وكل هؤلاء من أئمتنا المختلف فيهم والمرجح منهم إلا القاضي ابن أبي الطيب الباقلاني فإنه مالكي على ما نص عليه جماعة من العلماء ومنهم الحافظ أبو سعد ابن السمعاني وغيره، وبعضهم أنه شافعي والله أعلم.
قلت: والذي يظهر أن المبعوث في الثامنة الشيخ صاحب الترجمة، وقد صرح بذلك جماعة منهم المحدث ناظم هذه القصيدة، وقد مات قبل الشيخ بمدة قبل انقضاء القرن وكذلك غيره كما وقفت عليه من كلام أئمة هذا الشأن والعلامة المختصة موجودة فيه فإنه ﵀ كان رأس علماء هذا القرن كما أن الشافعي وابن سريج والغزالي ومن ذكرناه قبل، كل منهم تأخر إلى أول القرن الذي يليه، وهذا من العلامة المذكورة من الشارع وإليها الإشارة بقوله ﷺ : "على رأس كل مائة عام" الحديث المتقدم، وأيضاً فهو المشار إليه من بين أقرانه، لا ينكر هذا إلا جاهل بأيام الناس أو جاحد.
قال شيخنا حافظ عصره قاضي القضاة ابن حجر في ترجمة الشيخ: وشهد جمعٌ جمٌّ أنه العالم الذي على رأس القرن.
وممن رأيت خَطَّه بذلك في حقه الحافظ أبو الفضل ابن العراقي، بعد أن كان يصرح قديماً أن الأمر قد اقترب وانقضى ذلك، فلما انسلخ القرن ودخل القرن الآخر وصادف الشهرة التي حصلت للشيخ جزم في حقه بذلك -رحمهما الله تعالى- قلت: ويكفي الشيخ شهادة حافظ الإسلام في زمنه وحده له بذلك، لا سيما وقد ذكرنا جماعة ممن شهد له بذلك، فلا ريب فيه والله أعلم.
ورئيت له منامات صالحة بعد موته، وظهر له ومنه كشف في حياته، فمن الأول قال ولده شيخنا شيخ الإسلام جلال الدين: أخبرني صاحبنا العلامة جمال الدين السفردي أن الشيخ شهاب الدين ابن الخياط المقرئ العالم في ليلة الجمعة سادس عشر ذي الحجة رأى أن الشيخ جالس بمدرسته وهي مبيضة بياضاً حسناً إلى الغاية وولده القاضي جلال الدين إلى جانبه وهي مُكْتَسِيَة حصراً عيدواني من أحسن ما يكون والشيخ يتكلم بصوت جهوري على العادة، والشيخ شهاب الدين، قال شخص بجانبه: الشيخ قد مات، فقال له: أما علمت أن العلماء أحياء.
стр. 37
قال القاضي جلال الدين: وأخبرني الشيخ السنباطي قاري الميعاد أنه رأى شيخ الإسلام فقال له: قل لطلبتي يشتغلوا بالعلم فإن طلبتي عند الله علماء.
ورأى في ليلة أخرى القاضي بدر الدين بن أبي البقاء فقال له كيف حالك؟ فقال: بخير، ثم قال له: كيف حال شيخ الإسلام؟ فقال: ومن مثل شيخ الإسلام؟ ثم ذكر عدة منامات حسنة.
ومما وقع له في حياته أنه لما سمع الناس بكسرةِ الناصر على باب دمشق مع تمرلنك اللعين على طريقِهِ، عزّم المتكلم الأشعري أهل مصر على الجلاء إلى القبلي والبحري، قال ولده جلال الدين في فتاويه في ذلك: فأتى وأفهمني أن تمرلنك لا يدخل إلى مصر، فكان كما فهمه عنه، فأمر بقراءة كتابي البخاري ومسلم فقرئا عليه ثم ختما ثم جاء الخبر بعد ذلك بتوجه تمرلنك إلى بلاده.
ومن ذلك أنه كان يقول لي في حياة الأخ -رحمه الله تعالى- وكان أكبر مني بأكثر من أربع سنين: إنك تكون خليفتي.
وكتب لي على سؤال سألته عنه: وأنا أدعو الله للولد أن يكون خليفتي، اللهم أجب سؤالي وأصلح حال خليفتي وحالي، فكان كما قال ﵁.
انتهى والله أعلم.
* * *
قاضي (١) القضاة صدر الدين المناوي
محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن الإمام العلامة
стр. 38
صدر الدين أبو المعالي السلمي المناوي المصري قاضي القضاة بالديار المصرية.
مولده بها في رمضان سنة اثنين وأربعين وسبع مائة، وأبوه حينئذ ينوب عن القاضي عز الدين ابن جماعة، وأمه بنت القاضي زين الدين البسطامي الحنفي، ونشأ المذكور في سعادة وحشمة.
وحفظ القرآن العظيم ثم التنبيه وغيره من المحفوظات، وسمع من الميدومي والأربلي وابن عبد الهادي وجماعة من أصحاب ابن عبد الدائم والنجيب ومن بعدهم، وخرّج له شيخنا الحافظ أبو زرعة ابن العراقي مشيخة في خمسة أجزاء.
وبرع في العلوم وترقّى ودرّس، وأفتى وصنّف، وناب في الحكم وهو شاب ووليّ إفتاء دار العدل، وتدريس الشيخونية والمنصورية وغير ذلك، ثم ولي قضاء القاهرة استقلالاً أربع مرات في نحو خمس سنين في مدة إحدى عشرة سنة ونصف.
قال شيخنا الحافظ ابن حجر: وكتب شيئاً على جامع المختصرات، وخرّج أحاديث المصابيح وتكلم على مواضع منه وحدّث، حضرت بعض المجالس عليه، وكان كثير التردد إلى الناس مهاباً شهماً معظماً عند الخاص والعام، وله صورة كبيرة وحشمة بالغة وكلمة نافذة ويسار ظاهر.
وكان منذ نشأ يسلك طريق القاضي شهاب الدين ابن جماعة في التعاظم ثم ألان جانبه بعد الاستقلال بالقضاء.
وكانت له عناية بتحصيل الكتب النفيسة فحصّل منها شيئاً كثيراً عرف بعده.
وكان يهاب الملك الظاهر برقوق فلما مات أمن على نفسه وتحقق أنهم لا يقدمون على عزله لما تحقق له من المهابة فسافر مع العسكر إلى قتال تمرلنك فازدادت حرمته وعظم فوق ما في نفسه، ثم سافر معهم إلى قتال تمرلنك فانعكس الأمر وأُسر وأُهين وسافروا به وهو مقيد فغرق في نهر الزاب من الفرات في شوال سنة ثلاث وثمان مائة، بعد أن قاسى أهوالاً.
стр. 39
ومن العجائب أنه كان يهاب ركوب البحر فكان لا يتوجه إلى منزلهم بالروضة بجانب المقياس أيام زيادة النيل خشية من ركوب البحر، فاتفق أنه لم يمت إلا غريقاً -رحمه الله تعالى وعفى عنه- انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
قلت وهو من أئمة الحديث وله. . . فيه، وله مشاركة في غيره من الفنون، وكان الشيخ ممن يعترف له بالفضل ويراعيه، وأخذ من الشيخ وظائف لما ولّي القضاء ثم أعيد بعضها إليه بدخول الكبار.
وكان المذكور له إقدام وعنده شمم، وفي يده جهات كثيرة من المناصب الكبار.
وقد أثنى عليه الشيخ شهاب الدين ابن حجر في تاريخه ووصفه بالعفة في مباشرته، وبالعلم وكان بينهما صحبة ومكاتبات.
مات المذكور في شوال كما تقدم سنة الفتنة وهي سنة ثلاث وثمان مائة -رحمه الله تعالى-.
* * *
بدر الدين (١) ابن العصياتي
محمد بن إبراهيم بن أيوب العلامة بدر الدين ابن العصياتي الحمصي. تفقه بدمشق مدة على بعض مشايخها بالبادرائية، وشارك في الفضائل وسمع الصحيح على بعض أصحاب ابن الشحنة، وتوطن ببلده وصار شيخها وانتفع به جماعة هناك، وأفتى ودرّس ووعظ فانتفع به الخاصة والعامة.
стр. 40
قال شيخنا ابن حجر: وكتب شيئاً على التنبيه وسمع صحيح مسلم والنسائي على ابن الكويك.
مات في أوائل سنة أربع وثلاثين وثمان مائة عن ستين ظناً ولم يخلف بعده هناك مثله -رحمه الله تعالى وإيانا بكرمه-.
* * *
القلقشندي وبيته
محمد بن (١) إسماعيل بن علي بن أبي الحسن بن سعيد بن صالح بن عبد الله بن صالح الشهير بالقلقشندي المصري الأصل ثم القدسي، الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله بن الإمام العلامة تقي الدين شيخ الشافعية في زمنه ببيت المقدس الشريف.
أخذ عن والده، وأخذ عن والدي أيضاً شيخ الإسلام الوالد -الأصول قبل رحلته إلى الشام، وقد ذكره في شرحه للمنهاج في موضعين أو ثلاثة.
وكان والده (٢) من الأئمة الأعلام المتضلعين بعلوم الشريعة فقهاً وأصولاً وحديثاً وغير ذلك، لقي الأئمة الكبار وأخذ عنهم كالفخر المصري وأجازه بالإفتاء، وسمع الحديث الكثير وحدّث، وأقام بالقدس متصدياً لنشر العلم، وأقرأ الطلبة، وممن انتفع عليه من الطلبة كما قال الحسباني، وكان حافظاً للمذهب يستحضر الروضة فيما قيل، وكان ديناً خيراً، مولده سنة
стр. 41
اثنين وسبع مائة بمصر، وقرأ بها وحصّل ثم قدم دمشق بعد الثلاثين فقرأ على الشيخ فخر الدين المصري وأجازه كما تقدم، ثم أقام بالقدس الشريف وصاهر الشيخ صلاح الدين العلائي وصار معيداً عنده بالصلاحية، وجاءه من بنت الشيخ صلاح الدين عدة أولاد فضلاء أذكياء علماء، واشتهر أمره وبعد صيته بتلك البلاد ورحل إليه من تلك النواحي جماعة من الطلبة وصاروا أئمة، ويقال أن العلائي مع عظمته وجلالته انتفع به في الفقه، والحق أن كلاً منهما انتفع بصاحبه، ومات في جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وسبع مائة، وخلف ولدين عالمين أجلهما صاحب الترجمة المذكور.
فلنعد إلى ما نحن بصدده من ترجمة، ولد الشيخ شمس الدين سنة خمس وأربعين وسبع مائة.
وسمع من المنذري وأخذ العلم عن أبيه وجده الإمام صلاح الدين العلائي.
قال شيخنا الحافظ ابن حجر أبقاه الله تعالى: اشتغل ومهر وساد حتى صار شيخ القدس في الفتوى والتدريس كأبيه وسمعت منه. انتهى.
قلت: ورحل إلى القاهرة واجتمع بالشيخ وسأله مسائل وأثنى الشيخ عليه ثناءً بالغاً.
ورجع إلى بلده يفتي ويدرس ويفيد إلى أن توفي بها في شهر رجب سنة تسع وثمان مائة، ودفن عند والده وأخيه في الحرش المقابل لزاوية القلندرية وتربة بهادر "بماملا" المقبرة الشهيرة ببيت المقدس غربي البلد، وقد زرته في رحلتي لزيارة بيت المقدس مع جماعة من المشايخ في المقبرة المذكورة.
وعقب المذكور عدة أولاد أجلهم * زين الدين عبد الرحيم (١) أخذ عن والده وفضل وانتهى وبرع إلى أن صار بعد والده عين الشافعية ببيت المقدس وخطب بالمسجد الأقصى. . . . ولما سكن القاضي شمس الدين الهروي هناك حصل بينهما شرور ومرافعات وقوي الهروي عليه.
стр. 42
قال شيخنا شيخ الشافعية الشيخ تقي الدين ابن قاضي شهبة: وقد رأيت خطه على فتوى وهي تدل على كثرة استحضاره وجودة ذهنه وتصرفه، لا أعلم من حاله شيئاً غير ذلك.
توفي سنة عشرين وثمان مائة عن نحو خمسين سنة.
والثاني (١) من أولاده الشيخ شمس الدين عبد الرحمن، سمع من أبيه وخاله الشيخ شهاب الدين العلائي، ورحل إلى الشام فأخذ عن الشيخ شهاب الدين ابن حجي ثم قدم القاهرة مراراً، وعلق الكثير بخطه وكان حسن الخط.
توفي في ذي القعدة سنة ست وعشرين وثمان مائة. انتهى.
قلت: والثالث (٢) صاحبنا تقي الدين أحد الأعيان اليوم ببيت المقدس، له اشتغال، حضر عند والده وغيره، ورحل إلى الشام وأخذ عن بعض علمائها، وبحث مع الشيخ علاء الدين بن سلام بحضرة القاضي نجم الدين بن حجي وعمه أخو الشيخ شمس الدين فهو العلامة برهان الدين إبراهيم -كان عالماً فاضلاً في فنون وله في المعقولات يدٌ طولى لا سيما اللغة، مات قبل أخيه بمدة كهلاً رحمه الله تعالى.
قلت: إن مولده سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، وحصل له رئاسة عظيمة في الدولة الأشرفية.
قال شيخنا الشيخ برهان الدين البقاعي في معجمه: وما زال يخالط الأكابر بحسن الآداب، ويستجلب القلوب إلى أن صار رئيس القدس بغير مدافع، وملجأهم عند المعضلات بلا نزاع.
توفي رحمه الله تعالى نهار الخميس ثاني عشر جمادى الآخرة سنة سبع وستين، وصلي عليه بالمسجد الأقصى الشريف ودفن بباب اللد بالزاوية القلندرية رحمه الله تعالى آمين.
стр. 43
الونائي
محمد بن (١) إسماعيل بن محمد الونائي القرافي المصري الشافعي العلامة قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله.
اشتغل في صباه على جماعة من علماء عصره وقرأ التنبيه وغيره من المحفوظات المختصرة في الفتوى، وتميز ومهر في الفقه والنحو والأصول وشارك في غيرها.
وأخذ عن شيخنا الإمام شمس الدين البرماوي ولزمه في سنة سبع وثمان مائة، كما أخبرني بذلك وأذن له في الإفتاء والإشغال ولما حج شيخنا أمره بإشغال جماعة من طلبته.
ولازم الشيخ علاء الدين البخاري وقرأ عليه في الأصول، وكان البخاري يعده من فضلاء عصره ويذكره هو وتلميذه الآخر رفيق المذكور العلامة شمس الدين القاياتي.
ولما ولت تلك الحلبة صار المذكور من أعيان مشايخ الفضلاء ولازم العلم والإقراء بجامع الأقمر وتخرج عليه جماعة، ثم ولي تدريس الشيخونية عن ابن المحمرة، وخطب بعد ذلك لقضاء الشافعية بدمشق فولي بها مرتين ثم رجع إلى بلده ملازماً للإشغال وقرئ عليه بدمشق الروضة في درسين وأظنه لم يكملها، وخطب إلى قضاء مصر وغيره فلم يتم ذلك، وكان يرجع إلى دين ومحاسنه كثيرة.
توفي في سابع عشر صفر سنة تسع وأربعين وثمان مائة عن ستين سنة رحمه الله تعالى وإيانا بكرمه.
وونا قرية من أعمال مصر.
стр. 44
ابن كثير
محمد بن إسماعيل (١) بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء بن درع القرشي البصروي ثم الدمشقي المحدث الفاضل بدر الدين، أبو عبد الله بن الإمام العلامة الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير صاحب المصنفات المشهورة.
مولده في ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وسبعمائة.
قال الشيخ شهاب الدين ابن حجر: وتوفي شيخنا والده قبل اشتغاله، فقرأ التنبيه، ثم أقبل على سماع الحديث وطلبه فقرأ وحصل وفهم، وسافر إلى القاهرة واشتغل بها ثم رجع إلى دمشق.
وباشر مشيخة الحديث بأم الصالح وغيرها، وكتب بخطه أشياء وعلق تاريخاً للحوادث الواقعة في أيامه ونشر فيه أشياء غريبة -عُدم في الفتنة-.
قال: وكان ذكياً جيد الفهم.
مات في الرملة في ربيع الأول سنة ثلاث وثمان مائة عن أربع وأربعين سنة.
وكان له أخوة هو أمثلهم ووالده الإمام الحافظ عماد الدين (٢) شهرته تغني عن الإطناب في أمره، صاحب المصنفات الكثيرة النافعة المشهورة.
أخذ الفقه عن الشيخ برهان الدين ابن الفركاح وغيره، والحديث عن الحفاظ المزي والبرزالي والذهبي، وغلب عليه الحديث وله في الفقه والأصول والعربية المشاركة.
стр. 45
وأُذن له بالإفتاء ودرس وأفتى وانتفع به الناس ومن جملتهم العلامة شهاب الدين ابن حجي، وكان كثير التعظيم والإخلاص له.
مولده سنة إحدى وسبع مائة ومات في شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة، وكان أُضر قبل وفاته، ودفن بالصوفية خارج باب النصر بتربة شيخه ابن تيمية.
وقد ذكره غير واحد من الأئمة وترجمه بما هو له أهل وإنما اقتصرنا على هذه النبذة اليسيرة استطراداً في ترجمة ابنه لتتم الفائدة.
* * *
ابن الشاغوري
محمد بن (١) أيوب بن العالم الفاضل المفنن الحبر البارع محب الدين أحد الأولياء والفضلاء المشهورين الشهير بابن الشاغوري.
تفقه على الشيخ شهاب الدين الملكاوي ولزمه وبرع، وعلى غيره من المشايخ وحضر عند شيخ الإسلام الوالد وتلك الحلبة، وحضر المدارس وبحث في الدروس فظهر فضله.
وكان ساكناً خيراً قليل الشر فيه محاسن كثيرة.
ومات في الطاعون سنة تسع عشرة وثمان مائة عن ثلاثين سنة أو أكثر بيسير.
قلت: ووالده (٢) الشيخ العالم المعمر نجم الدين أيوب كان من أعيان الفقهاء ومتقدميهم، أدرك الأئمة قبل الفتنة، وتأدب بآدابهم، وكان عنده همة
стр. 46
ومروءة وعصبية لأصحابه وعنده قوة مع طعنه في السن جاوز الثمانين.
* * *
ابن قوام (١) الصالحي الدمشقي
محمد بن أبي بكر بن قوام الدمشقي الصالحي الفاضل النجيب البارع نور الدين، أحد الأذكياء المشهورين.
اشتغل على الشيخ بهاء الدين ابن إمام المشهد الآتي ترجمته وحضر عند غيره من مشايخ عصره وبرع، وأثنى المشايخ عليه كالوالد وابن نشوان وغيرهما ولما درس وبلغني أن ابن نشوان تعجب من درسه وقال: من أين حصل هذا الشاب الفضل في هذه المدة القليلة، وإنما تعجب لحسن أداءه ومشاركته مع أن جماعة ممن هم في رفقته لم يحصل لهم ذلك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وتقدم على أقرانه وكاد يعين للقضاء، ودرس في الجامع بعد موت الشيخ شهاب الدين ابن نشوان في مكانه فلم تطل المدة ومات في تلك السنة بعده بأيام في ذلك الفصل وذلك في سنة تسع عشرة وثمان مائة عن ثلاثين سنة ظناً ﵀. وكان شكلاً حسناً شجاعاً بلغني أنه في وقت يحضره المشايخ صرع شخصاً ممن هو موسوم بالشجاعة العظمى وغلبه مرات فحقد ذلك الرجل من الغلبة ومات بعد ذلك بمدة وسببه تأثيره منه.
* * *
стр. 47
الشيخ نجم الدين المرجاني
محمد بن (١) أبي بكر بن يوسف المصري الأصل المرجاني المكي الشيخ الإمام العلامة الفاضل النحوي نجم الدين.
مولده سنة ستين أو إحدى وستين وسبع مائة.
سمع الحديث بمكة على القاضي عز الدين ابن جماعة وغيره، وبدمشق من ابن خطيب المزة ويوسف بن الصيرفي وغيرهما، وحدّث وتمكن بالعربية ومتعلقاتها.
قال الحافظ تقي الدين ابن الفاسي: ومهر فيها مع مشاركة في الفقه وغيره وتصدى للتدريس والإفادة كثيراً، ونظم أبياتاً في معنى قواعد الإعراب لابن هشام وفيها زيادات عليها وشرحها، وكتب شرحاً على التنبيه وله نظم حسن وفيه خير ومروءة، ودرس بالمنصورية بمكة.
توفي بها في رجب سنة سبع وعشرين وثمان مائة بتقديم السين رحمه الله تعالى. انتهى.
هذا الرجل كان من أصحاب الوالد المحبين له ومن أصدقائه المشهورين وكان الوالد ينزل عنده في بعض أيام مجاورته وله خصوصية كثيرة، وكان يلازم دروس الوالد بمكة ويسأله عما أشكل عليه وهو الرائي له المنام المشهور الآتي في ترجمة الوالد، ولما مات الوالد بمكة في أثناء سنة اثنين وعشرين كما ستعرفه في ترجمته أوصى إليه تلك المدة علينا، وكنت في تلك السنة قد حفظت المنهاج فعرضته على المذكور من أوله إلى آخره سرداً في ثمان مجالس بالمسجد الحرام على ظهر القلب وبيده نسخة، وكذلك الشيخ الذي لي بيده نسخة أخرى، ولم يقع لي غلط في جميع الكتاب إلا في موضعين وكتب لي إجازة عظيمة بخطه هي عندي في
стр. 48
مجموع مع بقية الإجازات، وتأسف على موت شيخ الإسلام كثيراً حتى كتب لنا بعد ذلك قبيل وفاته كتاباً طويلًا وفيه يقول: وقلّ أن يمضي أحد الصديقين إلا وتبعه الآخر، وقد حصل بفراق سيدي وحبيبي شيخ الإسلام ما حصل فإنا لله وإنا إليه راجعون ثلاثاً ولم يزل بعده في أسف وكمد وتحسر زائد حتى لحقه ودفن بالقرب منه بباب المعلا قريب من سيدتنا خديجة ﵂ وكان ﵀ ذا سياسة ومعرفة تامة كثير التلاوة شاهدته في بعض الليالي بالحرم الشريف المكي قرأ نحو النصف بين المغرب والعشاء مع حسن الأداء ومحاسنه كثيرة.
تغمده الله برحمته وجمع بيننا وبينه في دار كرامته مع جميع أحبائنا والمسلمين أجمعين آمين.
* * *
عز الدين ابن جماعة
محمد بن (١) أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشيخ الإمام العلامة المحقق المفنن الجامع بين أشتات العلوم، فريد العصر عز الدين أبو عبد الله بن الشيخ شرف الدين بن قاضي القضاة عز الدين بن قاضي القضاة بدر الدين الكناني الحموي الأصل المصري، شيخ الديار المصرية في العلوم العقلية.
ولد في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وسبع مائة بطريق ينبع (٢).
стр. 49
وأحضر على الميدومي وأبي الحسن العرضي وأبي عبد الله البياني، وسمع على جده وأجاز له جماعة من شيوخ العصر من مصر والشام، استدعاه الحافظ زين الدين العراقي وحبب إليه الاشتغال فأكب عليه ولم يلتفت إلى شيء من الأشياء إلا إليه فمهر في النحو والمعاني والبيان والمنطق وتوغل في علم الكلام والطب وكان آية من الآيات في معرفة العلوم الأدبية والعقلية والأصلين فأخذ عنه غالب أهل مصر. قال صاحبنا العلامة جمال الدين الطيماني وكان ممن يقرأ عليه وسمع دروسه، قال: وكانت إذ ذاك نحو خمسين درساً في اليوم والليلة في دقائق العلوم.
قال: وكان يستحضر الكفاية لابن الرفعة، ومع ذلك فليس هو ممن يشار إليه في علم الفقه.
وقال شيخنا الحافظ قاضي القضاة ابن حجر في وفياته: أنه فاق الأقران بذكائه وقوة حافظته وحسن تقريره وتصدى للإشغال فكان لا يمل من اطراح التكلف وعدم الحرص والتقنع باليسير.
وصنف التصانيف الكثيرة المبسوطة والمختصرة منها شرح الجوامع وحاشية على العضد، وقد جمع تصانيفه في نحو عشرين فناً ورتبها وهي تزيد على مائتي مصنف ضاع أكثرها بأيدي الطلبة ولم يكن يقرأ كتاباً إلا ويكتب عليه حاشية وما سمع أحد شخصاً في عصره تقريراً أحسن من تقريره.
وقد صنف في العروض وفنون الأدب ولم تكن له ملكة في النظم ولا في حسن الاختصار، وكان من علو همته لا ينظر شيئاً إلا وأحب أن يقف على أصله ويشارك فيه حتى أن له تصنيف في الرمي وفي لعب الرمح والنشاب وله كتب. . . .
وبالجملة: وكان عنده من العلوم بحيث يقضي له في كل علم بالجميع.
وبلغني أنه كان يتحرى أن لا يكون إلا على طهارة، ولا يمكن أحداً عنده من الغيبة مع ما هو فيه من ممازحة الطلبة ومفاكهتهم والتواضع المفرط.
مات في شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وثمان مائة عن سبعين سنة شهيداً بالطاعون رحمه الله تعالى ولم يخلف بعده مثله. انتهى.
стр. 50
شمس الدين الغَرّاقي
محمد بن (١) أحمد بن خليل الإمام العلامة الفرضي البارع المفنن شمس الدين أبو عبد الله المصري الغراقي بفتح الغين المعجمة وتشديد الراء وبعد الألف قاف بعدها ياء النسبة، نسبة إلى بعض قرى الديار المصرية.
ولد قبل الخمسين والسبع مائة ببلده وقدم القاهرة، وأخذ عن الشيخين الأسنوي والبلقيني وغيرهما من مشايخ عصره وبرع في الفنون.
قال شيخنا الحافظ ابن حجر: وانتهت إليه الرئاسة في معرفة الفرائض مع الدين والخير وحسن السمت والتواضع والصبر على الطلبة وقصده الطلبة لذلك حتى صار غالبهم الآن من طلبته، وكان متصلًا بالإشغال في الجامع الأزهر وباشر إمامته نيابة.
وسمع الحديث من القاضي عز الدين بن جماعة وغيره وحدث قليلًا. انتهى.
وقال غيره: كان كثير النفع يلازم تلاوة القرآن، قيل إنه كان يختم كل يوم ختمة. وحج وجاور وكان يعتمر كل يوم أربع عُمر.
توفي في شعبان في سنة ست عشرة وثمان مائة رحمه الله تعالى.
* * *
جمال الدين البهنسي
محمد بن (٢) أحمد بن أقضى القضاة جمال الدين البهنسي المصري ثم الدمشقي.
стр. 51
حفظ القرآن ثم المنهاج، واشتغل بالقاهرة على مشايخ العصر، وخدم القاضي برهان الدين ابن جماعة فلما ولي قضاء الشام طلبه من مصر واستنابه وباشر بعده النيابة مرات، وفوّض إليه ابن جماعة نظر الصدقات ثم أخذه منه القضاة ثم سُعي فيه أيام النائب تَنُم ورسم له به وكان المذكور حسن المباشرة كثير المواظبة لها ويقضي أشغال الناس كثيراً، وعنده ظرف وله نوادر كثيرة، وكان فقيراً مع عفة في مباشرته.
وكان يحفظ المنهاج إلى آخر وقت وعبارته في العلم مزجاة.
ثم رجع إلى مصر في فتنة تمرلنك وناب في الحكم أيضاً.
توفي بالقاهرة في ذي القعدة سنة خمس وثمان مائة بعد وفاة الشيخ بيومين.
قلت: وكان سكنه بدمشق أيام مباشرته بها بالناصرية الجوانية داخل باب الفراديس وعلى بابها كان يحكم وينسخ وكتب بخطه الكثير.
رحمه الله تعالى وإيانا.
* * *
ابن ناصر الدين الدمشقي
محمد بن (١) أبي بكر بن عبد الله بن محمد بن أحمد، شيخنا الإمام العلامة الحافظ المؤرخ شمس الدين محدث العصر الشهير بابن ناصر الدين الدمشقي.
стр. 52
له الإنشاءات الحسنة والنظم البديع والنثر البليغ والخطب الجليلة والكتابة الحسنة والدروس البديعة.
ودرس بدار الحديث الأشرفية وغيرها وله المصنفات النافعة المباركة الكثيرة نظماً ونثراً في علوم الحديث وله الاستدراكات الحسنة والتعقبات المستحسنة على الحفاظ المتأخرين ضابطاً لما يقوله ويرويه مع تأني وحسن أداء ذو معرفة وسياسة وعقل صحيح.
مولده كما أخبرني به في العشر الأول من المحرم سنة سبع وسبعين وسبع مائة أخذ عن جماعة وسمع على المسند المعمر علاء الدين خطيب عين ترما المعروف بابن المجد الدمشقي وابن الذهبي وغيرهما من أصحاب ابن الشحنة وأجاز له جماعة منهم حافظ عصره الشيخ زين الدين العراقي والشيخ البلقيني وغيرهما. وجل أخذه بدمشق عن الحافظ جمال الدين البعلي المشهور بابن الشرائحي وعن الحافظين العلامتين ابن حجي وابن الحسباني وغيرهما من مشايخ العصر وبرع ومهر في الفن وشاع اسمه واشتهر صيته وصار حافظ البلاد الشامية في عصره بإذعان الموافق والمخالف وسمعنا منه الكثير على شيخنا المذكور وعلى ابن المحب وابن مفلح بصالحية دمشق سنن ابن ماجة بإسناد عال في سنة ست وعشرين وثمان مائة وانتفعت به في هذا الفن وقرأت عليه صحيح مسلم وغيره، وبالجملة فمحاسنه كثيرة.
توفي إلى رحمة الله تعالى في صبيحة نهار الجمعة سابع عشرين ربيع الآخر سنة اثنين وأربعين وثمان مائة وله خمس وستون سنة وقبر بكرة النهار بباب الفراديس، حضره الجم الغفير وتأسف الناس عليه وبموته طوي هذا العلم الشريف، إنا لله وإنا إليه راجعون.
* * *
стр. 53
محمد شمس الدين ابن أبي الحياة
محمد بن (١) أبي الحياة الخضر بن داود المصري نسباً الحلبي المولد ثم المصري ثم المقدسي الشيخ العالم الفاضل المفنن المحدث شمس الدين.
مولده بحلب سنة ثمان وستين وسبع مائة.
واشتغل بها على جماعة منهم العلامة شهاب الدين الأذرعي صاحب المصنفات، وأخذ النحو عن الأندلسي المشهور بابن جابر شارح الألفية تلميذ أبي حيان وهو المسمى شرحه بالأعمى والبصير. ورحل إلى الشام فأخذ عن الأئمة بها، وحضر عند الشيخ شرف الدين الشريشي شيخ الشافعية بالشام إذ ذاك ورجع إلى بلده، وسمع الحديث وله سند عال بابن ماجة سمعه في سنة سبع وسبعين على المسند كمال الدين بن حبيب وسمعنا بعضه عليه بالباسطية ببيت المقدس بقراءة العلامة ابن عبد الله المغربي المالكي قاضي حماه في سنة ثمان وثلاثين، وسمع معنا جماعة وأجاز لنا بخطه وهو عندي ولم يزل ببلده مقيماً إلى الفتنة فرحل بعدها إلى مصر فأكرمه الأمير جمال الدين الأستادار الحلبي وكان مدبر المملكة في الدولة الناصرية وجعله موقعاً عنده وأحسن إليه لأنه بلديه وترقى وصار من الأعيان وتميز لفضله ومعرفته، ثم بعد موت جمال الدين المذكور أكرمه القاضي عبد الباسط وتقدم عنده وصار من خواصه فلما أنشأ مدرسته التي ببيت المقدس في سنة ثلاث وثلاثين جعل المذكور شيخها ورتب له على ذلك كل يوم عشرة فقدم إلى القدس وصار من أعيان البلد وكلمته نافذة وقرأ البخاري غير مرة وكان يتكلم على مواضع منه.
ولما وردت بيت المقدس في أثناء سنة ثمان وثلاثين رأيت من المذكور حشمة وإحساناً ومشاركة في الفضائل ومحاضرة حسنة مع ديانة وله
стр. 54
نظم حسن كثير فمنه ما كتب به إليّ بخطه رحمه الله تعالى وكنت لما اجتمعت به وعدته أني آتيه.
رضي الدين يا خدن المعالي ... ويا ابن الأكرمين من الأئمة
محبك يرتجي إنجاز وعد ... ففرح بالوفا ما قد أغمّه
فمثلك من وفا حقاً ومثلي ... يفوز بقربكم في الدهر ثمة
ولما رجعت من القدس كان يكاتبني كل وقت وأكاتبه وغالب كتبه التي أرسلها لي مشحونة بنظمه وفيه أشياء حسنة ونكات أدبية مستحسنة ومن إنشاده ما كتبه لي في جواب كتاب كتبته إليه فقال:
وافا مثالك يزهو لا نظير له ... في كل معنىً بديع غير مجتلب
يمر بالسمع يحلو في الفؤاد ففي ... ضروب أجزائه ضرب من الضرب
ومن نظمه ما أنشده في الباسطية التي بالقدس يهنئ واقفها القاضي عبد الباسط فقال:
أغبطكم كون المهيمن خصكم ... بأن صرت والسلطان يوسف في قرن
فأنتم بنيتم خانقاه تصوف ... كذاك بناها فاتفقتم على سنن
وفاق بناكم ما بناه لكونه ... على حرم البيت المقدس قد ركن
وأن الذي فيه يصلي مشاهد ... لقبلتي الإسلام في الفرض والسنن
ولم يك في القدس الشريف سواهما ... حضور بجمع بعد عصر من الزمن
وهذا عطاء لا ينال بحيلة ... ولكن بتوفيق من الله ذي المنن
فوقيت ما تخشاه حالًا وموئلًا ... وجوزيت في الدنيا وعقباك بالحسن
ومن نظمه ما أرسله إلي في كتاب وفيه ورقة مختصة بالحافظ شمس الدين الدمشقي الشهير بابن نصار الدين فسأله عن حديث "شراركم عزابكم" وذكر أن هذا الحديث ذكره الشيخ شهاب الدين ابن العماد في منظومته المسماة كفاية. . . . فاستفتح السؤال بهذين البيتين:
علم الحديث مسلم في عصرنا ... للحافظ الأستاذ شمس الدين
стр. 55
حطت رحال مؤمليه ببابه ... يبغين منه معالم النبيين
فكتب الحافظ المذكور الجواب له واستفتحه بهذين البيتين:
بُشرى ببشرى الله حين أثابكم ... حسن الثناء عليكم في العالم
أنتم حياة للعفاة لأنكم ... حقاً سليل أبي الحياة العالم
توفي المذكور إلى رحمة الله تعالى بعد مرض طويل عُوفي منه وتصدق بمال كثير ثم انتكس عن قريب وأتته منيته في شهر رجب سنة إحدى وأربعين وثمان مائة.
وفي هذه السنة التي مات فيها وصلني منه كتابان عفا الله تعالى عنه.
* * *
الشيخ شمس الدين بن ركن الدين
محمد بن (١) أحمد بن علي بن سليمان المعري الحلبي الشيخ الإمام العالم المصنف شمس الدين بن الركن.
مولده في سنة بضع وثلاثين وسبع مائة وتفقه على تاج الدين بن الدريهم وأخذ عن القاضي تاج الدين السبكي وكتب بخطه شيئاً كثيراً ودرس وأفتى وصنف ومن مصنفاته روض الأفكار فيه فوائد حسنة وترجم في آخره العشرة دل على فضله، وكتب مجاميع كثيرة وألف خطباً في مجلدة وله نظم ونثر وإيثار مع حدة خلق.
وذكره القاضي علاء الدين ابن خطيب الناصرية في تاريخه وقال: شيخنا الإمام العالم العلامة شمس الدين أحد مشايخ الشافعية بحلب وأثنى عليه، وانتفع المذكور عليه وغيره من الفضلاء.
стр. 56
ومات في سنة الفتنة التمرية سنة ثلاث وثمان مائة رحمه الله تعالى.
* * *
الشيخ بهاء الدين ابن إمام المشهد
محمد بن (١) أحمد بن. . . الشهير بابن إمام المشهد الإمام العلامة البارع الخطيب بهاء الدين الدمشقي.
اشتغل بدمشق على الشيخ نجم الدين بن الجابي وغيره من مشايخ العصر وبرع وخطب الخطب البليغة بجامع دمشق ودرس وأفتى وأفاد وبحث في المجالس وانتفع عليه جماعة منهم الفاضل البارع نور الدين بن قوام وغيره.
وكان عاقلًا فاضلًا في فنون.
بلغني أن الشيخ شهاب الدين ابن نشوان قال في حقه: أنه أمثل أو أفضل منه.
وكان الوالد يعظمه ويثني عليه ويصفه بالفضل.
مات في طاعون سنة أربع عشرة وثمان مائة عن خمسين سنة ظناً رحمه الله تعالى.
شمس الدين الأسيوطي
محمد بن (٢) الحسن الإمام العلامة شمس الدين الأسيوطي.
اشتغل في الفقه والأصول والنحو.
стр. 57
قال شيخنا ابن حجر: أنه أحد المهرة في العربية تقريراً واستحضاراً وحسن تعليم، انتفع به جماعة من الفقهاء ولي أكثرهم القضاء كالتفهني والبساطي، وكان يعلم بالأجرة، ووصف بالحرص المفرط.
توفي يوم الأحد العشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمان مائة رحمه الله تعالى.
* * *
شمس الدين الحصني ابن أخي الشيخ تقي الدين
محمد بن (١) أحمد بن الحسن الحصني الشيخ العالم البارع المفنن الصالح شمس الدين الدمشقي ابن أخي الشيخ تقي الدين الآتي ترجمته في حرف الهمزة.
اشتغل على جماعة قبل الفتنة منهم الشيخ شرف الدين الغزي والصلخدي وتلك الحلبة، وأظنه انتفع بعمه أيضاً وسمع وانتفع وحدث وقرأ التنبيه واشتغل في الفقه والأصول والعربية وغير ذلك من الفنون وكان على طريقة حسنة.
انتفع عليه جماعة يسيرة وسكن البادرائية ودرس بها وسكن باللاذقية مدة وتردد إلى دمشق أحياناً ثم يعود إليها إلى أن مات بها في أحد الربيعين سنة أربع وثلاثين وثمان ومائة عن ستين سنة أو دونها بيسير ظناً رحمه الله تعالى.
стр. 58
شيخنا الشيخ شمس الدين الكفيري
محمد بن (١) أحمد بن موسى الكفيري الدمشقي شيخنا الإمام العالم العلامة أقضى القضاة شمس الدين بقية العلماء صدر المدرسين أوحد المفتين المتفننين رحلة الطالبين.
مولده كما أخبرني به في السابع والعشرين من شوال سنة سبع وخمسين وسبع مائة.
اشتغل بالفقه على المشايخ الشافعية المعتبرين قبل الفتنة كالزهري وابن الشريشي وابن الجابي وشرف الدين الغزي ولزمه الملازمة الكثيرة وتخرج عليه وكان عين جماعته وفاضلهم.
واشتهر بحفظ الفروع من شبيبته وبرع في الفقه وسمع الحديث وأسمع وحدث ودرس وأفتى وصنف وكتب بخطه الكثير لنفسه ولغيره وناب في الحكم عن القاضي علاء الدين ابن أبي البقاء فمن بعده.
وكان عارفاً بصنعة القضاء وغيرها أشعري الاعتقاد سليم الصدر، بشوش الوجه حسن الشكالة مليح القامة كث اللحية عليه مهابة العلم متواضع مع الطلبة وغيرهم ومحاسنه كثيرة طارحاً للتكليف وله نظم كثير فمنه:
خرجت من الدنيا كأني لم أكن ... دخلت إليها قط يوماً من الدهر
تبلغت فيها باليسير وقد كفى ... وحصلت منها ما عمرت به قبري
يؤنسني فيه إذا ما سكنته ... ونعم رفيق صاحب لي إلى الحشر
فيا عامر الدنيا رويدك فاقتصر ... فإن سهام الموت تأتي وما تدري
وإياك والتفريط فالغبنُ كله ... لمن منح الدنيا وراح بلا أجر
стр. 59
وله غير ذلك من النظم، وكان نظمه طباعاً من غير معرفة بالعروض وغيره من أسباب النظم.
وحج وجاور بمكة مرات وصنف النكت على التنبيه وهي حسنة في نحو أربعة أجزاء وشرح البخاري في خمس مجلدات وسماه التلويح أخذه من كلام الزركشي والكرماني وابن الملقن وزاد فيه أشياء مفيدة وهو شرح جيد، ودرس بالعزيزية شريكاً لغيره والصارمية وعمرها بعد الفتنة.
وانتقل إلى رحمة الله تعالى بعد ضعف طويل يوم الاثنين ثالث عشر المحرم سنة إحدى وثلاثين وثمان مائة ودفن بمقبرة الصوفية، وشيعه خلق كثير وكان يوماً مشهوداً، عفا الله عنه وعنا بكرمه.
* * *
الشيخ بدر الدين الرمثاوي
محمد بن (١) أحمد بن موسى الرمثاوي الدمشقي الفاضل البارع أبو عبد الله بدر الدين.
اشتغل بالعلم وفضل وكتب بخطه الكثير ودرس بالعصرونية والأكزية وحجّ وجاور.
وكان منجمعًا عن الناس بعيداً من الشر بخلاف أخيه موسى الآتي في حرف الميم.
وتوفي إلى رحمة الله تعالى في ربيع الآخر سنة إحدى وثمان مائة وله نحو أربعين سنة عفا الله عنا وعنه بكرمه.
* * *
стр. 60
شمس الدين البيجوري
محمد بن (١) حسن بن علي البيجوري الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أحد علماء القاهرة.
سمع من عبد الرحمن القاري صحيح البخاري وعلى القاضي عز الدين بن جماعة جزءاً من تخريج الدمياطي وتفقه على الأسنوي وغيره ولازم الشيخ وكان من أعيان جماعته.
قال ابن حجر: أقام بالشيخونية يدرس ويفتي وينفع الطلبة.
مات سنة سبع وعشرين وثمان مائة ﵀.
* * *
تاج الدين ابن بهادر
محمد بن بهادر (٢) بن عبد الله سبط ابن الشهيد -وابن الشهيد هو القاضي العالم الفاضل الأديب فتح الدين كاتب السر قبل الفتنة بمدة وصاحب المصنفات النافعة منها نظم السيرة النبوية في مجلدات المسماة بالفتح القريب في سيرة الحبيب وشرحها وغير ذلك، وصاحب النظم والنثر والخطب البليغة، خطب بجامع دمشق مدة.
مولده سنة تسع وعشرين وسبع مائة، وتوفي مقتولًا بالقاهرة في فتنة منطاش في سنة إحدى وتسعين وسبع مائة.
стр. 61
وأما سبطه الذي نحن بصدد ترجمته آنفاً فهو صاحبنا العلامة الفاضل البارع الورع تاج الدين، أحد فضلاء زمانه بل أوحدهم وزين النبلاء بل عينهم، أعجوبة زمانه وأوحد أقرانه.
توفي والده وهو صغير فكفلته أمه الخيرة فاطمة بنت الشهيد فقامت به أحسن القيام إلى أن ترعرع وتعلم القرآن العظيم وصلى به، ثم قرأ المنهاج وغيره من المختصرات في الفنون وكانت فيه رائحة النجابة من صغره وهو في الكتاب لا يلعب كعادة الصبيان ولا يشتغل بما هم فيه، بل عليه السكينة والوقار.
ثم أكب على الاشتغال وتخرج على الشيخ برهان الدين بن خطيب عذراء فقيه الشام في زمنه -الآتي في حرف الهمزة- حتى برع وأذن له شيخه المذكور بالإفتاء مع جماعة من أقرانه وأظنه في سنة اثنين وعشرين وسنه فوق العشرين بيسير.
ثم لزم شيخنا العلامة شمس الدين البرماوي المصري لما سكن الشام مدة إقامته كما ستعرفه في ترجمته وقرأ عليه وحضر دروسه، وكان كثير الملازمة له وأذن له أيضاً بالإفتاء والتدريس.
ثم أقبل على الإشغال وانتفع به الناس وأكب عليه سائر الأسبوع بجامع العقيبة ثم بجامع دمشق المسمى بجامع بني أمية مع السكينة والدين وعدم الغيبة، لا يمكن أحداً من طلبته يغتاب في مجلسه وتصدر، لذلك مع ضبط أوقاته وصرفها في أنواع الخيرات وطبقة شيوخه متوافرون والغالب منهم يغبطه بما منحه الله تعالى ويثني عليه الجميل وكان إشغاله من الضحى إلى قريب الغروب لا يقوم من مجلسه إلا نادراً ولقد قال لي جماعة من طلبته الملازمين له أنه لم يضبط عليه القيام إلى بيت الخلاء في هذا الوقت والسبب في ذلك والعلم عند الله أنه كان يصوم غالب الدهر ولا يأكل إلا ما يسد خلته وتخرج عليه جماعة وكان يقرأ في غالب الفنون، وكان في غضون طلبه سمع الحديث وقرأ صحيح مسلم على حافظ الشام الذي في حرف العين جمال الدين البعلي المشهور بابن الشرائحي وقرأ المعقول على
стр. 62
الهندي الذي ورد دمشق ثم توطن حماة آخراً ومات بها.
وله في كل فن حظ وافر مع قصر المدة ولكن أعانه الله وبارك له في أوقاته ولم يزل على ما ذكرناه من الإشغال والاشتغال والقيام بوظائف العبادات وغير ذلك من المحاسن مع حسن الشكالة والتواضع وعدم الكلام فيما لا يعنيه إلى أن أتاه أجله وفجع به أهل عصره.
فمرض أياماً في أوائل رمضان وتوعك توعكاً شديداً لزيادة الثواب والأجر إن شاء الله تعالى، وانتقل إلى رحمة الله تعالى في يوم الثلاثاء تاسع رمضان المعظم قدره سنة إحدى وثلاثين وثمان مائة وله ثلاث وثلاثون سنة وقبر بالصوفية بتربتهم عند القلندرية، وكان يوماً مشهوداً وحزن عليه العامة والخاصة وشيعه خلق كثير تغمده الله برحمته.
* * *
الشيخ تاج الدين ابن بهرمان
محمد بن (١) الخطيب البعلي الأصل المعروف بابن بهرمان الدمشقي أبو الفضل المفنن الأديب البارع تاج الدين أحد الفضلاء والأذكياء المشهورين.
اشتغل على والدي وبرع ومهر في الفنون وشارك في الفضائل، وكان الوالد يصفه بالذكاء.
وكان يلبس على هيئة الجند صغير الحجم ضخم المعاني له محاضرة حسنة ومحاسن متعددة وله الإنشاءات البليغة وهو منشئ الخطبة التي خطبت بها في ختم القرآن في سنة عشرين وثمان مائة في حياة الوالد وكانت بديعة.
стр. 63
وكان كثير الملازمة لدروس الوالد في الجامع وفي البيت ويسافر معه وأخذ عنه الأصول وبرع فيه وكان فيه أمثل من الفقه، وكانت له أيضاً معرفة جيدة بعلم الطب.
وله نثر ونظم حسن فمنه القصيدة الدالية التي مدحني بها لما أكملت نسختي البديعة بالمنهاج وصليت بالقرآن وابتدأت في الكتاب المذكور وذلك في أخريات حياة الوالد في سنة أحد وعشرين فقال:
ليهنى رضى الدين سعد مجددُ ... وجد على مرّ الجديدن مُسْعدُ
فمولده أبدى الدلائل أنه ... على الخير والأسوا يحمى ويُحمَدُ
ونبهنا منهاجه للطائف ... حَوَت نكتاً تغني اللبيب وترشدُ
وأصحاب علم الحرف دلهم اسمه ... على حسن فعل منه للضد يُكمدُ
وإن بسطا فوق السماكين منزلا ... له الأنجم الزهر الثواقب تحسدُ
بوفق اسمه سرٌّ بسر محبه ... وذو الفهم في ذا السر لا يترددُ
أتى غاية في الحسن إذ جا تسعه ... ومن شانه مَن شانَه فهو مُبعَدُ
فالأول والثاني اسمه وفقيهه ... وناسخه ثالثهما والمجلدُ
لهم رابع ثم المذهب خامس ... وسادسهم منشي المديح محمدُ
ومادحه قبلي بذلك سابع ... وثامنهم فهو الإمام المسددُ
عنيت الإمام الشافعي بلدّيه ... وتاسعهم خير النبيين أحمدُ
محمد المبعوث للخلق رحمة ... ومن شرعه الشرع القويم المؤيدُ
بحرمته يارب عبدك أبقه ... وبلغ أباه منه ما منك يقصدُ
إلى أن نراه في العلوم شبيهه ... تُحل لديه المشكلات وتعقدُ
إذا صدر الطلاب هماً لعلمه ... رووا عن بحار العلم ما عنه يُورَدُ
فيمنح ما أعيا الألبّاء جمعه ... وعن فهمهم ما يوهم العكس يطردُ
هو البحر لكن ليس للبحر قدره ... يقابله وانظر له كيف يرعُدُ
وإن أوقد الحساد ناراً لحربه ... نراه بما أوتيه للمال تخمدُ
فعش وابق واسلم وارق واسمُ وسُدْ وَدُمْ ... ومُرْ وَانْه وامنَع واحم أنت المسَّودُ
стр. 64
ولم يزل المذكور في خدمة الوالد إلى أن رحل إلى الحجاز في آخر سنة أحد وعشرين ودخل المذكور الجامع وأشغل الناس وحضر عنده جماعة، إلى أن أتاه أجله في طاعون سنة ست وعشرين وثمان مائة أو خمس وعشرين.
قيل إنه ركّب دواءَ لنفسه فغمّي عليه فظنوا موته ودفنوه ثم أفاق في القبر فلم يجد فرصة فمات والله أعلم، وسنه تقريباً نحو أربعين سنة -رحمه الله تعالى وعفا عنه وعنا آمين.
* * *
الشيخ تاج الدين الغرابيلي
محمد بن (١) محمد بن محمد بن محمد بن مسلم بن علي بن أبي الجود الكركي ابن الغرابيلي، نزيل بيت المقدس العالم البارع المحدث الفاضل المفنن البارع تاج الدين الكركي الأصل ثم المقدسي.
اشتغل على جماعة من مشايخ بيت المقدس ولزم شيخنا العلامة شمس الدين البرماوي لما قدم عليهم مدرس الصلاحية.
ومهر في الحديث وأسماء رجاله مع مشاركة حسنة في الفقه والأصول والعربية. وكان كثير الجبر لطلبة العلم القادمين عليه يضيفهم ويحن إليهم، مع طلاقة الوجه وله سمت حسن على طريقة أهل الحديث.
ثم رحل إلى القاهرة بنية الحج والأخذ عن شيخنا الحافظ ابن حجر وأتته المنية، توفي بها في طاعون سنة ثلاث وثلاثين وثمان مائة رحمه الله تعالى.
ووالده الشيخ العالم الفاضل المؤرخ ناصر الدين، ولد سنة ثلاث
стр. 65
وخمسين. . . ونشأ في نعمة طائلة، واشتغل بالعلم وتزوج بنت القاضي عماد الدين بن قاضي الكرك، ثم ولي نيابة قلعة الكرك ثم صرف وسكن بيت المقدس.
قال شيخنا ابن حجر: وكان ذكياً عارفاً مستحضراً للوقائع وهو والد صاحبنا الحافظ تاج الدين الغرابيلي.
توفي في شعبان سنة ست عشرة وثمان مائة -رحمه الله تعالى.
* * *
الشيخ شمس الدين ابن الطباخ
محمد بن (١). . . . . بن عبد الله الشهير بابن الطباخ الدمشقي الفاضل البارع المفتي شمس الدين أبو عبد الله رفيق تاج الدين بن بهادر المتقدم.
اشتغل على الشيخ برهان الدين ابن خطيب عذراء ولازمه وتخرّج عليه، وبرع في الفقه وكتب بخطه الكثير وأذن له شيخه المذكور مع رفيقه بالإفتاء في سنة اثنين وعشرين وفضل المذكور وتقدم على أقرانه، وكان له. . . . كثير لكن عنده قوة نفس.
وصار الشيخ تقي الدين اللوبياني وكان يثني عليه في كثرة استحضاره، قال لي غير مرة: هو أمثل طبقته وأعرفهم بالفقه وكان شكلًا حسناً.
توفي بعد شيخه بقليل في طاعون سنة ست وعشرين وثمان مائة في رجب وله ثلاثون سنة ظناً -رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 66
شمس الدين البلاطنسي
محمد بن (١) عبد الله بن خليل البلاطنسي الدمشقي صاحبنا العلاّمة شمس الدين.
قرأ القرآن العظيم ثم المنهاج وغيره من المختصرات وتفقّه ببلده على الشيخ شمس الدين ابن زهرة وأخذ في النحو عن الشيخ شهاب الدين بن. . . وبدمشق عن شيخنا القابوني وقرأ في الفقه على شيخنا الشيخ تقي الدين ابن قاضي شهبة فأذن له بالإفتاء.
وأمّ بجامع دمشق وخطب به نائباً ثم درس بالشامية البرانية والناصرية نيابة عن ابن حجي وحجّ وجاور بمكة مرتين، واشتهر صيته، ولازم شيخنا الشيخ علاء الدين البخاري.
وقرأ في الحديث على شيخنا ابن ناصر الدين، ثم وقع بينهما بسبب ابن تيمية وتهاجرا، ولازم الجامع ولزمه جماعة. . . . وهو أشعري الاعتقاد.
وضعف طويلًا ثم توفي في ليلة الثلاثاء سادس عشرين صفر سنة ثلاث وستين وثمان مائة وله بضع وستون سنة، وكان غلبه الشيب، ودفن ضحوة نهار الثلاثاء بباب الصغير جوار السيد أويس، وكان له جنازة مشهودة -رحمه الله تعالى.
* * *
الشيخ شمس الدين المكيسي
محمد بن (٢) داود بن محمد المُكيسي الدمشقي -ومُكَيس بضم الميم
стр. 67
وفتح الكاف قرية من قرى حوران الإقليم المعروف بالشام -هو صاحبنا الفاضل العالِم البارع المفنن شمس الدين أبو عبد الله في طبقة من قبله.
قرأ القرآن العظيم على أبيه الشيخ داود وكان من الصالحين، وقرأ المنهاج وغيره من المختصرات.
واشتغل على الشيخ شهاب الدين ابن نشوان والوالد، ولزم بعدهما شيخنا العلامة شمس الدين البرماوي أيام إقامته بدمشق وبرع، وبلغني أنه أذن له بالإفتاء ثم لزم بعد هؤلاء القاضي شمس الدين الأموي مدة إقامته قاضياً بالشام وحضر دروسه في الفقه والحديث وقرأ عليه أرجوزة العراقي المسماة بالألفية في علوم الحديث وختمها عليه بحضوري، وتصدى للأشغال والإفتاء وتخرج عليه جماعة.
وكان فاضلًا في فنون مع العقل والتواضع، وبيني وبينه رفقة على غالب مشايخه وكان كثير التودد والتردد والمحبة لي وبيننا من قديم صحبة أكيدة من حياة شيخ الإسلام الوالد فإنه لزمه بعد موت شيخه ابن نشوان وقرأ عليه المنهاج للبيضاوي.
وسمع الحديث من أم عبد الله عائشة خاتمة أصحاب الحجار وغيرها.
وكتب بخطه الكثير وأفتى ودرّس بالأتابكية والناصرية بصالحية دمشق، وناب في الحكم في أثناء سنة سبع وثلاثين عن القاضي بهاء الدين ابن حجي مدة قليلة نحو نصف سنة، واستعظم المشايخ ذلك.
وكان مواظباً على الاشتغال والإشغال إلى أن توفي إلى رحمة الله
تعالى في ليلة الأحد تاسع عشر صفر سنة أربعين وثمان مائة وله ثلاث
وأربعون سنة، ودفن في تربة شيخنا العلامة محيي الدين المصري -رحمهما الله تعالى، ودفنا في وقت واحد متقاربين بمقبرة باب الصغير بقرب سيدنا بلال الصحابي المؤذن رضي الله تعالى عنه، وكان يوماً مشهوداً -رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 68
الشيخ شمس الدين ابن الحدادني
محمد بن (١) سليم بن كامل الشيخ العالِم الفاضل البارع شمس الدين ابن الحدادني الدمشقي.
مولده في سنة سبع أو ثمان وأربعين وسبع مائة.
وقدم دمشق فاشتغل بالبادرائية وكان من أعيان فقهائها ولم يزل يشتغل ويحصل حتى برع في الفقه.
وأخذ عن الشيخين شمس الدين قاضي شهبة وعلاء الدين ابن حجي صهره، وغيرهما من مشايخ عصرهما، ولزم القاضي تاج الدين السبكي وكتب بعض مصنفاته وقرأ الروضة على الشيخ علاء الدين ابن حجي وصاهره، وأذن له بالإفتاء، وكان كثير الاستحضار.
وكتب على الروضة حواشي مفيدة وقرأ كتباً في الفقه والأصول والعربية وتنزل في المدارس ثم جلس مع الشهود.
وكان أسمر شديد السمرة قصيراً، عوقب في الفتنة بأنواع العقوبات عقب ضعف سابق في رجب فمات ودفن بداخل السور وقد جاوز خمساً وخمسين سنة وليس في لحيته شعرة بيضاء -رحمه الله تعالى.
* * *
شمس الدين ابن الخراط
محمد بن (٢) سليمان بن عبد الله الحموي ثم الحلبي الشيخ العالِم المفنن شمس الدين المشهور بابن الخراط.
стр. 69
قال شيخنا الحافظ شهاب الدين ابن حجر: كان أصله من الشرق فأقدمه أبوه طفلًا فنزل حماه وتعلّم صناعة الخط ثم حُبّب إليه الاشتغال فمهر في مدة يسيرة.
ولازم الشيخ شرف الدين بن يعقوب خطيب القلعة والشيخ جمال الدين ابن خطيب المنصورية وصاهره، وأخذ بدمشق عن الشيخ زين الدين بن القرشي وغيره.
وشارك في الفنون وقدم حلب سنة ثلاث وسبعين وسبع مائة.
وناب في الحكم مدة ثم ولي قضاء الرها ثم قضاء الباب ومراغة، وولي عدة تداريس، وكان فاضلًا مفننًا مشكور السيرة.
مات بالفالج في ربيع الأول سنة ست وثمان مائة بحلب.
وأنجب ولديه الفاضلين الشاعرين الماهرين شمس الدين محمد وزين الدين عبد الرحمن.
وقد ذكره أيضاً القاضي علاء الدين ابن خطيب الناصرية في تاريخه وأثنى عليه وقال أنه أخذ عنه. انتهى.
* * *
شمس الدين الأذرعي
محمد بن (١) سليمان بن أبي بكر الأذرعي، الشيخ العالِم الصالح المعمَّر شمس الدين بقية السلف الصالحين.
وأذرعات مدينة من آخر حوران من جهة القبلة، ووقع في كلام
بعضهم كما قال الإمام أبو شامة في تاريخه أنها من البلقاء وهو وهم -
стр. 70
والصواب أنها من حوران الإقليم المعروف قبلي دمشق فوق الكسوة المنزلة المعروفة على باب دمشق وهي بريد منها، وأذرعات بفتح الهمزة وكسر الراء كذا قيدها صاحب الصحاح كما حكاه عنه النووي في تهذيبه وهي بلدة معروفة بالشام بينها وبين دمشق مرحلتان ومنها إلى بصرى مرحلة وإلى بيت المقدس نحو أربع مراحل والنسبة إليها أذرعي بفتح الراء كما قاله النووي في كتابه المذكور.
ولد الشيخ المذكور بها في سنة خمسين وسبع مائة كما أخبرني به، ورحل منها إلى دمشق فتوطّن بها وحفظ الكتاب العزيز والمنهاج وله فيه ذيل وكان يستحضره إلى آخر وقت.
وسمع الحديث وأسمع وأفاد وأدرك الأئمة بدمشق كالشيخ جمال الدين الشريشي والد الإمام شرف الدين والعمادين ابن كثير والحسباني وابن خطيب يبرود والقاضي تاج الدين السبكي ولزمه وكان من أصحابه ونسخ له بخطه.
من مصنفاته التوشيح والترشيح وكتب بخطه الكثير وكان خطه حسناً.
ولزم الشيخ الجمال المعروف بدمشق بالصلاح والفضل وأخذ عنه وعن غيره من السادات كالقطب المزي العجمي الصالح المشهور قبل. . . . والموصلي الشيخ شمس الدين القونوي وغير هؤلاء من الأئمة الصالحين.
ثم توطّن محلة بيت (١) لهيا من ضواحي دمشق بمسجد لله يسمى مسجد ابن فرفور وجاور فيه أكثر من خمسين سنة ويتردد إلى جامع دمشق في كل جمعة، وكان قبل الفتنة سكن مدة بالبادرائية وهو من فقهائها ومن رفقاء الشيخ تقي الدين الحصني والشيخ تقي الدين الكرماني وغيرهما.
والمقصود أن هذا الرجل كان من الخيرين وعلى طريقة حسنة وكان يقرئ الصغار بالمسجد المذكور ويشهد في بعض الأحيان.
стр. 71
وأدرك أيضاً من الأئمة بلديه الشيخ الإمام شهاب الدين الأذرعي وأخذ عنه ولم يزل مقيماً بمكانه يعلِّم الصغار ويؤم بالمسجد المذكور إلى أن هرم وضعفت إحدى عينيه مع كتابته الحسنة وعقله لم يختل وحجّ مرات.
إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى في ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الأول سنة أربعين وثمان مائة عن إحدى وتسعين سنة وقبر بمقابر بيت لهيا بوصية منه بذلك في يوم الجمعة قبل الصلاة.
وقد استفدنا منه الكثير وهو من جملة من روى لي مصنفات ابن كثير عنه، وكان شيخنا أيام الصغر في القرآن وله علينا الإحسان، جمع الله بيننا وبينه في دار كرامته.
* ثم أحببت أن أذكر ترجمة بلديه الشيخ شهاب الدين (١) الأذرعي فنقول:
أحمد بن حمدان بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد الغني بن محمد بن سالم بن داود بن يوسف بن جابر الأذرعي الأصل ثم الحلبي الشيخ الإمام العلامة الأوحد البارع المطلع، عالم بلاد الشمال في عصره والمتقدم في تلك النواحي على أهل مصره شهاب الدين أبو العباس صاحب المصنفات السائرة النافعة المباركة.
كان المذكور إماماً عالماً كبيراً جليل القدر مطلعاً على كلام الأصحاب ونصوص الإمام الشافعي واسع الباع في ذلك، ليس لأحد من المتأخرين ما له من الفوائد والنقل والاستحضار مع الديانة وكثرة الخوف من الله تعالى وسلامة الصدر، كريماً سخياً محاسنه كثيرة، ومن اطلع على مصنفاته تحقق
стр. 72
ما قلته، ورعاً في نقله كثير التحري والتفتيش مقتحمًا على الحق لا يسمح بالتخفيف سيما إذا كان الأمر معضلًا، أو يكون كلامه في المواضع التي مصالحها عامة كالقضاء وغالب المعاملات، وأنت ترى صنيعه في أخذ القوت سيما في أبواب القضاء وتلك المواضع. . . . فجزاه الله خيراً.
مولده كما ذكره لبعض طلبته في سنة ثمان وسبع مائة بأذرعات.
وأخذ عن الأئمة الأعلام أصحاب الفنون كالسبكي الكبير والفخر المصري ولزمه وتخرّج عليه وأذن له بالإفتاء سنة خمس وثلاثين.
ورحل في طلب العلم بنفسه وجدّ واجتهد وبرع في المذهب وسمع الحديث من المزي والذهبي وغيرهما وله اطلاع في علم الحديث ومعرفة رجاله.
ومن رأى مصنفاته شهد له بذلك وله السؤالات المسماة بالحلبيات للشيخ تقي الدين السبكي وبعض الأسئلة أفحل من الجواب.
وبحث مع الشيخ بالقاهرة في مسألة الجبيرة، وقد أثنى الشيخ عليه وعلى مصنفاته وقال إنها مفيدة غير مرة.
ورحل إليه الإمامان الزركشي والبيجوري وبحثا عليه، وكتب البيجوري القوت، قال جمال الدين ولد الشيخ شهاب الدين الأذرعي: إن البيجوري لما قدم عليهم كان يكتب المجلد من القوت في شهرين ويطالع ويبحث مع الشيخ في مسائل فتارة يوافقه الشيخ وتارة يخالفه ويبين له وجه الحق.
وبالجملة: فكان الشيخ شهاب الدين أحد أئمة المذهب في زمانه وفقيه عصره بل فقيه أوانه.
ومن مصنفاته القوت الشرح المشهور على المنهاج والغنية عليه أيضاً لكنها نكت عظيمة وهي أحسن من الشرح. . . . والمتوسط الكتاب الحافل على الرافعي والروضة ومنه استمد الزركشي في كتابه الخادم ومشى على سؤاله وروى لي عنه مصنفات النووي سماعه من شيوخي منهم الشيخ علاء الدين بن سلامة المكي وكذلك بلديه المتقدم الشيخ محمد الأذرعي، وأخذ عنه جماعة من القضاة يحصرون.
توطّن ﵀ بحلب وتصدى بها لنفع الناس ودرّس بها بالأسدية وغيرها.
стр. 73
وتوفي إلى رحمة الله تعالى بحلب كما أخبرني ولده جمال الدين عبد الله في يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وسبع مائة.
وله نظم حسن منه ما أنشدنيه تلميذه صاحبنا العلامة شمس الدين محمد بن أبي الحياة الحلبي المتقدم في أوائل المحمدين وهو قوله:
كم ذا برأيك تستبد ... ما هكذا الفعل الأسد
أأمنت جبار السماء ... ومن له البطش الأشد
فاغنم. . . في الحياة ... فما مضى لا يسترد
واعلم يقيناً أنه ... ما من مقام العرض بد
عرض به يقوى الضعيف ... ويضعف الخصم الألد
واخجلتا من موقف ... فيه خطايانا تُعد
ما لي هناك وسيلة ... أرجو بها أزري يشد
إلا شهادة أنه ... سبحانه في الكون فرد
وشفاعة الهادي البشير ... ومن له الجاه الأمد
صلى عليه ربنا ... ما سبح الرحمن عبد
* * *
الشيخ بدر الدين الزركشي
محمد بن (١) عبد الله بن. . . المصري الشهير بالزركشي الإمام العلامة بدر الدين صاحب المصنفات المباركات النافعات.
стр. 74
فمنها تكملة شرح شيخه الأسنوي المنهاج ثم شرع في تكملته من الأول فحينئذٍ صار شرحاً مستقلًا وهو شرح حسن كثير الفوائد وله الخادم أيضاً وهو الكتاب الحافل على الشرح والروضة في معنى التوسط كما تقدم، والتنقيح على البخاري وشرح جمع الجوامع والبحر في الأصول وثلاثة أجزاء جمع فيه جمعاً كثيراً لم يسبق إليه وغير ذلك.
وكان المذكور فقيهاً أصولياً أديباً فاضلًا صنّف في الأدب كتاباً سماه ربيع الغزلان.
أخذ العلوم عن الأسنوي ومن في طبقته وسمع الحديث بدمشق وغيرها ومهر في الفنون، وكان فاضلًا في جميعها ودرس وأفتى وانتصب للإشغال والإفادة فتخرّج عليه جماعة من الفضلاء ومن أخصهم به شيخنا العلامة شمس الدين البرماوي حتى أذن له في إصلاح مصنفاته كما أخبرني به بذلك شيخنا المذكور.
درس الشيخ بدر الدين بالقاهرة بعدة مدارس وولي مشيخة خانقاه كريم الدين بالقرافة الصغرى ودفن بها.
وإنما ذكرنا ترجمة الشيخ بدر الدين وإن كان ليس على شرطنا لما ستعلمه في وفاته لأنه. . . الشيخ وأخذ عنه كذا بلغني ثم رأيت ذلك مصرحاً به في ترجمة الشيخ لولديه وقد عده من أصحابه غيرهما ممن ترجم للشيخ بعدهما.
مات كهلًا في رجب سنة أربع وتسعين وسبع مائة رحمه الله تعالى.
* * *
شمس الدين القليوبي
محمد بن (١) عبد الله بن أبي بكر القليوبي الشيخ العالِم المفنن البارع
стр. 75
شمس الدين أبو عبد الله أحد تلامذة الشيخ جمال الدين الأسنوي الفضلاء.
وقال شيخنا الحافظ ابن حجر: اشتغل المذكور وتقدم ومهر وفضل وشغل الناس واشتهر بالدين والخير، وكان متقللًا، كان في أواخر عمره قرر في مشيخة الناصرية بسرياقوس (١) فصلح حاله وكان متواضعاً ليّن الجانب، صحب الشيخ ولي الدين المنفلوطي وتأدب بآدابه.
مات في جمادى الأولى سنة ثنتي عشرة وثمان مائة رحمه الله تعالى.
جمال الدين ابن ظهيره
محمد بن (٢) عبد الله بن ظهيره المكي الإمام العلامة الحافظ المفنن البارع قاضي القضاة جمال الدين عالم الحجاز في زمنه وشيخ تلك النواحي ومفتيها.
تفقه بمكة على قاضيها أبي الفضل النويري، وسمع الحديث بها على الشيخ خليل المكي والشيخ عبد الله اليافعي والقاضي عز الدين بن جماعة، وتفقه بدمشق على العماد الحسباني، وبحلب على الأذرعي، وبمصر على الشيخ وابن الملقن، وأخذ الحديث عن العراقي.
وأفتى وصنف وتصدى للتدريس نحو أربعين سنة، ثم ولي قضاء مكة من سنة ست وثمان مائة إلى أن مات إلا أنه صرف مراراً وأعيد، ومات وهو على القضاء.