← Акыда

Акыда · id 20587

الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي

ابن تيمية

Полный текст (658 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبحث الثاني دراسة تحليلية وتفصيلية عن كتاب "الإيمان الأوسط" لقد آثرنا خلال هذه الدراسة أن نقسمها إلى قسمين: الأول: دراسة المسائل الأصلية. الثاني: دراسة المسائل الفرعية.

стр. 72

المبحث الثاني دراسة تحليلية وتفصيلية عن الكتاب لمحة عامة عن موضوعات الكتاب: استهل المصنف مصنفه بالكلام عن حديث جبريل، وسؤاله النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، وجواب النبي ﷺ على ذلك، ثم تحدث عن أقسام الناس في عهد النبي ﷺ ، من مؤمنين وكافرين ومنافقين، وأفاض في ذكر الآيات التي كشفت صفات المنافقين، وأبانت عن خصالهم، والحديث عنهم، وتحدث عن الفرق بين الإسلام والإيمان، ثم ذكر أن أول خلاف وقع في الملة هو الخلاف في الفاسق الملي، بعد ذلك تحدث عن نشأة الفرق مبتدئاً بالخوارج ثم المرجئة والمعتزلة والجهمية والكرامية وذكر مذاهبها في الإيمان، وتولى الرد على هذه المذاهب، وكشف الشبهات التي قامت عليها، وإن كان قد تركز أكثر رده على الجهمية ومن اتبعهم، وفي غمرة رده على المعتزلة كتب بحثاً مفيداً عن أسباب سقوط العقوبة، وقد قام بتقرير عقيدة السلف الصالح التي هي معتقد أهل السنّة والجماعة، وتقريره لهذه العقيدة جاء منثوراً خلال مباحث الكتاب، وقام المصنف ﵀ بتجلية حقيقة الإيمان، وبيان أنه حقيقة مركبة من قول وعمل، مؤكداً على أن القول يشمل قول القلب وقول اللسان، وأن العمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، منبهاً على أهمية أعمال القلوب في هذا التركيب، على أن الكتاب -كما أشرنا عند الحديث عن الفرق بينه وبين كتاب "الإيمان الكبير"- لم يخل من بعض استطرادات، كاستطراد المصنف عن بعض مقالات الفلاسفة، وغلاة المتصوفة، وتوسعه في الكلام عن الأحاديث التي ورد فيها الإسلام والإيمان.

стр. 73

ثم جاء الكلام عن المرتبة العليا من الدين، فتحدث أولاً عن تعريف الإحسان، وأبان أن الإحسان كما ذكر ﷺ قد كتبه الله على كل شيء، وأنه شامل لجميع الأقوال والأعمال القلبية والبدنية والمالية، وتحدث عن الإحسان في العلم، والإحسان في العمل، والإحسان في الأقوال، والإحسان في البيوع، والإحسان في المعاملات، إلى غير ذلك. ولقد آثرت خلال هذه الدراسة أن تكون على قسمين: الأول: دراسة المسائل الأصلية. الثاني: دراسة المسائل الفرعية. وقد قصدنا بالمسائل الأصلية ما له صلة مباشرة بموضوع الإيمان الذي هو عنوان الكتاب، وبالمسائل الفرعية ما اعتبرناه استطراداً -وإن كان مفيداً-. على أنه يحسن التنبيه إلى أمر ذي بال، وهو أنه ستتم الاستعانة خلال دراستنا هذه بكتاب "الإيمان الكبير" للمصنف، وذلك لأسباب عدة: منها: على سبيل المثال لا الحصر: أن ما أجمل في كتاب، فقد فصّل في الكتاب الآخر، وما أطلق في كتاب قيّد في الآخر، في الغالب. ومنها: أن هناك -كما ذكرنا في الفرق بين الكتابين- قضايا ومناقشات وردت في "الإيمان الكبير" لم ترد في كتاب "شرح حديث جبريل". فالكتابان يكمل كل منهما الآخر، ولا غنى -للمتخصصين على الأقل- عن كل منهما، ونستطيع أن نقول بعد كل هذا: إن هذه الدراسة التي نقوم بها شاملة -بإذن الله تعالى- لأهم موضوعات الكتابين، مع الركيز على كتاب "شرح حديث جبريل" ما أمكن إلى ذلك سبيلاً. كما نود الإشارة إلى أننا سنستعين في بعض الأحيان بكلام للمصنف في غير هذين الكتابين، وربما ذكرنا كلاماً لغيره من أهل العلم، لتأييد كلامه ﵀، أو توضيحه.

стр. 74

وقد رتبنا المسائل الأصلية التي جاءت متناثرة في ثنايا الكتاب على النحو التالي: المسألة الأولى: أقسام الناس في عهد النبي ﷺ . المسألة الثانية: تعريف النفاق والكلام عليه. المسألة الثالثة: وجوب التفريق بين الظاهر والباطن في أحكام الدنيا والآخرة. المسألة الرابعة: وتلك هي لب المسائل، وهي الخلاف في الإيمان، وقد تناول المصنف خلاله جملة من القضايا، وقد رتبناها كالتالي: أولاً: أصل الخلاف في الإيمان. ثانياً: تقرير شبهات المخالفين في الإيمان. ثالثاً: الرد على هذه الشبهات. رابعاً: الرد التفصيلي على آراء الفرق في الإيمان. خامساً: مناقشة تحليلية لمذاهب المرجئة الذين أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان. سادساً: الرد على من قال بالمجاز في قضية الإيمان. سابعاً: حكم ترك جنس الأعمال. ثامناً: موقف المصنف من الخلاف بين السلف ومرجئة الفقهاء في الإيمان. تاسعاً: الآثار المترتبة على الخلاف في الإيمان، وتمثلت في: زيادة الإيمان ونقصانه، والاستثناء في الإيمان. المسألة الخامسة: تقرير مذهب السلف في الإيمان. المسألة السادسة: الفرق بين الإسلام والإيمان. المسألة السابعة: الإحسان والكلام عليه.

стр. 75

القسم الأول دراسة المسائل الأصلية من خلال دراسة الكتاب ظهر أن هناك عدة مسائل أصلية اعتنى بها المصنف، وقد اجتهدنا في ترتيبها وتنظيمها، لأن المصنف قد ذكرها في مواضع متعددة من كتابه

стр. 76

المسألة الأولى أقسام الناس في عهد النبي ﷺ - يذكر شيخ الإسلام أن الناس كانوا على عهد النبي ﷺ ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق ظاهره الإسلام وهو في الباطن كافر. وهذا التقسيم دل عليه -كما يقول- الكتاب والسنّة والإجماع، بل هو من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام (١). ثم يذكر ﵀ أن هذا التقسيم قد أنزل الله فيه أول سورة البقرة، فأنزل أربع آيات في المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة (٢) آية في المنافقين (٣). ثم أفاض المصنف ﵀ في ذكر أسماء السور والآيات من الكتاب العزيز التي ذكر فيها المنافقون، ونبه على أن عامة السور المدنية يذكر فيها النفاق، ومن هذه السور: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وبراءة، والعنكبوت، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والمجادلة، والحشر، والمنافقون، وغيرها (٤). وعلى هذا فأقسام الناس على عهد رسول الله ﷺ ثلاثة أقسام: القسم الأول: مؤمن (مظهر للإسلام مبطن للإيمان). القسم الثاني: كافر (مظهر للكفر مبطن للكفر). القسم الثالث: منافق (مظهر للإسلام مبطن للكفر).

стр. 77

إذن قد ظهر في الناس قسم جديد لم يكن له وجود في مكة، وهو المنافق، وإن كان هذا القسم في نهاية الأمر يعود إلى القسم الثاني، فمن هو المنافق؟ . وقد تحدث شيخ الإسلام المصنف ﵀ عن النفاق والمنافقين، فعرّف المنافق، وذكر سبب ظهور النفاق، وأشار إلى أن عز الإسلام وتمكن المسلمين سبب لأفول نجم النفاق، وضعفه، وبيّن الأصل الذي جاء منه المنافقون، وأشار إلى أقسام النفاق، وذكر خوف الصحابة رضوان الله عليهم من النفاق، ثم وضّح أحكام المنافقين، وأنهم لا يسمون مؤمنين عند أحد من أهل القبلة إلا الكرَّامية، وذكر أن الله قد أمر بجهادهم، وبيّن كيفية مجاهدتهم، ونبه على أن الزنديق -في اصطلاح الفقهاء- هو المنافق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، وفصل أقوال الفقهاء في حكم قبول توبته، وأخيراً استنبط أصلاً عظيماً يقوم على وجوب التفريق بين أحكام الظاهر وأحكام الباطن. والآن نأتي إلى دراسة هذه المسائل بالتفصيل من خلال كلام المصنف.

стр. 78

المسألة الثانية تعريف النفاق والسلام عليه قال صاحب الصحاح: "النفاق بالكسر فعل المنافق .... والنافقاء: إحدى جِحَرَة اليربوع، يكتمها ويظهر غيرها، وهو موضع يرققه، فإذا أتي من قبل القاصعاء ضرب برأسه فانتفق، أي خرج، والجمع النوافق، والنفقة أيضاً مثال الهمزة: النافقاء، تقول منه: نفق اليربوع تنفيقاً ونافق، أي أخذ في نافقاته، ومنه اشتقاق المنافق في الدين .. ". (١). وذكر صاحب القاموس المحيط مثل ذلك إلا أنه زاد عليه قوله: "نافق في الدين: ستر كفره وأظهر إيمانه" (٢). وذكر صاحب لسان العرب نحواً من ذلك (٣). وعلى هذا فالنفاق في اللغة هو: إظهار شيء وإبطان شيء، أو بعبارة أخرى: إخفاء أمر، وإعلان ما يخالفه. وعلى هذا فالنفاق في الاصطلاح الشرعي هو: إظهار الإسلام، وإبطان الكفر. كما ذكر المصنف أن المنافق ظاهره الإسلام، وهو في الباطن كافر (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: "النفاق لغة: مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل" (٥). وهو أمر قائم على الخداع والتضليل والمراوغة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [البقرة: ٨، ٩]. ولذا كانت عاقبة المنافقين أنهم من أشد الناس عذاباً في الآخرة، وأنهم في الدرك الأسفل من النار، كما قال الحق ﵎ في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].

стр. 79

سبب ظهور النفاق: هو قيام الدولة الإسلامية في المدينة، وتمكن المسلمين فيها، وتظاهُر جماعة من الكفار بالدخول في هذا الدين الجديد -الذي صارت مقاليد الأمور بأيدي أصحابه- رغبة في نفع أو مغنم أو في تحقيق بعض المكاسب الدنيوية التافهة، أو رهبة من إظهار المخالفة، وخوفاً أن يصيبهم عقاب أو تأديب. يقول المصنف -رحمه الله تعالى-: "فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وصار للمؤمنين بها عز وأنصار، ودخل جمهور أهلها في الإسلام طوعاً واختياراً كان بينهم من أقاربهم ومن غير أقاربهم من أظهر الإسلام موافقة، رهبة أو رغبة، وهو في الباطن كافر، وكان رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول، وقد نزل فيه وفي أمثاله من المنافقين آيات" (١). أصل المنافقين: يذكر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أن المنافقين قد تفرعوا من أصلين: الأصل الأول: من المشركين. الأصل الثاني: من أهل الكتاب. يقول ﵀: "وكان في المنافقين من هو في الأصل من المشركين، وفيهم من هو في الأصل من أهل الكتاب" (٢). وقد ساق الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- نقلاً عن ابن إسحاق ﵀ أسماء كثير من المنافقين، من كلا الطائفتين، من المشركين، وأهل الكتاب الذين هم من اليهود في الغالب (٣). ولذا كانت -كما ذكر المصنف من قبل- عامة السور المدنية في القرآن يذكر فيها النفاق والمنافقون، وأعظم هذه السور في ذكر النفاق وفضح أساليب المنافقين سورة براءة. كما تكاثر ذكر المنافقين في القرآن الكريم، وذلك لشدة خطرهم،

стр. 80

وعظيم ضررهم، وعدم التنبه لهم، وغفلة كثير من المؤمنين والصالحين عنهم. أقسام النفاق: النفاق قسمان: الأول: نفاق اعتقادي: وهو ما يتعلق بأصل الإيمان والاعتقاد فيه. الثائي: نفاق عملي: وهو النفاق في الأعمال، كحديث: "آية المنافق ثلاث .. " (١). فالأول: هو النفاق الأكبر. والثاني: هو النفاق الأصغر. وقد أشار المصنف ﵀ إلى ذلك بقوله: "وحينئذٍ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق (أصغر)، وبعض شعب الإيمان، وبعض شعب الكفر، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ -أنه قال: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب .... " (٢). وذكر ﵀ أن هناك كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق (٣). ويقول: (والنفاق كالكفر، نفاق دون نفاق، ولهذا كثيراً ما يقال: كفر ينقل عن الملة، وكفر لا ينقل، ونفاق أكبر، ونفاق أصغر، كما يقال: الشرك شركان: أصغر وأكبر ... ) (٤). خوف الصحابة والسلف من النفاق: وخير من يعبر عن ذلك ما ذكره المصنف عن التابعي الجليل ابن أبي مليكة ﵀ حيث يقول: "أدركت ثلاثين من أصحاب محمد، كلهم يخاف النفاق على نفسه .. " (٥).

стр. 81

وقد ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ جمعاً من السلف الصالح كانوا يخشون النفاق على أنفسهم ثم قال: "وأصل هذا يرجع إلى ما سبق ذكره من أن النفاق أصغر وأكبر، فالنفاق الأصغر هو نفاق العمل، وهو الذي خافه هؤلاء على أنفسهم، وهو باب النفاق الأكبر، فيخشى على من غلب عليه خصال النفاق الأصغر في حياته، أن يخرجه ذلك إلى النفاق الأكبر، حتى ينسلخ من الإيمان بالكلية .. " (١). وذكر الحافظ ابن حجر أن النفاق الذي كان يخشاه السلف رضوان الله عليهم هو نفاق الأعمال، وليس نفاق الاعتقاد (٢). قاعدة: كما ازداد عز الإسلام وعظمت قوة المسلمين، كما ازداد التزام المنافقين بأحكام الإسلام الظاهرة، وكلما ضعف أمر الإسلام، وتلاشت قوة المسلمين، كان إظهار المنافقين لنفاقهم أشد وأعظم، والتزامهم بأحكام الإسلام الظاهرة ضعيفاً. فهناك تناسب طردي بين عز الإسلام، والتزام المنافقين بالأحكام الظاهرة. وهناك تناسب عكسي بين ضعف الإسلام، وقوة المنافقين، بمعنى أنه كما ضعف الإسلام قري المنافقون، والعكس صحيح. هذه القاعدة استنبطت من كلام المصنف ﵀ في كتاب "شرح حديث جبريل"، وذكر من كلام السلف ما يدل عليها، كقول حذيفة بن اليمان ﵁: "النفاق اليوم أكثر منه على عهد رسول الله- ﷺ "، أو في الرواية الأخرى: " كانوا على عهد النبي ﷺ يسرونه، واليوم يظهرونه" (٣). يقول المصنف حول تلك القاعدة: "وقد كان المنافقون يلتزمون أحكام الإسلام الظاهرة، لا سيما في آخر الأمر، ما لم يلتزمه كثير من

стр. 82

المنافقين الذين من بعدهم، لعز الإسلام، وظهوره إذ ذاك بالحجة والسيف، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ (١) ". ويقول: "ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعاً واحداً، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب، وفيه شعبة من نفاق، وكان كثير ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان، ولما قوي الإيمان وظهر الإيمان وقوته عام تبوك، صاروا يعاتبون من النفاق على ما لم يكونوا يعاتبون عليه قبل ذلك .. " (٢). حكم المنافقين: كان النبي ﷺ يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله ، وعلى هذا فحكمهم في الدنيا: أن تجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة. وأما حكمهم في الآخرة: فهم في الدرك الأسفل من النار، خالدون فيها وبئس المصير. وفي ذلك يقول المصنف في سياق الحكم على تاركي الصلاة الذين يصلون تارة ويدعون أخرى: "فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام، فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض -كابن أبي وأمثاله من المنافقين- فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى .. ". "وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل لا يشكون في نفاقه، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه -كابن أبي وأمثاله- ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه، وكانت تعصم دماؤهم، حتى تقوم البينة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته .. " (٣).

стр. 83

كيفية جهاد المنافقين: يذكر المصنف ﵀ أن الله أمر نبيه الكريم أن يجاهد الكفار والمنافقين وأن يغلظ عليهم، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣]. وجهاد الكافرين واضح للعيان، ولكن كيف يكون جهاد تلك الفئة التي تنتسب ظاهرًا إلى الإسلام، وتندس بين صفوف المسلمين تزرع الفتنة وتتربص بهم الدوائر، عليهم دائرة السوء؟ ويجيب على ذلك المصنف ﵀ بعد أن تساءل قائلاً: فإذا كان المنافق تجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر، فكيف يمكن مجاهدته؟ . "قيل: ما يستقر في القلب من إيمان ونفاق، لا بد أن يظهر موجبه في القول والعمل .. فإذا أظهر المنافق من ترك الواجبات، وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة، عوقب على الظاهر، ولا يعاقب على ما يعلم من باطن، بلا حجة ظاهرة" (١). ولكن التزام المنافقين بأحكام الإسلام الظاهرة لا ينفعهم أبداً، لأن القاعدة الإيمانية التي تقوم عليها تلك الأحكام، وتقبل بسببها الأعمال ليست موجودة عندهم، وقد أخبر الله عن المنافقين أنهم يصلون ويزكون وأنه لا يقبل منهم. وذكر الحافظ ابن كثير عن الحسن وقتادة ومجاهد أن جهاد المنافقين يكون بإقامة الحدود عليهم (٢)، وهذا قريب مما ذكره المصنف. وذكر كثير من السلف رضوان الله عليهم أن مجاهدة المنافقين تكون باللسان زجراً وتأنيباً، وإقامة الحجة عليهم (٣). يقول تلميذ المصنف الحافظ ابن قيم الجوزية ﵀: "وكذلك جهاد المنافقين، إنما هو بتبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر أهل الإسلام، قال

стр. 84

تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة، وورثة الرسل .. " (١). ويقول في موضع آخر: "وأما جهاد الكفار والمنافقين، فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس، وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان" (٢). ويبين المصنف في موضع آخر بعض الأسباب التي كانت تدعو النبي ﷺ إلى ترك معاقبة المنافقين، فيقول: "كان النبي ﷺ يمتنع من عقوبة المنافقين، فإن فيهم من لم يكن يعرفهم، كما أخبر بذلك (٣)، والذين كان يعرفهم لو عاقب بعضهم، لغضب له قومه، ولقال الناس. إن محمداً يقتل أصحابه، فكان يحصل بسبب ذلك نفور عن الإسلام، إذ لم يكن الذنب ظاهراً، يشترك الناس في معرفته .. " (٤). الكرامية يسمون المنافقين مؤمنين: يذكر شيخ الإسلام أنه لم يسبق لأحد من الفرق تسمية المنافق مؤمناً، إلا ما كان من الكرامية، فهم يسمون المنافقين مؤمنين، مع تسليمهم بأنهم معذبون في الآخرة، وهذه منازعة منهم في اسم المنافق لا في حكمه. لكن شيخ الإسلام بيّن خطأ من زعم أن الكرامية جعلوا المنافقين من أهل الجنة (٥). المنافق هو الزنديق: لقد بين شيخ الإسلام أن الزنديق الذي تكلم عنه الفقهاء من أرباب المذاهب هو المنافق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ .

стр. 85

حيث يقول: "والمقصود هنا أن الزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي ﷺ ، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن ديناً من الأديان كدين اليهود والنصارى، أو غيرهم، أو كان معطلاً جاحداً للصانع، والمعاد، والأعمال الصالحة" (١). الخلاف في قبول توبة الزنديق: اختلف الفقهاء ﵏ في قبول توبة الزنديق (المنافق) إذا عرف بالزندقة، ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته، هل تقبل توبته؟ . المسألة خلافية، ويهمنا في هذا المقام أن من الفقهاء من نظر إلى الأصل العام في قبول التوبة، وهو أن الله يقبل توبة كل تائب، مهما كان جرمه وخطيئته، ولذا قال هؤلاء بقبول توبته، ومنهم من رأى أن هذه مسألة خاصة، وهو أن الأمر فيها يقوم على المخادعة والتضليل، والتوبة في هذا المقام محل احتمال، فقد يكون المدفوع إلى ولي الأمر جن يظهر التوبة صادقًا، وقد يكون كاذبًا، وترجيح أحد الحالين ضرب من المحال، ولكن سابقته في الزندقة التي كان يحاول كتمانها تقضي بعدم قبول توبته، ولأنه يمكن أن يكون قد أظهر التوبة تقية، خوفاً من العقاب. يقول المصنف ﵀: "ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ الزنديق، وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلم الناس في الزنديق هل تقبل توبته في الظاهر، إذا عرف بالزندقة ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته؟ . فمذهب مالك وأحمد في أشهر الروايتين عنه وطائفة من أصحاب الشافعي وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة أن توبته لا تقبل. والمشهور من مذهب الشافعي قبولها كالرواية الأخرى عن أحمد وهو القول الآخر في مذهب أبي حنيفة، ومنهم من فصّل" (٢). والمصنف يميل في كتابه "الصارم المسلول على شاتم الرسول" وهو

стр. 86

من مؤلفاته المتقدمة -حيث ألفه سنة ٦٩٣ هـ- إلى عدم قبول توبة الزنديق حيث يقول فيه: "هذا الرجل قد قام الدليل على فساد عقيدته، وتكذيبه به (يعني: بالنبي ﷺ ) واستهانته به، فإظهار الإقرار برسالته الآن، ليس فيه أكثر مما كان يظهر قبل هذا، وهذا القدر بطلت دلالته، فلا يجوز الاعتماد عليه، وهذه نكتة من لا يقبل توبة الزنديق، وهو مذهب أهل المدينة، ومالك وأصحابه، والليث بن سعد، وهو المنصور من الروايتين عن أبي حنيفة، وهو إحدى الروايات عن أحمد، نصرها كثير من أصحابه، وعنهما يستتاب، وهو المشهور عن الشافعي .. " (١). ويقول في موضع آخر: "والزنديق هو المنافق، وإنما يقتله من يقتله إذا ظهر منه أنه يكتم النفاق، قالوا: ولا تعلم توبته، لأن غاية ما عنده أنه يظهر ما كان يظهر، وقد كان يظهر الإيمان وهو منافق، ولو قبل توبة الزنادقة لم يكن سبيل إلى تقتيلهم، والقرآن قد توعدهم بالتقتيل" (٢). ويقول الحافظ ابن القيم ﵀: "فهذا الزنديق قد قام الدليل على فساد عقيدته وتكذيبه واستهانته بالدين وقدحه فيه، فإظهاره الإقرار والتوبة بعد القدرة عليه ليس فيه أكثر مما كان يظهره قبل هذا، وهذا القدر قد بطلت دلالته بما أظهره من الزندقة، فلا يجوز الاعتماد عليه" (٣). وعند هذا الفريق من الفقهاء لا تقبل توبته في الظاهر، ويقام عليه حد الردة، وأما بينه وبين الله، فإن كان صادقاً قبلت توبته بلا خلاف.

стр. 87

المسألة الثالثة وجوب التفريق بين الحكم الظاهر والباطن هذا أصل عظيم قد قرره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وقد وقع بسبب الجهل به، أو إغفاله خطأ كبير. يقول ﵀: "فإن كثيراً ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر -لتكفير أهل الأهواء- لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ومن تدبر هذا علم أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمناً مخطئاً جاهلاً ضالًّا عن بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، وقد يكون منافقاً زنديقاً يظهر خلاف ما يبطن" (١). ويزيد المصنف هذه المسألة توضيحاً فيقول: "وبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة، فإن كثيراً من الفقهاء يظن أن من قيل هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا يرث لا يورث، ولا يناكح، حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام، مبطن للكفر، وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل من لا يشكون في نفاقه، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه -كابن أبي وأمثاله- ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت أتوهم ميراثه، وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم البينة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته" (٢). وهكذا استدل المصنف ﵀ على وجوب التفريق بين الحكم الظاهر والحكم الباطن، بما سبق أن ذكره من أحكام المنافقين، ومعاملته ﷺ لهم، فهم وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار بسبب كفرهم ونفاقهم، إلا إن دماءهم وأموالهم معصومة بما أظهروه من الإسلام.

стр. 88

ويقول بعد ذلك: "وبالجملة فاصل هذه المسائل أن تعلم أن الكفر نوعان، كفر ظاهر، وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام الآخرة، كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا، فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين" (١). فيجب التفريق بين الأمرين عند الحكم على الناس، بين الحكم في الدنيا والحكم في الآخرة. ويقول المصنف في موضع آخر: "فإن كثيراً من المتأخرين، ما بقي في المظهرين للإسلام عندهم إلا عدل أو فاسق، وأعرضوا عن حكم المنافقين، والمنافقون ما زالوا، ولا يزالون إلى يوم القيامة" (٢). ولذلك كان السلف رضوان الله عليهم يفرقون بين الحكم الظاهر والحكم الباطن، فقد روى الخلال بسنده عن وكيع عن سفيان الثوري قال: "الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث، نرجوا أن يكونوا كذلك، ولا ندري ما حالنا عند الله" (٣)، وذكر المصنف هذا الأثر في "الإيمان الكبير" (٤). ويقول الحافظ ابن القيم ﵀: "ولأن شرائع الإسلام على الأفعال الظاهرة، وأما حقائق الإيمان الباطنة، فتلك عيها شرائع الثواب والعقاب، فلّله تعالى حكمان: حكم في الدنيا على الرائع الظاهرة وأعمال الجوارح، وحكم في الآخرة على الظواهر والبواطن، ولهذا كان النبي ﷺ يقبل علانية المنافقين، ويكل أسرارهم إلى الله، فيناكحون، ويرثون ويورثون، ويعتد بصلاتهم في الدنيا، فلا يكون حكمهم حكم تارك الصلاة، إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة، وأحكام الثواب والعقاب، ليست إلى البشر، بل إلى الله، والله يتولاه في الدار الآخرة .. " (٥).

стр. 89

المسألة الرابعة الخلاف في مسمى الإيمان قد تقدم ذكر مذاهب الناس في الإيمان، وعلى العموم فالناس فيه فريقان: الفريق الأول: الذين يجعلون الأعمال من مسمى الإيمان. الفريق الثاني: الذي يخرجون الأعمال من مسمى الإيمان. فأهل السنة والجماعة، ومعهم الخوارج والمعتزلة هم الفريق الأول. وبقية الفرق وهم المرجئة من جهمية وكرامية وأشعرية وماتريدية ومرجئة الفقهاء هم الفريق الثاني. فالخوارج والمعتزلة وإن وافقوا أهل السنّة والجماعة في إدخال الأعمال في مسمى الإيمان، إلا أنهم خالفوهم في حكم مرتكب الكبيرة، حيث كفرته الخوارج، وحكمت عليه المعتزلة بأنه في منزلة بين المنزلتين، مع اتفاق الطائفتين على خلوده في النار. فالفرق بينهم وبين أهل السنَّة والجماعة في مرتكب الكبيرة أنهم سلبوه مطلق الإيمان، وأما أهل السنّة فلم يسلبوه سوى الإيمان المطلق. أولًا: أصل الخلاف في الإيمان، وسبب التفرق في مفهومه: يركز شيخ الإسلام ﵀ دائماً في الحديث عن تنكب فرق المبتدعة لهداية الكتاب والسنة، وعدولهم عن منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وفي هذا المعنى يقول عن المبتدعة في الإيمان: "وقد عدلت المرجئة في هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنّة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، واعتمدوا على رأيهم، وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة، وهذه طريقة أهل البدع، ولهذا كان الإمام أحمد يقول: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس، ولهذا نجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم، وما تأولوه من اللغة، ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي ﷺ والصحابة التابعين وأئمة المسلمين، فلا يعتمدون لا على السنّة، ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير

стр. 90

المأثورة والحديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعها رؤوسهم، وهذه طريقة الملاحدة أيضاً إنما يأخذون ما في كتب الفلسفة، وكتب الأدب واللغة ... وإذا تدبرت حججهم وجدت دعاوى لا يقوم عليها دليل ... " (١). يذكر شيخ الإسلام أن أصل مقالة الفرق المخالفة في الإيمان -سواء كان القائلون بأن الأعمال من الإيمان، أو الذين ينفونها من الإيمان- يقوم على شبهتين: الشبهة الأولى: اعتقادهم أن الإيمان كل لا يتجزأ، إما أن يوجد كله، وإما أن يذهب كله. يقول ﵀ عن هذه الشبهة: "أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذ ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه" (٢). الشبهة الثانية: أنه لا يجتمع في الإنسان كفر وإيمان. ويقول المصنف ﵀: "ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم في هذا، اعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر، أو ما هو إيمان وما هو كفر، واعتقدوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين" (٣) "وادعوا أن هذا خلاف الإجماع" (٤). فاعتبار الإيمان حقيقة واحدة، لا يتجزأ، ولا يتبعض، ولا يزول منه جزء، ويبقى منه جزء، إما أن يوجد كله، أو يذهب كله، كان هو الشبهة الأولى والأصل الفاسد الكبير الذي شيدت عليه أقوال أهل البدع في الإيمان. وكذلك القول بأنه لا يجتمع في العبد إيمان وبعض من الكفر، واعتبار هذا الأصل الفاسد، أصلاً مجمعاً عليه بين المسلمين، مع أن الصحيح هو أن إجماع سلف الأمة بخلافه. فالخوارج والمعتزلة -الذين يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان- قد

стр. 91

بنوا مذهبهم في تصور حقيقة الإيمان، وفي حكم مرتكب الكبيرة في ضوء هاتين الشبهتين الفاسدتين. وطوائف المرجئة من مرجئة الفقهاء وجهمية وكرامية وأشعرية وماتريدية -وهم متفقون على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان- قد أقاموا مذاهبهم في الإيمان على هاتين الشبهتين الفاسدتين أيضاً. يقول المصنف ﵀: "ثم قالت الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان، فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان، فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان. وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئاً واحداً، لا يتبعض، إما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة، قالوا: لأنا إذا أدخلنا يه الأعمال صارت جزءاً منه، فإذا ذهبت ذهب بعضه، فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج" (١)، فلهذا عمدوا إلى إخراج الأعمال من الإيمان. ويقول أيضاً في موضع آخر: "وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله، لم يبق منه شيء. ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث، قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار. وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئاً من الإيمان، إذ لو ذهب شيء منه يبق منه شيء، يكون شيئاً واحداً يستوي فيه البر والفاجر .. " (٢). وعلى هذا فنقول: إن الخوارج والمعتزلة خالفوا أهل السُّنّة والجماعة في الاسم

стр. 92

والحكم، فنزعوا عن صاحب الكبيرة اسم المؤمن، وكفرته الخوارج، وجعلته المعتزلة في منزلة دين المنزلتين. أما في الحكم فقد حكمت عليه كلا الطائفتين -كما سبق- بالخلود في النار. وأما المرجئة فقد خالفوا أهل السنَّة والجماعة في الاسم لا في الحكم، حيث يجعلون المرء مؤمناً ولو لم يعمل شيئاً قط، فهم قد نازعوا في اسم الإيمان، ومن يستحقه. أما في الحكم فقد أجازوا أن يعذب أهل الكبائر، غير أن شيخ الإسلام ﵀ يذكر أن هناك فرقتين من المرجئة نازعوا في ذلك، وهما: فرقة الواقفة التي توقفت في أهل الكبائر، وقالوا: لا نعلم أن أحداً منهم يدخل النار. وفرقة الغلاة الذين يجزمون أن النار لا يدخلها أحد منهم (١). أما الكرامية فيخالفون في الاسم لا في الحكم، فهم وإن سموا المنافقين مؤمنين، فإنهم يقولون إنهم مخلدون في النار. وأما الجهمية فقد خالفوا أهل السنَّة والجماعة في الاسم والحكم جميعاً (٢). ويلخص المصنف ﵀ ذلك بقوله: "وقول المعتزلة والخوارج والكرامية في اسم الإيمان والإسلام أقرب إلى قول السلف من قول الجهمية، لكن المعتزلة والخوارج يقولون بتخليد العصاة، وهذا أبعد، عن قول السلف من كل قول، فهم أقرب في الاسم وأبعد في الحكم، والجهمية وإن كانوا في قولهم: بأن الفساق لا يخلدون أقرب في الحكم إلى السلف، فقولهم في مسمى الإسلام والإيمان وحقيقتهما أبعد من كل قول عن الكتاب والسنّة .. " (٣).

стр. 93

وقد فهم علماء السلف الصالح رضوان الله عليهم شبهات المخالفين في الإيمان من قبل، وعرفوا أصولهم الفاسدة، وعلموا أن الإيمان عندهم شيء واحد، لا أكثر، لا يتجزأ، إما أن يذهب كله، وإما أن يبقى كله. ومن أجل ذلك فقد كانت مناظراتهم مع المرجئة -على سبيل المثال- تنصب محطمة هذه الأصول الفاسدة، وكاشفة لهذه الشبهات الباطلة. يذكر المصنف ﵀ أن الإمام أحمد قد بعث بجواب إلى أبي عبد الرحيم الجوزجاني في خرسان يتضمن ردوداً على المرجئة، ومن هذه الردود: "وأما من زعم أن الإيمان الإقرار، فما يقول في المعرفة؟ هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقاً بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار، فقد زعم أنه من شيئين، وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقراً ومصدقاً بما عرف، فهو من ثلاثة أشياء، وإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق، فقد قال قولاً عظيماً ولا أحسب أحداً يدفع المعرفة والتصديق، وكذلك العمل مع هذه الأشياء" (١). كما ينقل عن الإمام أبي ثور ﵀ قوله في رده على المرجئة: "فأما الطائفة التي ذهبت إلى أن العمل ليس من الإيمان، فيقال لهم: ماذا أراد الله من العباد إذ قال لهم: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، الإقرار بذلك أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل، فقد كفرت، وإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل، قيل: فإذا كان أراد منهم الأمرين جميعاً، لم زعمتم أنه يكون مؤمناً بأحدهما دون الآخر، وقد أرادهما جميعاً؟ أرأيتم لو أن رجلًا قال: أعمل جميع ما أمر به الله ولا أقر به، أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإن قال أقر بجميع ما أمر الله به، ولا أعمل به، أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: نعم، قيل: ما الفرق؟ فقد زعمتم

стр. 94

أن الله أراد الأمرين جميعًا، فإن جاز أن يكون أحدهما مؤمنًا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل به ولم يقر مؤمنًا. ." (١). ويعقب المصنف ﵀ على مناظرة الإمامين بقوله: "قلت: أحمد وأبو ثور وغيرهما من الأئمة كانوا قد عرفوا أصل قول المرجئة، وهو أن الإيمان لا يذهب بعضه ويبقى بعضه، فلا يكون إلا شيئًا واحدًا، فلا يكون ذا عدد اثنين أو ثلاثة، فإنه إذا كان له عدد، أمكن ذهاب بعضه وبقاء بعضه. . فلهذا صاروا يناظرونهم بما يدل على أنه ليس شيئًا واحدًا. ." (٢). ثانيًا: تقرير شبهتهم في الإيمان: بذكر المصنف أن من خالف في مسمى الإيمان يقولون: إن الحقيقة المركبة المكونة من أجزاء، تزول إذا زالت بعض أجزائها، ومثلوا لذلك بالرقم عشرة، ومركب السكنجبين، وغيرهما من المركبات (٣). فالعشرة إذا زال بعضها، لم تبق عشرة، فإذا زال منها واحد مثلًا، صارت تسعة، ولم تعد عشرة، والسكنجبين الذي يتكون من خل وعسل، إذا زال أحدهما، لم يبق سكنجبينًا؛ بل يصير إما خلاً أو عسلاً (٤). وبناء على هذا الأساس؛ فالإيمان إذا كان مركبًا من أقوال وأعمال، ظاهرة وباطنة، فإنه يزول إذا زالت بعض هذه الأقوال والأعمال. وهذا مأخذ كل من الخوارج والمعتزلة. وأما الجهمية والمرجئة فمأخذهم: أنه إذا كان الإيمان مركبًا من أقوال وأعمال -ومرتكب الكبيرة خارج عنه، كما تقوله الخوارج والمعتزلة، وهو قول فاسد- فإنه يلزم أن يكون الرجل مؤمنًا بما فيه من

стр. 95

الإيمان، كافرًا بما فيه من الكفر، فيقوم به كفر وإيمان، وادعت المرجئة أن هذا خلاف الإجماع. لذا كان إخراج الأعمال من الإيمان عندهم هو الطريق الصحيح، لتجنب قول الخوارج والمعتزلة من جهة، ولموافقة هذا الأصل الفاسد من جهة أخرى (١). ويزيد شيخ الإسلام ﵀ في توضيح شبهة من مغ من أهل البدع أن يجتمع في الرجل شعبة من إيمان وشعبة من كفر، وتداعيات هذه الشبهة. حين قال بعضهم: لا يجتمع في الرجل الواحد طاعة ومعصية، لأن الطاعة من الإيمان، والمعصية من الكفر، فلا يجتمع فيه كفر وإيمان، وقالوا: ما ثم إلا مؤمن محض، أو كافر محض. وهذا الأصل الفاسد الذي شيدت عليه المرجئة مذهبهم في الإيمان، وهو أنه لا يجتمع في الإنسان ما هو إيمان وما هو كفر -وزعموا أن الإجماع عليه- طرده كثير من أهل البدع، واستعملوه في بعض القضايا الفلسفية. فقد نقل بعض هؤلاء حكم الواحد من الناس إلى الواحد من الأعمال، فقالوا: لا يكون العمل الواحد محبوبًا من وجه، مكروهًا من وجه. وغلا بعضهم فنقله إلى الواحد بالنوع، فقال: لا يجوز أن يكون جنس السجود أو جنس الركوع أو غير ذلك من الأعمال بعض أنواعه طاعة، وبعض أنواعه معصية، وعلل ذلك بقوله: لأن الحقيقة الواحدة لا توصف بوصفين مختلفين، بل الطاعة والمعصية تتعلقان بأعمال القلوب، وهو ما يقصده الساجد أو الراكع، ولا علاقة لهما بالعمل الظاهر (٢).

стр. 96

وقال شيخ الإسلام في موضع آخر موضحًا بعض الآثار المترتبة على هذا الأصل الفاسد المتعلقة بالإيمان: "بل الخوارج والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد، وقالوا: لا يجتمع في الشخص الواحد طاعة يستحق بها الثواب، ومعصية يستحق بها العقاب، ولا يكون الشخص الواحد محمودًا من وجه، مذمومًا من وجه، ولا محبوبًا مدعوًا له من وجه، مسخوطًا ملعونًا من وجه، ولا يتصور أن الشخص الواحد يدخل الجنة والنار جميعًا عندهم، بل من دخل إحداهما لم يدخل الأخرى عندهم، ولهذا أنكروا خروج أحد من النار، أو الشفاعة في أحد من أهل النار، وحكي عن غالية المرجئة أنهم وافقوهم على هذا الأصل، لكن هؤلاء قالوا: إن أهل الكبائر يدخلون الجنة ولا يدخلون النار مقابلة لأولئك" (١). ثالثًا: الرد على شبهتم في الإيمان، وذلك من وجوه: وقد قام شيخ الإعلام رحمه الله تعالى بتفنيد شبهتهم التي تقوم على أن الإيمان حقيقة واحدة، إما أن يبقى كله، أو يذهب كله، وكان تفنيده في عدة وجوه: الأول: إن الحقيقة الجامعة لأمور أو أجزاء (كالمركبات) -أعيانًا كانت أو أعراضًا- إذا زال بعض أجزائها، لم يلزم من ذلك زوال سائر الأجزاء. والرد عليهم بما أوردوه من أمثلة، فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة، بل التسعة باقية، وكذلك إذا زال أحد جزئي السكنجبين لم يلزم من ذلك زوال الجزء الآخر. الثاني: إن هذه الحقيقة الجامعة لأمور أو أجزاء إذا زال بعض أجزائها، فإن صورتها المجتمعة، وهيئتها الاجتماعية قد زالت. وبالتالي فإن الاسم الذي كان يطلق عليها بسبب هذه الأجزاء المجتمعة قد زال، كما زال اسم العشرة، واسم السكنجبين.

стр. 97

الثالث: أن هذه الحقيقة، أو تلك المركبات لم تبق كما كانت، ولم تعد على تركيبها، كالشجرة إذا زال بعض أجزائها، لم تبق كما كانت قبل زوال تلك الأجزاء. والإيمان والصلاة والحج من هذا الباب، فإذا زال بعضها لم تبق كما كانت قبل زوال بعضها. ولكن لا يلزم -كما سبق- من زوال بعضها أن تزول بقية أجزائها. الرابع: هل يلزم من زوال بعض أجزاء المركبات زوال اسمها؟ . والجواب: أن المركبات في ذلك على قسمين: قسم: ما يكون التركيب فيها شرطًا في إطلاق الاسم عليها. فإذا زالت بعض أجزاء التركيب، زال الاسم بزوالها، ومثال ذلك اسم العشرة واسم السكنجيين، واسم الإيمان المطلق إذا نظرنا إلى أنه مركب من قول وعمل. وقسم: ما لا يكون التركيب فيها شرطًا في الاسم. فهذه المركبات لا يزول الاسم عنها بزوال بعض أجزائها، لأن التركيب فيها ليس شرطًا في إطلاق الاسم عليها. والأمثلة على هذا القسم كثيرة، "وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب، وكذلك المخلفة الأجزاء" (١). ومن الأمثلة على هذا القسم: العباد، والطاعة، والخير، والبر، والإحسان، والصدقة، والعلم، مما يدخل فيه أمور كثيرة، ويتكون من أجزاء عديدة، فإن الاسم في هذه الأشياء يطلق على القليل منها وعلى الكبير، ويطلق الاسم أيضًا عليها إذا زالت بعض أجزائها، وبقيت أجزاء أخرى منها. ومن ذلك لفظ القرآن، فإنه يطلق على جميع القرآن، ويطلق على بعضه، ولو نزل قرآن أكثر من هذا لسمي قرآنًا.

стр. 98

وكذلك لفظ القول والكلام والذكر والدعاء، يطلق على القليل والكثير. وكذلك لفظ البحر والنهر والمدينة والقرية، يطلق عليها الاسم حتى ولو نقصت بعض أجزائها. وكذلك لفظ النبات والحيوان والإنسان، لو قطع شيء من النبات، أو من الحيوان، أو من الإنسان، لسمي المقطوع منه نباتًا وحيوانًا وإنسانًا. وهكذا نرى أنَّ كثيرًا من المركبات، إذا زالت بعض أجزائها، لا تزول أجزاؤها الأخرى، ولا يزول الاسم عنها بزوال بعض أجزائها. وعلى هذا فلا يصح قولهم: إن الشيء إذا زال جزء منه، لزم أن يزول الاسم، إذا أمكن أن يبقى الاسم مع بقاء الجزء الثاني. الخاص: اسم الإيمان من القسم الثاني من المركبات، التي يطلق الاسم فيها على قليله وغيره، باعتبار أن الإيمان بضع وسبعون شعبة، وعلى هذا لا يلزم أن يزول الإيمان كلها إذا زال بعض أجزائه، ولا يلزم أيضًا أن يزول اسم الإيمان بالكلية بزوال بعض الأجزاء. ففي الحديث الصحيح: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان". ومعلوم أنه إذا زالت الإماطة، لم يزل اسم الإيمان. وفي الحديث الآخر ﷺ : "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان". فأخبر في هذا الحديث أنه يتبعض، وأنه يذهب بعضه، ويبقى بعضه (١). السادس: الإيمان له كمالان: كمال واجب، وكمال مستحب. كالصلاة والحج، فالصلاة فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال

стр. 99

الاستحباب، وفيها أجزاء واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب. والحج فيه أجزاء ينقص بزوالها عن كماله الواجب، ولا يبطل بتركها؛ كرمي الجمار، والمبيت بمنى، وكير ذلك؛ وفيه أجزاء ينقص بزواله عن كماله المستحب. فتبين أن المركبات من القسم الثاني، لها كمال واجب، وكمال مستحب، بحسب الأجزاء الناقصة منها (١). السابع: ليس للإيمان حقيقة واحدة، مثل حقيقة السواد والبياض؛ بل الإيمان -وكذلك الكفر- يختلف بسبب عدة أمور: منها: اختلاف حال المكلف، واختلاف بلوغ التكليف له، وزوال الخطاب الذي به التكليف. وتفصيل ذلك بما يلي: ١ - في بداية الدعوة كان الإيمان تامًا بما نزل فقط، فمن آمن قبل أن تفرض الصلوات الخمس، كان مؤمنًا تام الإيمان، ومن آمن بعد فرضها، وقبل أن يفرض الصيام كان أيضًا مؤمنًا تام الإيمان، ومن آمن قبل أن تحرم الخمر، ويحرم الربا كان مؤمنًا تام الإيمان، مع أن مثل هذا الإيمان لا يقبل بعد نزول الفرائض، وتحريم هذه الأمور، واكتمال الدين، الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. ٢ - بعد إكمال الدين، كما بلغ الإنسان شيء من الدين وجب عليه الإيمان به، وما لم يبلغه، ولم يمكنه معرفته، فلا يجب عليه، فصار الإيمان يختلف هنا بحسب حال المكلف. ٣ - إذا آمن الإنسان ثم مات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال، فقد مات كامل الإيمان الذي وجب عليه.

стр. 100

٤ - ومن ذلك أن الأمر يختلف بحسب القدرة والعجز، فيجب على القادر مثلاً من واجبات الإيمان ما لا يجب على العاجز. والخلاصة: أن ما يجب من الإيمان يختلف باختلاف نزول الوحي من السماء، وباختلاف حال المكلف في البلاغ وعدمه (١). ويقول المصنف بعد ذلكم: "فمن المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ما يجب عليه دون بعض، كان قد تبعض ما أتى فيه من الإيمان، كتبعض سائر الواجبات" (٢). وكل هذه الأمور من الأدلة على أن الإيمان يتبعض، وأنه ليس كلاً لا تجزأ، وأنه يذهب بعضه، ويبقى بعضه، وأنه كذلك يزيد وينقص. ويقول المصنف في موضع آخر: "وذلك أن أصل أهل السنّة أن الإيمان يتفاضل من وجهين: من جهة أمر الرب، ومن جهة فعل العبد. أما الأول: فإنه ليس الإيمان الذي أمر به شخص من المؤمنين هو الإيمان الذي أمر به كل شخص، فإن المسلمين في أول الأمر كانوا مأمورين بمقدار من الإيمان، ثم بعد ذلك أمروا بغير ذلك، وأمروا بترك ما كانوا مأمورين به كالقبلة، فكان من الإيمان في أول الأمر الإيمان بوجوب استقبال بيت المقدس، ثم صار من الإيمان تحريم استقباله ووجوب استقبال الكعبة، فقد تنوع الإيمان في الشريعة الواحدة. وأيضًا فمن وجب عليه الحج والزكاة أو الجهاد يجب عليه من الإيمان أن يعلم ما أمر به ويؤمن بأن الله أوجب عليه ما لا يجب على غيره إلا مجملاً، وهذا يجب عليه الإيمان المفصل، وكذلك الرجل أول ما يسلم إنما يجب عليه الإقرار المجمل، ثم إذا جاء وقت الصلاة كان عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها، فلم يتساو الناس فيما أمروا به من الإيمان، وهذا من أصول غلط المرجئة، فإنهم ظنوا أنه شيء واحد، وأنه يستوي فيه جميع المكلفين، فقالوا: إيمان الملائكة والأنبياء وأفسق الناس سواء، كما

стр. 101

أنه إذا تلفظ الفاسق بالشهادتين، أو قرأ فاتحة الكتاب كان لفظه كلفظ غيره من الناس. . . . والنوع الثاني هو تفاضل الناس في الإتيان به مع استوائهم في الواجب، وهذا هو الذي يظن أنه محل النزاع، وكلاهما محل النزاع، وهذا أيضًا يتفاضلون فيه، فليس إيمان السارق والزاني والشارب كإيمان غيرهم، ولا إيمان من أدى الواجبات كإيمان من أخل ببعضها. . " (١). الثامن: قد تكون بعض الأجزاء المتروكة شرطًا في الأجزاء الأخرى، كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه، أو آمن ببعض الرسل وكفر ببعضهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. وقد تكون تلك الأجزاء المتروكة ليست شرطًا في وجود الأجزاء الأخرى، ومن ذلك الأمثلة الكثيرة التي ذكرناها سابقًا، كالعلم والخير والدعاء (٢). التاسع: قد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، ويجتمع فيه أيضًا بعض شعب الإيمان، وبعض شعب من الكفر، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ : "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها. . ". وقوله ﷺ : "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق". وقوله ﷺ : "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". وقوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" (٣).

стр. 102

ولكننا ننبه -وقد سبق ذلك- إلى أن هناك كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، فالكفر كفران، كفر أصغر وكفر أكبر، والنفاق نفاقان أيضًا، نفاق أصغر ونفاق أكبر. وبالتالي فإننا نخرج بعد كل هذه الردود باستخلاص قاعدتين هامتين وهما: القاعدة الأولى: أن شعب الإيمان ليست متلازمة في الانتفاء (١): وهذه القاعدة فيها رد على المعتزلة والخوارج، الذين يزعمون أن شعب الإيمان متلازمة تمامًا في الانتفاء، بمعنى إذا انتفت بعضها وزالت، انتفى بعضها الآخر، وزال. ولكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها، فإن من شعب الإيمان إذا انتفت انتفت بقية الشعب، وبالتالي ينتفي الإيمان كله. القاعدة الثانية: أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف . فإذا قوي ما في القلب من التصديق والمحبة لله ورسوله أوجب ذلك بغض أعداء الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾. فهذا تلازم بين شعب الإيمان عبد القوة. وأما عدم التلازم عند الضعف، فقد يحصل للرجل بعض مودة لأعداء الله بسبب رحم أو حاجة أو غير ذلك، فلا يكفر به، ويكون ذلك منه ذنبًا ينقص به إيمانه، كما وقع لحاطب بن أبي بلتعة حين كاتب المشركين ببعض أخبار النبي ﷺ ، وأنزل الله فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (٢).

стр. 103

العاشر: أن الشارع الحكيم ينفي اسم الإيمان عن الشخص لانتفاء كماله الواجب، فإن كان معه بعض أجزائه. كما نفى الإيمان عن بعض أهل الكبائر من الذنوب في الحديث الصحيح: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". والمعنى هنا أن الشارع ينفي الإيمان المطلق عمن ارتكب شيئًا من هذه الكبائر، ومن انتفى عنه الإيمان المطلق، فقد انتفى عنه الأمن المطلق، وهو متعرض للوعيد في الآخرة. أو -كما سيأتي- أن هذا العاصي خرج من الإيمان إلى الإسلام. وعلى ذلك تحمل النصوص الواردة في هذا الباب، كقوله ﷺ : "من غشنا فليس منا، ومن حمل السلاح علينا فليس منا". فليس المعنى أنه خرج بالكلية من الإيمان، وصار كافرًا -كما تقول الخوارج، أو في منزلة بين المنزلتين، كما قالت المعتزلة- ولكن المعنى أنه خرج من الإيمان المطلق الذي يتناول النبي ﷺ ، والمؤمنين معه، الذين يستحقون به الثواب بلا عقاب (١). رابعًا: الرد التفصيلي على آراء الفرق في الإيمان: أولًا: الرد على الخوارج: يرد عليهم المصنف بما حكموا به في مرتكب الكبيرة بقوله: "ومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنّة: ١ - فإن الله سبحانه أمر بقطع يد السارق دون قتله، ولو كان كافرًا مرتدًا لوجب قتله، لأن النبي ﷺ قال: "من بدل دينه فاقتلوه". ٢ - وقال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس يقتل بها".

стр. 104

٣ - وأمر سبحانه أن يجلد الزاني والزانية مائة جلدة، ولو كانا كافرين لأمر بقتلهما. ٤ - وأمر سبحانه بأن يجلد قاذف المحصنة ثمانين جلدة، ولو كان كافرًا لأمر بقتله. ٥ - وكان النبي ﷺ يجلد شارب الخمر ولم يقتله. ٦ - وأيضًا فإن الله سبحانه قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ فقد وصفهم بالإيمان والأخوة وأمرنا بالإصلاح بينهم" (١). ثانيًا: الرد على المعتزلة: أما المعتزلة فيرد عليهم ﵀ بقوله: وهؤلاء يرد عليهم بمثل ما ردوا به على الخوارج. ١ - فيقال لهم: كما أنهم "يعني: الخوارج" قسموا الناس إلى مؤمن لا ذنب له، وكافر لا حسنة له، قسمتم الناس إلى مؤمن لا ذنب له، وإلى كافر وفاسق لا حسنة له، فلو كانت حسنات هذا كلها محبطة وهو مخلد في النار، لاستحق المعاداة المحضة بالقتل والاسترقاق، كما يستحقها المرتد، فإن هذا قد أظهر دينه بخلاف المنافق .. ٢ - وأيضًا فقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في أنه يخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي ﷺ يشفع في أقوام دخلوا النار. . . ٣ - وأيضًا فإن النبي ﷺ قد شهد لشارب الخمر المجلود مرات بأنه يحب الله ورسوله، ونهى عن لعنته، ومعلوم أن من أحب الله ورسوله أحبه الله ورسوله بقدر ذلك. . .

стр. 105

٤ - وأيضًا فإن الذين قذفوا عائشة أم المؤمنين كان فيهم مسطح بن أثاثة، وكان من أهل بدر، وقد أنزل الله فيه لما حلف أبو بكر أن لا يصله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. ٥ - وكذلك حاطب بن أبي بلتعة كاتب المشركين بأخبار النبي ﷺ ، فلما أراد عمر قتله، قال النبي ﷺ : "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (١). وقد ذكر المصنف ﵀ فائدة في موضع آخر وهي أن المعتزلة لما ظهر لهم ضعف قول الخوارج في الحكم بكفر مرتكب الكبيرة خالفوهم في أحكام الدنيا، فحكموا بأنه في منزلة بين المنزلتين، ولم يستحلوا دمه وماله كما صنعت الخوارج (٢). ثالثًا: الرد على الكرامية: يذكر شيخ الإسلام ﵀ أن قول الكرامية في الإيمان: "بدعة ابتدعوها مخالفة للكتاب والسنّة وإجماع سلف الأمة، وهذه الدعة الشنعاء هي التي انفرد بها الكرامية دون سائر مقالاتهم" (٣). فكيف يعتبرون المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار مؤمنين كاملي الإيمان -مع تسليمهم على الصحيح بأنهم مخلدون في النار- بالتلفظ بالقول فقط. ويرد المصنف على الكرامية بقوله: ١ - "وقد احتج الناس على فساد قول الكرامية بحجج صحيحة .. مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ قالوا: فقد نفى الإيمان عن المنافقين، فنقول: هذا حق، فإن المنافق ليس بمؤمن، وقد ضل من سماه مؤمنًا" (٤).

стр. 106

٢ - ويقول ﵀ في موضع آخر: "وبعض الناس يحكي عنهم أن من تكلم به (يعني: بالإيمان) بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون: إنه مؤمن كامل الإيمان، وأنه من أهل النار، فيلزمهم أن يكون المؤمن الكامل الإيمان معذبًا في النار، بل يكون مخلدًا فيها، وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه: "يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان". وإن قالوا: لا يخلد وهو منافق، لزمهم أن يكون المنافقون يخرجون من النار، والمنافقون قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾، وقد نهى الله نبيه عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم وقال له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. ٣ - فإن قالوا: هؤلاء قد كانوا يتكلمون بألسنتهم سرًا فكفروا بذلك، وإنما يكون مؤمنًا إذا تكلم بلسانه ولم يتكلم بما ينقضه، فإن ذلك ردة عن الإيمان، قيل لهم: لو أضمروا النفاق ولم يتكلموا به كانوا منافقين قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾، وأيضًا قد أخبر الله عنهم أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم وأنهم كاذبون، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ (١). رابعًا: الرد علي مرجئة الفقهاء: لا بد أن نشير أولًا إلى أن هذه البدعة -يعني الإرجاء، وهي إخراج الأعمال من مسمى الإيمان- قد قال بها طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، وكانت هذه البدعة عندهم لم تبرح الجانب النظري في حياتهم، أما الجانب العملي فلم يتأثر بها مطلقًا، حيت كانوا يوصون بالأعمال، وهم أنفسهم كانوا من أكثر الناس عبادة وعملاً، ولكن هذا القول كان بعد ذلك ذريعة

стр. 107

إلى ظهور الفسق، وموطئًا لإرجاء الجهمية الغالي، "فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببًا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في الإرجاء" (١). ويوضح شيخ الإسلام مذهب المرجئة الفقهاء الذين يقولون: إن الأعمال ليست من الإيمان، وما يترتب على ذلك، فيقول: "إن الإيمان يزيد، بمعنى أنه كما أنزل الله آية واجب التصديق بها، فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي قبله، لكن بعد إكمال ما أنزل الله، ما بقي الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان الناس كلهم سواء، إيمان السابقين الأولين كأبي بكر وعمر، وإيمان أفجر الناس، كالحجاج وأبي مسلم الخراساني وغيرهما. . " (٢). غير أن شيخ الإسلام -وهو من هو في إنصاف المخالفين- يبين أن لهؤلاء أدلة شرعية أخطأوا في فهمها، وغلطوا في الاستدلال بها، واشتبه الأمر عليهم بسببها، ومن هذا الأدلة: ١ - أن الله قد فرّق في كتابه بين الإيمان والعمل، فقال في غير موضع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وما دام أنه قد عطف الأعمال الصالحة على الإيمان، ففي هذا دليل على أن الأعمال ليست من الإيمان، لأن العطف يقتضي المغايرة. ٢ - أن الله سبحانه قد خاطب الإنسان بالإيمان قل وجود الأعمال، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. ٣ - قالوا: لو أن رجلًا آمن بالله ورسوله ضحوة، ومات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال لمات مؤمنًا، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان (٣).

стр. 108

ويرد شيخ الإسلام على هذه الأدلة بما يلي: أولاً: أما قولهم إن الله قد فرق بين الإيمان والعمل فهذا صحيح، وقد أفاض ﵀ في بيان أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها، وقد يقرن الله به الأعمال، ونظائر ذلك كثيرة. ويقول ﵀ موضحًا لتلك القضية: "والمرجئة أخرجوا العلم الظاهر عن الإيمان، فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضًا وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بين، ومن قصد إخراج العمل الظاهر، قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن، فبقي النزاع في أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن، أو لازم لمسمى الإيمان؟ . والتحقيق أنه تارة يدخل في الاسم، وتارة يكون لازمًا للمسمى -بحسب إفراد الاسم واقترانه- فإذا قرن الإيمان بالإسلام كان مسمى الإسلام خارجًا عنه، كما في حديث جبريل، وإن كان لازمًا له، وكذلك إذا قرن الإيمان بالعمل، كما في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فقد يقال: اسم الإيمان لم يدخل فيه العمل، فإن كان لازمًا له، وقد يقال: بل دخل فيه وعطف عليه عطف الخاص على العام" (١). ويقول ﵀ في موضع آخر: "وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها، وقد يقرن به الأعمال، وذكرنا نظائر لذلك كثيرة، وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولاً للملزوم واللازم، وإن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال، فإنه أريد أنه لا يكتفي لإيمان القلب، بل لا بد معه من الأعمال الصالحة" (٢).

стр. 109

فتبين أن ذكر الأعمال بعد الإيمان هي من باب عطف الخاص على العام. وعلى هذا فالأمر -كما يفهم من كلام شيخ الإسلام- في هذه الصورة لا يخلو من حالين: إما أن يكون هذا الخاص (الأعمال) داخلاً في العام (الإيمان)، فيكون مذكورًا مرتين. إما أن يكون عطفه عليه يقضي أنه ليس داخلاً فيه هنا، وإن كان يدخل فيه منفردًا، كما هو الحال في الشهادتين، ولفظ الفقير والمسكين، وغيرها من الألفاظ التي تتنوع دلالاتها بالإفراد والاقتران (١). ثانيًا: وأما قولهم: إنهم خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال، "فنقول: إن قلتم: إنهم خوطبوا به قبل أن تجب تلك الأعمال، فقبل وجوبها تكن من الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم، قبل أن يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه، فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين" (٢). ثالثًا: وأما قولهم إن من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمنًا ودخل الجنة "فصحيح، لأنه أتى بالواجب عليه، والعمل لم يكن وجب عليه بعد" (٣). كما يرد على هؤلاء بإجماع السلف الصالح قاطبة رضوان الله عليهم، أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي. خامسًا: الرد على الجهمية والأشاعرة والماتريدية: قد سبق أن مذهب هؤلاء في الإيمان أنه المعرفة والتصديق، ونحن نذكر في هذا المقام كلام أحد أئمتهم، وهو القاضي أبو بكر الباقلاني،

стр. 110

حيث يقول: "فإن قال قائل: خبرونا ما الإيمان عندكم؟ قلنا: الإيمان هو التصديق بالله تعالى، وهو العلم والتصديق يوجد بالقلب فإن قال قائل: وما الدليل على ما قلتم؟ . قيل له: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن وبعثة النبي ﷺ هو التصديق، لا يعرفون في لغتهم إيمانًا غير ذلك. ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي: ما أنت بمصدق لنا. . فوجب أن يكون الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة، لأن الله ما غير لسان العرب ولا قلبه، ولو فعل ذلك لتواترت الأخبار بفعله، وتوفرت دواعي الأمة على نقله، ولغلب إظهاره، وإشهاره على طيه وكتمانه، وفي علمنا بأنه لم يفعل ذلك، بل أقر أسماء الأشياء والتخاطب بأسره على ما كان فيها دليل على أن الإيمان في الشرع هو الإيمان اللغوي" (١). الرد الإجمالي: ويجيب شيخ الإسلام عن ذلك بأجوبة مختصرة، منها ما يلي: ١ - أن الإيمان في اللغة ليس مرادفًا لتصديق، وإنما هو بمعنى الإقرار. ٢ - أن الإيمان فإن كان في اللغة هو التصديق، فالتصديق يكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما قال النبي ﷺ : "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه". ٣ - أن الإيمان -إن ثبت ذلك- فليس هو مطلق التصديق، بل هو تصديق خاص مقيد بقيود اتصل اللفظ بها. ٤ - أن الإيمان وإن كان هو التصديق، فالتصديق التام الذي يقوم بالقلب يستلزم -ولا بد- الواجب من أعمال القلوب والجوارح، فإنها لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم.
следующие страницы →