بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
القواعد الكلية بالنسبة إلى ما بعدها (١)
القاعدة الأولى: في تقرير أنه الشريعة قامت برعاية المصلحة ودرء المفسدة .
ولنذكر أولا، أن الصلحة عبارة عن لذة أو سببها، أو فرحة أو سببها، وأن المفسدة عبارة عن ألم أو سببه، أو غم أو سببه.
فإذا تقرر هذا فأقول: هذا كان أصله، ولكن خصصه العرف الشرعي بشئ دون شئ، فلذات المعاصى وأفراحها وأسبابها لا يصدق عليها اسم المصلحة وإنما يصدق على ما عدا ذلك. ومشاق العبادة ومكارهها وأسبابها كذلك لا يصدق عليها اسم المفسدة، وقد قال ﷺ : "حُفَّتْ الجنة بالمَكاره، وحُفت النار بالشهوات" (٢)، ولكنه لا يقال لتلك الشهوات: مصلحة، ولا لتلك المكاره: مفسدة.
стр. 37
وحيث تحقق هذا فأقول:
لا شك أن الشارع اعتبر المصالح بحسب العبيد، والمفاسد بحسبهم، فأمر باكتساب ما للمصلحة من الأسباب، ونهى عن اكتساب ما للمفسدة من الاسباب. فالشريعة انبنت على قوله تعالى: . ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣)، وهو إنما يرشدنا ويأمرنا بما فيه مصلحتنا، وينهانا عما فيه مضرتنا. فبالسلامة من المنهيات نسلم من النار، وباكتساب الأوامر ندخل الجنة ونصل إلى ما فيها من الخيرات، ونسلم بما تقدم من النار وما فيها من المضرات (٤). قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٥). وهذا بين من طريق الآخرة.
وبقي لنا النظر أيضاً بحسب مصلحة الدنيا ومفسدتها، فنقول:
وكذلك أيضاً جاءت بهذا كما جاءت بالآخر من حيث الجملة، فينهانا عن القرب من المهلكات كالسموم وغيرها كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى
стр. 38
التَّهْلُكَةِ﴾ (٦). وقال: ﴿وكلوا واشرلوا ولا تسرفوا .. ﴾ (٧) وقال: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ (٨).
وغاية ما في هذه أنه إذا عرضت مصلحة أخروية لمصلحة دنيوية (٩). غلِّب عليها جانب المصلحة الأخروية، وأُمرنا بترك تلك المصلحة الدنيوية، ومن هنا كان التخصيص، حتى لا يقال للشهوات التي حفت النار بها، إنها مصلحة، ولا للمكاره التى حفت الجنة بها: إنها مفسدة.
ثم استقراء الشريعة والنظر فيها يحقق هذه القاعدة حتى يقطع الناظر فيها بما قلناه، وهذا القدر كاف فيما أردناه، والله سبحانه أعلم وأحكم.
القاعدة الثانية: في أقسام المصلحة والمفسدة على الجملة ، فأقول:
تنقسم باعتبار محلها إلى ثلاثة أقسام: دنيوية، وأخروية، وفيهما معاً.
فالدنيوية كنيل الملذات المباحة فيها، والأخروية كفعل سائر التعبدات التي يكون معها تعب، كالصلاة والصيام والطهارة. والذي هو فيهما معا كالصدقة، فإنها باعتبار الآخذ من الدنيا، وباعتبار المعطي من الأخرى.
وتنقسم باعتبار رتبها الأوائل إلى ثلاثة أقسام:
ضرورى، وحاجي، وتكميلي، وهذا التقسيم يكون بحسب مصالح الدنيا، بحسب مصالح الآخرة. فالضروري من الأخروي: فعل الواجبات، وترك المحرمات،
стр. 39
والحاجي هو السنن المؤكدات، والشعائر الظاهرات، والتكميلي ما عدا الشعائر من المندوبات. والضروريات الدنيوية، كالمآكل والمشارب والملابس والمناكح. والتكميلي كأكل الطيبات وشرب اللذيذات وما ناسب هذا في سائر المنافع. والحاجي منها ما توسط بين التكميلات والضروريات.
وظهر من هذا أن مصالح الايجاب أفضل من مصالح الندب، ومصالح الندب أفضل من مصالح الإِباحة، لأن مصالح الوجوب والندب مصالح أخروية، ومصالح الإِباحة مصالح دنيوية. وأن الصالح الأخروية تتفاوت كتفاوت الوجوب والندب، واختلافها بالوجوب والندب ليس بحسب اختلاف رتبها الثواني (١٠).
ولا شك أن الصالح تنقسم إلى الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل،
كما تنقسم المفاسد إلى القبيح والأقبح، والرذيل والأرذل، ولكل واحد منها رتب عاليات ودانيات ومتوسطات، فكما انه لا نسبة لمصلحة الدنيا بحسب مصلحة الأُخرى، كذلك مصلحة الوجوب أفضل وأشرف من مصلحة الندب، بل الندب يتفاوت، كما هو الأمر في السنن المؤكدة وفي المستحبات وما بين ذلك، وكذلك الأمر في التحريم مع الكراهة.
وتنقسم مصالح الدنيا ومفاسدها الى مقطوع ومظنون وموهوم.
تنقسم بحسب ما تُعْرفُ به إلى شرع وعادة. فمصالح الآخرة لا تُعرَفُ إلا بالشرع، ومصالح الدنيا تعرف بالتجربة والعادة.
وتنقسم المصالح الشرعية بحسب ما تُبنى عليه الى أربعة أقسام:
стр. 40
إلى مبني على عرفان، والى مبني على اعتقاد، وذلك في حق العوام. وإلى مبني على ظن وحسبان لا على عرفانٍ (١١). وإلى مبني على الشكوك والاوهام. ومعظم الورع مبني على الأوهام، وأكثر الامور العملية على الظن، والامور الاعتقادية على عرفان بحسب العلماء المجتهدين، وأما بحسب العوام فلا.
وتنقسم المصالح والمفاسد باعتبار آخر الى مصلحة لا مفسدة معها فلا يكون هذا إلا واجبا او مندوبا او مباحا، والى مصلحة، معها مفسدة فيقع النظر فيما بينهما، وسياتي حكم ذلك في فصل اخر.
والمفسدة كذلك إلى مفسدة لا مصلحة معها، ولا يكون هذا إلا حراما أو مكروها، والى مفسدة معها مصلحة، وسياتي النظر في ذلك الترتيب.
وتنقسم أيضاً بحسب ما تتعلق به:
فمنها ما يتعلق بالقلوب، ومنها ما يتعلق بالحواس، ومنها بالأعضاء، والأبدان، ومنها بالأموال، ومنها بالزمان والمكان، وغير ذلك.
وتنقسم أيضاً المصالح والمفاسد بحسب أسبابها.
فأسباب المصالح الأخروية: العرفان والطاعة والإِيمان، وأسباب مفاسدها الكفر والفسوق والعصيان. وأمثلة المفاسد لا تخفى على من وقف على ما ذكرنا من أمثلة المصالح، إذ هي أضدادها.
القاعدة الثالثة: في الحكم في اجتماع المصالح، وفي اجتماع المفاسد، وفي اجتماعهما ، فنقول:
أما المصالح الأخروية فإنها إذا اجتمعت وأمكن تحصيلها حصلناها، وإن تعذر، فإن تساوت تخيرنا بينها، وقد نُقرِعُ فيما يقدّم منها، وإن تفاوتت قدمنا الأصلح فالأصلح، ولا نبالي بفوات الصالح، ولا نخرج بتفويته عن أن نجعله غير صالح.
стр. 41
وأما المصالح الدنيوية، فلنا أن نقتصر في حق أنفسنا على الكفاف، ولا نتنافس في تحصيل الأصلح، ونقدم الأصلح فالأصلح في حق من لنا عليه ولاية عامة أو خاصة إن أمكن، فلا نفرط في حق المولَّى عليه في شق تمرة، ولا في زنة بُرّة.
وأما المفاسد إذا اجتمعت، فإن أمكن درؤها درأناها، وإن تعذر درؤها، فإن تساوت تخيرنا، وقد يُقرَع فيما يقدم منها، وإن تفاوتت درأنا الأفسد فالأفسد،
ولا يخرج الفاسد بارتكابه عن كونه مفسدة، كما في قطع اليد المتآكلة، وقلع الضرس المؤلم، وقتل الصائل على درهم، وقطع السارق في ربع دينار.
وأما اذا اجتمعت المصالح والمفاسد، فإن أمكن دفع المفاسد، وتحصيل النافع فعلنا ذلك، وان تعذر الجمع، فإن رجحت المصالح حصلناها ولا نبالي بارتكاب الفاسد، وإن رجحت الفاسد دفعناها ولا نبالي بفوات المصالح.
ثم قد تنشأ المصلحة عن المفسدة، والمفسدة عن المصلحة، وقد تنشأ المفسدة عن الفسدة، والمصلحة عن المصلحة، وقد تُقرَن المصلحة بالفسدة ولا تنشأ إحداهُمَا عن الأخرى. واذا ظهرت المصلحة أو المفسدة بُني على كل واحدة منهما حكمها، وإن جهلنا استدِل عليهما بما يرشد اليهما. وإذا توهمنا المصلحة المجردة عن المفسدة الخالصة أو الراجحة، احتطنا لدفعها. ولا فرق بين مصالح الدنيا والآخرة في ذلك الذي ذكرناه بأجمعه في التقسيم وغيره، إلا فيما قلناه من أن لنا أن نقتصر في حق أنفسنا على الأدنى، بخلاف من لنا عليه ولاية.
القاعدة الرابعة: في حكم المصالح والمفاسد المبنية على الظن .
إعلم أنه قد تقدم أن الظن ممَّا يَنْبني عليه ذلك، وإذا كان كذلك فالظن لا شك أنه قد يصيب وقد يخطئ، فإن أصاب فلا كلام أنه أدى ما عليه، وإن أخطأ -وذلك نادر، والغالب الصدق، - فمن أتى مفسدة يظنها مصلحة واجبة أو مندوبة أو مباحة فلا إثم عليه لظنه، وتُرتَّب على تلك المفسدة أحكامها اللائقة
стр. 42
بها من تغريم وغيره (*) ومن أتى مصلحة يظنها أو يعتقدها مفسدة كبيرة ثم بان كذب ظنه فقد أثم وفسق، وانعزل عن الشهادات والروايات والولايات، ولا يحد عليها، لأنه لم يحقق المفسدة، ولذلك لا يعذب عليها في الآخرة عذاب من حقق المفسدة. والله أعلم.
القاعدة الخامسة: فيما يترك من الصالح لسبب، وفيما يفعَل من المفاسد لسبب ، فأقول:
إن المصالح قد يجب تركها لأشياء تعلقت بها، وكذلك المفاسد قد يجب فعلها لأشياء تعلقت بها.
فمن القسم الأول: الإِكراه بالقتل على ترك كلمة الاسلام، وعلى ترك الصلاة، وكذلك المرض الشديد الذي يخشى معه التلف على الصائم، وهذا كثير في الشريعة.
ومن القسم الثاني أن القتل يجب بسبب الكفر والبغي والصيال على النفوس، ويجوز بالصيال على الأموال (١٢)، ومنه تخريب الديار، وقطع الاشجار في حق الكافرين، ومنه التولي يوم الزحف جائز بالأعذار، وهذا أيضا - كثير في الشريعة للمتأمل فيها، وإنا لا نتعرض للجزئيات والأمثلة والشواهد بالاستقراء، بل مقصدنا تقرير القاعدة الكلية فقط، وهذا القدر كاف فيما أردناه، والله أعلم.
القاعدة السادسة: في بيانه أنه ليس كل المصالح يؤمر بكسبها، ولا كل المفاسد ينهى عن فعلها .
إعلم أنه ليس كل المصالح يؤمر بكسبها، ولا كل المفاسد ينهى عن فعلها، بل المصالح، والمفاسد، منها ما يكتسب، ومنها ما لا يكتسب، فما يكتسب يقع
стр. 43
الأمر به، والنهى عنه، وما لا يكتسب كحسن الصور، وحدة العقل، ووفور الحواس، وشدة القوى، أو الرقة والرحمة والغيرة وما أشبه هذه، وضد هذه كقبح الصورة، وسخافة العقل، وضعف الحواس، والقوى، والغلظة، وغير ذلك مما يشبهها، فهذه أشياء لا طاقة على اكتسابها للعبد، فهو لا يؤمر بشيء من ذلك، ولا ينهى عنه، ولكنه يقع الامر بآثارها، والنهى عن آثار الضد الآخر، فمن أطاع بحسب ذلك فقد أصاب، ومن عصى فقد خاب.
القاعدة السابعة: فيما به يعرف ترجيح المصلحة والمفسدة .
إعلم أنه اذا اتحد نوع المصلحة والمفسدة كان التفاوت بالقلة والكثرة، كالصدقة بدرهم ودرهمين وثوب وثوبين.
قلت: ويقول بعض العلماء هنا: قد يتحد النوع ويتساوى المقدار، ويكون الترجيح بالحكم، كدرهم من الزكاة الواجبة، هو أفضل من درهم من صدقة التطوع. وان كان أحد النوعين أشرف قدم الأشرف عند تساوى المقدارين كتقديم زنة درهم من الذهب على درهم من فضة. وان اختلف المقدار، فإن كان الأدنى أعظم مقدارا من الأعلى بكثير قدم الأدق وإلَّا قدم الأشرف.
ولا خفاء أن حرمة الدماء آكَد من حرمة الأعضاء، وحرمة الأعضاء آكد من حرمة الأبضاع، وحرمة الأبضاع آكد من حرمة الأموال، وحرمة الأقارب آكد من حرمة الأجانب، وحرمة الآباء والأمهات آكد من حرمة جميع القرابات، وحرمة الأحرار آكد من حرمة الأرقاء، وحرمة الأبرار آكد من حرمة الفجار، وحرمة الأنبياء آكد من حرمة الاولياء، وحُرمة الرسل آكد من حُرمة الأنبياء.
وبهذا الاعتبار نقول: يقدم حقظ الأرواح على حفظ الأعَضاء، وحفظ الأعضاء على حفظ الأَبضَاع، وحفظ الأَبضاع على حفظ الأموال، وحفظ المال الخطير على حفظ المال الحقير، وحفظ الفرائض على حفظ النوافل، وحفظ الأفضل من الفرائض على حفظ الفضول منها، وكذلك الأمر في النوافل.
стр. 44
القاعدة الثامنة: في أمر الثواب والعقاب، هل هو في التفاوت وعدمه مرتبط بالأعمال أو بالمصالح والمفاسد ؟ فأقول:
إعلم أنه مرتبط في ذلك بالمصالح والمفاسد لا بالأعمال، فعمل واحد يهلك به مائة رجل، يتضاعف الوزر بتضاعف المفسدة وان كان الفعل واحدا، وكذلك كلمة واحدة أحيى بها مائة رجل تتضاعف الحسنات بتضاعف تلك الخيرت، فلم يكن للأجر والعقاب هنا ارتباط بالعمل، بل بالمصلحة والمفسدة، وهذا هو الأصل، إلا أنه. يخرج عن هذا الأصل أن تكون المصلحة في الظاهر واحدة، ولكنها في موضع واجبة، وفي موضع آخر ندب، كصدقة درهم من تطوع، وصدقة درهم من زكاة واجبة، فالأجور هنا متفاوتة وإن كانت المصلحة واحدة، وما كان الأصل الذي قبله يقتضي إلا تساوي الأجور لارتباطها بالمصلحة كما قلنا، وقد نبهنا على هذا قبل هذا.
قلت: ولا خفاء أيضا أن اختلاف الأحكام مبني على اختلاف المصالح. فما كان عظيم المصلحة كان واجبا، وما قَصَرَ عنه كان ندْبا، كذلك ما كان عظيم المفسدة كان حراماً، وما قصر عنه كان مكروهاً، بل عظم المصلحة -وإن كان واجباً- يتفاوت، وكذلك ما قصر عنه يحكم عليه بالندبية، وهو - أيضاً - يتفاوت، وعلى هذا، فقد يكون أمر درهم من الزكاة، فيه زيادة مصلحة على درهم صدقة التطوع، حدث ذلك من حيث الاتصاف والسبب، والله أعلم.
ولا كانت المثوبات والعقوبات مرتبة على المصالح والمفاسد، وظهر ذلك بما تقدم، كان لنا أيضاً أن نقول:
إن تفاوت الحدود والتعزيزات هو أيضاً مزلب على مفاسد الجنايات كالقتْل، والرجم، والجلْد، والنهى، والحبس، والضرب، والسب، والله أعلم.
واعلَم أنه يجب أن يعتقد أن الله تعالى ما أَمر بشئ إلا وفيه مصلحة عاجلة أو آجلة أو كِلاهما، وما نهى عن شئ إلا وفيه مفسدة عاجلة أو آجلة،
стр. 45
أو كلاهما، وما أباح شيئا إلا وفيه مصلحة عاجلة. أكثر هذه المصالح والمفاسد ظاهر جلي، وبعضها خفي وهو الأقل، فيستدل عليها بالأدلة التي نصبها الله لها، ومنها ما لا يظهر فيه مصلحة ولا مفسدة، سواء جلب الثواب ودفع العقاب، ويعبر عنه بالتعبد.
القاعدة التاسعة: في تقرير أن المصالح والمفاسد لا يرجع شيء منها إلى الله جل وعلا ، لأنه منزه عن النفع وعن الضر، فهو لا يحتاج إلى منفعة ولا تلحقه مضرة، لأنه الغني بالاطلاق، وإنما يعود النفع والضر إلى الانسان، فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها. وإحسان المرء إلى نفسه أو إلى غيره، إما بجلب مصلحة دنيوية أو أخروية أو بهما، أو بدفع مفسدة كذلك، وإساءتُه إلى نفسه او إلى غيره إما بجلب مفسدة دنيوية، أو أخروية أو بهما، أو بدرء مصلحة دنيوية، أو أخروية أو بهما. فكل من أحسن إلى نفسه كان أجره مقصورا عليه، وكل من أحسن إلى غيره كان محسنا إلى نفسه وإلى غيره، ومن أساء إلى نفسه كان وِزْره مقصورا عليه، وكل من أساء إلى غيره فقد بدأ بالاساءة إلى نفسه.
وإذا اتحدَ نوع الإحسان والإساءة كان عامها أعظم من خاصها، فليس من أصلح بين جماعة كمن أصلح بين اثنين، وليس من أفسد بين جماعة كمن أفسد بين اثنين. وقد نبهنا على هذا في القاعدة المتقدمة، بحيث قلنا: ارتباط الثواب والعقاب بالمصالح والمفاسد لا بالأعمال.
القاعدة العاشرة: في أن الصالح والمفاسد بحسب العبيد -كما قلنا- قائمة معتبرة في الشرع .
إعلم أنه لا شك في ذلك ولا خلاف فيه بيننا وبين المعتزلة، وإنما الخلاف بيننا في أن اعتبار المصلحة من العبيد هو بفضل الله، أو هو حق واجب على الله لا يجوز عليه غيره، فنحن نقول: لا يجب على الله شيء، والملك ملكه، وكل شيء
стр. 46
منه حسن، ولا شئ يقبح في حقه. فلو أهلك العالم بأسره لكان له ذلك. والمعتزلة تقول، بناء على قاعدة الحسن والقبح: لا يجوز له فعل المفسدة ولا ترك المفسدة لذلك، ففي هذا القدر وقع الخلاف بيننا، وتحقيق هذا في مسائل أصول الدين. وهذا القدر كاف، والله سبحانه أعلم وأحكم (١٣).
القاعدة الحادية عشرة: إعلم أنه قد قدمنا أن الفضيلة والرذيلة مرتبة على حسب المصلحة والمفسدة، وكذلك الثواب والعقاب مرتب على ذلك لا على الأعمال، فاعلم أنه لا تعترض هذه القاعدة بقوله ﵊: "أكثركُمْ ثوابا أجهدكم عملا"، فإن ظاهره ترتيب الثواب على الأعمال، وكذلك أيضاً: ﴿أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ (١٤)، كذلك: ﴿من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها﴾ (١٥)، ﴿وأنْ ليس للانسان إلا ما سعى﴾ (١٦)، لأنا نقول: إنا لا نمنع اطلاق ترتب الثواب والعقاب على الأعمال من حيث إن
стр. 47
الاعمال أسباب لحصول المصالح، أو أسباب لحصول المفاسد، فصح بذلك ترتب الثواب والعقاب عليها، ولم يتناقض -على هذا- ما قررناه، والله أعلم.
القاعدة الثانية عشرة: إعلم أنه، وإن كان الأصل كما قررنا أن ترتب الأحكام على حسب المصالح والمفاسد وبحسب مراتبها، فقد يخرج عن ذلك لا لما تقدم من المفاسد كما قررنَا في القاعدة التي تقدمت لنا، ولكن قد يجيء تخيير الشارع بين المصالح المتفاضلات وفعل الأفضل أولا كما قلنا، وذلك للرفق والتيسير علينا. وقد تكون الرخصة أفضل من العزيمة كتقصير الصلوات، وقد تكون العزيمة أفضل من الرخصة كتفريق الصلوات على الأوقات في الأسفار إلا بعرفة ومزدلفة، فإن تقدم العصر الى الظهر أفضل بعرفة، وتأخر المغرب أفضل بمزدلفة. وربّ عملٍ قاصر، أفضلُ من عَمَل متعدٍ، كالعرفان والإِيمان، وكذلك الحج والصلاة والصيام والأذكار وقراءة القرآن. ورُبّ عملٍ خفيف أفضلُ من عمل شاق لشرف الخفيف.
القاعدة الثالثة عشرة: إعلم أن أحوال القلب في المعرفة أصل في أحواله من الخوف والرجاء وما أشبههما من المقامات، ولهذا من غلب عليه التطلع على نقمة الله كان حاله الخوف، ومن عرف سعة رحمة الله وغلب عليه النظر لها كان خاله الرجاء. ومن غلب عليه توحد الرب بالنفع والضر، والرفع والخفض، لم يتوكل في كل ذلك إلا عليه، ولم يفوض أمره إلا إليه. ومن عرف عظمته وجلاله كانت حاله الإِجلال والمهابة، ومن غلب عليه اطلاعه على أحواله استحيى منه أن يخالفه، ومن غلب عليه سماعه لأقواله استحيى أن يقول ما لا يرضيه، ومن غلب عليه إحسانه إليه كانت حاله المحبة، ومن غلب عليه التطلع على جماله وكماله كان حاله المحبة، وكانت محبته أفضل من محبة الذي قبله.
ثم أكثر ما تخطر هذه المعارف وتغلب بالاستحضارِ والأفكار. ثم كل حال من هذه الاحوال المذكورة ينشأ عنها من الأقوال والأعمال ما يطابقها ويوافقها، فمن حصل له الخوف كان منه الحزن والبكاء والانقباض، ومن كان حاله الرجاء
стр. 48
حصل له الانبساط، وترجية الناس وما أشبه (١٧) هذا. والحب ينشأ (١٨) عليه الشوق وخوف الفراق، وأنسُ التلاق، والسرور والفرح، والحياء يحمل على ألا يقع في مخالفته في قول ولا فعل، والحياء يحمل على الهابة والاجلال، وهما أعظم من الخوف والرجاء. ثم الآثار الظاهرةُ على الناس تعرف بمؤثراتها من أحوال ومعارف، فكانت كذلك تميز الفاضل من غير الفاضل، والأفضل من الفاضل، والأكمل من الكامل.
ثم إذا علمتَ أن الاعماق -وهي الآثار- مرتبة على الأحوال القلبية والمعارف فاعلَم أن درجات المحبة مختلفة باختلاف الأعمال. فليست درجات المجاهدين واحدة، بل تختلف بحسب مجاهداتهم. فللمجاهدين مائة درجة في الجنة، يترتب أعلاها على أعلى رتب الجهاد، وأدناها على أدناها، وكذلك رتب المصلين والصائمين والولاة المقسطين. وعلى هذه الدرجات يتزلب سبقهم إلى الجنات. فإذا تساوى اثنان في الإيمان والعرفان، فإن استويا في مقادير الإيمان (١٩) الحقيقي والحكمي، فدرجتهما واحدة فيما استويا فيه، وإن تقاربا في القِلة والكثرة، كانت درجة ذي الكثرة أعلى من درجة ذى القلة، ولو استوى اثنان في عدد الصلاة، فإن استويا في كمالها بسننها وآدابها وخضوعها وخشوعها، وفهم إدراكها، فهما في درجة واحدة، وإن تفاوتا في ذلك كان أكملها أعلى درجة من أنقصها.
وان استوى اثنان في جهاد الدفع، فإن استويا في الإخلاص وارادة اعلاء كلمة الله وفي المدفوع عنه فدرجتهما واحدة، وان تفاوتا في النية وكثرة من قتلا وفي شرف المدفوع عنه، كالدفع عن الأنبياء والأولياء، كان أشرفهما في الدرجة العليا، والآخر في الدنيا، وكذلك جميع ما يتقرب به إلى الله تعالى.
ومعنى تفاوت الدرجات، أن يكون لكل واحد من العاملين نصيبه من الجنة درجات مترتباتٍ على رتب أعماله: عاليات ودانيات، ومتوسطات، يتردد
стр. 49
بينها على ما تشتهيه نفسه وتلذ عينه. وقد صح أن الله أعد للمجاهدين في سبيله مائة درجة، بيْنَ كل درجتين مائة عام (٢٠).
ولو آمن انسان قبل موته بلحظة لم يكن أجْرُهُ كأجر إيمان من آمن قبل موته بيوم، ولا أجر من آمن قبل موته بيوم كأجر من آمن قبل موته بشهر، ولا أجر من آمن قبل موته بشهر كأجر من آمن قبل موته بعام، فليس من طال عمرهُ في الطاعات والايمان كمن قصَر، ولهذا قال ﵇: "خيركم من طال عمرهُ، وحسُن عمله" (٢١). وقال: "لا يتمنين أحدُكم الموتَ لضر نزل به، فإنه لا يزيد أحدَكم عمرُهُ إلا خيرًا، إما محسنٌ يزداد، وإما مسئ فيستعتب" (٢٢) ولمثل هذا
стр. 50
شح الأولياء على الأوقات أن يصرفوها في غير الطاعات. وكذلك ترتب عذاب جهنم على تزليب المفاسد وكثرتها وقلتها. فالعذاب على الزنى دون العذاب على القتل، والعذاب على أكبر الكبائر دون العذاب على الكفر، وليس من كفر قبل موته لحظة كمن أقام على الكفر يوما، وليس من أقام يومًا على الكفر، كمن أقام شهرا، وهكذا على الترتيب المذكور في الثواب، والله سبحانه أعلم.
стр. 51
القواعد النحوية وما يتعلق بها
وفيها خمس عشرة قاعدة
القاعدة الأولى: في الشرط . (١).
إعلم أنه يتميَّز لك بحقيقته وبذكر أضداده وبذكر أقسامه.
أما حقيقته فهو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجُودٌ ولا عدم لذاته، ولا يشتمل على شيء من المناسبة.
стр. 52
وبالقيد الأخير يتميز عن جزء العلة، وبما قبله تميز عن المانع وعن العلة، فيخرج المانع بالأول، والعلة بالثاني، وبقولنا: لذاته، تحرزْنا به مما إذا اقترن الشرط بالسبب.
وأما أضداده التى ذكرناها تُعرَف به فالمانع والسبب، فإن المانع هو الذي يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. والسبب هو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. فالسبب مؤثر من حيث وجوده ومن حيث عدمه، والمانع من حيث وجوده فقط، والشرط من حيث عدمه فقط.
وأما أقسامه فهو ينقسم إلى شرط لغوي، والى شرط عقلي، وإلى شرط شرعي، وإلى شرط عادى، ويمكن تقسيمه باعتبار آخر، إلى غير هذه، ولكن لا حاجة إلى ذلك.
فالعقلى كالحياة في العلم، والعادي كالسُّلّم في الصعود، والشرعي كالطهارة في الصلاة، واللغوي كقولنا: إذا دخلتِ الدار فأنت طالق.
لكنه إذا عرضْنا الحقيقة المتقدمة على الأقسام وجدناها إنما تصدق على العقلى فقط، فإن الصعود قد يتصور دون السلم، والصلاة دون الطهارة، والطلاق دون الدخول. وأيضا فالشرط اللغوي إذا وجد مقتضاه وجد مشروطه ولا بد، فهو كالسبب. فعلى هذا، إذا أردنا الشرط اللغوي فالأولى أن نقول في رسمه (٢):
стр. 53
هو المرتب على إن وما في معناها من حيث الشرطية، فظهر الفرق بين الشرط اللغوي والعقلى، فإن الشروط اللغوي يتوقف وجوده على شرطه، ووجود شرطه يقتضيه، وكذلك المشروط الشرعي لا يقتضى وجودُ شرطه وجودَه.
وعلى هذا فإطلاق الشرط على ما ذكر بالاشتراك أو على أحدهما بالمجاز، وادعاء التواطؤ في ذلك بعيد (٣)، والله أعلم.
стр. 54
ولنذكر مسائل من حيث الشرط اللغوى تتحقق بها قواعد عند البحث فيها.
منها: المسألة الاولى: قال اللخمى في كتاب الظهار: "إذا قال: أنت طالق اليوم إن كلمتُ فلانا غدا، قال ابن عبد الحكم: إن كلمه اليوم حنث، وغدًا لا يحنث، لأن الحنث بالغد يقتضى اجتماع العصمة وعدمها، فإذا كلمه اليوم اجتمع الشرط والمشروط في ظرف واحد، فتَرتّبَ أحدهما عن الآخر، وقيل. يلزمه الحنث إن كلمه غدا. وفي الجواهر (٤). لو قال: أنتِ طالق يوم يقدم فلان، فقدم نصف النهار، تطَلّق من أوله. ولم يحك خلافا. وقال ابن يونس: قول ابن عبد الحكم خلاف أصل مالك، بل يلزمه الطلاق، وقال الغزالي في الوسيط: إذا قال: أنت طالق بالامس وقال: قصدت إيقاع الطلاق بالامس لم يقع، لأن حكم اللفظ لا يتقدم عليه. وقيل: يقع في الحال، لأن وقوعه بالامس يقتضي وقوعه بالامس وفي الحال، فيقسط الأمس ويثبت الوقوع بحسب الحال (٥).
وقال الفقهاء أيضًا: إذا قال: إن مات فلان فأنت طالق قبله بشهر، إن مات قبل مضى الشهر لم يقع طلاق، لئلا يتقدم الحكم على اللفظ، وبعد شهر وقع الطلاق قبله بشهر. وأبو حنيفة يفرق بين ما إذا قال: إن مات وإن دخل، فيلزم الطلاق قبل الموت بشهر، ولا يلزمه في الدخول وما أشبهه. وقال الغزالي: هو
стр. 55
تحكم. والفقهاء جعلوا مسألة التعليق المذكورة أولا كمسألة أنت طالق بالأمس فقالوا: لا يلزم الطلاق قبل الدخول أو القدوم، لأن حكم اللفظ لا يتقدم عليه.
وقال شهاب الدين: الحق في هذه المسألة وقوع الطلاق مقدمًا على القدوم الذي جعل شرطًا وعلى لفظ التعليق في زمانه، وقال: قولهم: حكم اللفظ لا يتقدم عليه، لا يتم، وقياسهم على قوله: أنت طالق، لا يصح (٦)، وبيان ذلك بثلاث قواعد:
القاعدة الأولى: أن الأسباب في الشريعة قسمان: قسم قدره الله تعالى في أصل شرعه، وقدر له مسببًا معينًا فلا زيادة ولا نقص فيه، وهذا كجعله الزوال سببًا لصلاة الظهر.
وقسم جعله الله لخيرة (٧) المكلفين، إن جعلوا أي شيء أرادوا سببًا لحكم
стр. 56
كان كذلك، وحصر جعلهم لذلك في طريق واحدة هي التعليق (٨).
القاعدة الثانية: المقدّرات لا تنافي المحقَّقات، بل يثبتان ويجتمعان. ويشهد لذلك أن الأمة إذا اشتراها شراء صحيحا أبيح له وطؤها بالإِجماع إلى حين الاطلاع بالعيب والرد به. وكذلك إذا قال: أعتق عبدك عني فأعتقه، فإنَّا نقدر دخوله في ملكه قبل عتقه بالزمن الفرد، مع أن الواقع عدم ملكه له. وكذلك دية الخطأ تورث عَنْ المقتولِ، ومن ضرورة الإِرث ثبوت الملك للموروث، فَنُقَدِّر (٩) ملكه للدية قبل موته بالزمن الفرد فيصح الإِرث، ونحن نقطع بعدم ملكه للدية حال حياته، فقد اجتمع الملك المقدر وعدمه المحقق ولم يتنافيا. وكذلك صوم التطوع يصح عندهم بنية من الزوال. هذه الوجوه قرر بها شهاب الدين القاعدة المذكورة (١٠).
قلت: وهو منازَع في ذلك كله، فإنا نقول:
لا تقدير في شيء مما ذكرته (١١). فالرد بالعيب رفع الحكم المتصل من اباحة الوطء وغيره وقطعه، وما قبل ذلك كان فيه إباحة الوطء محققا، ولا وجود لتقدير شيء يخالفه. وكذلك ورَّث الشرع ورثة المقتول خطأ من دية، ما ملكها قط، وكذلك عتق العبد عن زيد، جعل الشرع ذلك من غير تملك سابق له، لا تحقيقًا ولا تقديرا، والأمر في الصوم أبيَنُ.
стр. 57
القاعدة الثالثة: أن الحكم كما يجب تأخره عن سببه، كذلك يجب تأخره عن شرطه، ومن فرق بينهما فقد خالف الإجماع (١٢).
قلت: وأيضا، فقد تقدم لنا. أن الشرط اللغوي سبب، فإن المشروط يوجد بوجُودِهِ، إذ لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلتها، لزمه الطلاق.
قال شهاب الدين ﵀: إذا تقررت هذه القواعد، فنقول:
ليس من تقديم الطلاق على زمن اللفظ وزمن القدوم تقديم السبب على السبب، ولا المشروط على الشرط، لأنهُ عند وجود الشرط الذي هو القدوم - مثلا - يترتب عليه مشروطه بوصف الانعطاف على الأزمنة التى قبله، على حسب ما علقه، فهذا الانعطاف متأخر عَنْ الشرط، ولفظ التعليق بالتحريم فيما قبله إنما هو ثابت فيه تقديرا لا تحقيقًا.
قال: وبهذا يظهر أن العدة من يوم القدوم للمرأة في المسألة التى قال الفقهاء فيها: إذا قال لها: إن قدم زيد فأنت طالق قبل قدومه بسنة، فقدم بعد ذلك بسنة، أن العدة انقضت عند حصول الشرط (وهو القدوم)، ولا تعتد بعد ذلك، قال الضهاب: لأنه يوم لزوم الطلاق وتحريم الفرج، أما قبل ذلك فالإباحة بالإجماع، والعدة إنما تتبع المحقَّق لا المقدَّر.
وقال: فإن قالوا: تقدير الطلاق يمنع ثبوت الزوجية المبيحة للوطء. قلنا: المقدرات لا تنافي المحققات.
стр. 58
قلت: كلامه كله هذا انْبَنَى على أن هذه القاعدة الثانية مقررة، وقد مضى أن ما ذكره لا يكفى في تقريرها، فلا يترجح ما قاله على ما ذكره بعض الفقهاء من أن العدة انقضت، والله أعلم.
قال: وأما قياسهم على قوله: أنت طالق من شَهْرٍ، فالفرق أن الاسباب الموضوعة في أصل الشرع قد استقل صاحب الشرع بمسبباتها ولم يجعل فيها انعطافات. قال: والتعلىيق موكولة لخيرة المكلف، ولا يلزم من التزام الانعطافات حيث خيرة المكلف أن تلزم حيث الحِجْر عليه.
قلت: قد جعل الانعطاف في مسألة الصوم، ثم أصل الانعطاف ممنوع منه على حسب ما تقرر في القاعدة الثانية، فالمسألة غير جلية على زعمه، والله أعلم.
المسألة الثانية: مسألة الدَّور.
قال أصحابنا: إذا قال: إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا فطلقها، لزمه الثلاث، أي عددٍ كان منجزًا كملّنا معه الثلاث.
وقال الغزالي في الوسيط: لا يلزمه شيء عند ابن الحداد، لأنه لو وَقعَ، لَوقَع مشروطه، وهو تقدم الثلاث، ولو وقع مشروطه لمنع وقوعه، لأن الثلاث تمنع ما بعدها. فيؤدي إثباته إلى نَفْيِهِ، وقال أبو زيد: يقع المُنَجَّزُ ولا يقع المعلّق، لأنه علق محالا. وقيل: يقع في المدخول بها الثلاث، أي أي شيء نجَّزه تَنَجَّز، وكمل من العلق، وقد تقدم (١٣).
والبحث في هذه المسألة يكون بعد تقرير ثلاث قواعد:
القاعدة الأولى: أن من شرط الشرط إمكان اجتماعه مع المشروط، وإلا لم تكن حكمة في جعله شرطًا.
стр. 59
القاعدة الثانية: أنَّ اللفظ إذا دار بين مقتضاه اللغوي وبين مقتضاه الشرعي فَعَلَى الشرعي يُحمل.
القاعدة الثالثة: أن من تصرف فيما يملك وفيما لا يملك، نفذ تصرفه فيما يملك دون ما لا يملك.
إذا تقررت هذه القواعد فنقول:
قولك: إن طلقتك، يُحمل على المقتضى الشرعي لا على اللغوي. ثم هو لا يحمل على التحريم، لأنه يؤدى إلى ألا يجتمع الشرط مع مشروطه، وذلك باطل لا تقدم، فهو إنما يراد به طلقة واحدة أو طلقتانِ فيكمل له، الثلاث من الذي ذكر في الشروط. وما قاله ابن الحداد من التنافي يندفع من حيث إنه يقال: غاية ما فيه أنه اجتمع في الشروط ما يملك وما لا يملك، وقد قلنا في القاعدة: ينفذ التصرف فيما يملك ولا ينفذ فيما لا يملك، وهذا كمن قال: امرأتي وامرأة غيري طالق، تطلق زوجته عليه.
قلت: وامتناعه من أنه لا يحمل على التحريم، لما قاله من القاعدة، غير مسلَّم، من حيث إن عدم اجى خماع الشرط مع مشروطه في القضية كان لمانع منع منه. والذي قيل فيه إنه ليس بحكمة، أن يكون الشرط مع مشروطه لا يمكن اجتماعما، وهذا ليس كذلك، فإن الإمكان لا يرتفع للأسباب (*) وإلا بطلت الحقائق والطبائع.
المسألة الثالثة: قال الغزالي في الوسيط: إذا قال: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، طلقت عليه في الحال، لأن تعليقه على الدخول حلف، بخلاف إذا طلعت الشمس فليس بحلف، لأن الحلف ما يتصور فيه منع واستحثاث.
قال شهاب الدين ﵀: هذا لقوله ﵇: "الطلاق، والعتاق من أيمان الفساق" (١٤). ولِنَصِّ العلماء على أن تعليق الطلاق منهي عنه.
стр. 60
المسألة الرابعة: قال الشافعية: إذا قال: إن بدأتك بالكلام فأنت طالق، فقالت: إن بدأتك بالكلام فعبدي حر، فكلمها، لم تطلق ولم تعتق العبد، لأن يمينه انحلت بيمينها، ويمينها انحلت بكلامه، فلم تفتد بشئ (١٥) ولا هو بكلام.
المسألة الخامسة: في التهذيب لمالك ﵀: أنت طالق إن شاء الله، يلزمه الطلاق الآن، بخلاف ان شاء هذا الحجر ونحوه. وأبو حنيفة والشافعي، يقولان بعدم اللزوم في الجميع. وقال سحنون: يلزم في الحجر ونحوه، لأنه نادم أو هازل.
قال شهاب الدين ﵀: والمسألة مبنية على أربعة قواعد (١٦):
القاعدة الاولى: من له عرف يحمل كلامه على عرفه، وهذا كحمل الصلاة على المعهودة لَا على الدعاء. وكذلك، قوله ﵇: "من حلف، واستثنى، عاد كمن لم يحلف (١٧) " يحمل على الحلف الشرعي، وهو الحلف بالله تعالى، لأن الحلف بالطلاق والعتاق أيمان الفساق.
قلت: القصد من ذكر هذه القاعدة: أن يتحقق له هذا الفرع، وهو: أن الحلف لا يقال على العتاق والطلاق، ولا يتقرر بما قاله، بل نقول بمقتضى القاعدة، ونقوق: الحلف في الشريعة، واليمين، يقالان على اليمين بالله، وعلى اليمين بالطلاق، والعتاق، وكون أحدهما يكره لا يخرجه عن أن يكون يمينًا، كما أن الآخر إذا أكثر من الحلف على الأشياء بالله تعالى يكره له، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (١٨)، وليس هذا بمخرج له عن أن يكون يمينا.
стр. 61
القاعدة الثانية: كما شرع الله الأحكام شرع مبطلاتها (١٩) وروافعها، وهذا كثير، ومنه أن حكم اليمين أثبته ثم رفعه الاستثناء.
قلت: قال شهاب الدين ﵀ هنا: فلا يلزم أن يكون رافعا لحكم التعليق، كما أن الطلاق (٢٠) رافع للنكاح، لقوله ﵇: "من حلف واستثتى عاد كمن لم يحلف". وهذا مبتى على القاعدة الاولى، وقد ذكرنا أنه لم يصح له ذلك فيها، فكذلك ما ذكره هنا.
القاعدة الثالثة: مشيئة الله واجبة النفوذ، فلذلك كل عدم ممكن يعْلَمُ وقُوعُهُ، يعلم أن الله تعالى أراده، وكل وجود ممكن يُعْلمُ وقُوعُهُ، يُعلم أن الله تعالى أراده، فتكون مشيئة الله معلومة قطعًا.
قلت: قوله: كل عدم ممكن يعلم وقوعه يعلم أن - الله أراده، إن أراد يُعْلَم أن الله أراد عدمه بحسب ذلك الوقت الذي كان فيه العلم فنعم، وليس كلامنا في ذلك، وإنما كلامنا في المشيئة بحسب الزمان المستقبل، وهي مبهمة علينا ولا بد. وإذا كان كذلك فمشيئة الله لا علم لنا بها حال قول القائل: أنت طالق إن شاء الله، لأنا لا ندري ما يكون في المستقبل.
قال شهاب الدين ﵀:
وأما مشيئة غيره فلا تعلم غايتها بل تظن (٢١)، وذلك إذا أخبرنا بها، فظهر بطلان ما يروى عن مالك وجماعة من العلماء من أنه علق الطلاق على مشيئة من
стр. 62
لم تعلم مشيئته، بخلاف التعليق على مشيئة البشر (٢٢).
قلت: هذا ضعيف غاية، فظهر أن الانسان إذا قال: أنت طالق إن شاء الله هو بمنزلة ما إذا قال: إن شاء الله أن يصل فلان إلى هذه البلدة وصل، وإن شاء الله أن لا يصل فإنه لا يصل، فنحن لا نعلم في ذلك الوقت ما الذي عند الله تعالى في ذلك حتى يموت فلان المذكور، فيبرز لنا حينئذ مشيئته. وأما قبل موته: فمشيئة الله تعالى مغيبة عنا. وإذا كان الأمر هكذا صدق قوله في الطلاق، وقد تقدم التنبيه الآخر على ذلك.
القاعدة الرابعة: الشرط وجوابه لا يتعلقان إلا بمعدوم ومستقبل (٢٣).
стр. 63
فإذا قَال: إن دخلت الدار فأنت طالق، يحمل علَى دخولٍ مستقبل بطلاق لم يقع قبل التعليق إجماعا، والمشيئة قد جعلت شرطًا، ولا بد لها من مفعول، فالتقدير إن شاء الله طلاقك، فهذا المفعول إما أن يكون الطلاق الذي صدر منه في الحال، أو طلاقا في المستقبل، فإن كان الأول فنحن نقطع أن الله تعالى أراده في الأزل، وهذه الشروط أسباب، ويلزم من وجودها الوجود، فيلزم أن يطلق في أول أزمنة الامكان وقبول المحل عند أول النكاح، ولم يقل به أحد. وان كان المفعول طلاقا مستقبلا فيكون التقدير إن شاء الله طلاقك في المستقبل فأنت طالق، فالمشروط لهذا الشرط أن يكون مستقبلا، لأن المرتب على المستقبل مستقبل فلا تطلق في الحال. وإن كان المعنى إن شاء الله طلاقك بغير هذا الطلاق الملفوظ به الآن، فلا ينفذ طلاق حتى يتلفظ بالطلاق مرة أخرى، فلا يكون - أيضًا - الطلاق في الحال. قال (أي القرافي): أما استثناء الكل من الكل فعبث، فظهر بهذه القواعد وبهذا التقدير أن الحق في هذه المسألة عدم لزوم الطلاق في الحال (٢٤).
قلت: بحثه هنا من حيث ذكره لمفعول المشيئة، وتفريقه بين أن يكون الطلاق الأول أو غيره، بعيد، غايةً. ولو فرضنا القواعد التى بعد هذه سلمت له ما صح له مقصد، فكيف وقد مضى ما فيها.
فمن ضعف هذا البحث أنه قد قرر أن الشرط لا الاستقبال، وأن المرتب على المستقبل مستقبل. فإذا قلنا: قوله إن شاء الله شرط، فنقول: الطلاق هنا مستقبل ولا بد، من حيث الشرط الموجود في القضية، ثم مشيئة الله تعالى قديمة، لكن ظهورها هو الذي يحدث ويظهر أوْ لا، ولكنه لما كان لا يعلم ذلك وخفيت عنا مشيئة الله تعالى - لا كما قاله هو أن مشيئة الله معلومة - قال مالك ﵀: يلزمه الطلاق الآن لا في المستقبل، وجعل هذا الأمر كما لو علق بمشيئة زيد، وشاء في الوقت.
стр. 64
المسألة السادسة: قال مالك في التهذيب: قوله: إن فعلت كذا فعلي الطلاق إن شاء الله، لا ينفعه الاستثناء. قال ابن يونس: قال عبد الملك: إن أعاده على الفعل دُون الطلاق نفعه، وأنت طالق إلا أن يبدو لي لا ينفعه الاستثناء إلا أن يريد الفعل خاصة فذلك له. وفي الجلاب (٢٥): إن كلمت زيدا فعلي المشي إلى بيت الله إن شاء الله، لا ينفعه الاستثناء إذا أعاده على النذر، وإن أعاده على الكَلَامِ نفعه (٢٦).
قال شهاب الدين ﵀: معنى قول عبد الملك: إن أراد أن ذلك الفعل المعلق عليه لم أجزم بجعله سببا للطلاق، بل فوضت - جعل سببيته إلى مشيئة الله، إن شاء جعله سببا وإلا فلا. وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل سببًا فلا يلزم به شيء إجماعًا، وصاحب المقدمات (٢٧) حكاه خلافا، وقال: الحق عدم اللزوم،
стр. 65
قياسًا على اليمين بالله تعالى إذا أعاد الاستثناء على الفعل، قال: وهذا يشعر بأن ابن القاسم يوافق في اليمين بالله تعالى ويخالف في الطلاق.
قلت: يمكن أن يقال بصحة الخلاف مع ما قاله شهاب الدين، وهذا لأنا إن نظرنا إلى الترتيب بين الشرط والمشروط فظاهرٌ أنه جَعَلَه سببا وإن نظرنا إلى قوله: إن شاء الله فهو يقتضي أنه لم يجعله سببا، ثم مع هذا يقال: الحق عدم اللزوم كما قال ابن رشْد، ويسقط الإجماع الذي قاله شهاب الدين.
قال: وقوله: أنت طالق إلا أن يبدو لي، ظاهر أنه لا يقع، لأنه لما طلق فقد انقطعت العصمة، ولا يردها قوله. وإذا علق الطلاق على فعل وأعاد إلا أن يبدو لي، وأراد أني ما صمت على جعل الفعل سببًا، بل الأمر موقوف على إرادة تحدث في المستقبل، فذلك ينفعه، وهذا كله لأن كل ما وكل للمكلف فسببيته لا تكون إلا بإرادته، وهذا المعنى هو ما قاله صاحب الجلاب (٢٨).
المسألة السابعة:
في الجواهر (٢٩): أنت طانق إن كلمت زيدا، إن دخلت الدار، هو تعليق التعليق، فإن كلمت زيدًا - أولًا - تعلق طلاقها بالدخول. والشافعي يقول: إن بدأت بالكلام لا يقع طلاق، وإن بدأت بالدخول ثم الكلام وقع الطلاق.
ومثل هذه المسألة: إن أعطيتك؛ إن وعدتك، إن سألتني، فأنت طالق، فالشافعي يعتبر الترتيب، فإن وقع السؤال، ثم الوعد، ثم العطية، وقع الطلاق، وإلا فلا، ونحن لا نعتبر الترتيب، بل حصول ذلك المجموع فقط، على حسب ما هو الامر مع الواو. وإمام الحرمين وافقنا على هذا.
قال شهاب الدين ﵀: والشافعي يتقوى قوله بقاعدتين:
стр. 66
الواحدة أن الشروط اللغوية أسباب، يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم، وقد تقدم هذا، وليست الشروط الْأخَرُ كذلك.
والثانية: أن تقديم السبب على سببه لا يعتبر كالصلاة قبل الزوال. ولَمَّا كان الامر هكذا فهو يقول: سبب الطلاق الكلام، وسبب اعتبار الكلام في سببية الطلاق دخول الدار، فهذا وجه قوله.
وأصحابنا قالوا: أجمعنا على أن المعطوف بالواو يستوي فيه التقديم والتأخير، فكذا المذكورات بغير واو، لأن الانسان قد يعطف الكلام بعضه على بعض من غير عطف، كقولك: جاء زيد، جاء عمرو.
ومما يعضد قول الشافعي قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ (٣٠)
وجاء ما يعضد قول مالك، وهو قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ (٣١). فإرادة النبيّ متأخرة في المعنى، كما هي في اللفظ، بخلاف الآية الأخرى. ويحتمل أن تُرَد هذه الآية إلى ما كان عليه الأمر في الآية الأخرى.
وقال ابن مالك في شرح مقدمته:
الثاني من الشرطين لا جواب له، وإنما الجواب للأول خاصة، وصدق، فإن هذا الشرط الثاني إنما اعتباره في الأول لا في الطلاق الذي جُعل مشروطًا، فذكر الشرط الأول سَدَّ مَسَدّ جوابه.
стр. 67
"تفريع" (*):
إن قال: إن أكلت وإن لبست فأنت طالق، فلا ترتيب بين هذين الشرطين باتفاق، بل أيهما وقع قبل صاحبه اعتبر، ولا بد من وقوع الشرطين، (٣٢). فإن قال: إن أكلمت فلبست تعين الترتيب، وكذا إن أكلت ثم إن لبست، وإن أكلت بل إن لبست، الشرط واحد وهو الأخير، وقد أضرب عن الأول. وكذا إن أكلت لا إن لبست، فالشرط الأول وحده. وإن أكلت أو لبست، الشرط أحدهما لا بعنيه، وكذلك إما إن أكلت وإما إن شربت يلزم الطلاق بأحدهما. وأم من حروف العطف لا تصلح هنا، لأنه لا جزم فيها، وإنما هي للاستفهام، والتعليق لا بد أن يكون جزمًا (٣٣).
وذكر الشيخ في التهذيب - في الواو - أنها تطلق بكل واحد من الشرطين طلقة، قال: لأن حرف الشرط قد كرر، فوجب لكل واحد منهما جزاء، فتطلق بكل واحد منهما طلقة واحدة. وما قاله غير لازم، بل يكون حرف العطف يقتضى
стр. 68
مشاركة الثاني للأول في أنه شرط في هذا الجزاء (٣٤).
قلت: قد مضى ما قاله ابن مالك في أن الشرط الأول هو الذي يحتاج للجواب خاصة، وذلك يُبَيِّنُ هذه المسألة، وهي راجعة إلى النحو، فيرجَعُ فيها إلى أئمة ذلك العلم، والله أعلم.
ذكر شهاب الدين، ﵀ في هذا الوضع مسألة وطول فيها، وليس فيها كبير فائدة. فلنذكر طرفًا منها، ثم نذكر مسائل زائدة على ما ذكره، هي ماسة بقضية الشرط (٣٥)، وهي فقهية، بطريق ابداء الفارق بين المتشابهين منها.
стр. 69
المسألة الأولى: (٣٦)
أنشد بعض الفضلاء:
يقول الفقيه أيده الله ... ولا زال عنده إحسان
فتى علق الطلاق بشهر ... قبل ما قبلَ قبلِهَ رمضانُ؟
فنقول - أولا:
стр. 70
هذا البيت ينشد على ثمانية أوجه، لأن ما بعد قبلِ الأول، قد يكون قبلَيْن، وقد يكون بَعْدين، وقد يكونان مختلفين، فهذه أربعة أوجه، ثم قد يكون عوض قبل الأول، بعد، فتكون ثمانية. ثم أقول - أيضًا -: إن ما في البيت تكون زائدة، وموصولة، ونكرة موصوفة، والحكم في الوجوه كلها واحد، لا تتغير الفتوى بحسب ذلك. ثم إن القبل، والبعد لا يصح أن يكون هنا الا بشهر تام، ليس من حيث إن القبل والبعد لا يصدقان الا على ذلك، بل يصدق على اليوم وأقل منه، ولكن لقرينة في البيت عينت ما قلناه، فهو المقصود في البيت لا غيره.
ثم إن القبلية والبعدية - أيضًا - تصدق بحسب المجاور أولا والمجاور آخرا، وتصدق بحسب المتأخر جدًا، وبحسب السابق جدًا، فنحن نقول: يومنا هذا قبل يوم القيامة، ويومنا هذا بعد يومٍ، خُلِق فيه آدم، وذلك كله حقيقة. كما أن القبلية والبعدية على المجاورين حقيقة. ولكن المراد هنا المجاور بحسب التقديم وبحسب التأخر.
فإذا تقرر هذا، فأقول:
اعلم أن الأجوبة الثمانية منحصرة في أشهر (٣٧): طرفان وواسطة، فالطرفان جمادى الآخرة وذو الحجة، والواسطة شوال وشعبان.
وتقريب ضبطها أن حميع البيت إن كان قبل، فالجواب بذي الحجة، أو بعد، فالجواب جمادى الآخرة، أو مركبة من قبل ومن بعد، فمتى وجدت في الآخر قبل وبعد، أو بعد قبله، فالشهر مجاور لرمضان، فإن كل شيء هو قبل بعده وبعد قبله. فالكلمة الأولى إن كانت حينئذ قبل فهو شوال، لأن المعنى قبله رمضان. هذا إن اجتمع آخرَ البيت قبل وبعد. فإن اجتمع قبلان، أو بعدان، وقبلهما مخالف لهما، ففي البعدين شعبان، وفي القبلين شوال.
стр. 71
المسألة الثانية (٣٨):
قال مالك: إذا قال لامرأته: أنت طالق رأس الشهر تَنجز الطلاق في الحال، واذا قال لأمته: أنت حرة رأس الشهر يوقف العتق إلى أمده ولم ينجَّزْ، والطلاق والعتق قد علق بوقت لا بد أن يأتي.
فالفرق بينهما، أن الطلاق إنما نُجِّز في الحال، لأن الوطء لا يجوز أن يتوقف، ولهذا نُهِي عن نكاح المتعة، حيث انها توقيت للوطء (٣٩)، وليس كذلك العتق إذا علقه رأس الشهر، فهو إنما وقت الخدمة، وذلك جائز، لأن المنفعة تتوقت كالإجارة، ألا ترى أنه يمنع من وطئها، فافترقا.
فإن قيل: فيلزم على هذا أن من قال: ان قدم فلان فأنت طالق قبده بسنة، أن ينجَّز الطلاق، وكذا، ان قال: ان مات، قلنا: لا يلزم، من حيث إن الشرط يمكن أن يقع وألا يقع. ثم الموت الذي لا بد منه يجهل أن يتأخر عن موت المرأة المطلقة، فيكون كالقدوم الذي لم يقع، فلذلك قلنا بعدم التنجيز، فلم يكونوا فيه موقتين للوطء، ولا بد، والله أعلم.
المسألة الثالث:
قال عبد الملك: إذا قال رجل لامرأته وهي حامل: أنت طالق - إذا وضعت - واحدة، وأنت طالق الساعة واحدة، طلقت اثنتين. وإذا قال: أنت
стр. 72
طالق الساعة واحدة (أي طلقة واحدة) وأنت طالق - إذا وضعت - واحدة، لم تطلق إلا واحدة، وكلاهما طلاق متعلق بوضع الحمل.
فالفرق بينهما أنه لما قال: أنت طالق - إذا وضعت - طلقت في الحال، فصارت مطلقة رجعية، فلما قال: وأنت طالق "الساعة" لزمته الأخرى، لأن الطلاق يلحق الرجعية، فلزمت اثنتان. وإذا قال: أنت طالق الساعة طلقت واحدة، وبقيت مطلقة رجعية أيضًا، فإذا قال: وأنت طالق إذا وضعت، فقد علق وقوع الطلاق بوقت هي فيه غير زوجة لا يقع عليها فيه طلاق، لأنها بالوضع تبين منه، - إذ به تخرج عن العدة، فافترقا.
لكنه لقائل أن يقول: قلتم: إن الرجعية يلحقها الطلاق، وهذه - حين طلقت الساعة - هي رجعية، فلم لا يلحقها الآخر الذي هو قوله: وأنت طالق إذا وضعت، بأن ينجز ذلك الطلاق الآن كما نجز حين بدأ به، ولا يكون طلاق بعد عدة؟ والله أعلم.
وقد يقال في الجواب: التنجيز ثان (٤٠) عن تحقق صحة الوقوع في الوقت الذي ربط به الطلاق، ووقوع الطلاق بعد الوضع لا يصح في حق الرجعية، لأنها بالوضع تبين، ويصح في حق التى لم تطلق، فيتصور التنجيز فيها دون الرجعية، والله أعلم.
لكنه ييقى الإشكال في البحث من أوله، من حيث إنه بني على أن الواو تعطي الترتيب، وليس كذلك. ثم لو سلمنا بهذا وقلنا بأنها للترتيب، ففي أصل البحث إشكال من حيث إنه يمكن أن تموت المرأة قبل أن تضع، فيصير الشرط بهذا يمكن أن يقع، فلا ينجز الطلاق، كما قال في مسألة الموت قبل هذه المسألة، فإما أن يقال بالتنجيز في المسألتين، أو بعدم التنجيز فيهما، والله أعلم.
стр. 73
المسألة الرابعة:
قال مالك: إذا قال رجل لرجل: ان لم أقضك حقك إلى شهور فامرأتي طالق فقضاه، ثم ظهر على ردئ بعد الشهر فإنه يحنث، سواء علم بذلك أو لم يعلم. فإذا قال لزوجته: أنت طالق إن لم آتك بخادم إلى شهر، فجاء بخادم، فظهر على عيب في بعد الشهر لم يحنث، وفي الجميع قد وجد العيب في المحلوف عليه، فالفرق بينهما أن الدراهم إنما وقع الحنث عليها، لأنه مضى الأجل المحلوف عليه ولم يقضه حقه، للزومه بدل الردئ، وفي الخادم لم يمض الأجل إلا والمجيء موجود، ولم تقع اليمين على صفة فيحنث متى وجد خلافها كالدراهم، وإنما وقعت على المجيء، والمجيء قد وجد، وفي الدراهم وقعت اليمين على صفة، وهي وفاء الحق، وذلك لم يوجد، فافترقا.
المسألة الخامسة:
قال مالك ﵀: إذا قال لأمته: أنت حرة إذا مات فلان، فإن وطأها لا يجوز له، وإذا قال: إن مت فأنت حرة، فوطؤها جائز له، وكلاهما عتق متعلق بموت.
فالفرق بينهما: إذا علق وقوع العتق بموت زيد حصل عتق متعلق بموقَّت، فكان حكمه حكم العتق إلى أجل، وإذا علقه بموته كان تدبيرًا، والفرق بين المدبَّرة (٤١)، والمعتقة، يقرر في موضعه.
فإن قيل: القول - هنا بأن الوطء لا يجوز له، يخالف ما قرر في المسألة الثانية التى هي خامسة باعتبارها، فالظاهر أن يلغى الشرط، لإمكان موت الزوجة قبل موته، ولإمكان موت الأمة قبل موته، أو لا يلغى ويعتبر، فينجز في الموضعين، ولا يعتبر ما ذكر من الإمكان.
стр. 74
قلنا: الفرق أن الزوجة تصور عليها عقد النكاح بوجه متيقن، فأصله ألا يحل بالشك، فإن الشك لا يقاوم اليقين، والأمة تصور عليها عقد مالك الرقبة كذلك بوجه متيقن، فهو - أيضًا - لا يحل بالشك بل باليقين، فلذلك قلنا ببقاء ملكه عليها، إلا أن يقع موت فلان، وقلنا: إنه لا يطأ، من حيث إنه أدخل على نفسه ذلك الشك، ولا حق للأمة في الوطء، بل هو له، ولا يخل تركه بعقدة الملك، بخلاف عقدة النكاح، فإن تركه مضاد لعقدة النكاح، وللحرة فيه حق، فقلنا بأنه لا يطأ هنا دون هنالك.
المسألة السادسة:
قال ابن القاسم: إذا قال رجل لامرأته: إن دخلت هاتين الدارين، فأمتي حرة، فدخلت إحداهما عتقت، وإذا قال لعبدين: إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما حران، فدخلهما أحدهما، لم يعتق واحد فهما حتى يدخلا جميعًا، ودخول البعض في الكل موجود، فالفرق بينهما أن في العبدين علق العتق بصفة تكون منهما جميعًا، فإذا وجدت من أحدهما فلا عتق، وإذا قال لأمته: أنت حرة إن دخلت هاتين الدارين، فإذا وجد الدخول لإحداهما وجب العتق، لأنه علقه بصفة المحلوف عليه، فإذا وجد البعض وجب انفاذه، لأنه كوجود الكل، لأن المقصود الامتناع من الدخول، وضد ذلك يؤخذ من البعض كما يؤخذ من الكل، فافترقا لذلك.
قلت: الفرق غير واضح، فيمكن أن يقال: هو اختلاف قول. ويمكن أن يقال في الفرق: ليس تعدد الداخل كتعدد المدخول فيه، فعلى الداخل المتعدد أن يرجع إلى واحدة، ومعنى التعدد فيه مقصود، والمدخول فيه ليس كذلك، والله أعلم. وهذا التفريق قد يكون إيضاحًا للفرق المذكور، لا مخالفًا.
المسألة السابعة:
إذا قال: كل امرأة أنكحها إلى ثلاثين سنة، فهي طالق إن كلمتُ فلانا، لزمه الحنث إن كلمه قبل الأجل فيمن تزوج قبل الحنث وبعده، قاله ابن القاسم
стр. 75
وأشهب. قالا: وإن قال: إن كلمت فلانا إلى ثلاثين سنة فكل امرأة أتزوجها طالق، فلا شيء عليه، وفي كلا الموضعين قد علق اليمين بالأجل.
الفرق بينهما أنه إذا وقَّتَ اليمين بالطلاق، فلا يسُدُّ على نفسه باب الإباحة، لأنه عند دخول الوقت يقرر على الإباحة فلزمه اليمين. وإن لم يوقت فقد وجب السد فلم يلزمه، وكان بمنزلة من قال: إن فعلت كذا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق، فافترقا.
القاعدة الثانية
في تقرير مقتضى إن، ولو، الشرطيتين، بحسب الزمان (٤٢).
إعلم أن إن، المقرر في كلام العرب، وهو قول أئمة النحو - أن الفعل الذي بعدها - كان مضارعًا، أو ماضيًا - تخلصه للاستقبال. والجزاء - أيضًا - كذلك تخلصه للاستقبال، وأنها لا تدخل على المحقَّقَ، وإنما تدخل على المشكوك فيه. هذا هو المقرر عندهم في إن (٤٣).
وأما لو، فشأنها أن الفعل الذي بعدها للدلالة على الزمان الماضى، كان ماضيًا من حيث صيغته، أو مضارعًا ماضيًا، كقولك: لو تام زيد أمس، قام عمرو. ومضارعًا، كقولك: لو يقوم زيد أمس، قام عمرو. ثم هي إذا دخلت على ثبوتين كانا نفيين، أو على نفيين كانا ثبوتين، أو نفى وثبوت كان النفى ثبوتًا، وكان الثبوت نفيًا، ويقولون لها: حرف امتناع الشيء لامتناع غيره (٤٤). هذا هو المقرر في الحرفين.