كتاب
بهجة الناظرين إلى تراجم المتأخرين من الشافعية البارعين
تصنيف
الإمام رضي الدين أبي البركات محمد بن أحمد بن عبد الله الغزي العامري الشافعي
(المتوفى سنة ٨٦٤ هـ)
ضبط النص وعلق عليه
أبو يحيى عبد الله الكندري
دار ابن حزم
стр. 2
جَميع الحقُوق مَحْفُوظَة
الطّبعَة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م
الْكتب والدراسات الَّتِي تصدرها الدَّار تعبر عَن آراء واجتهادات أَصْحَابهَا
دَار ابْن حزم للطّبَاعة وَالنشر وَالتَوزيع
بَيْروت - لبنان - صَ ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤
стр. 3
كِتَابُ
بَهْجَة النَّاظِرِينَ إلى تراجمْ المتأخرين مِن الشَّافعيّة البَارعين
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
المقَدّمَة
الحمد لله الذي أشرقت بنور وجهه السموات والأرض وصلح أمر الدنيا والآخرة، وأُصلي وأُسلم على النبي الأميّ محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
فيروق لكثيرين أن يُسمي الفترة التي تمتد منذ القرن التاسع الهجري وما بعدها فترة "انحطاط" بالنسبة لحركة البحث والتصنيف والدراسة والاطلاع والعلم في جميع مجالاته، ويضيف آخرون أن فترة العهد المملوكي -في مصر والشام والحجاز- عانت من الانهيار في كثير من مجالات العلوم والفنون.
والمُراجع لهذه الفترة والمُتحقق لنوعية ووفرة العلماء والمصنفات فيها يصل إلى حقيقة مشرقة وهي أن فترات الركود ربما مرت على الحضارة الإسلامية لكنها لا تلبث أن تتجدد وربما عانت من نوع من التراجع لكنها تعاود النشاط بهمة جديدة وعقليات متطورة.
وأما الفترة التي عاشها المصنف ﵀ ٨١١ - ٨٦٤ هـ فقد عاصر فيها عدد من مشاهير سلاطين المماليك مثل المؤيد شيخ -٨٢٣ هـ والأشرف برسباي- ٨٤١ هـ، والظاهر جقمق -٨٥٦ هـ، والأشرف اينال - ٨٦٤ هـ.
ومن أشهر الوقائع التي أثرت في سير الأحداث وتأثر بها الواقع السياسي والعلمي في تلك الفترة الاجتياح العسكري الذي قام به تيمورلنك سلطان المغول عام ٨٠٣ هـ وبقيت آثاره ممتدة عدة عقود، ولا يزال المصنف
стр. 6
-﵀ يكرر لفظ "الفتنة التمرية" أو "اللنكية" كما يسجلها ويجعلها تاريخاً يصنف الأحداث قبلها وبعدها فيقول أن ابن بهادر كان "كاتب السر قبل الفتنة" وابن كثير "عُدم في الفتنة" والمُناوي "مات في أسر تيمورلنك" وابن ركن الدين "مات في الفتنة".
وقد فصّلت كتب التواريخ والسير هذه الحركة العسكرية التي قام بها تيمورلنك حيث اجتاحت الأقاليم وأطاحت بالدول من أواسط آسيا إلى أطراف آسيا الصغرى مروراً بالشام والعراق.
والكتاب الذي بين أيدينا عبارة عن صور ولقطات لمن عاصرهم المصنف ﵀ وعايشهم وتعامل معهم في الحجاز والشام والقاهرة، درس عليهم وقرأ مصنفاتهم ونظروا في كتبه وعلقوا عليها، فترجم لهم ما يراه وسجل عنهم ما شاركهم فيه من مجالات العلم والتعليم والقضاء والإفتاء.
فهو يقول في مقدمة كتابه "فهذا مختصر لطيف قصدت به ترجمة الأئمة من أصحابنا الشافعية المتأخرين وأعني بهم من أدركتهم واجتمعت بهم من العلماء البارعين وبعضهم مشايخي الذين أخذت عنهم العلم من أهل الفضل والعلم".
ثم يبين خطة عمله في الكتاب فيقول: "ثم اعلم أنني لا أُترجم إلا لمن تأخرت وفاته إلى هذا القرن التاسع ولو في أول سنة منه وقد أُترجم بعض من تُوفي قبله استطراداً في ترجمة ابنه أو أبيه أو قريبه أو بلديه وقد أترك ذلك لمعنى لا يخفى على الحاذق، وقد أترجم بعض رفقتي ممن مات في زمني".
ومن أشهر الكتب التي دونت هذه المرحلة من التاريخ كتاب "إنباء الغمر بأبناء العمر" لابن حجر العسقلاني ﵀ ٨٥٢ هـ -المعاصر للمؤلف- فكثيراً ما كان يكرر أقوال ابن حجر ويرددها وينقل نصوصه، والكتاب الآخر والذي جاء بعد المؤلف هو كتاب "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" للسخاوي ﵀ ٩٠٢ هـ. فقد شارك المصنف في ذكر كثير من تراجمه.
стр. 7
ورغم شهرة آل الغزي وتكرر ذكرهم في كتب التراجم والتواريخ إلا أن مصنف الكتاب -رضي الدين الغزي- ﵀ لم يُسبق تحقيق كتاب من مؤلفاته، وسبب آخر أكد العزيمة بالعمل في هذا الكتاب أن مجموعة من التراجم الذين ذكرهم المصنف ﵀ في كتابه هذا لم تذكر في أي مصادر أخرى حسب علمي والله أعلم مما يجعل هذا الكتاب المصدر الوحيد لهم. والله المستعان.
المحقق
وصف النسخ المخطوطة:
أولاً: نسخة الظاهرية:
تقع هذه النسخة في (١٥١) ورقة من القطع المتوسط في كل ورقة صفحتان. يقع في كل صفحة ١٦ سطر تقريباً -ورقمها في الظاهرية ٣٤٢٠ - تاريخ ٥٥.
وقد اعتمدت هذه النسخة لقربها من حياة المؤلف ومنقولة من نسخته.
وبطلب من ولد المصنف فالناسخ يقول في نهاية المخطوط "وهذا آخر ما وجدته بخطه من هذا الديون العظيم رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه وجمع بيننا وبينه في مستقر رحمته وقد كتبت ذلك جميعه من خطه بحمد الله وبإشارة ولده سيدنا الإمام العالم الفاضل القاضي شهاب الدين أحمد".
والمؤلف يقول في ختام عمله "وقد انتهى ما قصدناه من تراجم أصحابنا المتأخرين ﵏ أجمعين- وقد فرغت من هذه المبيضة في يوم الأربعاء بعد العصر حادي عشر شهر رمضان المعظم قدره سنة اثنين وأربعين وثمان مائة أحسن الله عقباها وذلك بمنزلي الجديد جوار جامع دمشق كلأها الله تعالى وسائر بلاد الإسلام وكان ابتداء جمع هذا المختصر من أوائل سنة تسع وثلاثين والحمد لله أولاً وآخراً. . .".
وهذا يبين لنا أنه استمر في تأليفه الكتاب خلال أربع سنوات، ويلاحظ أن في بعض الأوراق تعليقات وهوامش وفي بعضها الآخر شطب
стр. 8
على بعض الأسطر، وهناك عدد من الحروف قد سجلت ولم يذكر فيها أي ترجمة، وبعض التراجم لم تكتمل، أو ذُكر فقط اسم صاحب الترجمة ولم يفصل فيها شيئاً، بالرغم أن المصنف ﵀ قال في نهاية الكتاب أنه فرغ من تأليفه إلا أنه ربما كان يود المعاودة واستكمال ما بقي والله أعلم بالصواب.
وفي النسخة بعض الإضافات أضافها الناسخ خاصة في ذكر التراجم الذين تأخرت وفاتهم بعد المصنف ﵀ مثل تقي الدين القلقشندي -٨٦٧ هـ وماهر المصري - ٨٧٧ هـ، وقد تكررت ترجمة الشيخ شمس الدين محمد بن الحسن الأسيوطي ٨٠٨ هـ.
جاء على ورقة الغلاف ترجمة مختصرة للمصنف ﵀ بخط مغاير جاء فيه "مؤلف هذا الكتاب هو العلامة المحقق والفهّامة المدقق شيخ مشايخ الإسلام سيد المدققين الأعلام، المرحوم العلامة القاضي رضي الدين محمد أبو البركات القرشي العامري الدمشقي الشهير كأسلافه بابن الغزي، أعاد الله تعالى علينا وعلى المسلمين من بركاته وبركات أسلافه".
وقيد وقف جاء فيه "أوقف هذا الكتاب الدستور الوقور المكرم الحاج محمد باشا والي الشام حالاً دام فضله على طلبة العلم وشرط أن لا يخرج من مكانه إلا لمراجعة وذلك سنة ١١٩٠ هـ" وعليها خاتم الواقف.
والنسخة مختومة بخاتم دار الكتب الظاهرية بدمشق. ومنها نسخة مصورة ومحفوظة بمكتبة المخطوطات بجامعة الكويت تحت رقم: ٢١١٩، وقد تفضل الأستاذ الكريم والأخ المفضال أبو عايض صلاح الشلاحي بإهدائي هذه النسخة من محفوظات مكتبته الزاهرة.
ثانياً: نسخة الرباط:
وتقع هذه النسخة في ٧٩ ورقة من القطع الكبير في كل ورقة صفحتان في كل صفحة ٢٥ سطراً تقريباً والنسخة الأصلية محفوظة بالخزانة العامة بالرباط -المغرب- تحت رقم: ١٨٣٤ - د ومنها نسخة مصورة محفوظة بمركز جمعة الماجد للثقافة والتراث - دبي، وقد تفضل الأخ الكريم
стр. 9
أبو عمر أوس سميح أبو زيد مشكوراً بتسهيل الحصول عليها من المركز.
وقد كُتبت النسخة بخط نسخ جميل وواضح، ورغم جماله فالناسخ متساهل في ضبط أسماء الأعلام والأماكن، وهي نسخة حديثة الكتابة يقول ناسخها "نسخه بقلمه الفقير إلى المولى وجوده عبد العزيز عطية خطاب حمودة، طالب بالقسم العالي للأزهر الشريف ١٥ جمادى أول ١٣٤٣ هـ - ١٢ ديسمبر ١٩٢٤ م.
وقد تميزت النسخة بالترتيب وتوزيع التراجم بصورة واضحة، وإدماج الهوامش والتعليقات في نسخة الظاهرية وكأنه اطلع عليها والله أعلم.
وقد جاء على غلاف النسخة قول الناسخ واصفاً الكتاب "وهو تراجم علماء القرن التاسع رتبه على حروف المعجم، وبدأ فيه بترجمة السراج البلقيني ثم بالمحمدين ثم بالأحمدين وبعد ذلك من حروف الهجاء من الألف إلى الياء".
وملاحظة قال فيها: "تنبيه لشيخ الإسلام الشيخ عبد الله الشرقاوي الشافعي شيخ الجامع الأزهر "طبقات الشافعية" مسماة ببهجة الناظرين أيضاً محفوظة بمكتبة رواق الشوام بالجامع الأزهر".
والنسخة عبارة عن مجموع أوله الكتاب الذي بين أيدينا والثاني كما يذكر الناسخ على الغلاف "ويليه مختصر طبقات الشافعية العلّامة أحمد بن محمد الأسدي وهي أكبر من التي قبلها والأسدي المذكور - توفي سنة ١٠٦٦ هـ" [وللأسدي المذكور ترجمة في الأعلام للزركلي ١/ ٢٣٨] وعلى النسخة خاتم الخزانة العامة بالرباط.
ملاحظة: توجد نسخة مصورة عن نسخة الظاهرية محفوظة بدار الكتب المصرية.
نسبة الكتاب للمصنف ﵀ -:
ورد اسم الكتاب في معظم الكتب التي ترجمت المصنف -رحمه الله
стр. 10
- فالسخاوي ﵀: ٩٠٢ هـ يقول في الضوء اللامع "وعمل كتاباً سماه بهجة الناظرين إلى تراجم المتأخرين من الشافعية المعتبرين، أوقفني عليه بدمشق". وذكره بروكلمان -في النسخة المترجمة ٦/ ١٢٥، والزركلي في الأعلام ٥/ ٣٣٣، وكحاله في معجم المؤلفين ٨/ ٢٧٩، ومجلة معهد المخطوطات العربية- المجلد الثاني - الجزء الأول: ص /١٢٧ (٤٢).
شكر وتقدير:
ويجب علينا في الختام أن نرد الفضل إلى أهله وننسب الخير إلى فاعليه، وإلى كل يد بيضاء شاركت في إبراز هذا العمل إلى النور وإيصاله إلى يدي القارئ، فأحق الناس بالدعاء من صنف هذا الكتاب - الإمام رضي الدين الغزي ﵀ مصنف هذا الكتاب ثم الناسخين ﵏ جميعاً وأجزل لهم المثوبة ملء السموات والأرض وما بينهما. اللهم آمين.
ثم أخص بالثناء والشكر أستاذنا الكريم وأخانا الفاضل أبا عايض صلاح الشلاحي الذي دل على المخطوط بداية ثم أهدى النسخة الظاهرية من مكتبته الزاهرة، والأخ المفضال أبا عمر أوس سميح أبو زيد الذي تكرم مشكوراً بإرسال نسخة الرباط المحفوظة بمركز جمعة الماجد للثقافة والتراث - دبي، وكل من الأخوين الفاضلين جلال الدين غازي وأبو خالد ياسر الأُومري اللذين تكرما متفضلين بمراجعة النص ومقابلة النسخ.
كما لا يسعني إلا أن أشكر الأُخوة الأفاضل بمكتبة المخطوطات بجامعة الكويت بما كانوا يقدمونه من خدمة علمية وخاصة الأُستاذ الفاضل: أحمد دورماز -أخصائي المخطوطات بمكتبة الجامعة- وما يتميز به من سعة صدر ودماثة خلق وحب لخدمة الباحثين والرواد للمكتبة.
ويسرني أن أذكر بالشكر الجزيل والثناء والتقدير الأخوة الأفاضل بمركز جمعة الماجد للثقافة والتراث -دبي- لما يلاقيه كل باحث من ترحيب وتقديم كل خدمة في سبيل خدمة التراث.
стр. 11
فشكر الله للجميع وجعل ذلك في ميزان حسناتهم يوم القيامة اللهم آمين.
وأختم بالقول: ما كان من صواب وتوفيق وسداد فمن فضل الله ومنّه وكرمه، وما كان من تقصير وخلل فمن نفسي المقصرة ومن الشيطان. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
وكتب: أبو يحيى عبد الله الكندري
الكويت - الفحاحيل الزاهرة
الاثنين: ختام شهر صفر/ ١٤٢٠ هـ
الموافق ١٤/يونيو/ ١٩٩٩ م
стр. 12
ترجمة المصنف -رضي الدين الغزي-
﵀ ٨١١ - ٨٦٤ ه ـ
اسمه وكنيته و مولده:
هو رضي الدين أبو البركات محمد بن شهاب الدين أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن بدر بن مفرج العامري الغزي ثم الدمشقي الشافعي.
مولده: ولد في السادس عشر من رمضان سنة إحدى عشرة وثمان مائة للهجرة بدمشق الشام.
آل بيت الغزي:
المتابع للحركة العلمية في التراث الإسلامي يقف عند كثير من مميزاته ويلاحظ العديد من رسومه وفنونه المشرقة وصوره وأشكاله المتألقة التي فاقت العدّ والحصر والإحصاء والذكر.
ومن هذه المظاهر والمعالم الاهتمام الواضح بالعلم والعلماء والذي تبدى في عدة هيئات منها المدارس التي انتشرت في أنحاء العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، والمصنفات التي زخرت بها المكتبات في شتى أنواع الفنون والعلوم والآداب.
وصورة أُخرى مشرقة تميزت بها هذه الحركة العلمية التراثية ألا وهي تتابع العلماء جيلاً بعد جيل في أسرة واحدة - آباء وأبناء وحفدة وربما
стр. 13
الأعمام والأخوال ولا تخلو من مشاركة المرأة في هذه الحياة العلمية -تستمر قرناً وقرنين وثلاثة، والأمثلة على ذلك كثيرة أمثال آل المقدسي والسبكي وبني عبد الهادي وآل القلقشندي وسواهم كثير. . . ومنهم أُسرة مؤلف هذا الكتاب الذي بين أيدينا -آل الغزي- فقد استمر عطاء هذه الأسرة من أواخر القرن الثامن الهجري إلى النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري متميزه بالعلم والتعليم وتولي التدريس والإفتاء ومناصب القضاء بالإضافة إلى عدد وافر من المصنفات في شتى أنواع الفنون، وهذه نبذة مختصرة عن هذه الأسرة المباركة.
ترجمة الأب شهاب الدين الغزي: ٧٧٠ - ٨٢٢ هـ ﵀ -:
أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن بدر العامري الغزي ثم الدمشقي -ولد ونشأ بغزة وتحول إلى دمشق واستوطنها وأخذ بها عن جماعة من فضلائها وتولى إفتاء دار العدل والتدريس في عدة أماكن واشتهر برئاسة الفتوى ثم جاور بمكة ومات بها وله عدة مصنفات- وقد فصّل المصنف -ولده- ترجمته في الكتاب الذي بين أيدينا.
طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/ ٧٨ (٧٦٠) -العقد الثمين للفاسي ٣/ ٥٥ (٥٦٦) - إنباء الغمر لابن حجر ٧/ ٣٦٣ - الضوء اللامع للسخاوي ١/ ٣٥٦ - شذرات الذهب لابن العماد ٩/ ٢٢٤ - البدر الطالع للشوكاني ١/ ٧٥ (٤٢) - الأعلام للزركلي ١/ ١٥٩ - معجم المؤلفين - كحالة ١/ ٢٨٥.
ترجمة الابن -رضي الدين بن رضي الدين الغزي- ٨٦٢ - ٩٣٥ هـ ﵀ -:
أبو الفضل محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن بدر العامري الغزي ثم الدمشقي، ولد بدمشق ونشأ تحت وصاية شيخ الإسلام زين الدين خطاب بن عمر بن مهنا الغزاوي شيخ الشافعية بدمشق بوصاية من والده الذي توفي بعد ولادته بسنتين، فنشأ محباً للعلم مجتهداً في طلبه حتى بلغ الفتيا والتدريس وولاية القضاء وله عدة مصنفات منها - جامع فرائد الملاحة
стр. 14
في جوامع فوائد الفلاحة- في الزراعة والدرر اللوامع نظم جمع الجوامع وألفية في اللغة وأخرى في علم الهيئة، وثالثة في الطب ومنظومة في علم الخط وأُرجوزة في الظاآت.
شذرات الذهب لابن العماد ١٠/ ٢٩٢ - الكواكب السائرة ٢/ ٣ الأعلام للزركلي ٧/ ٥٦.
ترجمة الحفيد: بدر الدين الغزي ٩٠٤ - ٩٨٤ هـ ﵀ -:
أبو البركات محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن بدر العامري الغزي ثم الدمشقي، مولده ونشأته ووفاته بدمشق، اعتنى به والده مبكراً وأحضره على مشايخ عصره في الشام ومصر فبرع ودرس وأفتى ومشايخه أحياء وتصدر للتدريس والإفتاء وهو في السابعة عشر من عمره عام ٩٢١ هـ وبعدها تولى القضاء وأكثر من التصنيف حتى بلغت مؤلفاته أكثر من مائة مصنف من شتى أنواع الفنون والعلوم.
شذرات الذهب لابن العماد ١٠/ ٥٩٣ - الكواكب السائرة ٣/ ٣.
الأعلام للزركلي- ٧/ ٥٩ - معجم المؤلفين - كحالة ١١/ ٢٧٠.
ترجمه ابن الحفيد -نجم الدين الغزي- ٩٧٧ - ١٠٦١ هـ ﵀ -:
أبو المكارم محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن بدر العامري الغزي ثم الدمشقي -مؤرخ باحث أديب مولده ووفاته في دمشق، من مشاهير كتبه- الكواكب السائرة في تراجم أعيان المائة العاشرة، وحسن التنبه لما ورد في التشبه، وعقد الشواهد، وإتقان ما يحسن من بيان الأخبار الدائرة على الألسن.
خلاصة الأثر ٤/ ١٨٩ - الأعلام للزركلي ٧/ ٦٣ معجم المؤلفين - كحالة - ١١/ ٢٨٨.
стр. 15
مشايخه وأقرانه:
الكتاب الذي بين أيدينا عبارة عن موسوعة تفصيلية لمشايخ المصنف ومعاصريه وأقرانه - الذين أخذ عنهم وأخذوا عنه وقرأ عليهم ونظروا في كتبه وعلقوا عليها وراسلهم وكتبوا إليه، فهو يقول في مقدمة الكتاب ". . . وبعد فهذا مختصر لطيف قصدت به ترجمة الأئمة من أصحابنا الشافعية المتأخرين وأعني بهم من أدركتهم واجتمعت بهم من العلماء البارعين، وبعضهم مشايخي الذين أخذت عنهم العلم من أهل الفضل والحلم. . . ".
وقد بدأ المصنف ﵀ كتابه بترجمة شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني ٨٠٥ هـ باعتباره أُستاذ العصر وإمام القرن وكل من جاء بعده فهم تلاميذه وطلابه والآخذين عنه فهو يقول في مقدمة الكتاب: "وصدرتهم بالإمام العلامة شيخ الإسلام سراج الدين. . . البلقيني. . . تغمده الله بالرحمة والرضوان، إذ هم على الحقيقة في العلم أولاده وبه افتخروا وسادوا، فهو في هذا العصر بالنسبة إلينا كالشافعي وهم أصحابه، واعلم أني إذا أطلقت في هذا المختصر الشيخ فمرادي الشيخ سراج الدين البلقيني المذكور وإن أردت غيره قيدته. . . ".
ومن مشاهير مشايخه الذين أخذ عنهم وصحبهم وترجم لهم في هذا المصنف الإمام شهاب الدين ابن حجر العسقلاني ٨٥٢ هـ فقد اعتمد في كثير من تراجمه على أقواله وهو يكثر من قوله "قال شيخنا ابن حجر".
ومن مشايخه أيضاً الذين ترجم لهم محيي الدين المصري وهو من تلاميذ الإمام البلقيني ويقول عنه ". . . وممن تخرج عليه أيضاً من علماء دمشق شيخنا العلامة محيي الدين المصري. . . " ومنهم ابن قاضي شهبة ٨٥١ هـ وولي الدين أبو زرعة العراقي ٨٢٦ هـ والشيخ العلامة شمس الدين البرماوي.
أما عن أقرانه وأصحابه ومعاصريه فيذكر منهم الشيخ شمس الدين المكيسي ٨٤٠ هـ ويقول عنه ". . . كان كثير التودد والتردد والمحبة لي وبيننا من قديم صحبة أكيدة. . . "، ويقول عند ذكر ابن ناصر الدين ٨٤٣ هـ
стр. 16
"وذاكرته في أنواع العلوم فوجدته كما وُصف وأبلغ. . . واجتمعنا هناك مرات في القلعة في قراءة الحديث. . . وزادت المودة بيننا. . . " وسوى هؤلاء وهؤلاء كثير ذكرهم في هذا المصنف ﵀.
مؤلفاته:
١ - أدب القضاء -ذكره بروكلمان- مخطوط في برلين رقم ٩٧٢.
٢ - بهجة الناظرين إلى تراجم المتأخرين من الشافعية البارعين - الكتاب الذي بين أيدينا.
٣ - سيرة الملك الظاهر جقمق ٨٥٦ هـ ذكره صاحب كشف الظنون وكحالة في معجمه.
٤ - مناسك الحج - ذكره كحالة في معجمه.
وفاته:
قال السخاوي ﵀ في الضوء اللامع في ذكر وفاة المصنف ﵀:
"مات في يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة أربع وستين وصلى عليه عقب الظهر بجامع دمشق ثم بجامع تنكز ودفن بمقبرة الصوفية عند رجلي الشهاب ابن نشوان بوصية منه -رحمهما الله وإيانا".
مصادر ترجمة المصنف ﵀ -:
الضوء اللامع للسخاوي ٦/ ٣٢٤ (١٠٦٠) -كشف الظنون ٣٤ - بروكلمان -مترجم- ٦/ ١٢٥ - مجلة معهد المخطوطات العربية المجلد الثاني -الجزء الأول- سنة ١٩٥٦ م - ص / ١٢٧ ترجمة رقم (٤٢).
الأعلام للزركلي ٥/ ٣٣٣ - معجم المؤلفين- كحالة - ٨/ ٢٧٩.
* * *
стр. 17
كِتَابُ
بَهْجَة النَّاظِرِينَ
إلى تراجم المتأخرين
مِن الشَّافعيّة البَارعين
تصنيف
الإمَام رضيّ الدّين أبي البَركَات محمَّد بن أحمَد بن عَبد الله
الغزّي العَامِري الشَّافِعي "ت ٨٦٤ هـ"
ضَبط النّص وعَلّق عَلَيه
أبو يحيى عَبد الله الكندري
стр. 18
ورقة الغلاف - نسخة الخزانة العامة بالرباط - المغرب
стр. 19
الورقة الأولى - نسخة الخزانة العامة بالرباط - المغرب
стр. 20
الورقة الأخيرة - نسخة الخزانة العامة بالرباط - المغرب
стр. 21
ورقة الغلاف - نسخة الظاهرية- سوريا
стр. 22
الورقة الأولى- نسخة الظاهرية - سوريا
стр. 23
الورقة الأخيرة - نسخة لظاهرية - سوريا
стр. 24
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
* رب أعن *
قال العبدُ الفقيرُ إلى الله تعالى، شيخنا وسيدنا، الإمام العلامة والبحر الفهّامة، رضيُّ الدين، مفتي المسلمين رحلةُ الطالبين، أوحد المجتهدين، محمد بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام، بَقِيةُ العلماء الأعلام، شهاب الدين قامع المبتدعين أبي نعيم أحمد بن الشيخ الصالح العلّامة جمال الدين عبد الله العامري الغَزِّي الشافعي تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه فسيح جنته. آمين.
الحمد لله مدبر الأمور، مميت الأحياء وباعث من في القبور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الغفور، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي هو بالرعب منصور، صلى الله وسلم عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين عدد الأيام والدهور، ورضي الله تعالى عن أصحابه وتابعيهم إلى يوم البعث والنشور.
وبعد فهذا مختصرٌ لطيفٌ قصدت به ترجمة الأئمة من أصحابنا الشافعية المتأخرين، وأعني بهم من أدركتهم واجتمعت بهم من العلماء البارعين، وبعضهم مشايخي الذين أخذت عنهم العلم، من أهل الفضل والحلم، وصدّرتهم بالإمام العلّامة شيخ الإسلام سراج الدّين أبي حفص عمر بن رسلان البلقيني المصري الشافعي، تغمده الله بالرحمة والرضوان، إذ هم على الحقيقة في العلم أولاده وبه افتخروا وسادوا، فهو في هذا العصر بالنسبة إلينا كالشافعي وهم أصحابه - واعلم أني إذا أطلقت في هذا
стр. 25
المختصر "الشيخ" فمرادي الشيخ سراج الدين البلقيني المذكور، وإن أردت غيره قيدته.
ثم بعد ترجمة الشيخ ذكرت "المحمدين" ثم "الأحمدين" ثم سردتهم على حروف الهجاء من الألف إلى الياء - ليسهل الكشف على مُطالعه والضبط لطالبه، اقتداءً بالقاضي العلّامة تاج الدين أبي نصر ابن السبكي في طبقاته، فإنها من أحسن المصنفات في هذا المعنى ومنه استقر من صنّف في زمنه وبعده في هذا الأُسلوب المعتنى، وإن اصطنع كل واحدٍ اصطناع فلا مشاححة في الاصطلاح.
ثم اعلم أني لا أُترجم إلا من تأخرت وفاته إلى هذا القرن التاسع ولو في أول سنة منه، وقد أُترجم بعض من تُوفي قبله استطراداً في ترجمة ابنه أو أبيه أو قريبه أو بلديِّه، وقد أترك ذلك لمعنى لا يخفى على الحاذق، وقد أترجم بعض رفقتي ممن مات في زمني.
وأما المتقدمون من أئمتنا وأعني بهم من الشافعين إلى آخر القرن الثامن، فقد اعتنى بتراجمهم أئمةٌ كثرةٌ ودوّنوا في ذلك دواوين عديدة ولله الحمدُ على ذلك وعلى سائر نعمه التي لا تحصى.
وهذا حين أشرع في المقصود والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اعتصمت بالله، فوضت أمري إلى الله، ما شاء الله كان وهو حسبي ونعم الوكيل، وإياه أسأل أن ينفع به إنه قريب مجيب.
* * *
стр. 26
ترجمة الشيخ رحمه الله تعالى
شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني
عفا الله عنه
هو أبو حفص (١) عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن شهاب بن عبد الخالق بن عبد الحق البلقيني ثم المصري، الإمام العلم الحافظ الفقيه الأُصولي النحوي المفسر المتكلم النظّار، شيخ الإسلام بقية المجتهدين الأعلام منقطع القرين سراج الدين الكناني، العسقلاني الأصل البلقيني المولد، ولد بها في ليلة الجمعة ثاني عشر شعبان المكرم سنة أربع وعشرين وسبعمائة.
وبلقينةُ (٢) بُليدةٌ بالغربية من أعمال الديار المصرية.
حفظ القرآن ببلده وهو ابن سبع سنين، وحفظ الشاطبية والمحرر للرافعي والكافية الشافية لابن مالك ومختصر ابن الحاجب الأصولي.
ثم قدم القاهرة سنة ست وثلاثين واجتمع إذ ذاك بالشيخ تقي الدين السبكي والقاضي جلال الدين القزويني، وأثنى كل منهما عليه مع صغر سنه ثم رجع إلى بلده.
ثم قدم إلى القاهرة أيضاً في سنة ثمان وثلاثين، وقد ناهز الاحتلام مستوطناً بها، وحج بالموسم مع والده سنة أربعين وَدَرَسَ الفقه على الشيخ نجم الدين الأسواني وابن عدلان وزين الدين التلمساني وشمس الدين ابن
стр. 27
القماح والأصول على الشمس الأصفهاني وأجازه بالإفتاء، وأخذ النحو والأدب على أبي حيان، وسمع البخاري من الشيخ جمال الدين بن شاهد الجيش، ومسلم من العلامة شمس الدين بن القمّاح، وسمع بقية الكتب الستة وغيرها من المسانيد من جماعة، وتخرج بغيرهم من مشايخ العصر، ولزم الاشتغال وحضر عند الشيخ تقي الدين السبكي وبحث معه في الفقه، وأجاز له من دمشق الحافظان المزي والذهبي وغيرهما كابن الحربي وابن نباتة وابن الخباز وغيرهم.
واشتُهر اسمه وعلا ذكره وظهرت فضائله وبهرت فوائده، ثم انتصب للاشتغال فاجتمعت الطلبة عليه بكرةً وعشية.
قال ولده القاضي جلال الدين: وكان يلقي الحاوي في الأيام اليسيرة، ووصل في ذلك حتى ألقاه في جامع الأزهر في ثمانية أيام.
وكان ممن يحضره في جامع الأزهر الشيخ فخر الدين بن جوشن، وهو من كبار أولياء الله الصالحين فجاء يوماً وأخبر الجماعة في الدرس: أنه رأى الليلة قائلاً يقول له:
فإن يك زين الدين ظن بعلمه ... فبحر سراج الدين وردٌ لمن وَرَد
يشير إلى الشيخ زين الدين بن الكتاني تغمده الله برحمته.
ثم حجّ بعد ذلك في سنة تسع وأربعين ورحل إلى القدس واجتمع فيها بالشيخ صلاح الدين العلائي وحضر حلقته وبحث معه وعظّمه وقال له: أنت الذي يقال لك البلقيني وعامله بما يليق به، ثم صاهره الشيخ بهاء الدين بن عقيل في سنة اثنين وخمسين خطبه لابنته وغبّطه به الشيخ تقي الدين السبكي، وناب عنه لما ولي الشيخ بهاء الدين القضاء في سنة تسع وخمسين تلك المدة اليسيرة -وهي نحو ثمانين يوماً، ثم ولي تدريس الزاوية بعد وفاة ابن عقيل في سنة تسع وستين واستمرت بيده إلى حين وفاته ستة وثلاثين سنة يقرِّر فيها مذهب الشافعي على أعظم وجه وأكمله، وكان قبل ذلك قد ولي تدريس
стр. 28
الحجازية فإن واقِفَتَها عمَّرتها لأجله، وولي قضاء الشام سنة تسع وستين فباشره مدةً يسيرةً ثم استعفى، وعاد إلى القاهرة.
ثم ولي تدريس الملكية بعد وفاة الشيخ جمال الدين الأسنوي وتدريس جامع طولون وقضاء العسكر بعد وفاة أبي حامد بن السبكي، وكان قد ولي قضاء الشام وإفتاء دار العدل في سنة خمس وستين رفيقاً لبهاء الدين السبكي من يَلبُغا الخاصكي مدبر المملكة إذ ذاك، ودرس بالصلاحية جوار الشافعي وبالظاهرية الجديدة التفسير وله ميعاد فيها بعد صلاة الجمعة وليها مِن واقِفِها الظاهر برقوق الجركسي ودرس أيضاً بالبدرية والبيبرسية والأشرفية ثم نزل بعد ذلك عن وظائفه لِوَلَدَيه بدر الدين وجلال الدين، واستقر بيده الظاهرية الجديدة والزاوية إلى حين موته.
وصار هو الإمام المشار إليه والمعول في المشكلات والفتاوى عليه، وأتته الفتاوى من الأقطار البعيدة، ورحل الناس من الآفاق النائية للقراءة عليه، والحضور بين يديه.
وخرّج له تلميذه شيخنا الحافظ ابن حجر أربعين حديثاً عن أربعين شيخاً، وخرّج له تلميذه شيخنا العلامة الحافظ ولي الدين العراقي مائة حديث من عواليه وأبداله.
وقد أثنى عليه علماء عصره طبقة بعد طبقة من قبل الخمسين إلى حين وفاته، وكان الشيخ شمس الدين الأصفهاني كثير التعظيم له، وأجازه الشيخ أبو حيان وكتب له في إجازته ما لم يكتب لأحد قبله وسِنُّه إذ ذاك دون العشرين، وكان الشيخ عز الدين بن جماعة يعظمه ويبالغ في تعظيمه جداً، وكتب له ابن عقيل على بعض تصانيفه: أحق الناس بالفتوى في زمانه، وقال له أيضاً: لِمَ لا تكتب على سِيبَويه شرحاً هذا مع اتفاق الناس في ذلك الزمان على أن ابن عقيل هو المرجوع إليه في علم النحو.
وذكر له ولده القاضي جلال الدين ترجمة في مجلدةٍ مشتملةٍ على مناقبه وفوائده وأنشد قول القائل:
стр. 29
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
وقال في أولها: هو شيخ الإسلام، والعلم الفرد المستغني عن الألقاب والأعلام، ذو الفضائل التي لا تساما ولا تسام، والمآثر والمحامد الجسام، الذابِّ عن شريعة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام بالقلم واللسان، والمجاهد في الله حق جهاده بالعلم والعمل وإن لم يكن بالسيف والسنان، قمع المبتدعة فلم يظهر لهم رؤوس وكف المبطلين فهم في حال عبوس وأبطل ما قدر على إبطاله من المنكرات والمكوس، جمع الله فيه بين صفتي الاجتهاد من الإطلاق والتقييد، فهو المتمكن من استخراج العلم بالاستنباط من الدليل بالرأي السديد، والمتمكن من تخريج الفروع على قواعد الإمام الشافعي بالعلو والتوليد، كم له من مولدات أُلين له حديدها ففاقت مولدات ابن الحداد بالتفصيل والإجمال، وتخريجات فتح بها أقفال الإشكالات التي أعْيت القفال، وخطابة اعترف له فيها إمام الحرمين بالإمامة، وتقسيمات قلده الغزالي فيها الزعامة، وفصاحة أنست سحبان وائل، وغريبة جاء في حلبة سباقها مع الأوائل.
وقد شهد له في حداثة سنه منصفو أئمة عصره بالتقدم في الفتوى والأولوية، واعترفوا له في ذلك بالأحقية، وسلموا له الفتوى من ستين سنة إلى حين وفاته، وانعكفت عليه الطلبة واستغرق باشتغالهم غالب أوقاته.
تجاوزت فتاواه الآلاف الكثيرة، وطبّقت طلبته الأرض بعلومهم الغزيرة، لم يسمع عمن مضى من الأئمة أنه أفتى كفتواه، ولا انفرد كتفرده، وليس من ناوأه، وانتهت فتاواه، وطار اسمه إلى أقصى البلاد.
وركن الناس إليه وجعلوا على فتواه الاعتماد، يود ملوك أقطار الأرض أن يتملوا برؤية وجهه المبارك الميمون، وإذا سمعوا عن أحد أنه من أصحابه وتلامذته فبه يتبركون، وصل من طلبته إلى بلاد خراسان من صار له فيها المكانة والإمكان، وقُصد من أطراف الأرض للاشتغال من الحجاز واليمن، ومن بلاد العراق والعجم فضلاً عن الشام ومن بها سكن، وفاقت طلبته عن الحصر وهذا
стр. 30
كله مشاهد بالعيان ولا يحتاج إلى الدليل والبرهان، وأنشد البيت:
وليس يصح في الأذهان شيءٌ ... إذا احتاج النهار إلى دليل (١)
إن تَكَلم في التفسير فهو إمامه، أو في النحو فهو الذي يلقى إليه زمامه، أو في التصريف فمنه يستفاد أوزانه ونظامه، أو في أصول الدين فهو الأستاذ على الحقيقة، أو في أصول الفقه فكم استنبط وأوضح فيه من طريقه، أو في الحديث فهو حافظ الزمان، أو في التعليل فمن تضعيفه الأمان، أو في الفقه فهو الأستاذ على الإطلاق، الجامع بين طريقتي خراسان والعراق، والمُظهر من النصوص ما لم يكن في الحساب، والآتي من الأبحاث بما يقضي منه العجب العجاب، أو في المنطق فهو ينسينا أداء ابن سينا، أو في الخلاف والجدل، فهو الذي يحصل بكلامه لسامعه من تقريبه إلى الإفهام والجذل، وإن تكلم في الوعظ والتصوف فكلامه إليه المنتهى، وحضور ميعاده هو المختار والمشتهى. انتهى كلامه ﵀ لو قدم السجعة الثانية وهي المشتهى وختم بالمنتهى لكان غاية في حسن الختام.
قال: وقد ختم القرآن العظيم بميعاده، وأتى فيه من الوعظ ما يكون إن شاء الله سبباً لإسعاده، وكان من العلوم بحيث يقضي له في كل علم بالجميع، وكان كثير الصدقة طارحاً للتكلف، قائماً في الحق، ناظراً للسنة، قامعاً لأهل البدعة، مبطلاً للمكوس والمظالم، معظماً عند الملوك، أبطَلَ في دولة الأشرف مكس الملاهي، وأبطل في دولة المنصور مكس القراريط، وكان مكس القراريط كثير الشناعة جداً، وعرض عليه الملك المنصور أيام طشتمر قضاء الديار المصرية فامتنع.
وقال شيخنا الشيخ شهاب الدين ابن حجر -رحمه الله تعالى- في ترجمة الشيخ- طلب العلم في صغره وحصل الفقه والنحو والفرائض وشارك
стр. 31
في الأصول وغيره وفاق الأقران في الفقه ثم أقبل على الحديث وحفظ متونه ورجاله فحفظ من ذلك شيئاً كثيراً، وكان في الجملة أحفظ الناس لمذهب الشافعي، واشتهر بذلك وطبقة شيوخه موجودون وبَعُدَ صيتُه ثم قدم علينا قاضياً بالشام وهو إذ ذاك كهلٌ فبُهِر الناس بحفظه وحسن عبارته وجودَةِ معرفته وخضع له الشيوخ في ذلك الوقت واعترفوا بفضله ثم رجع إلى بلده وبنى مدرسته بالقاهرة وأثرى وكثر ماله، وتصدر للفتوى والإشغال، وكان يعول الناس في ذلك كله عليه ورحلوا إليه، وكثر طلبته في البلاد وأفتوا ودرسوا وصاروا شيوخ بلادهم في أيامه، وكان صحيح الحفظ قليل النسيان ثم صار له اختيارات يفتي بها وله نَظْم كثير متوسط في الحكم والمواعظ ونحو ذلك، وله تصانيف كثيرة لم تتم، يصنف قطعاً ثم يتركها، وقلمه لا يشبه لسانه -انتهى كلام الشيخ شهاب الدين ابن حجر.
قلت: والسبب في عدم إكماله المصنفات كما قال ولده القاضي جلال الدين لاشتغاله بالإشغال والتدريس والإفتاء.
ومن مصنفاته: كتاب محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح في علوم الحديث، وتصحيح المنهاج في مجلدات أكمل منه الربع الأخير في خمسة أجزاء ومن النكاح جزءٌ ونصف، والكشاف على الكشاف وصل فيه إلى أثناء البقرة في ثلاث مجلدات ضخمة، وشرح البخاري كتب خمسين كُرَّاساً على أحاديث يسيرة إلى أثناء الإيمان سماه بالفيض الجاري على صحيح البخاري، والعرف الشذي على جامع الترمذي كتب منه قطعةً صالحة، ومنهج الأصلين أكمل منه أصل الدين، وكتب قريباً من نصف أصول الفقه والنصوص والنقول عن الشافعي كتب منه قطعة صالحة، وفتاويه مشهورة لكنها غير مرتبة وقد شرع في تتبعها وترتيبها بعض طلبة اليوم، والتدريب في الفقه وصل فيه إلى الرَّضاع وهو كتاب نفيس فيه ضوابط حسنةٌ في أول الأبواب، وحواشي الروضة في أجزاء، والفوائد المَحْضَةُ على الرافعي والروضة، والمُلِمَّات على المهمات، وإظهار المستند في تعدد الجمعة في البلد -عارض فيه السبكي لمنعه التعدد، والدلائل المحققة في الوقف على طبقة بعد طبقة - رداً على السبكي أيضاً في كتابه المباحث
стр. 32
المشرقة، والتعقب للواجب على الآمدي وابن الحاجب، وتلخيص المثال في تهذيب الكمال، وزهر الربيع في فنون المعاني والبيان والبديع، والفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام وهو كتاب نفيس وقفتُ على بعضه وكتبت منه على نسختي بالقواعد.
وهذه المصنفات أيضاً لم يكملها والسبب فيه ما تقدم فإنه كان مشتغلاً في أول النهار بالدروس في مدارسه وبعد العصر إلى الغروب في الفتاوى.
وبالجملة وكان رحمه الله تعالى إمام زمانه وفارس ميدانه، لو رآه الشافعي لسره فضله ولأُعجب به.
وتخرج على المذكور فضلاء عصره من أهل مصر والشام وغيرهما من البلدان حتى صاروا أئمة المذهب وقضاة الإسلام، منهم ولداه العلامتان القاضيان بدر الدين وجلال الدين وشيخنا العلامة قاضي القضاة وليُّ الدين ابن العراقي والبياجرة الثلاثة برهان الدين وشمس الدين ونور الدين، وكذلك البرماوية الثلاثة مجد الدين وشيخنا شمس الدين وفخر الدين، وممن تخرج عليه أيضاً العلامة زين الدين الفارس كوري والعلامة بدر الدين الزركشي فيما قيل والعلامتان الرشيدي والحسيني، وممن تخرج عليه أيضاً من علماء دمشق شيخنا العلامة محيي الدين المصري وأجازه بالإفتاء في سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، كما ذكر لي ذلك في إذنه لي بالإفتاء أول سنة ست وثلاثين وثمان مائة والعلامتان جمال الدين الطيماني وبدر الدين ابن قاضي أذرعات وغير ذلك من الأئمة لا سبيل إلى حصرهم.
وأما الوالد فإنه -رحمه الله تعالى- بحث معه وأخذ عنه في رحلاته إلى الشام مع الظاهر وآخرها سنة ست وتسعين وسبع مائة وأعجب به الشيخ وعظمه وفضله على بعض مشايخه وعلى أقرانه وأثنى عليه ثناءً حسناً ووصفه بالمهارة في العلوم الكثيرة.
وعاد الشيخ إلى بلده معتكفاً على نشر العلم إلى أن قاربته المنية، فضعف أياماً يسيرة ثم أفاق، ثم تزايد به الوجع في ذي القعدة فمات في يوم الجمعة عاشر ذي القعدة سنة خمس وثمان مائة عن إحدى وثمانين سنة
стр. 33
وثلاثة أشهر وعظم المصاب به سيما على أهل خرقته وأخرج يوم السبت وحضره الجمع الغفير وكان يوماً مشهوداً وتقدم للصلاة عليه ولده قاضي القضاة جلال الدين، ودفن في مدرسته ورثاه جماعة من الأئمة منهم رفيقه الإمام الحافظ الكبير أبو الفضل العراقي فقال:
والله يبقي شيخ المسلمين لنا ... غناً عن الماضين للمتجدد
يحل في دروسه ما أُعضلت ... من المسائل الصعاب العُنَّد
يقعد للفتيا بعد عصره ... إلى غروبها بغير مقعد
يأتون من فجاج الأرض ... واردين بحر علومه الفتيِّ المورد
فيسألون لا يَرُدُّ سائلاً ... إلا بخطِّ أو بقول مرشد
وجمع الله شملنا ... في جَنَّةٍ ومنزل مخلد
بعد صلاة وسلام ... على النبيّ الأبطحي الأمجد
ومنهم تلميذه شيخنا الإمام الحافظ شهاب الدين ابن حجر -أينع الله ظلاله- رثاه بقصيدة طويلة ولكنها بديعية حسنة فأحببت أن أذكرها وهي قوله:
يا عين جودي لفقد البحر بالمطر ... وأذري الدموع ولا تبقي ولا تذري
إلى آخرها لأنها تطول الفصل، فإن شهرتها تغني عن ذكرها بكمالها.
ورثاه جماعة كثيرة نظماً ونثراً قد استوعبها ولديه القاضي جلال الدين وعلم الدين في ترجمة أبيهما وكل منهما ترجمه بمجلد، وأحسن المراثي ما ذكرناه. وقد وقفت على الكتابين المذكورين وأثبت منهما في ترجمته المقصود.
وأما الذي مُدح به في حياته فكثير لا ينحصر من شعراء عصره وأُدبائهم، منهم ابن حبيب الحلبي وغيره.
وأحسن ما وقفت عليه من ذلك مدح المحدث الفاضل الشيخ ناصر الدين بن عشائر الحلبي وقد ضمنها ببعض علوم الحديث وهي على
стр. 34
روية بانت سعاد فأحببت أن أذكرها فإنها بديعة وهي قوله:
رفقاً سعاد فعقد الصبر محلول ... وسيف عزمي عن السلوان مغلولُ
حديث حبك مشهور ومتصل ... وينشد عن ضعيف وهو مقبولُ
وحب غيرك مرفوع ومنقطع ... مدَلَّسٌ مهملٌ زور ومعلولُ
صحيح قول عذولي منكرٌ أبداً ... معللٌ وهو متروك ومجهولُ
رفقاً بمضطرب والسقم أنحله ... لم يبقَ من رسمه إلا التماثيلُ
لا تسمعي شاذ قول فيه مخرجه ... ومبهم الحال أضحى وهو معقولُ
مسلسل حزنه بالدمع متفق ... والصبر مفترق عنه ومسلولُ
مقطوع قلب بإفراد القوى دَلِفٌ ... والخط مختلف بالبعض منحولُ
إنَّ الوصال وأياماً به سلفت ... كمرسل قد تقضى وهو مأمولُ
لم أنسها ومدام الثغر. . . . ... للصب منه شفاء فيه تعليلُ
وناسخ الوصل منسوخ بما سمحت ... من وصلها بعدما أعيت أباطيلُ
ما زلت أعتبها والليل يحرسنا ... حتى بدا صارم الإصباح مسلولُ
وساء ذكر حالي من مهاجرها ... معنعناً وعزيز الدمع مبذولُ
حان الزمان وسارت وهي هاجرة ... . . . . الدار. . .
ومبتدا خبري قلبي لفرقتها ... في مركب الشوق موضوع ومحمولُ
ومعضل الأمر موقوف على كرم ... معاندٍ من وصال وهو موصولُ
يا لائم الصب في حبِّ ومدمعه ... مُدَبَّجٌ بدماء القلب مهمولُ
لا تعذِلَنَّ وأقلل من ملامته ... ما القلب عنها ولو أكثرت معدولُ
وحَسبيَ اليوم عالمٌ ورعٌ ... في رأس ذا القرن بالإرسال مهمولُ
يا واحد العصر في علم وفي عمل ... وقوله في أمور الدين مقبولُ
تغرب العبد عن أوطانه ثقةً ... بأن يفوز بما في القلب مأمولُ
أَوْعَدْتَ أن دروسي قبل كل منىً ... ولا يميلك عنه الآن تحويلُ
فَأَنْجِزِ الوعد إن العبد في قلق ... إن الكريم عن الإيعاد مسؤولُ
أدامك الله في عزٍ وفي شرفٍ ... وفي نعيم بأهنى العيش موصولُ
стр. 35
قول الشيخ ناصر الدين ابن عشائر في بعض هذه الأبيات: "في رأس ذا القرن" إشارة إلى الحديث المشهور المرفوع ولفظه: "إن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يصحح لهذه الأمة دينها".
قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: - فنظرنا في المائة الأولى فإذا هو عمر بن عبد العزيز، ونظرنا في المائة الثانية فنراه الشافعي ﵀ وقد تكلم القاضي تاج الدين السبكي في طبقاته الوسطى على هذا الحديث ونظم في الجماعة الذين جدد الله بهم دينه في كل رأس مائة سنة إلى زمانه.
وملخص ما قالة بعد كلام الإمام أحمد في عمر بن عبد العزيز والشافعي، أن في المائة الثالثة ابن سريج وهو الإمام أبو العباس إمام الشافعية في زمنه وشهرته تغني عن الإطناب في أمره، ومنهم من قال أنه أبو الحسن الأشعري المتكلم وإليه جَنَحَ الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تبيين كذب المفتري.
وفي المائة الرابعة اختلفوا في ثلاثة فمن قائل أنه الأستاذ أبو الطيب بن الأستاذ أبي سهل الصعلوكي الإمام بن الإمام رئيس الشافعية في زمنه، ومن قائل أنه الإمام أبو حامد الإسفرايني إمام الشافعية ورأس العراقيين كالقفال في الخراسانيين، ومن قائل أنه القاضي أبو بكر ابن أبي الطيب الباقلاني تلميذ الأشعري المتقدم وإليه جنح أيضاً الحافظ ابن عساكر في كتابه المتقدم، أو يقال ذاك في فروع الإسلام وهذا في أصوله، كما جمع بهذا الكلام الوجهان بين الأشعري وابن سريج في المائة الثالثة وليس ببعيد.
وفي الخامسة بلا تردد حجة الإسلام الغزالي.
والسادسة على ما عليه الأكثر أنه الإمام فخر الدين الرازي وقيل الرافعي، ويمكن الجمع بينهما بما تقدم.
والسابعة بلا تردد الإمام تقي الدين القشيري المشهور بابن دقيق العيد.
стр. 36
وكل هؤلاء من أئمتنا المختلف فيهم والمرجح منهم إلا القاضي ابن أبي الطيب الباقلاني فإنه مالكي على ما نص عليه جماعة من العلماء ومنهم الحافظ أبو سعد ابن السمعاني وغيره، وبعضهم أنه شافعي والله أعلم.
قلت: والذي يظهر أن المبعوث في الثامنة الشيخ صاحب الترجمة، وقد صرح بذلك جماعة منهم المحدث ناظم هذه القصيدة، وقد مات قبل الشيخ بمدة قبل انقضاء القرن وكذلك غيره كما وقفت عليه من كلام أئمة هذا الشأن والعلامة المختصة موجودة فيه فإنه ﵀ كان رأس علماء هذا القرن كما أن الشافعي وابن سريج والغزالي ومن ذكرناه قبل، كل منهم تأخر إلى أول القرن الذي يليه، وهذا من العلامة المذكورة من الشارع وإليها الإشارة بقوله ﷺ : "على رأس كل مائة عام" الحديث المتقدم، وأيضاً فهو المشار إليه من بين أقرانه، لا ينكر هذا إلا جاهل بأيام الناس أو جاحد.
قال شيخنا حافظ عصره قاضي القضاة ابن حجر في ترجمة الشيخ: وشهد جمعٌ جمٌّ أنه العالم الذي على رأس القرن.
وممن رأيت خَطَّه بذلك في حقه الحافظ أبو الفضل ابن العراقي، بعد أن كان يصرح قديماً أن الأمر قد اقترب وانقضى ذلك، فلما انسلخ القرن ودخل القرن الآخر وصادف الشهرة التي حصلت للشيخ جزم في حقه بذلك -رحمهما الله تعالى- قلت: ويكفي الشيخ شهادة حافظ الإسلام في زمنه وحده له بذلك، لا سيما وقد ذكرنا جماعة ممن شهد له بذلك، فلا ريب فيه والله أعلم.
ورئيت له منامات صالحة بعد موته، وظهر له ومنه كشف في حياته، فمن الأول قال ولده شيخنا شيخ الإسلام جلال الدين: أخبرني صاحبنا العلامة جمال الدين السفردي أن الشيخ شهاب الدين ابن الخياط المقرئ العالم في ليلة الجمعة سادس عشر ذي الحجة رأى أن الشيخ جالس بمدرسته وهي مبيضة بياضاً حسناً إلى الغاية وولده القاضي جلال الدين إلى جانبه وهي مُكْتَسِيَة حصراً عيدواني من أحسن ما يكون والشيخ يتكلم بصوت جهوري على العادة، والشيخ شهاب الدين، قال شخص بجانبه: الشيخ قد مات، فقال له: أما علمت أن العلماء أحياء.
стр. 37
قال القاضي جلال الدين: وأخبرني الشيخ السنباطي قاري الميعاد أنه رأى شيخ الإسلام فقال له: قل لطلبتي يشتغلوا بالعلم فإن طلبتي عند الله علماء.
ورأى في ليلة أخرى القاضي بدر الدين بن أبي البقاء فقال له كيف حالك؟ فقال: بخير، ثم قال له: كيف حال شيخ الإسلام؟ فقال: ومن مثل شيخ الإسلام؟ ثم ذكر عدة منامات حسنة.
ومما وقع له في حياته أنه لما سمع الناس بكسرةِ الناصر على باب دمشق مع تمرلنك اللعين على طريقِهِ، عزّم المتكلم الأشعري أهل مصر على الجلاء إلى القبلي والبحري، قال ولده جلال الدين في فتاويه في ذلك: فأتى وأفهمني أن تمرلنك لا يدخل إلى مصر، فكان كما فهمه عنه، فأمر بقراءة كتابي البخاري ومسلم فقرئا عليه ثم ختما ثم جاء الخبر بعد ذلك بتوجه تمرلنك إلى بلاده.
ومن ذلك أنه كان يقول لي في حياة الأخ -رحمه الله تعالى- وكان أكبر مني بأكثر من أربع سنين: إنك تكون خليفتي.
وكتب لي على سؤال سألته عنه: وأنا أدعو الله للولد أن يكون خليفتي، اللهم أجب سؤالي وأصلح حال خليفتي وحالي، فكان كما قال ﵁.
انتهى والله أعلم.
* * *
قاضي (١) القضاة صدر الدين المناوي
محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن الإمام العلامة
стр. 38
صدر الدين أبو المعالي السلمي المناوي المصري قاضي القضاة بالديار المصرية.
مولده بها في رمضان سنة اثنين وأربعين وسبع مائة، وأبوه حينئذ ينوب عن القاضي عز الدين ابن جماعة، وأمه بنت القاضي زين الدين البسطامي الحنفي، ونشأ المذكور في سعادة وحشمة.
وحفظ القرآن العظيم ثم التنبيه وغيره من المحفوظات، وسمع من الميدومي والأربلي وابن عبد الهادي وجماعة من أصحاب ابن عبد الدائم والنجيب ومن بعدهم، وخرّج له شيخنا الحافظ أبو زرعة ابن العراقي مشيخة في خمسة أجزاء.
وبرع في العلوم وترقّى ودرّس، وأفتى وصنّف، وناب في الحكم وهو شاب ووليّ إفتاء دار العدل، وتدريس الشيخونية والمنصورية وغير ذلك، ثم ولي قضاء القاهرة استقلالاً أربع مرات في نحو خمس سنين في مدة إحدى عشرة سنة ونصف.
قال شيخنا الحافظ ابن حجر: وكتب شيئاً على جامع المختصرات، وخرّج أحاديث المصابيح وتكلم على مواضع منه وحدّث، حضرت بعض المجالس عليه، وكان كثير التردد إلى الناس مهاباً شهماً معظماً عند الخاص والعام، وله صورة كبيرة وحشمة بالغة وكلمة نافذة ويسار ظاهر.
وكان منذ نشأ يسلك طريق القاضي شهاب الدين ابن جماعة في التعاظم ثم ألان جانبه بعد الاستقلال بالقضاء.
وكانت له عناية بتحصيل الكتب النفيسة فحصّل منها شيئاً كثيراً عرف بعده.
وكان يهاب الملك الظاهر برقوق فلما مات أمن على نفسه وتحقق أنهم لا يقدمون على عزله لما تحقق له من المهابة فسافر مع العسكر إلى قتال تمرلنك فازدادت حرمته وعظم فوق ما في نفسه، ثم سافر معهم إلى قتال تمرلنك فانعكس الأمر وأُسر وأُهين وسافروا به وهو مقيد فغرق في نهر الزاب من الفرات في شوال سنة ثلاث وثمان مائة، بعد أن قاسى أهوالاً.
стр. 39
ومن العجائب أنه كان يهاب ركوب البحر فكان لا يتوجه إلى منزلهم بالروضة بجانب المقياس أيام زيادة النيل خشية من ركوب البحر، فاتفق أنه لم يمت إلا غريقاً -رحمه الله تعالى وعفى عنه- انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
قلت وهو من أئمة الحديث وله. . . فيه، وله مشاركة في غيره من الفنون، وكان الشيخ ممن يعترف له بالفضل ويراعيه، وأخذ من الشيخ وظائف لما ولّي القضاء ثم أعيد بعضها إليه بدخول الكبار.
وكان المذكور له إقدام وعنده شمم، وفي يده جهات كثيرة من المناصب الكبار.
وقد أثنى عليه الشيخ شهاب الدين ابن حجر في تاريخه ووصفه بالعفة في مباشرته، وبالعلم وكان بينهما صحبة ومكاتبات.
مات المذكور في شوال كما تقدم سنة الفتنة وهي سنة ثلاث وثمان مائة -رحمه الله تعالى-.
* * *
بدر الدين (١) ابن العصياتي
محمد بن إبراهيم بن أيوب العلامة بدر الدين ابن العصياتي الحمصي. تفقه بدمشق مدة على بعض مشايخها بالبادرائية، وشارك في الفضائل وسمع الصحيح على بعض أصحاب ابن الشحنة، وتوطن ببلده وصار شيخها وانتفع به جماعة هناك، وأفتى ودرّس ووعظ فانتفع به الخاصة والعامة.
стр. 40
قال شيخنا ابن حجر: وكتب شيئاً على التنبيه وسمع صحيح مسلم والنسائي على ابن الكويك.
مات في أوائل سنة أربع وثلاثين وثمان مائة عن ستين ظناً ولم يخلف بعده هناك مثله -رحمه الله تعالى وإيانا بكرمه-.
* * *
القلقشندي وبيته
محمد بن (١) إسماعيل بن علي بن أبي الحسن بن سعيد بن صالح بن عبد الله بن صالح الشهير بالقلقشندي المصري الأصل ثم القدسي، الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله بن الإمام العلامة تقي الدين شيخ الشافعية في زمنه ببيت المقدس الشريف.
أخذ عن والده، وأخذ عن والدي أيضاً شيخ الإسلام الوالد -الأصول قبل رحلته إلى الشام، وقد ذكره في شرحه للمنهاج في موضعين أو ثلاثة.
وكان والده (٢) من الأئمة الأعلام المتضلعين بعلوم الشريعة فقهاً وأصولاً وحديثاً وغير ذلك، لقي الأئمة الكبار وأخذ عنهم كالفخر المصري وأجازه بالإفتاء، وسمع الحديث الكثير وحدّث، وأقام بالقدس متصدياً لنشر العلم، وأقرأ الطلبة، وممن انتفع عليه من الطلبة كما قال الحسباني، وكان حافظاً للمذهب يستحضر الروضة فيما قيل، وكان ديناً خيراً، مولده سنة