← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الفِعْلِ فتركُ أن فيها/ هو الواجب، فلا يجوز أن تدخُلَ على أخبارها. وهذا الكلام بيان أن أخبارها أفعال مضارعه كما تقدم، فتقول: جعل زيدٌ يقومُ، ولا تقول: جعل زيدٌ أن يقومَ، للتنافى الذى بين أَنْ وهذه الأفعال حسبما تقدّم. وأتى الناظم بأفعال خمسة: أحدها: أنشأ، ضَمنه مثالًا هو قولهُ: «أنشأ السائق يحدو». فأنشأ بمعنى شرع وابتدأ، ولذلك أطلق عليها أفعال الشروع، لأن ذلك معناها. والسائق، من ساق الإبل وغيرها يسوقُها سوقًا: إذا قدّمها بين يديه، ومنه قوله تعالى: ﴿وجاءَتْ كلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. والحادي: سائقُ الإبل بالغناء لها، وقد حدوتُ الأبل حَدْوًا وحداءً. ومثال ذلك في الشعر ما أنشد المؤلف: لما تَبَيّنَ مينُ الكاشحين لَكُمْ أنشأتُ أُعِربُ عما كان مكتُوما وأنشد الجوهرى: أنشأتُ أسألُه: ما بالُ رفْقَتَهِ حَىّ الحُمُولَ فإِنّ الركبَ قد ذَهَبَا والثاني: طفق، يقال زيدٌ يفعلُ كذا يطفَقُ طَفَقًا، أى جعل يَفْعل. منه قولُ الله تعالى: ﴿وَطَفقا يَخْصِفانِ عليهما من وَرَقِ

стр. 947

الجنّةِ﴾؛ قال الأخفش: وبعضهم (يقول): طفَقَ -بالفتح- يطفقُ طفوقًا. وأنشد المؤلف في طِفق بيتًا لم أُقَيِّدْه كما أحبُّ. والثالث: جعل، نحو قولك: جعل زيدٌ يقرأ، بمعنى أخذ في القراءة. وأنشد الفارسىّ وغيره: وَقَدْ جَعَلْتُ إِذَا ما قُمْتُ يُثْقِلُنى ثَوبي فَأْهَضُ نهضَ الشاربِ الثّمِلِ وأنشده سيبويه: وقد جَعَلْت نفسي تطيبُ لضغَمةٍ لِضْغمهما يقرعُ العظمَ نابُها وأنشد ابن جني:

стр. 948

قد جَعَلَ النعاسُ يَغْرِنَدينِي والرابع: أخذ، كقولك: أخذ زيد يقرأ وأما عَلِق فنحو: عَلِقَ زيدٌ يقرأ، بمعنى أخذ وجعل. وأنشد صاحب الصحاح: عَلِق حَوْضِى نُغَرٌ مُكِبٌّ إذا غَفَلْتُ غَفْلَةَ لِعُبُّ قال: أى طَفِق. وأنشد المؤلف: أَراكَ عَلِقْتَ تَظْلمُ مُن أَجَرْنا وظلمُ الجار إذلالُ المجيِر فكلّ هذه الأفعال لا تلحقُ أخبارَها أنْ البتّةَ. وفي قوله: «كأنشأ السائق يحدُو» .. إلى آخره ما يشعرُ بأنّ ثَمّ أفعالًا أُخَرَ لم يذكرها تدخُل في هذا القسم لأنه أتى بأدارة التشبيه ولم يحصُر. وقد زاد في التسهيل: طَبِقَ، بالباء أخت التاء مكسورة، فتقول على هذا: طبق زيدٌ يقرأ. ولم يأت عليه بشاهدٍ. وزاد: هَبّ، وقد حكاه الجوهرى فقال: وهبْ فلان يفعلُ كذا، كما تقول: طَفِق يفعلُ. وأنشد المؤلف: هَبَبتُ ألومُ القلبَ في طاعَةِ الهوى

стр. 949

فَلَجّ، كأني كنتُ باللوم مُغْرِيا وقوله: «كذا جعلتُ وأخذتُ وعلقُ». يعنى أنها مثل ما تقدّم من أفعال الشروع في المعنى والحكم المذكور. ثم ذكْر ما تصرّف منها وما لم يتصرف، خوفًا أن تحمل كلُّها محملًا واحدًا، ظنّا أن هذه الأفعال في التصرف مثل كان وأخواتها، فيتوهم أن لها أفعالٌ مضارعة، وأسماءَ فاعلين، ونحو ذلك تعملُ عملها، فقال في ذلك: وَاسْتَعْمَلَوا مُضَارِعًا لأَوْشَكَا وَكَادَ لَا غَيْرُ، وَزَادُ وامُوْشِكَا حقيقة هذا الكلام أن أكثر هذه الأفعال لم تتصرّف تصرّف الافعالِ، فلم يستعمل لها مضارع ولا أمرٌ/ ولا بُنِى منها اسم فاعل ولا مفعول. وإنما اقتُصِر بها على حالةٍ واحدة لكن بحيث فهم منها قصدُ الاقتصار؛ فإن عدم استعمال المضارع والأمر وغيرهما. بمجرّده لا يدُلُّ على عدم التصرف، وإلّا لَزِمَ أن يقف في كل فِعْلٍ من الأفعال على السماع. وكذلك في كل اسم فاعل أو اسم مفعول. وليس الحكم كذلك، بل إذا سمعنا بعض أنواع الفعل قسنا عليه سائر الأنواع، بخلاف ما إذا فهمنا الاقتصار على ما استعمل فهذا هو الذى لا نستعمل منه إلا ما استعملته العرب. وأفعال هذا الباب من ذلك؛ فالغالب فيها عدمُ التصرف، إلا أنهم استعملوا المضارع وحده من فعلين منها، واسم الفعل من واحدٍ، وذلك قولُ الناظم:

стр. 950

واستعُملوا مضارعًا لأوشكا وكادَ لا غيرُ ... ... يعنى أن العربَ صاغت لأوشك وكاد المضارع فتكلمت به على معنى المقاربة الداخلة في هذا الباب؛ فأما أوشك فإنهم قالوا: يوشكُ زيدٌ أن يقومَ، ويوشك أن يكون كذا. وفي الحديث: «كالرائع حول الحمى يوشك أن يقع فيه». وأنشد سيبويه: يُوشِكُ من فَرّ من مَنيّتهِ في بَعْضِ غِرّاتِة يُوافِقُها واستعمالهُم للمضارع هنا أكثر من استعمالهم للماضى، ولذلك تجدُ أكثر النحويين إنما يذكره في هذا الباب مضارعًا. وأما كاد فإنهم قالوا فيه: يكاد زيد يقومُ. وفي التنزيل المقدس: ﴿يكادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهبُ بالأبْصَارِ﴾، ﴿يكادُ زيتُها يُضِيءُ وَلَو لم تمْسَسْهُ نار، نورٌ﴾ ﴿يكاد السموات ينفطرْن منه﴾. وهو كثير. وأما غير هذي الفعلين فلم يستعمل له مضارع، كما لم يستعمل لواحد منها أمر، فلا تقول: يطفق زيدٌ يقومُ، ولا يجعل يخرج، كما أنه لا يقال: أَوْشِكْ

стр. 951

يا زيدُ أن تقومُ، ولا كَدْ تقوم. والى ذلك أشار بقوله: «لا غيرُ»، أى إنّ المضارع لا يستعملُ من غيرهما البتة. وقوله: «وَزَادُوا مُوشِكا»، يعنى أنهم زادوا في أوشك على استعمال المضارع استعمال اسم الفاعل، فقالوا نحو: زيدٌ موشكٌ أن يقوم. ومنه قول أسامة بن الحارث الهذلي: فموشكةٌ أرضُنا أن تعودَ خلافَ الأنِيسِ وحوشًا يَبابَا وقال كُثَيْرٌ: فإنك موشِكٌ أَنْ لا تراها وتعدُو دُونَ غاضرةَ العَوادِى وأراد ها التقييد بلا غيرُ، إلا أنه تركه للعلم به، فكأنه قال: وزادوا في أوشك -لا غير- موشكا. والله أعلم. (ثم قال): بَعْدَ عَسى اخْلَولَقَ أَوشَكَ قَدْ يَرِدْ غِنًى بِأَنَ يَفْعَلَ عَنْ ثَانٍ فُقِدْ يعنى أنّ أنْ والفعل المضارعَ، وهو الذى عَبّر عنه بأنْ يفعلَ، قد يقع بعد هذه الافعال الثلاثة، وهى عسى واخلولق وأوشك، فيستغنى به عن الإتيان

стр. 952

بالمعمول الثاني، وهو الخبر المفقود من الكلام، فتقول: عسى أن يقوم زيد، واخلولق أن يقوم زيدٌ، وأوشك أن يقوم زيدٌ. ويعطى هذا الكلام أنّ أنْ مع الفعل في موضع رفع اسمًا لعسى، فإن المفقود من المعمولين هو الثاني، قال، فالأولُ إذًا غير مفقود، وإذا كان موجودًا وليس ثمّ مع الفعل إلا أنْ والفعل، وذلك الاسم، فهما إذًا في موضع رفع الفعل، وقد قَرّر أن هذه الأفعال الثلاثة من النواسخ، فالرفع على أنّ المرفوع اسمها، وصار لما كان في قوة الجملة وفي معناها سادّا مسدّ الخبر، لأنه مذكور. وفي القرآن من هذا: ﴿وعَسَى أن تكرهوا شيئًا وَهُوَ خيرٌ لكم، وعَسَى أن تُحِبُّوا شيئًا وهو شرٌّ لَكُم﴾ و ﴿عَسَى أن يبعثَكَ رَبُّكَ مقامًا محمُودًا﴾. ومثل ذلك يلزم في الفعلين الباقيين. وما قاله الناظم ها هو أحد المذاهب الأربعة في المسألة. والثاني/: أَنّ أَنْ وما بعدها في موضع الرفع على الفاعلية بمنزلة قَربُ ودنا، فكما تقول أن يقومَ زيد، ويكون «أن يقوم» فاعلًا، فكذلك هنا إذا قلت: عسى أن يقوم. وهو في اخلولق وأوشك ظاهر. والثالث: أَنّ أنْ وما بعدها في موضع نصب المفعولية، والاسم الظاهر بعد الفعلِ والفاعل، وهى بمنزلة قارب، فإذا قُلْت: عسى أن يقوم زيدٌ، أو اخلولق أن قوم، فَأَنْ يقوم في موضع المفعول، وزيد فاعل، كأنك قلت: قارب أن يقوم زيد، أى: القيامَ زيدٌ. وهذان المذهبان بناءٌ على هذه الأفعال هنا غير نواسخ، وأنّ أنْ

стр. 953

مصدرية والرابع: يتخرج على قول من جعل أن غير مصدرية، وهو أن يكون «أن يقوم» هو الخبر، وزيدٌ هو الاسم، لك تنازعه مع فعل المقاربة الفعلُ الواقع خبرًا، فصار بمنزلة: عسى يقومُ زيد، والبناءُ هنا على أنها نقاصة كما كانت في الأصل. فأمَا رأْىُ الناظم فقد مرّ أنه إذا ثبت أن هذه الافعال تكون نواقص في بعض المواضع بلا نزاع، فالاولى أن يردّ سائر المواضع إلى ذلك. ونحن ههنا قادرون على ردّها، فهو الذى ينبغي، فإذا أسندت هذه الافعال الثلاثة إلى أن الفعل وجهت بما يوجه به «حسب» إذا وقع أن الفعل في موضع مفعوليها نحو قول الله تعال: ﴿أَحَسِبَ الناسُ أَنْ يُترَكُوا﴾، وقوله: ﴿أم حسبتم أن تتركوا﴾، وما أشبه ذلك. فلما لم تَخْرُجُ «حَسِبَ» بذلك عن أن صلها، كذلك لا تخرج عسى وأختاها عن أصلها. ووجه ذلك في حسب ونحوها أنّ أن والفعل سدّا مسدّ الجزأين اللذين أصلُهما المبتدأ والخبر، وإن كانا مؤولين بمفرد؛ فإنّ ذلك قد تضمن المبتدأ والخبر ملفوظا بهما؛ وإذ ضمير «يُتْركُوا» هو المبتدأ، و «يترك» هو الخبر، والتقدير: أحسب الناس أنفسهم متروكين. فكذلك تقول: عسى أن يقوم زيد، أَنْ يقوم في تأويل مفرد، وهو يتضمن الجملة، فزيدٌ هو المبتدأ في المعنى، ويقوم الخبر. وهذا لا إشكال فيه على الجملة. قال ابن الضائع: «لما كان هذا المرفوع -يعنى أَنْ والفعلَ- يتضمن الخبر والمخبر عنه ملفوظا بهما، سدّ مسدّهما، كما سدّ- في: أقائم أخواك؟ - المرفوع عن الخبر؛ ألا ترى أنه يجوز على مذهب الأخفش: كان قائمٌ أخواك، وكان ناقصة قال: «وينبغي على قياسِ قولِ سيبويه أن يجوز: ما كان قائم أخواك؛ لأن النفي

стр. 954

يُجوِّز الابتداء بالنكرة، وقد اعتمد اسم الفاعل على كان». قال: «ومن هذا قولهم: ظننتُ أن زيدًا قائم، فأنّ مع بعدها في تقدير اسم مفرد، وجازَ ذلك في ظنتُ، وإن كان لا يجوزُ: ظننت قيامَ زيدٍ، بالنظم إلى ذِكْرِ الخَبر والمخبر عنه في الكلام خبرًا ومخبرًا عنه» - قال: «واحُترِزَ بهذا التقييد من إلزام ظنننتُ قيام زيد». هذا ما قال، وهو ظاهر كما ترى؛ إلا أن الفارسىّ ردّ هذا في التذكرة، ومنعه جملة، لأنّ أنْ في عسى واقعة موقع الفاعل، ولا يصلح أن تقع جملة موقع الفاعل، لأن الفاعل لا يكون جملة، لأنه يُضْمَرُ، ويكنى عنه، ويثنى ويجمع. ولا يجوز شئٌ من ذلك في الجمل، ولا يجوز أن تكون أنْ واقعةً موقع الجُمْلة بعد الفعل، ولا أن تُسدّ مسدّ الجملة هنا لأنها في معنى المفرد، وفي موضع مفرد مرفوع، وإلا فأين مرفوع الفعل في عسى أن يقوم زيدٌ؟ فلا بُدّ أن يقال/: أنْ والفعلُ، وأَنْ والفعلُ مفردٌ، كما في نحو: أعجبني أن تقوم. فإن قيل: فقد وقعت أنْ وأنّ موقع الجملة في: ظننت أن يَقُومَ زيدٌ، وأنّ زيدًا يقوم، فكذلك هنا. فالجواب: أنهما لم يقعا موقع البتة، وإنما وقعا موقع المفرد، وإنما سدّ ما جرى في الصلة من ذكر الخبر والمخبر عنه في المعنى مسدّهما، كما سدّ الفاعل مسدّ الخبر في: أقائم الزيدان؟ فاستغنى معه عن خبر المبتدأ، كذلك استغنى بذكر الخبر والمخبر عنه عن أن يعدّى الفعل؛ قال الفارسي: ولم يقع الإفرادُ موقع الجملة في شئٍ علمناه.

стр. 955

هذا كلامه على بسط بعض ما فيه مع تحرّى معناه، وهو كما ترى وارد ويصعبُ الجواب عنه. ولكن نجيب بأن نقول: إنّ أنْ والفعلَ وقعت في اللفظ مع عسى موقع الاسم المرفوع، فإنه مفرد في التقدير، لكن لما كان الخبر في المعنى واقعًا في صلة أَنْ، وهو الفعل الموالى لأن استغنى به عن ذكره؛ إذ لا يحتاج إليه من جهة المعنى مع وجوده، فلم يقع المفرد موقع الجملة، وإما وقع المفردُ موقع المفرد، واتفق أن ما في صلة المفرد سدّ مسدّ الخبر، كما اتفق الفارسىُّ معنا على أَنّ «أَنْ» مع ظنت واقع موقع المفرد، وسدّ ما في صِلَتِه مَسّدّ المفعولِ الثّاني، وهو خبرُ المبتدأ في الأصل، فمسألة حَسِبَ نظيرة مسأة عسى، وهو ما تقدّم ذكره، ولا يبقي بعد ذلك أشكال. والمذهب الثاني مرجوعٌ؛ فإنه إخراجٌ لهذه الافعال عما ثبت فيها إلى أمر محتمل، وأيضًا فإن أمكن ذلك في غير عسى فلا يمكن في عسى لأنها غير متصرّفة، ولا دالّة على حدث ولا زمان، فكيف تعدّى [تعدية] الفعل المتصرف وتجعل دالّةٌ على معناه من الحدث والزمان؟ هذا خلاف المقرر فيها؛ فإنْ جَعَل ذلك أمرًا معنويًا لم تخرج به عسى [عن] أن تكون من النواسخ؛ لأن الادوات قد تتحمّل معاني الافعال الصحيحة، ولا تخرج بذلك عن حكمها المستقرّ فيها، كليت وكأنّ وأسماء الإشارة ونحوها. والمذهب الثالث إيضا، فيه ما في الثاني ويزيد محذورًا آخر، وهو أنه لو كان كما قال للزم إبرازُ الضمير مطلقًا واتصاله بعسى إذا كان ضمير مخاطب، فكنت تقول: عسيت أن تقوم، ولا يجوز على ذلك أن تقول: عسى أن تقوم، إلا

стр. 956

أن هذا باطل، لقول الله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهُوا شَيئًا وهو خيرٌ لَكُم، وعَسَى أن تحبوا شيئًا وهو شرٌّ لكُم﴾. وكذلك كان يلزم الإبراز في الفعل الثاني إذا كان الاسم مثنّى أو مجموعًا، فكنت تقول: عسى أن يقوما الزيدان، وعسى أن يقوموا الزيدون. ولو أعمل الثاني لزم أن تقول: عسيا أن يقوم الزيدان، وعَسَوا أن يقُوم الزيدون؛ فلا يقال: عسى أن يقوم الزيدان، ولا عسى أن يقوم الزيدون. وهذا فاسدٌ، فإن العرب تقوله. وأما المذهبُ الرّابعُ فلا ينبغي الحمل عليه ما وجدتَ عنه مندوحةً. فالأولى ما ذهب إليه الناظم. واعلم أنه حين بَيّن أَنّ أَنْ والفعل في موضع رفع بعسى أو واحدٍ/ من أخواتها، أشعر ذلك بأنّ لفظ الفعل لا يختلف بحسب اختلاف أحوال الاسم بعده، إلا بحسب ما يختلف الفعل لاختلاف فاعله فتقول: عسى أن يقوم الزيدان والزيدن، وعسى أن تقوم هند والهندان والهندات، وكذلك: الهنود، في أحد الوجهين. وعسى أيضا لا تختلف. فالحاصلُ من كلامه من أول الباب إلى هنا يدور على مسألتين إحداهما: عسى زيد أن يقوم. وهذه يشترك فيها جميع أفعال الباب. والثانية: عسى أن يقوم زيد. وهذه مختصة بثلاثة الأفعال المذكورة. وذلك كله عند عدم اسم يذكر قبلها، فأما إن ذُكِر اسم قبلها فإن ذلك يتفرع على هاتين المسألتين، وهو الذي قال فيه:

стр. 957

وَجَرِّدَنْ عَسَى، أو ارْفَعْ مُضْمَرَا بِهَا إذَا اسْمٌ قَبْلَهَا قَدْ ذُكِرَا فيعنى أنّ عسى إذا تقدّمها اسم مذكورٌ قبلها، فلك فيها وجهان: أحدهما أَنْ تُجرّد عسى -يغنى عن الضمير جملةً- وتجعل «أنْ يفعلَ» هو المرفوع بها، وتسدّ إذ ذاك مسدّ المنصوب، حسبما تقدم آنفا، فتقول: زيدٌ عسى أن يقوم. والزيدان المسألتين المتقدمتى الذكر. والوجه الثاني: أن يضمر فيها ضمير يكون مرفوعًا بها، والخبر: أَنْ والفعل. وذلك الضمير عائد على الاسم المتقدم، فيطابقه في إفراده وتثنية وجمعه، وتذكره وتأنيثه؛ فتقول: الزيدان عسيا أن يقوما، والزيدون عَسَوا أن يقوموا، وهند عَسَتْ أن تقوم، والهندان عستا أن تقوما، والهندات عَسَين أن يَقُمنَ. فيكون الضمير في هذا الوجه اسمَ عسى، وأَنْ والفعل الخبر، كما تقول: زيد كان يقوم، والزيدان كانا يقومان، والزيدون كانوا يقومون، ونحوه. وهذه هى المسألة الثانية من المسألتين. وقول الناظم: «إذا اسمٌ قبلَها قد ذُكِر»، لم يعيّن ههنا حال هذا الاسم، من كونه مبتدأٌ أو غير ذلك؛ لأن المقصود صحة إعادة الضمير عليه من عسى؛ وإذا لت زرتُ المريض وعسى أن يفيق، وجاء زيدٌ فعسى أن يقرأ. وما أشبه ذلك -[فهو] داخل في مقتضى إطلاقه. وتخييرُ بين هذين الوجهين هو تخييرٌ

стр. 958

بين لغتين للعرب حكاهما الإمام فقال: «ويقولون عسى أن يفعل، وعسى أن يفعلُوا، وعسى أن يفعلا» .. إلى آخر ما قال، ثم قال: «ومن العرب من يقول: عسَى، وعسَيا، وعسَوا، وعسَتَ وعستا، وعسَين» ... إلى آخره. وإذا تقرّر هذا بقى على الناظم دَرْكٌ من وجهين أو ثلاثة؛ فإنه قَصَر هذا الحكم على عسى وحدها دون اخلولق وأوشك، فاقتضى أنهما غير داخلين معها. وهذا غيرُ مستقيم، بل هما داخلان مع عسى في الحكم؛ لأنك تقول: الزيدان أوشك أن يقوما، وأوشكا أن يقوما، والزيدون أوشك أن يقوموا، وأوشكوا/ أن يقوموا. وكذلك التأنيث في الإفراد وغيره. وهذا منصوصٌ عليه للمؤلف وغيره. وكذلك اخلولق على القول بإلحاقها بأفعال المقاربة. وقد نصّ على ذلك في التسهيل، فاقتصارهُ على عسى إيهام يقتضى إخراج غيرها، فلو قال عَوِضًا من ذلك: وَجرِّدَنْهُنّ أو ارْفَعْ مُضْمَرَا فيعودَ الضمير على ثلاثة الأفعالِ المذكورة قبلُ -لاستقام كلامُه وجرى على ما ينبغي، لكنه لم يفعل، فكان معترضًا. هذا وجه. والثاني: أنه أتى بالمسألة قاصرة؛ فإنه قصرها على ما إذا تقدم عسى اسمٌ، ضمير متكلم أو مخاطب فإن الوجهين سائغان، واللغتان ثابت، فتقول: عسى أن تقوم يا زيد، وعسيتَ أن تقوم، وعسى أن أَقُوم،

стр. 959

وعسيتُ أن أقوم. ومن ذلك في القرن: ﴿وعَسَى أن تكرهُوا شيئًا وهو خيرٌ لكم﴾، . وفي موضع آخر قال: ﴿هل عَسَيتم إن كُتِب عليكم القتالُ أنْ لا تُقاتلوا﴾، فكان من حقه أن يأتى بالمسألة مُكَمّلة، وإلا أوهم أن الوجهين مختصان بما إذا ذكر قبل عسى اسمٌ. وذلك غير صحيح. والثالث: أنه نَقَصه وجه ثالثٌ جائز، وهو أن تنصب عسى ذلك المضمر ولا ترفعه، وذلك في لغة من يقول: عساك أن تقوم، وعساني أن أخرج، وعساه أن يركب. وأنشد سيبويه لرؤبة: يا أبَتَا علكأَوْ عَسَاكَا وأنشد لعمرانَ بن حِطّان: وَلِى نَفْسٌ أَقُولُ لها إذا ما تُنَازِعُنِى: لَعَلِّى أَوْ عَسَانِى وليس ذلك بِمقصُورٍ على السماع، بل هى لغة للعرب حكاها الناسُ. ووجهُها أنهم حملوا عسى محمل لعلّ، فأعملوها إعمالها لما اجتمعت معها في

стр. 960

معنى الرجاء والإشفاق، كما حَمَلُوا لعلّ على عسى في إدخال أَنْ في الخبر، نحو لعلّ زيدًا أَنْ يَقُومَ، كما جاءَ في الحديث: «ولعلّ بعضكم أن يكون ألحنَ بحُجّته من بعض». فكان ينبغى له أن ينبّه على هذه اللغة الثالثة. والجواب: أن الأول لازمٌ، لا أجدُ الآن عنه جوابا. وأما الثاني فإنه لم يحتج إلى التنبيه على ما ذكر لأنه داخل في مسألتى الباب الأُولَيَين، لأنك إذا اجتزأت بأن والفعل فلا إشكال، وإلا فلا بُدّ من مبتدأ وخبر، وقد يكون ظاهرًا وضميرًا، فإذا كان ضمير متكلم أو مخاطب فلا بدّ من ذكره على إحدى اللغتين. فلما كان حكم ضمير المتكلم والمخاطب داخلًا فيما تقدم، لم يحتج إلى ذكره. فإن قيل: فكذلك أيضا إذا تقدم الاسمُ عسى فلا فرق، فإذا قلت: زيد عسى أن يقوم -ولا ضمير في عسى- فهى قد اجتزأتْ بأَنْ والفعل عن ذكر الخبر، وإذا كان فيها ضمير فهى لم تجتزئ بل دخلت على المبتدأ والخبر، فلم يزد تقديم الاسم شيئًا. والجواب: أنه إن لم يزد شيئًا فقد أوهم أمرًا محتاجًا إلى زواله، لأنه إذا تأخّر الفعل عن الاسم، وهو يطلبُه من جهة المعنى، فالسابقُ إلى الوهم الإضمار/ فيه، كقولك: زيدٌ ضرب عمرًا، بل (هو) الواجب في مثل هذا -وكذلك قولك: زيدٌ عسى أن يَقُومَ، عسى فيه طالبةٌ لضمير زيد، وصالحة له، فقد يتوهم أن حكمها حكمُ سائر الافعال في وجوب الإضمار والتزام وجه واحدٍ من الوجهين؛ فبيّن أن الوجهين معًا سائغان

стр. 961

في المسألة ليرتفع الإيهام. والله أعلم. وأما الثالث فالجواب عنه من وجهين، أحدهما: أن تلك اللغة قليلة، نصّوا على ضعفها، وضعفُها من جهة السماع، فإنها لم تكثر في الكلام، ومن جهة القياس لإخراج عسى -وهى فعل- من بابها، وهو باب كان إلى باب إِنّ. والثانى: أنّ هذه اللغة في التحصيل راجعة إلى إحدى اللغتينن المذكورتين؛ فإن الضمير -وإن كان بلفظ المنصوب- هو في موضع رفع على رأى الأخفش؛ فإن بعض الضمائر قد تُوضع مَوْضِعَ بعض، كقولهم: ما أنا كأنت. وعلى ذلك حمل بعضهم قول العرب: كن كما أنت. فأنت في موضع جرٍّ بالكاف وما زائدة. وزعم الفراء أن من العرب من يقول: مررتُ بإيّاك. وأنشد الكسائي: فأحسن وأجمِلْ في أَسِيركَ، إنّهُ ضعيفٌ، وَلَمَ يَأسِرْ كإيّاكَ آسِرُ ولذلك يقول الأخفش أيضًا في لولاكَ ولولاهُ ولولاىَ: إن الضمائر في موضع رفع، وضعوا ضمير النصب موضع ضمير الرفع، والباب باقٍ على أصله، فكذلك هنا في عسى الكاف والباءُ والهاءُ في موضع رفع، والخبر منصوب.

стр. 962

والمسألة ذاتُ أقوال ثلاثة: أحدها: أنها -أعنى عسى- حُمِلت على لعلّ، فنصبت الاسم ورفع الخبر: والثانى: أنها باقيةٌ على أصلها، إلا أن الضمير خيرٌ مقدّم، والاسم أَنْ والفعل. وهذا رأى المبرّد، والأولُ رأىُ سيبويه. والثالث: ما تقدم للأخفش. قال المؤلف: «وقولُ الأخفش هو الصحيح عندى لسلامته من عدم النظر؛ إذ ليس فيه إلا نيابة ضمير غير موضوع للرفع عن موضوع له؛ وذلك موجودٌ لقول الراجز: يا ابنَ الزُّبَيرِ طالَما عَصَيْكا أراد: ما عصيت، فجعل الكاف نائبة عن التاءِ؛ ولأن نيابه غيره عنه؛ ولأَنّ العرب قد تقتصر على عساك ونحوه، فلو كان الضمير في موضع نصبٍ لزم مه الاستغناء بفعلٍ ومنصوبه عن مرفوعه، ولا نظير لذلك، #بخلاف كونه في موضع رفع، فإن الاستغناء به نظير بمرفوع كاد في نحو: من تأتّى أصاب أو كاد، ومن تعجل أخطاء أو كاد». قال: «ولأن قول سيبويه يلزم مه حملُ فعلٍ على حرفٍ في العمل، ولا نظير له». ويلزمُ المبردَ الاكتفاءُ بالمنصوب أيضًا في نحو: عساك

стр. 963

تقومُ -بغير أَنْ، والإخبار باسم عين جامدٍ عن اسم معنى، ووقوع الخبر في غير موضعه بصورةٍ لا تجوز فيه إذا وقع موقعه؛ لأنك إذا قلت في عساك أن تفعلَ: عسى أن تفعلَ إياكَ، لم يجز، وما لم يَجُزْ في الحالة الاصلية حقيق بأن لا يجوز في الحالة الفرعية فثبت أن رَأْىَ الأخفش أولى الأقوال/ بالصواب. وعند ذك يكون قولُك: عساك أن تقومَ، وزيد عساه أن يخرج بمنزلة: زيد عسى أن يخرج -والضمير في عسى- غير أنه يبقى بيان هذا الاختلاف، وذلك موكول إلى نظر الناظر أو الكتب المطولة. واعلم أَنّ وقوع الضمير المنصوب (في) موقع المرفوع مختصّ بعسى دون اخلولق وأوشك؛ لأن عسى هى المرافقة للعلّ في المعنى، فعوملت في اللفظ معاملتها، بخلاف الفعلين الآخرين. ثم قال الناظم: وَالفَتْحَ والكَسْرَ أَجِزْ فِى السِّينِ مِنْ نَحْوِ عَسَيْتُ، وانْتِقَا الفَتْحِ زُكِنْ هذه تتمة القول في إحدى المسألتين في هذا الباب، وهى أن الفعل المذكور الذى هو عسى، إذا أسند إلى ضمير متكلم أو نحوه، وهو ضمير المخاطب، فإن لك في سين عسى وجهين: أحدهما: فتقول: عَسَيتُ أَنْ أقومَ، مثل: عَنَيتُ.

стр. 964

والثاني: الكسر، فتقول: عَسِيتُ أنْ أقومَ، مثل: نَسِيت. وكذلك ما كان نحو عَسَيِتُ أَنْ أقومَ، مثل: نَسِيت. وكذلك ما كان نحو عَسَيِتُ، مثل عَسِينا، وعَسَيِتَ، وعَسَيْتُما، وعَسِيتُمْ، وعَسَيتُنّ في ذلك كله الوجهان. والضابطُ الذى أشار إليه بالمثال هو أن تُسنِد عسى إلى ضمير يسكن معه آخر الفعل؛ فقولهُ: من نحو كذا، إخبارُ عن كل موضع كانت فيه مسندةٌ إلى ضمير يسكن معه آخر الفعل، فيدخ كل مسند في التاء وحدها نحو عَسِيت، أو مع غيرها نحو عَسِيتم، أو النون: الهندات عَسِينَ، أو نا نحو عَسِيا. فهذا كله فيه الوجهان. وقد قُرِئ قولُ الله تعالى: ﴿قَالَ: هَلْ عَسَيتم إِنْ كُتِب عَليكُم القِتَالُ أن لا تُقَاتِلوا﴾، وقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيتم إن تَوَلّيتم أن تُفْسِدُوا في الأَرْض﴾، بالوجهين. وقوله: «والفتح والكسر»، منصوبٌ بأجِزْ. و «في السين»، متعلقة به. و «من نحو» متعلق باسم فاعل محذوف ثم نبّه على اختيار الفتح بقوله: «وانتقا الفتح زُكِن»، الانتقاء بالمدّ فقصره ضرورة، معناه: الاختيار؛ يقال: انتقيت كذا، أى: اخترته. ومعنى زكن: علم. يريدُ أن اختيار الفتح هو المعروف المعلوم. قال في الشرح: ولذلك قرأ به ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، ولم يقرأ بالكسر إلا نافع. وإنما كان المختار لأنه اللغة الفاشية الشهيرة، قال مكي في

стр. 965

اختصار الحجة للفارسي: «حجة من كسر أنها لغة في هذا الفعل إذا اتصل بمضمر خاصة، ويدلّ على ذلك ما حكاه ابن الأعرابي من قولهم: هو عَسٍ بكذا، مثل: شَجٍ وحَرٍ، قال: فهو إذًا فِعْلٌ مثل شَجِى». قال: «وحجة من فتح أنها اللغة الفاشية المستعملة مع المضمر والمظهر، ويقوّى ذلك أنه قد أُجْمِع على فتح السين مع المظهر، فواجب أن يكون مع المضمر كذلك؛ لأن المضمر يصيبُ المظهر». وذكر أنّ قياس لغة الكسر إذا أُسنِدَ الفِعلُ إلى ظاهر أن يكون: عَسِى زيدٌ، الكسر مثل رَضِى، إلا أن نافعًا أخذ بالأمرين فكسر مع المضمر وفتح مع المظهر. وقد قال بن دَرَسْتُويه: إن الكسر لغة رديّةٌ شاذة. /فالحاصل أنّ سببَ الاختيار لفتح وجهان: كونه اللغة الفاشية، بخلاف الكسر. وكونُه جارٍ على القياس لعدم اختلافه مع الظاهر والمضمر، بخلاف الكسر فإنه يختلف الأمرُ فيه، فيكون موجودًا مع المضمر، ولا مع كل مُضْمر، ومعدوما إلى الرجوع إلى الفتح مع الظاهر. فهى لغة مضطربةٌ في القياس. فاختيارهُ الفتحِ للسماع والقياس معًا.

стр. 966

إِنّ وَأَخَوَاتِهَا هذا هو النوعُ الرابعُ من نواسخِ الابتداءِ، وذلك إِنّ وأخواتها. وكان الأصلُ في الحرف -إذا اختُصّ بما يدخُلُ عليه من الأسماء، ولم يكن كالجزء منه، ولا شبيها بغير المختص- أن يعملَ الجرّ بَيّن في الأصول. وإنما يخرج عن أصله لشَبَهِهِ بغيره، فأشبهت هذه الحروف كان وأخواتِها من جهة طلبها للمبتدأ والخبر، واختصاصها بهما والاستغناء بهما، فلم تكن كألا وأمَا الاستفتاحيتين في عدم الاختصاص، ولا مثل لو ولولا في عدم الاستغناء بهما عن الجواب؛ إذ كانتا امتناعيتيّن، وكذلك إذا المفاجأة لافتقارها إلى كلام سابق. وهذا وجه الشبه عند ابن مالك. وعند الزجاجى ﵀ أنها أشبهت الفعل المتعدّى إلى واحدٍ من خمسة أوجه: أحدها: أن معانيها كمعاني الأفعال من التوكيد والمنى والترجي والتشبيه والاستدراك ولذلك عَمِلت كأنّ -بما فيها من معنى التشبيه- عَمَلَ الفعل في نحو قول النابغة: كَأنه خارجًا من جَنْبِ صَفَحَتهِ والثاني: أن عددها كعدد الأفعال، : لأن منها ثلاثيا، ورباعياً، وخماسياً.

стр. 967

والثالث: أن أواخرها مفتوحة كأواخر الماضى. والرابع: أنها تطلب اسمين من وجهين مختلفين، وذلك أنها تطلب الخبر، لأنها إنّما سيقت لتوكيده أو تَمنّيه أو تَرجّيه أو غير ذلك من المعاني المذكورة. وتطلب المبتدأ بتوسط الخبر لأنه مطلوبه لا على اللزوم. والخامس: أنها يتصل بها ضمير المنصوب كما يتصل بالفعل، فتقول: إِنّك، وإنّه، وإننى كما تقول: ضربك، وضربه، وضربنى. ونقضها السهيلى كلّها إلا الرابع، قال: أما اتصال الضمير المنصوب بها فلم يكن غلا بعد حصول الشبه الموجب للعمل، ولولا ذلك لم يتصلْ بها، فلا فرق في ذلك بين الضمير والظاهر في أن كلّ واحدٍ منهما ثانٍ عن الوجه الأول الذى أوجب لها العمل. وأما الثلاثة الباقية فموجودة في حرف ثُمّ، ولم يوجب لها ذلك شيئًا من العمل. هذا ما قال، وهو في الخامس صحيح، وفي غيره غير صحيح. فتأمله. قال شيخنا ﵀: وأجود ما يقال في ذلك -والله أعلم-: أنّ اختصاصها بالجملة الاسمية هو الذى أوجب لها العمل، وأما الشبه المذكور فلم يوجب لها شيئًا من العمل، وإنما أوجب تقسيم العمل على حسب الحاصل في معموليها. ولنرجع إلى كلامه/:

стр. 968

لإِنّ أَنّ لَيْتَ لَكِنّ لَعَلْ كَأنّ عَكْسُ ما لِكَانَ مِنْ عَمَلْ كإِنّ زَيْدًا عَالِمٌ بِأَنّى كُفْءٌ، وَلَكِنّ ابنَهُ ذُو ضِغْنِ لإِنّ: متعلّق بمحذف هو خبرٌ للمبتدأ، الذى هو عكسُ -وأراد: لإِنّ، وأنّ، وليت ولكّ، ولعلّ، وكأنّ. فحذف العاطف على عادته. ويعنى أنّ هذه الأدواتِ لها من العمل في المبتدأ والخبر عكسُ ما ثبت لكان فيها، وقد تقدّم أن كان ترفع المبتدا وتنصب الخبر، فعكسُ هذا -الذى هو نصبُ المبتدأ ورفعُ الخبر- ثابتٌ لإنّ وأخواتها. والذى دلّ على أنها تعملُ في المبتدأ والخبر إحالتُه على [عمل كان، فقد ثبت ذلك فيها، فكذا في هذا ووجه ثبت عكس العمل هنا أنّ إِنّ وأخواتها لمّا ساوتْ كان في العمل، [و] أرادوا أن ينبهوا على فرعيّة العمل فيها- عكسوه، فجعلوا النصب في الاسم والرفع في الخبر، ليكون معها كمفعول قُدِّم وفاعل أُخّرِ. فإن قيل: فِلمَ لَمْ يكن مثل هذا في ما وأخواتها؟ فالجواب: أنهم أرادوا أيفصلوا بين ما يُشْبِه الفعلَ ولفظُه لفظُ الفِعْلِ، وبين ما يشبه الفعلَ وليس لفظُه لفظَ الفِعْلِ، قاله الزجاج؛ وذلك أَنّ لفظ هذه الحروف كلفظ الفعل لكونها ثلاثيّةً فما زاد، وكونها مفتوحة الأواخر، فأرادوا أن يفرقوا بينهما ليتبيّن الحرف من الفعلِ، بخلاف ما وأخواتها فإنها متميزة الألفاظ من ألفاظ الفِعْلِ، فلم يحتاجوا إلى تفرقة. وأيضا الفرعيّة فيها تظهر في جهة أخرى، وذلك في إبطال العمل عند تقديم الخبر ودخول إلّا ونحو ذلك. وهذا كلّه تعليل بعد

стр. 969

السماع. ولما ظهر من كلامه أن هذه الأحرف تنصب الاسم وترفع الخبر، ظهرت مخالفته للكوفيين في مسألتين: إحداهما: ما زعموه من أن هذه الأحرف لا ترفع الخبر البتة، وإنما اقتصر بها على عمل النصب. والدليل على صحة ما قاله الناظم أنا لم نجد في عوامل الأسماء ما يعمل نصبًا دون رفعٍ البتةَ، وقد وجدنا عمل الجرّ وحده، وذلك حروف الجرّ، وما يعمل الرفع وحده، وذلك الابتداء والمبتدأ، أو الخبر، العائد على المبتدأ؛ فقولُ من قال: إن هذه الأحرف تعمل النصب وحده -مُصَيّرٌ إلى ما لا نظير. وهذا أبعد من قولهم في «ما»: إِنّها تعملُ الرفع فقط؛ لأنّ لما قالوه هناك نظيرًا بخلاف. فإن قيل: إن لهذا نظيرًا أيضًا على مذهبكم، وذلك المنادى، فإنه منصوب بيا وأخواتها، وكذلك التى لنفي الجنس عند سيبويه، هى ناصبةٌ غير رافعة. فالجواب: أن المنادى ليس بمنصوب بيا لا عندكم ولا عندنا، أما عندكم فهو منصوبٌ للكثرة استعمال، وأما عندنا فبفعل مُقَدّر. فالاتفاقُ على أن حرف النداء غير ناصب. وأما لا فإن الاقتصار بها على النصب مذهبًا لكم فالصحيح عند الناظم خلافُه، وإن لم يكن مذهبا لكم فبناؤكم عليه صحيح؛ / فإن القياسَ على أصل يُعتَقَدْ فسادُه فاسدٌ. وأيضًا

стр. 970

فالخبرُ إِذا لم يرتفع بالحروف -ولا بُدّ له رافع- فلا يخلو أن يكون المبتدأ أو غيره، فإن كان المبتدأ لم يَصِحّ لأنه الآن غير مبتدأ. فإن: إن الأصل فيه المبتدأ، والأصل معتبر، لزمهم أن يُعِمِلُوا الخبر في المبتدأ من تلك الجهة، أو الضمير من الخبر، وذلك لا يصحّ. فإن قيل: إن الخبر إنما يعملُ في المبتدأ بشرط ألا يكون عامِلٌ آخَرُ. قيل لهم: وكذلكَ دعى أنّ المبتدأ لا يعمل في الخبر إلا بشرط أن يكون العاملُ في المبتدأِ الابتداءُ. فجوابُهم على هذا نُجِيب به على ما قالوه. فإن قيل: إنّ هذه الحروفَ إنّما عملت بالشّبَه اتفاقًا، وإذا كان كذلك فينبغي ألّا تعمل في الخبر، لأن ذلك يؤدّى إلى التسوية بين الأصل الذى هو الفعل، والفرع الذى هو الحرف. فالجواب: أن الشبه هو الذى يقتضى العمل في الأمرين، وضعفُ الفرع موجود في جهة أخرى، وذلك في منع تقدّم مرفوعها على منصوبها وغير ذلك من الأحكام. وهنا أدلّة أُخَرُ من الجانبين يكفى هذا منها. والثانية: أن الناظم من حيث قَصَر هذه الحروفَ على عمل الرفع في الخبر مع نصب المبتدأ، دلّ ذلك على مخالفته لمن أجاز في الخبر النصب، فأما الفراءُ فأجاز نصب خبر ليت وحدها، ووافقه الكسائى على ذلك فيما أنشدوه من

стр. 971

قول رؤبة، وأنشده سيبويه أيضا: يا ليتَ أيّامَ الصِّبا رَوَاجِعَا وأنشدوا أيضا: ليت الشبابَ هو الرّجيعَ على الفَتَى والشيب كان هو البَدِئُ الأوّلُ وباقي الكوفيين أجازوا ذلك [أيضًا] في سائر أخوات ليت، فيجوزُ عندهم: إنّ زيدًا قائمًا، ولكن زيدًا قائما، وكأن زيدًا قائمًا. ومن حجتهم على ذلك في «إِنّ» ما في الحديث من قول النبي ﷺ : «إن قَعْرَ جهنم لسبعين خريفًا». وفي الشعر قول الشاعر: إنّ العَجُوزَ خَبّةٌ جَرُوَزا تأكلُ كُلّ ليلةٍ قَفيزَا وقال الآخر:

стр. 972

إِذَا اسْوَدّ جُنْحُ اللّيلِ فَلْتأْتِ وَلْتكُنْ خُطَاك خِفَافًا، إِنّ حُرَّاسَنا أُسْدَا وفي كأنّ قولُ الشاعر: كَأَنّ أُذْنَيْه إذا تَشَوّفَا قَادِمَةٌ أَوْ قَلَمًا مُحَرّفَا وقد زَعَم ابنُ السّيد أَنّ نَصْبَ الخبرِ مع هذه الأحرفِ لغةٌ لبعض العرب. فإن ثبت ما قال بغير هذه الشواهد، بل بنقلٍ لا تأويل فيه، أو بمشافهة لأهلها من غير احتمالٍ فذاك، إلا بهذه الشواهد فهى محتملةٌ لغير ما التزمه الكوفيون. فأما بيت رؤبة فرواجعُ فيه حال، عاملها الخبر المحذوف، كأنه قال: يا ليتَ أيامَ الصِّبا لنا رَوَاجعَ، أو أقبلَتْ رواجعَ، كما قال، أنشده سيبويه: إِنّ مَحَلًا وإِنّ مُرُتَحلًا أى: إن لنا كذا. وأما قوله: ليت الشبابَ هو الرجيعَ/. وقوله: كأَنّ أُذْنَيه، فقد رواه أهلُ البصرة على الرفع في الرجيع وما بعده. وقادمتا أو قلما، على التثنية. وحُذِفَت النون ضرورة -وهذا كلّه ردٌّ لرواية العَدْل.

стр. 973

أو يكون الرجيع على إضمار كنَ؛ فإنّ كان تُسْتَعمل بَعيد هذه الأحرف كثيرا فجازَ إضمارُها. وقادمةً: مصوب بإضمار فعل، أى يلحقان قادمةً. أما: إِنّ العجوز خَبّةً، فالخبر «تأكل» لا «خَبّ». وأما: إن حُرّاسَنا أُسْدَا، فعلى إضمار فِعْلٍ أيضًا تقديره: يشبهون أُسْدًا، أو تجدهم أُسْدًا، أو نحو هذا. وأمّا الحديثُ فحمله الناظم في شرح التسهيل على أنّ «قَعْر» مصدرُ قَعَرْتُ الشئ، أى: جعلته في القعر، وسبعين ظرفٌ، والمعنى على هذا صحيح، والإخار بالزمان عن المعنى جائز. وهذا كلّه تكلّف، والوجه في هذا أن يُرَدّ بندوره وقِلّتِه إن لم يكن له تأويل سائغٌ. وَعَدّ الناظم هذه الأحرف وهى: إِنّ، وأَنّ، ولَيْتَ، ولعلّ، وكأنّ، ولكنّ. أمّا إِنّ وأَنّ فللتوكيد، وليت للتمني، ولكن للاستدراك، ولعلّ للترجّى ويدخلها معنى الإشفاق، . وعند الأخفش قد تكون للتعليل، وعلى ذلك حَمَلَ قولَ الله -تعالى-: ﴿لَعَلّهُ يَتَذكّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، أى: ليتذكّر أو يخشى. وقال المؤلف: انها تكون للاستفهام. وحَمَل على ذلك قولَ الله -تعالى-: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ؟ لعَلّه يَزّكى؟ ﴾ وَقَوْلَ النبيّ ﷺ لبعض الأنصار وقد دعاه فخرج إليه مستعجلًا: «لعلنا أعجلناك؟ ». وهذا فيه نظر.

стр. 974

وكأَنّ معناها التشبيه المؤكّد، وأصلها عندهم: إِنّ والكاف، فقولك: كأنّ زيدًا أَشَدّ، أصله: إِنّ زيدًا كأسَدٍ، لكنهم قدموا الكاف على إِنّ، ثم فتحوها إصلاحًا للفظ، فصار الحرفان واحدًا. وقد قيل: إنها تأتى للتحقيق، واسُتدلّ عليه بقول الشاعر: فأصبح بطنُ مَكّةَ مقشعرًا كأن الأرضَ ليسَ بها هشامُ وَعَدُّه لها ستةً ذَهَابٌ إلى ما فَعل غيره كالزجاج وغيره. والمتقدمون يعدُّونها خمسة، وبوّب عليها سيبويه: «هذا بابُ الأحرف الخمسة». ولم يعدّ أَنّ المفتوحة وكذلك فعل المبرِّدُ وابن السّراج وغيرهم، لأنّ المفتوحة فرعٌ عن المكسورة، من جهة أنها إذا وقعت موقع مفردٍ لم يمكن أَنْ تبقى مكسورة، لما يلزم فيها من وقوعها مبتدأةً وبعدها جملة، ففتحوها لأَنْ تَصِير مقدّرة بمفرد، ويصحّ لهم ما قصدوه من التوكيد. وقد غَمَز في شرح التسهيل عَدّ من عدّها ستة، وقال: إن ذلك لا حاجة إليه لأجل الفرعية. فكان الأخلقُ به أن يَعُدّها خمسة فقط. والعذر عه أنه إنّما اعتبر صُوَرها خاصّةً ولم يعتبر الأصل، كما لم يعتبر هو ولا غيره الأصل في كأنّ، إِذْ أَصلها إنّ والكاف، وإلّا فلو لزم أن يعتبر أصلها لعدّت أربعة.

стр. 975

فإن قيل: الفرقُ بينهما أن أصل كأن منسوخ، ولذلك لم تفتقر الكاف إلى مُتَعلق، بخلاف أنّ فليس أصلها منسوخا بدليل جواز العطف/ بعدها على معنى الابتداء، كما يعطف عليه بعد المكسورة، فاعُتبِرت فرعيّة أنّ دون كأنّ لذلك. فالجواب: أنّ اعتبار الابتداء في أنّ إنما كان من وجهٍ دون وجه؛ ألا ترى أنه من جهة التأويل بالمفرد غير معتبر، كما أن التوكيد في كأنّ معتبرٌ أيضًا، فليس أصلُها بمنسوخٍ من كلّ وجه. والذى منع من اعتبار الابتداء معها إنشاءُ التشبيه، فإنه معنى مخالف لمعنى الابتداء الذى هو إخبار. وأيضا إِنْ كن قد عدّها هنا ستةً فقد نَبّه على فرعيّةِ أَنّ بعد هذا في قوله: وَهَمْزَ إِنّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَر مَسَدّها ... ... ... فجمع بين الطريقتين، طريقة من عدّها خمسة فبيّن فرعيّة أَنّ. ثم مَثّل ذلك بقوله: «كَإِنّ زيدًا عالِمٌ .. » إلى آخره، فأتى بثلاثة أمثلةٍ لأحرف ثلاثة، فإن زيدًا عالم، مثالٌ لإنّ المكسورة. و «بأنِّىَ كُفْءٌ، مثال للمفتوحة. وبلكنّ ابنَه ذو ضِغْن مثال للكنّ. وتجرى البواقي نحوها، نحو: ليت هذا الليل شهرٌ، ولعل زيدًا قائم، وكأنّه بدرٌ. والكُفْءُ، والكفُؤُ، والكُفُوءُ -على فُعُولٍ، كذا في الصحاح- والكفِئُ: النظيرُ. والمصدر الكفاءَة، بالفتح والمدّ. ويقال: فلانٌ لا كِفاءَ له -

стр. 976

بالكسر- وهو في الأصل مصدر، أى: لا نظير له. والضِّغْنُ والضغينَهُ: الحِقدُ، وقد ضَغِنَ عليه -بالكسر- ضَغَنًا: إذا أضمر عداوته (ثم قال): وَرَاعِ ذَا التّرتِيب إلّا فِي الّذِى كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ البَذِى الترتيبُ الذى أشارَ إليهِ هو كونُ الاسم يلى الحرفَ العاملَ، والخبر بعد ذلك، حَسْبما أشار إليه في الأمثلة المذكورة، يعنى أنه لا يجوز تقديم أخبار هذه الحروف عليها، فلا تقول: قائمٌ إِنّ زيدًا، ولا توسيطه وهو غير ظرفٍ ولا مجرور، فلا تقول: إن قائمٌ زيدًا، ولا ليت صاحبٌ لك عَمرًا، ولا إنّ يقومُ زيدًا. ولا ما أشبه ذلك. وإنما لم تتقدّم أخبارها عليها لعدَم تصرّفها، وكذلك لا تتوسّطُ لأجل عدم التصرف في نفسها فلا تتصرّف في معمولها، ولأمرٍ (آخر) وهو أهم قصدُوا أوّلًا في إِنّ عكس عمل كان، من تقديم المنصوب وتأخير ملرفوع، فلو وَسّطُوا الخبر كان ذلك بصورة ما أرادوا الخروج عنه، فكأنه عودٌ إليه. ومِنْ سجاياهم: إِذا انصرفَتْ نفْسِى عن الشّىْءِ لم تكنَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ آخِرَ الدّهْرِ تُقْبِلُ فالتزموا التأخير في الخبر لذلك. وأما الظرف والمجرور فشأهما في كلام العرب أن يتوسّع فيهما ما لا يتوسّع في غيرهما، فجاز التوسيط فيهما إذا وقعا

стр. 977

في هذا الباب خبرين، فلذلك استثناهما الناظم بقوله: «إلّا في الّذى كليت فيها» .. إلى آخره، فأشار إلى أَنّ الترتيب المذكور لا يلتزم فيما كان مثل هذين المثالين، بل يجوز أن تخالف في الترتيب المذكور، فتقدم الخبر على الاسم فتقول: ليت فيها غير البَذِئ، وليت هُنَا غير البَذِئ. ولَفّ المثالين في مثال واحد، لِفَهْمِ ذلك، وكأنه قال: راع/ الترتيب المذكور إلا إذا كان الخبرُ ظرفًا كليت هنا غير البَذِىْ، أو مجرورًا كليت فيها غيرَ البَذِئِ، فإن ذلك أَنْ تأتى بالكلام على هذا الوجه من توسيط الخبر. وهذا التمثيل أعطى موضع مخالفة الترتيب، لأنه أتى بالخبر متوسطًا بين الحرف واسمه، فَيُتَقيد بما عيّن، فلا يجوز أن يتقدّم الخبر عليهما معًا فلا تقول: فيها ليت غير البذئِ، ولا: هنا ليت غير البذئِ. فالمثال إذًا أعطى قيدين: قيدًا في الخبر المتصرّف فيه، وهو كونه ظرفًا أو مجرورًا، وقيدًا في صورة التصرف، وهو التوسيط خاصّة. وهذا ظاهر، وأما تقديمُ معمولِ الخبر فلم يجر له هنا ذِكْرٌ، ولعلّه تركه لأنه ذكر في باب كان قاعدة تشمل هذا البابَ وغيره في قوله: وَلَا يَلِى العَامِلَ مَعُمُولُ الخَبَرْ إِلّا إِذَا ظَرْفًا أَتَى أَوْ حَرْفَ جَرْ فاستغنى بذلك عن الإعادة هنا، أو ترك ذلك اتّكالا على القياس؛ لأن العلة واحدةٌ في الجميع. وتقولُ على ما تقتضيه القاعدة: إنّ في الدار زيدًا قاعدٌ، وإن مكانك زيدًا قاعدٌ. ومنه ما أنشد سيبويه، من قول الشاعر:

стр. 978

فَلَا تَلْحَنِي فِيهَا فَإِنّ بُحبِّها أَخَاك مُصَابُ القَلْبِ جَمٌّ بَلَابِلُهْ وتقول أيضًا: إن زيدًا طعامَك آكلٌ، ولا تقول: إن طعامَك زيدًا آكلٌ. وما أشبه مما تقدم ذكر تمثيله. والبَذِى: أصلُه البذئُ، بالهمز، إِلّا أنّه حذَفَ الهمزة على غير قياسٍ، أو سهّلها بإبدالها ياءٌ كالنّسِى، ثم حذفها للساكنين. ومعناه الفاحش السىِءُ القول. وهذا التوجيه على أنّه من المهموز، لأنّه يقال: بَذُؤَ الرجلَ بذاءَةً: إذا سَفِه، على مثال: بذع بَذَاعَةً وبَذَاعًا. وهى لغة. وإن جعلته البَذِى، من المعتل بالواو، فالأمر أسهل، فإنه يقال: بَذَوْتُ على القومِ وأبذيْتُ عليه، وبَذُو (الرجل يبذو) بذاءٌ لا غير. وفلانٌ بَذِىُّ اللسان، وامرأةٌ بَذِيّةُ. وهذه اللغة الشهيرة. وَهَمْزَ إِنّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ مَسَدّهَا، وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ مقصُودهُ في هذا الفصل أن يُبَيّن المواضع التى تقع فيها أَنّ المفتوحة وإِنّ المكسورة؛ فإنّ لكلِّ واحدةٍ مِنْهما موضعًا يخصّها، وحكمًا يلزمها. وقد ظهر من هنا أنّ الكسورة أصلٌ للمفتوحة وأن المفتوحة فرعٌ عنها بقوله: «وهَمْزَ إِنّ افْتَحْ». ولو كانت أصلا بنفسها لقال إنّ المفتوح تقع مواقع المصدر، أو ما يعطى

стр. 979

هذا المعنى. وهذه الإشارة مقصودة له، ووجه ذلك: أنّ الكلام مع المكسورة جملةٌ غير مؤوّل بمفردٍ، وأما المفتوحة فالكلام بعدها مؤوّل بالمفرد، وكونُ المنطوق جملةٌ من كلِّ وجهٍ، أو مفردًا من كل وجه، أصلٌ لكونه جملةٌ من وجهٍ أو مفردًا من وجه. وأيضًا المكسورة مستغنية بمعموليها عن زيادةٍ، والمفتوحة لا تستغنى عن زيادة، والمجرد من الزيادة أصلٌ للمزيد فيه. وأيضا فإن المفتوحة تصير مكسورة بحذف ما تتعلّقُ به كقولك في عرفتُ أَنّك بَرٌّ: إِنّك بَرٌّ، ولا تصير المكسورةُ مفتوحةً إلّا بردِّه، كقولك في إِنّك بَرٌّ: عرفتُ أنّك بَرٌّ. والمرجوعُ إليه بحذف/ الزيادة أصلٌ للمتوصّلِ إليه بزيادةٍ. هذا توجيه المؤلف في الشرح واستدل ابن خروفٍ على ذلك بوقوع المكسورة في موضع المفتوحة، ولا تقع المفتوحهُ في موضعها، تقول: ظننتُ أنّ زيدًا قائم، فإذا دخلتِ اللامُ لم يصحّ منه إلا المكسورة، فتقول: ظننتُ إنّ زيدًا لقائمٌ. ثم قوله: «وهمزَ إنّ افتح» .. إلى آخره، يعنى أن الموضع إذا كان المصدرُ يسدُّ فيه مسد إِنّ واسمها وخبرها، فافتح همزتها، وإذا كان المصدرُ لا يسدُّ فيه مسدّها فأبقها على أصْلِها من الكسر. وفي ضمن هذين القسمين قسمٌ ثالثٌ، أنه إذا كان الموضع محتملًا للوجهين ساغ في إِنّ الكسر والفتحُ، وقد نبّه عليه بعد ذلك. وهذه قاعدة الفصل، وضابط المسألة، لكن عادتهم أن يحصروا مواضع الكسر، ومواضع الفتح، ومواضع جواز الوجهين زيادةً في البيان، ورفعًا لإشكال الحال في

стр. 980

بعض المواضع. ويَرِدُ على الناظم هنا سؤالٌ، وهو أنه عَلّل فَتْح هَمْزَة إِنّ بسدّ المصدر مسدّها، وهذا يقتضى صحة وقوع المصدر موقعها، وهذا لا يطّردُ له في جميع ما تُفْتَح فيه، أمّا أنّ المصدر يقعُ موقعها على الجملة من غير حصرٍ فصحيح، وأما أنّ ذلك يصحّ في كلّ موضع فلا؛ ألا تَرَى أنّ أن تفتح بعد لو -وقد نَصّ هو على ذلك في بابها- مع أنّ المصدر لا يصحّ في موضعها؛ فلا تقول: لو ذهابُ زيدٍ لأكرمتك، وأنت تقول: لو أنّ زيدًا ذاهبٌ لأكرمتك. فإذا ثبت هذا فإطلاقُه القولَ في سدّ المصدر مسدها مُشكلٌ. والجواب: أن سدّ المصدر مسدّ إنّ صحيح باتفاق، ولذلك سميت مصدرية، والشاهد لذلك اطراده في مواضع الفتح، غير أنّ لو اختصّت بهذا الحكم -أعنى بعدم النظق بالمصدر بعدها- استقباحًا لوقوع الاسم بعدها يليها؛ إذا خصُّوها بدخولها على الفعل، مع أنّ المصدر سائغٌ في التقدير [على] القياس، وقد جُعِلَ وقوعُ أنّ بعدها لزوما استغناء عن وقوع المصدر بعدها فذكروا أنهم استغنوا عن: لو ذهابهُ، بلو أنّه ذاهب. وإذا كان ذلك على الاستغناءِ لم يكن قادحًا في إطلاق سدّ المصدر مسدّها، لأنّه حاصل في القياس أو في الاستعمال. والله أعلم. ثم أخذ في تعديد مواضع الكسر، وهو أحد الأقسام الثلاثة فقال:

стр. 981

فَاكْسِرْ في الابْتَدِا، وَفِى بَدْءِ صِلَهْ وَحَيثُ إِنّ لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ أَوْ حُكِيَتً بِالْقَولِ، أَوْ حَلّتْ مَحَلْ حَالٍ، كَزُرْتُهُ وَإِنِّى ذُو أَمَلْ وَكَسَرُوا مِنْ بَعْدِ فِعْلٍ عُلّقَا بِاللّامِ، كَاعْلَمْ إِنّهُ لَذُو تُقىَ قوله: «فاكسر» أراد الكسر اللازم، بدليل أنه ذكر بعد ذلك قسمًا آخر في جواز الوجهين؛ فإذًا لا بُدّ أِنْ يكون الكسرُ هنا حتمًا، وذكر لذلك ستة مواضع: أحدهما: الابتداءُ، وهو قوله: «فاكسر في الابتداء». في الابتداء: معمول فاعلٍ [هو حال] من ضمير إنّ، وحذفه للعلم به، وكأنه قال: فاكسره كائنًا في الابتداء، أى: في ابتداءِ الكلام إذا وقع هنالك، نحو/ قولك: إن زيدًا أخوك، و ﴿إِنّ الله يفصل بينهم يومَ القيامة، إِنّ الله عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهيدٌ﴾. ووقوع إن في الابتداء تارة يكون لفظا ومعنى، كالأمثلة المذكورة، وتارةٌ يكون معنًى لا لفظًا، ولفظ الابتداء يشمل الوجهين. ومثال ذلك إِنّ الواقعة بعد ألا الاستفتاحية، نحو قول الله سبحانه: ﴿ألَا إِنّهم في مِرْيةٍ من لقاءِ رَبِّهمْ، أَلَا إِنّه بكلِّ شَئٍ مُحِيط﴾. هذا على تفسير المؤلف في

стр. 982

شَرْح التسهيل، فإنه أدخل تحت الواقعة مبتدأةٌ نحو: ألا إنّ زيدًا قائم، وكذلك نحو: ﴿كَلّا إِنّ الإنسان لَيَطْغَى﴾. وسائر الأدوات التى يبتدأ بعدها الكلام. ويحتملُ أن يريد الواقعة مبتدأ لفظًا ومعنًى خاصّة، كأنه قال: فاكسرها إذا صُدِّر الكلام المبتدأ بها حقيقةً وحكمًا، فإِنّا إِنْ فرجنا بها عن هذا إلى نحو آخَرَ لزمنا أمرٌ يصعُبُ الجواب عنه أو يضعفُ: أما أوّلًا فإنّ إنّ الواقعة بعد إذا التى للمفاجأة فيها وجهان، مع أَنّ إذا من أدوات الابتداء، إذا دخلت لا تغير معناه. وأما ثانيا فيقال: كما تدخلُ إِنّ المبتدأُ بها معنًى لا لفظًا في إطلاق لفظه، فالمبتدأ بها لفظا لا معنًى أَحْرى، نحو: أنك كريم جئتك، أي لأنّك كريم. وأيضا يدخل له تحت المبتدأ بها معنى لا لفظا نحو: عندى أنك كريمٌ؛ فإن أَنّك كريم بابهُ في الأصل التقديمُ، لأنه المبتدأ وما قبله خبره، فيقتضى أَنّ أَنّ في هذه المواضع كُلِّها يجب كسرها. وهو غير مستقيم، بل منها ما يجب فتحه، ومنها ما فيه الوجهان؛ فالأولى أن يحمل قوله: «فاكسر في الابتدا» على أنه يريد الابتداءَ حقيقةً وحكمًا؛ وذلك نحو: إن زيدًا قائم، خاصّةً. فإن قلت: فإنّ هذا المحملَ أيضًا يلزم عليه مثلُ هذا الاعتراض. فسيأتى في موضعه بيانه، إن شاء الله. والثاني من مواضع الكسر: مبتدأُ صِلَةِ الموصولِ، وذلك قوله: «وفي بَدْءِ صِلَةٍ «. ويعنى أَنْ تقع إِنّ مُبْتَدأً بها في الصلة، نحو قولك: أعجبنى الذى إِنّه قائم. فالكسر هنا واجب كما وجب في الأول؛ لأن الصلة لا تكون إلا جملة، وأَنّ

стр. 983

المفتوحة في تأويل المفرد، والمفردُ لا يقع صلةً للذى وأخواتها. كما أنك إذا جعلتها في أوّلِ الكلم لزم الكسر، لأنّ المفتوحة في حكم المفرد، والمفرد لا يستقلّ به الكلام. ومن مُثْلِ هذا الموضع قولُ الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إِنّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾ .. الآية. ومن أمثلة الكتاب: «أعطيته ما إِنّ شرّه خيرٌ من جَيد ما معك، وهؤلاءِ الذين إِنّ أَحْبَنَهم لأشجعُ من شجعانكم «. وإنّما قال: «في بَدْءِ صِلَةٍ «، ولم يقلُ: في الصلة؛ لأنها إنما تكسر حتمًا إذا ابتُدِئَتْ فإن كانت في حشوها فلا يجبُ الكسرُ، بل قد تكون مكسورةٌ نحو قولك: أعجبنى الذى أَبُوه إنه منطلق. وتكون مفتوحة نحو: أعجبني الذى ذكرتَ أَنّه فاضِلٌ. فالفتح هنا واجب لكونِ أَنّ منصوبة المحلّ بذكرتَ، كما وجب الكسر في: أبوه إنه منطلق لكون إن خبرًا عن عَينٍ. والثالث: أن تقع إنّ في جواب القسم، وذلك قوله: «وحيثُ إِنّ لَيِمِين مُكْمِلَه «، يريد أنها تكسرُ إذا وقعت مكملة للقسم، وتكميلُه إنما هو بجوابه، فكأنه قال: وحيث إِنّ جوابٌ للقسم، وذلك نحو: والله إنّ زيدًا لقائم، وفي التنزيل: ﴿إِنّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًا﴾ .. الآية، بعد قوله: ﴿حم. وَالكتابِ المُبِينِ﴾. وكذلك: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾.

стр. 984

/ ووجهُ ذلك أنّ جواب القسم لا يكونُ بالمفرد، وإنما يكون جملة، فوجب أن لا تفتح إنّ هنالك لتأوّلها بالمفرد. وإطلاقُ الناظم ههنا مرادٌ به التقييد، وذلك أنه حكم بلزوم الكسر ولم يفرّق بين أن تكون إن (بعدها اللام). وكونها لا لام معها، وحكمها مختلف، فقد قال في قسم الوجهين: بَعْد إِذَا فُجَاءَةٍ أَوْ قَسَمِ لَا لَامَ بَعْدَه بِوَجْهَينِ نُهِى فإذا جمعنا بين كلاميه صار ما هالك مُقيِّدًا لما أُطلِق هنا، فيكون مرادُه إِنّ الواقع بعدها اللام ولا عليه من هذا؛ فإن العرب تُطلق في موضع وتُقَيِّد في آخر، بناءٌ على أن مرادها بالمطلق ما أرادت بالمقيّد. والرابع: إذا وقعت إِنّ محكيّةً بالقَولِ، وذلك قولُه: «أو حُكِيت بالقَولِ»، فالضمير في حُكِيت» راجع إلى إِنّ، ومرادُه مع معموليها، ويزيد أنها إذا وقعت بعد القول محكيّةً به وجب الكسر أيضًا، نحو قُلتُ: إنّ زيدًا منطلقٌ. ولا يجوز الفتح، لأن الحكاية بالقول تقتضى الجملة لا المفرد، وإنما تقتضى المفردَ إذا لم يُحْكَ به. ومن مثله قول الله تعالى: ﴿قَالَ: إِنِّي عبدُ اللهِ﴾، ﴿وقال: إِنّي ذاهبٌ إلى ربِّي سَيهْدِينِ﴾. وهذه العبارة التى عبّر بها الناظمُ (عبارة) مختصرٌ حسنةٌ سليمةٌ من النقد الذى يلزم غيره؛ فإنّ الجزولى وغيره يقولون هنا: وبعد القول

стр. 985

المجرد من معنى الظن. وتحرّزوا بذلك مما يكون القولُ فيه غير مجرّدٍ من معنى الظن، فإنّه إذ ذاك يعمل كما يعملُ الظنُّ، فتكون فيه أَنّ مفتوحة على الوجوب، لوقوعها موقع المفرد. وهذا الذى قرّرُوه ليس بسالم عن النقد، لأنّ القول إذا أُشْرِب معنى الظن (لم) يعمل عَمَل الظنِّ مطلقا؛ إذ من العرب من يلزم الحكاية به وإن أشرب معنى الظن، حسبما يأتى في موضعه إن شاء الله؛ فلا يسوغ أن يُستثنى القولُ المشربُ معنى الظنِّ على الإطلاق، لاختلاف العرب فيه. فأما قول الناظم: «أو حُكِيتَ بالقول» فقد أزاح الإشكال؛ لأنّ قصد الحكية يضبط اختلاف اللغات إلى ضابطٍ لا مَحِيد عنه؛ فإنّ من أشربه معنى الظن فَأَعملَ إذا أراد الحكاية كسر إِنّ، كما أنّ من لم يعمل هو قاصدٌ أبدًا للحكاية فيكسرها، فلا يبقى على المسألة غبارٌ. والله أعلم. والخامس: إذ حَلّت إنّ محلّ الحال ووقعت موقِعَه، وذلك قوله: «أو حَلّتْ مَحَلّ حالٍ يعنى أَنْ تقع مع ما بعدها جملةً في موضع الحال، نحو قوله: «زُرْته وإنّىِ ذُو أَمَلْ»، أى: زُرْتُه آملًا. فالمفتوحة لا تقعُ هنا، لأن الحال بالمفرد لا تصاحب الواو. ومنه في التنزيل: ﴿كَما أَخْرَجَكَ ربُّكَ من بيتك بالحقَ، وإِنّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمنِين لكارهُونَ. يُجادلُونَك﴾ .. الآية. وأنشد سيبويه لكُثَيّر: ما أَعْطَيَانِى ولا سَألْتهما إِلّا وَإِنِّى لحاجِزِى كَرَمِي
следующие страницы →