالحذف بعد لولا وما أشبه ذلك، فيكون قوله: «جائز»، ليس غير المبتدأ الأول، بل هو مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قال: «وحذف ما يُعْلَمُ منه جائز. ويجبُ بعد ولا، وكذا، وكذا. وهذا أيضا صحيح في نفسه، فلا إشكال. وإما الثالث فالظاهر وروده / إلا أن يقالَ: إن مثلَ هذه الأشياء مما لم يذكرها الجمهور في الكتب المطولة، فهو حين تركها أعذرُ منهم، لاختصاره. وإنما يتمكن الاعتراض بها على التسهيل. ثم رجع إلى قصد ذكره، فقال: «وحذفُ ما يعلم جائز» إلى آخره، يعنى أن كل جُزْءٍ من جُزْأَىِ الجملة يجوز حذفه إن كان معلومًا عند السامع حتى كأنه في حكم المذكور. وهذا الحذفُ لم يقيّده بجزءٍ دون غيره، فاحتمل كلامه ثلاثة أضرُبٍ من الحذف، أشار إلى ضربين بمثالين، وترك الثالث اعتمادًا على الكليّة: الضرب الأول: حذف الخبر، وهو الذى أشار إليه بقوله: كما تَقُولُ: زيد. بعد: مَنْ عِنْدكما؟ فإذا سُئِلت هذا السؤالَ فقيل لك ولصاحبك: من عندكما؟ فقلت: زيد فزيدٌ مبتدأٌ حُذِف خبرُه لدلالة الكلام الأول عليه. وأصل الجواب: زيدٌ عندنا. لكنْ حُذِف الظرف اختصارًا. وقوله: «بعد مَنْ عندكما؟ ». أراد بعد هذا الكلام المقول فيه عن الشخص الذى استقرّ في هذا الظرف.

стр. 758

وهذا مثال واحدٌ من عددٍ كثير يشتملُ على قرائن يجوز معها حذف الخبر، فمن ذلك: زيدٌ قائم وعمرو. فالتقرير: وعمرو قائم. ومنه: خرجت فإذا الأسدُ. تقديره: فإذا الأسدُ حاضرٌ أو موجود أو نحو ذلك. وهذا ليس كالإثبات في الكثرة. ومن ذلك قول الشاعر: نَحنُ بِما عِنْدَنا، وأَنت بما عِنْدَكَ رَاضٍ، والرأىُ مخْتَلِفُ فحذف خبر نحن، وهو: راضون، لدلالة «راض» عليه. والضرب الثاني: حذفُ المبتدأ، وهو الذى عنى بمثاله الذى قال فيه: «وفي جواب: كيف زيدٌ؟ قل: دَنِفْ». يعنى أنك إِذا سئلت فقيل لك: كيف زيدٌ؟ فلك أن تحذف المبتدأ فتقول دَنِفٌ. وأصل الجواب أن تقول: زيدٌ دنفٌ، ثم تحذف. وليس في قوله: «قُلْ: دَنِف» القطع على الحذف، بل ذلك إلى خِيَرَةِ المتكلم، دلّ على ذلك قوله: «وَحَذْفُ ما يُعْلَمُ جَائزٌ». وقوله: «في جوابِ» متعلِّقٌ بـ «قُلْ». وهو على الحكاية، أعنى: كيف زيدٌ؟ كأنّ المعنى: «وفي جواب سُؤَالِك بهذا الكلام قل كذا». والدّنِفُ -بكسر النونِ-: المريض، يقال: دَنِف المريض دَنفًا: إذا ثَقُل في مرضه. وقال الجوهرى: الدّنَفُ: المرضُ الملازم، واسم الفاعل: دَنِفٌ،

стр. 759

وامرأة دَنِفةٌ، ورجلان دَنِفان، فتثنى وتجمع وتؤنث، وقد يوصف بالمصدر فتقول: رَجُلٌ دَنَفٌ، بالفتح، وامرأة دنَفٌ، ورجلان دَنَفٌ. وهكذا في الجمع والتأنيث يكون على حالة واحدة. ومثل ما مثّل به الناظم قولك: في الدار، لمن قال: أين زيد؟ وأن قُعُودُك؟ والتقدير: زيدٌ في الدار، وقُعُودى في الدار. ومنه أن تقول إذا شَِمْتَ طيبًا: مِسْكٌ والله. أى: هذا مِسْكٌ، أو هُوَ مِسْكٌ. وكذلك تقول إذا سَمِعت هينمةً: قراءةً، أى: هى قراءة. ومنه قول الله : ﴿مَنْ عَمِلَ صالحًا فَلِنَفْسِهِ﴾، أى فعمله [لنفسه] أو صلاحه لنفسه، ﴿ومن أساءَ فعليها﴾، أى: فإساءته عليها. والضربُ الثالث: حذفهما معًا. ولم يُشْرِ الناظم إليه بمثال، ولفظه محتمل له، لكنه ليس في كثرة الضربين قبله، ومثاله قوله: أين زيد جَالِسٌ؟ فتقول: في الدار، أو عندى. فالتقدير: زيدٌ جالسٌ في الدار أو عندى. ومثله: متى عَمْرو سائر؟ فتقول: بعد غدٍ. وأيّ موضع أنت ساكن؟ فتقول: مكان كذا. وما أشبه ذلك. ومنه ما عُوِّض / منه حرف الإيجاب، نحو نعم، ولا، إن قيل: إن الجواب بعدها مقدّرٌ، كما رآه ابن عصفور، كما إذا قيل: زيدٌ عندك؟

стр. 760

أو قيل: أعمرو منطلق؟ فتقول: نعم، أو: لا وقد عّ ابنُ الناظم من هذا الضرب قول الله سبحانه: ﴿واللائي لَمْ يَحِضْنَ﴾، أى: فعدّتهن ثلاثة أشهر. وأصلُ ذلك للفارسيّ. وذلك لا يتعيّن في الآية لوجهين، أحدهما إمكان تقدير المفرد مكان تلك الجملة، كأنه قيل: واللائى لم يَحِضن كذلك، أو جاريات مجراهن، أو ما أشبه ذلك. والثاني: أن الجملة إن سُلِّم أنها المقدرة فلأنها هى الخبر، فلنا أن ننقول: لم تُحَذفْ هنا الجملة من حيث هى مبتدأٌ وخبرٌ، بل من حيث هى خبر المبتدأ الذى تقدم وعند ذلك لا يكون فيها دليل على جواز حذف المبتدأ والخبر بإطلاق، وهو المحتاج إليه هنا. هذا كله إن جعل ﴿واللّائِى لَمْ يَحِضْنَ﴾ في موضع رفع، وأما إن جعلته في موضع خفض عطفا على (هُنّ) من قوله: ﴿فعِدّتهن﴾ فالآية بمعزل عن هذا الضرب الذى ذكر، وإنما يرجع إلى الضرب الأول، فتأمله، والله أعلم. وقولُ الناظم: «فَزَيدٌ اسْتُغْنِىَ عَنْهُ إِذْ عُرِفْ»، أراد بزيد هنا المذكور في المثال الثاني، وهو كيف زيد؟ فقولك في الجواب: دَنِف، استغنيت فيه عن إعادة ذكر زيد، لتقدم ذكره في السؤال، فحصلت المعرفة به، فاختُصِر. هذا ذكر الحذف الجائز ثم شرع في ذكر الحذف الواجب فقال:

стр. 761

وَبَعْدَ لَوْلَا غَالبًا حَذْفُ الخَبَرْ حَتْمٌ، وَفِي نصِّ يَمِينٍ ذا اسْتَقَرْ وَبَعْدَ واوٍ عَيّنَتْ مَفْهُومَ مَعْ كَمِثْلِ كُلُّ صَانِعٍ وَمَا صنَعْ وَقَبْلَ حَالٍ لَا يَكُون خَبَرَا عَنِ الذِى خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرا كَضَرْبِيَ الْعَبْدَ مُسِيئًا وَأتَمْ تَبْيِينَىِ الحقّ مَنُوطًا بِالْحِكَمْ اعلم أنّ الحذفَ قد يجب في أحد الجزأين، فلا ينطق به البتة، أو ينطق به لكن قليلا. وليس ذلك بمقتصر به على أحدهما دون الآخر، بل قد يحذف المبتدأ وجوبا، وقد يحذف الخبر كذلك. والناظم اقتصر هنا على حذف الخبر ولم يتعرّض لحذف المبتدأ، فقد يقال: إن كلامه يُوهِم أالحَذْفَ الواجب يختصّ بالخبر، ويشعرُ بذلك ذكره جواز الحذف في الجزأين، فلما ذكر وجوب ترك التنبيه على ذلك [في المبتدأ]، فأوهم هذا أن المبتدأَ لا يُحذَف وجوبا، بل جوازا. وليس كذلك بل يحذف وجوبا في مواضع جملة، منها: في النعت المقطوع إلى الربع إذا كان للمدح أو الذم أو الترحم، نحو قولهم: الحمد لله الحميدُ، والحمد لله أهلُ الحمدِ. وكذا في الذم نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيمُ، وفي الترحُّم نحو: مررت به المسكينُ. قال المؤالف: لأنهم قصدُوا إنشاء المدح، يعنى في قطع النعت، فجعلوا إضمار الناصب أمارةً على ذلك، يعنى حين قطعوا إلى النصب، كما فعلوا في

стр. 762

النداء؛ إذ لو أظهروا الناصب لخفي معنى الإنشاء، وتوهّم كونه خبرا مستأنفًا / في المعنى. قال: فلما التزم الإضمار في النصب التزم في الرفع، ليجري الوجهان على سَننٍ واحدٍ. ومنها: الحذف لكون الخبر مصدرًا جِئَ به بدلًا من اللفظ بالفعل، نحو ما أنشد سيبويه: فَقَالَتْ: حَنَانُ، مَا أَتَى بِكَ هَهُنا أَذُو نَسَبٍ أَمْ أَنْتَ بِالْحَىِّ عَارِفُ؟ التقدير: أمرى خنانُ. وقالوا: سمعٌ وطاعة، وصبرٌ جميل. وفي التنزيل (قال: سِلْمٌ)، على تقدير: أَمْرِى، في الجميع. والأصل في هذا النوع النصب لأنه مصدر جرء به بدلًا من اللفظ بفعله، فالتزم إضمار ناصبه، لئلا يجتمع البدل والمبدل منه، ثم حمل المرفوع في التزام إضمار العامل على المنصوب، وعامل الرفع هنا هو المبتدأ. وأمثلة هذا النوع كثيرة، قال سيبويه: «والذي رفُعِ عليه حَنانٌ وصبرٌ وما أشبه ذلك لا يُستعمل إظهارُه، وتركُ إظهاره كترك إظهار ما يُنصب فيه». ثم علل ذلك بما تقدم، وبأن معنى الرفع على معنى النصب، وقد كان في النصب بدلًا من اللفظ بالفعل، فكذلك في الرفع.

стр. 763

ومنها: المخبر عنه بممدوح نعم ومذموم بئس، عند من يقول: إن المخصوص هنالك خبر مبتدأ، حسبما يذكر في بابه، إن شاء الله، إلى أشياءَ من هذا القبيل. ومنها: ما جرى من الأسماء مجرى المصادر نحو: سُبُّوح قُدّوس، رب الملائكة والروح، وكذلك خَيْرُ ما رُدّ في أهل ومال، وما أشبه ذلك. فكان الأولى أن يذكر هذا النوع كما ذكر الآخر، من جهة إيهام كلامه خلاف الحكم المستقيم، ومن جهة أن المسألة من جائل النحو، لا من غرائبه. وقد يعتذر عنه بأن الحذف في النعت المقطوع قد ذكره في باب النعت فقال: وَارْفَعْ أَو انْصِبْ إِنْ قَطَعْتَ مُضْمِرا مُبْتَدَأ أَوْ نَاصِبًا لَنْ يَظْهرًا وفي باب نعم وبئس ذكر حذف المبتدأ المخبر عنه بالمخصوص، فقال هنالك: وَيُذْكَرُ المَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَأ أَوْ خَبر اسْمٍ لَيْسَ يَبْدوُ أَبدًا وما عدا هذين فهو من القليل؛ إذ الرفع فيها ليس لكل العرب، فلما كان كذلك تَرَكَ ذكره، كعادته في ترك كثير مما يقلُّ في كلام العرب، ولا يبلغ مبلغ الشائع المطرد، وإن كان له قياسٌ مّا؛ ألا ترى أنه لم ينبّه في باب المصدر على جواز الرفع في تلك الأشياء لما كانت أقليّةً بالنسبة إلى النصب. فإذا ثبت هذا

стр. 764

لم يبق له مما يتعيّن ذكره في الحذف الواجب إلا حذف الخبر، فهو الذى تَعرَّض له، وذكر له أربعة مواضع: أحدها: بعد لولا، فقال: وَبَعْدَ لَوْلا غَالبًا حَذْفُ الخَبَرْ حَتْمٌ ... ... ... ... ... حذف الخبر: مبتدأ، خبره: حَتْمٌ. وبعد لولا متعلق بحتم، لأنه في معنى محتوم، كخلق بمعنى مخلوق في قول الله: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾. والحتم: الايجاب، يقال: حَتَمَ الله كذا وكذا، بمعنى: أوجبه حَتْما. والحَتْمُ أيضا: القضاء، وليس في هذا لامعنى (يريد أن خبر المبتدأ يجب حذفه لعد لولا، فلا يتكلم به غالبًا) لأنه مفهوم بنفسه، فإذا قلت: لولا زيد لأكرمتك، فمعناه: لولا زيدٌ ثابت أو موجود، أو هنا، أو نحو ذلك، فلما كان مفهومًا اسم الفاعل أوا الفعلُ المتعلق به الظروف المجرورُ الحذف في نمو زيدًا في الدار، وجاءني / الذي عندك، لما كان مفهومًا بنفسه الزموه الحذفَ، كما ألزم من الكلام. وأيضا فلكثرة الاستعمال؛ قال سيبويه: «وكأنّ المَبْنِىّ عليه -يَعْنى عَلَى المبتدأ بعد لولا- الذى في الإضمار -يعنى الخبر- كان في مكان كذا وكذا، فكأنه قال: لولا عبدُ الله كا بذلك المكان، ولولا القتالُ وكان في زمان كذا؟ ولكن هذا حذف حين كَثُر استعمالهم إياه في الكلام، كما حُذِف في إِمّا لا». ثم أتى بنظائر، وهذا هو الأصلُ في لزوم حذف كلّ خبر ذكره الناظم وفرضُه حذفَ الخبر هنا ظاهرٌ في أنّ ما بعد لولا مبتدأ، وهو مذهب البصريين خلافًا لمن زعم (خلاف)

стр. 765

ذلك، حسبما يأتى، حيث تعرض الناظم للمسألة، وإن شاء الله. وقوله: «غالبًا» قيدٌ في الحذف الواجب، يريد أَنّ الخبر بعد لولا -في الغالب- واجب، أى: في غالب الكلام، ومفهومه أنه في النادر غير واجب، وإذا كان غير واجب فهو إمّا جائز وإمّا ممتنع، فالممتنعُ الحذفِ هو الذى لا يُعْلَم إِن حُذِف، والجائزُ الحذفِ: هو الكون المقيّد الذى عليه دليل. وهذا القسمان مفهوم حكمهما مما تقدم في لاقاعدة الأولى، فقد تصوّر في حذف الخبر بعد لولا أقسام ثلاثة: واجب الحذف، وهو: الكونُ المطلقُ نحو: لولا زيد لأكرمتك. وإما وجب هنا الحذفُ لأنه معلوم بمقتضى لولا؛ إذ هى دالةٌ على الامتناع لوجود، والمدلول على امتناعه هو الجواب، فقولك: لولا زيدٌ لأكرمتك، يعلم منه أن وجود زيد مانع من الإكرام، فصحّ الحذف ووجب لسدّ الجواب مسدّه وممتنع الحذف وهو: الكون المقيد الذى لا ديليل عليه، كقول: لولا زيد سالمنا ما سلم، فسالما: خبر زيد ولو حذف لم يعلم، فامتنع حذفه. وكذلك: لولا زيد (عندنا) لهلك. وفي صحيح الحديث: لولا قومك حديثٌ عهدُهم بكفر لأسّسْت البيت على قواعد إبراهيم. وجائز الحذف وهو: الكون المقيد الذى دلّ عليه الدليل، نحو قولك: لولا أنصارُ زيدٍ حَمَووه لم يَنْجُ. فلو حذف الخبر هنا، وهو حَمَوه، لجاز للعلم به. ومنه عند المؤلف قول أبي عطاء السندي:

стр. 766

لَوْلَا أَبُوكَ، وَلَوْلَا بَعْدَهُ عُمَرُ أَلْقَتْ إِلَيْكَ مَعَدٍّ بِالْمَقَالِيدِ وقال الآخر: فَلَوْلَا سِلَاحِى عِنْد ذَاكَ وَغْلِمَتى لَكانَ لَهُمْ يَوْمٌ من الشّر أَيْوَمُ قال ابن الحاج: وأُقَدِّر أننى وقفتُ من كلامهم على نحو: لولا زيد ثَمّ أو هنالك وشبهه. وقال علقمة: فَوَ اللهِ لَوْلَا فَارِسُ الجَوْنِ مِنْهُمُ لآبُوا خَرايا، وَالإِيَابُ جَيبُ وعلى هذا النادر يجري قول المعرّى في صفة السيف: يُذِيبُ الرّعبُ منه كُلُّ عَضْبٍ فَلَوْلا الغِمْدُ يُمْسِكُهِ لَسَالَا ولكن هذا كُلّه عند الناظم نادرٌ، والغالبُ انحتامُ الحذفِ. ويبقى بعدُ نظرٌ في هذا النادر هل هو مما يُقَيُّد به عنده أم لا؟ فهو يحتمل وجهين: أحدهما: ما هو الظاهر من عَدَم الغلبة، وأنّه قليل لا يعتدّ به. والثاني: أن يُرِيدَ أنه مقيسٌ معتدٌّ به؛ إذ ليس في الإشعار بقلته ما يشعر بعد القياس فيه.

стр. 767

فإن أراد الأَوّلَ فهو راجعٌ إلى مذهب طائفة من النحويين في التزام الحذف مطلقًا، وأنه لا يجوز ذكره / وحيث فُرِضَ خبر لا يعلم لكونه ليس بكونٍ مطلق، صاغوا منه مصدرًا وأضافوه إلى المبتدأ فيقولون: لولا مسالمة زيدٍ لنا ما سلم، ولولا استقرار زيد عندنا لهلك، ولولا حمايةُ أنصار زيد له لم ينجِ. وكذلك سائر المُثُل. فإن جاء في السماع ما يخالف هذا فاما أَن يُعِدّ شاذًا، وإما أن يُؤَوّل إن أمكن تأويلُه. وإلى هذا المذهب ذهب الفارسيّ وغيره. واعتمده ابن أبي الربيع وابنث عصفر وغيرهما من المتأخرين، لأن العرب عندهم لا تقولُ مثل: لولا زيدٌ سالمنا ما سلم، وإنما تقول: لاولا مسالمة زيد لنا. والاستشهاد بالحديث فيه ما فيه، مع أنه محتمل لأن يكون قوله: «حديث عهدُهم بكفر» جملة اعتراض بين لولا رجوابها. وقد تُؤُوِّل قوله: «فَلَوْلَا سِلاحِى عِنْدَ ذَاكَ» أن الظرف يتعلّق بما في السلاح من معنى الشدّة. وعلى هذا يكون قول الآخر: «وَلَوْلا بَعْدَه عُمَرٌ»، فيتعلّق فيه الظرفُ بمعنى عُمَر، إذ هو الخليفة، فكأنه انتزع من العَلَمِ معنى الوصف، فعلّق به الظرف، كما قال الآخر: أَنَا أَبُو المِنْهَالِ بَعْضَ الأَحْيَان وهو باب واسع بوّبَ عليه ابن جني في الخصائص. وكذلك يكون

стр. 768

«فارس الجون» قد تعلّق «منهم» بمعنى فارس الجون، أى: المعروف منهم، أو المشهور منهم. وعلى رأى الناظم في هذا الوجه لا حاجة إلى التأويل، إذا كان ما جاء من ذلك بحيث لا يبلغ أن يُقَاسَ عليه. وظاهر الكتاب مع هذا الوجه، وقد مَرّ نصُّه في ذلك، ولا يبقي على الناظم فيه إلا أنه مخالف لمذهبه في غير هذا الكتاب. وهذا قريبٌ، فإنه في العربية متصد للاجتهاد، مُعْلعن بمخالفة من لم يَنْهضَ دليلُه عنده، لا يتحاشى من الخليل فما دونه، سيرةً أهل الاجتهاد المطلق، وله في مخالفة الجمهور مسائل مشهورة، مُنَبّه عليها في مواضعها، وقد تقدم منها بعض، وسيأتى من ذلك أشياءُ، إن شاء الله. وإن أراد الاحتمال الثاني فهو الموافق لما له في التسهيل وشرحه، وذلك أنه قال في التسهيل: «ويحذف الخبر جوازا في كذا، ووجواب بعد لولا الامتناعية غالبا» ثم فَسّره في لاشرح فقسم الخبر ثلاثة أقسام كما تقدم، وأجرى القياس في جمعيها، ولفظه في التسهيل موافق للفظة هنا، وقد فَسّره في الشرح بما ذكر، وكذلك فَسّره ابنه في هذا النظم. فالظاهر أن مراده هذا الثاني، وهو رأى طائفة منهم الرماني، وُدَرِيودُ

стр. 769

وأبو بكر خطّاب، والشلوبين، وابن الحاج، والأبذي، وغيرهم. وكأنهم اعتدّوا بما وجدوا في السماع من ذلك، ورأوا أن التأويل فيه تعسّفٌ، وأن القياس لا ينفي ذلك، وأن من لَحّن المعرى في قوله: فَلَوْلَا الغمدُ يُمْسِكُه لَسَالَا غير مُصيبٍ. نَعَم، لا ينازع هؤلاء في أن التزام الحذف أكثر. فإن قيل: إنّ الناظم قد أطلق العبارة في لولا وهى على ضربين: امتناعية وتحضيضية، (فأما الامتناعية فهي التى يقع بعدها المبتدأ محذوف الخبر، وأما التحضيضية) فلا يقع بعدها إلا الفعل ظاهرًا أو مقدرًا، فهى بمعزل عن هذه المسألة، فكان الأولى به أن يقيّدها بالامتناعية كما فعل في التسهيل، وإِلّا أوهم كلامهُ جريانَ/ الحكم فيها على معنييها، وذلك غير صحيح. فالجواب: أن كلامه ههنا إنما هو في حذف الخبر بعدها، وحذف الخبر وإثباته لا يتصوّر إلا حيث يقع المبتدأ ضرورةً، فالكلام في قُوّة أن لو قال: «وبعد لولا التى يقع بعدها المبتدأ والخبر يُحذَف الخبر». وهذا كلامق لا إِشكال فيه، وإنما فيه إِحالةٌ على لولا الواقع بعدها المبتدأ والخبر. وليس هذا موضع بيانه، وقد بَيّنه في موضعه وقال فيه: لَوْلَا وَلَوْمَا يَلْزَمَانِ الابِتَدا إِذَا امتناعًا بِوُجُودٍ عَقَدَا

стр. 770

وإذا كان كذلك لم يلزمه تقييدُها هنا. والموضع الثاني من مواضع لزوم حذف الخبر: اليمين الصريحة، وذلك قوله: «في نَصٍّ يَمِيِنٍ ذَا استقر». ذا: إشارة إلى ما تَقَدّم ذكره قريبًا من حذف الخبر حتما. يريد أن هذا الحكم المذكورَ قد استقرّ في نصّ اليمين، يعنى إذا كاننت اليمين جُمْلةً من مبتدأ وخبر، لكنه تَرَك ذلك للعلم بأن الخَبر لا يُحذفُ ولا يحكم عليه إِلّا حيثُ تكون الجملة من مبتدأ وخبر، ولذلك بم يحتج إلى تقييد لولا كما تقدم، ويلزم المؤلف ([في التسهيل حين قَيّد لولا أن يقيد القسم الصريح بكونه من جملة ابتدائية]) فيتحرز م الجملة الفعلية، فالأحسن ما فعل هنا. ومثال ذلك: أيمنُ الله، فإن هذا مبتدأٌ خبره محذوف، تقديره: قسمى، أو: ما أحلف به وكذلك: لعمرو الله، يلزم [فيه] حذف الخبر أيضا، فلا تقول: أَيْمُنُ الله قَسَمى لأفعلَنّ، ولا: لعمرو الله مَا أَحِلفُ به لأَفْعَلنّ. وإنّما لزم حذفُه لأنّ فيه ما في الخبر بعد لولا من كوه معلوما مع سدّ الجواب مَسَدّه، وأيضا لكثرة استعمالهم إياه، قال سيبويه: «فكأنه قال: لعمرو الله المقسَمُ به. وكذلك أَيمُ وأيمُنُ، إلا أن ذا أكثرُ في كلامهم، فحذفوه كما حذفوا غيره». وقيد اليمين بكونها نَصّا، لن هذا الحكم إِنما هو إِذا كان القسم نصّا في معناه، لا يحتمل غير ذلك، فإن الخبر لا يعلم إلّا إذا كان القسم كذلك، فإن كان غير نصّ فلا يلزم حذف الخبر، كقولك: عَهْدُ اللهِ؛ فإنه ليس بصريح في القسم

стр. 771

بل هو محتمل قبل الإتيان بالجوب [لأن يكون غير قسم فليس لحذفه سبيل إلا مع قرينة تحمل على المراد، بخلاف لعمرو الله، فإنه قبل الاتيان بالجواب] ظاهر المعنى في القسم، فلذلك لم يلزم الحذف في «عهد الله» وما أشبهه، بل لك أن تقول: علىّ عهد الله لأفعَلنّ، وعلى ميثاق الله لأفعلَنّ، وما أشبهه. والموضع الثالث من مواضع لزوم حذف الخبر: بعد الواو التى بمعنى مع، وهو الذى قال فيه: «وبعد واوٍ عَنّنت مفهوم مَعْ». يعنى أنّ حذف الخبر أيضا لازمٌ بعد الواو التى تُؤَدِّى معنى مع، بشرط أن يكون ذلك المعنى بَينًا ظاهرًا فيها، بحيث يتعين فيها فلا يحتمل العطف. وهذا الشرط المراد بقوله: «عَيّنت»، وذلك قولك: أَنْتَ ورأيُك، وكُلُّ عمَل وجزاؤهُ، وكلُّ ثوبٍ وقيمتُه، وكلُّ رجل وضيعتُه. ومنه قول عنترة: مِنَ يكُ سائلًا عَنِّى فإنّى وَجِرْوَةُ لا تَرود لُه ولا تعارُ وقولُ امرئ القيس: فكان تنادينا وعَقدُ عذارِه وقال صحابي: قد شَأَوْنَكَ فاطْلُبِ ومثل ذلك الناظم بقوله: كلّ صانع وما صَنَع.

стр. 772

فالواو في هذه الأمثلة كلِّها صريحٌ فيها معنى مع، فهى مما يلزم فيه حذف الخبر، لأن الواو وما بعدها قامام مَقامَ مع وما يَنْجرُّ بها، مع ظهور المعنى، بحيث حصل الاستغناء بالواو مع ما بعدها، فتنزّلا في الاستغناء بهما عن الخبر منزلة / «عجبا» وَأمثاله في الاستغناء بها عن الأفعال، فكما لزم هالك لزم هنا. والتقدير في هذه الأمثلة: أنت ورأيك مقترنان، وكلّ عمل وجزاؤه مقترنان. وكذلك سائرها وهذا هو الجارى على رأى الناظم حيث جعل الخبر محذوفًا، والواو بمعنى مع. وبعض النحويين يخالف في المسألتين؛ فأما ابن خروف فلا يقدّر خبرًا لتمام الكلام وصحة معناه، من غير افتقار إلى تقدير شئٍ (كما لم يقدِّره) في نحو: أقام الزيدان شئ لاستقلال الكلام، فهذا كأن الناظم لم يره لما يلزم عليه من أن يكون الأمرُ كذلك في كلّ موضعٍ التُزِم فيه حذفُ الخبر. بهذا رَدّ عليه المؤلف في الشرح. وأمّا ابن أبي الربيع وبعض من تقدم فإن الواو عندهم ليست بمعنى «مع»، بل على أصلها من العطف، وحكى هذا عن الأخفش، وأن المعطوف في موضع الخبر. (ويقول) ابن أبي الربيع: إن الأصل في قولهم: كلُّ رجلٍ وضَيعتُه: كلُّ رجلٍ مع ضيعته، وضيعتُه معه، فحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول، فقيل: كُلُّ

стр. 773

رجلٍ وضيعته. والناظم لم يرد إلا أن الواو بمعنى مع، ووجودها هو الذى يسوغ التزام حذف الخبر، لأنها كالنائبة مع بعدها عن مع ومجرورها، ولو كانت الواو للعطف لم يصلح فيما بعدها أن ينوب مناب الخبر. وأيضا لا يحذف الخبر في لاعطف الصريح لأنه لا دليل عليه، ولهذا شرط الناظم في الواو أن تكون مُعَيِّنة لمعنى مع، فإنها إن لم تعيِّنه لم يلزم الحذف، بل يصير إما جائزًا وإما ممتنعًا، فإذا قلت: زيد عمرو، وأنت تريد: مع عَمْرو، كان لك أن تأتيَ بالخبر فتقول: زيدٌ وعمرو مقترنان أو متلازمان، ولك أن تستغنى اتّكالا على أن السامع يفهم معنى الاقتران، لأّنّ معنى المصاحبة وإن دَلّت الواوُ عليه غير متعيّن، لإمكان معنى العطف ولو قلت: زيد وعمرو يلتقيان أو يصطرعان أو يتفرقان، وما أشبه ذلك -لم يجز هنا حذف الخبر، لانتفاء احتمال معنى «مع» في الواو، وتَعَيُّنِ كونها عاطفةٍ لمجرّد الجمع، فلا بد من الإتيان به. ومنه قول الشاعر: وَكُلُّ امرِئٍ والْمُوْتُ يَلْتَقِيانِ فهذا كله من أول الدليل على أن الواو هى التى بمعنى مع، لا العاطفة، إذ لا دلالة للعاطفة على الخبر. قال ابن خروف: لو قلت: ما كلُّ رجلٍ إلا وضيعهُ، لجاز، لكون الواو بمعنى مع وفي موضعها. قال: ولا يجوز ذلك في العطف، فقد ظهر وجه ما ذهب إليه الناظم في المسألتين، والله أعلم.

стр. 774

والموضع الرابع من مواضع لُزُومِ حَذْفِ الخبر: قبل الحال التيلا يصحّ وقوعها خبرًا عن المبتدأ، وذلك قوله: وَقَبْلَ حالٍ لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الّذِى خَبَرُهُ قَدْ أُضْمَرِا يعنى أنّ الخبر يلتزم حذفُه أيضًا قبل حالٍ لا يصح فيها أن تقع خبرًا عن المبتدأ، وهو الذى أضمر خبره، أى: لا يصحُّ جعل تلك الحال خبرًا عن المبتدأ. ومثّل ذلك بمثالين: أحدهم: «ضربي العبيد مُسِيئًا». فضربي: مصدر، وهو مبتدأ، ومسيئًا: حال لا يصح الإخبار بها عن ضربي. والخبر محذوف تقديره /: إذا كان مسُيئًا، أو ضَرْبُه مسيئا. ومثل ذلك: ضربي زيدًا قائما، وأكلى التفاحة نضيجةً، وقيامي ضاحكًا، وخروج زيد محتاجًا. وما أشبه ذلك فكل هذا لا يصح أن تقع الحال فيه خبرا، فهو مما عَنَى الناظم. والثاني: «أَتَمّ تَبْيينَى الحق منُوطًا بالحكم». فأتمّ: أفعل تفضيل مضاف إلى مصدر، وهو مبتدأ، ومنوطًا: حالٌ لا يصحّ الإخبار به أَتَمّ. والخبر محذوف تقديره: إذا كان أو إِذْ كان، أو بيينه منوطاً بالحكم.

стр. 775

ومثله (قولك): أكثرُ شربي السويق ملتويا، وأخطب ما يكون الأمير قائمًا، وأرخَصُ ما يكون البردُ قفيزين بدرهم، وأبغضُ ضربِ زيد إلىّ قائمًا. وما أشبه ذلك. هذا معنى كَلَامه على الجملة، ثم نَقُولُ: إِنّ قوله «لا تكون خبرًا» إنما يعنى الخبر الاصطلاحي يريدُ بذلك التّحَرر من الحال التى يَصِحُّ جعلُها خبرًا عن المبتدأ، فإن ذلك متى صح لم يلزم حذف الخبر وسد الحال مسده، بل إن كان فعلى الجواز كما ذُكَرِ عن الأخفش أنه حكى: زيد قائمًا، وخرجت فإذا زيدٌ جالسًا. وعن علىّ ﵁: «ونَحنُ عُصْبَة»، تقديره: زيد موجودٌ قائمًا، أو ثابت، أو نحو ذلك. وكذلك سائر المُثُل. فالحال في مثل هذا لا تُسد مسد الخبر فَيُحذفَ لزومًا، لإمكانه جَعْله خبرًا بنفسه، من غير احتياج إلى تقدير شئ، فإن جاء شئ من ذلك فهو أقرب إلى وقفه على السماع لقلّته، وإن احتمل ان يقاس عليه فالحذف غير لازم. وإنما يكون لازمًا في نحو ما ذكر. ومثل ذلك مما لا يحذَفُ معه الخبرُ قولك: ضَرْبِى زيدًا شديدًا، هذا لا يلزمُ معه حذف الخبر، بل ذلك مفتقر في جوازه إلى السماع، وإنما الوجه الرفع على خبر المبتدأ، لإمكانه فلا يعدل عنه. ثم نقول: إن تمثيلَه المبتدأ بمصدر، أو بما أضيف إلى المصدر مُعَيِّنٌ لموضع الحذف، فإن نحو: «ضربي العبد مسيئًا» و «أَتَمّ تَبْييِنى الحق مَنُوطًا» هو الموجودُ في السماع (في المسألة)، والذى يصحُّ القياسُ فيه، بخلاف:
следующие страницы →