شرح حديث جبريل ﵇ في الإسلام والإيمان والإحسان
المعروف باسم كتاب «الإيمان الأوسط»
تأليف
شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية
دراسة وتحقيق
الدكتور علي بن بخيت الزهراني
стр. 2
[أصل هَذَا الْكتاب رِسَالَة علمية تقدَّم بهَا مؤلفها إِلَى قسم الدراسات الْعليا الشَّرْعِيَّة فرع العقيدة بجامعة أم الْقرى، وتمَّت مناقشتها بتاريخ ١٧/ ٢/ ١٤٢٠ هـ، ونال الْمُؤلف بهَا دَرَجَة الدكتوراه فِي الشَّرِيعَة الإسلامية فرع العقيدة بِتَقْدِير ممتاز مَعَ التوصية بطبع الرسَالَة]
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكما من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين، أما بعد: فإن خير ما صرفت فيه الأوقات، وبذلت فيه الجهود العناية بكتب العلماء المحققين من أهل السنّة والجماعة، لا سيما المتقدمين منهم، كشيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله، والعكوف على مؤلفاتهم دراسة وتحقيقًا وتوضيحًا، والعمل الدؤوب لإحياء تراثهم العظيم، وتقديمه للأمة لتستنير به في طريق عودتها.
وقد منّ الله في أثناء البحث عن موضوع، لتقديمه للحصول على درجة الدكتوراه، بالعثور على نسخة نادرة لكتاب عظيم من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية الذي أثرى المكتبة الإسلامية -كما هو معروف- بحظ وافر من المصنفات القيمة، ومجموعة من المؤلفات النافعة، والتي لم تتأت إلا لقلة قليلة من العلماء، وهذا الكتاب هو كتاب "الإيمان الأوسط"، وبعد أن استخرت الله ، رغبت في تحقيق ودراسة هذا الكتاب الهام، لنيل درجة الدكتوراه من قسم العقيدة، وجعلت عنوان البحث هو: "كتاب الإيمان الأوسط" لشيخ الإسلام ابن تيمية: دراسة وتحقيق.
стр. 4
ثم رأيت من خلال الدراسة أن اسم الكتاب الذي يترجح على غيره هو كتاب "شرح حديث جبريل ﵇ في الإسلام والإيمان والإحسان" فاستدلته بالعنوان المشهور "الإيمان الأوسط" وذلك لأسباب عدة موضحة في المبحث الأخير من مباحث الدراسة.
أما الأسباب التي دعت إلى اختيار هذا الكتاب فهي على قسمين: أسباب عامة، وأسباب خاصة.
أما الأسباب العامة فهي:
أولًا: نفاسة المؤلفات التي خطتها يراعة شيخ الإسلام ابن تيمية، إذ كانت وما زالت مؤلفاته محط أنظار الباحثين، ومنتهى آمال الدارسين، بالإضافة أن ما كتبه شيخ الإسلام في موضوع الإيمان خصوصًا يتصدر قمة هذه المؤلفات أهمية ومكانة.
ثانيًا: أهمية موضوع الإيمان بين موضوعات العقيدة، وخطورته، وضلال كثير من الفرق في بابه، مما يجعل من الأهمية بمكان إبراز منهج السلف الصالح في هذا الموضوع، وتحديد معالم ذلك المنهج، وهو ما نجده مكنوزًا بين دفتي هذا السفر النفيس "شرح حديث جبريل".
ثالثًا: ضرورة تحديد كثير من المصطلحات المهمة المتصلة بالعقيدة، كمصطلح: الإيمان، والإسلام، والإحسان، والكفر، والنفاق، والزندقة، والفاسق وغيرها، والتي كثيرًا ما وقع اللبس وسوء الفهم فيها.
أما الأسباب الخاصة فهي:
أولًا: العثور على نسخة جديدة نسخت بعد موت المؤلف ﵀ بخمسة عشر عامًا فقط، أي في عام (٧٤٣ هـ).
ثانيًا: أن النسخة المطبوعة الموجودة في مجموع الفتاوى نسخة ناقصة ومخرومة من نهايتها، كما أشار إلى ذلك الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀ (١).
стр. 5
وبالمقارنة بين النسختين، وُجد أن هناك خرمًا كبيرًا، ونقصًا كثيرًا، يبلغ تسع لوحات من الموضع الذي أشار إليه ابن قاسم حتى نهاية الكتاب، وبهذا النقص فإن كلام المصنف عن الإحسان يكتمل، وبالتالي يكون الكتاب كاملًا.
وتمثل كل لوحة من المخطوط ثلاث صفحات من المطبوع، تكون هذه الزيادة في الكتاب على هذا الحساب (٢٧) صفحة طباعية.
ثالثًا: كثرة الفروق بين المطبوع والمخطوط، فبالإضافة إلى هذه الزيادة النادرة في آخر الكتاب، فإن هناك فروقًا كثيرة مختلفة، حيت يوجد سقط في المطبوع، يصل في بعض الأحيان إلى أربعة أسطر متتابعة، هذا عدا التحريفات في المطبوع.
ويتكون البحث من مقدمة وقسمين:
المقدمة: وفيها أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، ومنهج التحقيق.
القسم الأول: الدراسة، وتشتمل على تمهيد وعدة مباحث: التمهيد: موضوع الإيمان ومذاهب الطوائف فيه، وبيان الراجح منها، وقد تم فيه تعريف الإيمان في اللغة، وذكر مذاهب الناس فيه.
المبحث الأول: دراسة موجزة عن المؤلف، وقد قمت بترجمة مختصرة للمؤلف، وحاولت التركيز فيها على جوانب لم تلق حظها من العناية -حسب علمي- ومن ذلك التركيز على أسرته العلمية، وتلامذته الكثيرين.
المبحث الثاني: دراسة تحليلية وتفصيلية عن الكتاب، وهذا المبحث هو أهم مباحث الدراسة على الإطلاق، وقد جاء في سبع مسائل أصلية، وعدة مسائل فرعية.
أما المسائل الأصلية فقد رتبت على النحو التالي:
المسألة الأولى: أقسام الناس في عهد النبي ﷺ ، وهم المؤمنون والكافرون والمنافقون.
стр. 6
المسألة الثانية: تعريف النفاق والكلام عليه.
المسألة الثالثة: وجوب التفريق بين أحكام الظاهر وأحكام الباطن.
المسألة الرابعة: الخلاف في الإيمان، وكانت هذه المسألة أبرز المسائل الواردة في الكتاب، وقد تبلورت في تسعة موضوعات هي:
أولًا: أصل الخلاف في الإيمان.
ثانيًا: تقرير شبهات المخالفين في الإيمان.
ثالثًا: تفنيد تلك الشبهات.
رابعًا: الرد التفصيلي على آراء الفرق المخالفة في الإيمان.
خامسًا: مناقشة تحليلية لمذاهب المرجئة الذين أخرجوا الأعمال من الإيمان.
سادسًا: الرد على من قال بالمجاز في الإيمان.
سابعًا: حكم ترك جنس الأعمال.
ثامنًا: موقف المصنف من الخلاف بين السلف وبين مرجئة الفقهاء في الإيمان.
تاسعًا: الآثار المترتبة على الخلاف في الإيمان، وأبرز هذه الآثار: زيادة الإيمان ونقصانه، والاستثناء في الإيمان.
المسألة الخامسة: تقرير مذهب السلف في الإيمان.
المسألة السادسة: الفرق بين الإسلام والإيمان.
المسألة السابعة: الكلام على الإحسان.
وأما المسائل الفرعية (الاستطرادية) فهي عبارة عن مسألتين:
الأولى: تضمنت بعض الردود على الملاحدة من المتفلسفة وغلاة المتصوفة.
الثانية: كلام المصنف عن الأحاديث التي ذكر فيها الإسلام والإيمان، وتأصيل فهمها.
стр. 7
المبحث الثالث: المقارنة بين الكتاب، وبين كتاب "الإيمان الكبير"، وقد دارت معالم هذه المقارنة، حول الأسبق تأليفًا من الكتابين، وعرض المسائل فيهما، وما تميز به كتاب "شرح حديث جبريل" (الإيمان الأوسط) عن كتاب "الإيمان الكبير"، وختمت هذا المبحث بجواب على تساؤل يقول: هل هناك كتاب في الإيمان للمصنف يسمى "الإيمان الصغير"؟ .
المبحث الرابع: دراسة عن نسخ الكتاب المطبوع منها والمخطوط.
القسم الثاني: نص الكتاب.
وستكون هذه النسخة الجديدة هي النسخة الأصلية في البحث، بالإضافة إلى نسخة المكتبة المحمودية، هذا مع النسخة المطبوعة التي اعتمد عليها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ﵀.
وهناك أيضًا نسخة تمثل "مختصر الكتاب" لم أتمكن من معرفة مؤلفها، استفدت منها في بعض الأحيان.
وقد رمزت للنسخ بالرموز التالية: النسخة المحمودية: "م"، والنسخة المطبوع: "ط"، والنسخة المختصرة: "ص".
أما عملي في المخطوط فقد كان على النحو التالي:
١ - عزو الآيات، وتخريج الأحاديث من مصادرها الأصلية، والحكم عليها من خلال أقوال أهل العلم.
٢ - إثبات الفروق بين المطبوع ونسخ المخطوط؛ وإكمال الناقص في المطبوع.
٣ - تصحيح بعض الكلمات، وحل بعض العبارات المشكلة.
٤ - التعليق الموجز على أصول المسائل المهمة الواردة في الكتاب.
٥ - ترجمة الأعلام غير المشهورين الذين ورد ذكرهم في الكتاب، والتعريف ببعض الفرق والنحل والعقائد الباطلة الواردة كذلك.
٦ - عمل الفهارس العلمية.
وفي الختام: فلا يسعني إلا أن أرفع أكف الابتهال والحمد والشكر
стр. 8
إلى الله الذي وفقني لخدمة كتاب هام، في موضوع هو رأس الموضوعات، ولمؤلف يتسابق الدارسون إلى دراسة كتبه، وخدمة تراثه، هو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
كما أدعو الله للوالدين الحبيبين اللذين كان دعاؤهما -بعد توفيق الله خير معين لي في فترة إعداد هذا البحث، أن يمد الله في عمرهما، وأن يبارك فيهما، وأن يكتب لهما موفور الصحة والعافية والسلامة، وأن يعينني على برهما، وأن يختم بالصالحات أعمالهما. كما أن الشكر والتقدير والعرفان في هذا البحث، لأستاذي وشيخي ومشرفي الفاضل الأستاذ الدكتور أحمدَ بنِ سعدٍ بنِ حمدانَ الغامدي حفظه الله ورعاه، الذي كانت توجيهاته وملاحظاته واستدراكاته تقود البحث إثراءً وفائدةً وتصحيحًا وتكملًا، فجزاه الله خير الجزاء، ورزقه الله الصحة والعافية، ونفع بعلمه الأمة، إنه سميع قريب.
كلما أنني لا أنسى أبدًا الذين كان لهم سعي مشكور، في الحصول على النسخة الأصلية من المتحف التركي باستانبول فى تركيا، والذين ذللوا الصعوبات، وبذلوا الجهود، حتى وصلت إليّ، وعلى رأس هؤلاء أستاذنا الكبير محمد قطب، والشيخ أمين سراج، والدكتور حمدي أرسلان، فجزى الله الجميع أفضل الجزاء.
كما لا يفوتني أن أشكر أيضًا أستاذنا الدكتور علي بن عباس الحكمي الذي تقضل مشكورًا غير مرة، بإعطائي بعض المراجع الهامة في البحث، ووفر لي صعوبة الحصول عليها، ولكل من مدَّ يد المساعدة والنصح.
كما أشكر لِلشيخين الفاضلين، والأستاذين الكريمين تفضلهما مشكورين -مأجورين إن شاء الله تعالى- بقبول مناقشة هذه الرسالة مع كثرة الأعمال التي يقومان بها، وهما:
فضيلة شيخنا: الأستاذ الدكتور علي بن نفيع العلياني، أستاذ العقيدة الإسلامية في جامعة أم القرى.
وفضيلة الأستاذ الدكتور: عطية بن عتيق الزهراني، أستاذ العقيدة
стр. 9
الإسلامية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام.
كما أشكر كل من تكرَّم بحضور المناقشة، وأخص بالذكر منهم عمي الأستاذ خضران الزهراني الذي حببني في العلم منذ الصغر، فجزاه الله خير الجزاء.
والشكر أخيرًا لجامعة أم القرى -تلك الجامعة العريقة- التي يسرت للباحثين أيسر الوسائل للبحت والدراسة ممثلة في ذلك الصرح الشامخ، كلية الدعوة وأصول الدين، هذه الكلية المباركة التي خرَّجت وما زالت تخرج عشرات من الدعاة والدارسين والمتخصصين في الكتاب والسنّة والدعوة والعقيدة والقراءات والإعلام، ولكل من ائتمن عليها، وقام بخدمتها.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل.
اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم ونعوذ بك أن نشرك بك ونحن لا نعلم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 10
تمهيد
مسألة الإيمان، ومذاهب الطوائف فيها، وبيان الراجح منها:
تعد مسألة الإيمان من أهم مسائل العقيدة الإسلامية على الإطلاق، ولا ريب أن أول خلاف وقع في الأمة كان فيها، وكان الخلاف فيها محورًا رئيسيًا تبلورت حوله آراء عدة فرق، وصار معلمًا بارزًا لكل منها.
ومسألة الإيمان هي الأصل العظيم، الذي يخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وبه يتميز السعداء من الأشقياء، وأولياء الله من أعدائه، وبه تنال الحياة الطيبة في الدنيا، والجزاء الحسن، والأجر العظيم في جنات النعيم ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
ولقد أفسد الخلاف فيها بين الفرق المحدثة على المسلمين كثيرًا من معانيها العظيمة، وأحالوها في كثير من الأحيان إلى مجرد قضية عقلية باهتة، لا علاقة لها بالحياة، وعظم الخطب حين نادت بعض هذه الفرق بفصلها -فعلًا- عن الحياة، وذلك يوم أصرَّت على إخراج الأعمال من الإيمان.
وإننا لنريد أن تعود هذه القضية الكبرى رائدةً للقضايا الإسلامية المعاصرة، على منهج خير القرون، وأن تكون هي الأصل الأصيل الذي نعتمد عليه في بعث الأمة من جديد.
وقبل معرفة مذاهب الطوائف والفرق في مسألة الإيمان، لا بد من إطلالة موجزة على معنى هذه الكلمة في اللغة فنقول:
الإيمان لغة:
يقول الأزهرى: "اتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان
стр. 11
معناه التصديق، قال تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ لم يختلف أهل التفسير أن معناه: وما أنت بمصدق لنا" (١).
ويقول الجوهري في باب النون، فصل الألف، عن معنى كلمة أمن: "الأمان والأمانة بمعنى، وقد أمِنْتُ فأنا آمن، وآمنت غيري، من الأمن والأمان، والإيمان: التصديق، والله تعالى المؤمن، لأنه آمن عباده من أن يظلمهم" (٢).
ويقول الراغب الأصفهاني: "آمن إنما يقال على وجهين: أحدهما: متعديًا بنفسه، يقال: آمنته، أي جعلت له الأمن، ومنه قيل لله مؤمن، الثاني: غير متعدٍ، ومعناه صار ذا أمن، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ قيل معناه: بمصدق لنا، إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن" (٣).
ويقول صاحب القاموس المحيط: "آمن به إيمانًا، صدقه، والإيمان الثقة، وإظهار الخضوع، وقبول الشريعة" (٤).
وذكر ابن فارس، وابن منظور، قريبًا من هذا الكلام (٥).
وعلى هذا نجد أن من معاني هذه الكلمة في اللغة الأمن، والتصديق.
وإلى ذلك أشار القاضي أبو بكر بن العربي، واستدل على المعنى الأول بقول النابغة:
والمؤمن العائذات الطير يمسحها. . . ركبان مكة بين الغَيل والسند (٦)
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أن هناك من يقول: إن معنى الإيمان في اللغة هو الإقرار (٧).
стр. 12
بل إن شيخ الإسلام ليذهب في الكتاب الذي نقوم بتحقيقه إلى أن الإيمان "مأخوذ من الأمن، الذي هو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من قر يقر، وهو قريب من آمن يأمن. . . فالمؤمن داخل في الأمن" (١).
وذكر صاحب لوامع الأنوار هذه الأقوال الثلاثة (٢).
على أن بعض علماء اللغة ذكر الاتفاق على أن الإيمان في اللغة هو التصديق (٣)، وادعى بعض المتكلمين -كالباقلاني- الإجماع على ذلك (٤)، ودعوى الاتفاق ومن باب أولى دعوى الإجماع محل نظر، فقد رأينا أن بعض علماء اللغة ذكروا أن من معاني كلمة الإيمان في اللغة الأمن.
على أن هناك مسألة هامة ينبغي التنبيه لها في أثناء الخوض في هذه القضية، وهي أن كثيرًا من علماء اللغة -خصوصًا المتأخرين منهم- متأثرون بعلم الكلام واصطلاحات المتكلمين، ومن هنا وجب الحذر في النظر فيما يتكلمون في من ألفاظ ومعانٍ تعلق بمصطلحات العقيدة.
وأما الإيمان في الاصطلاح:
فقد تعددت الأقوال فيه (٥):
١ - فأهل السنّة والجماعة الذين هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة يقولون: الإيمان قول وعمل، فالقول يشمل قول القلب وقول اللسان، والعمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، أو هو: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح.
٢ - والخوارج والمعتزلة يقولون كظاهر قول السلف: الإيمان اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح.
стр. 13
غير أنهم يحبطون الإيمان بالكبيرة، ويكفرون صاحبها -كما فعلت الخوارج- أو ينزلونه في منزلة بين المنزلتين -كما صنعت المعتزلة- مع اتفاق الفريقين على خلود صاحبها في النار.
وهناك المرجئة على اختلاف طوائفها التي اتفقت على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان.
٣ - فمرجئة الفقهاء يقولون: الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان.
٤ - والكرامية يقولون: الإيمان قول باللسان.
٥ - والجهمية يقولون: الإيمان هو المعرفة فقط.
٦ - والأشاعرة والماتريدية يقولون: الإيمان هو التصديق (١).
وسنعرض أثناء دراسة مسائل الكتاب -إن شاء الله- لآراء هذه الفرق بالتفصيل ومآخذها، ليظهر لنا جليًا أن مذهب السلف الذي عليه أهل السنّة والجماعة هو المذهب الحق لا ريب فيه، وأن ما سواه هو الباطل الذي لا شك في بطلانه.
وأننا ما إن نقوم ببيان مذهب السلف وإظهاره حتى تتهاوى المذاهب الأخرى، فإذا هي زاهقة، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٨].
стр. 14
المبحث الأول ترجمة المؤلف ﵀
قلة من العلماء هم الذين لقوا عناية وافرة في حياتهم، وبعد مماتِهم، من قبل أهل العلم والرأي والفكر، ولعل من أبرز هؤلاء العلماء بلا منازع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله، وإن الباحث -فضلًا عن القارئ- يكاد يعجز عن أن يحيط بمؤلفات هذا العالم وبما كتب عنه، ومع كيد أعداء شيخ الإسلام له، واجتماعهم على النيل منه، واستماتتهم في طمس آثاره، ومصادرة دعوته، أو الحجر عليها، إلا أن الله قد جعل له لسان صدق في الآخرين، ورد كيدهم في نحورهم، وضاعت أسماء لامعة في زمانها كانت تناصب شيخ الإسلام العداء، واعتلت في زمنه مناصب التدريس والفتوى والقضاء، ضاعت في مجاهيل التاريخ، وبقي علمه وآثاره شاهدة على أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها، وإن لم يكن شيخ الإسلام ابن تيمية مجدد القرن الثامن الهجري، فمن يكون (١)؟ .
ولن تطول بنا الترجمة، فقد ترجم للشيخ الكثيرون (٢)، ولكن يكفي
стр. 15
من ذلك ما أوجز وعرَّف، وقل ودل، وأبان وأوضح، فمعالم حياته الكبرى واضحة للعيان، وكثير من تفصيلات جهوده ودعوته ماثلة في الأذهان.
وسيكون الحديث عن ترجمة شيخ الإسلام حسب العناوين التالية بمشيئة الله تعالى:
أولًا: اسمه ونسبه:
هو شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ العلامة شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية النميري الحراني (١)، نزيل دمشق.
стр. 16
وأما السبب في انتساب الأسرة إلى اسم (تيمية) فقد ذكر المؤرخون في ذلك سببين اثنين:
الأول: أن جده محمد بن الخضر حج على درب تيماء، فرأى هناك طفلة في طريقه، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت له بنتًا، فقال: يا تيمية، يا تيمية، فلقبت بذلك، وانتسب إليها بنوها.
الثاني: أن جده المذكور كانت أمه تسمى تيمية، وكانت واعظة فنسب إليها وعرف بها (١)، والله أعلم بحقيقة الحال.
ثانيًا: مكانة أسرته العلمية والاجتماعية:
ليس من الضرورة أن يكون النابغون من العلماء قد تربوا في أحضان أسر مشهورة بالعلم والفضل والمكانة والدين، فكم من أهل العلم الذين صاروا نابغين مشهورين قد ولدوا لآباء أميين، وأسلاف مغمورين، ولكن العلم رفع من شأنهم، وأعلى من قدرهم بين العالمين، ولكن حين يولد النبوغ في أسر الفضلاء، وتظهر العبقرية في بيوتات العلماء، فتلك مزية -لعمر الله- لا تعدلها مزية.
стр. 17
وقد كان لشيخ الإسلام من تلك المزية الفائقة أوفر الحظ والنصيب، فذكاء مفرط، ونبوغ باكر، وعبقرية عجيبة تألفت منها شخصية شيخ الإسلام، لتلقى الرعاية والعناية والاهتمام من رجالات هذه الأسرة العلمية النبيلة ونسائها على حد سواء.
وما الظن حين يرعى الموهوبون، ويتعاهد بالعناية والتشجيع النابغون، وهذا حال شيخ الإسلام ﵀ في أسرته.
ولعل من المناسب أن أذكر طرفًا ميسورًا ونبذة موجزة عن بعض فروع هذه الدوحة الطيبة والشجرة المباركة من آل تيمية رحمهم الله تعالى، ليدرك المطالع سرًا من أسرار بعض ما ناله شيخ الإسلام -في حياته وبعد مماته- من رفعة وعلو وقبول ومكانة.
ولئن نالت دمشق ومصر -وغيرهما من البلدان- حظهما من علم شيخ الإسلام ودعوته، فلقد كانت حران -موطن أجداده- مهدًا لنشاط أسلافه من آل تيمية، ومركزًا بارزًا لعلومهم.
* فمن آل تيمية ﵏ فخر الدين أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر (ت سنة ٦٢٢ هـ) الذي نعته الإمام الذهبي بالشيخ الإمام العلامة المفتي المفسر الخطيب البارع عالم حران وخطيبها وواعظها، صاحب الديوان في الخطب، والتفسير الكبير الذي يبلغ ثلاثين مجلدًا، وله مختصر في مذهب الحنابلة -الذي درجت عليه هذه الأسرة- ولازم الإمام ابن الجوزي وقرأ عليه كثيرًا من مصنفاته، وهو عم المجد أبي البركات جد شيخ الإسلام، ووالده أبو القاسم كان من أهل العلم الصالحين وعليه قرأ القرآن، وقد أطال الحافظ ابن رجب في ترجمته (١)، وذكر أنه كانت بينه وبين الإمام موفق الدين ابن قدامة ﵀
стр. 18
مراسلات ومكاتبات، ووقوع نوع خلاف في بعض المسائل بينهما -وذلك دأب العلماء في كل زمان ومكان- وقد أورد بعضها، وتظهر مكانة الفخر ابن تيمية ﵀ في عبارات المدح والثناء من الحافظ ابن قدامة عليه، فهو يطلق عليه فيها: الأخ الإمام الكبير جمال الإسلام ناصر السنّة، الذي يرجع إليه في جميع العلوم (١)! ! .
* ومن آل تيمية أبو محمد عبد الحليم بن محمد بن أبي القاسم الخضر، وهو ابن الشيخ فخر الدين -المتقدم ذكره- (المولود سنة ٥٧٣ هـ)، وأقام ببغداد مدة طويلة يتلقى الحديث وسائر العلوم، حتى برع في ذلك كله، وقد سمع منه الحافظ ضياء الدين بعض الأجزاء في الحديث، ولكن الأجل لم يمهله طويلًا، ومات في حياة أبيه عن عمر يناهز الثلاثين عامًا (سنة ٦٠٣ هـ).
وقد ذكر والده -كما يقول الحافظ ابن رجب- أن ابنه عبد الحليم هذا له كتاب سماه "الذخيرة" فيه مسائل دقيقة، وأخرى عويصة (٢).
* ومن آل تيمية أبو محمد سيف الدين عد الغني بن فخر الدين أبي عبد الله بن تيمية خطيب حرَّان وابن خطيبها فخر الدين، وأخو عبد الحليم السالف الذكر، وقد ولد (سنة ٥٨١ هـ) وقام مقام أبيه بعد وفاته، فكان يخطب ويعظ ويدرِّس ويلقي التفسير في الجامع على الكرسي، ومن مصنفاته "الزوائد على تفسير الوالد" و "إهداء القرب إلى ساكني الترب"، ومات ﵀ بحران (سنة ٦٣٩ هـ) (٣).
стр. 19
* ومن آل تيمية الكرام شيخ الإسلام ابن تيمية مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن الخضر، وصفه الحافظ الذهبي بالشيخ الإمام العلامة فقيه العصر شيخ الحنابلة، تفقه على عمه فخر الدين الخطيب، ورحل مع ابن عمه سيف الدين وهو صغير إلى بغداد، وتفقه وبرع وصنف التصانيف وانتهت إليه الإمامة في الفقه.
ويقول عنه الشيخ جمال الدين ابن مالك (الإمام في النحو وصاحب الألفية الذائعة الصيت): أُلين للشيخ المجد الفقه، كما ألين لداود الحديد.
وحين حج ومر ببغداد انبهر علماؤها بذكائه وعلمه وفضله، والتمس منه أستاذ دار الخلافة محيي الدين ابن الجوزي الإقامة عندهم، فتعلل بالأهل والوطن، وما زال المجد يصنف ويدرس وينشر العلم حتى قبضه الله (سنة ٦٥٢ هـ)، ومن مصنفاته "المنتقى من أحاديث الأحكام" وهو كتاب مشهور، و "المحرر" و "منتهى الغاية في شرح الهداية" (١).
* ومنهم أبو الفرج فخر الدين عبد القاهر بن سيف الدين عبد الغني (الذي سبقت ترجمته) ابن الشيخ فخر الدين بن تيمية (المولود بحرَّان سنة ٦١٢ هـ) سمع من جده الفخر ابن تيمية، وخطب بحرَّان، وحدث بدمشق، ومات بها (سنة ٦٧١ هـ)، وجاء في ترجمته: أن جد شيخ الإسلام المجد ابن تيمية لما مات ﵀، جاء أبو الفرج هذا -وهو ابن ابن عمه- فغلبهم على الصلاة عليه (٢).
* ومنهم أخو أبي الفرج (المتقدم ذكره) علاء الدين علي بن عبد الغني بن الفخر بن تيمية، ومات (سنة ٧٠١ هـ) بمصر عن اثنتين وثمانين سنة، وممن روى عنه الحافظ الذهبي (٣).
стр. 20
* ومن آل تيمية والد شيخ الإسلام عبد الحليم شهاب الدين أبو المحاسن بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية (المولود سنة ٦٢٧ هـ) تفقه على والده وأكثر عنه، وصار شيخ البلد بعد أبيه وخطيبه، وله اليد الطولى في كثير من الفنون، وكان -كما يقول الذهبي- من أنجم الهدى، وإنما اختفى بين نور القمر وضوء الشمس، يشير إلى أبيه وابنه، وقد عرفت دمشق له فضله لما قدمها مع أهله، وتولى المشيخة والتدريس في إحدى معاهدها العريقة، وهي دار الحديث السُّكَّرية، هذا عدا دروسه بالجامع، وقد خلفه فيهما بعد وفاته ابنه شيخ الإسلام، وقد مات ﵀ (سنة ٦٨٢ هـ) (١).
* ومنهم شرف الدين أبو البركات عبد الأحد بن أبي القاسم بن عبد الغني ابن خطيب حرَّان فخر الدين ابن تيمية، كان تاجرًا، وروى عن جماعة من أهل العلم، وحدث زمانًا، وكان من خيار عباد الله، كما يقول الذهبي (٢).
* ولئن كان شيخ الإسلام ابن تيمية هو سليل تلك الأسرة الماجدة، وأشهرها على الإطلاق، فقد كان منها فى فروع معاصرون لشيخ الإسلام أو جاؤوا بعده، ليظل اسم هذه الأسرة المباركة حيًا في عقل الأمة وفؤادها.
* ومن هؤلاء شقيقا شيخ الإسلام عبد الرحمن وعبد الله، فأما الأول فهو زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد الحليم (المولود سنة ٦٦٣ هـ) والمتوفى (سنة ٧٤٧ هـ)، أخذ العلم والحديث على جماعة من العلماء، وذكر المؤرخ الحافظ علم الدين البرزالي له ستة وثمانين شيخًا، وكان تاجرًا خيرًا دينًا، وقد حبس نفسه مع أخيه شيخ الإسلام محبة له وإيثارًا لخدمته (٣).
стр. 21
* وأما الثاني فهو أبو محمد شرف الدين عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (المولود سنة ٦٦٦ هـ) سمع خلقًا من العلماء، وتفقه في المذهب حتى برع، وبرع أيضًا في الفرائض والحساب وعلم الهيئة وفي الأصلين والعربية، وكان إمامًا في التاريخ، ودرَّس في دار الحنبلية مدة، وكان ﵀ ذا زهد وتأله وخوف، وقد ناظر بعض خصوم الشيخ في مصر فأفحمهم وقطع حجتهم، وكان قوالًا بالحق أمَّارًا بالمعروف، وكان أخوه شيخ الإسلام يتأدب معه ويحترمه، توفي بدمشق (سنة ٧٢٧ هـ) (١).
* ومن آل تيمية المتأخرين ناصر الدين محمد بن عبد الله (ت سنة ٨٣٧ هـ) وقد كان تاجرًا عارفًا بالطب، وولي قضاء الإسكندرية مدة من الزمن (٢).
* وأما النساء من تلك الأسرة الماجدة، فقد مر من قبل أن والدة جد شيخ الإسلام الأعلى محمد بن الخضر كانت واعظة (٣)، ومن هذه الأسرة العالمة بدرة بنت الشيخ فخر الدين ابن تيمية، جدة شيخ الإسلام، وزوجة جده المجد، وهي ابنة عمه، وماتت قبله بيوم واحد (سنة ٦٥٢ هـ) وروت بالإجازة عن بعض المحدثين، وكانت تكنى أم البدر (٤).
ومنها كذلك عمة شيخ الإسلام ست الدار بنت عبد السلام ابن تيمية، وقد روى عنها شيخ الإسلام (٥).
ومنها بنت أخي شيخ الإسلام زينب بنت عبد الله بن عبد الحليم ابن تيمية الحنبلية، روت الحديث عن بعض أهل العلم، وحدَّثت، وأجازت الحافظ ابن حجر ﵀، وماتت سنة (٧٩٩ هـ).
стр. 22
ثالثًا: مولده ونشأته وشيوخه ومكانته العلمية في نظر معاصريه:
في هذه الأجواء الأسرية العلمية ولد شيخ الإسلام ﵀ (سنة ٦٦١ هـ) بحرَّان في العاشر من شهر ربيع الأول، وفي (سنة ٦٦٧ هـ) ارتحل به أبوه وأهله وأقاربه خوفًا من جور التتار، يحملون الذرية والكتب على عجلة تجرها البقر، وقد كلَّت البقر من ثقل العجلة، وتوقفت عن السير، وكاد يدركهم العدو، ولجأوا إلى الله ، فسارت البقر، وأنقذهم الله من عدوهم، ووصلوا إلى دمشق آمنين (١).
وقد مر أن والده الشيخ عبد الحليم ابن تيمية لما وصلوا إلى دمشق عرف الناس وأهل العلم فضله ومكانته، وأنه تولى مشيخة دار الحديث السُّكرية، وكان يلقي دروسًا في الجامع.
وفي دمشق الفيحاء نشأ شيخ الإسلام في حجر والده، مكبًا على التعلم، وأخذ عنه كثيرًا، وقد كان والده حريصًا على تشجيعه، ورصد المكافآت المالية له في صغره، لترغيبه في الحفظ والعلم (٢)، وأخذ عن جمع كبير من العلماء في عصره، وقد ذكر أن عدد شيوخه الذين أخذ عنهم يربو على مائتي شيخ (٣)، ومن هؤلاء الشيوخ:
١ - والده الشيح عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية.
٢ - زين الدين أحمد بن عبد الدائم المقدسي (ت ٦٨٨ هـ).
٣ - تقي الدين إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر التنوخي (ت ٦٧٢ هـ).
٤ - شمس الدين عبد الرحمن بن قدامة المقدسي الجماعيلي الحنبلي (ت ٦٨٢ هـ).
٥ - شمس الدين عبد لله بن محمد بن عطاء الحنفي (ت ٦٧٣ هـ).
٦ - شرف الدين محمد بن عبد المنعم بن القواس (ت ٦٨٣ هـ) (٤).
стр. 23
ولم يكتف شيخ الإسلام بشيوخ عصره، بل أخذ عن الشيوخ المتقدمين، والعلماء السالفين، الذين لم يدركهم، فطالع مصنفاتهم، واستظهر مؤلفاتهم.
ويبدو للناظر أن سرَّ عظمة شيخ الإسلام وبلوغه في العلم والمكانة شأوًا لا يكاد يلحق فيه، ليس بسبب شيوخه ومعلميه، بقدر ما هو نبوغه وذكاؤه المفرطين اللذين كان يرعاهما توفيق الله وعنايته.
وقد أعطى الله هذا الإمام ذاكرة قد بلغت في الحفظ والقوة والإتقان غاية لم يكد يصل إليها أحد من الناس -إلا قليلًا- وزاد من ذلك حرص عجيب على التحصيل، وصرف الوقت والجهد في الطلب، ومتى اجتمع هذان الأمران في شخص كان من أكابر العلماء البارزين.
يقول الإمام الذهبي ﵀: "وبرع في الحديث وحفظه، فقلَّ من يحفظ ما يحفظه من الحديث .. " (١).
وقال أيضًا ﷺ : "وكانت له خبرة تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، وهو عجيب في استحضاره واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند، بحيث يصدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث .. " (٢).
ويقول عه تلميذه الحافظ البزار ﵀: "وأمده الله بكثرة الكتب وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم، وبطء النسيان .. " (٣).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ بعد أن ساق عبارة قريبة من عبارة الحفاظ البزار: "حتى قال غير واحد: إنه لم يكن يحفظ شيئًا فينساه .. " (٤).
стр. 24
وقد ظهرت مخايل الذكاء والنجابة والعبقرية على الشيخ وهو صغير، فقد ذكر أن أحد علماء حلب قدم دمشق لاستطلاع حال هذا الفتى الصغير الذي وصلت شهرته في الحفظ إلى خارج دمشق، وأجرى له امتحانًا عسيرًا في الحفظ، وأعاد الامتحان، وكانت النتيجة ذكاءًا مفرطًا وحفظًا عجيبًا وذاكرة نادرة، ثم تُوِّج ذلك الامتحان بشهادة زكية حين قال: إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإن هذا لم ير مثله (١)! ! ! .
وقد تحققت توقعات هذا الشيخ -وتوقعات كثيرين معه في هذا المجال- وصار لذلك الفتي الصغير شأن وأي شأن، وصدق الله حيث يقول: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].
ولقد عرف شيخ الإسلام وهو صغير الدعوة إلى الله ، ومن ذلك ما ذكر من إسلام يهودي على يديه، حيث كان يمر به ويثير عليه أسئلة وشبهات، وكان شيخ الإسلام يجيب عنها مع صغر سنه (٢).
ولقد برع شيخ الإسلام في كافة العلوم كالفقه والأصول، والتفسير وعلوم القرآن، والتوحيد والفرق والأديان والنحل، والحديث وعلومه، واللغة والبلاغة والأدب والشعر، والفلسفة والمنطق وعلم الكلام، والتاريخ وأيام الناس، بل إنه ليضرب بنصيب وافر في علم الحساب، والهندسة، والجبر والمقابلة، والفلك، والطب، والكيمياء، والجغرافيا، وغيرها من العلوم (٣).
стр. 25
ولكي ندرك شيئًا من المكانة العلمية التي وهبها الله لشيخ الإسلام، فلا بأس بفسح المجال لرأي ثلة من علماء الأمة في علم شيخ الإسلام وتبحره في كافة العلوم على حد سواء.
يقول الشيخ الحافظ العلامة تقي الدين بن دقيق العيد لما سئل عن ابن تيمية؛ وكاد قد اجتمع به: "رأيت رجلًا سائر العلوم بين عينيه، يأخذ ما شاء منها، ويترك ما شاء .. " (١).
ويقول عنه شيخ المحدثين في عصره؛ وأستاذ أئمة الجرح والتعديل في زمانه أبو الحجاج المزي: "ما رأيت مثله، ولا أرى هو مثل نفسه، ما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنّة رسوله، ولا أتبعه لهما منه" (٢).
стр. 26
ويقول الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني: "كان إذا سئل عن فنٍّ من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، ولا يُعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا يتكلم في علم من العلوم سواء كان من علوم الشرع أو غيرها إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها .. " (١).
ويقول الحافظ ابن سيد الناس: "ألفيته ممن أدرك من العلوم حظًا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه، وذو روايته، أو حاضر بالنحل والملل لم يُر أوسع من نحلته، ولا أرفع من درايته.
برز في كل فنٍّ على أباء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه .. " (٢).
وقال الشيخ عماد الدين الواسطي، وقد تُوفي قبل الشيخ: "فوالله، ثم والله، لم ير تحت أديم السماء، مثل شيخكم ابن تيمية، علمًا، وعملًا، وحالًا، وخلقًا، واتباعًا ... " (٣).
ويقول عنه تلميذه شيخ المؤرخين الإمام الذهبي: "كان آية في الذكاء وسرعة الإدراك، رأسًا في معرفة الكتاب والسنّة والاختلاف، بحرًا في النقليات، وهو في زمانه فريد عصره علمًا وزهدًا وشجاعة وسخاءً، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وكثرة تصانيف، وقرأ وحصل، وبرع في
стр. 27
الحديث والفقه، وتأهل للتدريس والفتوى، وهو ابن سبع عشرة سنة، وتقدم في علم التفسير والأصول، وجميع علوم الإسلام: أصولها وفروعها، ودقها وجلها سوى علم القراءات (١)، فإن ذكر التفسير فهو حامل لوائه،
وإن عبد في الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق، وإن حضر الحفاظ نطق وخرسوا، وسرد وأبلسوا، استغنى وأفلسوا، وإن سُمي المتكلمون فهو فردهم، وإليه مرجعهم، وإن لاح ابن سينا يقدم الفلاسفة فلَّهم وتيَّسهم، وهتك أستارهم، وكشف عوراهم، وله يد طولى في معرفة العربية والصرف واللغة، وهو أعظم من أن يصف كلمي، أو ينبه على شأوه قلمي .. " (١).
وقد أنشد فيه الشيخ الحافظ كمال الدين ابن الزملكاني قوله:
ماذا يقول الواصفون له ... وصفاته جلت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة ... هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية للخلق ظاهرة ... أنوراها أربت على الفجر (٢)
ولإمام النحاة في عصره الشيخ أبو حيان الأندلسي النحوي، شعر فائق يمتدح فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لما دخل الشيخ مصر واجتمع به، ومنه:
لما رأينا تقي الدين لاح لنا ... داعٍ إلى الله فردًا ما له وزر
على محياه من سيما الأُلَى صحبوا ... خير البرية نور دونه القمر
حبر تسربل منه دهره حِبَرًا ... بحر تقاذف من أمواجه الدرر
قام ابن تيمية في نصر شرعتنا ... مقام سيد تيم إذ عصت مضر
فأظهر الدين إذ آثاره درست ... وأخمد الشرك إذ طارت له شرر
يا من تحدث عن علم الكتاب أصح ... هذا الإمام الذي قد كان ينتظر (٣)
стр. 30
وأقوال العلماء في الثناء عليه والمبالغة في مدحه كثيرة، لا يتسع المجال لذكرها في هذا المقام، وما ذكرته غيض من فيض، واكتفيت بذكر كلام بعض المعاصرين له يرحمه الله.
ويخرج المطالع للأقوال السابقة بعدة خصائص انفرد بها شيخ الإسلام، وشهد له بها المخالفون في الموافقين، ومن هذه الخصائص:
١ - الشمول والتبحر في جميع العلوم النقلية والعقلية، وإتقانه ﵀ لمعارف عصره.
٢ - تفوقه في معرفة المذاهب الأخرى والمخالفة، حتى إنه ليكاد يتفوق على أصحاب كل مذهب ونحلة ومخالف، في معرفة مذاهبهم ونحلهم وأقوالهم، واستفادتهم منه في ذلك المجال.
٣ - كثرة تصانيفه وانتفاع الأمة بها، وقد يجد المرء غيره من المكثرين في التصنيف من العلماء، أما أن يجد الكثرة الكاثرة من المصنفات، والنفع والفائدة والبركة في جل تلك المؤلفات، فليست تلك المزية خالصة إلا لشيخ الإسلام ﵀.
٤ - قوة حافظته، وإملاؤه لغالب مصنفاته من حفظه، وفي ذلك يقول تلميذه الحافظ أبو حفص البزار: "ومن أعجب الأشياء في ذلك، أنه في محنته الأولى بمصر، لما أخذ وسُجن، وحيل بينه وبين كتبه، صنف عدة كتب صغارًا وكبارًا، وذكر فيها ما احتاج إلى ذكره من الأحاديث والآثار، وأقوال العلماء وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم، وعزا كل شيء من ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم، وذكر أسماء الكتب التي ذكر فيها، وأي موضع هو منها، كل ذلك بديهة من حفظه، لأنه لم يكن عنده حينئذٍ كتاب
стр. 31
يطالعه، ونُقِّبَت واختُبرَت واعتُبرت فلم يوجد فيها بحمد الله خلل ولا تغير، ومن جملتها كتاب (الصارم المسلول على شاتم الرسول) وهذا من الفضل الذي خصه الله تعالى به .. " (١).
رابعًا: دعوته وجهاده:
إن شيخ الإسلام ليعلم علم اليقين أن ثمرة العلم هو العمل، والعلماء هم ورثة الأنبياء في تطبيق العلم بالعمل وتعليم الناس ذلك عن طريق القدوة الحية في حياتهم، وما لم يكن العالم عاملًا بعلمه داعيًا إلى الله ، فما فائدة العلم إذن؟ .
لقد أدرك شيخ الإسلام ﵀ هذه الحقيقة تمام الإدراك، ولذا كانت حياته كلها صفحات مشرقة بالدعوة والتعليم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى قبضه الله إليه.
فهو يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وربما خرج مع أصحابه إلى أهل المنكرات، من مروجي أم الخبائث، وكسَّروا أواني الخمور، وقاموا بتعزير جماعة منهم، وفرح الناس بذلك (٢).
"ولقد أقام الفضيلة والأخلاق عندما صار رجل دمشق، وحاكمها غير المتوج، عندما فر حكامها في سنة (٦٩٩ هـ) وأصبح إنكار المنكر حقًا عليه بالفعل لا بالقول والقلب، إذ صار مبسوط اليد والسلطان فيها، فحطموا أوانى الخمر، وشقوا قربها، وأراقوا الخمور، وعزروا أصحاب الحانات المتخذة للفواحش، فلقي ذلك من العامة ترحابًا، إذ رأوا حكم القرآن ينفذ، وعهد الرسول يعود .. " (٣).
ولم يفت في عضده تآلب الحسدة والفسدة عليه، والوشاية به وشكايته عند السلطان، بسبب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، بل ظل على حاله غير آبه بمعاداتهم وتألبهم عليه (٤).
стр. 32
وها هو يحارب البدعة، ويناجز المبتدعين في دين الله ، ويعمل جهده لإقامة السنة، ونشرها بين الناس، فقد أنكر ﵀ بعض الصلوات المبتدعة التي كان يجتمع عليها بعض الناس (١).
وحين يتعلق الناس بأثر مبتدع، لا يقر له قرار حتى يغدو عليه وأصحابه، فينسفوه نسفًا، ومن ذلك صخرة كانت بنهر تزار وينذر لها، فأمر الحجارين بقطعها، وزال الشرك من هناك بزوالها (٢).
أما المبتدعة فهو ﵀ يقيم عليهم الحجة أولًا، فإن أبوا الانصياع، وأصروا على المضي في طريق الابتداع، نابذهم وزجرهم وقهرهم بقوة الحق والسنّة.
فمن ذلك إحضاره لشيخ مبتدع فتان، يدعى المجاهد إبراهيم القطان، وأمره بحلق رأسه، وتقليم أظفاره -وكانت طويلة جدًا- وحف شاربه، واستتابه من أكل الحشيشة، ومن قول الفحش.
وبعده استحضر المدعو بالشيخ محمد الخباز البلاسي، واستتابه من أكل المحرمات ومخالطة أهل الذمة، وكتب عليه مكتوبًا أن لا يتكلم في تعبير المنامات ولا في غيرها بما لا علم له به (٣).
وأما إنكاره على المتصوفة فأمر أشهر من التفصيل فيه، فقد كبت متقدميهم وانتقدهم بالتأليف والتصنيف، وأما متصوفة عصره فقد لاقوا منه مقاومة عنيفة عصفت بهم في كثير من الأحيان، ومن ذلك إنكاره على دجاجلة البطائجة أو الأحمدية، الذين كانوا يتعاطون من الأحوال الشيطانية ما يحسبه الجهال والمعتقدون فيهم أنه من كرامات الصالحين، وبشارات المتقين، ففضح أسرارهم، وهتك أستارهم، وأظهر الله السنة على يديه، وأخمد بدعتهم، وأبطل فتنتهم (٤).
стр. 33
ومع ذلك فالعصر قد غلبت عليه الصوفية، ولقد سعى أربابها جاهدين في الإيقاع بشيخ الإسلام، ورأوا أنه أكبر عدو لهم، وأنه ما لم يتخلص منه، فلن تقوم لهم بعد اليوم قائمة، وقد تحقق لهم في إحدى المرات ما أرادوا، وأدخل الشيخ السجن بسببهم، فلبث فيه قدر سنتين (١).
والعالم الرباني كالغيث متى وقع بأرض نفع، وهكذا كان شيخ الإسلام، ولم يكن لتضعف عزيمته في السجن، أو نفل إرادته، ولم يكن ليتخلى عن دعوته حتى وهو بين المجرمين وغيرهم من أصناف المحبوسين.
يقول تلميذه ابن عبد الهادي ﵀: "ولما دخل الحبس وجد المحابيس مشتغلين بأنواع من اللعب، يلتهون بها عما هم فيه، كالشطرنج والنرد، ونحو ذلك من تضييع الصلوات، فأنكر الشيخ عليهم ذلك أشد الإنكار، وأمرهم بملازمة الصلاة، والتوجه إلى الله بالأعمال الصالحة، والتسبيح، والاستغفار، والدعاء، وعلمهم من السنّة ما يحتاجون إليه، ورغبهم في أعمال الخير، وحضهم على ذلك، حتى صار الحبس بما فيه من الاشتغال بالعلم والدين خيرًا من الزوايا والربط والخوانق والمدارس، وصار خلق من المحابيس إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المترددون إليه، حتى كان السجن يمتلئ منهم .. " (٢).
أما الروافض والنصيرية فقد ذهب شيخ الإسلام إلى عقر دارهم في جماعة من أصحابه، واستتابوا خلقًا منهم، وألزموهم بشرائع الإسلام.
وحين نكثوا ما التزموا به، خرج شيخ الإسلام مع جيش المسلمين بقيادة نائب السلطان لغزوهم وقتالهم، فأنزل الله النصر عليهم، ومنحهم أكتاف عدوهم، وأبادوا منهم خلقًا كثيرًا، وقاتل شيخ الإسلام في تلك الغزاة بنفسه (٣).
стр. 34
وأما دعوته وجهاده مع النصارى فإن واقعة عساف النصراني الذي سب النبي ﷺ ، خير شاهد ودليل، ولئن أوذي شيخ الإسلام ﵀ بسبب تلك الواقعة، فلقد أسفرت عن تأليف سفره العظيم: "الصارم المسلول على شاتم الرسول" (١).
وقد شارك ﵀ في فتح "عكا" واستنقاذها من أيدي الصليبيين، "وحدثوا أنهم رأوا منه في فتح عكة أمورًا من الشجاعة يعجز الواصف عن وصفها، قالوا: ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها، بفعله ومشورته وحسن نظره .. " (٢).
ولم تقف دعوة شيخ الإسلام عند حدود المخالفين من المنتسبين إلى المسلمين، بل كان لأصحاب الديانات الأخرى نصيب لا بأس به من دعوته، ومن ذلك إرساله كتابًا إلى ملك قبرص النصراني يدعوه فيه إلى الإسلام، ويبين فيه أن دين الأنبياء ﵈ واحد، ويذكر له تلبيسات القساوسة، وابتداعات الرهبان، ويناقشهم تفصيلات في دينهم، كإدخال الألحان في صلواتهم، وقد كان خطاب شيخ الإسلام لملك قبرص فياضًا باللين والسماحة والحكمة والموعظة الحسنة، فهو يبتدي خطابه للملك بقوله: "من أحمد بن تيمية إلى سرجوان عظيم أهل ملته، ومن تحوط به عنايته من رؤساء الدين، وعظماء القسيسين .. سلام على من اتبع الهدى .. وإنما نبه الداعي لعظيم ملته وأهله، لما بلغني ما عنده من الديانة والفضل، ومحبة أهل العلم وطلب المذاكرة ... ونحن نحب الخير لكل أحد، ونحب أن يجمع الله لكم خير الدنيا والآخرة .. وأنا ما غرضي الساعة إلا مخاطبتكم بالتي هي أحسن، والمعاونة على النظر في العلم، واتباع الحق،
стр. 35
وفعل ما يجب .. وأصل ذلك أن تستعين بالله، وتسأله الهداية، وتقول: اللهم أرني الحق حقًا، وأعني على اتباعه، وأرني الباطل باطلًا، وأعني على اجتنابه .. والكتاب لا يحتمل البسط أكثر من هذا، لكن أنا ما أريد للملك إلا ما ينفعه في الدنيا والآخرة .. وأبو العباس (وهو أحد أسارى المسلمين) حامل هذا الكتاب، قد بث محاسن الملك وإخوته عندنا، واستعطف قلوبنا إليه، فلذلك كاتبت الملك لما بلغتني رغبته في الخير، وميله إلى العلم والدين، وأنا من نواب المسيح وسائر الأنبياء في مناصحة الملك وأصحابه .. والله المسئول أن يعين الملك على مصلحته التي هي عند الله المصلحة، وأن يخير له من الأقوال ما هو خير له عند الله، ويختم له بخاتمة خير، والحمد لله رب العالمين .. ".
ولم ينس شيخ الإسلام أن يذكر ملك القبارصة النصارى أنه سعى عند التتار في فك جميع الأسرى من أهل الملة، ومن أهل الذمة من اليهود والنصارى، وأن ليس جزاء الإحسان إلا الإحسان، وأن على الملك ومن معه إطلاق أسرى المسلمين.
على أن شيخ الإسلام -وهو الداعي الحكيم- تأخذه العزة لله، والحرقة على مصاب أسرى المسلمين في قبرص، فيلجأ أحيانًا إلى لهجة التهديد، ونبرة الوعيد، وإن كان يحاول مزجها بشيء من الاعتذار، فهو يقول مثلًا: "فيا أيها الملك! ! كف تستحل سفك الدماء، وسبي الحريم، وأخذ الأموال بغير حجة من الله، ورسله، ثم أما يعلم الملك أن بديارنا من النصارى أهل الذمة والأمن ما لا يحصي عددهم إلا الله، ومعاملتنا فيهم معروفة، فكيف يعاملون أسرى المسلمين بهذه المعاملات التي لا يرضى بها ذو مروءة ودين؟ لست أقول عن الملك وأهل بيته ولا إخوته، فإن أبا العباس شاكر للملك ولأهل بيته كثيرًا .. أفتأمنون مع هذا أن يقابلكم المسلمون ببعض هذا، وتكونون مغدورين؟ والله ناصرهم ومعينهم، لا سيما في هذه الأوقات، والأمة قد امتدت للجهاد، واستعدت للجلاد، ورغب الصالحون وأولياء الرحمن في طاعته، وقد تولى الثغور الساحلية أمراء ذوو
стр. 36
بأس شديد .. ثم عبد المسلمين من الرجال الفداوية (١) الذين يغتالون الملوك في فرشها، وعلى أفراسها .. وأما ما عندنا في أمر النصارى، وما يفعل الله بهم من إدالة المسلمين عليهم، وتسليطه عليهم، فهذا مما لا أخبر به الملك، لئلا يضيق صدره " (٢).
وحين لاحظ شيخ الإسلام ازديادًا في النشاط التنصيري في عصره، ورأى أن بعض علمائهم قاموا يسيحون في الأرض لنشر ديانتهم، والتشكيك في دين الإسلام، ونشر الشبهات حوله، بادر ﵀ إلى تأليف كتابه العظيم "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" الذي قوض به معالم النصرانية، وأطاح يه بعبادة الصليب، وأبان بجلاء ما احتوت عليه هذه الديانة من أكاذيب وأباطيل وخرافات، وأن المسيح ﵇ بريء منها، وأنها مخالفة لدين الأنبياء جميعًا (٣).
стр. 37
وأما جهاده للتتار فهو الحلقة الأكثر بروزًا في صفحات جهاده المديدة، ولقد ظلت مأساة سقوط بغداد عام (٦٥٦ هـ) على أيدي التتار صدمة عنيفة محفورة في ذاكرة كثير من المسلمين، ومع كسر شوكة التتار في موقعة عين جالوت سنة (٦٥٨ هـ)، وانحسار موج التتار العاتي، إلا إن بعض فلولهم استطاعت من جديد أن توحد صفوفها، وبدأت بمحاولة لإعادة سلطان التتار الهمجي الذي يقوم على سفك الدماء، وإزهاق الأنفس، والسعي في إزالة دين الإسلام، بالتعاون مع أعداء المسلمين من يهود ونصارى وروافض ونصيريين.
وقد قام التتار في أواخر القرن السابع الهجري وأوائل القرن الثامن الهجري بعدة حملات على بلاد الشام -مع إسلام بعض أسلافهم، وادعائهم أنهم مسلمون- وروعوا الآمنين، ونهبوا الأموال، وسبوا النساء، وكانت وقعة قازان (ملك التتر) سنة (٦٩٩ هـ) هزيمة مروعة للمسلمين.
وفي خضم هذه الأحداث العظام، والأمور الجسام كان شيخ الإسلام بلا منازع قائد الأمة في الملمات، ومرشدها إذا اشتدت الأزمات، ولم يكن شيخ الإسلام ليهن أو يحزن وهو يعلم أن المؤمنين هم الأعلون دومًا، حتى وإن وقعت الهزيمة، وتمزفت الجموع.
فها هو يخرج في جماعة من العلماء والأعيان إلى قازان المنتصر لتلقيه، ويكون هو المتكلم الرسمي للوفد، والمفاوض باسمه، وشيخ الإسلام كشأن العلماء الربانيين في كل زمان ومكان لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو وأمثاله ﵏ المعنيون بقول الحق في محكم الترتيل: ﴿الَّذِينَ
стр. 38
يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩].
وأخذ الشيخ في الكلام مع الخان الأعظم، وارتفع صوته، ووعظه وشدد عليه، واقترب منه وجثا على ركبتيه، وكان مما قاله للملك: "أنت تزعم أنك مسلم، ومعك قاضٍ وإمام وشيخ ومأذون -على ما بلغنا- فغزوتنا، وأبوك وجدك كانا كافرين، وما عملا الذي عملت، عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت وجرت .. ".
وقد أنزل الله المحبة والهيبة للشيخ في قلب الخان قازان، وأعجب به أيما إعجاب، وسأل عن الشيخ، ولما عرف أن موطنه حران، عرض عليه أن يعمرها وأن يعتني بها، وأن ينقله أميرًا عليها، فبادر شيخ الإسلام إلى القول: "لا والله، لا أرغب عن مهاجر إبراهيم ﷺ ، وأستبدل به غيره .. ".
وصدق الله القائل: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣].
وقد خرج من عنده معززًا مكرمًا، قد حقن الله به دماء المسلمين، وكبت به قلوب الحاسدين (١).
ولكن التتار ما زالوا على أبواب دمشق المحروسة، وقد أسلمت قيادها لهم، وخطب لقازان على منابر الفيحاء نحوًا من مائة يوم (٢)، والمرجفون في المدينة لم ينتهوا عن نشر الفتنة والأراجيف بين الناس، وماجت الإشاعات أن التتار يوشكون على الهجوم، فزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وكثرت الظنون، وزلزل الناس هنالك زلزالًا شديدًا.
وفي تلك الأيام المعصية التي يضن كل شجاع فيها بنفسه، خرج شيخ الإسلام إلى معسكر التتار خارج دمشق، وكلم أحد أمراء التتار، واستنقذ مه عددًا كثيرًا من المسلمين (٣).
стр. 39
بل إن شيخ الإسلام يرسل إلى المتولي على قلعة دمشق ينهاه أشد النهي عن تسليمها للتتار ويقول له: لو لم يبق فيها إلا حجر واحد فلا تسلمهم ذلك إن استطعت، وكان في ذلك مصلحة عظيمة لأهل الشام (١).
وقبل أن يلفظ القرن السابع الهجري أنفاسه، و "وردت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام، وأنهم عازمون على دخول مصر، فانزعج الناس لذلك، وازدادوا ضعفًا على ضعفهم، وطاشت عقولهم وألبابهم، وشرع الناس في الهرب .. " (٢).
وما كان شيخ الإسلام ليدع دمشق حاضرة الإسلام يفر الناس منها، وعز عليه أن يرى الخور والذل وحب الدنيا وكراهية الموت في سبيل الله يسيطر على كثير من الناس.
فقام ﵀ وجلس في الجامع، وحرض الناس على القتال، ونهى عن الإسراع في الفرار، ورغب في الجهاد بالفى والحال؛ وأن ما ينفق في أجرة الهرب إذا أنفق في سبيل الله كان خيرًا ونصرًا بإذن الله، وفي هذا المجلس أوجب جهاد التتار حتمًا، وتتابعت دروس الشيخ وخطبه التي كان يوقظ بها جموع الأمة من سكرة الحياة الدنيا، ويسوقهم إلى دار القرار بالجهاد في سبيل الله، ويذكرهم أن الفرار الحقيقي هو في الآخرة من نار تلظى.
وكان من بركة تلك المجالس الإيمانية العامرة صدور مرسوم سلطاني بمنع السفر إلا بورقة وإذن (٣).
وكان ﵀ يدور على الأسوار كل ليلة يحرض الناس على الجهاد والقتال، ويأمرهم بالصبر، ويذكر لهم فضل الشهادة في سبيل الله (٤).
ولئن كان شيخ الإسلام ﵀ يطوف ين الجماهير داعيًا إلى الجهاد،
стр. 40
فلقد كان لحكام المسلمين وأمرائهم من دعوته المجال الرحب، فها هو يسافر إلى مصر حيث مقر السلطان، ويحثه على المسير إلى الشام لمناجزة التتار، والذب عن حياض المسلمين، وكان مما قاله للحكام هناك: "إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته، أقمنا له سلطانًا يحوطه ويحميه ويستغله زمن الأمن .. ولو قدر أنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه، واستنصركم أهله، وجب عليكم النصر، فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم .. " (١).
ولقد توجت تلك الجهود الكبيرة التي بذلها شيخ الإسلام في جهاد التتار، بالمنقبة الحميدة والمأثرة الجليلة التي تجلت في معركة "شقحب" وكانت الكثرة في العدد والعدة تميل لصالح كفة التتار الجائرة أصلًا، واعتقد الناس أنه لا طاقة لجيش المسلمين بهذه الجيوش المتكاثرة من التتار، ولكن شيخ الإسلام يؤمن أن النصر لعباده المؤمنين، وأنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين، وبلغ التوكل واليقين بنصر الله وفضله وكرمه أن قام شيخ الإسلام يطوف بين صفوف المقاتلين من المجاهدين حالفا مؤكدًا أن النصر في هذه الكرة للمسلمين، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله! ! فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، ويفتي الشيخ الناس بالفطر في رمضان للتقوي على مجاهدة أتباع قازان، وحين تردد بعض الناس في قتالهم لدعواهم الإسلام، بين ﵀ أن هؤلاء من جنس الخوارج المارقين الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي ﵁ بأمر رسول الله ﷺ (٢).
وقد تحقق ما وعد به الشيخ، وما انفك يحلف به، وأنزل الله النصر على المسلمين، فأوقعوا بالتتار يقتلون فريقًا، ويأسرون فريقًا، وكانت معركة مهولة ذكرت المسلمين بموقعة عين جالوت، ولم تكد تقم للتتار بعدها قائمة، وقاتل فيها شيخ الإسلام قتالًا عجيبًا، وكان الناس في