← Акыда

Акыда · id 20587

الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي

ابن تيمية

Полный текст (658 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يقول المصنف ﵀: "فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعًا بغير كره، بل من تكلم بكلمات الكفر طائعًا غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافر باطنًا وظاهرًا" (١). ويقول أيضًا: "فالقلب إذا كان معتقدًا صدق الرسول، وأنه رسول الله، وكان محبًا لرسول الله معظمًا له، امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه، فلا يتصور ذلك منه إلا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته، فعلم بذلك أن مجرد اعتقاده أنه صادق، لا يكون إيمانًا إلا مع محبته وتعظيمه بالقلب" (٢). ويقول في موضع آخر: "وأيضًا فإنه سبحانه استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله، لم يستثن منه المكره، لأن الإكراه على ذلك ممتنع، فعُلم أن التكلم بالكفر كفر، لا في حال الإكراه. . . " (٣). ويقول الحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: "وأما الكفر الأكبر، فخمسة أنواع: كفر تكذيب. وكفر استكبار وإباء، مع التصديق. وكفر إعراض. وكفر شك. وكفر نفاق. فأما كفر التكذيب: فهو اعتقاد كذب الرسل، وهذا القسم قليل في الكفار. . . وأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله، ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقد له إباءًا واستكبارًا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل.

стр. 177

أما كفر الإعراض: فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدقه، ولا يكذبه، ولا يواليه، ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة. وأما كفر الشك، فإنه لا يجزم بصدقه، ولا يكذبه، بل يشك في أمره. وأما كفر النفاق، فهو أن يظهر بلسانه الإيمان، وينطوي قلبه على التكذيب. . " (١). ٨ - أن حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة في الدنيا، أنه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، ولا يخرج من الإيمان إلى الكفر، بل يقولون: إن صاحب الكبيرة خرج من الإيمان إلى الإسلام، وأما في الآخرة فهو في مشية الله ، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له (٢). يقول المصنف ﵀: "وبتحقيق هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع، ويعلم أن في المسلمين قسمًا، ليس هو منافقًا محضًا في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، ولا من الذين قيل فيهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]، فلا هم منافقون، ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقًا، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل له طاعات ومعاصٍ، وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في النار، وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار، وهذا القسم قد يسميه بعض الناس: الفاسق الملي. . " (٣).

стр. 178

ويقول في موضع آخر عن حكم مرتكب الكبيرة: "وهل يطلق عليه اسم مؤمن؟ هذا فيه القولان، والصحيح التفصيل، فإذا سئل عن أحكام الدنيا، كعتقه في الكفارة، قيل: هو مؤمن، وكذلك إذا سئل عن دخوله في خطاب المؤمنين. وأما إذا سئل عن حكمه في الآخرة، قيل: ليس هذا النوع من المؤمنين الموعودين بالجنة، بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار، ويدخل به الجنة بعد أن يعذب في النار، إن لم يغفر الله له ذنوبه، ولهذا قال من قال: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته" (١). ٩ - أنه لا بد أن يدخل النار جمع من أهل القبلة، ثم يخرجون منها، كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ (٢). ويقول ﵀: "بل السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص، من أنه لا بد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة، ثم يخرجون منها" (٣). ١٠ - أن النبي ﷺ يشفع لأهل الذنوب يوم القيامة، كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة (٤). وشفاعته ﷺ لقوم استحقوا دخول النار، فلا يدخلونها، ولقوم يخرجون منها بعد أن دخلوها (٥). ١١ - أن الإيمان له شعب كثيرة، منها ما يزول الإيمان بزوالها، كالشهادتين (٦) ومنها من لا يزول الإيمان بزواله، كإماطة الأذى عن الطريق على سبيل المثال (٧). ويقول ﵀ في موضع آخر شارحًا لحقيقة الإيمان: "ثم هو في

стр. 179

الكتاب بمعنيين: أصل وفرع واجب. . وهو مركب من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصًا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة، فالناس فيه ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق، كالحج". ويقول الحافظ ابن القيم ﵀: "إن الإيمان عند جمهور أهل السنّة له شعب متعددة، كما أخبر بذلك أعلم الخلق ﷺ في حديث شعب الإيمان" (١). وكما أن الإيمان شعب وأجزاء، فكذلك الكفر، يقول الحافظ ابن القيم: "الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر" (٢). ١٢ - أنه يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر (٣). والمعنى: يجتمع إيمان مع نفاق أصغر، أي: عملي، ويجتمع إيمان وكفر أصغر لا ينقل عن الملة، أما الإيمان والكفر الأكبر، والإيمان والنفاق الأكبر، فلا يجتمعان في قلب عبد قط، لأن الإيمان والكفر الأكبر متضادان، إذا وُجد أحدهما بطل الآخر. ١٣ - ليس من شرط الإيمان وجود العلم التام (٤)، ولهذا كان الصواب أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته، لا يكون صاحبه كافرًا، إذا كان مقرًا بما جاء به الرسول ﷺ ، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه (٥).

стр. 180

١٤ - أن الإيمان المطلق هو الذي يتناول القول المطلق، والعمل المطلق، أي يتناول قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح (١). فهو يتناول فعل الواجبات، وترك المحرمات (٢). وهو الذي يستحق به المؤمن الثواب بلا عقاب، والوعد بالجنة (٣)، وإذا أطلق فإنه يشمل الأعمال الظاهرة والباطنة (٤). ١٥ - أن الإيمان الواجب يختلف باختلاف حال نزول الوحي من السماء، وبحال المكلف في البلاغ وعدمه (٥). ١٦ - أن العمل الظاهر لا يكون مستلزمًا للإيمان، ولا لازمًا له، بل يوجد معه تارة، ومع نقيضه تارة، فالعمل الظاهر ليس مستلزمًا لإيمان الباطن، وذلك كما في أعمال المنافق، وعلى العكس من ذلك تمامًا، فإذا وجد الإيمان الباطن وجدت الأعمال الظاهرة بحسبه (٦). ١٧ - أن أصل الإيمان في القلب، والأعمال والأقوال الظاهرة من لوازمه التي لا تنفك عنه، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (٧). ١٨ - أن اسم الإيمان يطلق تارة على ما في القلب من الأقوال القلبية والأعمال القلبية، وتكون الأعمال الظاهرة من لوازمها التي لا تنفك عنها، وتارة يطلق اسم الإيمان على ما في القلب والبدن جميعًا. وسبب ذلك أن الاسم الواحد تختلف دلالته بالإفراد والاقتران، فإذا أفرد اسم الإيمان دخلت فيه الأعمال الظاهرة، أما إذا قرن بالإسلام أو بالعمل الصالح فإن الإيمان بطلق في تلك الحال على ما في القلب (٨).

стр. 181

١٩ - أن من لا يكلم بالشهادتين مع القدرة عليهما، فهو كافر باطنًا وظاهرًا باتفاق المسلمين. وفي هذا بقول المصنف ﵀: "وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانًا جازمًا امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام" (١). ويقول أيضًا: "فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة، فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطنًا وظاهرًا، عند سلف الأمة وأئمتها، وجماهير علمائها. . " (٢). ويقول في موضع آخر: "وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر. . " (٣). ٢٠ - أن الشارع ينفي اسم الإيمان عن الشخص، لانتفاء كماله الواجب، وإن كان معه بعض أجزائه (٤). فالزاني مثلًا حين يزني يكاد يكون عمل قلبه مفقودًا، ولكن قول القلب وهو التصديق عنده موجود (٥). ويقول ﵀ في موضع آخر: "كذلك الزاني والسارق والمنتهب، لم يعدم الإيمان الذي به يستحق أن لا يخلد في النار , وبه ترجى له الشفاعة والمغفرة، وبه يستحق المناكحة والموارثة، لكن عُدم الإيمان الذي به يستحق النجاة من العذاب، ويستحق به تكفير السيئات، وقبول الطاعات، وكرامة الله ومثبوته، وبه يستحق أن يكون محمودًا مرضيًا" (٦).

стр. 182

٢١ - أن الرجل قد يكون مسلمًا لا مؤمنًا، ولا منافقًا مطلقًا، بل يكون معه أصل الإيمان دون حقيقته الواجبة (١). كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. وقوله ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ (أو مسلم! ! )، حين قال سعد: "يا رسول الله أعطيت فلانًا، وتركت فلانًا، وهو مؤمن" (٢). ٢٢ - لم يثبت المدح في الكتاب والسنة إلا على إيمان معه العمل، لا على إيمان خالٍ عن عمل (٣). ٢٣ - أن اسم الإسلام يجري على المنافقين في الظاهر، لأنهم استسلموا ظاهرًا، بما أتوا به من الأعمال الظاهرة، وأما في الآخرة فهم في الدرك الأسفل من النار (٤). ٢٤ - أن الكفر كفران: كفر ظاهر، وكفر باطن، أو كفر نفاق، من هنا فقد يحكم للشخص في الظاهر بالإسلام، وهو في الآخرة كافر من أهل النار، كالمنافقين (٥). ٢٥ - أن الدين ثلاث مراتب: أعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، وأدناها الإسلام، فمن حقَّق درجة الإحسان، فهو سابق بالخيرات بإذن ربه، ومن حقق الدرجة الثانية، وهي الإيمان، فهو مقتصد، ومن حقق الإسلام فهو ظالم لنفسه: "وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب، لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن، فإنه معرض للوعيد. . " (٦).

стр. 183

كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]. ٢٦ - أن الإيمان أفضل من الإسلام، وأن الإسلام يفترق عن الإيمان، فإذا اجتمعا افترقا، وكان الإسلام هو الأعمال الظاهرة، وكان الإيمان هو الأعمال الباطنة، وإذا افترقا اجتمعا، فإذا ذكر الإسلام دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان دخل فيه الإسلام (١). ٢٧ - أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد في الآخرة بنحو عشرة أسباب: الأول: التوبة. الثاني: الاستغفار. الثالث: الحسنات الماحية. الرابع: دعاء المؤمنين للعبد، وصلاتهم على جنازته. الخامس: ما يعمل للميت من أعمال البر، كالصدقة والحج ونحوهما. السادس: شفاعة النبي ﷺ . السابع: المصائب التي يكفّر الله بها الخطايا. الثامن: ما يقع في القبر من الفتنة والضغطة والروعة. التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها. العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب (٢). ٢٨ - أن هنالك نزاعًا في تكفير تارك الأركان الأربعة (الصلاة والزكاة والصيام والحج) أو أحدها بين علماء السلف ﵁.

стр. 184

فبعضهم قال: إن الإنسان يكفر بترك واحد من الأربعة، حتى الحج إن عزم على تركه بالكية. وبعضهم قال: إنه لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهذا هو أشهر الأقوال. وقال آخرون: إنه يكفر بترك الصلاة والزكاة. وقال غيرهم: إنه يكفر بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها. وقال كثير من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي: لا يكفر بترك شيء من ذلك ما دام مقرًا بوجوبها (١). ونود أن نشير في هذا المقام إلى قضيتين هامتين: الأولى: أن النزاع بين أهل السنّة في تكفير تارك المباني الأربعة، أو تارك بعضها، أمر مشهور وليس كما يعتقد كثير من الناس، من أنه لا نزاع في ذلك، أو يعتمدون أن النزاع محصور فقط بين جمهور الفقهاء والحنابلة في تارك الصلاة تكاسلًا، ويعدون القول بكفر تارك الصلاة قولًا لأحمد فقط، نعم إن أرادوا بذلك من أصحاب المذاهب الأربعة فنعم، وإن أرادوا غير ذلك فباطل قطعًا، لأن جمهور السلف رضوان الله عليهم متفقون مع أحمد ﵀ في ذلك. وإلى ذلك أشار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بقول: "وأما الأعمال الأربعة، فاختلفوا في تكفير تاركها، ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي، كالزنى والشرب، وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور. . " (٢)، وقد ذكر مثل ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ (٣).

стр. 185

ويقول أيضًا: "أن مباني الإسلام الخمس المأمور بها، وإن كان ضرر تركها لا يتعدى صاحبها، فإنه يقتل بتركها في الجملة عند جماهير العلماء، ويكفر أيضًا عند كثير منهم، أو أكثر السلف. . " (١). وروى الخلال أن سفيان بن عيينة سئل عن الإرجاء، فقال: "يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله، مصرًا بقلبه على ترك الفرائض، وجعلوه ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم, وليسا سواء، لأن ركوب المحارم عن غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر كفر. . " (٢). الثانية: أن هذا دليل بقياس الأولى -على أن تارك جنس العمل ليس مؤمنًا، لا باطنًا، ولا ظاهرًا، كما سبق بيانه. ٢٩ - أن تارك الصلاة بالكلية عند جمهور السلف الصالح كافر كفرًا أكبر، يقول عبد الله بن شقيق: "كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا تركه كفر إلا الصلاة" (٣). وبذلك استفاضت كتب العقيدة السلفية، ككتاب الإيمان للحافظ ابن أبي شيبة (٤)، والسنّة للإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل (٥)، وتعظيم قدر الصلاة للإمام محمد بن نصر المروزي (٦)، والشريعة لأبي بكر الآجري (٧)، والإبانة لأبي عبد الله بن بطة (٨)، وغيرها.

стр. 186

وقد صار الأمر في ذلك غريبًا، حين أخرجه كثير من العلماء -من كتب العقيدة إلى كتب الفقه، ولقد أثر ذلك في الحكم على تارك الصلاة، حتى صار القول بتكفيره قولًا مخالفًا لمذهب جمهور الفقهاء، بل عدَّه بعضهم غلوًا في الحكم، وإنا لنلمس أثر الإرجاء في هذه القضية، كما قال المصنف حين تحدث عن حكم تارك الصلاة فقال: "فهذا الموضع ينبغي تدبره، فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن، زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية" (١). ٣٠ - أن أهل السنَّة لا يكفرون أحدًا من الناس، إلا بعد قام الحجة عليه، وذلك بتحقق الشروط، وانتفاء الموانع، وهم يفرقون بين التكفير المطلق، وبين تكفير المعين. يقول ﵀: "والتحقيق في هذا: أن القول قد يكون كفرًا، كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم، ولا يرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة. . " (٢). ٣١ - أن أهل السنة والجماعة يجيزون الاستثناء في ادعاء الإيمان، ويجيزون تركه، خلافًا لمن يحرمه، وخلافًا لمن يوجبه، فيمنعونه لمن أراد الشك، ويجيزونه لعدم تزكية أنفسهم، والحكم بأنهم قد حققوا الإيمان الكامل (٣).

стр. 187

تاسعا [*]: الآثار المترتبة على الخلاف في الإيمان ولسنا نعني بها تلك الآثار العملية الأليمة التي أصابت حياة الأمة الإسلامية، من غلو في فكر الخوارج، وتكفيرهم للمسلمين، واستحلالهم لدمائهم وأموالهم، وإقامتهم لعدة دويلات أسست على قواعد ذلك الفكر الغالي، أو ما وقع على الطرف الآخر من تهاون وتفريط ونكوص وخور في ساحة العمل بين أبناء الأمة، نتيجة لفكر المرجئة المدمر. ولكن الذي نعنيه في هذا المقام بالدرجة الأولى، ما يتعلق بموضوع الخلاف في حقيقة الإيمان وما ترتب على تلك القضية. فمن شأن البدعة -كما هو معروف- أن تجر إلى بدعة مثلها، وهذا أصل يكاد يكون عامًا في جميع البدع. ولابد من التذكير بأن الأصل الكبير الذي قامت عليه بدع الفرق في الإيمان، هو اعتبار الإيمان شيئًا واحدًا، لا يتبعض ويتجزأ، ولا يذهب بعضه، ويبقى بعضه -كما هو الحال عند أهل السنّة والجماعة- وكان من الآثار التي ترتبت على هذا الأصل: قضية زيادة الإيمان ونقصانه، ومسألة الاستثناء. فمن جعل الإيمان شيئًا واحدًا، أنكر زيادته ونقصانه، ومن جعله كذلك حرم الاستثناء فيه، وجعله شكًا، والآن نآتي إلى بيان ذلك: أولًا: زيادة الإيمان ونقصانه: وتلك قضية تتمشى مع جميع طوائف المرجئة الذين اتفقت كلمتهم على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان، إذ أن الإيمان عندهم شيء ثابت لا يتغير، ولا يزيد، ولا ينقص، وما دام أن الأعمال ليست منه، فكيف يزيد وينقص (١)؛ لأن الإيمان عندهم إما هو التصديق، وإما التصديق والإقرار، وهذا مما يتساوى فيه الناس، كما يقولون.

стр. 188

وقد ذكر المصنف ﵀ عددًا لا بأس به من الأدلة المأثورة، من الكتاب والسنّة وأقوال الصحابة، ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح: ٤]. وقوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان". وقوله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وقوله ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا". وقال عمير بن حبيب من صحابة رسول الله ﷺ : "الإيمان يزيد وينقص، قيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فتلك نقصانه". ولم يكتف المصنف بذلك، بل أورد وجوهًا تبين زيادة الإيمان ونقصانه وأن ذلك الحق لا ريب فيه. وهي عبارة عن أدلة وبراهين عقلية، لها أصولها الشرعية، تثبت بما لا يدع مجالًا للشك، أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الناس يتفاضلون فيه تفاضلًا عظيمًا، وأنه لا شيء أعظم تفاوتًا من الإيمان، وهذه البراهين العقلية لها جميعًا مستندات شرعية، وقد ذكر المصنف في كتاب "شرح حديث جبريل" (١) سبعة وجوه، بينما ذكر في كتاب "الإيمان الكبير" ثمانية

стр. 189

وجوه (١)، وغالب هذه الوجوه قد ذكرت في الكتابين، وسنذكر خلاصة ما ذكر في كل منهما، فنقول: أولًا: الأعمال الظاهرة، فإن الناس يتفاضلون فيها، وتزيد وتنقص، وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة والنقصان فيه. لكن وقع الخلاف في دخول هذه الأعمال في مسمى الإيمان، فالذين ينفون دخولها في الإيمان، يقولون: هي من ثمرات الإيمان، وقد يقولون: إنها تدخل في الإيمان مجازًا لا حقيقة، وهذا معنى زيادة الإيمان ونقصانه عندهم، أي زيادة ثمراته ونقصانها. وقد تقرر أن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان وموجباته، فإنه يمتنع أن بكون إيمان تام في القلب بلا قول ولا عمل ظاهر، وأما كونه لازمًا أو جزءًا منه، فهذا يختلف -كما سبق- بحسب استعمال لفظ الإيمان مفردًا أو مقرونًا بلفظ الإسلام والعمل، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فقولهم: إن الزيادة في العمل الظاهر لا في موجبه خطأ بين، فإن التفاضل معلول الأشياء، ومقتضاها يقتضي تفاضلها في نفسها، وإذا تماثلت الأسباب الموجبة لزم تماثل موجبها، فتفاضل الناس في الأعمال الظاهرة يقتضي تفاضلهم في موجب ذلك، وهو الإيمان الباطن (٢). ثانيًا: أعمال القلوب، فإن دخول الزيادة والنقصان فيها، أمر يجده كل مؤمن، فإن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والإخلاص له، كما يتفاضلون في سلامة القلوب من الرياء، والكبر والعجب، ونحو ذلك، كما يتفاضلون في الرحمة للخلق والنصح لهم. وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه

стр. 190

تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة (١). ثالثًا: إن نفس التصديق والعلم في القلب يتفاضل ويتفاوت، ويكون بعضه أقوى من بعض، كما تفاضل وتفاوت سائر صفات الحي من القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، بل وسائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض. وإذا كانت القدرة على الشيء تتفاوت، فكذلك الإخبار عنه يتفاوت، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه، كما أن الحس الظاهر بالشيء الواحد، مثل رؤية الهلال، وإن اشترك الناس فيها، فإن رؤية بعضهم أتم من بعض، وكذلك سماع الصوت الواحد، وشم الرائحة الواحدة، وذوق الشيء الواحد من الطعام. والإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومه تفاضل حاله فيه، كما يتفاضل حاله في سمعه لمسموعه، ورؤيته لمرئيه، وقدرته على مقدوره، وحبه لمحبوبه، وبغضه لبغيضه، فكذلك في معرفة القلب وتصديقه، يتفاضل الناس فيها أعظم من تفاضلهم في تلك الأمور (٢). رابعًا: أن التصديق المستلزم لعمل القلب، أكمل وأتم من التصديق الذي لا يستلزم عمله، فالعلم الذي يعمل به صاحبه، أكمل من العلم الذي لا يعمل به، وإذا كان هناك رجلان يعلمان أن الله حق، ورسوله حق، والجنة حق، والنار حق، وهذا علمه أوجب له محبة الله، وخشيته، والرغبة في الجنة، والهرب من النار، والآخر علمه لم يوجب له ذلك، فعلم الأول وتصديقه أكمل، فإن قوة المسبب دال على قوة السبب. وذلك جاء في الحديث (ليس الخبر كالمعاينة) (٣)، فإن موسى ﵇

стр. 191

لما أخبره ربه أن قومه عبدوا العجل، لم يلق الألواح، فلما رآهم قد عبدوه ألقاها (١)، وليس ذلك لك موسى في خبر الله، لكن المخبَر وإن جزم بصدق المخبِر، فقد لا يتصور المخبَر به في نفسه، كما يتصوره إذا عاينه، فهذا الصديق أكمل من ذلك الصديق (٢). خامسًا: أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة دوام ذلك وثباته وذكره واستحضاره، فالعالم بالشيء في حال غفلته عنه دون العالم بالشيء في حال ذكره له، والتصديق والعلم الذي يكون العبد ذاكرًا له مستحضرًا له، بحيث لا يكون غافلًا عنه، أكمل ممن صدق به وغفل عنه، وهذا يختلف بين الإنسان ونفسه، فإنه يجد أنه أحيانًا قد قرأ شيئًا من القرآن الكريم، وظهر له في أثناء قراءته من المعاني ما لم يكن يخطر له على بال، فيؤمن بتلك المعاني، ويزداد علمه وعمله. أما اختلاف ذلك من شخص إلى آخر فأمر واضح (٣). سادسًا: أن التفاضل في العلم والتصديق وعمل القلب يحصل من جهة الأسباب المقتضية لها، فمن كان تصديقه ومحبته أدلة يقينية، لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأدلة ظنية، ولا شك أن العلم بكثرة الأدلة وقوتها، وبفساد الشبه المعارضة لها، ليس كالعلم الحاصل عن دليل واحد، من غير أن يعلم الشبه المعارضة له، فإن الشيء كلما قويت أسبابه وتعددت، وانقطعت موانعه وانتهت، كان أوجب لكماله وقوته وتمامه (٤). سابعًا: أن الإنسان قد يكون مكذبًا ومنكرًا لأمور لا يعلم أن الرسول ﷺ قد أخبر بها وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر، بل

стр. 192

قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق، ولا بأمر إلا بحق، ثم يسمع الآية أو الحديث، أو يتدبر ذلك، أو يُفسر له معناه، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه، فيصدق بما كان مكذبًا به، ويعرف ما كان منكرًا له، وهذا تصديق جديد، وإيمان جديد ازداد به إيمانه، ولم يكن قبل ذلك كافرًا بل جاهلًا (١). ثامنًا: الإجمال والتفصيل في ما أمروا به، فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بحد نزول القرآن كله، وكذلك لا يجب على من عرف ما أخبر به الرسول ﷺ مفصلًا، ما يجب على من لم يعرف ذلك إلا مجملًا، ومعلوم أن من مات مؤمنًا بالله والرسول، قبل أن يعرف شرائع الدين، أو يجب عليه شيء من الأعمال، مات مؤمنًا الإيمان الذي وجب عليه، وليس إيمان هذا كإيمان من عاش حتى عرف ذلك مفصلًا، وعمل بما عرف (٢). تاسعًا: الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم، فمن آمن بما جاء به الرسول ﷺ مطلقًا، فلم يكذبه قط، لكن أعرض عن معرفة أمره ونهيه وخبره، وطلب العلم الواجب عليه، فلم يعلم الواجب عليه ولم يعمل به، بل اتبع هواه، وآخر قد طلب العلم الذي أمر به، فعمل به، وآخر طلب علمه فعلمه وآمن به ولم يعمل به، فهؤلاء وإن اشتركوا في الوجوب، فمعلوم أن الثاني الذي آمن وعلم وعمل إيمانه أكمل من الثالث الذي آمن وعلم ولكنه لم يعمل، كما أن الثالث أكمل من الأول الذي آمن ولم يعرف ما أمر به الرسول ﷺ ، لم يعمل بذلك، فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول ﷺ فصدقه، وما أمر به فالتزمه، كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك، وإن كان معه التزام عام وإقرار عام (٣).

стр. 193

معنى زيادة الإيمان عند طوائف من المرجئة: قد سبق أن بعض المرجئة يرى أن زيادة الإيمان بزيادة ثمراته من الأعمال، وقد أورد شيخ الإسلام تساؤلًا لأبي المعالي -أحد متكلمي الأشاعرة- يقول فيه: "فإن قال القائل: أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان المنهمك في فسقه، كإيمان النبي ﷺ ! ! ! ". ثم ذكر ما أجاب به على ذلك، وهو: "قلنا: الذي يفضل إيمانه على إيمان من عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك، واختلاج الريب، والتصديق عرض من الأعراض لا يبقى، وهو متوالي للنبي ﷺ ، ثابت لغيره في بعض الأوقات، وزائل عنه في أوقات الفترات، فيثبت للنبي ﷺ أعداد من التصديق، ولا يثبت لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه لذلك أكثر وأفضل! ". ثم قال: "ولو وصف الإيمان بالزيادة والنقصان، وأريد به ذلك كان مستقيمًا". ثم يعقب شيخ الإسلام على هذا الكلام الفاسد بقوله: "قلت: فهذا هو الذي يفضل به النبي ﷺ غيره في الإيمان عندهم، ومعلوم أن هذا غاية في الفساد، من وجوه كثير" (١). ثانيًا: الاستثناء في الإيمان: وهو قول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، وهل هذا الاستثناء جائز؟ أم لا؟ . وقبل أن نخوض في الموضوع لا بد من التذكير بأن السلف رحمهم الله تعالى قد كرهوا أن يسأل الرجل: أمؤمن، أو هل أنت مؤمن؟ واعتبروا ذلك بدعة (٢).

стр. 194

لم يفصل المصنف ﵀ في كتاب "شرح حديث جبريل" الذي نعني بتحقيقه ودراسته القول في الاستثناء في الإيمان، وإنما أشار بإيجاز بالغ إلى أن أهل السنّة والجماعة يجيزون الاستثناء (١)، وإلى إنكار مرجئة الفقهاء له (٢)، ثم ذكره ثانية حين تحدث عن القول المشهور لأبي الحسن الأشعري ﵀ في الإيمان، وهو التصديق حيث قال: "ومع هذا فهو وجمهور أصحابه على قول أهل الحديث في الاستثناء في الإيمان، والإيمان المطلق عنده ما يحصل به الموافاة، والاستثناء عنده يعود إلى ذلك" (٣). مذاهب الناس في الاستثناء: المذهب الأول: الذين يجعلون الاستثناء واجبًا، وهؤلاء لهم مأخذان: المأخذ الأول: أن الإيمان هو ما يموت عليه الإنسان، واعتبر هؤلاء أن الإنسان يكون مؤمنًا أو كافرًا بالموافاة، وما سبق في علم الله أنه يموت عليه، وقالوا: الإيمان الذي يتعقبه الكفر، فيموت صاحبه كافرًا ليس بإيمان، كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال، وكالصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وهذا مأخذ كثير من الكلابية، وعندهم: أن الله يحب في أزله من كان كافرًا، إذا علم أنه يموت مؤمنًا، فالصحابة ما زالوا محبوبين لله، وإن كانوا قد عبدوا الأصنام مدة من الدهر، وإبليس ما زال الله يبغضه، وإن كان لم يكفر بعد (٤)، وهذا هو مأخذ الأشاعرة. وقد أنكر شيخ الإسلام أن يكون أحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم قد علل بالموافاة الاستثناء (٥). المأخذ الثاني: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل المأمورات كلها،

стр. 195

وترك المحرمات جميعها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار، فقد شهد لنفسه بأنه من الأولياء الأبرار المتقين، القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، وهذه من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لنفسه بما لا يعلم، ولو صحت هذه الشهادة، لكان يحق له أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، ولا أحد يهد لنفسه بالجنة، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون في الإيمان، مع أنهم يجوزون ترك الاستثناء لسبب آخر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى (١). المذهب الثاني: الذين يجعلون الاستثناء محرمًا، وهم المرجئة والجهمية، ومأخذهم في ذلك أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب، فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، وكما أعلم أني فرأت الفاتحة، وكما أنه لا يجوز أن يقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله، كذلك لا يجوز أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله، وقالوا: من استثنى في إيمانه فقد شك فيه، وسموا من يستثني في الإيمان بالشكاكة (٢). المذهب الثالث: من يجعل الاستثناء وتركه جائزًا، فمأخذهم حين أجازوا الاستثناء -كما سبق- أن الإيمان المطلق يتضمن فعل جميع المأمورات، وترك جميع المحرمات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى، لأن ذلك من تزكية النفس بلا علم (٣). أما مأخذهم حين أجازوا ترك الاستثناء، فالمنع من الشك في أصل الإيمان، وليس يعني ذلك أن من ترك الاستثناء يكون إيمانه كاملاً، كالمرجئة (٤). ويتبين بعد كل ما سبق، أن هذا المذهب هو أصح المذاهب (٥).

стр. 196

حكم الاستثناء في الإسلام: وهو قول الإنسان: أنا مسلم إن شاء الله تعالى، وفيه قولان: الأول: الجواز. والثاني: المنع. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والمشهور عند أهل الحديث أنه لا يستثنى في الإسلام، وهو المشهور عن أحمد ﵁، وقد روي عنه فيه الاستثناء. . " (١). والراجح في هذه المسألة التفصيل. فالاستثناء الممنوع هو الاستثناء في أصل الإسلام، الذي يتحقق بالشهادتين، وبهما يتم الدخول في الإسلام. وأما الاستثناء الجائز فهو الاستثناء في الإسلام الكامل (المطلق)، وهو الإتيان بالأركان الخمسة. وفي ذلك يقول ﵀: "بل المراد أنه إذا أتى بالكلمة دخل في الإسلام، وهذا صحيح، فإنه يشهد له بالإسلام، ولا يشهد له بالإيمان الذي في القلب، ولا يستثنى في هذا الإسلام، لأنه أمر مشهور، لكن الإسلام الذي هو أداء الخمس كما أمر به يقبل الاستثناء، فالإسلام الذي لا يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط، فإنها لا تزيد ولا تنقص، فلا استثناء فيه" (٢). ويقول في موضع آخر: "وتعليل أحمد وغيره من السلف ما ذكروه في اسم الإيمان يجيء في اسم الإسلام، فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء، كما نص عليه أحمد وغيره، وإذا أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها، فالاستثناء فيه كالاستثناء في الإيمان. . " (٣).

стр. 197

المسألة السادسة [*] الفرق بين الإيمان والإسلام (١) هذه المسألة وقع فيها شيء من الخلاف بين أهل السنّة والجماعة، وإن كان جمهور أهل السنّة يقولون بالفرق بينهما، حتى قيل: "إن السلف لم يرو عنهم كير التفريق" (٢). وممن روي عنهم عدم التفريق البخاري ومحمد بن نصر وابن منده، ونصر هذا القول ابن حزم (٣). وممن نصر القول بأن الإسلام يفترق عن الإيمان الإمام الخطابي في معالم السنن، وفي أعلام الحديث (٤)، والإمام البغوي في شرح السنّة (٥)، والحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٦). وقد تصدى المصنف رحمه اللهُ تعالى في كتاب "شرح حديث جبريل" لهذه المسألة وأورد من الأدلة الظاهرة من الكتاب والسنّة ما يبين أن الفرق بين الإسلام والإيمان هو القول الصواب، ولكن على أي حال فهذه المسألة ليست من المسائل التي يبدع فيها المخالف، والخطب فيها هين. ومن الأدلة التي تدل على أن هناك فرقًا بين الإسلام والإيمان في القرآن الكريم -كما ذكر المصنف- ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦].

стр. 198

٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وأما السنّة فقد ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "أعطى رسول الله ﷺ رجالًا، ولم يعط رجلًا، فقلت: يا رسول الله، أعطيت فلانًا، وتركت فلانًا وهو مؤمن، فقال: أو مسلم؟ قال: ثم غلبني ما أجد، فقلت: يا رسول الله، أعطيت فلانًا وفلانًا، وتركت فلانًا وهو مؤمن، فقال: أو مسلم؟ مرتين أو ثلاثًا، وذكر في تمام الحديث أنه يعطي رجالًا، ويدع من هو أحب إليه منهم، خشية أن يكبهم الله في النار على مناخرهم". فالنبي ﷺ أجاب عن عدم إعطاء الرجل الذي كلمه فيه سعد بجوابين: الأول: أن هذا الرجل قد يكون مسلمًا لا مؤمنًا. الثاني: أنه ﷺ وإن كان هذا الرجل مؤمنًا -قد يعطي من هو أضعف إيمانًا منه، لئلا يحمله منع العطاء على الردة، فيكون من أهل النار. والجواب الأول هو المطلوب، وهو إثبات الفرق بين الإسلام والإيمان. وعلى هذا فالإسلام أوسع من الإيمان، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا. "ويقولون في قول النبي ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" أنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام، ودوروا للإسلام دارة (يعني دائرة)، ودوروا للإيمان دارة أصغر منها في جوفها، وقالوا: إذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلى الكفر" (١). والإحسان كذلك عبارة عن دائرة أصغر من دائرة الإيمان تقع في جوفها أيضًا، فكل محسن مؤمن، وليس كل مؤمن محسنًا.

стр. 199

ومثال ذلك أن الإسلام والإيمان والإحسان كمثل بيت واحد من ثلاث طبقات، فالطبقة العليا هي الإحسان، والطبقة الوسطى هي الإيمان، والطبقة الدنيا هي الإسلام، فإذا خرج من الإحسان لم يخرج من الإيمان، وإذا خرج من الإيمان لم يخرج من الإسلام (١). و الأقوال في الإسلام والإيمان والفرق بينهما أربعة أقوال: القول الأول: أن الإسلام هو الإيمان. القول الثاني: أن الإسلام هو الكلمة، والإيمان العمل، ونقل هذا القول عن الإمام الزهري. القول الثالث: أن الإيمان خصلة من خصال الإسلام، وهذا قول الأشاعرة (٢). القول الرابع: أن الإسلام والإيمان، كالشهادتين، وكاسم الفقير والمسكين، إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. فإذا اجتمعا افترقا، وصار الإيمان هو الأعمال الباطنة، والإسلام هو الأعمال الظاهرة. وإذا افترقا اجتمعا، فإذا ذكر الإسلام مفردًا، دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان مفردًا دخل فيه الإسلام. وهذا القول هو الذي نصره المصنف ﵀ كتاب "شرح حديث جبريل" (٣) وكذلك في كتابه "الإيمان الكبير" (٤)، وهو القول الراجح الذي تؤيده الأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنّة، وهو ما عليه جمهور السلف الصالح رضوان الله عليهم.

стр. 200

ولشيخ الإسلام ﵀ تفريق بين الإسلام والإيمان من حيث الأفضلية، يقول ﵀: "ولهذا صار الناس في الإيمان والإسلام على ثلاثة أقوال: فالمرجئة يقولون: الإسلام أفضل، فإنه يدخل فيه الإيمان. وآخرون يقولون: الإيمان والإسلام سواء، وهم المعتزلة والخوارج، وطائفة من أهل الحديث والسنة، وحكاه محمد بن نصر عن جمهورهم، وليس كذلك. والقول الثالث: أن الإيمان أكمل وأفضل، وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنّة في غير موضع، وهو المأثور عن الصحابة، والتابعين لهم بإحسان (١). ويفرق المصنف بين الإسلام والإيمان بقوله: " وحقيقة الفرق أن الإسلام دين، والدين مصدر دان يدين دينًا، إذا خضع وذل، ودين الإسلام الذي ارتضاه الله، وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده، فأصله في القلب هو الخضوع لله وحده، بعبادته وحده دون ما سواه، فمن عبده وعبد معه إلهًا آخر، لم يكن ملمًا، ومن لم يعبده بل استكبر عن عبادته لم يكن مسلمًا، والإسلام هو الاستسلام لله، وهو الخضوع له، والعبودية له، هكذا قال أهل اللغة: أسلم الرجل إذا استسلم، فالإسلام في الأصل من باب العمل، عمل القلب والجوارح. وأما الإيمان فأصله تصديق وإقرار ومعرفة، فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب، والأصل فيه التصديق، والعمل تابع له، فلهذا فسر النبي ﷺ الإيمان بإيمان القلب وبخضوعه، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وفسر الإسلام باستسلام مخصوص هو المباني الخمس. . " (٢). فأما القول الأول: فقد رد المصنف عليه، ومن ذلك أن الله لم يعلق دخول الجنة إلا باسم الإيمان، لا باسم الإسلام "مع إيجابه الإسلام، وإخباره أنه دينه الذي ارتضاه، وأنه لا يقبل دينًا غيره، ومع هذا

стр. 201

فما قال: إن الجنة أعدت للمسلمين، ولا قال: وعد الله المسلمين بالجنة، بل إنما ذكر ذلك باسم الإيمان. . " (١). ولتوضيح العلاقة المتلازمة بين الإسلام والإيمان يشبه المصنف الإسلام والإيمان في تلازمهما بالروح والبدن، وليس يلزم من تلازمهما أن يكون أحدهما هو الآخر، "إذا قيل: إن الإسلام والإيمان التام متلازمان، لم يلزم أن يكون أحدهما هو الآخر، كالروح والبدن، فلا يوجد عندنا روح إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح، وليس أحدهما الآخر، فالإيمان كالروح، فإنه قائم بالروح ومتصل بالبدن، والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حيًا إلا مع الروح، بمعنى أنهما متلازمان، لا أن مسمى أحدهما هو الآخر" (٢). ويذكر لذلك تشبيهًا آخر فيقول: "وليس كل من صلى ببدنه يكون قلبه منورًا بذكر الله والخشوع وفهم القرآن، وإن كانت صلاته يثاب عليها، ويسقط عنه الفرض في أحكام الدنيا، فهكذا الإسلام الظاهر بمنزلة الصلاة الظاهرة، والإيمان بمنزلة ما يكون في القلب حين الصلاة من المعرفة بالله والخشوع وتدبر القرآن، فكل من خشع قلبه خشعت جوارحه، ولا ينعكس. . " (٣). وأما القول الثاني: وهو قول من يقول: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، فينظر في المراد بذلك، فإن كان مراد من قال ذلك أنه بالكلمة يدخل في الإسلام، ولم يأت بتمام الإسلام فنعم، وإن كان مراده أنه أتى بجميع الإسلام فهذا غلط قطعًا. فمن قال: إن الأعمال الظاهرة ليست من الإسلام فقوله باطل أيضًا (٤). وأما القول الثالث: وهو قول الأشاعرة الذين جعلوا الإيمان خصلة

стр. 202

من خصال الإسلام، فقد تصدى له المصنف بالرد والإبطال، وبين تناقضهم، حيث قال بعد أن أورد كلام الباقلاني الذي تقدم قريبًا: "وهذا الذي ذكروه مع بطلانه ومخالفته للكتاب والسنّة هو تناقض، فإنهم جعلوا الإيمان خصلة من خصال الإسلام، فالطاعات كلها إسلام، وليس فيها إيمان إلا التصديق، والمرجئة وإن قالوا: إن الإيمان يتضمن الإسلام، فهم يقولون: الإيمان هو تصديق القلب واللسان، وأما الجهمية فيجعلونه تصديق القلب، فلا تكون الشهادتان، ولا الصلاة ولا الزكاة ولا غيرهن من الإيمان، وقد تقدم ما بينه الله ورسوله، من أن الإسلام داخل في الإيمان، فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يكون مسلمًا، كما أن الإيمان داخل في الإحسان، فلا يكون محسنًا حتى يكون مؤمنًا. وأما التناقض، فإنهم إذا قالوا: الإيمان خصلة من خصال الإسلام، كان من أتى بالإيمان إنما أتى بخصلة من خصال الإسلام، لا بالإسلام الواجب جميعه، فلا يكون مسلمًا حتى يأتي بالإسلام كله، كما لا يكون عندهم مؤمنًا حتى يأتي بالإيمان كله، وإلا فمن أتى ببعض الإيمان عنده لا يكون مؤمنًا، ولا فيه شيء من الإيمان، فكذلك يجب أن يقولوا في الإسلام، وقد قالوا: كل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا، وهذا إن أرادوا به أن كل إيمان هو الإسلام الذي أمر الله به، ناقض قولهم: إن الإيمان خصلة من خصاله، فجعلوا الإيمان بعضه ولم يجعلوه إياه، وإن قالوا: كل إيمان فهو إسلام، أي هو طاعة لله، وهو جزء من الإسلام الواجب، وهذا مرادهم، قيل لهم: فعلى هذا يكون الإسلام متعددًا بتعدد الطاعات، وتكون الشهادتان وحدهما إسلامًا، والصلاة وحدها إسلامًا، والزكاة إسلامًا، وكل تسبيحة في الصلاة أو غيرها إسلامًا. ثم المسلم إن كان لا يكون مسلمًا إلا بفعل كل ما سميتموه إسلامًا، لزم أن يكون الفساق ليسوا مسلمين، مع كونهم مؤمنين، فجعلتم المؤمنين الكاملي الإيمان عندكم ليسوا مسلمين، وهذا شر من قول الكرامية، ويلزم أن الفساق من أهل القبلة ليسوا مسلمين، وهذا شر من قول الخوارج

стр. 203

والمعتزلة وغيرهم، بل وأن يكون من ترك التطوعات ليس مسلمًا، إذ كانت التطوعات طاعة لله، إن جعلتم كل طاعة قرضًا أو نفلًا إسلامًا. . . وإن قلتم: بل كل من فعل طاعة سمي مسلمًا، لزم أن يكون من فعل طاعة من الطاعات ولم يتكلم بالشهادتين مسلمًا، ومن صدق بقلبه ولم يتكلم بلسانه أن يكون مسلمًا عندكم، لأن الإيمان عندكم إسلام، فمن أتى به فقد أتى بالإسلام، ويكون مسلمًا عندكم من تكلم بالشهادتين وما أتى بشيء من الأعمال" (١).

стр. 204

القسم الثاني دراسة المسائل الفرعية وهي مسألتان

стр. 205

المسألة الأولى مناقشات المصنف لبعض أقوال الفلاسفة وغلاة المتصوفة: والداعي إلى هذه المناقشات عند المصنف، ليس الاستطراد الذي ينطلق بلا غاية أو هدف، ولكنه كما قال ﵀: "التنبيه على تشابه رؤوس الضلال، حتى إذا فهم المؤمن قول أحدهم، أعانه على فهم قول الآخر، واحترز منهم، وبين ضلالهم، لكثرة ما أوقعوا في الوجود من الضلالات. . " (١). ولا بد أن نشير إلى أن هذه المناقشات جاءت سريعة موجزة في الغالب، لأنها جاءت من باب الاستطراد. والذي حدا به إلى ذكر قول الفلاسفة في سبب تحقيق السعادة -على سبيل المثال- هو تشبيه لقول الجهمية ومن اتبعهم في الإيمان -حين قالوا: إن مجرد المعرفة والتصديق هي الإيمان- بقول الفلاسفة في السعادة إنها في المعرفة فقط. أولًا: مناقشة الفلاسفة: من أهم القضايا التي ناقش المصنف فيها الفلاسفة قولهم: "إن سعادة الإنسان أن بعلم الوجود على ما هو عليه" (٢)، "حتى يصير الإنسان عالمًا مطابقًا للعالم الموجود" (٣) فالعلم هو الذي تتحقق به السعادة عند الفلاسفة، وليس هو العلم الشرعي المأثور عن الأنبياء والمرسلين، ولكنها الفلسفات العقيمة التي تورث الحيرة والشك. وبين ﵀ أن العلم وحده لا يكفي أبدًا في تحقيق السعادة، دون أن يقود صاحبه إلى محبة الله ، والعمل بمرضاته. وفي هذا يقول ﵀: "وليس صلاح الإنسان ونفسه في مجرد أن يعلم الحق دون أن لا يحبه ويريده ويتبعه.

стр. 206

كما أنه ليست سعادته في أن يكون عالمًا بالله مقرًا بما يستحقه، دون أن يكون محبًا لله عابدًا لله مطيعًا لله، بل أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فإذا علم الإنسان الحق وأبغضه وعاداه كان مستحقًا من غضب الله وعقابه ما لا يستحقه من ليس كذلك، كما أن من كان قاصدًا للحق طالبًا له -وهو جاهل بالمطلوب وطريقه- كان فيه من الضلال، وكان مستحقًا من اللعنة -التي هي البعد عن رحمة الله- ما لا يستحقه من ليس مثله. ولهذا أمرنا الله تعالى أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، والمغضوب عليهم علموا الحق فلم يحبوه ولم يتبعوه، والضالون قصدوا الحق لكن بجهل وضلال به وبطريقه، فهذا بمنزلة العالم الفاجر، وهذا بمنزلة العابد الجاهل، وهذا حال اليهود فإنهم مغضوب عليهم، وهذا حال النصارى فإنهم ضالون. . " (١). بل إن المصنف -كعادته دائمًا- حين يقارن بين المذاهب والنحل والأديان والفرق، ويذكر أيها أقرب إلى الحق، ينتقد الفلاسفة انتقادًا عنيفًا، ويقول عنهم: إنهم أسوأ حالًا من اليهود والنصارى، لأنهم جمعوا بين جهل النصارى وضلالهم، وبين فجور اليهود وظلمهم. ثم يُذكِّر أن هؤلاء الفلاسفة بمعزل عن العلم الإلهي الذي تنال به السعادة، الذي جاء به الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأن جهلهم أكبر من علمهم، وضلالهم أكبر من هداهم (٢). ومن المسائل الهامة التي عرض لها المصنف خلال مناقشته، مسألة وجود الله، التي يسميها الفلاسفة واجب الوجود، ولم يفته -وهو العالم المنصف- أن يذكر أن كلامهم في هذا المقام لم يخل من بعض الحق رغم قلته، ولكن الباطل فيه أكثر، والفساد عليه مهيمن.

стр. 207

ولقد أماط المصنف اللثام عن حقيقة كلام الفلاسفة في كثير من القضايا التي تكلموا فيها، وبين أن كلامهم لا حقيقة له في الواقع البتة، وإنما هو أفكار وأوهام تدور في العقول، ويظن أصحابها خطأً أنها واقعة في الوجود. وذكر أن كلامهم: "يعود عند التحقيق إلى أمور مقدرة في الأذهان، لا حقيقة لها في الأعيان" (١). كما نبَّه المصنّف على أن كلام الفلاسفة -في العقول والنفوس (٢) - فيه من الشرك واتخاذ الأنداد، ما هو أقبح من كلام النصارى في التثليث بكثير (٣). أما النبوات، فيذكر المصنف أن المتقدمين منهم ليس لهم كلام فيها، وأما المتأخرون منهم فحائرون فيها، فبعضهم يكذب بها، وبعضهم يصدق بها، ومن هؤلاء مقدمهم ابن سينا، ولكنهم يجعلون النبي بمنزلة ملك عادل، ويجعلون الوحي الذي تكون به النبوة من جنس ما يقع لبعض الصالحين من الكف والتأثير والتخيل (٤). وعند كثير من الفلاسفة يكون الفيلسوف أفضل من النبي كما قال الفارابي، وقد يقول بعض هؤلاء: إن النبوة قد تكون أفضل بالنسبة للجمهور والعامة، لا عند الخاصة (٥). وعند هؤلاء أن الرسل ﵈: "خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لا حقيقة لها في الباطن، وإنما هي أمثال مضروبة لتفهيم حال النفس بحد المفارقة، وما أظهروه لهم من الوعد والوعيد، وإن كان لا حقيقة له، فإنما تعلق لمصلحتهم في الدنيا، إذ كان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريق. . " (٦).

стр. 208

وأخيرًا يصف المصنف ﵀ كلامهم بأنه عبارة عن: "لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل. . " (١). ثانيًا: مناقشة غلاة المتصوفة: من العقائد الكفرية التي يعتقد بها بعض المتصوفة، اعتقادهم أن المرء إذا وصل إلى درجة من العبادة والرياضة الروحية، تسقط عنه التكاليف، ولِم يعد يخاطب بحلال ولا بحرام، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩]. وقد رد المصنف على هؤلاء بأن اليقين في هذه الآية هو الموت، واستدل على ذلك، واعتبر هذا القول من أقوال ملاحدة الفلاسفة (٢). وحين عرج المصنف على موقف الفلاسفة من النبوات، عرج أيضًا على مواقف بعض غلاة المتصوفة الذين صدقوا بالنبوة، ولكن كان ذلك لغايات خبيثة في نفوسهم، وهي تواطؤهم على إلغاء عقيدة ختم النبوة، وإن اختلفت أساليبهم في ذلك. فبينما كان يحاول ويجهد ابن سبعين المغربي -وأمثاله- في الرياضات الشاقة، ويخلو في غار حراء، طالبًا للنبوة، وساعيًا في اكتسابها، حيث إن النبوة عند هؤلاء ليست اصطفاءًا واختيارًا، وإنما هي رياضة ومجاهدة واكتساب، نرى إمام الغلاة محيي الدين ابن عربي يلجأ إلى أسلوب آخر، أشد خطورة، وأخبث مسلكًا. وذلك باختراعه خاتم الأولياء بزعمه، فابن عربي يقر أن محمدًا ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، ولكنه يقول: إن الأولياء كالأنبياء لهم خاتم، وكما أن خاتم الأنبياء هو أفضل الأنبياء، فكذلك خاتم الأولياء هو أفضل الأولياء، وليس ذلك فحسب، بل إن خاتم الأولياء أفضل وأعظم من خاتم الأنبياء، لأن النبي يأخذ بواسطة الملك، وأما الولي فيأخذ عن الله من غير واسطة، وقد ادعوا أن جميع الأنبياء والمرسلين يستفيدون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء (٣).

стр. 209

وقد بين المصنف أن حقيقة قول هؤلاء الغلاة من المتصوفة -وقول الفلاسفة الذي سبق ذكره- هو قول الدهرية الطبعية، الذين ينكرون واجب الوجود، ويقولون: إن العالم نفسه هو واجب الوجود (١). ثم أطال المصنف النفس قليلًا لمناقشة مذهب ابن عربي، وبيَّن أن مذهبه يجمع بين التعطيل والاتحاد، وذكر أن حقيقة الرب عنده "وجود مجرد لا اسم له ولا صفة، ولا يمكن أن يرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام قائم به، ولا علم، ولا غير ذلك، ولكن يرى ظاهرًا في المخلوقات، متجليًا في المصنوعات، وهو عنده عين وجود الموجودات" (٢). ويذكر المصنف أن الأصل الفاسد الذي بنى عليه ابن عربي مذهبه في وحدة الوجود، هو غلط المناطقة الذين اعتمد كلامهم. وبين أن قولهم في هذا المقام على عكس قولهم في النبوات. يقول عن ذلك: "وإنما أتي فيه هؤلاء من حيث إنهم تصوروا في أنفسهم معاني كلية مطلقة، فظنوا أنها موجودة في الخارج، فضلالهم في هذا عكس ضلالهم في أمر الأنبياء، فإن الأنبياء شاهدت أمورًا خارجة عن أنفسهم، فزعم هؤلاء الملاحدة أن تلك كانت في أنفسهم. وهؤلاء الملاحدة شهدوا في أنفسهم أمورًا كلية مطلقة فظنوا أنها في الخارج، وليست إلا في أنفسهم، فجعلوا ما في أنفسهم في الخارج وليس فيه، وجعلوا ما أخبرت به الأنبياء في أنفسهم، وإنما هو في الخارج، فلهذا كانوا مكذبين بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء مدعين أن ما يبصرونه في خيالهم هو من جنس الغيب الذي أخبرت به الأنبياء. . " (٣). وهذا ملحظ رائع مهم في تناقض هؤلاء وعكسهم للحقائق، فقد تخيلوا أشياء في أنفسهم ظنوها حقائق خارجية.

стр. 210

ولهم تشبيهات -أعني غلاة المتصوفة من أصحاب الحلول وأصحاب عقيدة وحدة الوجود- لوجود الله بالنسبة لوجود المخلوقات، حيث يقول المصنف: "ثم جعلوا وجود الرب الخالق للعالمين، البائن عن مخلوقاته أجمعين، هو من جنس وجود الإنسانية في الأناسي، والحيوانية في الحيوان، أو ما أشبه ذلك، كوجود المادة في الصورة، أو الصورة في المادة، أو كوجود الوجود في الثبوت -عند من يقول: المعدوم شيء- فإنهم أرادوا أن يجعلوه شيئًا موجودًا في المخلوقات مع مغايرته لها، فضربوا له مثلًا تارة بالكليات، وتارة بالمادة أو الصورة وتارة بالوجود المغاير لثبوت، وإذا مثلوه بالمحسوسات مثلوه بالشعاع في الزجاج، أو بالهواء في الصوفة، فضربوا لرب العالمين الأمثال، فضلوا فلا يستطيعون سبيلًا" (١). ثم يبين ضلالهم وانحرافهم عن الحق من عدة وجوه: الأول: إن تمثيلاتهم السابقة -سواء تمثيلهم المادة مع الصورة، أو الكليات مع الجزئيات، أو الوجود مع الثبوت- ترجع عند التمحيص والتحقيق إلى شيء واحد، لا شيئين، فجعلوا الواحد اثنين، والاثنين واحدًا (٢). أي أنهم جعلوا المادة والصورة، أو الكليات والجزئيات -وهي في الحقيقة شيء واحد- شيئين اثنين، وجعلوا وجود الله ووجود مخلوقاته -وهما شيئان مختلفان- شيئًا واحدًا. الثاني: أنهم جعلوا وجود الله -من خلال التمثيلات السابقة- مشروطًا بوجود غيره الذي ليس مبدعًا له، فإن وجود المادة مشروط بالصورة والعكس، ووجود الكليات مشروط في الخارج بالجزئيات، ووجود الأعيان مشروط بثبوتها المستقر في العدم، فيلزمهم على كل هذه التقديرات والتمثيلات أن يكون واجب الوجود مشروطًا بما ليس هو من مبتدعاته، ومعلوم أن ما كان وجوده موقوفًا على غيره الذي

стр. 211

ليس هو مصنوعًا له لم يكن واجب الوجود بنفسه (١). الثالث: أن كلامهم يعود عبد التحقيق إلى أن يكون وجود الخالق -جل وعلا- عين وجود المخلوقات، وهم يصرحون بذلك، لكنهم يقولون: إن هناك تغايرًا بين الوجود والثبوت، أو بين الكل والجزء، أو المطلق والمعين، ولذلك كانوا يقولون بالحلول، فيجعلون الخالق تارة حالًا في المخلوقات، وتارة محلًا لها، وعند التحقيق في قولهم وإبطال هذه المغايرة، يكون معنى قولهم وحقيقة أن الخالق هو نفس المخلوقات، فلا خالق ولا مخلوق، وإنما العالم واجب الوجود بنفسه (٢). الرابع: أن هؤلاء يقرون بما يزعمونه من التوحيد عند التعدد في صفاته الواجبة وأسمائه، وقيام الحوادث به، وعن كونه جسمًا أو جوهرًا، ولكنهم عند التحقيق يجعلونه عين الأجسام المتخيلة الكائنة الفاسدة المتقذرة، ويصفونه بكل نقص كما صرحوا بذلك. وقالوا: إنه يظهر بصفات المحدثات، وبصفات النقص، وبصفات الذم. وقالوا: العلي لذاته هو الذي يكون له الكمال، ولكن ما هو الكمال يا ترى عند هؤلاء الغلاة من المتصوفة؟ . قالوا: إنه الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفًا وعقلًا وشرعًا، أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة، فهو متصف عندهم بكل صفة مذمومة، كما هو متصف بكل صفة محمودة (٣). وفي الختام فإن المصنف يرى أن دابر هؤلاء وكفرهم وضلالهم لا يقطعه إلا المباينة بين الخالق والمخلوق، وأن هناك خالقًا منفصلًا عن المخلوق ترفع إليه الأيدي بالدعاء، وإليه كان معراج خاتم الأنبياء (٤).

стр. 212

المسألة الثانية الكلام على الأحاديث التي ذكر فيها الإسلام والإيمان يذكر المصنف بادئ ذي بدء أن حديث جبريل ﵇ في تعريف الإسلام، وهو قوله: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، متفق مع حديث ابن عمر الذي جاء فيه: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا). وقد تكلم المصنف ﵀ عن السبب في وقوع الاختلاف في بعض الأحاديث في هذا الباب، وكيف أن بعضها ذكرت بعض الأركان دون بعض، وتكلم في سبب ذلك. والعمدة في السبب عند المصنف في هذا المجال هو تاريخ فرض هذه الأركان، وزمن وجوبها، وفي ذلك يقول: "فإن الله تعالى لما بعث محمدًا ﷺ رسولًا إلى الخلق، كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حينئذٍ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البيت، ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل، فمن صدقه حينئذٍ فيما نزل من القرآن، وأقر بما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك، كان ذلك الشخص حينئذٍ مؤمنًا تام الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافرًا. قال الإمام أحمد: "كان بدء الإيمان ناقصًا فجعل يزيد حتى كمل" (١). ولهذا قال تعالى عام حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] (٢).

стр. 213

ويقول فى موضع آخر: "ومعلوم أن الخمس المذكورة في حديث جبريل، لم تجب في أول الأمر، بل الصيام والحج وفرائض الزكاة، إنما وجبت بالمدينة، والصلوات الخمس إنما وجبت ليلة المعراج، وكثير من الأحاديث ليس فيها ذكر الحج لتأخر وجوبه إلى سنة تسع أو عشر على أصح القولين، ولما بعث الله محمدًا ﷺ كان من اتبعه وآمن بما جاء به، مؤمنًا مسلمًا، وإذا مات كان من أهل الجنة، ثم إنه بعد هذا زاد الإيمان والإسلام، حتى قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ " (١). فالمصنف يريد من ذكر الكلام على هذه الأحاديث أمورًا منها: أولًا: الرد على طوائف المرجئة -وقد سبق هذا في أثناء الرد عليهم- الذين يعتقدون أن الإيمان لا يتبعض، أي يذهب بعضه ويبقى بعضه، ومعلوم أن التدرج في فرض شرائع الإسلام والإيمان لمن أعظم الردود عليهم. ثانيًا: إثبات أن الإيمان كان في أول الأمر ناقصًا، ثم جعل يكتمل حتى صار كاملًا، ونزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وحديث كل من جبريل ﵇ وابن عمر كانا في آخر الأمر، حيث اتفقا على ذكر المباني الخمسة، ومن أجل ذلك فهذا الأمر يعد ردًا أيضًا على المرجئة الذين أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان، وقالوا: إن الإنسان يكون مؤمنًا كامل الإيمان، ولو لم يعمل خيرًا قط، فإن من أخل بشيء من هذه الأمور فإيمانه ناقص أو معدوم، وقد مر أن كثيرًا من السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين قد حكموا بكفر من ترك شيئًا من الأركان الأربعة -مع خلافهم في ذلك- وأما الشهادتان فهم متفقون على كفر تاركها إذا كان قادرًا، ولم يتلفظ بها. وكذلك رد على شبهة المرجئة حين قالوا: إن الله قد خاطب بالإيمان قبل نزول الأعمال، فدل على أنها ليست من الإيمان.

стр. 214

ثالثًا: إزالة اللبس والغموض، وكف ما يبدو من خلاف في الأحاديث التي ورد فيها ذكر الإسلام والإيمان، وبيان أنه لا تناقض بينها. إشكال وجوابه: ذكر المصنف إشكالاً مفاده: لماذا ذكرت بعض الأركان في بعض الأحاديث دون بعض؟ . فذكر أولاً: أن بعض الناس قد أجاب على هذا الإشكال بأن ذلك وقع من اختصار الرواة في متون بعض الأحاديث! ! . وضعف المصنف هذا القول، ورد عليه بأمرين: الأول: أن هذا طعن في الرواة، ونسبة لهم إلى الكذب. الثاني: أن هذا الجواب قد يسلم به في الحديث الواحد، مثل حديث وفد عبد القيس، حيث ذكر بعضهم الصيام، ولم يذكره بعضهم. وذكر ثانيًا: أن الاختصار لا يمكن أن يقع في الحديثين المنفصلين، لاسيما -كما يقول- والأحاديث قد تواترت بكون الأجوبة كانت مختلفة، وفيها ما بين قطعًا أن النبي ﷺ قد تكلم بهذا تارة وبهذا تارة (١). أما حل المصنف لهذا الإشكال فمن جوابين: الجواب الأول: أن النبي ﷺ قد أجاب بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتين، ثم الصلاة، حيث روي أنها فرضت في بادئ الأمر ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، ثم فرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج، فلما هاجر النبي ﷺ زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر، وكانت الصلاة تكمل شيئًا فشيئًا، وإن كانوا قد أمروا بالزكاة والإحسان في المدينة، لكن فرائض الزكاة ونصبها إنما شرعت في المدينة. وأما صوم شهر رمضان فقد فرض في السنة الثانية من الهجرة، وأما الحج فقد فرض على الصحيح سنة عشر للهجرة (٢).

стр. 215

الجواب الثاني: أن النبي ﷺ كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض الظاهرة التي تقاتل عليها الطائفة الممتنعة، كالصلاة والزكاة، ويذكر تارة ما يجب على المسائل، فمن أجابه بالصلاة والصيام مثلاً، لم يكن عليه زكاة يؤديها، ومن أجابه بالصلاة والزكاة والصيام، فإما أن يكون هذا قبل فرض الحج، وإما أن يكون المسائل ممن لا حج عليه (١). ولكن قد يرد على هذين الجوابين مثل حديث معاذ ﵁، وهو من آخر الأحاديث، ولا شك في ذلك، فإن النبي ﷺ مات ومعاذ في اليمن، ومع ذلك فلم يذكر في حديثه لا الصيام ولا الحج! ! ! . وقد أجاب المصنف بعدم ذكر الصيام لأنه تبع وهو باطن، ولم يذكر الحج لأن وجوبه خاص ليس بعام، وهو لا يجب في العمر إلا مرة واحدة (٢). والقول المتوجه في حديث معاذ ﵁ أن المقام لم يكن مقام فرض وتشريع، ولكنه كان مقام دعوة وتعليم، وأسلوب الحديث ينبئ عن صحة هذا القول، وبالله التوفيق (٣).
следующие страницы →