Полный текст (5 477 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
كذلك؛ بل الأحرفُ الثلاثة في نَمَطٍ متقارب من القلة، بحيث لا تبلغ أن تقرب من ما؛ ألا ترى أن سيبويه قال: «وقد جعلت لا -وليس ذلك بالأكثر- بمنزلة ليس». وكذلك قال السيرافي -وأيضًا إطلاقُه على لات القلة، ليس على حَدٍّ القلة في إنْ مثلًا، بل هى مختصةٌ بالحين، فلا تعملُ إلا فيه، ودخولها عليه واستعمالها فيه كثير. ولذلك لم يُقَيّده سيبيه بقلّة، وإنما ذكر أنها لم تصرف تصرفَ ليس. يعنى في أَنِ استُعملت في غير الحين، بل اقتُصِرَ بها على الحين خاصّةً، وذلك لا يقضى بقلتها في الاستعمال إذا كانت تُسْتعمل كثيرًا مع الحين.
وإذا كان كذلك لم تستحق أن تجعلَ من القليل في الكلام، بل من الكثير، وقد قال هو فيها: «وحذفُ ذى الرفعِ فشا»، أى: كثر وشاع. وما كان قليلا لا يقال فيه: إنه فشا في الاستعمال. فهذا يشبه التناقض في كلامه. وأيضًا قلةُ استعمال إِنْ مثل ما لا يدلُّ على ضعف في القياس، ولاي قال في مثله: إنه قليل؛ لكون ما جاء فيها مقبولًا قياسًا، وهذا من السماع الذى يقاسُ عليه، كما يقاس على الكثير الشائع. ونظيره: شنوءَة -في باب فَعُوله، في النسب- إذ قيل فيه: شَنَئِىّ. ولم يسمع فَعَلِىٌّ في فَعُولة إلا في هذا اللفظ خاصّة، ثم إنهم أطلقوا القياس في فَعُولة إطلاقًا، ولم يقيدوه بقلةٍ، أولُهم سيبويه إلى هَلُمّ جرّا، ومنهم الناظم فلم يقيده بقلّةٍ كما قيّد هنا إِنْ. ولو فعل ذلك هنالك لكان مخطئًا، لأن ذلك السماع هو البابُ كلّه، كذلك قال أبو الحسن؛ وذلك لقاعدة في
стр. 912
الأصول العربية صحيحة. وهى أن الشئ إذا قلّ في السماع فلا يخلو أن يكون مقبولًا في القياس أَوْلا، فإن كان مقبولًا في القياس ولا معارض له، استوى مع ما كثر في القياس عليه مطلقًا، كما في مسألة شَنَئِىّ. وإن كان غير مقبول في القياس لوجود ما ينتقضُه ويعارضه فهذا هو الذى قد يُوقَف على السماع في بعض المواضع. وقد يطلق القباسُ فيه على استضعاف، وذلك بحسب قوّة المعارضِ وضعفه. وإذا ثبت ذلك ونظرت عامّة ما يطلق الناظمُ فيه القياس على قلّةٍ وجدته معارَضًا بما يضعفُ قياسه، وكذلك عادة غيره من النحويين، فإذا نظرنا إلى إِنْ في هذا الباب وجدناها تساوى ما في صريح القياس، لأنها مرادفتها، وَهبْ أنّ السماع قَلّ فيها، فذلك لا يُخرِجُها عن اللَحاق بما إذا لم يعارضها/ في هذا القياس معارضٌ يُضْعِف جرينه فيه، فكيف يسوغُ لنا تضعيفه؟ ! بل نقولُ: لو فرضنا عدم السماع في إنْ، وثبت لنا مساواتُها لما، لم يمنعْ مانع من إجراء القياس، كما قاس هو تركَ الإلغاءِ في كأَنّما ولعلّما ولكنّما، فأعملها مع وجود ما قياسًا على ليتما وَإِنّما. وهذا أيضًا مما يقوىّ إطلاق القياس فيه لا؛ لأنها عند الجمهور مختصّةً بنفي المستقبل، فخالفت «ما» فَضَعُف القياسُ عليها، والسماعُ قليلٌ، فاستحقتْ أن يطلق فيها لفظ القلّة. فالعجب من الناظم كيف عكس القضية، فَعَلّلَ ما لا يستحقّ التعليل، وترك ما يستحقه؟ !
والجواب: أن لا عنده من قبيل ما يسمع فيه الإعمال كثيرًا. وكذلك قال في التسهيل: «وتلحق بها -يعنى بما- إِنْ النافية قليلًا، ولا
стр. 913
كثيرًا». وإذا كان السماع فيها كثيرًا عنده، فهى في درجة ما أو قريبًا منها، فكما صحّ القياس في ما لكثرة السماع، صحّ في لا. وأما لات فإن القلة فيها ثابتة على الجملة، لأنها لما اختَصّ عمها بموضع واحد -وهو الحين- كان ذلك بالنسبة إلى ما تحتمله في القياس قليلا، وإن كان في موضعه المختصّ كثيرا. وعلى الاعتبارين يُحْمَلُ كلامه في الموضعين. ولا يتناقص؛ فقوله: «وَقَدْ يَلِى لَاتَ» باعتبار أن لها موضعًا واحدًا من كثير. وقوله: «فَشَا» باعتبار كثرتها في ذلك الموضع الواحد. وأَمّا القاعدةُ الأُصولية فصحيحة، ولا يلزم من صحتها اعتراض؛ وذلك لأن إِنْ مخالفة للقياس معارضةً به، وهو كونُ الإعمال على خلاف القاعدة لعدم الاختصاص. فالأصل في ما ولا وغيرهما أن لا تعمل؛ لكن جاء ذلك في ما كثيرًا شائعًا ثابتًا لغةً، فلم يكن بدُّ من إطلاق القياس فيها وإلّا خالفنا أهل الحجاز كلّهم. وأما إِنْ فلم يأت فيها من السماع ما يخرجها عن الأصل الأول من عدم الإعمال حتى تكون في درجة ما، فَأَخَذها الناظم في القياس من حيثُ قلةُ السماع، فلم يطلقه فيها، ولمعارضة الأصل الأوّل. ولم يِقْفها على السماع لمجيئها في القرآن (في قراءةٍ)، ولاعتبار الشبه بما. ومن ههنا يفهم قصده في لا، حيث لم يُقَيِّدها بقلّة لما كثر عنده من السماع فيها، فألغِىَ المعارض كما أُلغِىَ في ما باتفاق؛ فإذًا لا يصحُّ قياسها في إطلاق الإعمال على ما؛ لأنّ في «ما» ما ضَعّف المعارضَ وهو كثرةُ السماع، وليس كذلك في إنْ، فبقي المعارض على قوته. وإذا فُهِم هذا ظهر أن القياس على ما لا يصحّ في إِنْ، على فرض عدم السماع البتّةَ، لعدم قبول القياس الأَوّل له، (فَنفهم هذا
стр. 914
الأصل) فهو نافع جدًا يطلعُك على سِرّ ما قاس المتقدمون عليه من كلام العرب، وما لم يقيسوا عليه، وما قاسوا عليه على ضَعْفٍ أو بإطلاقٍ. وقد بَوّب ابن جني على القاعدة في الخصائص، وهذا شرحه وبه ظهر أنّ كلام الناظم صحيح في نفسه، لا اعتراضَ عليه فيه، وإنما يبقى فيه إثباتُ أن السماعَ في لا كثيرٌ، فهو الذى تَضَمّن عُهْدَته، وعليه بنيتُ الجواب، وبالله التوفيق.
ثم نعودُ إلى كلامه/، فقوله: «وَقَدْ يلِى لاتَ وَإِنْ ذَا العمل». أما «لات، فَسيذكر. وأما إِنْ فإنّ سيبويه لم يُثيبِتْ لها عَمَلًا؛ لأنه لم يحفظ فيها شيئًا. ونِعِمّا فعل! وأما غيره فأثبت لها الإعمال؛ ذكر ذلك المبرد، وأنشد على ذلك:
إنْ هُوَ مُسْتَوليًا عَلَى أَحَدٍ
إِلّا عَلَى أَضْعَفِ المجانينِ
وتابعه على ذلك الفارسيّ وابنُ جنِّى، وحكى في المحتسب عن سعيد بن جبير أنه قرأ: ﴿إِنِ الذين تَدعُونَ مِنْ دُونَ اللهِ عبادًا أَمْثَالكم﴾ -بتخفيف «إِنْ» ونَصْبِ «عبادًا أمثالكم»، على تقدير: ما الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم، أى: إنما هى حجارةٌ وخشب، وليسوا عقلاءَ مخاطبين مثلكم، فهم أقلُّ منكم، فكيف تعبدون ما هو أقلُّ منكم.
стр. 915
ثم عيّن موضع عمل لات فقال: «وَمَا لَلاتَ في سِوَى حِيْنٍ عَمَلْ». يعنى أن عَمَلَ لات مختصّ بالحين لا يتجاوزه، يريدُ قياسًا، فإنه قد جاءَ شاذًا عملهُ في غير الحين، ففي الحماسة من قول التميمىّ:
لَهْفِى عليكَ لِلَهفَةٍ من خائِفٍ
يبغي جوارَكَ حين لات مجيرُ
فمجير هنا ليس بحين، والحين: الوقت، فهذا شاذّ، والشائع عمله في الحين، نحو قول الله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ منَاصٍ﴾. وأنشد الفراء قال: أنشدني المفضّل:
تَذَكّر حُبّ ليلى لاتَ حينا
وأضحى الشيبُ قد قَطَعَ القَرينا
ولا يريد خصوصَ لفظ الحين، بل الزمان مطلقًا. وعلى ذلك حُمِل قولُ سيبويه: «وذلك مع الحين خاصّة». وقال ابن عصفور: «من حَمَله على أنه يريدُ بقوله «لا يكون إلا مع الحين»: -الحاء، والياء، والنون- فخطأ؛ فقد جاء عملها في غيره؛ أنشد الفراءُ:
طَلَبُوا صُلْحنا ولات أوانٍ
فأجبنَا أَنْ لَيس حينٌ بقَاءِ
стр. 916
وأنشد أيضاً قال: أنشد المفضل:
وَلَتعرِفَنّ خَلَائقًا مشمولةً
ولتَندَمَنّ ولاتَ ساعَةَ مَنْدمِ
وعلى هذا تقول: خرجوا ولات يومُ خروجِ، وقدم زيدٌ ولات وقتُ قدومِ، ودعَوْا ولات ليلةُ إجابةٍ. وما أشبه ذلك.
فإن قيل: قد تقدّم أن من شرطها أن لا تعمل في معرفة، وقد وقعت بعدها «هَنّا» وهى اسمُ إشارةٍ، واسم الإشارة معرفة. وتقدّم أنها لا تعملُ إلّا في الزمان و «هَنّا» اسم إشارة للمكان البعيد عند الناظم، أو القريب عند غيره، وذلك نحُو قولِ الأعشى:
لَاتَ هَنّا ذِكْرى جُبَيَرةَ أَمْ مَنْ
جاءَ مِنْها بِطَائِفِ الأَهْوَالِ!
وقال حَجْلُ بنُ نَضْلَةَ الباهلى:
حَنّتْ نوار ولات هَنّا حنّت
وبدا الذى كانَت نوار أجنّتِ
стр. 917
وقال الطرماح:
لاتَ هَنّا ذِكْرى بُلَهْنِيةِ الدّهْر
وأَنّى ذِكرى السنِينَ المواضِىِ!
فكيف هذا؟
فالجواب: أن هَنّا لا تختص بالإشارة إلى المكان، بل قد يراد بها الزمان، ومن ذلك هذه المواضع، فإن معناها الإشارة إلى الزمان بلا بُدٍّ، أى ذكرى جُبرة ليس في هذا الزمان، وحنينها ليس هذا الوقت. وكذلك ما بقي. وأما عملها في المعرفة فإنها عند ابن مالكٍ غير عاملة في هذه المواضع، بل هَنّا منصوبٌ على الظرفية، وما بعدها إن كان اسمًا فهو مبتدأٌ خبره هنّا، وإن كان فعلًا فهو على تقدير «أَنْ» محذوفة، وأَنْ وصلتها في موضع مبتدأ خبره هَنّا؛ كأنه قال/: لا هنالك ذكرى كذا، أو لا هنالك حين. نَقَلَ هذا المعنى عن الفارسىّ. قال: «وزعم ابن عصفور أن هَنّا اسم لات. وما قاله غير صحيح، لأن هَنّا ظرف غير متصرّف، فلا يخلو من معنى في»؛ فقد ظهرت صِحّةُ ما اشترط من عمل لات في النكرة وفي الحين.
ثم قال: «وَحَذْفُ ذِى الرّفْع فَشَا والعَكْسُ قَلّ». يعنى أن المرفوع الذى رفعته لات فشا حذفٌه وشاحَ وكثر، وعليه القراءة المشهورة: ﴿ولات حينَ مَناصٍ﴾. وجميع ما مرّ من الأبيات فإنما وقعت أسماء الزمان
стр. 918
بعدها منصوبةً، فالمرفوع محذوف تقديره: ولات حينُ ينادَوْنَ فيه حينَ مناصٍ. وكذلك يقدّر في سائر المواضع. وأما العكس، وهو حذف المنصوب وإبقا المرفوع، فقليل كما قال؛ فحكى سيبويه أن بعضهم قرأ: ﴿ولاتُ حينُ مناصٍ﴾، برفع الحين؛ قال سيبويه: «وهي قليلةٌ». وعلى هذا يكون الخبر محذوفًا، أى: ولات حينُ مناصٍ حينصا ينادَون فيه. وكذلك يجوز رفع ما بعد لات في الأبيات على ذا القليل. وإنما جاز حذف المرفوع هنا -وإن كان الأصلُ ألا يحذفَ؛ إذ هو بارتفاعه بلات يشبه الفاعل، والفاعل لا يحذف- لأن أصل الكلام بعد لا الابتداءُ والخبر، فكما جاز حذفُ المبتدأ جاز حذف هذا. ولا يشبه هذا ما يرتفع بكان؛ لأن مرفوع كان بمنزلة ما يرتفع بالفعل الصريح؛ لأن تصرفها كتصرّفه، بخلاف لات فإن المبتدأ معها كأنه غير معموله لها، لما لم يصحّ إضماره فيها؛ ألا ترى أنك لا تقول: زمانُك لات زمانًا صالحًا، كما تقولُ: كان زمانا صالحًا، فكأنهم اعتبروا فيها هذا المعنى، فأجازوا حذف اسمها. وهذا تعليلٌ بعلّة قاصرة؛ إذ يلزم جواز الحذف في اسم ما ولا وإِنْ. وأما حذف الخبر دون الاسم فللشبه بالفضلة. وهذا أيضا تعليل قاصرٌ. وأما وجهُ كثرةِ حذفِ المرفوع وقلّةِ حذف المنصوب؛ لأن هذا الباب محمولٌ على بابِ كان، وقد ثبت أَنّ المنصوب في باب كان قائمٌ مقام معنى المصدر، فهو كالجزء من الفعل، بخلاف الاسم؛ ولأن الخبر به تمام الفائدة كما تقدّم، فلم يَسُغ حذفه في باب كان، وحُملَ لات على باب كان في ذلك.
стр. 919
فإن قيل: فكذلك ما ولا وإِنْ.
قيل: نَعَمْ، ولكن لات أقرب شبهًا بليس من أخوات كان من غيرها؛ لأن اتصال التاء بها جعلها مختصّة بالاسم، فهى قربُ. وهى أيضًا شبيهة بليس في اللفظ إذ صارت بالتاء على ثلاثةِ أحرف أوسطها ساكن كليس؛ إلا أن الاستعمال خالف هذا القياس، ولكن بقي فيه لفظُ الحمل، فتحاموا في الأكثر حذفَ الخبر لما أشبه الخبر الذى هو عِوَضٌ من حدث الفعل. وهذا تعليلٌ أُجلِبَ عليه من مكان بعيد، وقلّما تجدُ من تُعَلّلُ هذا الموضعَ، فإن وجدتَ أقرب منه فَخُذه وقد حصل من كلام الناظم أَنّ حَذْف اسمِ لات شائعٌ، وحذف قليل. وليس في كلامه ما يدلّ على عدم اجتماعهما في الفظ، وفيه دليل عى عدم اجتماعهما في الحذف؛ إذ معنى قوله: «وحذفُ ذى الرفعِ فَشا» يعنى دون ذى النصب، وكذلك في العكس -أما عدم اجتماعهما في اللفظ فمسكوتٌ عنه، وعند ذاك يعترض عليه؛ لأن السابق إلى الفهم إثباتهما، فلذلك لم ينبّه عليه في الثابت منهما. ونبه على الحذف- لكن اجتماعهما في لات غيرُ موجود في كلام العرب ولا شائع في القياس، وقد نصّوا على ذلك. وإذا ثبت هذا/ فمن أين يُؤْخَذُ له هذا الحكم؟ ويعتذر عنه بأن قوله: «والعكسُ قل» يُفهَمُ منه بأوّلِ النظر أن القلة هى مقابلة الكثرة المذكورة قبلُ، وإذا فُهِم ذلك لم يبق لحالةٍ ثالثةٍ موضع؛ فإنه إذا قال: وحذفُ المرفوع دون المنصوب هو الكثير وردَ عليه سؤالُ من يقول له: فما القليل؟ فأجاب بقوله: إن القليل هو حذفُ المنصوب دون المرفوع. فانحصر الاستعمالُ في هذين الطرفين، فلا سبيلَ إلى فرضِ أمرٍ ثالثٍ هو إثباتُهما مثلا، فاقتضى أَنه غيرُ
стр. 920
موجودٍ، وذلك هو المرادُ، فَتَفَهّمْه.
فإن قيل: فكيف تحقيقُ العكس في كلام الناظم، فإِنّ الظاهر أنه لا يتصوّر في قوله: «وحذفُ ذِى الرفع» خاصّة؟
فالجواب: أَنّ العكس ليس في هذا وحده، بل في أصل ذلك الكلام، وأصله: وحذف ذى الرفع وإثبات ذى النصب -أو: وحذف ذى الرفع دون ذى النصب- فشا. ولكن الناظم اختصره للعلم به. والعكس في هذا الكلام صحيح، فتقول: وحذف ذى النصب دون ذى الرفع قلّ.
وبقي في لات أنه لم يُبيّن معناها، ولا ما أصلها؟ والنحويون فيها مختلفون على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا زِيدَتْ عليها التاءُ لمجرّد تأنيث الحرفِ، كثمّت ورُبّت، لأنها كلمة. وإمّا مبالغةً في المعنى المراد من نَفْىٍ أو غيره.
والثاني: أنها حرف مستقلٌ بنفسه، ليس أصلها لا.
والثالث: أنها ليس بعينها، لكن غُيّرت وأُبدلت سينها تاءً -كما قالوا: سِتّ وأصله: سِدْسٌ، بدليل التصغير على سُدَيس، والتكسير على أسداس- فصارت ليت، ثم انقلبت الياء ألفًا لتحركها في الأصل -إذْ أصلُها عندهم لَيِس- وانفتاح ما قبلها، فصارت لات، فلما تغيرت اختصّت بالحين.
ومذهب الناظم منافٍ لهذا الرأىِ هنا بدليل قوله: «وحذفُ ذِى الرفعِ فشا» فجعله محذوفا كما يُحذف خبرا المبتدأ أو المبتدأ، ولو كنت لات عنده هى ليس لم يصحّ هذا، لأن مرفوعها الضمير فيها ولا يحذف كما لا يحذف من
стр. 921
ليس. وقد يظهرُ من سيبيويه هذا المذهبُ، حيث أطلق لفظ الإضمار عِوضَ الحذف. وحلمه ابن خروف على التجوز لا على حقيقة الإضمار، بناءً على أنها عنده حرف لا فعلٌ.
وأما المذهبان الأولان فَيَحَتَمِل أن يكون الناظمُ ذهب إلى الأول منهما، لأن لما ترجم على الباب ذكر لا وما وإنْ، ولم يذكر لات، فأشعَر أن لات عنده هى لا كُسِعَتَ بالتاء، أى: ضُرِب في عَجُزها بها. ويحتملُ أن يكون مذهبه الثاني، لأنه لما ذكر حكمها ذكرها كالمستقلّة بنفسها، ولم يبيّن أنها هى لا، كما قال في التسهيل: «وتكسع بالتاء فتختص بالحين أو مرادفه».
стр. 922
أفعَالُ المقارَبَةِ
هذا هو النوعُ الثالث من نواسخ الابتداء، وذلك أفعالُ المقاربة. وإنما سُمّيت أفعالَ المقاربة لأنها جِئَ بها لتدلّ على تقريب الخبر من المخَبرِ عنه، فإنما أتت لمعنى في المبتدأ والخبر، كما جاءت كان وأخواتُها لمعنى فيهما، وهو كونُ ذلك في الزمان المعيّن؛ فلذلك عُدّت من النواسخ.
وكان الأصلُ فيها أن تدخل في باب كان، إلا أنّها/ اختصّت عن كان وأخواتها بحكمٍ لا يكونُ فيها، فلذلك أخرجوها عنها.
وأفعالُ هذا الباب على ثلاثة أقسام: قسمٌ يقتضى الشروعَ في الفعل. وقسم يقتضى مقاربةَ الفعل والدنوّ من وقوعه حقيقةً. وقسمٌ للإعلان بالمقاربِة في الرجاءِ والطمع لا في الوجود. ولكلِّ واحدٍ منها حكمٌ يختصُّ به. والناظمُ خلطَ القسمين الأخيرين فجعلهما قسمًا واحدًا، وبه ابتدأ لإشكله في هذا الباب حتى اختلف فيه فقال:
كَكَان كادَ وعَسَى لَكِنْ نَدَرْ
غَيرُ مُضَارِعٍ لِهَذَيْن خَبَرْ
وَكونُه بِدوُنِ أَنْ بَعْدَ عَسَى
نَزْرٌ، وَكادَ الأمرُ فِيهِ عُكِسَا
فأخبر أولصا أن هذين الفعلين -وهما: كاد وعسى- مثلُ كن، يريد في العمل والدخول على المبتدأ والخبر، فيرفع المبتدأَ كلُّ واحدٍ منهما
стр. 923
وينصب الخبر ككان، إلا أنهما فارقا باب كان بحكمٍ يختصّان به هما وما جَرى مجراهما، وهو كونُ المضارع يلزمُ أن يكون هو خبر المبتدأ الذى تدخل عليه، فلا يجوز أن تدخل على جملة يكونُ خبرُ المبتدأ فيها مفردًا، ولا جملةً اسمية، ولا فعليةً مصدرةً بماضٍ ولا أمرٍ. وهذا قد تبيّن في باب كان؛ فلا تقول: عسى زيدٌ قائما، إلا ما أشار إليه بقوله:
... لكن نَدَرْ
غيرُ مُضَارعٍ لِهَذَينِ خَبَرْ
يعنى أنّ عسى وكاد ندر فيهما وقوع الخبر غير فعل مضارع؛ مثالُ ذلك في عسى قولُ العرب: عَسَى الغويرُ أبؤسًا. فأبؤسًا خبر عسى، وهو مصدرٌ جُمعِ لاختلاف أنواعه، وكأنه قال: عسى الغوير أن يُبْئِسَ. فوضع بؤسً موضعه ثم جمعه. وهذا رأى الفارسىّ في هذا المثل، ومنهم من ذهب إلى أنّ أبؤسًا هنا بمنزلة ما أنشده الفارسىُّ وغيره:
أكثرتَ في العَذْلِ ملحًا دائمًا
لا تُكثَرِنْ، إِنّى عَسَيتُ صائما
فقد وقع هنا الخبر اسم فاعل، فكذلك أبؤسًا على هذا الرأى، أى: ذا أبوسِ.
стр. 924
فإلى هذين الشاهدين أشار في عسى، وأما في كاد فلا تقول: كاد زيدٌ قائمًا، إلا نادرًا، نحو قول تأبط شرًا:
فَأبتُ إلى فَهْمٍ وَمَا كِدْتُ آيبا
وَكَمْ مِثْلِها فَارَقَتْهُا وَهْى تصْفِرُ
وهذه هى الرواية الصحيحة. وروى وما كنت آيبا -ولا شاهد فيه.
وكذلك لا تقول: عسى زيدٌ أبُوه منطلقٌ، ولا عسى زيدٌ قام. ولا ما أشبه ذلك. وعلى ذلك حكمُ كاد زيدُ أبوه منطلقٌ ولا كاد زيدٌ في الدار. ولا ما أشبه ذلك.
وهذا الكلامُ صريحٌ في أنّ كاد وعسى من نواسخ الابتداءِ على الإطلاق لأنه قال: «ككانَ كادَ وعسى» إلى آخره. والمسألة مختلف فيها على أقوال ثلاثة:
أحدها: هذا، فإذا جاء الخبر دون أنْ فظاهر، وإن جاء بأنْ فليس الفعلُ معها بتأويل المصدر، بل دخلت دالّة على التراخي والاستقبال خاصة. هذا في عسى، وأما في كاد فتشبيها بعسى، ودخولها فيهما كدخولها مع لعلّ في قولهم: لعلّ زيدًا أن يقوم. فَأَنْ يقوم هنا ليس في معنى المصدر ولا يتصور ذلك فيه، قال العُدَيل بن الفرخ:
стр. 925
لَعلّ الذِي قَادَ النوى أَنْ يَرُدّها
إلينا، وَقْدُ يُدْنِى البَعِيد مِنَ البُعْدِ
وقال متمم بن نُويرةَ:
/ لعلّك يومًا أَنْ تُلِمّ مُلِمّةً
عليك من اللائى يدعنك أَجْدَعا
فلا يمكن هنا أن يقال: إلّا أنّ «يَرُدّها» و «تُلِمّ» هو الخبر، و «أنْ» غيرُ معتبرة في معنى المصدرية. فكذلك هى في: عسى زيدٌ انْ يقوم، وكاد أن يخرج.
والدليل على صحة هذا القصيد أنّهم لما أتوا بالاسم الصريح لم يأتو به مصدرًا، وإنما أتوا به اسم فاعلٍ، نحو:
... إِنى عَسَيتُ صائمًا
وأما عسى الغوبرُ أبؤسًا، فعلى حذف المضاف، كما تقدم. ويمكن أن يكون أنْ المصدرية، لكن تكون مع ما بعدها (بدلًا من الاسم؛ إذ)
القائل: عسى زيدٌ أنْ يقوم في قوة: عسى أن يقوم زيد. وإلى هذا ذهب في الشرح.
стр. 926
فإن قيل: فما يُصنَع بقولهم: عسى أن يقوم زيدٌ؟ فيأتى ذلك بُعَيد هذا، إن شاء الله.
وهذا المذهبُ ذَهب إِليه ابنُ عصفور وابنُ الضائع.
والقول الثاني: أنّ كاد وعسى ليسا من نواسخِ الابتداءِ على الإطلاق. أمّا عسى فذلك فيها ظاهر لِغَلَبةِ أنْ على ما جُعِل خبرًا لها، وأن مصدرية، وتقدير المصدر لا يصحّ. فإن قلت: عسى أن يقوم زيد، فهو أوضح في خروجها عن النواسخ؛ إذ لا خبر لها. وأما عسى زيدٌ يقوم، وعسى الغواير أوسًا، فنادرٌ لا حكم له. على أَنّ أبؤسًا ليس بمعارضٍ لأنه مصدر. وأما كان فإن قولهم:
قَدْ كادَ مِنْ طُولِ البِلَى أَنْ يَمْصَحَا
يدلّ على أنه غير ناسخ، لأنه هنا قد استغنى عن الخبر؛ إِذ قوله «أن يمصحا» لا يصحّ وقوعه خبرًا، فبقيت كاد بلا خبر. فلو مان مثل «كان» للزمه ولم يفارقه.
وهذا مذهب الفارسىّ، صَرّح به في التذكرة، ويظهر منه في الإيضاح.
والقول الثالث للجمهور: التفرقة؛ فإذا وقع الخبر بعدهما مصرّحا به كقوله: «وما كدتُ آيبًا»، و «إنى عَسَيت صائما»، فمن باب كان. وكذلك إذا وقع
стр. 927
بعدهما الفعل دون أنْ نحو:
عَسَى يَفْتَرُّ بى حَمِقٌ لئيمُ
وكاد زيدٌ يقومُ. وأما إِذا وقع بعدهما أَنْ فهما خارجان عن باب النواسخ وداخلان في حكم ما يرفع الفاعل وينصب المفعول من الأفعال. وهو ظاهر كلام سيبويه، ونصُّ المبرد وغيره؛ إلا أنّ لهم في وقوع أنْ بعد عسى تفصيلا سيأتى إن شاء الله.
وللناظم أن يرجّح مذهبه بأنّه قد ثبتَ في هذين الفعلين وقوعُهما ناسخين، وذلك حيث صُرّح بالإخبار فيها، وإن كان نادرًا، فإنه مَنْبَهةٌ على الأصل المرفوضِ، كما كن قوله، أنشده سيبويه:
صَدَدْتِ فأطولت الصدودَ وقلّما
وصالٌ على طُولِ الصُّدودِ يدومُ
لأن قاعدة الضرائر أنها ردُّ فرعٍ إلى أصلٍ، أو تشبيه غير جائز بجائز. فهذا من الأول. وكذلك أيضًا ثبت كونهما من النواسخ حيث أسقطت أَنْ، كما ثبت ذلك فيما كان من أفعال هذا الباب للشرح، نحو جعل وأخذ؛ فإنك تقول: عسى زيدٌ يقومُ، وكاد زيدٌ يقوم، كما تقول: جعل زيدٌ يقول، وأخذ يقول. فمن
стр. 928
فرق بين الفعلين فقد تعسّف! ولذلك أقرّ سيبويه بذلك فاحتاج إلى التفصيل المذكور حملًا على النظير ووقوفًا مع الظاهر. وعند ذلك يقال للفارسي: ما تقول في نحو: كاد زيد يقول؟ هل كاد هنا داخلةٌ على المبتدأ والخبر أم لا؟ فإن/ قال: نعم، فقد أَقَرّ على الجملة بِما أنكر من قبل. وإن قال: لا، قيل له: فما الفرق بين ذلك وبين جعل زيد يقول في أن أقررت بأن هذا من النواسخ والآخر ليس كذلك، بل الحكم في الجميع واحد وإنما يبقى الاعتراض بدخول أَنْ، وقد تقدّم تأويلها على وجه سائغ لا إشكال فيه، وعند ذلك لا يبقى ما يمنع الاطراد في دخول هذه الأفعال على المبتدأ والخبر، فهو أولى من تقسيمها إلى قسمين وكلّ ما كان في معنى عسى وكاد جارٍ مجراهما فيما ذكر.
ولنرجع إلى كلامه. ثم قال: لكن نَدَرَ كذا، يعنى أنّ الغالب والشائع في كلام العرب أن يكون خبرُهما فعلًا مضارعًا فتقول: عسى زيد أن يقوم، وكاد زيدٌ يقوم. وإنما التزموا ذلك في خبارهما لأن معانيهما ومعاني سائر أفعال الباب التقريب، وذلك لا يكون إلا في الأفعال، فالتزموا في خبارها ذكر الأفعال، تنبيها على معانيها.
وتنبيهُه على اختصاص هذين الفعلين بما ذكر من الحكم -وإن كان سائر الأفعال كذلك- بيان أنهما هما المختصان بورود خبرهما غير فعل، لأن غيرهما لا يكون فيه ذلك، بل المضارع فيها لازم. على لأنه قد
стр. 929
جاء في «جعل» الخبرُ جملة اسمية؛ أنشد ابن خروف:
وقد جَعَلَت قلوصُ ابنىّ سُهَيلٍ
من الأكوار مرتَعُها قَرِيبُ
ولكنه من الشذوذ بمكان مكين.
ومعنى كاد في اللغة: قارب؛ قال الجوهري: «كاد يفعلُ كذا كودًا ومكادةً، أى: قارب ولم يفعلْ. قال: وزعم الأصمعىّ أن من العرب من يقول: لا أفعل ذاك ولا كودًا. فجعلها من الواو» وذكر ابن سيده: كاد يفعلُ كذا كيدا: قارَبَ وهَمّ. ثم قال: ولا أفعل ذاك ولا كيدًا ولا همّا. فجعلها من الياءِ. وقد يقال: كِيد بِفعلُ. وليس بمبنى للمفعول، قال أبو خراش الهذلى:
وكيد ضباع القف يأكلن جثتى
وكيد خراس يوم ذلك تِيْتَمُ
وأما عسى فمعناها الطمع والإشفاق، كَلعَلّ، فورودها للطمع هو الكثير. وورودها للإشفاق نحو قول الله تعالى: ﴿لَعلّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾، ﴿فَلَعَلّك تاركٌ
стр. 930
بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْك﴾.
ثم قال: «وكونُه بِدُونِ أَنْ بَعْدَ عَسَى» .. إلى آخره. الضمير في «كونه» عائدا إلى المضارع الواقع خبرًا «وبدون أَنْ»: خبرُ الكونِ. يعنى أنّ كون الفعل المضارع واقعًا بعد عسى غير مصاحب لأَنْ قليلٌ، والكثير مصاحبته لأن، فقولك: عسى زيد أن يقوم، كثيرٌ شهيرٌ، وكذلك جاء في القرآن، كقول الله تعالى: ﴿فَعَسى اللهُ أَنْ يَأْتِي بِالْفَتْحِ﴾، ﴿عَسَى ربُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾، ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتَينِي بِهِمْ جَميعًا﴾. وقولك: عسى زيدٌ يقومُ، نزرٌ قليلٌ. ومنه ما أنشد سيبويه لهدبةَ بن خشرم العُذْرِىّ:
عَسَى الكربُ الّذِى أَمْسَيتَ فيهِ
يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ
وأنشد أيضا:
فأمّا كيّسٌ فَنَجا وَلَكِنْ
عسَى يَغْتَرُّ بي حَمِقٌ لَئِيمُ
وقال مالك بن الرّيب:
стр. 931
وَمَاذا عَسَى الحجاجُ يبلغُ جَهده
إذا نحنُ جاوزنا حَفِيرَ زيادِ
ووجه/ غَلَبةِ استعمال أَنْ ههنا وقِلّةِ عدمها أن الأفعال كما مرّ على ثلاثة أقسام: منها ما تلبّس [به] بالفعل. وهذا لا يليقُ به أن، لأنها تخلّص للاستقبال، والفِعْلُ حال، فَهُما متنافيان. وذلك جَعَل وأخواته.
ومنها ما قَرُب من التلبُّسِ بالفعل ولم يُفْعَلْ، لكنه على تَهْيِئَةِ أَنْ يُفْعَل. وهذا القربِ معناه من الوقوع حُكِم له بحكمه، فلم تَلْحقه أَنْ، لأنهم قصدوا التقريب من الحال، وأَنْ تنافي هذا القصد، لكنهم اعتبروا في القليل حقيقة عدم وقوعه فألحقوها؛ إهمالًا للقصد، ونظرًا لحقيقة الأمر من عدم الوقوع بعدُ. وهذا كاد وما جرى مجراه.
ومنها ما لم يقع ولا يجرى مجرى الواقع؛ إذ لم يقرب من الوقوع لكنه منتظر في الرجاء، فهذا هو الذى يستحقّ أَنْ، لأن الفعلَ مستقبل تحقيقًا، فدخلت هناك لتخلّصَ الفعل للاستقبال. وقد اعتبروه -في القليل- اعتبار كاد- فلم يلحقوا أَنْ؛ إذ الفعل في الرجاء مع هذا النوع كالفعل مع الوقوف في النوع قبله، كأنهم قربوه في رجائهم فصار بمنزلة ما قَربُ وقوعه. وذلك عسى وأمثاله.
هذا هو التعليل اللائق بمذهب الناظم. وقد علل ذلك بما يرجع إلى المذاهب الأخر.
ويقال: نَزُر الشئ -بالضم- ينزُر نزارةً، فهو نَزْرٌ، أي: قَلّ.
стр. 932
والنزر: التاف القليل، وعطاءٌ منزور. وإنما قال: نَزْرٌ، ولم يقل: شذّ؛ لأن سيبويه يظهر منه أَنّ عدم اللحاق في عسى لغة قليلة؛ ألا تراه قال: «واعلم أَنّ من العرب من يقول: عسى زيد يَفْعَلُ، تشبيها بكاد». فقد يمكن أن يُصْرَف إلى ما جاء في الشعر من ذلك. ولكن الأظهر الآخر. وبه جزم ابن خروف، فردّ على الأعلم حيث جعل حذف أَنْ في الشواهد المذكورة ضرورة. فلهذا -والله أعلم- عبّر بالنّزْر لا بالشاذّ.
واستعمل «دون» متصرّفة فجرّها بالباءِ؛ لأنها عند سيبويه وغيره تتصرف -وأنشد المؤلف
وباشرتُ حدّ الموتِ والموتُ دونُها
برفع دون.
ثم قال: «وكاد الأمرُ فيه عكِسا». يعني أن الحكم المقرّر في عسى هو معكوسٌ في كاد، والذى في عسى أنّ لحاق أَنْ في خبرها هو الشهيرُ، وعدمُها نادرٌ، فعُكِس هذا، وهو أَنّ عدم لحاق أَنْ هو الشهير، وثبوتها نادرٌ حاصل لكاد. فالكثير قولك: كاد زيد يقوم، وكاد العروسُ يكون أميرًا، وكاد الفقر يكون كفرًا. وفي التنزيل: ﴿وَمَا كادوُوا يَفْعَلُونَ﴾. والنادر قولك: كاد زيدٌ أن يقوم. ومنه قول كعب بن مالك ﵁ يردّ على ضرار بن الخطاب:
стр. 933
خَزَايا لم تنالوا ثَمّ خيرًا
وكدتُم أَن تكونوا دامِرِينَا
وأنشد سيبويه لرؤية -قال ابن عصفور: ولم يثبت في ديوان شعره-:
قد كادَ من طول البِلَى أَنْ يَمْصَحا
وأنشد المؤلف في شرح التسهيل:
أَبيتُمْ قَبُولَ السّلم منّا فكدتُمُ
لدى الحَرْبِ أن تُغْنُوا السيوفَ عن السلّ
ويقتضى قولُ الناظم: «وكادَ الأمرُ فيه عُكِسا» أن يكون دخولُ أَنْ هنا غير شاذّ، كما كان إسقاطها في عسى كذلك، وسيبويه خصّ هذا بالشعر ولم يجعله لغةً لبعض العرب. لكن بنى الناظمُ على قاعدته في الاستشهاد بالحديث فلم يجعله مختصًا بالشعر، لأنه جاء في حدِيث عُمَر ﵁: «ما كدتُ/ أن أصَلى العصر حتى كادت الشمس أن تغرُبَ» -وسيبويه لم يبن على ذلك. والحقّ مع سيبويه، وما بنى عليه الناظم لا يثبت! ولعلّ للكلام معه في هذه المسألة موضعًا هو أليقُ به من هذا لموضع، قيتقرر الصواب في المسألة، إن شاء الله.
стр. 934
وضمير: «فيه» يعود على كاد باعتبار اللفظ.
ثم أخذ يلحق بكل واحدٍ من الفعلين نظيره في عمله ورتبته وحكمه، فقال:
وَكَعَسَى حَرَى، ولكن جُعِلَا
خَبَرُها حَتْمًا بِأَنْ مُتّصِلَا
وَأَلْزمُوا اخْلَولَقَ أَنْ مِثْلَ حَرَى
وَبَعْدَ أَوشَكَ انْتِفَا أَنْ نَزَرَا
فابتدأ بقسم عسى، وعدّ لها ثلاث أخوات، وهنّ: حَرَى، واخْلَولَقَ، وأَوْشَكَ.
فأمّا حَرَى فمعناه عسى؛ قال ابن القوطية: «حَرَى أن يكون ذلك، بمعنى: عسى، فِعلٌ غير متصرفٍ». انتهى. وكأنه من قولهم: هو حَرَىَ بكذا، وحرٍ به، وحَرِىٌّ، أى: حقيقٌ به وجديرُ. وأحْرِى به، قال:
فَأَجْرِ به لطُولِ فَقْرٍ وَأَحْرِيا
وأما اخلولق فبمعنى: قارَب، أو قَرُب. يقال: اخلولقت السماءُ أن تمطر. وفيه قولهم: هو خليقٌ بكذا، أى جديرٌ به، وأخلِقْ به.
стр. 935
وأما أوشَكّ فقال الجوهرى: «أوشك يوشك إيشاكًا، أى: أسرع السير. قال: ومنه قولهم: يوشك أن يكون كذا». انتهى. وكأنه -فيما يُخَال- حقيقٌ أن يقع. هذا محصول معناه.
فهي كلّها راجعة إلى قرب الوقوع في الرجاء أو في المخيِّلة.
ثم نقول: قولهُ «وكَعسى حَرَى». يعنى أن حرى موافقة لعسى في أصل المعنى وفي العمل في المبتدأ الرفع، وفي الخبر النصب.
وأشعر قوله: «ولكن جُعِلا» إلى آخره بأن الخبر بلزمُ أَن يكون فعلًا مضارعًا؛ لأن بناء الحكم بدخول أَنْ عليه يستلزمُ ذلك. فهو ثالث بني عليه، ودخل تحت قوله: «وكعسى حرى» أيضا، وإلّا أنه لو سكت هنا لأوهم حكمين غير صحيحين، أحدهما: مجئ الخبر اسمًا، كما جاء في عسى، حسبما تقدّم والثاني: جوادُ إسقاط أَنْ من الخبر إذا كان مضارعا، فاستدرك قوله: «ولكن جُعلَا خبرها» .. إلى آخره. يعنى: أن حَرىَ خالفت عسى بأن جاء خبرها متصلًا بأن حتمًا، لا يفارقها البتة؛ فحصل أنك لا تقول: حرى زيدٌ فاعلًا، لا قياسً ولا سمعًا، وأنك لا تقول: حرى زيدٌ بفعل، لا قياسًا ولا سماعًا. وإنما تقول: حَرىَ زيدٌ أن يفعل.
فالتزمت طريقةً واحدة.
وهذا الفعل من نوادر هذا الباب، وقلّ من يذكره من النحاة.
وحتمًا: مصدر في موضع الحال من الضمير في «متصلًا» وهو ضمير الخير.
والحَتْمُ: الواجب واللازم. والحتم أيضا: القضاء. وحتمت عليه الأمر:
стр. 936
أوجبته «وألزموا اخلولقَ أَنْ مثلَ حرى»، الضمير في «ألزموا» عائد على العرب. واخلولق على حذف المضاف، أراد: خَبر اخلولق. يريد أن العرب أتو بأَنْ في خبر هذا الفعل. وهذا الحكم مبنىٌّ على أنّ اخلولق من أفعالِ هذا الباب، وأن خبرها لا يكون إلا فعلا مضارعًا. لكن تُرِك ذكر ذلك للعلم/ به من جهة سياق الكلام، وما ذُكِر في حَرىَ، وكونُه قرن هذا الفعل بما هو مثل عسى في المعنى دلّ أنه من أخوات عسى -ومثال ذلك اخلولق زيدٌ أن يفعلَ، واخلولقت السماءُ أن تُمْطِرَ. ولا يجوز أن تقول: اخلولقت السماء تُمطِرُ، ولا اخلولقت السماءُ ماطرةً. ولا ما أشبه ذلك.
وما زعمه الناظمُ في اخلولق من كونه من هذا الباب، فيه نظر؛ فإن سيبويه وغيرُه جعلوه خارجًا من أفعال المقاربة، وإنما يدخل فيها من جهة المعنى، وكذلك قارَبَ، لأنّك تقول: قارب زيدٌ أن يفعلَ؛ قال سيبويه: «تقول: عَسَيتَ أن تفعل. فَأَنْ هنا بمنزلتها في قولك: قاربت أَنْ تَفُعَلَ، أى: قاربت ذلك. وبمنزلة دنوتُ أن تفعل، واخلولقت السماء أن تمطر، أى لأن تمطر». فإذًا اخلولق على حكم تعدى الأفعال يقتضى فاعلاً ومفعولًا بحرف الجرّ، لأنك تقول: اخلولقت السماءُ للمطر. فقولك: أن تمطر، على إسقاط الخافض، بمنزلة إذا قلت: دنوت أن تَفْعَل، أى: من الفِعْلِ؛ فلو جاز أن يعدّ مثل هدا في أفعال المقاربة لجاز أن يعدّ منها: دنا وقَرُب وقارب، وما كان نحوها، مما اتفق على أنه ليس منها. وهكذا يجرى القول في حَرَى، لأنك تقول: هو حَرٍ بكذا، فتعدّيه كما تقول من اخلولق: هو خليقٌ بكذا. ويلزم ذلك أيضًا في نحو خليق وجدير وحقيق وقمِنٌ، وشِبْه
стр. 937
ذلك؛ صفة مشتقة من فعلٍ يستحقّ الدخول في الباب. وهذا كلّه بُعدٌ عن الإصابة في المسأة. والحقّ أنه لا يثبت حكم للكلمة حتى يتعيّن فيها كما تعيّن في عسى وأوشك.
ثم قال: «وبعدَ أوشَكَ انتفا أنْ نَزَرا». هذا أيضا بناءً منه على أَنّ أوشك من أفعال هذا الباب، وأن خبرها يقع بالفعل المضارع لا يغيره، فيريدُ أمّ الخبر الواقع بعد أوشط الغالب فيه أن يقع مقارنًا لأنْ، فتقول: أوشك زيد أن يقومَ، ويوشك عبد الله أن يسافر. ومنه قول جرير بن الخَطَفَى:
إذا جهل الشقىُّ فلم يُقَدِّر
ببعض الأمرِ يُوشِك أن يصابا
وأنشد ثعلب:
ولو سُئِلَ الناسُ الترابَ لأَوشكوا
إِذا قيلَ: هاتُوا - أَنْ يَمَلُّوا ويَمِنْعُوا
وجاء إسقاط أَنْ نَزْرًا، فتقول في قليلٍ من الكلام: يوشِكُ زيدٌ يقومُ. وليس بمختصٍّ بالشعر، فلذلك لم يقل: شذّ؛ قال سيبويه: «وقد يجوز: يوشك تجِىْ، بمنزلة: عسى يجئُ». وأنشد لأمية بن أبي الصلت:
стр. 938
يُوشِكُ مَن فَرّ من منيّتِهِ
في بعض غِرّاته يوافقها
وقوله: «وبعدَ» متعلق بانتفاء، وهو مبتدأ خبرُه «نَزَرَ»، وقدّم الظرف على المصدر الموصول وهو ممنوع، لكن يجئُ مثلُه. ويحتمل أن يتعلّقَ باسم فاعلٍ حالٍ من فاعل نَزَر فيكون من معمولات الخبر، فيسهل الأمر في ذلك.
وبعدُ فقد خالف رأيه في التسهيل في أوشك، فجعلها هنا في قسم عسى، فهى إذًا عنده من أفعال مقاربة الفعل في المخيلة والرجاء. وجعلها في التسهيل في قسم كاد، فهى عنده هنالك من أفعال مقاربة الفعل في الوجود. والمعنيان متباينان، والاتفاقُ على أنها لم يثبت لها الاستعمالات معًا، فلا بدّ إذًا من صدق أحد الرأيين، فإما أن يكون رأيهُ هنا صحيحًا فرأيه في التسهيل غير صحيح. وإما أن يكون/ بالعكس، فالاعتراض عليه ورادٌ لا محالة.
والجواب أن ما قاله هنا هو الصحيحُ الموافق لما ذكره الناسُ؛ فقد ذكر الشلوبين وتلامذته ابن الضائع والأبذي/ وابن أبي الربيع: أنّ أوشك ومن قسم عسى الذي هو للمقاربة في الرجاء قال ابن الضائع والدليل على ذلك أنك تقول: عسى زيد أن يَحُجّ، ويوشك زيدٌ أن يحجّ -ولم يبرح من بلده- ولا تقول: كاد زيدٌ يحجّ إلا وقد أشرف عليه، فلا يقال ذلك وهو ببلدة.
стр. 939
ويظهر من بعض المتأخّرين أن أوشك من قسم الشروع كأخذ. وليس بصحيح لما ذُكِرَ.
وقد وافق المؤلفَ ابنُه في شرح هذا النظم على ما قاله في التسهيل، وكأنه يفسّر معنى نظمه. وهنا. وما فسّرته به من أنّ أوشك من قسم عسى هو الأظهر منه؛ وبيان ذلك أنه ذكر أولًا فعلين من قسمين ثم ألحق بعد ذلك بكلّ فعلٍ ما أشبهه فقال: وكعسى كذا، وأردفه بَحَرى واخلولق وأوشك. ثم رجع إلى كاد فقال: «وَمِثْلُ كادَ في الأَصَحِّ كَرَبا». فهذا المساقُ ظاهرٌ جدًا في أوشك من قسم عسى دون قسم كاد، مع أن هذا التفسير موافقٌ لكلام الناس.
فإن قيل: إنّ تفسير الجوهرى لأوشك يؤذن بمعنى كاد؛ إذ قال: إن معناه معنى أسرع.
قيل: ذلك ليس على حقيقته، وإلا لزم أن يكون من أفعال الشروع إذا أخذنا بظاهر هذا التفسير، وإنما معناه المقاربة في الرجاء وفي التوقّع لا في الوقع. فالصوابُ إذًا ما أعطاه ظاهر النظم من موافقة الناس.
ثم رجع إلى قسم كاد وما يُلحقُ به من الأفعال فقال:
وَمِثْلُ كادَ فِى الأصَحِّ كَرَبَا
وَتَرْكُ أَنْ مَعْ ذِى الشُّرُوعِ وَجَبَا
كَأَنْشَأَ السّائِق يَحْدُو وَطِفقْ
كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ
يعنى أن كَرَبَ لاحقةٌ بكاد ومماثلةٌ لها في هذا الباب من جهة المعنى والاستعمال:
أما جهة المعنى فإِنّ كَرَبَ معناها مقاربةُ الفعلِ في الوقوع لا في الرجاء
стр. 940
ولا في الشروع، وبذلك فسّرها الجوهرى فقال: «وكَرَب أن يفعل كذا، أى: كاد يفعلُ. وأصل الفعلِ من قولهم: كَرَب الشئُ أى: دنا، وإثاءٌ كربان: إذا كرب أن يمتلئ. وكربت الشمس، أى: دنت للغروب». وهذا كلّه فِسّر معنى كاد.
وأما جهة اللفظ فقد تقدّم أن كاد إنما يقعُ خبرها في الغالب فعلًا مضارعًا غير مقرون بأن إلا في النادر، فكذلك كرب، فإنك تقول: كرب زيدٌ يفعلُ، دون أن قال سيبويه: «وأمّا كاد فإنهم لا يذكرون فيها أن»، قال: «وكذلك كرب، ومعناها واحدٌ، تقول: كرب يفعل». وهذا من سيبويه نصٌّ على صِحّة ما قال الناظم من أنّ كرب مثل كاد في المعنى وحكم اللفظ. ويدلّ على ذلك أيضًا من جهة السماع قول أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يرثى رسول الله ﷺ :
وَذَاكَ أَحقُّ ما سَالَتْ عَلَيهِ
نفوسُ القَوْمِ أَوْ كَرَبَتْ تسيلُ
فالمعنى ههنا معنى كاد بلا بُدِّ. ومثله مما استعمل بغير أَن على المشهور في/ الاستعمال قولُ الكميت:
стр. 941
وما أنتَ أم ما رسومُ الديارِ
وسِتُّوك قد كَرَبَتْ تكملُ؟ !
وأنشد المؤلفُ:
كَرَبَ القلبُ من جَواهُ يَذُوبُ
حين قال الوشاةُ: هندٌ غضوبُ
وقد جاءَ خبرها بأن، كما أتى في خبر كاد. ومنه قول أبي زيد الأسلمي:
سَقَاها ذَوُو الأحلامِ سَجْلا على الظّما
وقد كَرَبتَ أعناقُها أَنْ تَقَطّعَا
وأنشد المؤلف:
قَدْ بُرْتَ أو كَرَبْتَ أَنْ تَبُورَا
ووجهُ دخولِ أَنْ هنا أو عدمِ دخولها قد مَرّ في كاد.
وقوله: على الأصحّ، أو: «في الأصح»، أراد في القول الأصحِّ والرأى الأصوب -وهذا منه تنبيه على خلافٍ في المسألة لم يذكره في التسهيل ولا شرحه، ولا في الفوائد، ولا (هو) فى الكتب التى بأيدينا، وإنما وجدت في ذلك
стр. 942
ما ألقِيه إليكَ:
فأما الخلاف في المعنى فإن ابن الحجب في مُقَدِّمته النحوية جعلها من أفعال الشروع، فقال في أفعال المقاربة: هى ما وُضِع لدُنُوِّ الخبر رجاءً أو حصولًا أو أخذًا فيه». ثُمّ لمّا عدّ أفعال الأخذ فيه عدّ في جملتها كَرَبَ. وهذا نص فيما قلته، وأحسب أنه ليس بمذهبٍ اخترعه، بل هو ناقلٌ أو آخذ بمذهب غيره. وللزمخشرى عبارة تشعر بما نصّ عليه ابن الحاجب فقال في المفصل: «ومنها كرب وأخذ وجعل وطفق». فلعلّ الناظم أشار إلى هذا الخلاف المعنوى.
وأما الخلاف في حكم اللفظ فإن شيخنا -رحمة الله عليه- رأيت بخطّه عند هذا الموضع تنبيهًا على وجود الخلاف، وأنّ ثَمّ من يقول: إن كَرَبَ مخالفة لكاد؛ فإنّ الأكثر في كاد عدم لحاق أَنْ، وفي كرب اللحاقُ وعدمُه سِيّانِ، لا مزيّةِ لأحدهما على الآخر. وهذا المذهب ظاهر -لَعَمْرِى- من نصّ التسهيل والفوائد للمؤلف، وما ذهب إليه هنا موافق لجمهور الناس، حيث جعلوا لحاق أَنْ مع كرب نادرًا، والذى شرح فيه ابنُ الناظم هذا الموضع غيرُ ما تقدّم، بل قال: ولم يذكر سيبويه في كَرَب إلا تجريد خبرها من أَنْ، لذلك قال الشيخ -يعنى أباه-: «وَمِثلُ كادَ في الأَصحِّ كَرَبا» انتهى. وكأنه بنى على أن الناظم خالف سيبويه حين لم يذكر في كَرَب دخولَ أَنْ؛ إذ لم يحفظه، بخلاف كاد عنده فإن حكى فيها دخولَ أَنْ، فكأنّه يقول: الأصحّ كونُ كرب أختُ كاد في صحة
стр. 943
الوجهين، وإنْ كان أحدهما نزارًا والآخرُ شائعًا، لا أن تنفردَ به بوجه واحدٍ وهو ترك أَنْ جملة؛ لأن السماع فيها موجود بالوجه الآخر. والذى يغلب الظن أن الناظم لم يُرِدْ هذا، لأن سيبويه لمّا لم يسمع فيها دخولَ أَنْ اقتصر على وجه واحد، لم ينفِ الآخر ولا تعرّض له، فجاء منَ بعده فسمع لحاقَ أنْ فاستدركه عليه، ولم يَعُدّ سيبويه مخالفًا؛ لأنه لو سمعه لنقله في كاد أختها، وإنما ينبغي أن يُنبّه على المخالفة أنْ لو نَفَى جواز لحاقها، ولم يفعلْ ذلك، فكيف يسوغ أَن ينتقل عن سيبويه أنه مخالف في المسألة؟ ! هذا ما لا ينبغي، بل لو قد نفي بناءً على عدم سماعة عنده لم يكن عن بعده حسنًا إن يعدّه مخالفًا. وكثير من المسائل تقع في على هذا السبيل لسيبويه/ وغيره ولا تعدُّ من مسائل الخلاف، اللهم إلا أن يحتج للنفي ويناضل عنه البتة فربّما يَسوغُ للمثبت أن ينقله خلافًا، كما يحتج للإثبات، فيصحّ للنافي نقله خلافًا؛ فإذًا هذه المسألة بعيد أن يَعْيِها الناظم بالأصح. والأظهر ما تقدّم نقلُه عن شيخنا ﵀.
إلا أنه على الناظم في إحالته على كاد شئٌ، وهو أنه حكى في كاد زيادة على الوجهين أنّ خبرها جاء غير مضارع نادرًا، وهو قد أحال في حكم كرب عليها، فاقتضى أن خبرها جاء غير مضارع أيضا، كما اقتضى الوجه النادر في لحاق أ، لكن ذلك غير موجود في القل، فإطلاقُ الإحالة غير سديد.
والجواب: أن الناظم قد نَصّ على أن غير المضارع لا يقع في هذا الباب خبرًا إلا لكاد وعسى خاصّة، وذلك حيث قال أول الباب:
стр. 944
لكن نَدَرْ
غَيرُ مُضَارِعٍ لهَذينِ خَبَرْ
يعنى كاد وعسى، فخرج غيرهما عن أن يقع غير المضارع خبرًا لواحدٍ من البواقي، فلم يبق ما يحيل عليه في كاد إلا الوجهان الباقيان. وهذا ظاهر.
وسؤَالٌ ثانٍ، وهو: أنه اقتصر هنا على نَقْلِ فعلين من هذا القسم، وقد عُلِم أن له أفعالًا آخَر لم يحكها ولا أشار إليها، وفي التسهيل ثلاثة منها، وهى: هَلْهَلَ، وأَوْلَى، وأوشك. أما أوشك فقد مر ما فيها، فبقي اثنان، وعدّ الشلوبين وغيره منها: قارب.
فأما هَلْهَلَ فقال الجوهري: يقال: هَلْهَلْتُ أدْرِكه، كما يقال: كِدْتُ أُدُركه. وأنشد:
هَلْهَلْتُ أَثْأَر مالكَا أو صِنْبِلَا
وأما أَوْلَى، فتقول: أولى زيد أن يقوم، بمعنى: قارب أن يقوم. وأنشد الأصمعى:
فعادى بين هاديتين منها
وأولى أن يزيد على الثلاث
стр. 945
أي: «قارب أن يزيد».
وأما قارب فتقول: قارب أن يفعل، كما تقول: كاد أن يفعل.
والجواب أن يقال: لعلّه ترك ذلك لِعلّةٍ؛ فهلهل من النواد التى لا يذكرها النحويون، وهذا لا ينجيه، فقد ذكر حرى، وهى نادرةٌ أيضا. وأمّا أولى فهى محتملةٌ أن تكون اسمًا أو فعلًا؛ قال الأصمعيّ في قول الشاعر:
فَأَوْلَى ثُمَ أَوْلَى ثُمّ أَوْلَى
وهل للدّرِّ يحلبُ من مَرَدِّ؟
: «معناه: قاربه ما يهلكه، أى: نزل به». وأنشد: فعادى ... البيت. فهذا يحتمل أن يكون تفسير معنًى، لأنهم يفسّرون «أولى لك» بذلك، وهو اسم لا فعلٌ، قال مكى: «العرب تقول لكلّ من قارب الهَلَكَة ثم أفلت منها: أولى لك، أى: كدت تَهْلِكُ». فإذا ثبت هذا لم يَسُغ إثبات ولى مع وجود هذا الاحتمال.
وأما قارب فليس منها إلا من جهة المعنى فقط، ولم يذكره سيبويه على أن من الباب، بل على موافقة المعنى، وهو بعد ذلك فعلٌ متعدٍّ تعدّى سائر الافعال. فالصواب عدم عدِّه منها.
ثم شرع في القسم الثالث، وهو قسم الشروع في الفعل فقال: «وَتَرْكُ أَنْ مَعْ ذِى الشُّرُوعِ وَجَبا»، يعنى أَنّ ما كانَ من هذه الأفعالِ لمعنى الشُّروعِ في
стр. 946
الفِعْلِ فتركُ أن فيها/ هو الواجب، فلا يجوز أن تدخُلَ على أخبارها. وهذا الكلام بيان أن أخبارها أفعال مضارعه كما تقدم، فتقول: جعل زيدٌ يقومُ، ولا تقول: جعل زيدٌ أن يقومَ، للتنافى الذى بين أَنْ وهذه الأفعال حسبما تقدّم. وأتى الناظم بأفعال خمسة:
أحدها: أنشأ، ضَمنه مثالًا هو قولهُ: «أنشأ السائق يحدو». فأنشأ بمعنى شرع وابتدأ، ولذلك أطلق عليها أفعال الشروع، لأن ذلك معناها.
والسائق، من ساق الإبل وغيرها يسوقُها سوقًا: إذا قدّمها بين يديه، ومنه قوله تعالى: ﴿وجاءَتْ كلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾.
والحادي: سائقُ الإبل بالغناء لها، وقد حدوتُ الأبل حَدْوًا وحداءً.
ومثال ذلك في الشعر ما أنشد المؤلف:
لما تَبَيّنَ مينُ الكاشحين لَكُمْ
أنشأتُ أُعِربُ عما كان مكتُوما
وأنشد الجوهرى:
أنشأتُ أسألُه: ما بالُ رفْقَتَهِ
حَىّ الحُمُولَ فإِنّ الركبَ قد ذَهَبَا
والثاني: طفق، يقال زيدٌ يفعلُ كذا يطفَقُ طَفَقًا، أى جعل يَفْعل. منه قولُ الله تعالى: ﴿وَطَفقا يَخْصِفانِ عليهما من وَرَقِ
стр. 947
الجنّةِ﴾؛ قال الأخفش: وبعضهم (يقول): طفَقَ -بالفتح- يطفقُ طفوقًا. وأنشد المؤلف في طِفق بيتًا لم أُقَيِّدْه كما أحبُّ.
والثالث: جعل، نحو قولك: جعل زيدٌ يقرأ، بمعنى أخذ في القراءة. وأنشد الفارسىّ وغيره:
وَقَدْ جَعَلْتُ إِذَا ما قُمْتُ يُثْقِلُنى
ثَوبي فَأْهَضُ نهضَ الشاربِ الثّمِلِ
وأنشده سيبويه:
وقد جَعَلْت نفسي تطيبُ لضغَمةٍ
لِضْغمهما يقرعُ العظمَ نابُها
وأنشد ابن جني:
стр. 948
قد جَعَلَ النعاسُ يَغْرِنَدينِي
والرابع: أخذ، كقولك: أخذ زيد يقرأ
وأما عَلِق فنحو: عَلِقَ زيدٌ يقرأ، بمعنى أخذ وجعل. وأنشد صاحب الصحاح:
عَلِق حَوْضِى نُغَرٌ مُكِبٌّ
إذا غَفَلْتُ غَفْلَةَ لِعُبُّ
قال: أى طَفِق. وأنشد المؤلف:
أَراكَ عَلِقْتَ تَظْلمُ مُن أَجَرْنا
وظلمُ الجار إذلالُ المجيِر
فكلّ هذه الأفعال لا تلحقُ أخبارَها أنْ البتّةَ.
وفي قوله: «كأنشأ السائق يحدُو» .. إلى آخره ما يشعرُ بأنّ ثَمّ أفعالًا أُخَرَ لم يذكرها تدخُل في هذا القسم لأنه أتى بأدارة التشبيه ولم يحصُر. وقد زاد في التسهيل: طَبِقَ، بالباء أخت التاء مكسورة، فتقول على هذا: طبق زيدٌ يقرأ. ولم يأت عليه بشاهدٍ. وزاد: هَبّ، وقد حكاه الجوهرى فقال: وهبْ فلان يفعلُ كذا، كما تقول: طَفِق يفعلُ. وأنشد المؤلف:
هَبَبتُ ألومُ القلبَ في طاعَةِ الهوى
стр. 949
فَلَجّ، كأني كنتُ باللوم مُغْرِيا
وقوله: «كذا جعلتُ وأخذتُ وعلقُ». يعنى أنها مثل ما تقدّم من أفعال الشروع في المعنى والحكم المذكور.
ثم ذكْر ما تصرّف منها وما لم يتصرف، خوفًا أن تحمل كلُّها محملًا واحدًا، ظنّا أن هذه الأفعال في التصرف مثل كان وأخواتها، فيتوهم أن لها أفعالٌ مضارعة، وأسماءَ فاعلين، ونحو ذلك تعملُ عملها، فقال في ذلك:
وَاسْتَعْمَلَوا مُضَارِعًا لأَوْشَكَا
وَكَادَ لَا غَيْرُ، وَزَادُ وامُوْشِكَا
حقيقة هذا الكلام أن أكثر هذه الأفعال لم تتصرّف تصرّف الافعالِ، فلم يستعمل لها مضارع ولا أمرٌ/ ولا بُنِى منها اسم فاعل ولا مفعول. وإنما اقتُصِر بها على حالةٍ واحدة لكن بحيث فهم منها قصدُ الاقتصار؛ فإن عدم استعمال المضارع والأمر وغيرهما. بمجرّده لا يدُلُّ على عدم التصرف، وإلّا لَزِمَ أن يقف في كل فِعْلٍ من الأفعال على السماع. وكذلك في كل اسم فاعل أو اسم مفعول. وليس الحكم كذلك، بل إذا سمعنا بعض أنواع الفعل قسنا عليه سائر الأنواع، بخلاف ما إذا فهمنا الاقتصار على ما استعمل فهذا هو الذى لا نستعمل منه إلا ما استعملته العرب. وأفعال هذا الباب من ذلك؛ فالغالب فيها عدمُ التصرف، إلا أنهم استعملوا المضارع وحده من فعلين منها، واسم الفعل من واحدٍ، وذلك قولُ الناظم:
стр. 950
واستعُملوا مضارعًا لأوشكا
وكادَ لا غيرُ ... ...
يعنى أن العربَ صاغت لأوشك وكاد المضارع فتكلمت به على معنى المقاربة الداخلة في هذا الباب؛ فأما أوشك فإنهم قالوا: يوشكُ زيدٌ أن يقومَ، ويوشك أن يكون كذا. وفي الحديث: «كالرائع حول الحمى يوشك أن يقع فيه». وأنشد سيبويه:
يُوشِكُ من فَرّ من مَنيّتهِ
في بَعْضِ غِرّاتِة يُوافِقُها
واستعمالهُم للمضارع هنا أكثر من استعمالهم للماضى، ولذلك تجدُ أكثر النحويين إنما يذكره في هذا الباب مضارعًا. وأما كاد فإنهم قالوا فيه: يكاد زيد يقومُ. وفي التنزيل المقدس: ﴿يكادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهبُ بالأبْصَارِ﴾، ﴿يكادُ زيتُها يُضِيءُ وَلَو لم تمْسَسْهُ نار، نورٌ﴾ ﴿يكاد السموات ينفطرْن منه﴾. وهو كثير.
وأما غير هذي الفعلين فلم يستعمل له مضارع، كما لم يستعمل لواحد منها أمر، فلا تقول: يطفق زيدٌ يقومُ، ولا يجعل يخرج، كما أنه لا يقال: أَوْشِكْ
следующие страницы →