← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المسألة الثانية (٣٨): قال مالك: إذا قال لامرأته: أنت طالق رأس الشهر تَنجز الطلاق في الحال، واذا قال لأمته: أنت حرة رأس الشهر يوقف العتق إلى أمده ولم ينجَّزْ، والطلاق والعتق قد علق بوقت لا بد أن يأتي. فالفرق بينهما، أن الطلاق إنما نُجِّز في الحال، لأن الوطء لا يجوز أن يتوقف، ولهذا نُهِي عن نكاح المتعة، حيث انها توقيت للوطء (٣٩)، وليس كذلك العتق إذا علقه رأس الشهر، فهو إنما وقت الخدمة، وذلك جائز، لأن المنفعة تتوقت كالإجارة، ألا ترى أنه يمنع من وطئها، فافترقا. فإن قيل: فيلزم على هذا أن من قال: ان قدم فلان فأنت طالق قبده بسنة، أن ينجَّز الطلاق، وكذا، ان قال: ان مات، قلنا: لا يلزم، من حيث إن الشرط يمكن أن يقع وألا يقع. ثم الموت الذي لا بد منه يجهل أن يتأخر عن موت المرأة المطلقة، فيكون كالقدوم الذي لم يقع، فلذلك قلنا بعدم التنجيز، فلم يكونوا فيه موقتين للوطء، ولا بد، والله أعلم. المسألة الثالث: قال عبد الملك: إذا قال رجل لامرأته وهي حامل: أنت طالق - إذا وضعت - واحدة، وأنت طالق الساعة واحدة، طلقت اثنتين. وإذا قال: أنت

стр. 72

طالق الساعة واحدة (أي طلقة واحدة) وأنت طالق - إذا وضعت - واحدة، لم تطلق إلا واحدة، وكلاهما طلاق متعلق بوضع الحمل. فالفرق بينهما أنه لما قال: أنت طالق - إذا وضعت - طلقت في الحال، فصارت مطلقة رجعية، فلما قال: وأنت طالق "الساعة" لزمته الأخرى، لأن الطلاق يلحق الرجعية، فلزمت اثنتان. وإذا قال: أنت طالق الساعة طلقت واحدة، وبقيت مطلقة رجعية أيضًا، فإذا قال: وأنت طالق إذا وضعت، فقد علق وقوع الطلاق بوقت هي فيه غير زوجة لا يقع عليها فيه طلاق، لأنها بالوضع تبين منه، - إذ به تخرج عن العدة، فافترقا. لكنه لقائل أن يقول: قلتم: إن الرجعية يلحقها الطلاق، وهذه - حين طلقت الساعة - هي رجعية، فلم لا يلحقها الآخر الذي هو قوله: وأنت طالق إذا وضعت، بأن ينجز ذلك الطلاق الآن كما نجز حين بدأ به، ولا يكون طلاق بعد عدة؟ والله أعلم. وقد يقال في الجواب: التنجيز ثان (٤٠) عن تحقق صحة الوقوع في الوقت الذي ربط به الطلاق، ووقوع الطلاق بعد الوضع لا يصح في حق الرجعية، لأنها بالوضع تبين، ويصح في حق التى لم تطلق، فيتصور التنجيز فيها دون الرجعية، والله أعلم. لكنه ييقى الإشكال في البحث من أوله، من حيث إنه بني على أن الواو تعطي الترتيب، وليس كذلك. ثم لو سلمنا بهذا وقلنا بأنها للترتيب، ففي أصل البحث إشكال من حيث إنه يمكن أن تموت المرأة قبل أن تضع، فيصير الشرط بهذا يمكن أن يقع، فلا ينجز الطلاق، كما قال في مسألة الموت قبل هذه المسألة، فإما أن يقال بالتنجيز في المسألتين، أو بعدم التنجيز فيهما، والله أعلم.

стр. 73

المسألة الرابعة: قال مالك: إذا قال رجل لرجل: ان لم أقضك حقك إلى شهور فامرأتي طالق فقضاه، ثم ظهر على ردئ بعد الشهر فإنه يحنث، سواء علم بذلك أو لم يعلم. فإذا قال لزوجته: أنت طالق إن لم آتك بخادم إلى شهر، فجاء بخادم، فظهر على عيب في بعد الشهر لم يحنث، وفي الجميع قد وجد العيب في المحلوف عليه، فالفرق بينهما أن الدراهم إنما وقع الحنث عليها، لأنه مضى الأجل المحلوف عليه ولم يقضه حقه، للزومه بدل الردئ، وفي الخادم لم يمض الأجل إلا والمجيء موجود، ولم تقع اليمين على صفة فيحنث متى وجد خلافها كالدراهم، وإنما وقعت على المجيء، والمجيء قد وجد، وفي الدراهم وقعت اليمين على صفة، وهي وفاء الحق، وذلك لم يوجد، فافترقا. المسألة الخامسة: قال مالك ﵀: إذا قال لأمته: أنت حرة إذا مات فلان، فإن وطأها لا يجوز له، وإذا قال: إن مت فأنت حرة، فوطؤها جائز له، وكلاهما عتق متعلق بموت. فالفرق بينهما: إذا علق وقوع العتق بموت زيد حصل عتق متعلق بموقَّت، فكان حكمه حكم العتق إلى أجل، وإذا علقه بموته كان تدبيرًا، والفرق بين المدبَّرة (٤١)، والمعتقة، يقرر في موضعه. فإن قيل: القول - هنا بأن الوطء لا يجوز له، يخالف ما قرر في المسألة الثانية التى هي خامسة باعتبارها، فالظاهر أن يلغى الشرط، لإمكان موت الزوجة قبل موته، ولإمكان موت الأمة قبل موته، أو لا يلغى ويعتبر، فينجز في الموضعين، ولا يعتبر ما ذكر من الإمكان.

стр. 74

قلنا: الفرق أن الزوجة تصور عليها عقد النكاح بوجه متيقن، فأصله ألا يحل بالشك، فإن الشك لا يقاوم اليقين، والأمة تصور عليها عقد مالك الرقبة كذلك بوجه متيقن، فهو - أيضًا - لا يحل بالشك بل باليقين، فلذلك قلنا ببقاء ملكه عليها، إلا أن يقع موت فلان، وقلنا: إنه لا يطأ، من حيث إنه أدخل على نفسه ذلك الشك، ولا حق للأمة في الوطء، بل هو له، ولا يخل تركه بعقدة الملك، بخلاف عقدة النكاح، فإن تركه مضاد لعقدة النكاح، وللحرة فيه حق، فقلنا بأنه لا يطأ هنا دون هنالك. المسألة السادسة: قال ابن القاسم: إذا قال رجل لامرأته: إن دخلت هاتين الدارين، فأمتي حرة، فدخلت إحداهما عتقت، وإذا قال لعبدين: إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما حران، فدخلهما أحدهما، لم يعتق واحد فهما حتى يدخلا جميعًا، ودخول البعض في الكل موجود، فالفرق بينهما أن في العبدين علق العتق بصفة تكون منهما جميعًا، فإذا وجدت من أحدهما فلا عتق، وإذا قال لأمته: أنت حرة إن دخلت هاتين الدارين، فإذا وجد الدخول لإحداهما وجب العتق، لأنه علقه بصفة المحلوف عليه، فإذا وجد البعض وجب انفاذه، لأنه كوجود الكل، لأن المقصود الامتناع من الدخول، وضد ذلك يؤخذ من البعض كما يؤخذ من الكل، فافترقا لذلك. قلت: الفرق غير واضح، فيمكن أن يقال: هو اختلاف قول. ويمكن أن يقال في الفرق: ليس تعدد الداخل كتعدد المدخول فيه، فعلى الداخل المتعدد أن يرجع إلى واحدة، ومعنى التعدد فيه مقصود، والمدخول فيه ليس كذلك، والله أعلم. وهذا التفريق قد يكون إيضاحًا للفرق المذكور، لا مخالفًا. المسألة السابعة: إذا قال: كل امرأة أنكحها إلى ثلاثين سنة، فهي طالق إن كلمتُ فلانا، لزمه الحنث إن كلمه قبل الأجل فيمن تزوج قبل الحنث وبعده، قاله ابن القاسم

стр. 75

وأشهب. قالا: وإن قال: إن كلمت فلانا إلى ثلاثين سنة فكل امرأة أتزوجها طالق، فلا شيء عليه، وفي كلا الموضعين قد علق اليمين بالأجل. الفرق بينهما أنه إذا وقَّتَ اليمين بالطلاق، فلا يسُدُّ على نفسه باب الإباحة، لأنه عند دخول الوقت يقرر على الإباحة فلزمه اليمين. وإن لم يوقت فقد وجب السد فلم يلزمه، وكان بمنزلة من قال: إن فعلت كذا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق، فافترقا. القاعدة الثانية في تقرير مقتضى إن، ولو، الشرطيتين، بحسب الزمان (٤٢). إعلم أن إن، المقرر في كلام العرب، وهو قول أئمة النحو - أن الفعل الذي بعدها - كان مضارعًا، أو ماضيًا - تخلصه للاستقبال. والجزاء - أيضًا - كذلك تخلصه للاستقبال، وأنها لا تدخل على المحقَّقَ، وإنما تدخل على المشكوك فيه. هذا هو المقرر عندهم في إن (٤٣). وأما لو، فشأنها أن الفعل الذي بعدها للدلالة على الزمان الماضى، كان ماضيًا من حيث صيغته، أو مضارعًا ماضيًا، كقولك: لو تام زيد أمس، قام عمرو. ومضارعًا، كقولك: لو يقوم زيد أمس، قام عمرو. ثم هي إذا دخلت على ثبوتين كانا نفيين، أو على نفيين كانا ثبوتين، أو نفى وثبوت كان النفى ثبوتًا، وكان الثبوت نفيًا، ويقولون لها: حرف امتناع الشيء لامتناع غيره (٤٤). هذا هو المقرر في الحرفين.

стр. 76

ولنذكر مسائل متعلقة بالقاعدة المقررة بحسب الحرفين (٤٥): المسألة الأولى: قال الله تعالى، حكاية عن عيسى ﵇: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ (٤٦). فقال بعض المفسرين: إن ذلك وقع منه في الدنيا، وإن سؤال الله تعالى له قبل أن يدعيٍ ذلك عليه، فيكون التقدير: إن أكن أقوله فأنت تعلمه، فهما مستقبلان، جريًا على ما أصَّلنَاه (٤٧). وقيل: السؤال يكون يوم القيامة، وهذا هو المشهور، فيكونان ماضيين، وتخْرِمُ هذه الآية ما أصلناه. فقال ابن السراج: يجب تأويلهما بفعلين مستقبلين، تقديرهما: إن يثبت في المستقبل (٤٨) أني قلته في الماضي يثبت أنك تعلم ذلك. ومما يؤكد أن السؤال في الدنيا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٤٩) وإذ للماضي، والمخبر بهذا هو محمد في دار الدنيا. وقيل: هذا كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (٥٠). ذكر شهاب الدين ﵀ في هذه المسألة فائدة، ثم رتب عليها سؤالا. فالفائدة قَال: اعلم أن عشرة أشياء في كلام العرب هي للاستقبال: الشرط، وجزاؤه، والأمر، والنهي، والدعاء، والوعد، والوعيد، والترجي، والتمني،

стр. 77

والإباحة، فهذه العشرة لا تتصور بحسب ماض ولا حاضر. ثم قال: سؤال كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ يورده، وهو أن الصلاة على النبي ﷺ هي: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. وجاء في ذلك غير هذا مما يقرب لهذا، وهنا قاعدة (٥١)، وهي أن المشبه بالشيء، أعلى رتبته أن يكون. مِثلا، وقد يكون أدنى، وأما أعلى فلا يكون (٥٢). ومن المعلوم في القواعد أن نبينا ﷺ أفضل من إبراهيم، فكيف يخرج عن ظاهر هذا الحديث إلى القاعدة المقررة. فأجاب عز الدين رحمه الله تعالى بما مقتضاه أن التشبيه وقع بين المجموعين، فهنا النبي ﷺ وآله، وهنا النبي إبراهيم ﵇ وآله، فطلب في هذا الحديث أن يعطي الله من فضله وإحسانه لهذا النبي وآله مثل ما أعطى لإبراهيم وآله (٥٣). ثم إن آل إبراهيم كثير، فهم الأنبياء، وليس في آل نبينا نبي، والعطاء على نسبة المعطى إليه. ففضله على النبي لا يكون كفضله على غير النبي. فهذا المجموع الذي تصور في حزب إبراهيم وآله، إذا أخذ آله منه أنصباءهم كان الذي يأخذ إبراهيم من ذلك لا يساوي نصيب نبينا بوجه، فإن نبينا عليه الصلاة

стр. 78

والسلام يأخذ آله أخذًا دون أخذ آل إبراهيم ولا بد، للنبوة التى في آل إبراهيم، فيكون ما يقع في خاصة نبينا أفضل، وزال الإشكال على هذا. ثم إن شهاب الدين ﵀ لم يرتض هذا الجواب وقال: هذا التكلف الكثير (٥٤) فيه، هو من حيث اعتبار جميع ما أعطي من الخير للنبي وهذا لم يقع التشبيه فيه من حيث إن الدعاء للاستقبال، فما كان من خير أعطي للنبي ﷺ قبل هذا الدعاء لم يقع في التشبيه، وإنما وقع في التشبيه، الزائد على ما كان عنده (٥٥) لَا طَلَبُ (٥٦) أن يكون مثل ما كان لإبراهيم وآله، وهذا أيسر وأبين ولا كلفة فيه. قلت: ما قاله شهاب الدين ظاهر، وما قاله الآخر وهو عز الدين، رحم الله جميعهم، ظاهر وحسن. ولكنه قال شهاب الدين بعد هذا في جواب عز الدين: لا يحتاج إلى التفصيل الذي ذكره الشيخ، مع أنه لا يصح، فإنه جعل متعلق جيع ما حصل لرسول الله ﷺ يلزم (٥٧) تعلق الطلب بالواقع. فيلزم طلب تحصيل الحاصل وهو غير جائز (٥٨).

стр. 79

وهذا الذي ذكره لا يَلزم عزّ الدين، من حيث إن الإحسان الواقع لإبراهيم هو جملُة ذات أجزاء، والذي لنبينا ﵊ كذلك جملة ذاتُ أَجْزَاء والجملة ذات الأجزاء يَصِحُّ أن يصْدُق عليها أنها مستقبَلةٌ ما دام جزءٌ واحد منها لم يقعْ، وطالَما بقِي نبيُّنا بل بقيتْ أمّتُه، بقِيت الجملةُ لم تقَعْ. نعَمْ، وقعَ أَجْزَاءٌ مِنْها، وأما الجملة فما وقعَتْ وانما هي مستقبَلَة، فَانفصَل الإِشكال، والجوابانِ صحيحانِ. فإن قيل: هذا يتَّجه على رواية في الحديث، وهي التي فها ذِكْر النبي وآله في الصلاة وفي البَرَكة، وذكْرُ إبراهيم وآله في الصلاة والبركة. والطريق الآخر الذي فيه: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبْراهيم، وكذا أيضًا في البركة، لا يتجهُ هذا الجواب، وهذا أَخرجه مسلم.- قلنا: تُحْمَلُ هذه الرواية على الاخرى، ويكَون الآل واقعا على ذاته وعلى من تبِعه، كما قال: "لقد أُعطيتَ مِزْمارًا من مزامير آل داود، والمرَاد دَاوُد. (٥٩). المسألة الثانية: ما قرّرناهُ في لَوْ، يُشْكل أيضًا بِقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (٦٠). حيث إنه يلزم أن تكون كلمات الله تعالى نفدت، وليس كذلك، وهذا من حيث إنه نفْىٌ لقوله تعالى: "ما نَفِدَتْ كلمات الله". ونظيرُ هذه الآية: ﴿نِعْمَ العبْدُ

стр. 80

صُهَيْبٌ، لو لم يخف الله لم يَعْصِهِ"، يقتضى أنه خاف وعصَى مع هذا الخوف، وهذا قُبْح، فيكونُ ذَمًّا، لكن الحديث سِيقَ للمدح، فنَعَم للمدْح التام، والفضلاء يتولعون بالحديث كثيرا، والآية قَلَّ من يتفطَّنُ لهَا. (٦١) وأجاب الناس عن الحديث بأجولة: أحدها لابن عصفور، أنَّ لَوْ في الحديث بِمعنَى إنْ لمطلَق الربط، وإنْ، لا يكون نفيُها ثبوتا ولا ثبوتها نفيًا. الثاني لشمس الدين الخسر وشاهى، لوْ في أصل اللغة لمطلق الربْط. الثالث لعز الدين بن عبد السلام، قال: المسبَّبُ قد يكون له سببٌ واحدٌ ينتةِى لانتفاء سببه، وقد يكون له سببانِ، فَلَا ينتفِي لانتفَاء أحَدِ السببين. وإذا كان الامر هكذا ولابد، فلِعدم المعصية سببانِ: الخوفُ، وهذا لِلْكثير من الناس، والْإجْلالُ، وهذا لخاصة الناس وفُضلاِنهم ... فأثبت النبي ﷺ صُهَيْبًا في هذا الْحَظِ (٦٢). فهو يقول: نعْمَ العبد صهيبٌ، لوْ لم يخَف الله ما حَمَله عَدَمُ خوفه على العِصيان، كما هو في الكثير، بل هو لا يعصيه مع عدَم الخوف، للاجلال الذي غلَبَ عليه. الرابع: الجواب محذوف، تقديره: لو لم يخف الله عصَمَهُ اللهُ، ودَلَّ على ذلك قولُه: لَمْ يَعْصِهِ. وهذه الأجولة تتأتى في الآية، غَيْرَ الثالِثِ. ولشهاب الدين، ﵀ جواب خامس، وهو يصلح للحديث وللآية، قال: لَوْ أصلُهَا أن تكون للربط بين شيئين؛ تقدم. ثم إنها - أيضًا -

стр. 81

تُستعمل لقطع الربط، فيكون جوابا لسؤال، محقَّقِ أو متوهَّم، وقع فيه ربط، فَتَقْطغه أنت لاعتقادك بُطلان ذلك الربطِ، كما لو قَال القائل: لو لم يكن زيدٌ زوجًا، لم يَرث، فتقول له أنْت: لو لم يكن زوجًا لم يُحْرَمْ، تُريد أنّ ما ذكرَتَه مِن الربط بين عدم الزوجية وعدم الارث، ليس بِحَقٍ، فمقصودك قطع ربط كلامِهِ، وتقول: لو لم يكن زيدٌ عالمًا لَأكْرِم، أي لشجاعته، جوابا لسؤالِ سائلٍ تتوهمهُ أو سمِعتَه، وهو يقول: إنه إذا لم يكن عالمًا لم يُكْرَم، فَيَرْبط بين عدم العِلم، وعدمِ الاكرام، فتقطع انت ذلك الربْطَ (٦٣). قلت: هذا جواب عز الدين ﵀ بعينِهِ، وهو الذي قال فيهِ قبل هذا: إنه لا يُتصور أن يكون جوابا عن الآية، فمراد عز الدين ليس متوقفا على السَّبِبِيَّةِ، وانما أجاب بعدم الربط، وكان في الحديث عدم الربط، وأبْدَى علة عدم الربط، فذكر السببيْن كمَا الأمرُ هنا في مثال الموارثة (٦٤) وفي مثال الإِكرام،

стр. 82

فما ذلك إلّا لأجْل السببيْن، والله أعلمُ، وعلى هذا فلا يصلح أن يكون جواب شهاب الدين ﵀ جاريا في الآية؛ قال في جواب عز الدين رحمه الله تعالى. المسألة الثالثة: ما قلناه أيضًا من أن إن لا تدْخُلُ إلا على المشكوك، يُشْكِل بقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمُ إِيَّاهُ تَعْبُدُونْ" (٦٥)، فإن الله عالم بذلك قطعا، وبقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمُ فِي رَيْبٍ﴾ (٦٦)، فإن اللهَ تعالى تحقَّقَ أنهم في ريب، وهمْ يجدون الريب في نفوسهم قطعًا. والجواب أن يقال: المراد كل ما كان شأنه أن يكون في العادة مشكوكًا فِيه بين الناس حسُنَ تعليقُهُ بإنْ مِن قِبَلِ الله تعالى ومِن قِبَلِ غيره، سواء كان معلوما للمتكلم أو للسّامع أو لَا، وكذلك يحسُنُ من الواحد مِنّا أن يقول: إن كان زيد في الدار فأَكْرِمْه، معَ أنه يعلم أنه في الدار، ولكنه حَسُنَ، لأنهُ شأنه أن يشك فيه، يخلاف إن طلعَتْ الشمس. قلت: هذا يُعْترض (٦٧) بقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (٦٨) وكذلك نقول: إن يكن الواحد نصف العشرة فالعَشرةُ اثنانِ، وهذا أمرٌ لاشكّ فيه عادةً، بل يُقطعُ بأن الواحد لا يكون نصف العشرة. وما أجاب به شِهابُ الدين هذا الفرضَ وَهو قوله: التعليق إنما هو على امرٍ مفروض، والفَرْضُ والتقديرُ ليس امرًا لازما في الواقع، بل يجوز أن يقعَ ويجوزُ ألا يقعَ - فيصير من قِيلَ المشكوك فيه - هُوَ لا يصلح جوابًا لنفى الشكّ عن وقوع هذا الفرض وبُعْدِه عنه، ودخوله في حَيِّزِ (٦٩) المقطوعْ به.

стр. 83

والظاهر عندِي أن القاعدة التى يذكرها النحويون، وهي التي مرّت لنا، أنّ إن ليست مُحَصَّلَةً (٧٠)، وأنَّ إن تقع في الموضعين معًا، واللهُ أعلم وأَحكم، كقوله تعالى: "أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ" (٧١) والآية الاخرى مع الفرض، فيهما نظر. المسألة الرابعة ما تقرر، من أنَّ إنْ لا تدخُل على شئٍ إلا كان فيه معنى الاستِقبال يُشكِل بمثل قوله تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ (٧٢)، وبقوله ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ (٧٣). فأجاب شهابُ الدين عن هذا بأن تعلق إرادة اللهِ وعِلمِه بالأشياء تسمان: قسم واقع، وقسم مقدّر مفروض. فالواقع هو أزلي، لا يمكن جعْل شيء منه شرطًا الْبَتَّة، والمقدر هو الذي جُعِل شرْطا. تقديو الكلام، مَتَى فرض عِلْم الله تعالى بأنَّ فيكم خيرًا، أتاكم خيرًا مِمَّا أُخذَ مِنكم، وكذلك المثال الآخَرِ، والفرض والتقدير أمرٌ متوقَّع في المستقبَل ليس أزليًا، فلذلك حسُن التعليق فيه على الشرط. (٧٤) المسألة الخامسة إذا قال: إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق ثلاثًا، ثم قال لها: أنتِ طالقٍ

стр. 84

ثلاثًا، قال مالك ﵀: تنْحَلُّ يمينُهُ. وقال الشافعي: يبْقَى التعليقُ حتى (٧٥) يتزوجها في عقد ثان. قلت: فالشافعي نظرَ إلى مُطلَقِ لفظِ التعليق، فأبقاه بعْدَ الثَّلاث، ومَالكٌ نظرَ الَى أن الطلاق أصلُهُ أن لا يقع إلا على مَا مَلَكَ، والمطلَّقَةُ ثلاثًا ما بقي له عليها مِلْك، وان جاءَ أن الطلاق يقع على غر المملوكةِ على فرض التزوج إذا كان في الكلام ما يدل عليه، وليس هُوَ هنا. (٧٦) المسألة السادسة (٧٧) اتفق الفقهاء على الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (*) على الأمر بالتعليق، وهو يُشكلُ من حيثُ إنه ليس

стр. 85

هنا حرفُ تَعْليق، فإن إن الشرطية ليست هنا، وانما هي أن النَّاصبةُ بعْدَ حرفِ الاستثناء. وبَيَانُه أن نقول أولا: الاستثناء من الأحْوال، (٧٨)، والتقديرُ: ولا تقولَن لشيء إني فاعل ذلك غدا في حالةٍ من الحالات إلا معلِّقا بأن يشَاءَ الله، ثم حذفتَ معلّقا والباءَ من أنْ، وهي تُحذف معها كثيرا فيَكونُ النهى المتقدِّمُ مع الَّا المتأخِرة قد حصر (٧٩) القول في هذه الحالة دون سائر الاحوال فتختص، وترْكُ المحرّم واجبٌ، وليس بذلك شيء يترك به الحرامُ إلا هذه الحالُ، فتكون واجبة، فهذا مُدْرَكُ الوجوب. وأمَّا مُدْرَكُ التَّعْليق، فهوَ .. قوْلِنا. معلَّقا، فإنه يدل على أنه تعلق في تلك الحال، كما إذا قال له: لا تخرُجْ إلا ضاحِكا، فإنه يفيدُ الأمر بالضحك حالةَ الخروج. وانتظمَ معلقا معَ إن بالباءِ المحذوفة، واتَّجَهَ الأمر بالتعليقِ على المشيئة من هذه الصيغة عند الوعد بالافعال (٨٠). "فرع" من هذا التقدير: لو قال: علَّقت طلاقَكِ على دخول الدارِ طُلِّقتْ بدخول الدار، بمنزلة ما إذا قال: أنتِ طالق إن دخلت الدار. ولو قال لها: جعلتُ دخول الدار سببًا لطلاقك لم تطلق بدخول الدار، إلا أن يُريدَ بالجعْل االتعليقَ، وهذا مِن حيثُ إن الشرع خَوَّلَ لَهُ التعليق، لَا نَصْبَ الأسْبَابِ.

стр. 86

المسألة السابعة (٨١) قد يُذكَرُ الشرط للتعليق، كقولنا: إن دخلتِ الدار فأنت طالق، وقد يكون مذكورًا بدون التعليق، كقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٨٢). وضابطُهُ أمرانِ: المنامبَبةُ، وعدمُ انتفاء المشروط عند انتفائه. فيُعلَمُ أنهُ ليسَ بشرط. المسألة الثامنة: قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْل﴾ (٨٣). قال جماعة من العلماء: الوقف عند قوله: "لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ"، يبدأ بالشرط، ويكون جوابه. ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ﴾ دون ما قبله. وهذا لأن الله تعالى حكمَ بَتَفْضِيلهِن مطلَقًا على النِّساءِ من غير شرط، وهو أبلغُ في مَدحِهِنَّ.

стр. 87

المسألة التاسعة تقرر لنا أن ما دخل عليه الشرط مستقبَل، وأن الجواب كذلك يكون، فإن الماضيَ لا يترتب على المستقبَل، ولكِنه يشكل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٨٤). والجواب أن الجواب محذوف. وقوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ تسليةٌ لتكذيبه، وأقِيم مقام الجواب، لَا أنه هو الجواب. القاعدة الثالثة (٨٥) في تقرير مقتذى إذا، وتقرير الفرق بينها وبيْن إن الشرطية. فاعْلَمْ إنَّ إذا تَرِدُ للظرفية المحْضَة، كقوله تعالى: "وَالَّلِيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (٨٦). وقد ترِدُ إذا هَذِهِ ومعها المعْنَى الشَّرْطِي، كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٨٧)، ثم قال ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. فعَلَى هذا قد اشتركتْ مع انْ في الشرطية، لكنهُما افترقا من حيث إن الشرطيةَ دخيل (٨٨) في إذا، وهُوَ في إنّ أصْل، وأنَّ إنْ حَرْفٌ وإذا اسْمٌ.

стр. 88

ومنَ الفروق المذكورة بينهمَا: أنّ إنْ تدل على الزمان بالالتزام وعلى الشرط بالمطابَقة، وهو ما تقدم ذِكْرهُ والإِشارة اليه، وإذا على العكس من ذلك. ومنها: أنَّ إنْ لا يُعَلَّقُ عليها إلا مشكوك فيه، وإذا أعمُّ، تَدْخُل على المحقَّق وإلمشكوكِ فيه. قلت: وقد تقدم البحث في هذا المعنى وأنه مشْكِل. ومن الفروق النحوية - زيادةَ على ما سَبَقَ ذِكرُه أولا - أنّ إنْ لا يكون ما بعدَها إلا مجزومًا في اللفظ أو في الوضع، وإذا يكون ما بعدها مخفوضا بها في الأكثر. وأيضًا، فإنْ، بُنِيَتْ بالأصالَةِ، لأنَّها حرف، وإذا بالفرعية لأنها اسم. (٨٩) وقال شهاب الدين ﵀ هنا: إذا ظَرْفٌ، والظروف يجوز أن تكونَ أوسعَ من المظروف، فيجوز لهذا أن يُقال: إذا قال: إذا مِتُّ فأنتِ طالق، يلزمه الطلاق، لأن الظرف يجوز أن يكون أوسعَ من المظروف، فظرفُ الموت يحتمل دخول زمن من أزمنة الحياة فيه، فيقعُ في ذلك الزمانِ الطلاقُ في زمن الحياة فيلزمه، بخلاف ما إذا قال: إن مِتُّ فأنت طالق، لأنه لا طلاق بعد الموت. قال: وأوْرَدَ بعض الفضلاءِ سؤالًا، فقالَ: الشرط وجوابه إذا جعل الشرط ظرفا، لابد أن يكونا معًا واقعيْن فيه، نحو: إذا جاء زيد فأكرمه، فالمجيء والإِكرام في زمن واحدٍ، ولذلك جوَّزُوا أن يعمل في إذَا كِلا الفِعْلَيْنِ، واختاروا الثاني، لأنه لَيس مضافا إليه، ومن حيث أنهم أجازوا عمل كل واحد منهما فيه دلَّ على ما قلناه، لأن من شرط العامل في الظرف، أن يكون واقعًا فيه.

стр. 89

فإذا تقرر هذا، فالِذكْرُ ضدُّ النسيان، فكيف اجتمعا في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٩٠)، والضِدَّانِ اجتمعا في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، والضِدَّانِ لا يجتمعان، فجوابُهُ أن يقال: الظرف أوسع من المظروف. ومثل هذا الاشكال: ﴿وَلَنْ يَنْفَعُكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ (٩١)، فإذْ بدلٌ من اليوم، واليومُ يومُ القيامة، وإذ ظلَموا يومُ الدنيا، فيكف يكون ذلك، والدنيا ليست عينَ الآخِرة، فقال ابن جِنِّي: الظرف يجوز أن يكون أوسعَ من المظروف، فَزَمَنُ الظلم يجوزُ أن يكون أوسعَ منهُ حتى يمتدّ ليوم القيامةِ فينطلِق عليه يومُ الظلم، فيتحِدانِ، فتحسُنُ البدَلية.، وقد يكون الظرف مساويًا للمظْروف نحو صمتُ يوم الخميس. (٩٢) قلت: ولْنذُكْر هنا مسألة متعلقة بالشرط، من حيث هو شرط، فنقول: الشرط ينقسم إلى ما لا يقع إلا دفعة أإحدة كالنية، وإلى مالا يقع إلا مُستَدْرَجًا، كقراءة السورة، وإلى ما يقبل الوجْهَيْن، كعطيةِ عشرةِ دراهم. قال الإمام في المحصُول (٩٣): فإن كان الشرط وجود هذه الحقائق اعتبر من

стр. 90

الأول والثالثِ اجتماعُ اجزائه، ووجودُها في زمن واحد، لإمكان ذلك، واعتبر من الثاني وجودُ آخِرِ أجزائه، لأنه الممكن فيه، وان كان الشرط عدم هذه الحقائق اعتبر من الجميع أول أزمنة العدَم، لصدق العدم حينئذ في الجميع. قال شهاب الدين، ﵀: ويَرِدُ عليه سؤالان: الأوَّلُ أن القائل: إن أعطيتتى عشرة دراهم فأنت حُرٌّ، يخرج عليه حرًا إذا أعطاه العشرة مجموعة كما قال ومتفرقة. ولا خلاف في هذا السؤال. والثاني، أن كلامه في العدم لا يتلخص، لأن لن ولا، وضعا لنفي المستقبل العام، فإن جعل العلق للشرط العدم بصيغة لا ولن كان الشرط استغراق العدم أزمنة العمر، أو الزمان الذي عينه، لا ما قاله، والله أعلم. القاعدة الرابعة (٩٤) في تقرير حصر المبتدأ في الخبر. العلماء يقولون: قد يكون المبتدأ محصورًا في الخبر وقد لا يكون، والظاهر أن المبتدأ محصور في الخبر مطلقًا. والخبر قد يكون محصولًا في المبتدأ وقد لا يكون. وبيان ذلك من حيث إن المبتدأ لا بد أن يكون أخص من الخبر أو مساويًا، فإن كان أخص، كقولنا: الانسان حيوان، فقد انحصر فيه ضرورة، وان كان مساويًا كقولنا: الانسان ناطق، فقد انحصر أيضًا، فكما لا يكون الانسان إلا حيوانًا، كذلك لا يكون الإنسان إلا ناطقًا.

стр. 91

وأما الخبر، وان كان مساويًا للمبتدأ فقد انحصر أيضًا في المبتدأ كما انحصر المبتدأ فيه، وإن كان أعم فلم ينحصر، فإن الحيوانية تكون في الانسان وفي الفرس (٩٥). قلت: وقد لا يسلم هذا البحث الذي قاله شهاب الدين ﵀، فإن الأخص الذي هو الانسان مركب من الحيوانية والناطقية، والحيوان دال على الجزء الواحد مما كان في الخاص، والمركب من جزءين لا يحصر في أحد جزءيه ولا يتعقل؛ إلا أنه قد يقال: هذه مغالطة من حيث الخروج عن الأعم والأخص إلى المنفرد والمركب، وما ذكره المؤلف صحيح باعتبار العموم والخصوص. وقولنا: الانسان ناطق، لا يصح أيضًا، لأن فرض المساواة يمنع أن يكون أحدهما حاصرًا والآخر محصورًا. إذ المعنيان متنافران، ويصدق أيضًا كما قلنا: أن المبتدأ حصر فيه الخبر فيكون الشيء الواحد حاصرًا ومحصورًا. ثم قال شهاب الدين: ومع ما قلناه، فقد فرق العلماء بين قولنا: زيد قائم، لم يجعلوه للحصر. وبين قولنا: زيد القائم، فجعلوه للحصر، ثم قال: والجواب عن هذا السؤال أن الحصر حصران: حصر يقتضى نفي النقيض فقط، وحصر يقتضى نفي النقيض والضد والخلاف وما عدا ذلك الوصف على الاطلاق، فهذا الحصر الثاني هو الذي نفاه العلماء عن الخبر إذا كان نكرة. وأما الحصر الأول فلم يتعرضوا له (٩٦).

стр. 92

وبيان ذلك أنك إذا قلت: زيد قائم. فزيد منحصر في مفهوم قائم، لا يخرج عنه إلى نقيضه، لكن قولنا: قائم، مطلق في القيام، فهي (أي القضية) موجبة، جزئية، في وقت واحد، فنقيضها إنما هو السالبة الدائمة، وهو أن لا يكون زيد قائمًا دائمًا لا في الماضى ولا في الحال ولا في الاستقبال. ومعلوم أن هذا النقيض منفى إذا صدق قولنا: زيد قائم في وقت، وكذلك جميع الاخبار التى هي نكرات، الحصر فها ثابت بحسب النقيض لا بحسب غيره. وإذا صدق المقيّد صدق المطلق، ولم يخالف الدليل العقلي على هذا. ولا يلزم من عدم الاتصاف بالنقيض عدم الاتصاف بالضد، والخلاف بالحصر في النكرات باعتبار النقيض لا باعتبار غيره (٩٧) قلت: هذا التقرير غير بين، فهو - أولا - جعل التناقض محققًا من حيث الخبر وحده، وهو لا يتعقل. فحقيقة التناقض اختلاف قضيتين بالإيجاب والسلب، على وجهة تقتضى لذاتها صدق إحداهما وكذب الأخرى. ثم إنه لا يحتاج إلى شيء مما ذكر لعدم صحة انحصار المبتدأ في الخبر؛ قال دائما. وقد مضى مع دليله البرهاني (٩٨) والله أعلم. قليت: ظهر لي بعد كتب الاعتراض سقوطُهُ، وأنه غير وارد ولا بد. قال شهاب الدين: وأما غير النكرة، فأذكر فيه مسائل توضحه. المسألة الأولى: قوله ﵇ في الصلاة: "تحريمها التكبير، وتحليلها: التسليم" (٩٩)، استدل به العلماء على انحصار سبب تحريمها في التكبير، وسبب

стр. 93

تحليلها في التسليم. فلا يدخل الصلاة حتَّى يحرم عليه جميع ما تحرمه الصلاة إلا بالتكبير، ولا يخرج من الصلاة ويحل من تلك الأشياء التى ارتبط إليها إلا بالتسليم، قامت الألف واللام في الخبر مقام إلا إذا تقدمها النفي (١٠٠). ثم المراد بالتكبر، المشروع في أول الصلاة، وبالسلام، المشروع آخرها عند تمامها، فلا يدخل في هذا، السلام الذي هو في أثنائها على وجه السهو. ولهذا نقول: من اتفق له ذلك فلا يحتاج إلى تكبير، بل بقي ذلك التكبير لم ينحل منه، والقول بأنه يعيد التكبير مشكل، إذ الذي يعيد، يلزمه أن يعيد الصلاة، وحيث لم تبطل الصلاة لم يبطل ذلك التكبير. فعلى هذا، القولُ بإعادة التكبير حيئنذ مشكل، والأظهر خلافه. المسألة الثانية: قوله ﷺ : "ذكاة الجنين، ذكاة أمه" (١٠١)، يقتضى حصر ذكاة الجنين في ذكاة أمه. قال شهاب الدين هنا: معنى اووم أن ذكاة الجنين تغني عن ذكاة أمه (١٠٢)، وذكاة الجنين هي الذبح الخاص في حلقه، هذه هي الحقيقة العرفية،

стр. 94

فجعل هذه الذكاة هي عين ذكاة أمه إنما يصدق حينئذ على سبيل المجاز، كقولنا: أبو يوسف، أيو حنيفة (١٠٣)، والأصل عدم المجاز، وهو خلاف الظاهر، فكيف يقال: إن هذا اللفظ، بوضعه يقتضى أن عين ذكاة الجنين هي ذكاة أمه. فقال: قلت: سؤال حسن، والجواب عنه يحتاج إلى جودة فكر، فيقول: الاضافة إلى المصادر تصح بأدنى ملابسة، بخلاف الإِسناد إلى الفعل، فيفرق بين ذكيت الجنين، فهذا لا يصدق إلا إذا قطعت منه موضع الذكاة، وذكاة الجنين تصدق بأيسر ملابسة، واحد الطرق (أي طرق الملابسة) إنه جزء من أمه، وأمه قد ذكيت، فهو قد ذكي. فعلى هذا التقدير، ذكاة أمه هي عين ذكاته حقيقة لا مجازًا. قلت: تطويل، وتهويل. فقوله ﷺ : "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، المقصود منه تبيين شريعة يَشْرعَها. فالمراد بقوله: ذكاة الجنين، الذكاة: الشرعية المطلولة في الجنين هي الذكاة: التى شرعت لكم، وبيِّنَتَ (١٠٤) في أمه، فلا حاجة للجنين إلى أكثر منها، وقام معنى الحصر الذي ذكره الفقهاء ﵃، ولا حاجة لشيء مِمَّا تقدم. ثم قال: واعْلَمْ أن هذا الحديث، يُروَى بالرفع في الذكاة الثانية وبالنصب، فتمسكَتْ المالكية والشافعية برواية الرفع، وتمسَّكَ الحنفيةُ في قولهم: يذَكِّى

стр. 95

الجنينُ برواية النصب. والتقدير عندهم: ذكاة الجنين أن يُذَكَّى ذكاةً مِثْلَ ذكاةِ أمّه، ويسقُطُ ما قالُوه بإبدآءِ احتمالِ آخر، وهو أن يقال: "بَلْ التقدير" (١٠٥) ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه فحُذِفَ حرف الجر، فانتصبَ الذكاةُ على إنه مفعول، كقولنا: دَخلتُ الدار، ويكون المحذوف أقَلَّ مِمَّا قدَّرهُ الحنفي، ويكون في هذا التقديرِ جمْعٌ (١٠٦) بين الروايتيْن. المسألة الثالثة: قوله ﷺ : "الشفعةُ فيما لم يُقسَم" (١٠٧)، يقتضي حصر الشفعة في الذي هو قابلٌ اللقسمة ولمْ يُقسَم بعْدُ. والخبرُ - هاهنا - ليس معرفةً، بلْ مجرورٌ، وتقدير الخبر؛ الشفعة مُستحَقَّة فيما لم يُقسَمْ. وكذلك، قوله ﷺ : "الأعمال بالنيات" (١٠٨) أيْ، الأعمالُ معتبرة بالنياتِ، فالعملُ بغير نية لا يُعتبَر شَرْعا. قلت: فإذَنْ، الحصرُ ليس خاصًا بالمعرفة، قد يكون مع المعرفة ومع النكرة مِثْل ما في هذه المسألة. قلت: والظاهرُ أنه لا حصر في قوله: الشفعة فيما لم يُقْسَم، لأنه لو قَدَّرنا بعدَ هذا القول: الشفعة فيما قسم، الشفعة فيما لا يقبل القسمة، لمَا ناقض الكلام الأولَ ولا الجمع. يخلاف ما إذا قلنا: الأعمال معتبرة بالنيات، والأعمال معتبرة بغر نية، كان في الكلام تنافُرٌ، والله أعلم.

стр. 96

المسألة الرابعة: قوله تعالى: "الحجّ أشهر معلومات" (١٥٩) أي، زمن الحج كذا، وفيه - أيضًا - الحصر، غيرَ أن الحصر هل هو بحَسَبِ الإِجزَاءِ أو بِحَسَب الفضيلة؟ والأولُ، مذهب الشافعي، والثاني مذهب مالك، فمن أحرم قبلَهُ عند مالك أجزأه، بخلاف الشافعي. قلت: فهذا الحصر - أيضًا - لا مَعَ المعرفة وهو كثر، فَلو قُلتَ: مالُكَ مائَةٌ، وعبيدُكَ عشرُون، لكان المعنَى لا مال لك إلا مِائَةٌ، ولا عبيدَ لَكَ إلا هذه العِدّةُ. المسألة الخامسة: قال الغَزَالي: صديقي زيْد، وزيدٌ صديقي، فالأول يقتضى حصر أصدقائك في زيد، فلا تُصادِقُ أنتَ غيرَه، وهو يجوز أن يصادقَ غيرَك، والثاني يقتضي حصره في صداقتك، فلا يجوز أن يصادق غرك، وأنت يجوز أن تصادق غيرَه. قلت: الأول مسلَّمٌ، والثاني ممنوع. المسألة السادسة: قال الإمام فخر الدين في كتابِ الإعجاز له: الالف واللامُ قد ترِد لحصر الثاني في الأول، بخلاف ما تقدم من الحصر، فإنه الأول في الثاني، ومثاله: زيدٌ القائم، أي لا قائم إلا زَيْدٌ. قلت: الظاهر أن الألفَ واللام ليست هي المفيدةَ لهذا، فإنها لو كانت كذلك لَا طَرَدَ، وهذا باطل كما تقدم من قوله ﵇: "تحريمُها التكبر، وتحليلها التسليم"، وكذلك زيد القائم، إن جاء جوابا لمن قال: ما قامَ إلَّا عَمْرٌ، فهي كما قال، فلو أن قائلا قال: أخبروني مَنْ جمعَ أوصافا كثيرة؟ فقال.

стр. 97

زيدٌ القائم، زيدٌ العالم، زيدٌ الشجاعُ، لَمَا أعطانا هذَا أن لا قائم إلَّا زيد، ولا عالمَ إلا زيد، ولا شجاعَ إلا زيد، فإذن ما هُوَ كذلِكَ إلا بالقرينة التى انضمَّتْ إليْها. المسألة السابعة: إذا قلتَ: السفَرُ يومَ الجمعة، فُهِم منه الحصرُ في هذا الظرف، وأنه لا يقع في يوم الخميس. قلت: هذا إذا كان السؤال عن سفر شخص معيَّن مرَّةً واحدةً لا مرات، وأمَّا بِحسب أشخاصٍ فلا حصر، وبحسَبِ مرات من الشخص الواحِدِ فلا حصْر أيضًا. واللهُ أعلمُ. (١١٠) القاعدة الخامسة: قاعدة التشبيه (١١١) إعْلَمْ أن القاعدة المقررة في التشبيه أنَّه لا يُشَبَّهُ الأعْلَى بالْأدنَى، ولكنْ الأدنى بالأعلى أو المثْلِ إذا لَحِق أَحَدَهُما خَفَاءٌ، ومِن هذا، لا يُشَبَّهُ الجَلِيُّ

стр. 98

بالخَفِيِّ، وإنما يشبَّهُ الخفيُّ بالجَلِي، كمثل المعقولات بالمحسوسات عند إرادة البيَان، فلا يجوز حينئذ العكْسُ. ولو أردنا الْإعلام بفضيلة المحسوس لشبَّهناه بمعقول مّا، من حيث إن المعقول أفضل من المحسوسِ ولو كان المحسوسُ ما عَسَى أن يكون. ثم مَا به يكونُ التشبيهُ قد يكون حرفا كالكافِ، وقد يكون اسمًا كَمِثْل، وقد يكون فِعلا، كقولك: هذا يُشْبِهُ كذا. ثمّ ان التشبيهَ إذا وقع في الكلام فقد يقع في الدعاء وَمَا جرى مَجْراه، وقد يقع في الخبَر الذي يحتمل الصِدْق والكذِبَ، ثم الفرق بينهما أن التشبيهَ في الخبَرِ يصح في المستقبَل والماضى والحال. فيتَشَبَّهُ ماضٍ بماض، وحاضِرٌ بحاضر، ومستقبلٌ بمستقبَل، وكلُّ ذلك حقيقة، وأمَّا الدُّعاءُ وما جرى مجراه فلا يقع التشبيه فيه إلا بحسَب المستقبَل، وهذا لما تقدمَ في القاعدة الثانية مِن أن عشرةَ أشياء لا تكُونُ إلا بحسَب المستقبل، ومنها الدعاء، وقد مضى لنا ما اورده عز الدين ﵀، من البحث في الصلاة على النبى ﷺ فلا نعيدُه، والحمد لله. القاعدة السادسة (١١٢) في تقوير معنْى اللفظ المنقول، فنقول: اللفظ إما أنْ يَدُلّ على مَا وُضِعَ له أولًا أو لا، فإن دَلَّ فَذَلِكَ المسمَّى بالحقيقةِ، وان دل على غيْر ما وضع له، فإما ان تكون دلالته على ذلك أقْوى وأظهر من دلالته على ما وُضِعَ له أولًا، أوْ لا، فإن كان الأول فذلك المنقول، سواء كان الناقلُ شرْعا او عُرْفًا عامًّا، او عُرْفا خاصا. ومِنْ أجْلِ أن دلالة اللفظ أقوى، لم يُحْتَجْ في دلالته عليه إلى قرينَةٍ، بَلْ يَسْبِق ذلك المعنى للفهم وبمُجَرد الاطلاق. وإن كان الثاني، فذلك المَجَازُ، ولأجل ضَعْفه في الدلالة عليه لم ينصرف عن حقيقتهِ إلَّا بقرينةٍ، بأي وجه كان ذلك المَجاز، فإن أسباب المجاز كثيرة.

стр. 99

فاذا تقرر هذا، فظاهِرٌ، الفرق بين المجاز والنقل، يَبْقَى لنا إذا كثر استعمال مَجَازِ مَّا، كوقوع لفظ الأسد على الشجاع، ولفظ الغزال على المرأة الجميلة، ولفظ الشمس والبدْر، هل يقال: هذا التكرر يُصَيِّر ذلك المتكرِرَ منقولا وَيُخْرجُه عن تسميته مجازا أم لا يلزم من التكرر ذلك، وليقى مجازًا يفتقر في فهمه إلى قرينةٍ، والمنقولُ لا يفتقر أصلا. قال شهاب الدين ﵀: تكراره لا يُصَيره منقولا، بدليلِ أنه لا يُحمَلُ على معناه المذكورِ إلا بقرينة، والمنقولُ قد قلنا: إنه لا يحتاج إلى قرينة. ولما ذكر هذا قال: وظهر بهذا الفرقِ بطلانُ ما وقعَ في مذهبنا وفي المدونة، أن من حلف لا يفعل شيئًا حِينًا أو زَمَنًا، أو دَهرًا، فذلك كلُّه سَنَةٌ. وقال أبو حنيفة وابن حنبل: ذلك ستَّةُ اشهر، لقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (١١٣)، اى في ستة أشهر، وينتقض هذا بالنخلة فإنها من ابتداء حملها إلى نهايته تسعةُ أشهر، وهذا أحَدُ الوجوه التى أشْبهت بها بناتِ آدم، وذكروا انها أشبَهَتْها من اربعة عشر وجها. وقال ابن عباس ضي الله عنه: سنة، واستدل بقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ من حيث إنها إذا أكلت في وقتٍ لا تُوكَلُ نحد ذلك الا في ذلك الوقت. وقال الشافعي: يحمل على العرف. واستصوَبَ شهاب الدين القرافي ﵀ مذهبه، وقال: هُوَ الحق، وما عداهُ ليْسَ بحقٍ من حيث إن المسألة وقعتْ في لفظٍ لا نيَّةَ مع صاحبه، فهذا اللفظ، إن كان منقولًا، عُرْفًا، حُمِلَ عليهِ كما قال الشافعي، فإنه لا يحتاج إلى قرينة، وإن لم يكن كذلك فلا ييقى شئ مِمَّاْ ذكروه إلا بالقربنة، ولا يَلزَمُ من وجود القرينة في موضع، أن يكون إذا حُمل علَيه لأخلِها، أن يُحمل على ذلك لمعنى آخر. وكثرة الاستعمال عليه لا تُسْقِط عنه القرينةَ وترُدُّهُ منقولا، وبالله سبحانه التوفيق. (١١٤)

стр. 100

القاعدة السابعة (١١٥) نقرر فيها - أوَّلًا - الاستثناء، ثم نقرر الفرق بين الشرطِ والاستثناء بعْدَ بيان ما اشتركا فيه، فنقول: الاستثناء: إخْراجُ بعض ما دخل تحت اللفظ الأوّل بإلَّا أو ما يقوم مقامها، كقولك: جاء الناس إلا عَمْرًا، وقد تقدم الشرط وبيانه. ثم انهما يشتركان في أن كل واحد منهما فَضْلةٌ في الكلام، ويتم الكلام دونهما، ومِن حيثُ هذا الاشتراك المذكور تعيّن أن نذكر فُروقًا بينهما، لئلَّا يُعْتَقَدَ التساوى، فنقول: إن الشرط لا يجوز تأخير النطقِ به في الزمان، وإنهُ يجوزُ أن يَعُمَّ جميعَ المنطوق به، وإنَّه يجوز أن يدخل في كلام يَبطُلُ جميعُه. والاستثناءُ لا يجوز فيه موإفقته للشرط في واحد من هذه الثلاثةِ، فلا يَاتِي رافعًا لجميعِ ما تقدمَ، بل شَرطُهُ أن لا يستغرق. (١١٦) وأنت - في الشرط - إذا قلتَ: أنتِ طالق ان دخلت الدار قد لا تدخل الدار، فيبطل ذلك الحكم بالإجماع.

стр. 101

ولو قلت: عندى عشرة إلا عشرة لم يَجُز، وكذلك الاستثناء لا يعمُّ جُمَلًا سبَقته، ولكنه على قول، والشرط يكِرُّ (١١٧) على الجميع، وهذا، كما لو قلتَ: أكْرم العلماءَ، وأهِنْ الفُسَّاق، إلا بَنِي فلان، فإنه يُحْمَل على الفُسَّاق، ولو قلتَ: أكْرِم العلماء، وأهِن الفساقَ إن جاءوكَ لَحُمِل على الجميع. وأما تأخُر الاستثناء في الزمان فإنه يجوز، بخلاف الشرط. وإنما كان ذلك: أمَّا تعجيل الشرط وعدَمُ تأخيره فمن حيث إنها اسباب كما تقدم بيانُه في الشروط اللغوية، والسبب متضمن لقصد المتكلم وهو المصلحة التي لأجْلِها نصَبَهُ شرطا وجَعَل عدمه مؤثرًا في العَدم، والاستثناءُ إذا لم يعجل به لم يفُتْ مقْصِد، بل حصَلَ. وأمّا إبطال الكلام كُلّه بالشرط، وعَدَمُ جواز ذلك مع الاستثناء، فلأنه - إن فعَله في الاستثناء عُدّ كلامُه هَدرًا، وليس كذلك في الشرط. القاعدة الثامنة (١١٨): نقرر فيها الفرق بين توقف الْحُكْم على سببه، وبين توقفه على شرطه. وقد تقدم السبب ما هو، والشرط، ما هو، وأقسام الشرط، فنقُولُ: يُعْلَم السببُ ويتميز عَنْ الشرط بالحد، وقد سبق حَدُّ كلِّ واحد منهما، إلا أنا قلنا: الشرط، منه لغوي، ومنه غيْر لُغَوي، وقلْنا في اللغوي: إنه كالسبب في توقف الحكم عليه وجُودًا وَعَدَمًا، فلأِجْل هذا وضعْنَا هذِهِ القاعدة لِنُميِّزَ بين هذين وبينَ السبب والشرطِ الشرعى، فنقُولُ:

стр. 102

أمّا اللغُوي فظاهر الفرق من حيث اللفظ يمتاز به عَنْ السبب وإن شارك السبب في المعنى. وأمَّا الشرط الشرعي كالحولِ في الزكاة يمتاز عن النصاب الذي هو سبب الزكاة، فإن السبب ما كان مناسبًا في ذاته، والشرطُ ما كان مناسبًا في غيره، وهذا كالنصاب فإنه مشتمل على الغِني ونِعمة المِلْك في نفْسه، والحوُل ليس كذلك، يل كان لنعمة المِلك بالتمكُّنِ من التنمِيَّة في جميع الحول. (١١٩). ولهذا نقول: القِصَاصُ مُعَلَّل بالقتلِ الْعمْدِ العُدْوان، وليس واحد منها بشرطٍ، لأن الجميع مناسبٌ في ذاته. تلت: ويُشكِل الفرق بين الأسباب المستقلة وأجزاء الاسباب، فنَقول: الفرق بينهما أن يُنظَر إلى الأوصاف المرتّب عليها الحُكمُ، فإن وجدناها في الشريعة لا يتَرتب عليها إلا مجتمعةً فهي أجزاءُ سببٍ، ومجموعُها هو السبب، كالقتل العَمْد العدوان، وإنْ وجدْناها تجتمعُ ثم قد تنفرد وتستقلُّ في التعليل

стр. 103

كالبَول، والغائط، والريح في ايجاب الوضوء فهي عِللٌ مستقِلَةٌ، والله اعلم. وهذه قاعدة أدرجتها مع التى قبلها (١٢٠). القاعدة التاسعة: فيما به يفترق جزء العلة عن الشرط وفيما به يشتركان . (١٢١) قد قدَّمْنا أن جُزْءا لعلة مناسب، والشرط ليسَ مناسبا، وأنهُما اشتركا في أن عدم كل واحد منهما يوجب عدم المسبَّب وعدَمَ المشروط، ولا يُعتبرانِ من حيث الوجودُ، فبمجموع هذيْن القياسَيْنِ تمتْ لك هذه القاعدة. القاعدة العاشرة: في بيان المانع (١٢٢) قد قدمنا بيان الشرط وقدمنا المانعَ أيضا ما هُوَ على الجملة؟ ولكنا نريد في هذه القاعدة أن نزيد المانِعَ بيانًا من حيث التفصيلُ ليتميز الفرق بين الشرط والمانع بَيَانًا شافيا، فنقول:

стр. 104

المانعُ وقعَ في الشريعة على ثلاثةِ أقْسَام: ما يَمنع ابتداء الحكم وانتهاءه كالرضاع في النكاح، فإنه لو تزوج صغيرة في المهد فأرضعتها أمُّه حَرُمَت عليه، وقدْ كان الابتِداء حلالًا. الثاني: ما يمنع ابتداءه دون انتهائه كالاستبراء، فإنه يَمنعُ ابتداء العَقْد على المستبرأة، فلو أن زوجة أُكْرِهتْ على الزنى لوجَبَ لزوجها أن يستبرئها، ولا يَبْطُل نكاحُه. الثالث: مختلف فيه، هل يُلْحق بالأول أو الثاني وله صُوَرٌ. الصورة الأولى: وُجدَ أنَّ الماءَ يَمنع من التيمم ابتداء، فإن طرأ على التيمم، فهل يُبطلُهُ أو لا (١٢٣)؟ خلاف. صورة أخرى: الطَّوْل (١٢٤) يَمْنع من نكاح الأمةِ ابتداء، فإن طرأ الطَّوْلُ بعد نكاح الأمَة، فهل يمنع؟ فيه خلاف. صورة أخرى: وضْعُ اليد على الصَّيْد يَمنع منه الإحرامُ ابتداءً، فإن تقدم وضعُ اليد على الصيد على الإحرام فهل يمنع استمرار اليد أو لا؟ فيه خِلاف. القاعدة الحادية عشرة (١٢٥): في تقرير الإشكال الوارد على من قال: عدم المانع شرط، وحد ذلك. إعلمْ أن وجود الشرط لما كان معتبرًا في ترتب الحكم، وعدَمُ المانع كذلك، مع أن كل واحدٍ منهما لا يَلزم منه الحكم، فقد يوجَد الشرط كالطهارة ولا يوجد المشروط وهُوَ الصلاة، وكذلك قد يُعْدَمُ المانعُ وهو الحيض ولا توجد

стр. 105

الصلاة، أشكلَ ذلك على بعض الفقهاء، فقالوا: عدم المانع شرط، وليس كذلك، لأن القول بهذا يلزم منه محالٌ، ومَا لزم منه محال فهو محال. وبيان هذا المحالِ بتقرير قاعدةٍ، وهي: أن كل مشكوك فيه يُلغى في الشريعة ولابدَّ، فإذا شكَكْنا في السبَب لم نرتّبْ الحكم، وإذا شكَكْنا في الشرط كذلك لم نرتب الحكم، واذا شكَكْنا في المانِع رتبنا الحكم. فالسببُ كالطلاق نشك فيه، فالعصمةُ باقية. والشرطُ كالطهارة شككنا فيها، لا نُقْدِمُ على الصلاة. والمانعُ شكَكْنا أن زيدًا مات موحِّدًا أم لا (١٢٦)، فنقضى بصحة الارث ولا نلْتَفِتُ لِلمانع (١٢٧). فإن قيل: كيف تكون هذه القاعدة مُقَرَّرَة هكذا على مذهب مالك وهو يقول: من شك في الحدث بعد تقرر الطهارة يجب عليه الوضوءُ، فهذا القول منه، بناء على أنه لم يجعَل المشكوك فيه كالمحقَّق العَدَمِ (١٢٨). نعَمْ، الشافعي الذي قال: لا شئ عليه كانتْ القاعدة عنده مقررة. قلْنَا: القاعدة مُجمَع عليها، والخلاف هنا من حيث الإِجماعُ على اعتبارها. وبيان ذلك أن الاجماع منْعَقِدٌ على شَغْل الذمة بالصلاة، والبرآة للذمة من الواجب تتوقف على سبب مُبْرئ إجماعا. والقاعدة أن الشك في الشرط يوجب

стр. 106

الشك في المشروط ضرورة. والشك في الطهارة يُوجِب الشك في الصلاة الواقعةِ سبَبًا مُبْرئا، فإن اعتبرنا هذه الصلاة سببا مُبْرِئًا فقد اعتبرنا المشكوك فيه ولم نصَيّره كالمُحَقَّق العدَم، وان اعتبرنا الحدَث المشكوك فيه كما قال مالك فنحن - ايضا - لم نُصَير المشكوك فيه كالعَدَم المحقق، (١٢٩) فلابُدَّ من مخالفة هذه القاعدة في هذا الفرع، ويترجَّحُ ما قاله مالك، من حيث إن الطهارة من باب الوسائل، والصلاة من باب المقاصد، والغاء الوسائل أولَى من الغاء المقاصد، فيقع زيادة اعتناء بالمقاصد. فاذا تقررتْ هذه القاعدة، فنقول: لو كان عدمُ المانع شرطا لاجتمعَ النقيضان فيما إذا شككنا في طريان المانع. بيانه أن القاعدة، أن الشك في أحد النَّقِيضَيْن يوجب الشك في النقيض الآخر بالضرورة. فمن شك في وجود زيْدٍ في الدار فقد شك في عدمه في الدار ضرورة. فإذا شككنا في وجود المانع فقد شككنا في عدمه بالضرورة، وعدمه شرط عند هذا القائل، فنكون قد شكَكْنا في الشرط أيضا، واذا اجتمع الشك في الشرط والمانع اقتضى شكُّنا في الشرط الذي هو عدم المانع أن لا نرتب الحكم، واقتضى شكُّنا في المانع أن نرتب الحكم، بناء على ما تقدم، فنرتب الحكم ولا نرتيه، وذلك جمعٌ بين النقِيضيْنِ. وإنما جاء هذا المحالُ من اعتقادنا أن عدم المانع شرط، فَيَجبُ أن نعتقد (١٣٠) أنه ليس بشرط، واذا كان ليس بشرطٍ، ظَهَرَ الفرق، وهو المقصَود من القاعدة. قلتُ: ذَكَر شهاب الدين فرقا وَهو: الفرق السَّابع والتِّسْعونَ (٩٧) بين قاعدة الشك في طَرَيَان الأحداث بعد الطهارة وبيْن قاعدة الشك في طريانِ غيره

стр. 107

من الاسباب، وجُلَّ ما في هذه الفرق بهذا التقربر (١٣١) الذي قررته في هذه القاعدة. ونزيد عليه هنا، أن نقول: فإذا كان الشك مُلْغَى ولابد، فظاهِرٌ أنه إذا شك في الطهارة بعد الحدَث ففيهِ إلغاء المشكوك فيه، وأما إن شك هل طلق ثلاثا أو لَا، فوجُوبُ الثلاث عليهِ، لِأن الرجعة، شرْطُها العِصمة، ونحن نشك في بقائِها، فالشك - ايضا - مُلْغىً، ومن شكَ هل طلق أو لا فلا شيء عليه، لأن الشكّ ملغىً. وأمّا إذا شك في عَيْنِ اليمين فيَلزمه الجميع، لأنَّا نَشك إذا اقتصر على بعضها في السبب المبرئ، فلعله غيرُما وقع، فيجب استيعابها حتى يُعْلَمَ السبب المبْرئ كما قلنا في الصلاة إذا شك في طرَيان الحدَث، واذا شك هل سَهَا أو لا، فلا شيء عليه، لأن الشك مُلْغىً، وان شك هل صلى ثلاثا أم لا سجد، لأن الشمك نَصَبَه الشارع سببًا للسجود. وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع. القاعدة الثانية عَشْرَة (١٣٢) في الفرق بين توالى اجزاء المشروطات مع الشرط، وبين توالي المسَّببَات مع الاسباب.

стр. 108

المقصود منها تقرير الفَرق بين تَوَالي أجزاء المشروطات مع الشرط وبيْن توالي المسببات مع الأسباب. فالمسببات تتعدَّدُ لتعدُّدِ الأسباب، وتختلف بالتقديم والتأخير، والمشروطات مع الشرط لا ترتيب فيها، وإنما نَظِيرُ المشروطات بشرط واحدِ، المسبِّباتُ لِسبب واحدٍ. ومثال ذلك أن تقول: إن دخلتِ الدار، فأنتِ طالق، وأنتِ عليّ كظهر أمي لَزَمه الطلاق، وإذا رَدّها لزِمته كفارة الظِهار، إذْ لا ترتيبَ بين أجْزاءِ المشروط إذا تَعَلَّقَ جميعُ ذلك على شرط واحد. وإذا قال: أنت طالقٌ ثلاثًا، وأنتِ علي كظهر أمي، لزمَه الطلاق وَلم يَلزَمه الظِهار، لأنهُ لمّا قال: أنتِ طالق ثلاثا، كان ذلك سببا للتحريم، فاستقلَّ ذلك بالتحريم، ولمّا قال: وأنتِ عليّ كظهر أمي جاء سببا للظهار بعْده، لم يلزمه فيهِ كفارةٌ، لأنه صادق حينئذٍ لا كاذب، من حيثُ إنها محرَّمة. قلت: وبِبيَان هذِهِ القاعدة يَتَبَيَّنُ الفرق بيْنَ ما إذا قال لِامراته: أنت طالق ثلاثا، وأنت عَلَيَّ كظهر أمي، أنه لا ظهار عليه، وبيْنَ ما إذا قال: أنت عَلَيّ كظهر أمي، وأنت طالقٌ ثلاثا، أنه يلزمه الظهار، فإن المسبب يَتَرتَّبُ عنْ سببه، فهُوَ لمّا قال أولًا، أنتِ طالقٌ ثلاثا لم يصادِفِ الظهارُ محلا، فإذا قال في المسألة الأخرى: أنتِ علي كظهر أمي صادفَ الظهار محَلا، فَلَزِمَ، وجاء الطلاقُ بعدَه أيضا فَلزمَ، واللهُ أعْلَمُ. القاعدة الثالثة عشرة (١٣٣) نقرر فيها الفرق بين الترتيب بالأدوات اللفظية، وبين الترتيب بالحقيقة الزمانية فنقولُ أولًا.

стр. 109

الترتيبُ في الزمان مُدْرَكٌ بالعقل لا بالوضع، والترتيبُ بالأدوات أمْرٌ وضعي. وبيان ذلك أن أَجْزاءَ الزمان سَيَّالة، مترتبة بذاتها عَقْلا، مستَحيلة الاجتماع. واذا كانت كذلك فالأقوالُ الموجُودةُ فيها كذلك، والافعال الموجودة فيها كذلكَ مترتية ضرورَةً بِتَرْتيبِ زمانها الذي وقعت فيه، وذلك الترتيبُ المذكور ليس بالوضع، وإنما هو أمرٌ عقلي. وأما الترتيب بالأدواتِ اللفظية فَهُوَ بإلفاءِ وثُمَّ، وحتّضى، والسِّين، وسوف، ولَا، ولن، ولمْ، وما، وليس، ونحْوِها، وذلك نحوُ قام زيد فعَمْرُو، وقام زيد ثمّ عمْرٌو، وقام القومُ حتى عمرٌو. قال شهاب الدين ﵀: وذلك في حتى من حيث إنها غاية، فإذا قلت: سِرْتُ حتى مطلِع الفجر اقتضى أن آخِر سَيْرك طلوعُ الفجر، وأنّ هذا الأخير من السير كان مسبوقا بسير قبله، وَلماَ كان هذا هكذا فكذلك إذا قلت: قام القوم حتى عَمرٌو. قلت: وهذا الذي قاله شهاب الدين ﵀، خلاف ما عند النحوبين. فهي - عند النحوبين - معنَاها كَمَعْنى الوَاوِ، إلا أنها تزيد علها أن ما بعدها لا يكون الَّا جُزْءًا مِمَّا قبلها، وهو ظاهر في قولك: قام الناسُ حتى الأمِيرُ، أنها غير دالة على تَاخير قيام الأمير. وما في مثال السَّيْرِ لم يكن ذلك التاخيرُ من حيث حتى، ولكن مِن حيث إن أجزاء الزمان مترتبة، بخلاف القوم لا تَرْتيبَ فيهمِ من حيث العقل ولا من حيث الوضع، وحَتَّى جعَلَتْ عَمْرًا من حيث قيامُهُ غايَةً، بمعنى اشتدَّ القيامُ في حقهم وتأكَّدَ حتى إن من تأكيده علهم أن الكبيرَ فيهم - وهو الأمير - قَامَ، واللهُ أعْلَمُ. قال شهاب الدين ﵀: واذا قلت: سيقوم زيد، وسوف يقوم عَمْرٌو، فالترتيب هنا من حيث إن التنفيس بسوف أقوى منه بالسين.

стр. 110

قلت: وفي هذا - أيضا - نظر، فَيمْكِنُ أن يقال بصحتِهِ، ويكونَ نوعًا مما ذكره ابو القاسم جار الله الزمخشى ﵀ عن عربي سأله عن اسم شقذف، ثم سأله عن اسم أكبر منه فقال له: الشقنذاف. قال: فَعَلِمتُ أن العَرَب اسْتَحْكَمَ في لسانها أن المعْنى الذي هو أبلَغُ تَضَعُ له لفظًا بِنِسْبتِه، وقال هذا في الرّحمانِ الرحيم (١٣٤)، والله أعلم. قال شهاب الدين ﵀: واذا قلت: لم يقمْ زيد، ولا يقومُ عَمْرو، وَمَا يقوم بَكْر، أحَدُها عدمُ قيامه فيما مضى، والثالث في الحال، والثاني في الاستقبال (١٣٥)، وما كان في الوضع (١٣٦)
следующие страницы →