← Акыда

Акыда · id 20587

الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي

ابن تيمية

Полный текст (658 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بأس شديد .. ثم عبد المسلمين من الرجال الفداوية (١) الذين يغتالون الملوك في فرشها، وعلى أفراسها .. وأما ما عندنا في أمر النصارى، وما يفعل الله بهم من إدالة المسلمين عليهم، وتسليطه عليهم، فهذا مما لا أخبر به الملك، لئلا يضيق صدره " (٢). وحين لاحظ شيخ الإسلام ازديادًا في النشاط التنصيري في عصره، ورأى أن بعض علمائهم قاموا يسيحون في الأرض لنشر ديانتهم، والتشكيك في دين الإسلام، ونشر الشبهات حوله، بادر ﵀ إلى تأليف كتابه العظيم "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" الذي قوض به معالم النصرانية، وأطاح يه بعبادة الصليب، وأبان بجلاء ما احتوت عليه هذه الديانة من أكاذيب وأباطيل وخرافات، وأن المسيح ﵇ بريء منها، وأنها مخالفة لدين الأنبياء جميعًا (٣).

стр. 37

وأما جهاده للتتار فهو الحلقة الأكثر بروزًا في صفحات جهاده المديدة، ولقد ظلت مأساة سقوط بغداد عام (٦٥٦ هـ) على أيدي التتار صدمة عنيفة محفورة في ذاكرة كثير من المسلمين، ومع كسر شوكة التتار في موقعة عين جالوت سنة (٦٥٨ هـ)، وانحسار موج التتار العاتي، إلا إن بعض فلولهم استطاعت من جديد أن توحد صفوفها، وبدأت بمحاولة لإعادة سلطان التتار الهمجي الذي يقوم على سفك الدماء، وإزهاق الأنفس، والسعي في إزالة دين الإسلام، بالتعاون مع أعداء المسلمين من يهود ونصارى وروافض ونصيريين. وقد قام التتار في أواخر القرن السابع الهجري وأوائل القرن الثامن الهجري بعدة حملات على بلاد الشام -مع إسلام بعض أسلافهم، وادعائهم أنهم مسلمون- وروعوا الآمنين، ونهبوا الأموال، وسبوا النساء، وكانت وقعة قازان (ملك التتر) سنة (٦٩٩ هـ) هزيمة مروعة للمسلمين. وفي خضم هذه الأحداث العظام، والأمور الجسام كان شيخ الإسلام بلا منازع قائد الأمة في الملمات، ومرشدها إذا اشتدت الأزمات، ولم يكن شيخ الإسلام ليهن أو يحزن وهو يعلم أن المؤمنين هم الأعلون دومًا، حتى وإن وقعت الهزيمة، وتمزفت الجموع. فها هو يخرج في جماعة من العلماء والأعيان إلى قازان المنتصر لتلقيه، ويكون هو المتكلم الرسمي للوفد، والمفاوض باسمه، وشيخ الإسلام كشأن العلماء الربانيين في كل زمان ومكان لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو وأمثاله ﵏ المعنيون بقول الحق في محكم الترتيل: ﴿الَّذِينَ

стр. 38

يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩]. وأخذ الشيخ في الكلام مع الخان الأعظم، وارتفع صوته، ووعظه وشدد عليه، واقترب منه وجثا على ركبتيه، وكان مما قاله للملك: "أنت تزعم أنك مسلم، ومعك قاضٍ وإمام وشيخ ومأذون -على ما بلغنا- فغزوتنا، وأبوك وجدك كانا كافرين، وما عملا الذي عملت، عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت وجرت .. ". وقد أنزل الله المحبة والهيبة للشيخ في قلب الخان قازان، وأعجب به أيما إعجاب، وسأل عن الشيخ، ولما عرف أن موطنه حران، عرض عليه أن يعمرها وأن يعتني بها، وأن ينقله أميرًا عليها، فبادر شيخ الإسلام إلى القول: "لا والله، لا أرغب عن مهاجر إبراهيم ﷺ ، وأستبدل به غيره .. ". وصدق الله القائل: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣]. وقد خرج من عنده معززًا مكرمًا، قد حقن الله به دماء المسلمين، وكبت به قلوب الحاسدين (١). ولكن التتار ما زالوا على أبواب دمشق المحروسة، وقد أسلمت قيادها لهم، وخطب لقازان على منابر الفيحاء نحوًا من مائة يوم (٢)، والمرجفون في المدينة لم ينتهوا عن نشر الفتنة والأراجيف بين الناس، وماجت الإشاعات أن التتار يوشكون على الهجوم، فزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وكثرت الظنون، وزلزل الناس هنالك زلزالًا شديدًا. وفي تلك الأيام المعصية التي يضن كل شجاع فيها بنفسه، خرج شيخ الإسلام إلى معسكر التتار خارج دمشق، وكلم أحد أمراء التتار، واستنقذ مه عددًا كثيرًا من المسلمين (٣).

стр. 39

بل إن شيخ الإسلام يرسل إلى المتولي على قلعة دمشق ينهاه أشد النهي عن تسليمها للتتار ويقول له: لو لم يبق فيها إلا حجر واحد فلا تسلمهم ذلك إن استطعت، وكان في ذلك مصلحة عظيمة لأهل الشام (١). وقبل أن يلفظ القرن السابع الهجري أنفاسه، و "وردت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام، وأنهم عازمون على دخول مصر، فانزعج الناس لذلك، وازدادوا ضعفًا على ضعفهم، وطاشت عقولهم وألبابهم، وشرع الناس في الهرب .. " (٢). وما كان شيخ الإسلام ليدع دمشق حاضرة الإسلام يفر الناس منها، وعز عليه أن يرى الخور والذل وحب الدنيا وكراهية الموت في سبيل الله يسيطر على كثير من الناس. فقام ﵀ وجلس في الجامع، وحرض الناس على القتال، ونهى عن الإسراع في الفرار، ورغب في الجهاد بالفى والحال؛ وأن ما ينفق في أجرة الهرب إذا أنفق في سبيل الله كان خيرًا ونصرًا بإذن الله، وفي هذا المجلس أوجب جهاد التتار حتمًا، وتتابعت دروس الشيخ وخطبه التي كان يوقظ بها جموع الأمة من سكرة الحياة الدنيا، ويسوقهم إلى دار القرار بالجهاد في سبيل الله، ويذكرهم أن الفرار الحقيقي هو في الآخرة من نار تلظى. وكان من بركة تلك المجالس الإيمانية العامرة صدور مرسوم سلطاني بمنع السفر إلا بورقة وإذن (٣). وكان ﵀ يدور على الأسوار كل ليلة يحرض الناس على الجهاد والقتال، ويأمرهم بالصبر، ويذكر لهم فضل الشهادة في سبيل الله (٤). ولئن كان شيخ الإسلام ﵀ يطوف ين الجماهير داعيًا إلى الجهاد،

стр. 40

فلقد كان لحكام المسلمين وأمرائهم من دعوته المجال الرحب، فها هو يسافر إلى مصر حيث مقر السلطان، ويحثه على المسير إلى الشام لمناجزة التتار، والذب عن حياض المسلمين، وكان مما قاله للحكام هناك: "إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته، أقمنا له سلطانًا يحوطه ويحميه ويستغله زمن الأمن .. ولو قدر أنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه، واستنصركم أهله، وجب عليكم النصر، فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم .. " (١). ولقد توجت تلك الجهود الكبيرة التي بذلها شيخ الإسلام في جهاد التتار، بالمنقبة الحميدة والمأثرة الجليلة التي تجلت في معركة "شقحب" وكانت الكثرة في العدد والعدة تميل لصالح كفة التتار الجائرة أصلًا، واعتقد الناس أنه لا طاقة لجيش المسلمين بهذه الجيوش المتكاثرة من التتار، ولكن شيخ الإسلام يؤمن أن النصر لعباده المؤمنين، وأنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين، وبلغ التوكل واليقين بنصر الله وفضله وكرمه أن قام شيخ الإسلام يطوف بين صفوف المقاتلين من المجاهدين حالفا مؤكدًا أن النصر في هذه الكرة للمسلمين، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله! ! فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، ويفتي الشيخ الناس بالفطر في رمضان للتقوي على مجاهدة أتباع قازان، وحين تردد بعض الناس في قتالهم لدعواهم الإسلام، بين ﵀ أن هؤلاء من جنس الخوارج المارقين الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي ﵁ بأمر رسول الله ﷺ (٢). وقد تحقق ما وعد به الشيخ، وما انفك يحلف به، وأنزل الله النصر على المسلمين، فأوقعوا بالتتار يقتلون فريقًا، ويأسرون فريقًا، وكانت معركة مهولة ذكرت المسلمين بموقعة عين جالوت، ولم تكد تقم للتتار بعدها قائمة، وقاتل فيها شيخ الإسلام قتالًا عجيبًا، وكان الناس في

стр. 41

استقبال الشيخ وأصحابه لما دخل دمشق، فرحين به، مهنئينه بالنصر، وداعين له بما يسر الله على يديه من النصر المبين (١). خامسًا: محنه وسجنه: قضى الله أن يمتحن العلماء الربانيون، وأن يعيش كثير منهم في هذه الدار على جناح الابتلاء والإيذاء من قبل أعداء حقيقيين، أو جهلاء متعين لغيرهم، وقد كان لشيخ الإسلام مكانة عند الناس أمراء وعامة، لا تكاد تعدلها مكانة، فكبر على طائفة من علماء عصره أن يتبوأ ابن تيمية تلك المكانة العليا. إن خصوم شيخ الإسلام هم في غالبهم ثلاثة أصناف: إما من علماء المذاهب الفقهية الذين يرون أن من خرج بقول عنها أتى بشيء عظيم، وإما من علماء الكلام الذين أفسدوا العقائد، وإما من المتصوفة الذين رأوا أن سلطانهم بين الناس بدأ في التأرجح وخافوا عليه من الاضمحلال. وبين هذه الأصناف الثلاثة دافع مشترك من حب الحطام، والرغبة في جمع الأموال، والظهور بين الأنام. ولعلنا لا نجد خيرًا من الحافظ عمر بن علي البزار تلميذ شيخ الإسلام يفسر لنا الأسباب الكامنة وراء تآزر الخصوم في وجه الشيخ. يقول ﵀: "ولما رأوا هذا الإمام العالم عالم الآخرة، تاركًا لما هم عليه من تحصيل الحطام، من الشبه الحرام، رافضًا الفضل المباح فضلًا عن الحرام، تحققوا أن أحواله تفضح أحوالهم، وتوضح خفي أفعالهم، وأخذتهم الغيرة النفسانية .. فحرصوا على الفتك به أين ما وجدوه .. " (٢). وبعد أن ذكر بعض جهود شيخ الإسلام في جهاد التتار، ونصيحة

стр. 42

سلطان المسلمين قال: "ولم يزل المبتدعون أهل الأهواء، وآكلوا الدنيا بالدين، تعاضدين متناصرين في عدوانه، باذلين وسعهم في الفتك به، متخرصين عليه بالكذب الصراح، مختلقين عليه، وناسبين إليه ما لم يقله ولم ينقله، ولم يوجد له به خط، ولا وجد له في تصنيف ولا فتوى، ولا سمع منه في مجلس .. " (١). ثم يبين بجلاء سبب الخصومة من قبل هؤلاء العلماء فيقول: "وسبب عداوتهم له: أن مقصودهم الأكبر طلب الجاه والرئاسة، وإقبال الخلق، ورأوه قد رقاه الله إلى ذروة السنام من ذلك بما أوقع له في قلوب الخاصة والعامة من المواهب التي منحه بها، وهم عنها بمعزل، فنصبوا عداوته، وامتلأت قلوبهم بمحاسدته، وأرادوا ستر ذلك عن الناس، حتى يفطن بهم، فعمدوا إلى اختلاق الباطل والبهتان عليه، والوقوع يه، خصوصًا عند الأمراء والحكام، وإظهارهم الإنكار عليه بما يقي به من الحلال والحرام، فشققوا قلوب الطغام بما اجترحوه من زور الكلام .. " (٢). ومن ذلك أنه زُوِّر على شيخ الإسلام مكتوب، زعم مزوره الكذوب أن شيخ الإسلام ومعه بعض أهل الفضل والعلم يكاتبون التتار، ولكن كشف الأمر، وظهر الحق، وقطعت يد الكاتب الأثيم (٣). ويشير أحد تلامذة شيخ الإسلام -وهو الحافظ ابن كثير- إلى سبب عداوة الخصوم له بقوله: "وكان للشيخ تقي الدين بن تيمية جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة، وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له، ومحبتهم له، وكثرة أتباعه، وقيامه في الحق، وعلمه وعمله .. " (٤). وكان بلوغ شيخ الإسلام الذروة في المكانة والشهرة إيذانًا بابتداء نزول المحنة، بل المحن المتعاقبة التي لم يكن يخرج من محنة إلّا ليواجه

стр. 43

أخرى، حتى انتهت بمحنته الأخيرة التي أودع فيها السجن، وطويت آخر صفحاته المشرقة بموته ﵀. ويا ليت السهام التي وجهت إلى شيخ الإسلام كانت من صوب أعداء الملة من اليهود والنصارى والمغول، ولكن كانت في غالبها من علماء مسلمين منتسبين إلى أهل السنّة، ضاقوا بآرائه النيرة، وأحكامه الموفقة، وفتاويه التي لم تخرج عن الكتاب والسنّة، فغدوا وعلى أعينهم غشاوة من الحسد والإحن، ولا هم لهم إلا الإيقاع بهذا العالم الرباني، حتى لو كان ذلك عن طريق التشهير المغرض، والافتراء الساقط. ومن تلك المحن التي تعرض لها شيخ الإسلام ﵀: ١ - محنته سنة (٦٩٨ هـ) بسبب كتابه "العقيدة الحموية"، وبلغ الأمر أن طافوا به، ونودي عليه بأن لا يُستفتى، ولكن سرعان ما انجلت هذه المحنة، وعوقب من تسبب بها (١). ٢ - محنته ومسائلته عن عقيدته، سنة (٧٠٥ هـ)، ومناظرته للعلماء في "العقيدة الواسطية"، وخروجه معززًا مكرمًا منها، وإجازة تلك العقيدة (٢). ٣ - محنته وسفره ﵀ إلى مصر في السنة نفسها، وامتحان العلماء له، وإدخاله السجن، وفي تلك الفترة هُدد الشيخ وتُوعد بالقتل، وما زاده إلا إيمانًا وتسليمًا، ومكث في السجن سنة ونصف السنة، حتى أخرجه ابن مهنا أمير العرب بعد استئذانه من أولي الأمر، وانمحت تلك المحنة، ومكث ﵀ قرابة ستة أشهر يقرئ العلم، وينشر العقيدة الصحيحة التي تكالب المتكلمون والمتصوفون على دفنها بين ركامات علم الكلام وجهالات التصوف (٣). ٤ - محنته بسبب ثورة الصوفية وتظاهرهم ضده، وشكواهم من أنه

стр. 44

يسب مشايخهم، ويسفه أحلامهم، وجرت في ذلك أمور انتهت بدخوله سجن القضاة في شوال سنة (٧٠٧ هـ)، وكان ذلك أشبه بالإقامة الجبرية، حيث كان الناس يتوافدون إلى الشيخ لاستفتائه والاستفادة منه، ثم نقل ﵀ إلى الإسكندرية حيث حبس في برج مطل على البحر، وطلاب العلم والناس يترددون عليه، وبقي في الإسكندرية ثمانية أشهر، حتى طلبه السلطان الناصر الذي عاد إلى الحكم في الثامن من شهر شوال سنة (٧٠٩ هـ)، بعد أن تسلطن الجاشنكير مدة يسيرة، وأراد السلطان معاقبة أعداء شيخ الإسلام من العلماء، ليس انتصارًا للشيخ بقدر ما هو انتقام منهم، حين مالؤا عليه عدوه في الحكم، ففطن ﵀ للأمر، وتكلم في تعظيم أهل العلم، ونهاه أن يمسهم بسوء، حتى صفح السلطان عنهم، وفي ذلك قال خصمه العنيد القاضي ابن مخلوف المالكي: ما رأينا مثل ابن تيمية، حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا (١)، وقد استمرت هذه المحنة بالشيخ عامين، ومكت الشيخ بمصر يدرس ويفتي ويؤلف إلى سنة (٧١٢ هـ)، ولم تنسه المهام الصعبة التي كان يقوم بها حينذاك أن يكتب إلى أمه الرؤوم في دمشق يسلم عليها، ويعتذر لها من بقائه في مصر لمصالح في الدين والدنيا (٢). ٥ - قيام جماعة من الغوغاء بالاعتداء المشين على شيخ الإسلام في جامع مصر، وضربه والنيل منه، ولكن الشيخ صبر وأمر أتباعه بالصبر والاحتساب، وأخمد الله به نار فتنة كادت تعصف بالقاهرة، مؤثرًا سلامة الناس وأمنهم على سلامته وأمنه (٣)، وقد عاد الشيخ إلى مسقط رأسه دمشق، بعد أن غاب عنها أكثر من سبعة أعوام في بلاد مصر (٤). ٦ - محنته في دمشق بسبب فتياه في مسائل الطلاق (٥)، وكانت بداية

стр. 45

المحنة في منتصف شهر ربيع الأول من سنة (٧١٨ هـ)، حيث أشير عليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فأجاب ﵀ إلى ذلك، وجاء مرسوم من السلطان بمنعه من الإفتاء في تلك المسألة، ونودي بذلك في البلد، ولكن الشيخ رأى بعد ذلك أنه لم يعد يسعه كتمان العلم، فعاد إلى الإفتاء بها، وكان ذلك سببًا عند متعصبة المذاهب وفاسدي البصائر لسجنه في القلعة نحوًا من ستة أشهر، وكان ذلك في الثاني والعشرين من شهر رجب عام (٧٢٠ هـ)، ثم عاد إلى سابق عهده من التدريس والتأليف والتصنيف والإفتاء (١). ٧ - المحنة الأخيرة: وذلك بسبب فتواه في عدم جواز شد الرحل وفصد السفر إلى قبر الرسول ﷺ ، وما زال أعداؤه يتربصون به الدوائر، وينقبون في كلامه وفتاويه حتى وجدوا ضالتهم المنشودة في تلك الفتوى التي أفتى بها منذ سبعة عشر عامًا، وفي اليوم السادس عشر من شهر شعبان من سنة (٧٢٦ هـ)، اعتقل شيخ الإسلام ﵀ في قلعة دمشق التي طالما حرص على حمايتها، فهو اليوم حبيس فيها، وكان آخر العهد به في حياة الناس العامة التي شغلها بفكره وعلمه ودعوته وجهاده (٢). وما كان موقفه في تلك المحن العصيبة والأحداث الكبيرة، غير الصبر والسلوان، بل الفرح والسرور والرضا والاطمئنان لعلمه بعواقب المحن، ولما جاء قرار الاعتقال ما زاد عن قوله: "أنا كنت منتظرًا لذلك، وهذا فيه خير كثير ومصلحة كبيرة! ! " (٣).

стр. 46

وفي هذه المرة أوذي جماعة من أكابر أصحاب شيخ الإسلام وتلاميذه الأبرار، وحبسوا وأوذوا إيذاءًا عظيمًا، وعزروا وطيف بهم، وتم التشهير بهم، ثم أطلقوا كلهم سوى صفي شيخ الإسلام وتلميذه المقرب الحافظ الجليل ابن قيم الجوزية ﵀ (١). ولما دخل شيخ الإسلام القلعة محبوسًا مأسورًا، وصار داخل سورها نظر إليه وفال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]. وكان يقول في حبسه: لو بذلت ملء هذه القعلة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة. وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه. أما كلماته العذبة المؤمنة التي أثمرها الإيمان، وزكاها الامتحان، وتناقلها الناس عبر الأجيال فهي التي يقول فيها: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة (٢)! ! ! . سادسًا: تلاميذه وأثره: لا شك أن شخصية نابغة فريدة متعددة الجوانب، ومتفوقة في جميع المواهب ستجذب إليها الكثيرين من التلاميذ والأصحاب والمناصرين، وهكذا كان شيخ الإسلام مصدر إعجاب وتلق وتتلمذ لمجموعة صاروا من العلماء البارزين، وطلاب العلم النابغين، وكان لهم الأستاذ والشيخ والمعلم والمربي والقدوة، ومن هؤلاء (٣):

стр. 47

١ - الشيخ عماد الدين أحمد بن إبراهيم الحزامي ابن شيخ الحزاميين (ت ٧١١ هـ)، وكان شيخ الإسلام يعظمه ويجله، وكتب له كتابًا من مصر أوله: "إلى شيخنا الإمام العارف القدوة السالك" وكان شديدًا على الاتحادية من غلاة المتصوفة (١). ٢ - الشيخ الكبير محمد بن عمر بن قوام البالسي (ت ٧١٨ هـ) وكان شيخ الإسلام يحبه كثيرًا، وهو القائل: ما أسلمت معارفنا إلا على يد ابن تيمية (٢). ٣ - الفقيه شرف الدين محمد بن محمد ابن النجيح الحراني (ت ٧٢٣ هـ)، وكان من كبار خواص شيخ الإسلام، ووقف معه في أشد المواطن خطورة، لا يستطيع الإقدام عليها إلا الأبطال، وأوذي بسبب شيخه مرات عديدة، فما زاده إلا قربًا من الشيخ، وتفانيًا في خدمته (٣). ٤ - الشيخ شرف الدين محمد بن المنجى التنوخي الحنبلي (ت ٧٢٤ هـ)، وكان من خواص أصحاب شيخ الإسلام الذين ماتوا في حياته ﵀، ومن كبار تلامذته الذين لازموه حضرًا وسفرًا (٤). ٥ - المحدث الشيخ عفيف الدين إسحاق بن يحيى الآمدي الحنفي (ت ٧٢٥ هـ) شيخ دار الحديث الظاهرية (٥). ٦ - الشيخ الصالح عبد الله بن موسى الجزري (ت ٧٢٥ هـ)، وكان من أكثر

стр. 48

الناس ملازمة لمجالس شيخ الإسلام ﵀ (١). ٧ - الشيخ جمال الدين يوسف بن عبد المحمود البغدادي الحنبلي (ت ٧٢٦ هـ)، وقد امتحن في آخر عمره، وسجن في بغداد بسبب موافقة لشيخ الإسلام في مسألة شد الرحل لزيارة القبور (٢). ٨ - الشيخ الواعظ علي بن أحمد المحارفي الهلالي (ت ٧٢٧ هـ) وهو من الملازمين لدروس شيخ الإسلام (٣). ٩ - الشيخ أبو بكر بن شرف الصالحي (ت ٧٢٨ هـ) (٤). ١٠ - الفقيه زين الدين عبد الرحمن بن محمود البعلي (ت ٧٣٤ هـ) (٥). ١١ - الحافظ علم الدين البرزالي (ت ٧٣٩ هـ) مؤرخ الشام، وهو الذي حبب الإمام الذهبي في طلب الحديث يوم قال له: خطك يشبه خط المحدثين، كما ذكر ذلك الذهبي (٦). ١٢ - عالم بغداد صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي الحنبلي (ت ٧٣٩ هـ)، وقد انتصر لشيخ الإسلام مع جملة من علماء بغداد الذين انتصروا للشيخ في مسألة شد الرحل للقبور، وله قصيدة حافلة بالمعاني الجمة يرثي فيها شيخ الإسلام لما بلغته وفاته (٧). ١٣ - المفتي زين الدين عبادة بن عبد الغني الحراني الدمشقي (ت ٧٣٩ هـ) (٨).

стр. 49

١٤ - إمام الحفاظ أبو الحجاج جمال الدين المزي (ت ٧٤٢ هـ) شيخ الجامعة العريقة دار الحديث الأشرفية، التي لم يتولها أحد أحق بشرط الواقف منه، كما نص على ذلك شيخ الإسلام، وهو صاحب أكبر موسوعة موجودة في علم الرجال، وهي: تهذيب الكمال، وهو من أقران شيخ الإسلام الكبار، وقد استفاد كل منهما من الآخر، ولكن يبقى علم شيخ الإسلام ليس له نظير، ومن حسن حظ الحافظ المزي صحبته للإمام (١). ١٥ - الشيخ عمر بن أبي بكر البسطي (ت ٧٤٢ هـ) من الملازمين لمجالس شيخ الإسلام والمنتفعين به (٢). ١٦ - الفقيه الفرضي المفتي أبو الثناء محمود بن علي البعلي (ت ٧٤٤ هـ) مات عن أربعة وأربعين عاماً (٣). ١٧ - الحافظ محمد بن أحمد بن محمد الهادي (ت ٧٤٤ هـ) صاحب "العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية" والتصانيف الكثيرة، أكمل بعضها، ولم يكمل بعضها الآخر، بسبب موته ﵀ ولم يبلغ الأربعين (٤). ١٨ - الشريف عماد الدين الخشاب (ت ٧٤٤ هـ) وكان من أنصار شيخ الإسلام وكبار معاونيه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك بعثه مرة للإنكار على النصارى (٥).

стр. 50

١٩ - مؤرخ الإسلام وحافظ العصر الإمام شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) صاحب التصانيف السائرة في الحديث والرجال والتاريخ وغيرها (١). ٢٠ - الشيخ علي المغربي (ت ٧٤٩ هـ) أحد أصحاب شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). ٢١ - الشيخ عبد الله بن رشيق المغربي (ت ٧٤٩ هـ) كاتب مصنفات شيخ الإسلام، وكان كما يقول ابن كثير: أبصر بخط الشيخ منه، إذا عزب شيء منه على الشيخ استخرجه أبو عبد الله هذا (٣). ٢٢ - الحافظ أبو حفص عمر بن علي البزار البغدادي صاحب كتاب "الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية" (ت ٧٤٩ هـ) (٤). ٢٣ - القاضي الحنبلي زين الدين أبو حفص عمر بن سعد الحراني (ت ٧٤٩ هـ) وهو ﵀ الذي يقول: لم أقض قضية إلا وأعددت لها الجواب بين يدي الله (٥). ٢٤ - الإمام الرباني العلامة الحافظ محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ) الذي إذا ذكر شيخ الإسلام تبادر إلى الذهن ذكره، وهو أقرب تلاميذ شيخ الإسلام إليه روحاً وعلماً وعملاً، وحسب الناظر مقالة خاتمة الحفاظ ابن حجر حين قال عنه: "لو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير شمس الدين ابن قيم الجوزية، صاحب التصانيف النافعة السائرة، التي انتفع بها الموافق

стр. 51

والمخالف، لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته .. " (١). ٢٥ - الشيخ جمال الدين عبد الله بن يعقوب بن سيدهم الإسكندري (ت ٧٥٤ هـ) المعروف بابن أردبين، وكان من أكثر تلامذة شيخ الإسلام الذين جمعوا فتاويه، ونسخوا كتبه، وأوذي بسببه (٢). ٢٦ - الشيخ الصالح المعمر أحمد بن موسى الزرعي (٧٦٢ هـ) أحد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر (٣). ٢٧ - القاضي شمس الدين محمد بن مفلح الحنبلي (ت ٧٦٣ هـ)، وكان أثيراً عند شيخ الإسلام حتى إنه كان يقول له مداعباً: ما أنت ابن مفلح، بل أنت مفلح، وكان من أخبر الناس بمسائل شيخ الإسلام واختياراته، حتى إن العلامة الحافظ ابن قيم الجوزية كان يراجعه في ذلك، وهو الذي قال عنه: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح (٤)! ! . ٢٨ - الحافظ الكبير عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ)، وقد أوذي بسبب شيخ الإسلام، وهو الذي ساق في كتابه الحافل "البداية والنهاية" كثيراً من أخبار شيخ الإسلام بالتفصيل (٥).

стр. 52

سابعاً: مصنفاته وكتبه: لا أحسب أحداً من العلماء كتب لمصنفاته وكتبه القبول عند الأمة -كماً وكيفاً- كمثل شيخ الإسلام ﵀. يقول الحافظ الذهبي: "ولقد سارت بتصانيفه الركبان، في فنون العلم وألوانه، لعل تواليفه وفتاويه في الأصول والفروع والزهد واليقين والتوكل والإخلاص وغير ذلك تبلغ ثلاثمائة مجلد، بل أكثر .. " (١). وقال في موضع آخر: "وما أبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلد .. " (٢). وذكر ﵀ أنه جمع مصنفات شيخ الإسلام فوجدها ألف مصنف، ثم وجد له مصنفات أخرى (٣). ويقول الحافظ ابن عبد الهادي: "وللشيخ ﵀ من المصنفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل وغير ذلك من الفوائد ما لا ينضبط، ولا أعلم أحداً من متقدمي الأمة ولا متأخريها جمع مثل ما جمع، ولا صف نحو ما صنف، ولا قريباً من ذلك، مع أن أكثر تصانيفه إنما أملاها من حفظه، وكثير منها صنفه في الحبس، وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب .. " (٤). وقال كاتبه ابن رشيق المغربي: "لو أراد الشيخ تقي الدين ﵀ أو

стр. 53

غيره، حصرها -يعني مؤلفات الشيخ- لما قدورا، لأنه ما زال يكتب، وقد منّ الله عليه بسرعة الكتابة، ويكتب من حفظه من غير نقل .. " (١). ويقول تلميذه الحافظ البزار: "وأما مؤلفاته ومصنفاته، فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها، أو يحضرني جملة أسمائها، بل هذا لا يقدر عليه غالباً أحد، لأنها كثيرة جداً، كباراً وصغاراً، وهى منشورة في البلدان، فقلّ بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه ... " (٢). ويقول الحافظ ابن رجب ﵀: "وأما تصانيفه ﵀، فهي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر، سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار، قد جاوزت حد الكثرة، فلا يمكن أحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعد المعروف منها، ولا ذكرها ... " (٣). وقد جمع الحافظ ابن قيم الجوزية ﵀ طائفة من مصنفات شيخه في رسالة بعنوان "أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية". كما أفاض الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ في "العقود الدرية" (٤) في سرد مؤلفات شيخ الإسلام، وكذلك صنع كل من المؤرخ ابن شاكر الكتبي (٥)، وصلاح الدين الصفدي (٦)، والحافظ ابن رجب الحنبلي (٧) وغيرهم (٨).

стр. 54

وأجد لزاماً أن أشير إلى الملامح العامة لمنهج شيخ الإسلام في التأليف، وطريقته في التصنيف، وأعود لأذكر بما سبق التنويه عنه عند الحديث عن مكانته العلمية، وأن من الخصائص التي تفرد بها إملاؤه لغالب مصنفاته من حفظه، ومن خصائصه في باب التأليف سرعة الكتابة والتصنيف. لكن المتأمل لا يستطيع إلا أن يجد أثر ما أحاط بشيخ الإسلام من وقائع وظروف، وما واجهه من محن وأحداث، وبالتالي يمكن إلى حد ما أن يفسر المرء بعض الملاحظات على مصنفاته ﵀، ومنها: أولاً: كثرة المصنفات وتنوعها. ثانياً: اختلاف مسمياتها وتكرارها. ثالثاً: أسباب تأليفها، ودواعي تصنيفها، وزمن كتابتها. رابعاً: تباين أحجامها وعدد أجزائها ومجلداتها (١). وكل هذه التساؤلات لا يمكن الإجابة عنها، إلا إذا ربطت بحياة شيخ الإسلام وما صاحبها من تقلبات متأرجحة بين السراء والضراء. فالشيخ ﵀ في ذهنه الشيء الكثير مما يود التصنيف فيه، وهو حين يطالع كتب المتقدمين يجد في كثير من الأحيان، دافعاً إلى التعقيب، خصوصاً إن كانت هذه الكتب شائعة في مدارس الفقهاء ومقروءة بين الناس، وقد تقع حادثة في المجتمع فيجد الشيخ نفسه ملزماً ببيان الحق وحكم الدين من خلال تصنيف نافع، وقد ترد أسئلة من أقطار شتى، فتجد الجواب من بحر العلم في مصنف كبير، وربما كتب في شيء ما يحضره الساعة، ثم عاد إليه بعد زمن وأضاف إليه أشياء. وخلاصة القول أن جميع مصنفات شيخ الإسلام ومؤلفاته ورسائله وفتاويه عبارة عن أصداء لعصره الذي عاش فيه، وهي ترجمان لما فهم من

стр. 55

حكم الله وحكم رسوله في القضايا والوقائع والأحداث والشخصيات، وليس بمعصوم ﵀، ولكنه مجتهد مصيب في الغالب، وغالب أقواله إن لم تكن هي البرهان الراجح والموقف الصحيح، فليست أقوالاً شاذة، ولا مخالفة لصريح الكتاب والسنّة، وأين يجد المرء مثل شيخ الإسلام؟ ! ! . وخير من ينبئ عن منهج شيخ الإسلام في التصنيف الحافظ ابن عبد الهادي حيث يقول: "وكان يكتب الجواب، فإن حضر من يبيضه، وإلا أخذ المسائل خطه وذهب، ويكتب قواعد كثيرة في فنون العلم: في الأصول والفروع والتفسير وغير ذلك، فإن وجد من نقله من خطه، وإلا لم يشتهر، ولم يعرف، وربما أخذه بعض أصحابه، فلا يقدر على نقله، ولا يرده إليه فيذهب .. وكان كثيراً ما يقول: قد كتبت في كذا وفي كذا، ويسأل عن الشيء فيقول: قد كتبت في هذا، فلا يدري أين هو، فيلتفت إلى أصحابه، ويقول لهم: ردوا خطي وأظهروه، لينقل، فمن حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه .. فلهذه الأسباب وغيرها تعذر إحصاء ما كتبه وما صنفه .. " (١). ويلمح ابن عبد الهادي إلى دور الظروف والأحداث التي أحاطت بشيخ الإسلام في طبيعة مصنفاته فيقول: "إلا أنه لما حبس تفرق أتباعه، وتفرقت كتبه، وخوّفوا أصحابه من أن يظهروا كتبه، ذهب كل أحد بما عنده وأخفاه، ولم يظهروا كتبه، فبقي هذا يهرب بما عنده، وهذا يبيعه، أو يهبه، وهذا يخفيه ويودعه، حتى إن منهم من تسرق كتبه أو تجحد، فلا يستطيع أن يطلبها، ولا يقدر على تخليصها، فبدون هذا تتمزق الكتب والتصانيف، ولولا أن الله تعالى لطف وأعان ومنّ وأنعم، وجرت العادة في حفظ أعيان كتبه وتصانيفه لما أمكن لأحد أن يجمعها .. (٢). ويقول البزار في الأعلام العلية بعد أن تحدث عن كتبه: "وأما فتاويه

стр. 56

ونصوصه وأجوبته على المسائل، فهي أكثر من أن أقدر على إحصائها، لكن دُوِّن بمصر منها على أبواب الفقه سبعة عشر مجلداً، وهذا ظاهر مشهور، وجمع أصحابه أكثر من أربعين ألف مسألة، وقلّ أن وقعت واقعة وسئل عنها، إلا وأجاب فيها بديهة بما بهر واشتهر، وصار ذلك الجواب كالمصنف الذي يحتاج فيه غيره إلى زمن طويل ومطالعة كتب، وقد لا يقدر مع ذلك على إبراز مثله .. " (١). ومما سبق يتضح أن شيخ الإسلام ﵀ بسبب الظروف التي أحاطت به، وبسبب دواعي التأليف العامة لديه، ووجود عدد من العلماء المتتلمذين على يديه، الذين كانوا يبيضون ما يكتبه، ويحرصون أشد الحرص على اقتناء ما يكتب، تفرقت مؤلفاته، وربما تباينت وتعددت عناوين طائفة منها، وربما أيضاً تجزأت بعضها، وصار كل جزء منها رسالة مستقلة. كما يتضح أيضاً أن شيخ الإسلام في كثير من هذه المصنفات لم يعن بعناوينها، وربما لم يعنون طائفة منها، ولأن جملة كبيرة منها لم تبيض، ولم يراجعه ﵀، وجاءت بعض العناوين إما من تلامذته الذين حازوا هذه الكنوز الثمينة من مصنفاته، وإما من أهل العلم أو النساخ الذين وصلت إلى أيديهم بعد ذلك. ويقول الحافظ ابن محمد الهادي: "وسأجتهد إن شاء الله في ضبط ما يمكنني من ضبط مؤلفاته في موضع آخر غير هذا، وأبين ما صنفه منها بمصر، وما ألفهُ منها بدمشق، وما جمعه وهو في السجن، وأرتبه ترتيباً حسناً غير هذا الترتيب، بعونه تعالى وقوته ومشيئته .. ". ولا يدري الباحث هل وفَّى ابن عبد الهادي بما وعد به، وضاع ما صنفه في هذا الباب ولم يصل إلينا، أم أنه لم يؤلف في ذلك شيئاً، وإن كنت أميل إلى الاحتمال الثاني، لسببين: الأول: لم يذكر أن ابن عبد الهادي له مصنف مستقل عن مؤلفات شيخ الإسلام.

стр. 57

الثاني: أنه مات في الأربعين من عمره، وله مؤلفات لم يكملها، كما ذكر الحافظ ابن رجب في الذيل (١). كما أن هناك ملاحظة عامة عن مصنفات شيخ الإسلام ﵀، وهي أن كثيراً منها لم يبيض، وبقيت مسودات المصنف كما هي (٢). وبعد هذه الإطلالة الموجزة عن أبرز الملامح العامة لمنهج شيخ الإسلام في التأليف والتصنيف، هذه أسماء بعض أهم مصنفاته: ١ - الاستقامة (٣). ٢ - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (٤). ٣ - الإيمان (٥). ٤ - بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (٦).

стр. 58

٥ - التدمرية (١). ٦ - التسعينية (٢). ٧ - التعليق على المحرر في الفقه (٣). ٨ - التفسير (٤).

стр. 59

٩ - جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية (١). ١٠ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢). ١١ - الحموية (٣). ١٢ - درء تعارض العقل والنقل (٤).

стр. 60

١٣ - الرد على البكري في الاستغاثة (١). ١٤ - الرد على المنطقيين (٢). ١٥ - السبعينية (٣). ١٦ - شرح حديث جبريل في الإيمان والإسلام (٤). ١٧ - شرح حديث النزول (٥).

стр. 61

١٨ - شرح العقيدة الأصفهانية (١). ١٩ - شرح العمدة (٢). ٢٠ - الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ (٣). ٢١ - الصفدية (٤).

стр. 62

٢٢ - العبودية (١). ٢٣ - العقيدة الواسطية (٢). ٢٤ - الفتاوى الكبرى المصرية (٣). ٢٥ - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٤). ٢٦ - الفرقان بين الحق والباطل (٥). ٢٧ - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (٦).

стр. 63

٢٨ - الكلم الطيب (١). ٢٩ - الكيلانية (٢). ٣٠ - مقدمة في أصول التفسير (٣). ٣١ - منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية (٤). ٣٢ - النبوات (٥). ثامناً: جوانب أخرى في حياة شيخ الإسلام: ما زالت العظمة تحوط بشخصية شيخ الإسلام من جميع جوانبها،

стр. 64

ويأتي الكلام باقتضاب عن جوانب هامة أخرى في حياته -وإن كانت خاصة بشخصيته- لم يتكلم عنها قبل ذلك في هذه الترجمة. ولا يستطيع المطالع لحياته ﵀ إلا أن يجزم بعظمة دين الإسلام، الذي ما تمثله أحد من الناس في حياته، إلا جاء بما يبهر العقول والأبصار، ويكون قمة عالية في هذه الحياة، وقدوة رائعة في الواقع، فكيف بعالم من العلماء! ! . وشيخ الإسلام حياته من مبتدئها إلى منتهاها تفسير لقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وتطبيق دائم لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. والعبودية بمفهومها الشامل الواسع الذي لا يدع صغيرة ولا كبيرة من حياة الإنسان، ولا حركة ولا سكنة ولا ثانية إلا أدخلها فيها، هي العبودية التي عاشها مؤلفنا الكبير، ودعا إليها. وشخص كشيخ الإسلام وقف أمام الأمة يقودها مجاهدًا بالسيف والقلم، وصمد أمام جحافل التتار، وجاهد النصارى والروافض والنصيريين، وأخرس ألسن المبتدعين، من صوفية وطرقية ومتكلمين، وعلماء لاهثين وراء الحطام والأموال، ورماه جمع هؤلاء عن قوس واحدة، لا بد أن يأوي إلى ركن شديد، وهو إيمانه بالله، ولا بد أن يكون وثيق الصلة جداً بخالقه ومولاه. وخير من ينبئ عن ذلك تلميذه أبو حفص البزار، حيث يعطي القارئ بياناً تفصيلياً عن عادة شيخ الإسلام في قضاء ليله ونهاره، وكيف أنه قد حقق العبودية الكاملة الشاملة: "أما تعبده ﵁، فإنه قل أن سمع بمثله، لأنه كان قد قطع جل وقته وزمانه فيه، وكان في ليله متفرداً عن الناس كلهم، خالياً بربه ، ضارعاً مواظباً على تلاوة القرآن العظيم، مكرراً لأنواع التعبدات الليلية والنهارية، وكان إذ ذهب الليل وحضر مع الناس بدأ بصلاة الفجر يأتي بسنتها قبل إتيانه إليهم، وكان إذا أحرم بالصلاة تكاد تتخلع القلوب لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام ..

стр. 65

وكان قد عرفت عادته لا يكلمه أحد بغير ضرورة بعد صلاة الفجر، فلا يزال في الذكر يسمع نفسه، وربما يسمع ذكره من إلى جانبه، مع كونه في خلال ذلك يكثر من تقليب بصره نحو السماء، هكذا دأبه حتى ترتفع الشمس ويزول وقت النهي عن الصلاة .. ". ثم يذكر خروجه من المسجد وإقبال الناس عليه ويقول: "وإذا رأى منكراً في طريقه أزاله، أو سمع بجنازة سارع إلى الصلاة عليها، أو تأسف على فواتها، وربما ذهب إلى قبر صاحبها بعد فراغه من سماع الحديث فصلى عليه .. ثم يعود إلى مسجده، فلا يزال تارة في إفتاء الناس، وتارة في قضاء حوائجهم، حتى يصلي الظهر مع الجماعة، ثم كذلك بقية يومه .. وكان مجلسه عاماً للكبير والصغير، والجليل والحقير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، قد وسع على كل من يرد عليه من الناس، يرى كل منهم في نفسه أن لم يكرم أحداً بقدره .. ثم يصلي المغرب، ثم يتطوع بما يسره الله، ثم أقرأ عليه من مؤلفاته أو غيري، فيفيدنا بالطرائف ويمدنا باللطائف، حتى يصلي العشاء، ثم بعدها كما كنا وكان، من الإقبال على العلوم، إلى أن يذهب هوي من الليل طويل، وهو في خلال ذلك كله في النهار والليل، لا يزال يذكر الله تعالى، ويوحده ويستغفره .. وكان في كل أسبوع يعود المرضى، خصوصاً الذين بالبيمارستان ... وأخبرني غير واحد ممن لا يشك في عدالته: أن جميع زمن الشيخ ينقضي على ما رأيته، فأي عبادة وجهاد أفضل من ذلك؟ فسبحان الموفق من يشاء لما يشاء .. " (١). ويتحدث البزار عن زهده فيقول: "أما زهده في الدنيا ومتاعها، فإن الله تعالى جعل ذلك به شعاراً من صغره، حدثني من أثق به عن شيخه الذي علمه القرآن المجيد، قال: قال لي أبوه وهو صبي -يعني الشيخ-: أحب إليك أن توصيه وتعده بأنك إن لم تنقطع عن القراءة والتلقين أدفع إليك كل شهر أربعين درهماً، قال: ودفع إليّ -يعني أبوه- أربعين درهماً،

стр. 66

وقال: أعطه إياها، فإنه صغير، وربما يفرح بها فيزداد حرصه في الاشتغال بحفظ القرآن ودرسه، وقل له: لك في كل شهر مثلها، فامتنع من قبولها، وقال: يا سيدي، إني عاهدت الله تعالى، أن لا آخذ على القرآن أجراً، ولم يأخذها .. ولقد اتفق كل من رآه، خصوصاً من أطال ملازمته، أنه ما رأى مثله في الزهد في الدنيا، حتى لقد صار ذلك مشهوراً .. بل لو سئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ: من كان أزهد أهل هذا العصر، وأكملهم في رفض فضول الدنيا، وأحرصهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية رحمة الله عليه .. " (١). ومع ذلك فقد كان ﵁ "مع شدة تركه للدنيا ورفضه لها، وفقره فيها، وتقلله منها، مؤثراً بما عساه يجده منها، قليلاً كان أو كثيراً .. فقد كان يتصدق حتى إذا لم يجد شيئاً نزع بعض ثيابه المحتاج إله فيصل به الفقير، وكان يستفضل من قوته القليل الرغيف والرغيفين، فيؤثر بذلك على نفسه، وربما خبأهما في كمه ويمضي، ونحن معه لسماع الحديث، فيراه بعضنا وقد دفعه إلى الفقير مستخفياً، يحرص أن لا يراه أحد .. " (٢). أما شجاعة شيخ الإسلام وقوة جنانه ورباطة جأشه فأمر فوق الوصف، ولقد قال الذهبي: "وأما شجاعته فيها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال .. " (٣). ويقول البزار: "كان ﵁ من أشجع الناس وأقواهم قلباً، ما رأيت أحداً أثبت جأشاً منه، ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه، كان يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لومة لائم .. وكان إذ ركب الخيل يتحنك ويجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، ويكبر تكبيراً أنكى في العدو من كثير من الفتك بهم، ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت .. " (٤). وكان ﵀ له نظرة في ذلك حيث كان يقول: "لن يخاف الرجل

стр. 67

غير الله إلا لمرض في قلبه، فإن رجلاً شكى إلى أحمد بن حنبل خوف من بعض الولاة، فقال: لو صححت لم تخف أحداً، أي خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك .. " (١). وقد ذكرت طرفاً من شجاعة شيخ الإسلام عند الحديث عن جهاده ودعوته، ويذكر البزار قصته مع ملك مصر والشام السلطان الناصر حين أخبر الشيخ أنه سمع عنه أنه يعد العدة للإطاحة بملكه، فقال له بجنان راسخ، وصوت سمعه كثير من الحاضرين في المجلس: "أنا أفعل ذلك؟ والله إن ملكك وملك المغل لا يساوي عندي فلسين .. " (٢). وأختم الحديث بكلمة لتلميذه المقرب الحافظ ابن قيم الجوزية ملخصاً لحياة شيخه حيث يقول: "وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب عنا ذلك كله، وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إليها .. " (٣). تاسعاً: وفاته: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. لقد آن لهذا الجسد المُعنَّى أن يستريح، وحان لذلك القائد أن يترجل، فلكل أجل كتاب، ولقد قضى الله أن تنتهي تلك الحياة العامرة الطيبة لشيخ الإسلام الحافلة بالجهاد والدعوة والكفاح عند السَّحر

стр. 68

من ليلة الإثنين يوم الثاني والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام سنة ثمان وعشرين وسبعمائة للهجرة. وفي القلعة الدمشقية قضى شيخ الإسلام ﵀ نحبه مسجوناً مظلوماً، وكان في جسه الأخير قد أقبل على تفسير كتاب الله، وقد ضيق عليه بآخره، وأخذوا منه الدواة والقلم، فكتب ﵀ بالفحم أوراقاً لبعض أصحابه (١)، وفي السجن ختم القرآن مدة إقامته في القلعة ثمانين ختمة، وفي الختمة الإحدى والثمانين انتهى إلى قول الحق تعالى ناصر المظلومين، وقامع المتجبرين: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥]. وكان قد مرض أياماً يسيرة، ولم يعلم أكثر الناس بمرضه، ولم يفجأهم إلا موته، ولقد زلزلهم الحدث، واهتزت يومئذِ دمشق، فلئن كان شيخ الإسلام يهزها بالأمس بجهاده ودعوته، فهو اليوم يهزها بعد مماته، وتخرج دمشق التي أحبته بجميعها، برجالها وصغارها، بأمرائها وأعيانها، بأثريائها وفقرائها، تبكي على الشيخ وتتأسف عليه، وأغلقت الأسواق والحوانيت، وتجمع الخلق في حشد عظيم لم تعرف له مثيلاً في ذلك الزمان، وقد صلي عليه في القلعة، أولاً، ثم صلي عليه في جامع بني أمية الكبير عقب صلاة الظهر، ودفن ذلك اليوم، وقد صليت عليه صلاة الغائب في غالب أقطار الإسلام، في مصر والشام والعراق واليمن وغيرها، ولقد ذكر أنه صلي عليه صلاة الغائب حتى في الصين. وجنازة شيخ الإسلام التي تسابقت إلى حملها الأفئدة قبل الأيدي، تذكر الناس بمقولة إمام أهل السنّة والجماعة، الإمام المبجل أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ حين قال: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز (٢).

стр. 69

ولم تكن دمشق آنذاك كثيرة العدد مكتظة السكان، ولكن حسبها أنها أخرجت كل ما فيها، وكما قيل: الجود من الموجود، ولقد تراوحت تقديرات المؤرخين لأعداد الحاضرين بين الخمسين ألفاً وبين المائتي ألف. وها هو شيخ الإسلام يرحل عن هذه الحياة الدنيا، ويغيب عنها ليجتمع مع خصومه بين يدي ملك الملوك الذي لا يظلم مثقال ذرة. ولئن غيبت الأرض شيخ الإسلام، فإن علمه حاضر بين العالمين، وقد جعل الله له لسان صدق في الآخرين، وها هم أعداؤه قد غادروا أيضاً هذه الحياة، فهلكوا لا يدري عنهم أحد، وأما شيخ الإسلام فذكره الطيب على كل لسان، من أهل العلم المنصفين، وجماهير أهل السنّة الصالحين. اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اجعل ما قدمه في خدمة دينك وكتابك وأمتك في موازين حسناته، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. اللهم اجزه خير الجزاء، واجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. اللهم اكتب له بكل حرت كتبه حسنة وضاعفها، وتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة. اللهم عليك بمن خاصمه في الدين، وسعى لإطفاء نور السنّة، واستمات في نصر البدعة، وعليك اللهم بكل من نال منه من أعداء كتابك، وسنة نبيك ﷺ . اللهم انفع الأمة بعلمه وكتبه ويسر لها من يخدمها ويقوم على نشرها، واجعلها قذى في أعين المبتدعين، وشوكة تغص بها قلوب الحاقدين.

стр. 70

واغفر لمن ساهم في ذلك، ولمن قام بتحقيق هذا الكتاب، ولمشايخه ووالديه والمسلمين أجمعين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

стр. 71

المبحث الثاني دراسة تحليلية وتفصيلية عن كتاب "الإيمان الأوسط" لقد آثرنا خلال هذه الدراسة أن نقسمها إلى قسمين: الأول: دراسة المسائل الأصلية. الثاني: دراسة المسائل الفرعية.

стр. 72

المبحث الثاني دراسة تحليلية وتفصيلية عن الكتاب لمحة عامة عن موضوعات الكتاب: استهل المصنف مصنفه بالكلام عن حديث جبريل، وسؤاله النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، وجواب النبي ﷺ على ذلك، ثم تحدث عن أقسام الناس في عهد النبي ﷺ ، من مؤمنين وكافرين ومنافقين، وأفاض في ذكر الآيات التي كشفت صفات المنافقين، وأبانت عن خصالهم، والحديث عنهم، وتحدث عن الفرق بين الإسلام والإيمان، ثم ذكر أن أول خلاف وقع في الملة هو الخلاف في الفاسق الملي، بعد ذلك تحدث عن نشأة الفرق مبتدئاً بالخوارج ثم المرجئة والمعتزلة والجهمية والكرامية وذكر مذاهبها في الإيمان، وتولى الرد على هذه المذاهب، وكشف الشبهات التي قامت عليها، وإن كان قد تركز أكثر رده على الجهمية ومن اتبعهم، وفي غمرة رده على المعتزلة كتب بحثاً مفيداً عن أسباب سقوط العقوبة، وقد قام بتقرير عقيدة السلف الصالح التي هي معتقد أهل السنّة والجماعة، وتقريره لهذه العقيدة جاء منثوراً خلال مباحث الكتاب، وقام المصنف ﵀ بتجلية حقيقة الإيمان، وبيان أنه حقيقة مركبة من قول وعمل، مؤكداً على أن القول يشمل قول القلب وقول اللسان، وأن العمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، منبهاً على أهمية أعمال القلوب في هذا التركيب، على أن الكتاب -كما أشرنا عند الحديث عن الفرق بينه وبين كتاب "الإيمان الكبير"- لم يخل من بعض استطرادات، كاستطراد المصنف عن بعض مقالات الفلاسفة، وغلاة المتصوفة، وتوسعه في الكلام عن الأحاديث التي ورد فيها الإسلام والإيمان.

стр. 73

ثم جاء الكلام عن المرتبة العليا من الدين، فتحدث أولاً عن تعريف الإحسان، وأبان أن الإحسان كما ذكر ﷺ قد كتبه الله على كل شيء، وأنه شامل لجميع الأقوال والأعمال القلبية والبدنية والمالية، وتحدث عن الإحسان في العلم، والإحسان في العمل، والإحسان في الأقوال، والإحسان في البيوع، والإحسان في المعاملات، إلى غير ذلك. ولقد آثرت خلال هذه الدراسة أن تكون على قسمين: الأول: دراسة المسائل الأصلية. الثاني: دراسة المسائل الفرعية. وقد قصدنا بالمسائل الأصلية ما له صلة مباشرة بموضوع الإيمان الذي هو عنوان الكتاب، وبالمسائل الفرعية ما اعتبرناه استطراداً -وإن كان مفيداً-. على أنه يحسن التنبيه إلى أمر ذي بال، وهو أنه ستتم الاستعانة خلال دراستنا هذه بكتاب "الإيمان الكبير" للمصنف، وذلك لأسباب عدة: منها: على سبيل المثال لا الحصر: أن ما أجمل في كتاب، فقد فصّل في الكتاب الآخر، وما أطلق في كتاب قيّد في الآخر، في الغالب. ومنها: أن هناك -كما ذكرنا في الفرق بين الكتابين- قضايا ومناقشات وردت في "الإيمان الكبير" لم ترد في كتاب "شرح حديث جبريل". فالكتابان يكمل كل منهما الآخر، ولا غنى -للمتخصصين على الأقل- عن كل منهما، ونستطيع أن نقول بعد كل هذا: إن هذه الدراسة التي نقوم بها شاملة -بإذن الله تعالى- لأهم موضوعات الكتابين، مع الركيز على كتاب "شرح حديث جبريل" ما أمكن إلى ذلك سبيلاً. كما نود الإشارة إلى أننا سنستعين في بعض الأحيان بكلام للمصنف في غير هذين الكتابين، وربما ذكرنا كلاماً لغيره من أهل العلم، لتأييد كلامه ﵀، أو توضيحه.

стр. 74

وقد رتبنا المسائل الأصلية التي جاءت متناثرة في ثنايا الكتاب على النحو التالي: المسألة الأولى: أقسام الناس في عهد النبي ﷺ . المسألة الثانية: تعريف النفاق والكلام عليه. المسألة الثالثة: وجوب التفريق بين الظاهر والباطن في أحكام الدنيا والآخرة. المسألة الرابعة: وتلك هي لب المسائل، وهي الخلاف في الإيمان، وقد تناول المصنف خلاله جملة من القضايا، وقد رتبناها كالتالي: أولاً: أصل الخلاف في الإيمان. ثانياً: تقرير شبهات المخالفين في الإيمان. ثالثاً: الرد على هذه الشبهات. رابعاً: الرد التفصيلي على آراء الفرق في الإيمان. خامساً: مناقشة تحليلية لمذاهب المرجئة الذين أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان. سادساً: الرد على من قال بالمجاز في قضية الإيمان. سابعاً: حكم ترك جنس الأعمال. ثامناً: موقف المصنف من الخلاف بين السلف ومرجئة الفقهاء في الإيمان. تاسعاً: الآثار المترتبة على الخلاف في الإيمان، وتمثلت في: زيادة الإيمان ونقصانه، والاستثناء في الإيمان. المسألة الخامسة: تقرير مذهب السلف في الإيمان. المسألة السادسة: الفرق بين الإسلام والإيمان. المسألة السابعة: الإحسان والكلام عليه.

стр. 75

القسم الأول دراسة المسائل الأصلية من خلال دراسة الكتاب ظهر أن هناك عدة مسائل أصلية اعتنى بها المصنف، وقد اجتهدنا في ترتيبها وتنظيمها، لأن المصنف قد ذكرها في مواضع متعددة من كتابه
следующие страницы →