وأدرك أيضاً من الأئمة بلديه الشيخ الإمام شهاب الدين الأذرعي وأخذ عنه ولم يزل مقيماً بمكانه يعلِّم الصغار ويؤم بالمسجد المذكور إلى أن هرم وضعفت إحدى عينيه مع كتابته الحسنة وعقله لم يختل وحجّ مرات.
إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى في ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الأول سنة أربعين وثمان مائة عن إحدى وتسعين سنة وقبر بمقابر بيت لهيا بوصية منه بذلك في يوم الجمعة قبل الصلاة.
وقد استفدنا منه الكثير وهو من جملة من روى لي مصنفات ابن كثير عنه، وكان شيخنا أيام الصغر في القرآن وله علينا الإحسان، جمع الله بيننا وبينه في دار كرامته.
* ثم أحببت أن أذكر ترجمة بلديه الشيخ شهاب الدين (١) الأذرعي فنقول:
أحمد بن حمدان بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد الغني بن محمد بن سالم بن داود بن يوسف بن جابر الأذرعي الأصل ثم الحلبي الشيخ الإمام العلامة الأوحد البارع المطلع، عالم بلاد الشمال في عصره والمتقدم في تلك النواحي على أهل مصره شهاب الدين أبو العباس صاحب المصنفات السائرة النافعة المباركة.
كان المذكور إماماً عالماً كبيراً جليل القدر مطلعاً على كلام الأصحاب ونصوص الإمام الشافعي واسع الباع في ذلك، ليس لأحد من المتأخرين ما له من الفوائد والنقل والاستحضار مع الديانة وكثرة الخوف من الله تعالى وسلامة الصدر، كريماً سخياً محاسنه كثيرة، ومن اطلع على مصنفاته تحقق
стр. 72
ما قلته، ورعاً في نقله كثير التحري والتفتيش مقتحمًا على الحق لا يسمح بالتخفيف سيما إذا كان الأمر معضلًا، أو يكون كلامه في المواضع التي مصالحها عامة كالقضاء وغالب المعاملات، وأنت ترى صنيعه في أخذ القوت سيما في أبواب القضاء وتلك المواضع. . . . فجزاه الله خيراً.
مولده كما ذكره لبعض طلبته في سنة ثمان وسبع مائة بأذرعات.
وأخذ عن الأئمة الأعلام أصحاب الفنون كالسبكي الكبير والفخر المصري ولزمه وتخرّج عليه وأذن له بالإفتاء سنة خمس وثلاثين.
ورحل في طلب العلم بنفسه وجدّ واجتهد وبرع في المذهب وسمع الحديث من المزي والذهبي وغيرهما وله اطلاع في علم الحديث ومعرفة رجاله.
ومن رأى مصنفاته شهد له بذلك وله السؤالات المسماة بالحلبيات للشيخ تقي الدين السبكي وبعض الأسئلة أفحل من الجواب.
وبحث مع الشيخ بالقاهرة في مسألة الجبيرة، وقد أثنى الشيخ عليه وعلى مصنفاته وقال إنها مفيدة غير مرة.
ورحل إليه الإمامان الزركشي والبيجوري وبحثا عليه، وكتب البيجوري القوت، قال جمال الدين ولد الشيخ شهاب الدين الأذرعي: إن البيجوري لما قدم عليهم كان يكتب المجلد من القوت في شهرين ويطالع ويبحث مع الشيخ في مسائل فتارة يوافقه الشيخ وتارة يخالفه ويبين له وجه الحق.
وبالجملة: فكان الشيخ شهاب الدين أحد أئمة المذهب في زمانه وفقيه عصره بل فقيه أوانه.
ومن مصنفاته القوت الشرح المشهور على المنهاج والغنية عليه أيضاً لكنها نكت عظيمة وهي أحسن من الشرح. . . . والمتوسط الكتاب الحافل على الرافعي والروضة ومنه استمد الزركشي في كتابه الخادم ومشى على سؤاله وروى لي عنه مصنفات النووي سماعه من شيوخي منهم الشيخ علاء الدين بن سلامة المكي وكذلك بلديه المتقدم الشيخ محمد الأذرعي، وأخذ عنه جماعة من القضاة يحصرون.
توطّن ﵀ بحلب وتصدى بها لنفع الناس ودرّس بها بالأسدية وغيرها.
стр. 73
وتوفي إلى رحمة الله تعالى بحلب كما أخبرني ولده جمال الدين عبد الله في يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وسبع مائة.
وله نظم حسن منه ما أنشدنيه تلميذه صاحبنا العلامة شمس الدين محمد بن أبي الحياة الحلبي المتقدم في أوائل المحمدين وهو قوله:
كم ذا برأيك تستبد ... ما هكذا الفعل الأسد
أأمنت جبار السماء ... ومن له البطش الأشد
فاغنم. . . في الحياة ... فما مضى لا يسترد
واعلم يقيناً أنه ... ما من مقام العرض بد
عرض به يقوى الضعيف ... ويضعف الخصم الألد
واخجلتا من موقف ... فيه خطايانا تُعد
ما لي هناك وسيلة ... أرجو بها أزري يشد
إلا شهادة أنه ... سبحانه في الكون فرد
وشفاعة الهادي البشير ... ومن له الجاه الأمد
صلى عليه ربنا ... ما سبح الرحمن عبد
* * *
الشيخ بدر الدين الزركشي
محمد بن (١) عبد الله بن. . . المصري الشهير بالزركشي الإمام العلامة بدر الدين صاحب المصنفات المباركات النافعات.
стр. 74
فمنها تكملة شرح شيخه الأسنوي المنهاج ثم شرع في تكملته من الأول فحينئذٍ صار شرحاً مستقلًا وهو شرح حسن كثير الفوائد وله الخادم أيضاً وهو الكتاب الحافل على الشرح والروضة في معنى التوسط كما تقدم، والتنقيح على البخاري وشرح جمع الجوامع والبحر في الأصول وثلاثة أجزاء جمع فيه جمعاً كثيراً لم يسبق إليه وغير ذلك.
وكان المذكور فقيهاً أصولياً أديباً فاضلًا صنّف في الأدب كتاباً سماه ربيع الغزلان.
أخذ العلوم عن الأسنوي ومن في طبقته وسمع الحديث بدمشق وغيرها ومهر في الفنون، وكان فاضلًا في جميعها ودرس وأفتى وانتصب للإشغال والإفادة فتخرّج عليه جماعة من الفضلاء ومن أخصهم به شيخنا العلامة شمس الدين البرماوي حتى أذن له في إصلاح مصنفاته كما أخبرني به بذلك شيخنا المذكور.
درس الشيخ بدر الدين بالقاهرة بعدة مدارس وولي مشيخة خانقاه كريم الدين بالقرافة الصغرى ودفن بها.
وإنما ذكرنا ترجمة الشيخ بدر الدين وإن كان ليس على شرطنا لما ستعلمه في وفاته لأنه. . . الشيخ وأخذ عنه كذا بلغني ثم رأيت ذلك مصرحاً به في ترجمة الشيخ لولديه وقد عده من أصحابه غيرهما ممن ترجم للشيخ بعدهما.
مات كهلًا في رجب سنة أربع وتسعين وسبع مائة رحمه الله تعالى.
* * *
شمس الدين القليوبي
محمد بن (١) عبد الله بن أبي بكر القليوبي الشيخ العالِم المفنن البارع
стр. 75
شمس الدين أبو عبد الله أحد تلامذة الشيخ جمال الدين الأسنوي الفضلاء.
وقال شيخنا الحافظ ابن حجر: اشتغل المذكور وتقدم ومهر وفضل وشغل الناس واشتهر بالدين والخير، وكان متقللًا، كان في أواخر عمره قرر في مشيخة الناصرية بسرياقوس (١) فصلح حاله وكان متواضعاً ليّن الجانب، صحب الشيخ ولي الدين المنفلوطي وتأدب بآدابه.
مات في جمادى الأولى سنة ثنتي عشرة وثمان مائة رحمه الله تعالى.
جمال الدين ابن ظهيره
محمد بن (٢) عبد الله بن ظهيره المكي الإمام العلامة الحافظ المفنن البارع قاضي القضاة جمال الدين عالم الحجاز في زمنه وشيخ تلك النواحي ومفتيها.
تفقه بمكة على قاضيها أبي الفضل النويري، وسمع الحديث بها على الشيخ خليل المكي والشيخ عبد الله اليافعي والقاضي عز الدين بن جماعة، وتفقه بدمشق على العماد الحسباني، وبحلب على الأذرعي، وبمصر على الشيخ وابن الملقن، وأخذ الحديث عن العراقي.
وأفتى وصنف وتصدى للتدريس نحو أربعين سنة، ثم ولي قضاء مكة من سنة ست وثمان مائة إلى أن مات إلا أنه صرف مراراً وأعيد، ومات وهو على القضاء.
стр. 76
قال شيخنا ابن حجر: اشتغل بالفقه والفنون وعني بالحديث فرحل فيه مراراً إلى دمشق وحلب ومصر والقدس وحصّل الأجزاء وفوائد الشيوخ، وكتب بخطه الدقيق الحسن كثيراً، وأثبت أسماء من سمع معه وتصدى للإفادة قديماً واستمر على ذلك مع الدين والخير والصبر على الطلبة.
وكان قد كتب شيئاً على الحاوي وخرّج له الحافظ صلاح الدين الأقفهسي معجماً جيداً وحدّث بالكثير.
وكان كثير الأوراد حسن السمت ظاهره الوقار قليل الكلام فيما لا يعنيه.
وقال الحافظ تقي الدين الفاسي: كان بارعاً في الفقه والنحو مشاركاً في الأصول وغير ذلك حافظاً لأسماء الرواة عارفاً بالعالي والنازل وغير ذلك من متعلقات الحديث، ويستحضر كثيراً من شرح مسلم فيما يتعلق بغريب الحديث والفقه وكان حسن السيرة في قضائه ذا حظ من العبادة والخير وأذن له بالإفتاء العماد الحسباني والشيخ.
وكتب على الحاوي من البيع إلى الوصايا، ذكر فيه فروعاً كثيرة وجمع جزءاً فيما يتعلق بزمزم ونظم قواعد الإعراب لابن هشام وله شعر كثير حسن.
توفي بمكة في رمضان ليلة الجمعة سادس عشر سنة سبع عشرة وثمان مائة. انتهى.
قلت: وكان مولده في ثالث عشر شوال سنة إحدى وخمسين وسبع مائة وقدم حلب في سنة ست وسبعين طالباً للعلم فتفقه فيها على الأذرعي وسمع بدمشق من أصحاب ابن الفخر البخاري وقرأ بدمشق أيضاً على القاضي بهاء الدين بن أبي البقاء السبكي ثم رجع إلى مكة وأقام بها.
قال القاضي علاء الدين ابن خطيب الناصرية: وكان إماماً عالماً
стр. 77
محدثاً فقيهاً ديِّناً ورعاً ولّي قضاء القضاة على مذهبه بمكة المشرفة والخطابة بها وشغل بها الطلبة وأفتى وخرّج وصار عالم الحجاز في زمنه، واجتمعت به في حجتي سنة ست عشرة وثمان مائة وأقام للناس الحج تلك السنة وخطب الناس بمسجد نمره وسمعت خطبته ذلك اليوم وبمكة وكان خطيباً بليغاً وله نظم جيد ومنه قصيدته التي مدح فيها النبي ﷺ وهي هذه:
قلب المحب عن العذال مشغول ... فليس ينفع فيه القال والقيل
كيف السلو وأهل الحفظ قد نقلوا ... حديث أهل الهوى ما فيه معلول
وجدى مسلسله قد صح متصلا ... بالحسن متصف يرويه مقبول
والجسم مضطرب حل السقام به ... والدمع مرسله من دونه النيل
والقلب أضعفه قطع الوصال كما ... قد أوقف النوم تجريح وتعديل
يا سادة درجوا مشهور مسندهم ... لا تعضلوا بشذوذ فيه مجهول
ففي فؤادي من حبي لكم جمل ... لها بمطلق دمعي كم تفاصيل
هل عائد من أحبائي وهل صلة ... ليرجع الصب عنهم وهو موصول
إن ميزوني. بعطف فهو نعتهم ... وإن هم حفظوا رفعي فحمول
هم عرفوني وكان الحال نكرني ... فكيف أصرف وجدي وهو معلول
بسيط حبي فيهم وافر وكذا ... سريع دمعي على الخدين مطلول
وكامل الشوق لا ينفك عن رحل ... طويله لمديد القطع مشكول
ما غير البعد عهدي عن محبتهم ... وإن قلبي على التذكار مجبول
والله ما اكتحلت عيني بغيرهم ... هذا وكم بيننا عن حبهم ميل
ولم أذق وسناً من بعد بعدهم ... وكيف والجفن بالتسهيد مكحول
تعليق فضلهم تمت نهايته ... وحاصل الصبر في التحقيق محصول
لإن أتاني بتقريب الوصال لهم ... مهذب فقراه اليوم تسهيل
أو شاهدت مقلتي أطلال ربعهم ... فليهنني فيه تمريغ وتقبيل
بالله يا صاحبي قف لي بسفح قبا ... ولا توقف فعقل ثم معقول
стр. 78
وإن لمحت قباباً بالعقيق بدت ... فانزل وبادر وسيف العزم مسلول
وسر على الرأس للدار التي ظهرت ... فثم للنور والفرقان تنزيل
واقصد إلى مسجد واحلل بروضته ... وصل واخضع وسل فالفضل مبذول
وانقل إلى الحجرة الغراء خطاك وقف ... مستغفراً نادماً والدمع مسبول
واقري السلام على خير الأنام ومن ... أسرى به ورفيق السير جبريل
وكلم الله جهراً بعد رؤيته ... وناله منه تعظيم وتبجيل
وأمّ بالأنبيا والرسل قاطبة ... في محفل وظلام الليل مسدول
الله أعطاه ما لم يعطه أحداً ... وكم له منه تكريم وتفضيل
فهو الشفيع بخلق الله كلهم ... في موقف عظمت فيه التهاويل
والخلق قد أُلجموا في يومهم عرقاً ... والوالد البر عن ابناه مذهول
والمرسلون يقولون اذهبوا فلنا ... عذر وكل امرئ بالنفس مشغول
عليكم بإمام الرسل خاتمهم ... محمد فعليه اليوم تعويل
فيهرعون له وهو المعد لها ... وقد بدا منه ترحيب وتأهيل
فيحمد الله تحميداً يعلمه ... إياه بعد سجود فيه تطويل
فيرفع الرأس والرحمن قال له ... سل تعط واشفع تشفع أنت مقبول
ذو المعجزات التي ما نالها أحد ... من النبيين تشريف وتكميل
فيه كتاب من الرحمن أنزله ... عليه فيه جميع العلم محصول
قد أعجز الخلق أن يأتوا بمشبهه ... بل سورة منه إجمال وتفصيل
طوبى لمن قد وعا في الناس محكمهُ ... ولم يفته له معنى وتأويل
وبعده استقبل الآثار ينقلها ... عن سادة لهم مجد وتأثيل
وقدم السنة الأولى قد اشتهرت ... بين الورى ولها نفع وتحصيل
وخيرها الجامع المشهور أفضلها ... جمع البخاري من ذي العرش تنويل
ما مثله في التصانيف التي وجدت ... جزاء جامعه يوم الجزا السول
قد فاز سامع ذا التصنيف في حرم ... بحضرة البيت حيث الخير مأمول
يا صاح لازم حديث المصطفى فيه ... تنال لا شك في الدارين تأميل
стр. 79
حديث خير الورى من جا بمبعثه ... رسل وصحف وتوراة وإنجيل
يا سيد الرسل يا أزكى الورى شرفاً ... ومن فضائله لم يُحْصِها جيل
محمد عبدك المسكين ناظمها ... يبغي نوالًا له بالباب تطفيل
فذاك والده عبد الإله كذا ... ظهيرة جده فالجود مبذول
كذاك سامعها أيضاً ومنشدها ... فمن أتاكم دخيلًا فهو محمول
عليك أزكى صلاة الله دائمة ... ما دام في الأرض تسبيح وتهليل
والآل والصحب والأزواج كلهم ... والحمد لله هذا الحمد تكميل
وللشيخ جمال الدين المذكور مسائل أرسلها إلى القاهرة ليستفتي فيها الشيخ وهي مشهورة لعلها تشبه مسائل الأذرعي المسماة بالحلبيات التي سألها للسبكي الشيخ تقي الدين.
وقد اجتمع الوالد بالشيخ جمال الدين بمكة في أيام مجاورته وأشار على الوالد بإقراء الأصول بالمسجد الحرام في سنة سبع وثمان مائة بتقديم السين ففعل ذلك وانتفع بذلك فضلاء مكة على الوالد ومنهم الفاضل محب الدين ولد الشيخ جمال الدين بن ظهيره الآتي في الأحمديين، وكان ذلك مقصود الشيخ جمال الدين.
قال الوالد: ثم أَني لما شرعت في إقراء الأصول بالمسجد الحرام لم اكتب على فتوى اكتفاء بسيدنا قاضي القضاة جمال الدين لعلمي بدينه وعلمه، وناهيك بهذا الكلام من شيخ الإسلام وكفى له بذلك ترجمة ومنقبة.
وقد ذكر شيخ الإسلام ما قدمناه في أول شرحه لجمع الجوامع وفي كتابه البديع المسمى بالجواب الراسي لمسألة الفاسي وسيأتي نسب هذا المصنف في ترجمة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 80
الشيخ الصالح شمس الدين البرشنسي
محمد بن (١) عبد الرحمن بن عبد الخالق بن سنان البرشنسي بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وسكون النون قبلها شين معجمة المصري الإمام العالم العامل المفنن البارع شمس الدين.
مولده سنة أربع وخمسين وسبع مائة.
سمع من جماعة واشتغل بالفقه والحديث والعربية، وأقرأ وأشغل زماناً وناب في الحكم عن ابن ميلق.
قال شيخنا الحافظ أبو العباس العسقلاني: وكان ديّناً خيراً، نظم أرجوزة في الحديث وشرحها وجمع كتاباً في فضل الذكر سمعت عليه قليلًا.
مات في أحد الجمادين سنة ثمان وثمان مائة. انتهى.
قلت: وهو من فضلاء طلبة الشيخ جمال الدين الأسنوي ومن طبقة القليوبي المتقدم كما أخبرني من أثق به من فضلاء المصريين ومن الأخيار الصالحين.
* * *
الشيخ شمس الدين ابن المنهاجي
محمد بن (٢) عبد الرحمن بن أحمد الإمام العلامة شمس الدين المصري المعروف بالمنهاجي وهو سبط الشيخ شمس الدين ابن اللبان.
стр. 81
ولد سنة إحدى أو اثنتين وسبعين وسبع مائة، واشتغل بالعلوم.
قال رفيقه شيخنا ابن حجر: ومهر في مدة قريبة وأتقن الفقه والأصول والعربية وشغل الناس مدة وأقام بجامع عمرو بن العاص يعمل المواعيد ويشغل الناس بالعلم وانتفع به أهل مصر خصوصاً.
وكان متواضعاً منجمعاً حسن النظم والنثر له قصائد نبوية سائرة ومقاطيع مستحسنة.
حجّ في وسط عام ستة وثلاثين في البحر، وحصل له في الطريق مشاق، ودخل مكة فحصل له قبول تام، وعمل بها مواعيد وأقرأ الحديث وشغل بالعلم ثم حجّ مع الناس صحيحًا، فلما رمى الجمرة في الثالث مات آخر النهار، ودفن بجوار السيدة خديجة بالمعلا -رحمه الله تعالى.
* * *
شيخنا العلامة شمس الدين البرماوي
محمد بن (١) عبد الدائم بن موسى النعيمي العسقلاني الأصل البرماوي المصري شيخنا الإمام العلامة الأوحد البارع القدوة المحقق شمس الدين ذو الفنون الحديث والفقه والأصول والعربية والفرائض وغيرها من العلوم، ومصنفاته في الفنون نظماً ونثراً مشاهدة معدلة له بذلك.
كان ﵀ أجمع من رأيناه للعلوم مع اتساع فيها ومن أحسنهم
كلاماً وتقريراً وبحثاً.
стр. 82
مولده كما وقفت عليه بخطه في ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبع مائة.
تفقه على المشايخ، وأخذ العلم عن كبار مشايخ الفن كالشيخ وابن الملقن والزركشي والشيخ عز الدين بن جماعة وتلك الحلبة، والحديث عن العراقي، وبرع ومهر في الفنون.
ودرّس وأفتى وصنّف التصانيف الكثيرة النافعة في الفنون فمنها أرجوزته في الأصول وشرحها، وكذلك في النحو والحديث والفرائض، وشرح العمدة جمع فيه شيئاً كثيراً ووسمه بجمع العدة لفهم العمدة وقد وقفت عليه، وجمع كتاباً على البخاري وقفت عليه في القدس وهو حسن -بلغني أنه ألّفه بمكة في سنة تسع وعشرين في أخريات عمره لكنه أجحف في اختصاره.
وكان يقرأ على الشيخ في مختصر المزني وهو من أعيان جماعته الملازمين له وقد أكثر النقل عنه في مصنفاته وأذن له الشيخ بالإفتاء والتدريس.
ودرس وأفتى في أيام الشيخ وأفاد وناب في الحكم عن القاضي بدر الدين بن أبي البقاء في حياة الشيخ ولم يسهل على الشيخ ذلك لئلا يشتغل بالحكم عن العلم.
وكان شيخه العلامة بدر الدين الزركشي كثير التعظيم له حتى أذن له في إصلاح مصنفاته وتهذيبها كما قال لي شيخنا غير مرة وكان يصلح فيها بحضورنا في الدرس عليه غير مرة وقد ذكرنا ذلك في ترجمة الزركشي.
وتصدى لنفع الناس في الإشغال والإفتاء وصار شيخ الشافعية في القاهرة ثم قدم الشام في أوائل جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين في أخريات حياة الوالد.
وكان قبل قدومه بيسير أرسل القاضي جلال الدين ابن الشيخ كتاباً إلى الوالد وكان كثير المكاتبة والصحبة له وفي هذا الكتاب يقول وهذه عبارته بعد مقدمات الكتاب: والذي يطالع به العلوم الكريمة الآن: أن الشيخ الإمام العالم العلامة شمس الدين مفتي المسلمين البرماوي هو أحد أعيان أولاد
стр. 83
شيخ الإسلام ﵁ في العلم والإشغال وله بالفقير خصوصية قديمة من زمان متقادم والآن فقد خطر له التوجه إلى الشام المحروس لزيارة الصالحين والإحاطة بالشام علماً وقد عرفه الفقير أن مولانا الشيخ هو شيخ الشام والمرجع إليه في الشام مع أهل العلم والاهتمام.
هذه عبارة الإمام القاضي جلال الدين في كتابه إلى الوالد بسبب المذكور.
وهذه الترجمة من القاضي جلال الدين في حق المذكور منقبة فإن القاضي جلال الدين من كبار العلماء ولا يترجم بهذه العبارة إلا من هو في طبقة والده.
ولقد وقفت له على ترجمة لبعض العلماء البارعين دون هذه، والمقصود أن شيخنا كان يستحق هذه الترجمة وأعلى منها.
فقدم شيخنا إلى الشام فأكرمه الوالد وأضافه بمنزله بالصالحية وكذلك القاضي نجم الدين ابن حجي وأنزله في بيت الخطابة بجامع دمشق فلم تطل إقامته ورجع إلى بلده، ثم قدم بأهله وجماعته بطلب من القاضي نجم الدين في سنة ثلاث وعشرين بعد موت الوالد كما ستعلمه في ترجمته.
واستنابه القاضي نجم الدين في نيابة الحكم والخطابة بجامع دمشق وأحسن إليه، وولاه إفتاء دار العدل بعد والدي نيابة عني، والرّواحية بعد موت الشيخ برهان الدين بن خطيب عذراء والأمينية ودرس بها يوماً واحداً، وأضاف إليه وظائف أخرى تقوم بأوده وكان فقيراً جداً فانصلح حاله وانتفع به القاضي نجم الدين في العلوم وكان كثير المذاكرة عنده ويجتمع عندهم بعض الفضلاء فينتفع القاضي بواسطة ذلك.
وقرأ عليه طلبة دمشق الفضلاء منهم تاج الدين بن بهادر، وكان كثير الملازمة له وجلس للإشغال بجامع دمشق من بكرة إلى الظهر بباب الخطابة، وبعد ذلك بالإفتاء إلى آخر النهار.
وأقرأ المنهاج والتنبيه والحاوي، قسم كل واحد في سنة، ودرس
стр. 84
بالشامية البرانية والجوانية نيابة عن القاضي نجم الدين في الروضة وغيرها.
وبحث في الدروس مع علماء الشام إذ ذاك كابن سلام وشيخنا الكفيري شمس الدين وبلديه محيي الدين المصري وابن خطيب عذراء وغيرهم من الأعلام. وكان أكثر بحثه مع ابن سلّام لمشاركة كل منهما لصاحبه في الفنون ويكاد يحصل منهما الكلام السيء.
ثم إن شيخنا في آخر إقامته بدمشق قسّم المنهاج في أثناء سنة ست وعشرين وثمان مائة وحضره الفضلاء فوقع الفصل في أثناء ذلك فلم يتم الأمر.
وكان له ولد جميل الصورة -كان أحد القراء عليه في الكتّاب- فمات في الطاعون عن ثمانية عشر سنة ولم يكن له غيره فكمد من ذلك وظهر عليه الجزع والحزن وتأسف عليه غاية الأسف، وصادفه عزل القاضي نجم الدين من القضاء في تلك الأيام.
فرحل في منتصف شعبان من السنة إلى بلده، وأطبق عليه الطلبة وصار بركة مصره وشامه وعالم زمانه، وقصده الناس للإفتاء والأخذ عنه ثم رحل إلى الحجاز الشريف وجاور بمكة في سنة تسع وعشرين وفيها شرح البخاري، وانتفع عليه أهل الحجاز، فعاد في آخر السنة فتوفي إذ ذاك الشيخ شمس الدين الهروي بالقدس وكان شيخ الصلاحية كما سيأتي في ترجمته فولي شيخنا عوضه وكان ذلك بواسطة القاضي نجم الدين بن حجّي فإنه كان بمصر إذ ذاك.
فلما رجع الشيخ إلى القاهرة مكث أياماً يسيرة حتى تجهّز إلى القدس الشريف فقدمه في أثناء سنة ثلاثين وثمان مائة، وفرح بذلك غاية الفرح كما بلغني، وحق له ذلك، فإنها خاتمة حسنة عقيب المجاورة مباشرة.
فباشر الصلاحية بحمد الله على ما ينبغي وسر به المقادسة، وإلى الآن يتأسفون عليه كما شاهدته منهم ويذكرونه بكل جميل، وأحيا الله به العلم في تلك البقعة الشريفة.
стр. 85
ولازمهُ جماعة في دروسه العامة بالمسجد الأقصى غير درس الصلاحية وتغبط به أهل ذلك المكان، فلم تطل المدة فنعق بهم غراب التفريق، فاشتكى أياماً يسيرة وانتقل إلى رحمة الله تعالى في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وثمان مائة عن ثمان وستين سنة، ودفن بمقبرتهم بماملا، وقد زرته في أيام زيارتي لبيت المقدس -رحمه الله تعالى- وجمع بيننا وبينه في دار كرامته.
* * *
العلامة بدر الدين ابن الشيخ -رحمهما الله -
محمد بن (١) عمر بن رسلان بن نصير البلقيني الإمام العلامة القاضي بدر الدين أبو عبد الله بن الشيخ -أسنّ من القاضي جلال الدين بسنوات، وسبط الشيخ بهاء الدين بن عقيل.
ولد قبل الستين واشتغل بالعلم على مشايخ العصر، وبلغني أنه حضر عند الشيخ جمال الدين الأسنوي بإشارة والده وأخذ عن جده الشيخ بهاء الدين أيضاً
وسمع الحديث ودرس وأفتى وولي قضاء العسكر ونزل له والده ولأخيه عن غالب وظائفه -وقد أشرنا إلى ذلك في ترجمة الشيخ- فلما مات القاضي بدر الدين استقر عوضه في وظائفه أخوه القاضي جلال الدين.
ولما ولي والده قضاء الشام قدم معه مراهقاً، وكان حفظ عدة كتب فعرضها على مشايخ الشام إذ ذاك كالعماد ابن الحسباني وابن كثير، ومن في طبقتهما وأثنى عليه المشايخ.
стр. 86
وقد بسط ذلك في ذكر عبارة المشايخ في حقه وحق والده في إجازاته لما عرض عليهم أخواه القاضي جلال الدين وعلم الدين، ثم رجع مع والده واشتغل ومهر وفاق أقرانه وتقدم.
وكان شكلًا حسناً محبباً عند والده ظنيناً به فأدركه أجله وفجع به والده فمات شاباً في ثامن شعبان سنة إحدى وتسعين وسبع مائة وقد جاوز الثلاثين بيسير -رحمه الله تعالى وعفا عنه وعنا به ودفن بمدرسة والده التي أنشأها.
* * *
الشيخ شمس الدين النابلسي
محمد بن (١) علي بن يعقوب النابلسي ثم الحلبي الشيخ العالم الفاضل المفنن البارع شمس الدين أبو عبد الله.
مولده سنة بضع وخمسين وسبع مائة وكتابه التنبيه ثم المنهاج ثم التمييز وشرع في حفظ الحاوي وحفظ أيضاً التسهيل والشاطبية ومختصر ابن الحاجب ومنهاج البيضاوي وغير ذلك، وتفقه ومهر ودرس، وكان يكرر على محفوظاته.
قال الحافظ أبو إسحاق الحلبي: وكان سريع الإدراك محافظاً على الطهارة شديد الورع سليم اللسان صحيح العقيدة، لا أعلم بحلب أحداً على طريقته.
وكانت وفاته في ربيع الآخر سنة أحد وثمان مائة بحلب رحمه الله تعالى.
стр. 87
شمس الدين الكفتي
محمد بن (١) علي بن. . . . الدمشقي العالم الفاضل المفنن شمس الدين أبو عبد الله الشهير بالكفتي.
اشتغل وفضل ومهر وألف وحضر عنده مشايخ بلده وظهرت فضائله، وبرع سيما في اللغة والعربية فله فيهما اليد البيضاء مع مشاركة في الفقه والأصول وغيرهما.
وسمع الحديث وصنّف كتاباً نفيساً صغيراً سماه مختصر فقه اللغة وهو عندي بخطه وفيه فوائد جمة تشهد له بالاطلاع والفضل.
وكان نزهاً خفيف الروح -مات ﵀ في طاعون سنة أربع عشر وثمان مائة.
* * *
الشيخ شمس الدين ابن القطان
محمد بن (٢) علي القطان المصري، يعرف بشيخ مصر العتيقة الإمام العلامة الأوحد البارع ذو الفنون شمس الدين أبو عبد الله.
مولده سنة ثلاثين وسبع مائة.
وكان أبوه قطَّاناً داخل باب زويلة فنشأ ولده هذا في طلب العلم ولازم الشيخ بهاء الدين بن عقيل وتقدم عنده وتزوج بابنته وقرأ في الأصول على
стр. 88
العماد الأسنوي أخي الشيخ جمال الدين والعربية على ابن الصايغ.
ومهر في الفنون كلها وصنف في القراءات وعلق على الألفية شرحاً.
قال شيخنا ابن حجر: ورأيت بخطه شرح البخاري لشيخنا ابن الملقن في مجلدين كتبه عن مؤلفه في سنة خمسين ودرس في عدة أماكن وأفتى.
وقد كان انفرد في مصر العتيقة بذلك حتى صار كثير من الرؤساء يقدمه على كثير من المشايخ لقوة ذهنه وكثرة استحضاره.
وهو أول شيخ اشتغلت عليه.
وناب في الحكم بآخره عن القاضي جلال الدين ابن الشيخ، وتصرف في تركة والدي تصرفاً عجيباً لأنه أحد الأوصياء. انتهى.
قلت: وممن أخذ عنه أيضاً من القضاة شيخنا العلامة محيي الدين المصري.
وتوفي في شوال سنة ثلاث عشر وثمان مائة عن ثلاث وثمانين سنة -رحمه الله تعالى.
جمال الدين الشيبي
محمد بن (١) علي بن محمد بن أبي بكر القاضي العالم جمال الدين الشيبي المكي، مولده في أول سنة ثمان وسبعين وسبع مائة.
رحل إلى مصر والشام وغيرهما واشتغل في العلم وأخذ عن مشايخ عصره ورجع إلى مكة وولي إمامة البيت في سنة ثمان وعشرين وثمان مائة، ثم ولي قضاء الشافعية بمكة في شعبان سنة ثلاثين.
стр. 89
قال بعض المكيين: وكان الناس مجمعين على محبته، لا تراه عين إلا قرت برؤيته ولا تسمع به أذن إلا وأصغت لحسن سيرته.
وصنّف تصانيف كثيرة منها شيء على الكافي الصغير سماه قلب القلب شحنه في الفوائد وأودعه درر الفرائد دلّ على سعة اطلاعه، ومنها كتاب الأمثال صنفه لصاحب اليمن الملك الناصر أحمد بن الأشرف، وفي آخر حياته صنف كتاباً سماه اللطف في القضاء، وله ذيل على حياة الحيوان سماه طيب الحياة.
ودخل شيراز (١) فأكرمه صاحبها ووصل مراغه (٢) وبغداد، وكتب، بخطه الحوادث من يوم بلوغه إلى وفاته، وكان خاتم زمانه.
توفي في شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وثمان مائة -رحمه الله تعالى.
قلت: ورأيته في حجتي سنة ثلاث وثلاثين، وكان شكلًا حسناً منور الشيبة عليه أبهة العلم عفا الله عنه.
شمس الدين القاياتي
محمد بن (٣) علي بن. . . القاياتي شيخنا الإمام العلامة شمس الدين أوحد المهرة المفننين المحققين.
стр. 90
مولده تقريباً في حدود الثمانين وسبع مائة.
أخذ العلوم النقلية والعقلية من وجهها من الأئمة الأعلام، ومهر فيها سيما العقليات.
ومن شيوخه الشيخ عز الدين بن جماعة، والقاضي شمس الدين البساطي، وشيخنا الإمام شمس الدين البرماوي، وحضر مجالس الشيخ كما أخبرني به، ومجالس ولده جلال الدين، ولازم شيخنا الإمام ولي الدين العراقي وكان من أعيان جماعته، ثم لازم الإمام علاء الدين البخاري وقرأ عليه في الأصول والمعقول وهو الذي. . . . الدولة الأشرفية فولي من الأشرف شيخه الشافعية بمدرسة. . . .
* * *
القاضي بدر الدين ابن أبي البقا السبكي -وبيته -
محمد بن (١) محمد بن عبد البر بن يحيى بن علي بن تمام العلامة قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن الإمام العلامة قاضي القضاة بهاء الدين بن أبي البقاء بن القاضي سديد الدين بن القاضي صدر الدين الأنصاري الخزرجي السبكي.
مولده في شعبان سنة إحدى وأربعين وسبع مائة.
سمع بدمشق من أبي اليسر ونفيسة بنت الخَبَّاز وعلي بن المعمر وغيرهم، وأخذ العلم عن والده وغيره من علماء العصر، وفضل في عدة
стр. 91
فنون وأشغل ودرس وأفتى وحدث بمصر والشام وينبع من طريق الحجاز ودرّس بدمشق بالأتابكية والرواحية وغيرهما.
وناب عن والده في القضاء بالقاهرة وباشر عدة من وظائفه وولي مشيخة الحديث بالقبة المنصورية ولما انتقل والده إلى قضاء الشام ولي عوضه تدريس المنصورية والشافعي ولي القضاء بالقاهرة مستقلًا عوضاً عن ابن جماعة في شعبان سنة تسع وسبعين، وأُعطيت قبة الشافعي للشيخ البلقيني والمنصورية للقرافي، فباشر سنة ونحو أربعة أشهر، ثم أُعيد ابن جماعة في أوائل سنة إحدى وثمانين، واستمر القاضي بدر الدين بطالًا ليس بيده وظيفة أزيد من ثلاث سنين، ثم أعيد للقضاء في سلخ صفر سنة أربع وثمانين ودرس بقبة الشافعي لأن ابن جماعة كان قد أخذها في مباشرته وعوض الشيخ عنها الدرس بجامع طولون فباشر خمس سنين ونحو خمسة أشهر ثم عزل بابن الملقن، فلما توفي ابن جماعة ولي خطابة الجامع الأموي وتدريس الغزالية إلى أن وقعت الفتنة بالشام فصرف في رجب سنة إحدى وتسعين ثم ولي القضاء مرتين على القاضي صدر الدين المناوي وعزل في المرتين به -ومدة مباشرته ولاياته الأربع ثمان سنين وصنف في مدة ثمانية عشر سنة، وكان ليناً في مباشرته وفي لسانه رخاوة.
وكان ولده جلال الدين غالباً على أمره فمقت من أجله.
قال شيخنا ابن حجر: اشتغل في الفقه وغيره فمهر، وكان لين الجانب قليل المهابة بخيلًا بالوظائف حسن الخلق كثير الفكاهة، منصفاً في البحث، وكان أعظم ما يعاب به تمكينه ولده جلال الدين من أمور.
توفي في شهر ربيع الآخر قبيل الفتنة -التمرية سنة ثلاث وثمان مائة وله اثنان وستون سنة إلا أشهر- ﵀ وعفا عنه.
قلت: هو أفضل أولاد القاضي بهاء الدين أبي البقاء وله أخوة ثلاثة غيره منهم:
стр. 92
* قاضي الشام ولي الدين عبد الله (١)، ولي قضاء الشام بعد أبيه في سنة سبع وسبعين واستمر إلى وفاته وكتابه الحاوي وكان يستحضره ويدرس به في مدارس القضاء.
وقد ذكره الشيخ شهاب الدين ابن حجي في تاريخه وقال: كان من أذكياء زمانه وله نظم حسن ومشاركة في الفضل سمعنا عليه وعلى والده، وله كرم وإحسان لطلبة العلم.
مات كهلًا في سنة خمس وثمانين وسبع مائة، وولي بعده بالشام القاضي برهان الدين ابن جماعة.
* والثاني (٢): شهاب الدين أحمد وكنيته أبو العباس القاضي شهاب الدين وتمام نسبه تقدم في أخيه.
اشتغل على والده وغيره وفضل ولما توفي والده أعطى تدريس أم الصالح والظاهرية الجوّانية وكانتا بيد أخيه القاضي ولي الدين، فدرس بالظاهرية درساً واحداً ولم تطب له الشام فتوجه إلى مصر وأقام بها إلى أن مات.
وناب في القضاء بمصر عن أخيه بدر الدين وولي نظر بيت المال.
توفي قبل أخيه بسنة في ربيع الآخر سنة اثنتين وثمان مائة وقد جاوز الأربعين بسنوات -رحمه الله تعالى.
* الثالث: قاضي الشام وهو القاضي علاء الدين أبو الحسن (٣) علي، ولي قضاء الشام قبل الفتنة وبعدها مرات وكان يرتكب الدين المنصب وهو أول من وزن البرطيل في القضاء وأدى ذلك إلى ضرر في حاله حتى لما مات امتنع من الصلاة عليه جماعة من الناس.
стр. 93
وكان سبب موته أن السلطان الملك الناصر في بعض قدماته الشام كان المذكور قد التزم بمال كثير وولي القضاء فقدم السلطان عقب ولايته فطالبه بعض أعوانه المرجفين فكبس بيته فهرب القاضي من ناحية أخرى من البيت واختفى فأخذوا ما وجدوا في الدار وحصل للقاضي رجفة عظيمة فأثرت فيه وتمرّض عقب ذلك أياماً يسيرة ومات وذلك في سنة سبع -بتقديم السين- وثمان مائة.
وكان له اشتغال على والده ومشاركة في الفضائل في الجملة، وكان شكلًا حسناً قليل شعر اللحية يخطب خطباً بليغة في الجامع بصوت جهوري حسن، وناب له جماعة في أيام مباشرته وامتحن مرات وكشف عليه ورمي بأمور وأهين من غرمائه في القضاء كالأخنائي وغيره.
وكان عنده صبر واحتمال للأذى كثير الحياء سامحه الله وإيانا -مولده سنة تسع وخمسين وسبع مائة.
* وأما والدهم (١): فهو الإمام العلامة ذو الفنون قاضي القضاة بمصر والشام، بقية العلماء الأعلام بهاء الدين أبو البقاء -وتقدم نسبه أولًا في ترجمة ابنه القاضي بدر الدين.
وذكره الذهبي في المعجم المختص فقال: محمد بن عبد البر بن يحيى بن علي القاضي العلامة بهاء الدين أبو البقاء السبكي الشافعي إمام متبحر مناظر بصيرٌ بالعلم محكم للعربية وغيرها.
ولد سنة سبع وسبع مائة، وطلب الحديث وحصل وناب في الحكم لابن عمهم مع الدين والتقى والتصون. انتهى كلام الحافظ الذهبي.
стр. 94
وناهيك بهذه الترجمة من الذهبي وهو إذ ذاك من شبان طلبة العلم ومراد الذهبي بابن عمهم القاضي الإمام شيخ الإسلام تقي الدين السبكي.
ولي المذكور قضاء مصر والشام وانتفع عليه الأئمة منهم الشيخ سراج الدين بن الملقن وذكره في طبقاته.
وبلغني محن الشيخ جمال الدين الأسنوي أنه قال: لا أقدم عليه أحداً من علماء عصره -أو قريب من هذه العبارة.
وفي أخرياته ولي قضاء الشام استقلالًا وسار على ما يليق به إلى أن توفي في سنة سبع وسبعين وسبع مائة، وهي السنة المشهورة بموت الأعيان والغلاء، وولي بعده بالشام ولده القاضي ولي الدين كما تقدم -رحمهم الله تعالى.
* * *
الشيخ شمس الدين ابن الجزري
محمد بن (١) محمد بن محمد أبو عبد الله بن الجزري الدمشقي ثم الرومي ثم العجمي الشيخ المحدث المقرئ الفاضل الأديب المفنن القاضي شمس الدين.
ولد بدمشق ليلة السبت الخامس والعشرين من رمضان سنة إحدى وخمسين وسبع مائة، قال القاضي علاء الدين بن خطيب الناصرية فى تاريخه: كذا رأيته بخطه.
وحضر على ابن الخباز وروى لنا عنه واتهمه فى ذلك المصريون ومنهم الحافظ ابن حجر.
стр. 95
قلت: ولا وجه لاتهامه وحضور ابن الجزري عليه ممكن بل سماعه كما هو معروف عند أهل الحديث. انتهى.
وأخذ عن جماعة من علماء الإسلام كالقاضي بهاء الدين بن أبي البقاء، ومدحه الشيخ شمس الدين بأبيات، واستُحسنت منه في ذلك الوقت.
وبرع في علم القراآت وأتقنها وأخذها على وجهها من أئمتها كابن السلار نادرة زمانه في هذا العلم، وبرع في أيامه حتى أنه درّس بعد وفاته بمشيخة الإقراء بأم الصالح في حدود الثمانين وسبع مائة بحضرة الأعلام وشكر الأئمة درسه وممن حضره وشكره صاحبه الشيخ شهاب الدين بن حجّي قال: وكان درساً جليلًا حسناً.
وولي المذكور خطابة جامع التوبة بالعقيبة، وتنازع فيها هو والشيخ شهاب الدين بن الحسباني، ثم ولي قضاء الشافعية بالشام من قبل الظاهر برقوق الجركسي لكن لم يتم الأمر.
ودخل إلى القاهرة، وأخذ عن أئمتها كالشيخ ومن في طبقته، وكان له صيت في ذلك الوقت ثم ولي الصلاحية بالقدس الشريف.
ولم تطل مدته فرحل عقب ذلك بعد أمور اتفقت له من جهة الدولة إلى بلاد الروم فأكرمه صاحبها الملك أبو يزيد وأحسن إليه وبالغ في تعظيمه، واشتهر إذ ذاك في تلك البلاد، وبها أدرك أئمة من العلماء في الفنون وصنف في القراآت المصنفات الكثيرة النافعة، ونظم الكثير وله طبقات القراء.
ثم رحل بعد قتل أبي يزيد إلى بلاد العجم فعظم فيها وولي القضاء بشيراز.
قال القاضي علاء الدين الحلبي في تاريخه: قدم المذكور حلب سنة ثلاث وتسعين ثم توجه إلى بلاد الروم ونزل عند صاحب الروم السلطان أبي يزيد بن عثمان فأكرمه إكراماً زايداً، واستمر عنده معظماً إلى أن مات ابن عثمان ﵀ في سنة خمس وثمان مائة في أسر تمرلنك فسافر من
стр. 96
الروم إلى بلاد العجم فسكن شيراز وولي بها قضاء القضاة مدة سنين.
ثم توجه إلى بلاد الشام فدخل دمشق سنة ثمان وعشرين ثم سافر منها إلى القاهرة ثم حجّ وجاور بمكة ثم توجه إلى اليمن فأكرمه صاحبها ثم عاد إلى مكة ثم قدم القاهرة في سنة تسع وعشرين فأكرمه الأشرف، ثم رجع إلى بلاد العجم على طريق البصرة. انتهى.
قلت: ولما قدم المذكور دمشق في هذه السنة المذكورة رأيته واجتمعت عليه وكان حسناً عنده تواضع وله. . . كثير ورياسة ظاهرة وجلس بجامع دمشق عند باب الخطابة.
وكان شيخنا العلامة شمس الذين البرماوي واجتمع عليه بعض قراء دمشق وطلبتها وأخذوا عنه وسمعوا عليه، وكانت بضاعته مزجاة في العلوم سوى القراآت فإنه كان فيها علامة زمانه كما تقدم، ثم رحل إلى بلاد العجم وكان آخر العهد به.
توفي في ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وثمان مائة عن اثنين وثمانين سنة -رحمه الله تعالى- ولم يؤرخ وفاته القاضي علاء الدين الحلبي. انتهى.
الشيخ شمس الدين العيزري
محمد بن (١) محمد بن محمد بن الخضر بن شهر بن الزبير بن العيزري الغزّي الشيخ العلامة شمس الدين نزيل غزّة المحروسة.
ولد في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبع مائة.
стр. 97
اشتغل بالقاهرة وأخذ عن الشيخ شمس الدين بن عدلان وشهاب الدين الحكري وغيرهما.
وانتقل إلى غزة سنة أربع وأربعين فقطنها وارتحل منها إلى دمشق وأخذ عن الشيخ بهاء الدين الإخميمي والقطب التحتاني والقاضي تاج الدين السبكي.
قال شينا الحافظ قاضي القضاة ابن حجر أمتع الله ببقائه وسأل القاضي تاج الدين عن مواضع في جمع الجوامع أجابه عنها وسماها منع الموانع، وكتب إلي أنْ علّق على الشرح الكبير، ونظم أرجوزة في العربية وغير ذلك وصار المشار إليه في العلم ببلاد غزة.
وله مصنفات كثيرة في علوم متعددة منها مختصر الفوت وشرح جمع الجوامع وله نكت على المنهاج سماها الارتجاج على المنهاج في مجلد. . . . وقفت على مواضع منها وعبارته عقدة وله اعتراضات على فتاوى الشيخ وقد وقف عليها ولده القاضي جلال الدين فردّ ما قاله وأرسله إليه فعاد واعترض على ما قاله القاضي جلال الدين.
توفي بعده في ذي الحجة سنة ثمان وثمان مائة وقد جاوز الثمانين بسنوات -رحمه الله تعالى.
* * *
الشيخ العلامة كمال الدين الدميري
محمد بن (١) موسى بن عيسى الدميري المصري الشيخ العلامة
стр. 98
كمال الدين أبو البقاء، مولده في حدود الخمسين وسبع مائة.
اشتغل بالعلوم على جماعة منهم الشيخ بهاء الدين السبكي والشيخ جمال الدين الأسنوي، ولما صنف الأسنوي التمهيد مدحه بأبيات فكتب له الشيخ جمال الدين وأثنى عليه ثناءً كثيراً، وتخرّج ومهر في الفنون وقال الشعر.
ولي تدريس الحديث بالقبة الركنية بالقرب من باب النصر، وحجّ مراراً وجاور وتكلم على الناس بجامع الظاهر بالحسينية.
وكان ذا حظ من العبادة والتلاوة لا يفتر لسانه غالباً منها وأفتى ودرس وأخذ عنه فضلاء الطلبة بالقاهرة.
وصنّف التصانيف المفيدة النافعة فمنها شرح المنهاج في أربع مجلدات ضمنه فوائد كثيرة مستطرفة خارجة عن الفقه وقفت على بعضه بالقدس الشريف وهو شرح نافع مفيد، وله الديباجة في شرح سنن ابن ماجة في مجلدات، وكتاب الحيوان وله خطب وله المنظومة الحافلة. . . في الفقه. . . وتعليله.
وكان من أعيان طلبة الشيخ جمال الدين الأسنوي وأحد أئمة الشافعية بالقاهرة محترماً عند الدولة لزهده عما في. . . . .
ويحكى عنه مكاشفات وله دين متين.
توفي إلى رحمة الله تعالى في جمادى الآخرة سنة ثمان وثمان مائة، وحضره الجم الغفير وكان يوماً مشهوداً، عفا الله عنا وعنه آمين.
قال بعضهم: توفي ليلة الثلاثاء ثالث جمادى الأولى من السنة المذكورة عن نحو. . . . وستين سنة وكان عالماً صالحاً.
стр. 99
محمد بن (١) بكر بن الشيخ العلامة شمس الدين العالم المشهور
* * *
الشيخ محمد البلالي العالم الصوفي
محمد بن (٢) علي بن جعفر العجلوني نزيل القاهرة الشيخ شمس الدين البلالي.
قال الحافظ ابن حجر: ولد سنة بضع وأربعين وسبع مائة.
واشتغل بتلك البلاد قليلًا وسلك طريق التصوف فمهر فيها ولازم النظر في إحياء علوم الدين للغزالي حتى كاد أن يحفظه ثم شرع في اختصاره وتقريبه فسهل الله له ذلك حتى جاء مع صغر حجمه وتقريب عبارته شاملًا لجميع مقاصد الأصل وهو في الكتب بالنسبة إلى الإحياء كالحاوي بالنسبة للرافعي، وقد اشتهر هذا المصنف قديماً وقرئ عليه مراراً وأقبل عليه أهل الأقطار لا سيما المغاربة إقبالًا عظيماً.
ولازم في طلبه الشيخ أبي بكر الموصلي وانتفع به وكان مشاراً إليه في تلك البلاد معتقداً معظماً، ثم دخل القاهرة في حدود التسعين فأقام بها حتى ولّي مشيخة الخانقاه الصلاحية المعروفة بسعيد السعدا فباشرها إلى أن مات
стр. 100
نحواً من ثلاثين سنة عزل منها مرة في دولة الناصر على يد نائبه تمراز فما لبث الذي ولّي بعده إلا دون عشرة أيام أو نحوها حتى غضب الناصر على تمراز وأمر بالقبض عليه وعزل الذي ولاه وأعيد الشيخ شمس الدين المذكور وعُدَّ ذلك من كراماته.
وكان كثير التواضع جداً مشهوراً بذلك كثير البذل لما في يده كثير العبادة والتلاوة والذكر، وكان الكلام فيه من الناس يكثر بسبب مباشراته التي في الخانقاه إلا أنه. . . . من سلامه -هذا الذي أظنه- وكان يؤذى كثيراً وكان يعظمني جداً.
كتب الكثير واختصر الروضة في الفقه ولم يكمله وصنف أيضاً السول في شيء من أحاديث الرسول يذكر فى كل باب أحكامه بترغيبه وترهيبه وغريبه ولم يكمله أيضاً.
مات في يوم الأربعاء رابع عشر شوال سنة عشرين وثمان مائة، وصُلي عليه بعد العصر ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر -رحمه الله تعالى.
* * *
الشيخ البارنباي
محمد بن (١) عبد الوهاب البارنباري الشافعي المصري.
مهر في الفقه وأصوله والنحو والحساب، ودرّس وخطب عدة سنين بدمياط والقاهرة.
توفي ليلة الأحد حادي عشر ربيع الأول سنة اثنين وثلاثين وثمان مائة وقد أناف على الستين ﵀.
стр. 101
الشيخ الشطنوفي
محمد بن (١) إبراهيم بن عبد الله الشطنوفي الشيخ العلامة شمس الدين.
أحد أعيان جماعة الشيخ بالقاهرة، برع في الفقه والفرائض والعربية وغير ذلك.
توفي ليلة الاثنين سادس عشرين ربيع الأول سنة اثنين وثمانين وثمان مائة وقد قارب الثمانين.
درّس سنين عديدة، انتفع عليه جماعة من النبلاء -كذا قاله ابن حجر والمقريزي.
* * *
شمس (٢) الدين الأسيوطي
محمد بن حسن الإمام العلامة شمس الدين الأسيوطي الشافعي.
توفي يوم الأحد عشرين جمادى الآخرة سنة ثمان وثمان مائة عن سن عالية.
وكان صاحب فنون من نحو وفقه وأصول وغير ذلك.
وكان يأخذ الأجر على التعليم وللناس عنه إعراض وفيه وقيعة.
* * *
стр. 102
محمد (١) العامري
* * *
قاضي القضاة شمس الدين الهروي
محمد بن (٢) عطاء الله بن محمد بن أحمد الإمام العلامة قاضي القضاة شمس الدين ذو الفنون أبو عبد الله الهروي ثم المقدسي.
اشتغل بالعلوم ببلاده، فأخذ عن العلامة سعد الدين التفتازاني صاحب المصنفات وخاتم الأئمة الأعلام بتلك البلاد ثم رحل إلى بلاد الروم فأكرمه صاحبها إذ ذاك وتولى المناصب الكبار، ثم رحل إلى بلاد الشام وسكن بالقدس الشريف فأكرمه الأمير نوروز. . . . وفوض إليه الصلاحية بالقدس الشريف فدرس بها العلوم وتصدى للأخذ عنه.
وكان إماماً عالماً محققاً غوّاصاً على المعاني جليل القدر رئيساً مهاباً حسن الشكالة ضخماً لين الجانب على ما فيه من طبع الأعاجم.
ثم ولي قضاء الشافعية من قبل المؤيد شيخ الخاصكي بالديار المصرية مرتين وعُزل القاضي جلال الدين بن الشيخ به وجرى أمور وتعصب جماعة ابن الشيخ عليه. . . عليه المقادسة لأنه ولي عليهم نظر القدس والخليل وهم واقفون فلم يضع ذلك من قدره بل من قدرهم. . . . وعرف المؤيد شيخ أن
стр. 103
ذلك تعصب عليه وحظ نفس فيرجع المذكور إلى القدس مكرماً على عادته وعلى ما بيده من الصلاحية وغيرها.
ثم ولي من قبل الأشرف برسباي كتابة السر بالديار المصرية مدة قليلة ثم رجع إلى القدس ملازماً الاشتغال والإشغال والإفتاء والتصنيف، وصنف كتباً كثيرة فمنها شرح مسلم وشرح تلخيص الجامع للحنفية وغير ذلك وحفظ متون أحاديث كثيرة.
وبالجملة: فكان أحد الأئمة الأعلام والمتقنين المفتين المحققين، لا ينكر ذلك إلا جاهل به أو جاحد.
وتخرّج عليه جماعة ببيت المقدس، ودخل دمشق مرات واجتمع بعلمائها كالوالد وغيره، وأذعنوا له واعترفوا بمحله و. . . . في العلوم، وتم على ما ذكرناه ببيت المقدس وبنى بها مدرسة ولم يتمها، منقطعاً بالصلاحية إلى أن توفي في تاسع عشر الحجة سنة تسع وعشرين وثمان مائة -رحمه الله تعالى.
* * *
محمد الحمصي
محمد بن (١) يعقوب الحمصي الشافعي الفقيه الفاضل.
اشتغل بالفقه والعربية وقُرئ عليه في العربية وهو رجل جيد فقير.
وكان يشهد بمركز مسجد القصب من دمشق وينوب في الخطابة والإمامة بجامع التوبة.
حصل له وجع في ظهره عجز به عن الحركة واستمر إلى أن توفي
стр. 104
يوم السبت ثامن عشرين ربيع الأول سنة ثلاث وثمان مائة -رحمه الله تعالى في عشر الخمسين ظناً كما قاله ابن حجر، لكن كان قد كثر
شيبه.
* * *
بدر الدين الجعبري
محمد بن (١) يعقوب الشيخ العالم الفاضل القاضي بدر الدين الجعبري الأصل الدمشقي الشافعي اشتغل بالعلم ودرّس بالطيبة وناب للشيخ شهاب الدين الحسباني.
قال ابن حجي: كان له اشتغال بالعلم ومطالعة وهو رجل جيد.
توفي يوم الأربعاء من شوال سنة عشر وثمان مائة بالمارستان القيمري بصالحية دمشق، ونزل عن وظائفه للشيخ بهاء الدين إمام المشهد -رحمهما الله تعالى.
* * *
الشيخ مجد (٢) الدين صاحب القاموس
محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيرازي الفيروزآبادي
стр. 105
القاضي الفاضل العلامة اللغوي مجد الدين أبو الطاهر، كان يرفع نسبه إلى الشيخ أبي إسحق الشيرازي صاحب التنبيه والمهذب -ولا يبالي بما يشاع بين الناس أن الشيخ لم يتزوج فضلًا عن أن يعقب.
تفقه الشيخ مجد الدين ببلاده وطلب الحديث وسمع من الشيوخ ومهر في اللغة وهو شاب، وسمع من جماعة وقدم الشام بعد الخمسين وسبع مائة، وسمع بها الحديث واشتهرت فضيلته وكتبوا عنه ودخل القاهرة فعظم بها قدره وكتبوا عنه كثيراً من تصانيفه ثم جال في البلاد الشمالية والشرقية ودخل الهند وله مجاورة في الحرمين.
وكان كثير الكتب جداً ولا يسافر إلا وهي معه في عدة أحمال ويفتحها في غالب المنازل ويطالع فيها.
وقدم اليمن بعد التسعين من الهند عقب وفاة القاضي جلال الدين الريميّ فقرره الملك الأشرف إسماعيل في القضاء بالبلاد اليمنية فلم يزل كذلك إلى أن مات وكان قد جاور في غضون ذلك بمكة مراراً ثم يرجع، وكان الأشرف يكرمه كثيراً.
قال الحافظ ابن حجر: أخذ عن الشيخ تقي الدين السبكي وولده تاج الدين، وعن القاضي عز الدين بن جماعة وفي شيوخه كثرة، وقد خرج له الحافظ شمس الدين محمد بن موسى المراكشي ثم المكي مشيخة عن جمع كثير من شيوخه.
وأما معرفته باللغة واطلاعه على نوادرها فأمر مستفيض، وكان يقول: ما كنت أنام العشرين ليلة حتى أحفظ كذا وكذا سطراً أذكرها.
توفي في شوال سنة سبع عشرة وثمان مائة وقد جاوز التسعين ممتعاً بحواسه.
وهو آخر من مات من الرؤساء الذين انفرد كل منهم بفن فاق فيه على أقرانه على رأس القرن الثامن وهم الشيخ في الفقه على مذهب الشافعي، والعراقي في الحديث وابن الملقن في كثرة التصانيف من الفنون، والشيخ
стр. 106
شمس الدين الغماري في العربية، والشيخ أبو عبد الله بن عرفة في فقه المالكية وفي سائر العلوم بالمغرب، والشيخ مجد الدين الشيرازي في اللغة.
قلت: وينبغي ذكر آخر وهو الشيخ عز الدين بن جماعة في العلوم العقلية -والله أعلم.
ومن تصانيف الشيخ مجد الدين القاموس الكتاب المحيط في اللغة، بالغ في اختصاره وتحريره وميز ما زاده على الصحاح بالحمرة وهو شيء كثير جداً لعله لو جرّد كان قدر الصحاح إلا أنه محذوف الشواهد، وشرع في شرح مطول على البخاري ملأه بغرائب المنقولات ونوادر اللغات، وشوارق الأسرار في شرح مشارق الأنوار، وصنف للأشرف كتاباً سماه الإصعاد إلى رتبة الاجتهاد في أربعة أسفار. . . . وصنف لولده الناصر كتاباً سماه الوصول إلى الأحاديث الزائدة على جامع الأصول وغير ذلك -رحمه الله تعالى.
* * *
الشيخ شمس الدين ابن زهره الحبراضي
محمد بن (١) يحيى بن عبد الله الحبراضي ثم الدمشقي ثم الطرابلسي الشيخ العالم الفقيه شمس الدين المشهور بابن زهره، مولده بعد الستين وسبع مائة.
اشتغل بدمشق على جماعة من المشايخ منهم الشيخ شرف الدين الغزّي وغيره، وكتب في الشامية البرّانية قبيل التسعين حسناً، قال لي شيخنا الإمام محيي الدين المصري أنه كتب أحسن من رفقته الذين كتبوا إذ ذاك وهم جماعة من الفضلاء منهم القاضي تاج الدين الزهري.
стр. 107
ثم حضر بالجامع الأموي بباب مشهد الزيالع فقرأ عليه جماعة قبيل الفتنة التمرية منهم القاضي شيخ الشام تقي الدين بن قاضي شهبة وجماعة طبقته، فلما كانت الفتنة وتشتت الناس خرج المذكور إلى طرابلس الشام فتوطنها ودرّس بها وأفاد جماعة من الطلبة وخطب بجامعها الكبير ووعظ واشتهر بها وصار عالم البلد.
وقدم علينا بدمشق مراراً للحج وحصل بيننا مذاكرة كثيرة وأذعن أنه ممن أخذ عن الوالد ورجحه على كثير من شيوخه ولم يزل على ما هو بصدده إلى أن توفي في جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وثمان مائة رحمه الله تعالى بكرمه.
* وقد ختمنا به المحمدين ختم الله لنا بالحسنى آمين.
* * *
стр. 108
الأحمدون
الشيخ شهاب (١) الدين ابن الحسباني
أحمد بن خليفة بن إسماعيل بن خليفة بن عبد العال الحسباني الأصل ثم الدمشقي الإمام العلامة قاضي القضاة شهاب الدين أبو العباس بن العلامة فقيه الشام في زمانه عماد الدين ابن الحسباني، مولده في سنة تسع وأربعين وسبع مائة أو في التي قبلها بدمشق.
اشتغل على والده وغيره من مشايخ عصره وقرأ على العتابي في العربية وبرع فيها وفي الحديث، وكان يقرأ قراءة حسنة، ودخل إلى القاهرة وسمع بها وبدمشق من جماعة، وحصّل الأجزاء وضبط الأسماء واعتنى بتحرير المشتبه منها وكتب بخطه أشياء مفيدة، وكان يحضر عند والده في حلقة الفقه وفهمه جيد صحيح.
ودرّس بالأمينية والإقبالية وغيرهما وخطب بجامع التوبة وقد قدمنا في ترجمة ابن الجزري تنازعه هو وإياه فيها ثم استمرت بيد الحسباني.
وأفتى وحكم نيابة مدة ثم استقلالًا وشارك في الخطابة ومشيخة
стр. 109
الشيوخ، وآذاه القاضي برهان الدين ابن جماعة كثيراً، وامتحن من جهة الدولة مرات وكاد يهلك.
وكان له همة عليا وكرم وإحسان للطلبة وغيرهم، وتخرّج عليه جماعة وقرأ عليه القاضي ناصر الدين البارزي في القلعة السيرة النبوية.
وبالجملة: فكان من أعيان العلماء، والناس يرونه بالمنزلة العليا لكونه ابن شيخ المذهب، وكان الشيخ لما يقدم دمشق ينزل عنده بالإقبالية، وكان من وجوه الفقهاء، وبعضهم يكرهه لوجاهته عليهم وبتقدمه على الأعيان منهم، كالشيخ شهاب الدين ابن حجي وغيره، وهو أهل لذلك وكان مقداماً في الأمور.
مات في ربيع الآخر سنة خمس عشر وثمان مائة ودفن بسفح قاسيون.
قلت: كذا أرّخه شيخنا الشيخ تقي الدين ابن قاضي شهبة في تاريخه وطبقاته، وأظنه وهم وإنما توفي في أوائل سنة ست عشرة قبل صاحبه الشيخ شهاب الدين ابن حجي بيوم أو يومين رحمهما الله تعالى.
* ووالده الشيخ (١) الإمام عماد الدين، فقيه الشام في زمنه أبو الفدا، مولده تقريباً سنة ثمان عشرة وسبع مائة.
وأخذ بالقدس عن الشيخ تقي الدين القلقشندي ولازمه حتى فضل، وقدم دمشق سنة ثمان وثلاثين وتنزل بالشامية البرانية وأنهاه مدرسها الشيخ شمس الدين النقيب تلميذ النووي، وانتهى معه الشيخ جلال الدين حجّي في تلك السنة، ولم يزل في عزٍّ وازدياد واشتهر بالفضيلة ولازم الشيخ محيي الدين المصري شيخ شيخه حتى أذن له بالإفتاء.
ودرس وأفتى وأفاد وقُصد بالفتاوى من البلاد وناب في الحكم عن أبي البقاء والشيخ لما ولِّي قضاء الشام في سنة تسع وستين تلك المدة.
стр. 110
وكان ممن قام على القاضي تاج الدين السبكي وأخذ منه تدريس الأمينية ثم استعادها السبكي منه، وخطب بجامع التوبة.
قال تلميذه الشيخ شهاب الدين ابن حجّي: كان المذكور أحد أئمة المذهب والمشار إليهم بجودة النظر وصحة الفهم وفقه النفس والذكاء وحسن المناظرة والبحث والعبادة، وكانت له مشاركة في غير الفقه ونفسه قوية في العلم. انتهى.
وقال غيره: إنه أخذ عن الأردبيلي، وأنه شرع في تكملة شرح المهذب، وقد شرح المنهاج في عشرة أجزاء وفيه نقول كثيرة وأبحاث نفيسة، ولم يشتهر لأن ولده الشيخ شهاب الدين صاحب الترجمة لم يمكن أحداً من كتابته فاحترق في الفتنة التمرية.
قال بعضهم: ورأيت منه مجلدة بخط الشيخ شهاب الدين الأذرعي، وكان كتب منه لنفسه نسخة ونقل غالب ما فيه من النقول والبحوث إلى القوت.
توفي الشيخ عماد الدين في ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبع مائة، ودفن بباب الصغير قِبْلِي جامع جراح -رحمه الله تعالى.
* * *
الشيخ شهاب الدين ابن العماد الأقفهسي
أحمد بن (١) العماد بن محمد الشيخ الإمام العلامة البارع المفنّن