٢ - ويقول ﵀ في موضع آخر: "وبعض الناس يحكي عنهم أن من تكلم به (يعني: بالإيمان) بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون: إنه مؤمن كامل الإيمان، وأنه من أهل النار، فيلزمهم أن يكون المؤمن الكامل الإيمان معذبًا في النار، بل يكون مخلدًا فيها، وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه: "يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان".
وإن قالوا: لا يخلد وهو منافق، لزمهم أن يكون المنافقون يخرجون من النار، والمنافقون قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾، وقد نهى الله نبيه عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم وقال له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾.
٣ - فإن قالوا: هؤلاء قد كانوا يتكلمون بألسنتهم سرًا فكفروا بذلك، وإنما يكون مؤمنًا إذا تكلم بلسانه ولم يتكلم بما ينقضه، فإن ذلك ردة عن الإيمان، قيل لهم: لو أضمروا النفاق ولم يتكلموا به كانوا منافقين قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾، وأيضًا قد أخبر الله عنهم أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم وأنهم كاذبون، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ (١).
رابعًا: الرد علي مرجئة الفقهاء:
لا بد أن نشير أولًا إلى أن هذه البدعة -يعني الإرجاء، وهي إخراج الأعمال من مسمى الإيمان- قد قال بها طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، وكانت هذه البدعة عندهم لم تبرح الجانب النظري في حياتهم، أما الجانب العملي فلم يتأثر بها مطلقًا، حيت كانوا يوصون بالأعمال، وهم أنفسهم كانوا من أكثر الناس عبادة وعملاً، ولكن هذا القول كان بعد ذلك ذريعة
стр. 107
إلى ظهور الفسق، وموطئًا لإرجاء الجهمية الغالي، "فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببًا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في الإرجاء" (١).
ويوضح شيخ الإسلام مذهب المرجئة الفقهاء الذين يقولون: إن الأعمال ليست من الإيمان، وما يترتب على ذلك، فيقول: "إن الإيمان يزيد، بمعنى أنه كما أنزل الله آية واجب التصديق بها، فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي قبله، لكن بعد إكمال ما أنزل الله، ما بقي الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان الناس كلهم سواء، إيمان السابقين الأولين كأبي بكر وعمر، وإيمان أفجر الناس، كالحجاج وأبي مسلم الخراساني وغيرهما. . " (٢).
غير أن شيخ الإسلام -وهو من هو في إنصاف المخالفين- يبين أن لهؤلاء أدلة شرعية أخطأوا في فهمها، وغلطوا في الاستدلال بها، واشتبه الأمر عليهم بسببها، ومن هذا الأدلة:
١ - أن الله قد فرّق في كتابه بين الإيمان والعمل، فقال في غير موضع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وما دام أنه قد عطف الأعمال الصالحة على الإيمان، ففي هذا دليل على أن الأعمال ليست من الإيمان، لأن العطف يقتضي المغايرة.
٢ - أن الله سبحانه قد خاطب الإنسان بالإيمان قل وجود الأعمال، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
٣ - قالوا: لو أن رجلًا آمن بالله ورسوله ضحوة، ومات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال لمات مؤمنًا، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان (٣).
стр. 108
ويرد شيخ الإسلام على هذه الأدلة بما يلي:
أولاً: أما قولهم إن الله قد فرق بين الإيمان والعمل فهذا صحيح، وقد أفاض ﵀ في بيان أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها، وقد يقرن الله به الأعمال، ونظائر ذلك كثيرة.
ويقول ﵀ موضحًا لتلك القضية: "والمرجئة أخرجوا العلم الظاهر عن الإيمان، فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضًا وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بين، ومن قصد إخراج العمل الظاهر، قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن، فبقي النزاع في أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن، أو لازم لمسمى الإيمان؟ .
والتحقيق أنه تارة يدخل في الاسم، وتارة يكون لازمًا للمسمى -بحسب إفراد الاسم واقترانه- فإذا قرن الإيمان بالإسلام كان مسمى الإسلام خارجًا عنه، كما في حديث جبريل، وإن كان لازمًا له، وكذلك إذا قرن الإيمان بالعمل، كما في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فقد يقال: اسم الإيمان لم يدخل فيه العمل، فإن كان لازمًا له، وقد يقال: بل دخل فيه وعطف عليه عطف الخاص على العام" (١).
ويقول ﵀ في موضع آخر: "وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها، وقد يقرن به الأعمال، وذكرنا نظائر لذلك كثيرة، وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولاً للملزوم واللازم، وإن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال، فإنه أريد أنه لا يكتفي لإيمان القلب، بل لا بد معه من الأعمال الصالحة" (٢).
стр. 109
فتبين أن ذكر الأعمال بعد الإيمان هي من باب عطف الخاص على العام.
وعلى هذا فالأمر -كما يفهم من كلام شيخ الإسلام- في هذه الصورة لا يخلو من حالين:
إما أن يكون هذا الخاص (الأعمال) داخلاً في العام (الإيمان)، فيكون مذكورًا مرتين.
إما أن يكون عطفه عليه يقضي أنه ليس داخلاً فيه هنا، وإن كان يدخل فيه منفردًا، كما هو الحال في الشهادتين، ولفظ الفقير والمسكين، وغيرها من الألفاظ التي تتنوع دلالاتها بالإفراد والاقتران (١).
ثانيًا: وأما قولهم: إنهم خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال، "فنقول: إن قلتم: إنهم خوطبوا به قبل أن تجب تلك الأعمال، فقبل وجوبها تكن من الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم، قبل أن يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه، فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين" (٢).
ثالثًا: وأما قولهم إن من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمنًا ودخل الجنة "فصحيح، لأنه أتى بالواجب عليه، والعمل لم يكن وجب عليه بعد" (٣).
كما يرد على هؤلاء بإجماع السلف الصالح قاطبة رضوان الله عليهم، أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي.
خامسًا: الرد على الجهمية والأشاعرة والماتريدية:
قد سبق أن مذهب هؤلاء في الإيمان أنه المعرفة والتصديق، ونحن نذكر في هذا المقام كلام أحد أئمتهم، وهو القاضي أبو بكر الباقلاني،
стр. 110
حيث يقول: "فإن قال قائل: خبرونا ما الإيمان عندكم؟ قلنا: الإيمان هو التصديق بالله تعالى، وهو العلم والتصديق يوجد بالقلب فإن قال قائل: وما الدليل على ما قلتم؟ .
قيل له: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن وبعثة النبي ﷺ هو التصديق، لا يعرفون في لغتهم إيمانًا غير ذلك.
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي: ما أنت بمصدق لنا. . فوجب أن يكون الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة، لأن الله ما غير لسان العرب ولا قلبه، ولو فعل ذلك لتواترت الأخبار بفعله، وتوفرت دواعي الأمة على نقله، ولغلب إظهاره، وإشهاره على طيه وكتمانه، وفي علمنا بأنه لم يفعل ذلك، بل أقر أسماء الأشياء والتخاطب بأسره على ما كان فيها دليل على أن الإيمان في الشرع هو الإيمان اللغوي" (١).
الرد الإجمالي:
ويجيب شيخ الإسلام عن ذلك بأجوبة مختصرة، منها ما يلي:
١ - أن الإيمان في اللغة ليس مرادفًا لتصديق، وإنما هو بمعنى الإقرار.
٢ - أن الإيمان فإن كان في اللغة هو التصديق، فالتصديق يكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما قال النبي ﷺ : "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه".
٣ - أن الإيمان -إن ثبت ذلك- فليس هو مطلق التصديق، بل هو تصديق خاص مقيد بقيود اتصل اللفظ بها.
٤ - أن الإيمان وإن كان هو التصديق، فالتصديق التام الذي يقوم بالقلب يستلزم -ولا بد- الواجب من أعمال القلوب والجوارح، فإنها لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم.
стр. 111
٥ - إن لفظ الإيمان بقي على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكامًا.
٦ - إن الشارع نقل المعنى من اللغة إلى الشرع (١).
رد شيخ الإسلام على من ادعى الإجماع على أن الإيمان في اللغة هو التصديق:
ويرد شيخ الإسلام على من ادعى الإجماع على أن معنى الإيمان في اللغة هو التصديق، ويورد بعض الأسئلة الي تقض ذلك الإجماع، ومن هذه الأسئلة:
من نقل هذا الإجماع؟ ومن أين يعلم هذا الإجماع وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟ .
ثم ماذا يعنون بأهل اللغة؟ هل هم نقلتها وعلماؤها، أم هم المتكلمون بها؟ .
فإن كانوا يعنون الأول، فنقلة اللغة لا ينقلون ما قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من الرب في زمانهم، ولا نعلم أنهم قد نقلوا لفظ الإيمان على أنه التصديق، فضلاً على أن يكونوا قد أجمعوا عليه.
وإن كانوا يعنون بأهل اللغة المتكلمين بهذا اللفظ، فهؤلاء لم نهدهم، ولم ينقل لا أحد عنهم.
ثم إنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا: الإيمان في اللغة هو التصديق، بل ولا عن بعضهم، وإن قدر أنه قاله بعضهم، فليس هذا إجماعًا.
ثم لو قدر أنهم نقلوا عن العرب كلامًا يفهم منه أن الإيمان هو التصديق، لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبي ﷺ ، وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أريد به معنى، ولم يرده، فظن هؤلاء ذلك فيما ينقلونه -إن صح النقل- عن العرب أولى.
стр. 112
ثم أين التواتر الموجود عن العرب أنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق؟ فإن دون ذلك خرط القتاد.
ثم إن هؤلاء لم يذكروا شاهدًا من كلام العرب على أن الإيمان في اللغة هو التصديق بالإجماع، ولم يذكروا إلا كلامًا -هو حجة عليهم وليس لهم-كقولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، ويؤمن بالجنة والنار، ويؤمن بعذاب القبر.
وليس معنى ذلك هو التصديق المجرد بهذه الغيبيات، بل المقصود أنه يؤمن بالجنة ويرجوها، ويؤمن بالنار ويخافها، أما من صدق بها، ولم يخف أو يرجو، فلا يسمى مؤمنًا بها (١).
الرد التفصيلي على من قال: إن الإيمان هو التصديق:
تقوم ردود شيخ الإسلام في غالبها، على الإحاطة بفهم حجج الخصوم، واستقصاء أدلهم، وهو في أكثر الأحيان يستخدم الأدلة الإلزامية التي تلزم الخصوم، وتضعهم في أضيق المواقف، ويقوم رد شيخ الإسلام في القضية التي نحن بصددها على مقامين، المقام الأول يقوم على إبطال أن الإيمان في اللغة هو التصديق، ويعتمد هذا المقام على عدة فروق في اللفظ والمعنى، وأما المقام الثاني فيقوم على أننا لو سلمنا جدلاً، أن الإيمان في اللغة هو التصديق، فلا حجة فيه لمن جعله في الشرع كذلك، والآن نأتي إلى التفصيل:
المقام الأول: إبطال القول بأن الإيمان هو التصديق:
يذهب شيخ الإسلام إلى أن الإيمان يفارق التصديق في اللفظ والمعنى، ونأتي الآن إلى توضيح ذلك:
أولًا: الفرق بين الإيمان والتصديق في اللفظ يكون من ناحيتين:
الأولى: فإنك تقول لمن أخبرك بخبر: صدقته، فيتعدى الفعل بنفسه
стр. 113
إلى المصدق، ولا يقال: آمنته، إلا من الأمان الذي هو ضد الإخافة، بل تقول: آمنت له.
ويقال لمن أخبر رجل بأمر: صدقه، ولا يقال: آمنه، بل يقال: آمن له.
فلا يقال قط: آمنته، أو آمنه، كما لا يقال: صدقت له، أو صدق له.
فهذا فرق في اللفظ (١) حيث يتعدى الفعل بنفسه بالنسبة إلى التصديق بخلاف الفعل في الإيمان.
الثانية: أن التصديق يستعمل في كل خبر، فيقال لمن أخبر بالأمور المشهودة، مثل: الواحد نصف الإثنين، والسماء فوق الأرض: صدقت، وصدقنا بذلك، ولا يقال له: آمنا لك، ولا آمنا بهذا، لأن هذه الأخبار من الأمور المشهودة.
أما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الإخبار عن الأمور الغائبة، كما قال تعالى على لسان إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي: بمقر لنا، ومصدق لنا، لأنهم أخبروه عن أمر غائب.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: أقر له (٢).
ثانيًا: الفرق بين الإيمان والتصديق في المعنى:
فإن الإيمان مأخوذ من الأمن، الذي هو الطمأنينة، كما أن الإقرار مأخوذ من القرار، وهو قريب من آمن يأمن، فالمؤمن دخل في الأمن، كما أن المقر دخل في الإقرار، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، وهو على معنيين:
أحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه شبيه بلفظ التصديق، والشهادة، وهذا هو معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتبهم باسم كتاب الإقرار.
стр. 114
الثاني: إنشاء الالتزام، كما في قوله تعالى: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ولفظ الإقرار هنا ليس بمعنى الخبر المجرد، وإنما معناه إنشاء الالتزام بالإيمان بالرسول، والتعهد بنصرته، لأن الله قال في أول الآية الكريمة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ (١).
فتبين أن لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام، مثل لفظ الإقرار، بخلاف لفظ التصديق المجرد، وهذا الفرق الأول في المعنى.
ومن الفروق في المعنى: ما ذكره شيخ الإسلام من أن لفظ التصديق إنما يستعمل في جنس الإخبار، فهو إخبار بصدق الخبر، كما أن التكذيب إخبار بكذب المخبر، والتصديق والتكذيب نوعان من الخبر، وهما خبر عن الخبر.
وأما لفظ الإيمان فإنه يستعمل في الحقائق، وفي الإخبار عن الحقائق، فالحقائق الثابتة في نفسها التي قد تعلم بدون خبر، لا يكاد يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب، بخلاف لفظ الإيمان، وهذا الفرق الثاني في المعنى (٢).
ومن الفروق أيضًا: أن الذوات التي تحب تارة وتبغض أخرى، وتوالي تارة وتعادي أخرى، تختص بلفظ الإيمان، وأما لفظ التصديق فيستعمل في متعلقات هذه الذوات من الحب والبغض، والموالاة والمعاداة، وغير ذلك، فيقال: حب صادق، وبغض صادق.
ويدل على ذلك الدعاء المشهور عند استلام الحجر الأسود: "اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنّة نبيك".
فقد قال: إيمانًا بك، ولم يقل تصديقًا بك، كما قال: تصديقًا
стр. 115
بكتابك، وقال تعالى عن مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ فجعل التصديق بالكلمات والكتب.
فإنه يقال: الإيمان بالله، وآمن بالله، ونؤمن بالله، ويا أيها الذين آمنوا، فآمنوا بالله، ولا يقال: التصديق بالله، أو صدقوا بالله، أو يا أيها الذي صدق بالله، وهذا فرق ثالث في المعنى (١).
ومن الفروق الهامة أيضًا: أن لفظ الإيمان يقابله لفظ الكفر، وأما لفظ التصديق فيقابله لفظ التكذيب، لأن الكفر ليس محصورًا في التكذيب فقط، فوجب أن يكون ما يقابله -وهو الإيمان- ليس محصورًا في التصديق، وهذا فرق رابع في المعنى (٢).
المقام الثاني: مع التسليم بأن الإيمان هو التصديق:
ومع صحة القول بأن الإيمان هو التصديق، فالكلام لا يخرج -كما ذكر شيخ الإسلام- عن أمرين اثنين:
الأول: أن التصديق ليس بالقلب فقط، بل بالقول والعمل أيضًا، كما في الحديث الصحيح عنه ﷺ : "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه".
وكما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "ليس الإيمان بالتمنى، ولا بالتحلي، ولكنه ما وقر في المصدر، وصدقه العمل" (٣).
الثاني: أن الإيمان -وإن كان هو التصديق- فهو تصديق مخصوص، كالصلاة -وهي في اللغة الدعاء- إلا أنها في لغة الشارع دعاء وعمل مخصوص (٤).
ويقول شيخ الإسلام ﵀ موضحًا: "أنه لو فرض أن الإيمان في اللغة التصديق، فمعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء، بل بشيء مخصوص، وهو ما أخبر به الرسول ﷺ ، وحينئذٍ فيكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة" (٥).
стр. 116
وعلى هذا فالإيمان كالصلاة، له أصل في لغة العرب، ولكن الشارع أضاف إليه أمورًا، وجعله بالقلب واللسان والجوارح.
وما دام أننا لم نكتف بمعرفة الصلاة في اللغة حتى ذهبنا لننظر معناها في الشرع، فكذلك الحال في الإيمان.
وحين نترك المعنى اللغوي للإيمان، ونرى معناه في القرآن، نجد أن الإيمان -كما يقول شيخ الإسلام- ورد فيه مقيدًا، أو مطلقًا مفسرًا، ولم يرد في القرآن أبدًا ذكر إيمان مطلق غير مفسر (١).
ومثال المقيد قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣].
فقد قيد الإيمان في الآية الأولى بالغيب، وقيد في الآية الثانية بموسى ﵇.
ومثال المطلق المفسر: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
"وكل إيمان مطلق في القرآن فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنًا إلا بالعمل مع التصديق، فقد بين في القرآن أن الإيمان لا بد فيه من عمل مع التصديق، كما ذكر مثل ذلك في اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج" (٢).
وعلى العموم فإننا إذا سلمنا أن الإيمان في اللغة هو التصديق، فليس
стр. 117
ذلك دليلًا على أنه في الشرع كذلك -كما ذهب إلى ذلك الأشاعرة والماتريدية- فلئن كان الإيمان في اللغة هو التصديق، فهو تصديق مخصوص كما سبق، أو أن الشارع أضاف إليه أمورًا هي أعمال القلب واللسان والجوارح، فصارت هذه الأمور المجتمعة هي الإيمان الشرعي.
وفي ذلك يقول الحافظ ابن جرير الطبري ﵀ بعد أن ذكر مذاهب الناس في الإيمان: "والصواب من القول في ذلك عندنا أن الإيمان اسم للتصديق كما قالته العرب، وجاء به كتاب الله تعالى ذكره خبرًا عن إخوة يوسف من قبلهم لأبيهم يعقوب: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ بمعنى: ما أنت بمصدق لنا على قيلنا، غير أن المعنى الذي يستحق به اسم المؤمن بالإطلاق هو الجامع لمعاني الإيمان، وذلك أداء جميع فرائض الله تعالى ذكره، من معرفة وقول وعمل" (١).
وقد ذكر الإمام ابن منده كلامًا قريبًا من ذلك وملخصه: أن الإيمان في اللغة هو التصديق، ولكنه في الشرع ما أمر الله به من اعتقاد وقول وعمل (٢).
والخلاصة: أنه من خلال ما سبق يظهر أن القول بأن الإيمان في اللغة هو التصديق قد يكون له أصل، ولكن الذي يترجح -والله أعلم- أن حصر معنى الإيمان في اللغة بالتصديق محل نظر، خصوصًا وقد ورد له عدة معانٍ أخرى في اللغة، ومناقشات المصنف ﵀ تدل على هذا (٣).
стр. 118
وحتى لو ثبت أن معناه في اللغة كذلك، فليس فيه حجة -وهذا هو المهم- لمن جعل معناه في الشرع هو معناه في اللغة، كما سبق.
والمسألة ما تزال بحاجة إلى دراسة مستقصية مركزة في كتب اللغة، واستعمالات كلمة الإيمان، ومشتقاتها في لسان العرب، وكلام الشارع الحكيم.
خامسًا: مناقشة تحليلية لمذاهب المرجئة من الجهمية ومن اتبعهم كالأشاعرة، والماتريدية، وغيرهم، الذين أخرجوا الأعمال من الإيمان:
لم يكتف شيخ الإسلام ﵀ بالردود الإجمالية، على المخالفين في الإيمان، ولكنه قام يحلل الخلاف في مناقشات واعتراضات وإلزامات، ولكن قبل أن نلج إلى حلبة النقاش، لا بد لنا من تمهيدين هامين:
الأول: نتسائل فيه ونقول: هل هناك فرق حقيقي بين مذهب الجهمية في الإيمان، وهو المعرفة، وبين مذهب الأشاعرة، والماتريدية، وهو التصديق؟ .
يقول المصنف حول ذلك الإشكال: "وأيضًا فإن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالي عن الانقياد -الذي يُجعل قول القلب- أمر دقيق، وأكثر العقلاء ينكرونه، وبتقدير صحته لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما، وأكثر الناس لا يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون: إن ما قاله ابن كلاب والأشعري من الفرق كلام باطل، لا حقيقة له، وكثير من أصحابه اعترف بعدم الفرق ...
والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عسر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول صادق، وبين تصديق قلبه تصديقًا مجردًا عن انقياد وغيره من أعمال القلب بأنه صادق" (١).
стр. 119
وعلى هذا الأساس نجد أن شيخ الإسلام عند حديثه عن مسألة الإيمان، ومناقشة الآراء والأقوال فيها يردد العبارات التالية في كتابه "شرح حديث جبريل" على سبيل المثال:
"وهذا وغيره تبين فساد قول جهم والصالحي ومن اتبعهما في الإيمان كالأشعري في أشهر قوليه، وأكثر أصحابه، وطائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة كالماتريدي".
"فليس مجرد التصديق الباطن هو الإيمان عند عامة المسلمين، إلا من شذ من أتباع جهم والصالحي".
"وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه في زعمهم أن مجرد إيمان القلب بدون الإيمان الظاهر ينفع في الآخرة".
"فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله والتكلم بالتثليث".
"وإنما نازع في ذلك من اتبع جهم بن صفوان من المرجئة".
"وهو أصل قول جهم والصالحي والأشعري في المشهور عنه وأكثر أصحابه".
ونخرج بعد كل هذا أن شيخ الإسلام لا يرى فرقًا حقيقيًا بين المعرفة والتصديق المجرد، وبالتالي فليس هناك فرق -على الصحيح- بين مذهب الجهمية من جهة، وبين مذهب الأشاعرة والماتريدية في الإيمان من جهة أخرى.
ومن أجل ذلك فهو يطلق أحيانًا اسم الجهمية على الأشاعرة والماتريدية في قضية الإيمان، كما يطلق ذلك الاسم أحيانًا كثيرة على كل من ينفي الصفات مثلاً.
ومن أجل ذلك فستكون مناقشتنا لمذهب الجهمية من خلال مناقشتنا لمذهب الأشاعرة والماتريدية.
الثاني: أن الإيمان عند هؤلاء هو التصديق، فصن صدق بقلبه فهو
стр. 120
مؤمن إيمانًا كاملاً، ولو لم يعمل شيئًا، فإنه ناج عند الله في الآخرة (١)، وافترضوا أنه يمكن للرجل أن يظهر من ضروب الكفر ما عنّ له، من سب لله ورسوله، وإهانة للمصحف، واستحلال للحرمات، وهو مع ذلك مؤمن كامل الإيمان.
وفي ذلك يقول المصنف ﵀: "وأيضًا فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي، قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالتثليث وكل كلمة من كلام الكفر، لى هو كفرًا في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في الباطن عارفًا بالله موحدًا له مؤمنًا به، فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافرًا باطنًا وظاهرًا، قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب في الباطن، وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك" (٢).
بعض المفاهيم والأصول الخاطئة العامة عند هؤلاء المرجئة، والرد عليها:
كعادة شيخ الإسلام دائمًا، يبين الأصول الخاطئة، والقواعد الفاسدة، التي يبني عليها المخالفون بدعهم، ومن هؤلاء: الذين خالفوا أهل السنّة والجماعة في مسمى الإيمان.
وسوف نذكر هذه الأصول، ونتبعها بشيء من الردود التي رد بها المصنف عليهم.
ومن هذه الأصول الخاطئة التي اجتمعت عليها المرجئة ما ذكر ﵀:
стр. 121
الأصل الأول: أنهم ظنوا أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل في حق جميع العباد، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص.
إبطال ذلك الأصل:
ويبطل شيخ الإسلام ذلك الأصل بما يلي:
١ - إن لله أوجب على أتباع الأنبياء المتقدمين من الإيمان ما لم يوجبه على أمة محمد ﷺ ، وأوجب على أمة محمد ﷺ ما لم يوجبه على غيرهم.
٢ - إن الإيمان الذي كان يجب قبل نزول جميع القرآن، ليس مثل الإيمان الذي وجب بعد نزول القرآن.
٣ - إن الإيمان الذي وجب على من عرف ما أخبر به النبي ﷺ مفصلاً، ليس مثل الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به مجملاً.
٤ - لا يجب على كل أحد من الناس أن يعرف كل ما أمر به النبي ﷺ ، وكل ما نهى عنه، وكل ما أخبر به، بل عليه أن يعرف ما يجب عليه في حق نفسه هو، وما يحرم عليه، فمن لا مال له مثلًا لا يجب عليه أن يعرف أمر النبي ﷺ المفصل في الزكاة، ومن ليست له استطاعة في الحج، فليس عليه أن يعرف أمره المفصل في المناسك، ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما يجب للزوجة ولا للأبناء من حقوق، فظهر أنه يجب من الإيمان -تصديقًا وعملاً- على أناس ما لا يجب على غيرهم (١).
الأصل الثاني: أنهم ظنوا أن الإيمان الذي في القلب هو التصديق فقط، وليس معه شيء آخر، ولم يلتفتوا إلى أعمال القلوب، وأخرجوها (٢).
стр. 122
إبطال هذا الأصل:
يكفي في ذلك أن جماهير فرق المرجئة قد أجمعوا على أن عمل القلب من الإيمان، وقد نقل المصنف أقوالهم في ذلك مفصلة عن أبي الحسن الأشعري في كتابه "شرح حديث جبريل" (١).
وسيأتي مزيد من الرد على ذلك إن شاء الله عند التعرض لمناقشة الذين أخرجوا أعمال القلوب من الإيمان.
الأصل الثالث: أنهم ظنوا أن الإيمان الذي في القلب، يكون تامًا بدون شيء من الأعمال، ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه، بمنزلة السبب مع المسبب، ولا يجعلونها لازمة له.
إبطال هذا الأصل:
لا يمكن أبدًا، ولا يتصور مطلقًا أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون شيء من العمل الظاهر، وسيأتي أيضًا مزبد من الرد والإيضاح حول تلك القضية (٢).
الأصل الرابع: أنهم قالوا: إن العبد قد يكون مؤمنًا تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء والصديقين، ولو لم يعمل خيرًا، لا صلاة، ولا صيامًا، ولا حجًا ولا صلة، ولا صدق حديث، ولم يدع كبيرة إلا ركبها، وحرمة إلا هتكها، ويكون الرجل عندهم إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وهو مصر على دوام الكذب والخيانة ونقض العهود، لا يسجد لله سجدة، ولا يحسن إلى أحد حسنة، ولا يؤدي أمانة، ولا يدع ما يقدر عليه من كذب وظلم وبغي وفاحشة إلا فعلها، وهو مع ذلك مؤمن تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء.
ثم بين ﵀ أن هذا الإلزام الخطير يلزم كل من أخرج الأعمال الظاهرة من مسمى الإيمان (٣).
стр. 123
إبطال هذا الأصل:
يستدل شيخ الإسلام على إبطال هذا الأصل بقوله ﷺ في الحديث الصحيح المتفق على صحته: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب".
حيث يقول ﵀: "ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "ألا وإن في الجسد مضغة. . ". . فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملاً قلبيًا، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر، والعمل بالإيمان المطلق. . والظاهر تابع للباطن لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد" (١).
وهذا الذي يعصي الله دومًا، ولم يطعه أبدًا، يستحيل أن يكون إيمانه كإيمان النبيين والصديقين، فإن القلب إذا كان فاسدًا، فاقدًا للإيمان، أو ذا إيمان ضعيف جدًا، امتنع أن يطيع صاحبه الله ، بل وانبرى يرتكب كل حرام.
وهذه الأصول متفق عليها بين الجهمية والأشاعرة والماتريدية ومرجئة الفقهاء كما سبق.
وهناك أصول اختصت بها الجهمية والأشاعرة والماتريدية، دون غيرهم -كما يفهم من كلام المصنف- ومن هذه الأصول:
الأصل الأول: أنهم قالوا: إن كل من حكم الشرع بأنه كافر مخلد في النار، فذلك لأن قلبه فاقد للتصديق والعلم.
وفي ذلك يقول ﵀ أنهم: "جعلوا ما علم أن صاحبه كافر -مثل إبليس وفرعون واليهود وأبي طالب وغيرهم- إنه إنما كان كافرًا، لأن ذلك مستلزم لعدم تصديقه في الباطن، وهذا مكابرة للعقل والحس، وكذلك
стр. 124
جعلوا من يبغض الرسول ويحسده كراهة دينه مستلزمًا لعدم العلم بأنه صادق ونحو ذلك" (١).
إبطال هذا الأصل:
أولًا: إن هذا قول خالفوا به الحس والعقل والشرع وإجماع بني آدم من ذوي الفطر السليمة، والعقول المستقيمة.
فالحس والواقع، وكذلك العقل والشرع، تدحض هذا الأصل وتبطله.
فدليل الحس والواقع: أننا نشاهد كثيرًا من الناس -لا نشك في معرفتهم للحق، وعلمهم به، ولكنهم لا يتبعونه، بل ربما يعادونه، هذا أمر مشاهد، وأشهر من أن ينكر.
ومن هنا سميت الجاهلية، وهي تعني معنيين: عدم العلم، وعدم اتباع العلم.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦].
فإن هذا من الجهل الذي هو عمل بخلاف العلم، حتى يقدم المرء على فعل ما يعلم أنه يضره، وترك ما يعلم أنه ينفعه، بسبب بغضه ومعاداته لغيره، وهو في هذه الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية.
ودليل العقل: وهو أنه قد عرف في بدائه العقول السليمة أنه يمكن لأي إنسان -عقلًا- أن يعرف الحق وأن يعلم طريقه، ثم لا يتبع ما عرفه وعلمه من حق، ومن أنكر هذا كان مكابرًا أو مسفسطًا.
ودليل الشرع: أننا نجد عامة من كذب الرسل عليهم الصلاة والسلام قد علموا أن الحق معهم، وأنهم صادقون فيما جاءوا به، لكن بسبب حسدهم لهم، أو بسبب إرادتهم العلو والرياسة، أو بسبب الهوى وحب
стр. 125
الشهوات، أو بسبب حب دينهم الذي كانوا عليه، وما كان يحصل لهم به من أموال وجاه ومناصب، لم يتبعوا الحق الذي جاءت به الرسل صلوات وسلامه عليهم أجمعين، وكانوا يرون في اتباع الرسل ﵈ ترك الأهواء المحبوبة إليهم، أو حصول أمور مكروهة إليهم، فمن أجل ذلك فهم يكذبونهم، بل ويعادونهم ويقاتلونهم.
وقد قال الله تعالى في محكم التنزيل عن فى عون وملإه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ [النمل: ١٣، ١٤].
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ أي في ظاهر أمرهم، ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ أي علموا في أنفسهم أنها حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروها (ظلمًا وعلوًا) أي ظلمًا من أنفسهم، سجية ملعونة، وعلوًا، أي استكبارًا عن اتباع الحق. . " (١).
وحين ذكر الله عن فرعون بعد أن أدركه الغرق أنه قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠].
لم يكن مؤمنًا ولا مسلمًا، بل قال الله له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس: ٩١] فوُصف بالمعصية والفساد، ولم يوصف بعدم العلم والتصديق في الباطن، كما قال تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ [المزمل: ١٦].
أما إبليس فقد قال الله عنه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
فلم يصفه إلا بالإباء والاستكبار ومعارضة الأمر، لم يصفه بعدم العلم، وقد أخبر الله عن الكفار في غير موضع أنهم كانوا معترفين بالخالق في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
стр. 126
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣].
وكذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح في صدق الرسل ﵈، وإنما يعتمدون في كفرهم وجحودهم ومكابرتهم على مخالفة أهوائهم.
كما قال الكفار من قوم نوح ﵇: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾ [الشعراء: ١١١].
وكما قال الملأ من قوم فرعون: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)﴾ [المؤمنون: ٤٧].
وكما قال مشركو العرب: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧].
وكقول عامة المشركين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] (١).
وبهذا يتبين أن القول بأن كل من حكم الشارع بكفره، فإن ذلك بسبب خلو قلبه من التصديق والمعرفة والعلم، قول باطل، دل على بطلانه الحس والواقع والعقل والشرع وإجماع العقلاء.
ومن الأدلة الشرعية على فساد هذا الأصل، أن هناك آيات كثيرة تدل على أن الكفار في الآخرة يعرفون ربهم، فإن كان مجرد المعرفة إيمانًا كانوا مؤمنين في الآخرة، ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾ [الأنعام: ٣٠]، وغيرها من الآيات (٢).
ثانيًا: يقول المصنف رحمه الله تعالى: "وكفر إبليس وفرعون واليهود
стр. 127
ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبي واستكبر، وكان من الكافرين، فكفره بالإباء والاستكبار وما بتبع ذلك، لا لأجل تكذيب، وكذلك فرعون وقومه جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا، وقال لموسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] (١).
وفي كفر إبليس وفرعون واليهود أحد تفسيرين، كما ذكر المصنف:
أحدهما: تفسير الجهمية والأشاعرة، الذين يقولون: إن التصديق والعلم منتف تمامًا عند هؤلاء.
الثاني: أن هؤلاء قد علموا الحق وعرفوا صدقه، ولكن ما في قلوبهم من الحسد والكبر مانع من استسلام قلوبهم وانقيادها للحق ومحبتها له، وهذا هو التفسير الصحيح (٢).
شبهة متعلقة بهذا الأصل الفاسد:
وقد ذكر ﵀ شبهة لهؤلاء، وملخصها:
أن من كان علمه وتصديقه تامًا أوجب استسلامه وطاعته مع القدرة، مثل الإرادة الجازمة تستلزم وجود المراد مع القدرة، فعلم أن المراد إذا لم يوجد مع القدرة، دل على أنه ما في القلب همة ولا إرادة، فكذلك إذا لم يوجد موجب التصديق والعلم من حب القلب وانقياده واستسلامه، دل على أن الحاصل في القلب ليس بتصديق ولا علم، بل هو شبهة وريب.
فهؤلاء -كما يقول المصنف ﵀ لا يتصورون أن يكون هناك تصديق باطن مع كفر قط (٣).
الجواب عن هذه الشبهة:
إن تشبيههم ذلك بالإرادة الجازمة تشبيه باطل، لأن الإرادة الجازمة مع القدرة التامة مستلزمة لوجود المراد.
стр. 128
أما العلم بالحق والتصديق به مع القدرة، فليس موجبًا للعمل، بل لا بد من إرادة للحق ومحبة له (١).
كما ذكر سابقًا أن الإنسان يمكن أن يعرف الحق ويصدق به، وهو قادر على اتباعه، ومع ذلك فلا يتبعه، بل يبغضه ويعاديه.
ثالثًا: يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١].
ويقول تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦].
فدلت هاتان الآيتان الكريمتان على أن الطاغوت يؤمن به ويكفر به، ومن المعلوم أن مجرد التصديق بوجوده والعلم بصفاته أمر يشترك فيه المؤمن والكافر على حد سواء.
وكذلك العلم والتصديق بالأصنام والشيطان والحر أمر يشترك في العلم بحالها المؤمن والكافر.
فالمؤمن بالجبت والطاغوت، لا يكون مؤمنًا بها بمجرد علمه بها، ولكنه كفر بعبادته لها.
فبطل إذن أن يكون الإيمان هو مجرد علم وتصديق في القلب (٢).
مقارنة أقوال أهل البدع بعضها ببعض:
وكعادة المصنف رحمه الله تعالى في التمثيل على تشابه البدع، وبيان أصولها المشتركة فإنه يذكر جملة من الأقوال والعقائد الباطلة التي تشابه هذا الأصل الفاسد.
فالجهمية والأشاعرة وغيرهم يجعلون الإيمان هو مجرد العلم والتصديق في القلب، ويجعلونه موجبًا للأعمال، فإذا انتفت كان ذلك دليلًا على انتفاء التصديق والعلم في القلب، وأن القلب كان خاليًا من ذلك.
стр. 129
١ - وهذا القول شبيه بقول من قال: إن القدرة التامة بدون الإرادة الجازمة مستلزمة لوجود المراد المقدور.
٢ - وشبيه كذلك بقول من قال: إن مجرد علم الله بالمخلوقات موجب وجودها.
٣ - وشبيه أيضًا بقول من يقول: إن مجرد إرادة الممكنات بدون القدرة موجب وجودها.
٤ - وشبيه أيضًا بقول من قال: إن سعادة النفس في مجرد علمها بالحقائق.
٥ - وشبيه بقول القائل: إن كمال النفس أو كمال الجسم في الحب من غير اقتران حركة إرادية به.
٦ - وشبيه أيضًا بقول من قال: إن اللذة في مجرد الإدراك والشعور (١).
وكل هذه الأقوال باطلة:
فلا بد في القول الأول من وجود الإرادة، ولا تكفي القدرة، فالإنسان الكسلان مثلًا لديه القدرة على العمل والحركة، ولكنه إيثارًا للكسل والبدعة، وعدم وجود الإرادة الجازمة عنده، لا يفعل شيئًا.
ولا بد في القول الثالث من إرادة الله تعالى لوجود المخلوقات مع علمه .
ولا بد في القول الثالث من وجود القدرة مع الإرادة، فلا تكفي الإرادة وحدها، فالإنسان مثلاً إذا كان عاجزًا عن صنع شيء، لم يستطع أن يصنع ما يريد.
ولا يكفي أبدًا في القول الرابع أن تعلم النفى الحقائق دون أن تتبعها، فلا يكفي أن يكون الإنسان عالمًا بالله ورسوله -حتى يكون سعيدًا- وهو معرض عن محبة الله وعادته ومتابعة رسوله.
стр. 130
كما أنه ليس صحيحًا في القول الخامس أن كمال النفس بالحب وحده، بل لا بد من حركة إرادية تصاحب هذا الحب، ويكتمل بها.
وأخيرًا، فليست اللذة في مجرد الإدراك والشعور، بل لا بد من إدراك الملائم الذي هو عبارة عن علاقة بين المدرِك والمدرَك، وهذه العلاقة ليست هي الإدراك والشعور بالشيء.
وعلى ذلك فاللذة حال يعقب إدراك الملائم، فإن الإنسان الذي يحب الحلوى مثلًا، لا تكون لذته بمجرد ذوقه لها، ولكن لذته تكون بأمر يجده من نفسه يحصل مع الذوق (١).
"فلا بد أولًا من أمرين، وآخرًا من أمرين، لا بد أولًا من شعور بالمحبوب ومحبة له، فما لا شعور به لا يتصور أن ينتهى، وما يشعر به وليس في النفس محبة له لا يشتهى، ثم إذا حصل إدراكه بالمحبوب نفسه، حصل عقب ذلك اللذة والفرح مع ذلك" (٢).
ونخلص من كل ما سبق إلى المعادلة التالية:
القدرة التامة + الإرادة الجازمة = وجود المراد المقدور (الفعل).
إذن لا بد في الإيمان الذي في القلب من شيئين اثنين مجتمعين، وهما:
تصديق الله ورسوله+ محبة الله ورسوله = إيمان القلب.
قول القلب+ عمل القلب = إيمان القلب.
ويقول المصنف ﵀ حول ذلك: "فلا بد في الإيمان الذي في القلب من تصديق بالله ورسوله، وحب لله ورسوله، وإلا فمجرد التصديق مع البغض لله ورسوله، ومعاداة الله ورسوله، ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، وليس مجرد التصديق والعلم يستلزم الحب، إلا إذا كان القلب سليمًا من المعارض، كالحسد والكبر، لأن النفس مفطورة على حب الحق، وهو
стр. 131
الذي يلائمها، ولا شيء أحب إلى النفوس السليمة من الله. . فليس مجرد العلم موجبًا لحب المعلوم، إن لم يكن في النفس قوة أخرى تلائم المعلوم، وهذه القوة موجودة في النفس، وكل من القوتين تقوى بالأخرى، فالعلم يقوى بالعمل، والعمل يقوى بالعلم، فمن عرف الله وقلبه سليم أحبه، وكلما ازداد له معرفة ازداد حبه له، وكلما ازداد حبه له ازداد ذكره له. . " (١).
الأصل الثاني: أنهم جعلوا ما يوجد من التكلم بالكفر من سب الله ورسوله، ومن عقيدة التثليث، وغير ذلك قد يكون مجامعًا لحقيقة الإيمان الذي في القلب، ويكون صاحب ذلك مؤمنًا عند الله حقيقة، سعيدًا في الدار الآخرة (٢).
إبطال هذا الأصل:
هذا الأصل ظاهر البطلان، والدليل على بطلانه -كما يقول المصنف- أمران معلومان بالضرورة:
الأمر الأول: أمر معلوم بالاضطرار من الدين.
والأمر الثاني: أمر معلوم بالاضطرار من أنفسنا.
فالأول: إننا نعلم أن من سب الله طوعًا بغير كره، بل من تكلم بكلمات الكفر طائعًا غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافر باطنًا وظاهرًا، وقد ذكر الله كلمات الكفار في القرآن الكريم وحكم بكفرهم واستحقاقهم الوعيد بها.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧١، ٧٢].
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].
стр. 132
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤]، وغير ذلك من الآيات، التي يذكر الله فيها أن من تكلم بكلمات الكفر، أو سب الله ورسوله، أو استهزأ بالله وآياته ورسوله، فقد كفر كفرًا أكبر، وهو خالد مخلد في نار جهنم وبئس المصير.
أما الجهمية ومن تابعهم من الأشعرية والماتريدية فقد جعلوا التكلم بكلمات الكفر، وسب الله ورسوله، والاستهزاء بالله وآياته ورسوله بمنزلة شهادة الشهود عليهم، أو بمنزلة الإقرار الذي قد يخطئ فيه المقر، ولو كان الأمر كذلك، لم يحكم الله بكفرهم، ولم يجعلهم من أهل الوعيد بالشهادة الي قد تكون صدقًا، وقد تكون كذبًا، بل كان ينبغي أن لا يعذبهم إلا بشرط صدق الشهادة (١).
والثاني: إن القلب إذا كان معتقدًا صدق الرسول، وأنه رسول الله، وكان محبًا لرسول الله معظمًا له، امتنع مع هذا -ولا بد- أن يلعنه أو يسبه، فلا يتصور ذلك منه إلا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته، فعلم بذلك أن مجرد الاعتقاد بأنه رسول الله، وبأنه صادق، لا يكون إيمانًا إلا مع محبته في القلب وتعظيمه (٢).
ولا يكتفي المصنف ﵀ بالدليلين السابقين، بل بضيف إليهما أدلة أخرى، ومن الأدلة التي ذكرها ما يلي:
الثالث: أن الله قال: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].
فقد ذكر الله من كفر بالله من بعد إيمانه، وذكر وعيده في
стр. 133
الآخرة، ثم بين سبب ذلك الوعيد فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧)﴾ [النحل: ١٠٧].
فالله جعل سبب العذاب والخسران هو استحباب الدنيا على الآخرة، وهؤلاء يقولون: إنما استحقوا الوعد لزوال التصديق والعلم من قلوبهم، فإن كان ذلك قد يكون سببه حب الدنيا على الآخرة.
وكلامهم هذا فاسد من وجهين:
الوجه الأول: أن باب التصديق والتكذيب والعلم والجهل ليس من باب الحب والبغض، والآية لم تذكر جهل هؤلاء الكافرين أو عدم تصديقهم سببًا لكفرهم، وإنما ذكرت استحبابهم للحياة الدنيا على الآخرة.
الوجه الثاني: أنه قد يجتمع -كما في حال من ذكرته الآية- العلم والتصديق مع استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، ومعرفة هذا الكافر بأن الكفر يضر في الآخرة (١).
الرابع: أن الله قد استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله، وعدم تصديقه لم يستثن المكره، لأن الإكراه على ما في القلب ممتنع، فدل على أن التكلم بالكفر كفر، إلا في حال الإكراه.
ودل على ذلك قوله تعالى في الآية السابقة من سورة النحل: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي كفر بجر إكراه، وفعل ذلك استحبابًا للحياة الدنيا على الآخرة.
فمن تكلم بدون إكراه، لم يتكلم إلا وصدره منشرح بالكفر (٢).
الخامس: قصة النفر من اليهود الذين جاءوا إلى النبي ﷺ ، وقالوا له: نشهد إنك لرسول، لم يكونوا مسلمين بذلك، لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم، أي أننا نعلم أنك رسول الله، وحين قال لهم: "فلم لا تتبعونني؟ " قالوا: نخاف من يهود.
стр. 134
فدل ذلك على أن مجرد العلم والأخبار عنه ليس بإيمان، حتى يتكلم بالإيمان على سبيل الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد.
فالمنافقون كفروا لأنهم قالوا مخبرين عن إيمانهم وهم كاذبون، فكانوا كفارًا في الباطن.
وهؤلاء قالوها غير ملتزمين ولا منقادين، فكانوا كفارًا في الظاهر والباطن (١).
السادس: أن عم النبي ﷺ أبا طالب قد استفاض عنه أنه كان يعلم بنبوة محمد ﷺ ، ونسب إليه البيت المعروف:
ولقد علمت بأن دين محمد. . . من خير أديان البرية دينا
لكنه امتنع -كما هو معلوم- من الإقرار بالتوحيد والنبوة حبًا لدين سلفه، وكراهة أنه يعيره قومه بأنه ترك دين عبد المطلب، فلما لم يقترن بعلمه الباطن الحب والانقياد الذي يمنع ما يضاد ذلك من حب الباطل وكراهة الحق لم يكن مؤمنًا (٢).
الأصل الثالث: أنهم جعلوا من لا يتكلم بالإيمان قط مع قدرته على ذلك، ولا أطاع الله طاعة ظاهرة، مع وجوب ذلك عليه وقدرته، يكون مؤمنًا بالله تام الإيمان سعيدًا في الدار الآخرة (٣).
إبطال هذا الأصل:
نستطيع أن نعتبر كل ما تقدم من ردود للمصنف على الأصلين السابقين ردودًا على هذا الأصل أيضًا.
فإنه يمتنع ويستحيل أن يكون قلب الإنسان عامرًا بالإيمان التام، ثم لا يتكلم به ولو مرة في حياته، ولا يطيع الله طاعة ظاهرة، فمن كان كذلك علم أن ليس في قلبه الإيمان الواجب.
стр. 135
يقول المصنف مفنِّدًا هذا الأصل: "وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانًا جازمًا امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام. . " (١).
الأصل الرابع: وهذا أصل لازم لهم، وهو أنه يلزمهم أن من سجد للصليب والأوثان طوعًا، وألقى المصحف في الحش عمدًا، وقتل النفس بغير حق، وقتل كل من رآه يصلي، وسفك دم كل من يراه يحج البيت، وفعل ما فعلته القرامطة بالمسلمين، يجوز أن يكون مع كل هذا مؤمنًا وليًا لله، إيمانه مثل إيمان النبيين والصديقين.
إبطال هذا الأصل:
نقول إن الإيمان الذي في القلب له مع هذه الأمور حالتين لا غير:
الحالة الأولى: أن يكون منافيًا لها، ومضادًا لها.
الحالة الثانية: أن لا يكون منافيًا لها، ولا مضادًا لها.
فإن كان منافيًا لها كان ترك هذه الأمور موجب الإيمان الباطن ومقتضاه ولازمه، فلا يكون مؤمنًا في الباطن الإيمان الواجب إلا من تركها، فمن لم تركها دل ذلك على فساد الإيمان الباطن.
فإن لم يكن منافيًا لها أمكن وجودها معه، فلا يكون وجودها إلا مع عدم الإيمان الباطن.
وبهذا يتبين أن الأعمال والتروك الظاهرة لازمة للإيمان الباطن، وبالتالي فإنها من موجبه ومقتضاه، وبالتالي أيضًا فإنها تقوى بقوته، وتضعف بضعفه، وتزيد بزيادته، وتنقص بنقصانه، لأن الشيء المعلول لا يزيد إلا بزيادة موجبه ومقتضاه، ولا ينقص إلا بنقصان ذلك، فإذا جعل العمل الظاهر موجب الباطن ومقتضاه لزم أن تكون زيادته لزيادة الباطن، فيكون دليلًا على زيادة الإيمان الباطن ونقصه لنقص الباطن، فيكون نقصه دليلًا على نقص الباطن، وهو المطلوب، كما يقول المصنف (٢).
стр. 136
ويقول ﵀ في موضع آخر: "وقالوا: حيث حكم الشرع بكفر أحد بعمل أو قول، فلكونه دليلاً على انتفاء ما في القلب، وقولهم متناقض، فإنه إذا كان ذلك دليلاً مستلزمًا لانتفاء الإيمان الذي في القلب، امتنع أن يكون الإيمان ثابتًا في القلب، مع الدليل المستلزم لنفيه، فإن لم يكن دليلاً لم يجز الاستدلال به على الكفر الباطن" (١).
ويعلق ﵀ بعد ذلك بقوله: "وهذه الفضائح تختص بها الجهمية دون المرجئة من الفقهاء وغيرهم" (٢).
خلاصة هامة:
قد تقدم أن الإيمان عند أهل السنّة يشمل: قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح.
والقائلون بأن الإيمان هو المعرفة أو التصديق -وهم الجهمية والأشاعرة والماتريدية وغيرهم- يخرجون من مسمى الإيمان: عمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح، فكل هذه ليست عندهم من الإيمان.
وأما القائلون بأن الإيمان هو التصديق والإقرار -وهم مرجئة الفقهاء- فقد ألزمهم شيخ الإسلام بأمرين لا محيص عنهما:
الأمر الأول: إن أخرجوا أعمال القلوب من مسمى الإيمان، فقد لزمهم قول الجهمية ولا بد.
الأمر الثاني: وإن أدخلوا أعمال القلوب في مسمى الإيمان لزمهم إدخال أعمال الجوارح، فإنها لازمة لها.
يقول المصنف عن هؤلاء: "لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان، لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضًا، فإنها لازمة لها" (٣).
стр. 137
ويقول أيضًا: "فإخراجهم العلم يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضًا، وهذا باطل قطعًا، فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه فهو كافر قطعًا بالضرورة، وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضًا، لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن" (١).
سادسًا: الرد على من قال: إن دخول الأعمال في الإيمان على سبيل المجاز:
دأب كثير من المرجئة الذين أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان، على أن الأعمال قد تدخل في الإيمان ولكن على سبيل المجاز، وليس على الحقيقة.
يقول شيخ الإسلام ﵀ عن هؤلاء: "والمرجئة المتكلمون منهم والفقهاء منهم يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيمانًا مجازًا، لأن العمل ثمرة الإيمان ومقضاه، ولأنها دلل عليه. . " (٢)، وذكر أن القول بدخول الأعمال في الإيمان مجاز، هو عمدة المرجئة، والجهمية، والكرامية، وكل من لم يدخل الأعمال في اسم الإيمان (٣).
ولشيخ الإسلام في الرد على هؤلاء طريقان:
الطريق الأول: إبطال الحجاز من أساسه، وبيان أن تقسيم الألفاظ في العربية إلى حقيقة ومجاز، قسمة محدثة لا أصل لها.
يقول ﵀: "وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم، كمالك والثورى والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم، وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه، ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى بمجاز الآية: ما يعبر به عن الآية. . . ولم يقل ذلك أحد من
стр. 138
أهل اللغة، ولا من سلف الأمة وعلمائها، وإنما هذا اصطلاح حادث، والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين. . " (١).
الطريق الثاني: مع التسليم بأن هناك مجازًا في اللغة والشرع، فلا دليل فيه لمن أخرج الأعمال من مسمى الإيمان.
وفي ذلك يقول ﵀: "إن لم يصح التقسيم إلى حقيقة ومجاز، فلا حاجة إلى هذا، وإن صح فهذا لا ينفعكم، بل هو عليكم لا لكم، لأن الحقيقة هي اللفظ الذي يدل بإطلاق بلا قرينة، والمجاز إنما يدل بقرية، وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنّة، دخلت فيه الأعمال، وإنما يدعى خروجها منه عند التقييد، وهذا يدل على أن الحقيقة قوله: الإيمان بضع وسبعون شعبة" (٢).
أما في كتاب "شرح حديث جبريل" فيرد المصنف على من قال: إن الأعمال تدخل في الإيمان على سبيل المجاز بأمرين:
الأمر الأول: القول بأن الأعمال تخرج منه على سبيل المجاز، وفي هذا المعنى يقول ﵀: "فإن قال قائل: اسم الإيمان إنما يتناول الأعمال مجازًا، قبل: أولًا ليس هذا بأولى ممن قال: إنما تخرج عنه الأعمال مجازًا، بل هذا أقوى، لأن خروج العمل عنه إنما هو إذا كان مقرونًا باسم الإسلام والعمل، وأما دخول العمل فيه فإذا أفرد كما في قوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"، فإنما يدل مع الاقتران أولى باسم المجاز مما بدل عند التجريد والإطلاق. . " (٣).
стр. 139
الأمر الثاني: أن العمل الظاهر فرع للباطن، ولكن هل هو داخل في مسمى الإيمان وجزء منه؟ أو هو لازم لمسمى الإيمان؟ .
ويقول المصنف ﵀ مستنتجًا بعد هذا: "وقيل لمن قال: دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز، نزاعك لفظي، فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم موجبًا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن، فإذا اعترفت بهذا كان نزاعك لفظيًا. . " (١).
ويقول ﵀: "وأيضًا فليس لفظ الإيمان في دلالته على الأعمال المأمور بها بدون لفظ الصلاة والصيام والزكاة والحج، في دلالته على الصلاة الشرعية والصيام الشرعي، والحج الشرعي، سواء قيل: إن الشارع نقله، أو أراد الحكم دون الاسم، أو أراد الاسم وتصرف فيه تصرف أهل العرف، أو خاطب بالاسم مقيدًا لا مطلقًا. . " (٢).
سابعًا: حكم ترك جنس الأعمال:
أو بمعنى آخر: هل جنس الأعمال شرط لصحة الإيمان؟ .
لقد سبق الحديث عن أهمية الأعمال من خلال الردود على آراء الفرق المخالفة في الإيمان، ونظرًا لأهمية تلك القضية الخطيرة، فقد استحقت أن تفرد بمبحث خاص، وتبرز من خلال آراء شيخ الإسلام المصنف رحمه الله تعالى، لأجل استنباط موقف أهل السنّة والجماعة من هذه القضية.
ومعلوم أن الإيمان قول وعمل، وهما ركنان لا يتم الإيمان إلا بهما، والمرجئة زعموا أن الإتيان بالركن الأول كافٍ في الإيمان، والسلف لا يرون ذلك أبدًا، وذلك هو موضوع هذا المبحث.
والمتأمل يرى بوضوح أن تلك القضية هي الفيصل بين أهل السنّة
стр. 140
والجماعة من جانب، وبين المرجئة -على اختلاف آرائهم- من جانب آخر، وهي تمثل الثمرة الحقيقية للخلاف بين الفريقين.
ولقد ركَّز المصنف ﵀ كثيرًا على هذه القضية في كتاب "شرح حديث جبريل"، وأورد من الاستدلالات والبراهين الواضحة، ما يدحض حجج المرجئة، الذين يقولون: إنه يمكن أن يكون الإنسان مؤمنًا كامل الإيمان، ولو لم يعمل عملاً قط.
وقد أورد المصنف ﵀ عدة صور لتارك جنس الأعمال على سبيل التعجب والاستدلال على فساد قول المرجئة وتهافته، ومن ذلك:
يقول شيخ الإسلام في نص هام عن أهمية جنس العمل على صحة الإيمان: "والسلف اشتد نكيرهم على المرجئة لما أخرجوا العمل من الإيمان، وقالوا: إن الإيمان يتماثل الناس فيه، ولا ريب أن قولهم بتساوي إيمان الناس من أفحش الخطأ، بل لا يتساوى الناس في التصديق، ولا في الحب، ولا في الخشية، ولا في العلم، بل يتفاضلون من وجوه كثيرة.
وأيضًا فإخراجهم العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضًا، وهذا باطل قطعًا، فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه فهو كافر قطعًا بالضرورة، وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضًا، لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن.
وليس المقصود هنا ذكر عمل معيَّن، بل من كان مؤمنًا بالله ورسوله بقلبه، هل يُتصور إذا رأى الرسول وأعداءه يقاتلونه، وهو قادر على أن ينظر إليهم، ويحض على نصر الرسول بما لا يضره، هل يمكن مثل هذا في العادة إلا أن يكون منه حركة ما إلى نصر الرسول؟ فمن المعلوم أن هذا ممتنع" (١).
ويقول ﵀ في نص آخر لا يقل أهمية عن الأول: "ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا إيمانًا ثابتًا في قلبه، بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة
стр. 141
والصيام والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع.
ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح. . " (١).
وكانت ساحة النزاع بين السلف والمرجئة في هذا المقام هي قضية تارك الصلاة، حيث حكم المرجئة والفقهاء المتأثرون بأصلهم بعدم كفره، بل قال جمهورهم: إنه يستتاب ويعرض على السيف، فإن صلَّى وإلا قتل حدًا.
ولنا في هذا المقام ثلاث وقفات:
الأولى: أن جمهور السلف متفقون على كفر تارك الصلاة بالكلية، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
الثانية: أن هذا الافتراض افتراض باطل قطعًا، وهو لا يقع أبدًا إلا في الخيال، أما في الواقع فمن المستحيل وقوع ذلك.
يقول المصنف ﵀ مبينًا بطلان ذلك الافتراض: "ولا يُتصور في العادة أن رجلًا بكون مؤمنًا بقلبه، مقرًا بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزمًا لشريعة النبي ﷺ وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن قط، لا يكون إلا كافرًا.
ولو قال: أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها، كان هذا القول مع هذه الحال كذبًا منه، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيًا من الأنبياء، ويقول: أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال، كان كاذبًا فيما أظهره من القول. . " (٢).
стр. 142
ويقول في موضع آخر: "ولهذا فرض متأخرو الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها، وهو أن الرجل إذا كان مقرًا بوجوب الصلاة فدعي إليها، وامتنع واستتيب ثلاثًا، مع تهديده بالقتل، فلم يصل حتى قتل، هل يموت كافرًا أو فاسقًا؟ على قولين.
وهذا الفرض باطل قطعًا، فإنه يمتنع في الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله فرضها عليه، وأنه يعاقبه على تركها، ويصبر على القتل، ولا يسجد لله سجدة من غير عذر له في ذلك، هذا لا يفعله بشر قط، بل ولا يُضرب أحد ممن يقر بوجوب الصلاة إلا صلى، لا ينتهي به الأمر إلى القتل، وسبب ذلك أن القتل ضرر عظيم لا يصبر عليه الإنسان، إلا لأمر عظيم، مثل لزومه لدين يعتقد أنه إن فارقه هلك، فيصبر عليه حتى يقتل، وسواء كان الدين حقًا أو باطلاً، أما مع اعتقاده أن الفعل يجب عليه باطنًا وظاهرًا، فلا يكون فعل الصلاة أصعب عليه من احتمال القتل قط.
ونظير هذا: لو قيل: إن رجلًا من أهل السنّة قيل له: ترضَّ عن أبي بكر وعمر، فامتنع عن ذلك حتى قتل، مع محبته لهما واعتقاده فضلهما، ومع عدم الأعذار المانعة من الترضي عنهما، فهذا لا يقع قط. . " (١).
الثالثة: أن السلف رضوان الله عليهم إذا حكموا على تارك الصلاة بالكفر الأكبر -بل قد حكم بعضهم بالكفر على من ترك بقية الأركان الأخرى- هل يعقل عنهم أبدًا أنهم سيحكمون بالإيمان لمن عاش حياته كلها، لم يعمل من أعمال الإسلام شيئًا، لا صلاة، ولا صيامًا، ولا زكاة، ولا حجًا! ! ! .
стр. 143
فإنه من باب أولى سيحكمون على مثل هذا الشخص بالكفر البواح، ولن يترددوا في ذلك أبدًا.
يقول شيخ الإسلام ﵀ في موضع آخر: "ويعلم أنه لو قدر أن قومًا قالوا للنبي ﷺ : نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك، ونقر بألسنتنا بالشهادتين، إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه، فلا نصلي ولا نصوم ولا نحج، ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي الأمانة، ولا نفي بالعهد، ولا نصل الرحم، ولا نفعل شيئًا من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر، وننكح ذوات المحارم بالزنى الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضًا، ونقاتلك مع أعدائك، هل كان يتوهم عاقل أن النبي ﷺ يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملوا الإيمان، وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار، بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك" (١).
وحين يبطل المصنف رحمه الله تعالى القول بعدم كفر تارك الصلاة، واقتراض الفقهاء السابق، ينبه إلى أن الداعي لذلك الافتراض كان متمثلاً في شبهة من شبهات المرجئة.
يقول ﵀: "فهذا الموضع ينبغي تدبره، فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن، زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية. . " (٢).
وبعد أن وضح المصنف لوثة الإرجاء التي دخلت على كثير من الفقهاء الذين تكلموا على حكم تارك الصلاة، قال معقبًا ومنوهًا بأهمية جنس العمل، وأنه لازم للإيمان: "ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من
стр. 144
الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع. . " (١).
ويواصل المصنف الحديث عن حكم ترك جنس العمل، ومن ذلك ما قاله في آخر حديثه عن الإيمان، وقبل فصل الإحسان بقليل.
يقول ﵀: "وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله، بقلبه أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا لا صلاة، ولا زكاة، ولا صيامًا، ولا غير ذلك من الواجبات، ولو قدر أنه يؤدي الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها، منل من يؤدي الأمانة، أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر.
فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله محمد ﷺ ، مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد ﷺ . . " (٢).
والمرجئة يرون أن اعتقاد القلب، وإقرار اللسان، هما تمام الإيمان، وبهما نجاة العبد في الآخرة، ورأى بعضهم أن قول اللسان يعد عملًا -لما رأوه من أهمية العمل في الشرع- ولهذا أنكر الإمام أحمد على من قال هذا إنكارًا شديدًا، واعتبره قولًا خبيثًا (٣).
ويقول المصنف: "وهذا هو الحق، فإن مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزمًا للإيمان النافع عند الله. . " (٤).
стр. 145
والآن نأتي إلى الحديث عن حكم تارك الصلاة، كقضية متعلقة بقضية رئيسية، وهي حكم ترك جنس العمل.
حكم تارك الصلاة:
تارك الصلاة الذي نعنيه في هذا المقام ليس الجاحد لفرضيها، المنكر لوجوبها، فإن من جحد شيئًا معلومًا بالضرورة من الدين -صلاة أو غيرها- فهو كافر، لا خلاف في ذلك.
وإنما نعني بالتارك هنا الذي يترك الصلاة تكاسلًا وتهاونًا، مع إقراره بوجوبها.
والمصنف حين يتحدث في هذا المقام عن تارك الصلاة، فيقصد به تاركها بالكلية، الذي لا يصلي بالمرة، أما من كان يصلي أحيانًا، ويدع أحيانًا أخرى فهو عنده داخل تحت الوعيد.
يقول ﵀ في موضع آخر: "فأما من كان مصرًا على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك، فهذا لا يكون مسلمًا، لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها أخرى، فهؤلاء ليسوا محافظين عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة. . " (١).