ليس هو مصنوعًا له لم يكن واجب الوجود بنفسه (١).
الثالث: أن كلامهم يعود عبد التحقيق إلى أن يكون وجود الخالق -جل وعلا- عين وجود المخلوقات، وهم يصرحون بذلك، لكنهم يقولون: إن هناك تغايرًا بين الوجود والثبوت، أو بين الكل والجزء، أو المطلق والمعين، ولذلك كانوا يقولون بالحلول، فيجعلون الخالق تارة حالًا في المخلوقات، وتارة محلًا لها، وعند التحقيق في قولهم وإبطال هذه المغايرة، يكون معنى قولهم وحقيقة أن الخالق هو نفس المخلوقات، فلا خالق ولا مخلوق، وإنما العالم واجب الوجود بنفسه (٢).
الرابع: أن هؤلاء يقرون بما يزعمونه من التوحيد عند التعدد في صفاته الواجبة وأسمائه، وقيام الحوادث به، وعن كونه جسمًا أو جوهرًا، ولكنهم عند التحقيق يجعلونه عين الأجسام المتخيلة الكائنة الفاسدة المتقذرة، ويصفونه بكل نقص كما صرحوا بذلك.
وقالوا: إنه يظهر بصفات المحدثات، وبصفات النقص، وبصفات الذم.
وقالوا: العلي لذاته هو الذي يكون له الكمال، ولكن ما هو الكمال يا ترى عند هؤلاء الغلاة من المتصوفة؟ .
قالوا: إنه الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفًا وعقلًا وشرعًا، أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة، فهو متصف عندهم بكل صفة مذمومة، كما هو متصف بكل صفة محمودة (٣).
وفي الختام فإن المصنف يرى أن دابر هؤلاء وكفرهم وضلالهم لا يقطعه إلا المباينة بين الخالق والمخلوق، وأن هناك خالقًا منفصلًا عن المخلوق ترفع إليه الأيدي بالدعاء، وإليه كان معراج خاتم الأنبياء (٤).
стр. 212
المسألة الثانية الكلام على الأحاديث التي ذكر فيها الإسلام والإيمان
يذكر المصنف بادئ ذي بدء أن حديث جبريل ﵇ في تعريف الإسلام، وهو قوله: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، متفق مع حديث ابن عمر الذي جاء فيه: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا).
وقد تكلم المصنف ﵀ عن السبب في وقوع الاختلاف في بعض الأحاديث في هذا الباب، وكيف أن بعضها ذكرت بعض الأركان دون بعض، وتكلم في سبب ذلك.
والعمدة في السبب عند المصنف في هذا المجال هو تاريخ فرض هذه الأركان، وزمن وجوبها، وفي ذلك يقول: "فإن الله تعالى لما بعث محمدًا ﷺ رسولًا إلى الخلق، كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حينئذٍ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البيت، ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل، فمن صدقه حينئذٍ فيما نزل من القرآن، وأقر بما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك، كان ذلك الشخص حينئذٍ مؤمنًا تام الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافرًا.
قال الإمام أحمد: "كان بدء الإيمان ناقصًا فجعل يزيد حتى كمل" (١).
ولهذا قال تعالى عام حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] (٢).
стр. 213
ويقول فى موضع آخر: "ومعلوم أن الخمس المذكورة في حديث جبريل، لم تجب في أول الأمر، بل الصيام والحج وفرائض الزكاة، إنما وجبت بالمدينة، والصلوات الخمس إنما وجبت ليلة المعراج، وكثير من الأحاديث ليس فيها ذكر الحج لتأخر وجوبه إلى سنة تسع أو عشر على أصح القولين، ولما بعث الله محمدًا ﷺ كان من اتبعه وآمن بما جاء به، مؤمنًا مسلمًا، وإذا مات كان من أهل الجنة، ثم إنه بعد هذا زاد الإيمان والإسلام، حتى قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ " (١).
فالمصنف يريد من ذكر الكلام على هذه الأحاديث أمورًا منها:
أولًا: الرد على طوائف المرجئة -وقد سبق هذا في أثناء الرد عليهم- الذين يعتقدون أن الإيمان لا يتبعض، أي يذهب بعضه ويبقى بعضه، ومعلوم أن التدرج في فرض شرائع الإسلام والإيمان لمن أعظم الردود عليهم.
ثانيًا: إثبات أن الإيمان كان في أول الأمر ناقصًا، ثم جعل يكتمل حتى صار كاملًا، ونزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وحديث كل من جبريل ﵇ وابن عمر كانا في آخر الأمر، حيث اتفقا على ذكر المباني الخمسة، ومن أجل ذلك فهذا الأمر يعد ردًا أيضًا على المرجئة الذين أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان، وقالوا: إن الإنسان يكون مؤمنًا كامل الإيمان، ولو لم يعمل خيرًا قط، فإن من أخل بشيء من هذه الأمور فإيمانه ناقص أو معدوم، وقد مر أن كثيرًا من السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين قد حكموا بكفر من ترك شيئًا من الأركان الأربعة -مع خلافهم في ذلك- وأما الشهادتان فهم متفقون على كفر تاركها إذا كان قادرًا، ولم يتلفظ بها.
وكذلك رد على شبهة المرجئة حين قالوا: إن الله قد خاطب بالإيمان قبل نزول الأعمال، فدل على أنها ليست من الإيمان.
стр. 214
ثالثًا: إزالة اللبس والغموض، وكف ما يبدو من خلاف في الأحاديث التي ورد فيها ذكر الإسلام والإيمان، وبيان أنه لا تناقض بينها.
إشكال وجوابه:
ذكر المصنف إشكالاً مفاده: لماذا ذكرت بعض الأركان في بعض الأحاديث دون بعض؟ .
فذكر أولاً: أن بعض الناس قد أجاب على هذا الإشكال بأن ذلك وقع من اختصار الرواة في متون بعض الأحاديث! ! .
وضعف المصنف هذا القول، ورد عليه بأمرين:
الأول: أن هذا طعن في الرواة، ونسبة لهم إلى الكذب.
الثاني: أن هذا الجواب قد يسلم به في الحديث الواحد، مثل حديث وفد عبد القيس، حيث ذكر بعضهم الصيام، ولم يذكره بعضهم.
وذكر ثانيًا: أن الاختصار لا يمكن أن يقع في الحديثين المنفصلين، لاسيما -كما يقول- والأحاديث قد تواترت بكون الأجوبة كانت مختلفة، وفيها ما بين قطعًا أن النبي ﷺ قد تكلم بهذا تارة وبهذا تارة (١).
أما حل المصنف لهذا الإشكال فمن جوابين:
الجواب الأول: أن النبي ﷺ قد أجاب بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتين، ثم الصلاة، حيث روي أنها فرضت في بادئ الأمر ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، ثم فرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج، فلما هاجر النبي ﷺ زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر، وكانت الصلاة تكمل شيئًا فشيئًا، وإن كانوا قد أمروا بالزكاة والإحسان في المدينة، لكن فرائض الزكاة ونصبها إنما شرعت في المدينة.
وأما صوم شهر رمضان فقد فرض في السنة الثانية من الهجرة، وأما الحج فقد فرض على الصحيح سنة عشر للهجرة (٢).
стр. 215
الجواب الثاني: أن النبي ﷺ كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض الظاهرة التي تقاتل عليها الطائفة الممتنعة، كالصلاة والزكاة، ويذكر تارة ما يجب على المسائل، فمن أجابه بالصلاة والصيام مثلاً، لم يكن عليه زكاة يؤديها، ومن أجابه بالصلاة والزكاة والصيام، فإما أن يكون هذا قبل فرض الحج، وإما أن يكون المسائل ممن لا حج عليه (١).
ولكن قد يرد على هذين الجوابين مثل حديث معاذ ﵁، وهو من آخر الأحاديث، ولا شك في ذلك، فإن النبي ﷺ مات ومعاذ في اليمن، ومع ذلك فلم يذكر في حديثه لا الصيام ولا الحج! ! ! .
وقد أجاب المصنف بعدم ذكر الصيام لأنه تبع وهو باطن، ولم يذكر الحج لأن وجوبه خاص ليس بعام، وهو لا يجب في العمر إلا مرة واحدة (٢).
والقول المتوجه في حديث معاذ ﵁ أن المقام لم يكن مقام فرض وتشريع، ولكنه كان مقام دعوة وتعليم، وأسلوب الحديث ينبئ عن صحة هذا القول، وبالله التوفيق (٣).
стр. 216
المسألة السابعة [*] (تابع المسائل الأصلية) الإحسان والكلام عليه
هذا الباب يعد بحق من أكثر أبواب الكتاب شفافية وإمتاعًا، فلئن كان النقاش والاستدلال والحجاج هو الرائد فيما مضى من موضوعات الكتاب، فإن أسلوب المصنف في هذا الباب ليعتمد على الهدوء والتأصيل والتقرير.
ولئن كان الكلام هناك في الغالب مع المخالفين، فإن الكلام هنا توجيهات للمؤمنين ووقفات مع المحسنين.
وإن كلام المصنف في هذا الباب بالإضافة على أنه تأصيل لدرجة الإحسان العليا من الدين، ليعد -بلا مبالغة- مرجعًا أصيلاً في التربية السليمة الشاملة على ضوء هذه الدرجة الرفيعة، وهي الإحسان.
وسوف نرى ذلك واضحًا في الصفحات التالية.
تعريف الإحسان:
يذكر المصنف أن بعض العلماء قد عرف الإحسان بأنه الإخلاص، وقال بعد ذلك: "والتحقيق أن الإحسان يتناول الإخلاص وغيره، والإحسان يجمع كمال الإخلاص لله، ويجمع الإتيان بالفعل الحسن الذي يحبه الله" (١).
وبعد أن ذكر جواب النبي ﷺ لجبريل ﵇ عن الإحسان، وهو قوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
قال: "ومراقبة الله هي السر المطلوب في جميع أحوال العبد".
وهذا الكلام يعد أيضًا تعريفًا للإحسان، وحين يرى المصنف أن الإحسان يجمع الإخلاص في العمل، والإتيان له على الوجه الحسن، فإنه يستشهد بتفسير الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى لقول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
стр. 217
وذلك حين قال: أخلصه وأصوبه.
فقيل له: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل لا يكون مقبولًا حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على سنّة رسول الله ﷺ .
تعريف الإخلاص:
ذكر المصنف تعريفين للإخلاص، أحدهما لأبي القاسم القشيري وهو قوله: الإخلاص إفراد الحق بالطاعة في القصد (١).
وعقب المصنف على هذا بقوله: ويصح أن يقال: الإخلاص هو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين (٢).
ويقدم المصنف بين يدي هذا الباب نبذة عن فضل الإحسان وأهميته، وأن استصحابه مطلوب في جميع الأعمال القلبية والبدنية والمالية (٣)، مستشهدًا بالحديث الصحيح الذي جاء فيه: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".
كما يذكر ﵀ أن من عمل من الأعمال الصالحة التي يبتغى بها وجه الله، وأراد بذلك عرضًا من عرض الدنيا، لا يعد محسنًا، بل يكون متعرضًا لسخط الله.
إذ الإحسان -كما سبق- هو إخلاص العمل لله مقرونًا بالإتيان بالفعل على الوجه الحسن، أو اتباع النبي ﷺ .
الإحسان في العلم:
ويبدأ المصنف بالإحسان في العلم، ويعرف المصنف العلم بأنه كل ما قام عليه الدليل، وأن النافع منه ما كان عن رسول الله ﷺ ، ثم يذكر أن من الأمور التي يتحقق بها الإحسان في العلم ما يلي:
стр. 218
أولًا: ابتغاء وجه الله بهذا العلم، والإخلاص فيه، وطلب مرضاته به، فإن أول من تسعر به النار يوم القيامة رجل تعلم حتى يقال عنه: عالم، وقد قيل، كما جاء في الحديث الصحيح، أو الحديث الذي في السنن وفيه: "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله، ولم يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من عرض الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" (١).
ثانيًا: أن يستعمل العدل في علمه الذي هو ميزان الأعمال، وفي ذلك يقول المصنف: "فينبغي لمن علم علمًا أن يستعمل في علمه العدل الذي هو ميزان الأعمال، ولا ينسى حظه من الإحسان الذي به يستحق القرب والرضوان" (٢).
واستعمال العدل في العلم -كما أشار المصنف- من أعلى درجات الإحسان فيه، ويمكننا أن نستخرج منه بعض الفوائد، منها على سبيل المثال: ما ينبغي على طالب العلم أن يكون عادلًا مع الله قبل أي شيء آخر، فلا يطلب بعلمه أحدًا غيره، ومن ذلك أن يبلغ ما تعلمه إلى الناس، ولا يخشى أحدًا إلا الله.
ومها: أن يكون طالب العلم عادلًا مع نفسه، وذلك بأن يختار من الشيوخ والعلوم ما يكون به صلاح أمره في دينه ودنياه، وأن يكون منصفًا لشيوخه.
ومنها: أن يعمل بما تعلم، وهذا الأمر -وهو العمل بالعلم- من أهم جوانب استعمال العدل في العلم.
ومها: أن يكون عادلًا مع إخوانه الآخرين من طلبة العلم، فلا يحسدهم ولا يزدريهم.
ومنها: أن يكون عادلًا مع الناس، فيعلمهم ويدعوهم بكل رفق ولين، ولا يتعالى عليهم، ويحتمل خطاهم، وغير ذلك من الفوائد.
ثالثاً: أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، وفي ذلك يقول
стр. 219
المصنف: "فمن الإحسان: أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، أو يسمع عليه الحديث، لينال بذلك بركة العلم، فقد كان بعض المتقدمين إذا خرج إلى شيخه تصدق في طريقه بشيء من المال، وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه مني" (١).
إن إحسان الظن بالمعلم أو الشيخ لمن الإحسان في العلم، وكيف يرجو طالب النفع والبركة في العلم، وهو سيئ الظن بشيخه، رديء الاعتقاد فيه، وليس معنى هذا أن يهرع الطالب إلى كل من قيل عنه: شيخ، ويتعامى عن بدعه ومخالفاته، بحجة حسن الظن بالشيخ، وحسن الظن في هذا المقام ليس هو ما يعنيه المتصوفة حين يقول بعضهم: كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل (٢)، ولكنه اختيار المعلم الصالح، واصطفاء الشيخ العالم العامل، عند ذلك يأتي حسن الظن مع حسن الاختيار.
وفي إشارة المصنف ﵀ إلى البركة في العلم تنبيه لطيف، يغفل عنه كثير من الشيوخ والطلبة، فإن البركة تزيد في العلم وتنميه، وترسخه وتقويه، فلا ينساه صاحبه، ويعمل بما فيه، ويعلمه الله سواه.
لأن كثيرًا منهم يعتمد على قدرته وحوله وحفظه ونشاطه ومذاكرته، ويغفل عن الله إن لم يهبه البركة في علمه وتعليمه، فكل ذلك إلى ضياع.
وإن الناظر إلى حال الناس اليوم ليرى أن البركة قد انتزعت من الحلم -إلا من رحم الله وقليل ما هم- كما نزعت في الأرزاق والأقوات والأولاد والأموال والثروات والأوقات.
وإنه يخشى والله أن تكون شهادات زماننا هذا هي الآفة الكبرى لذهاب البركات من العلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 220
وبعد أن ذكر المصنف أن من الإحسان في العلم أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، ذكر ببعض الآداب والتوجيهات والوصايا التي ينبغي لطالب العلم أن يتخلق بها مع شيخه، والتي تعد من حقوق العالم على المتعلم، ومنها:
١ - التسليم على الشيخ خاصة.
٢ - الجلوس أمامه.
٣ - عدم الإشارة باليد عنده.
٤ - عدم الغمز بالعين في حضرته.
٥ - عدم الغيبة في مجلسه.
٦ - عدم المساررة في مجلسه.
٧ - عدم الإلحاح عليه إذا تعب.
٨ - عدم الملل من طول صحبته.
٩ - رد الغيبة عنه مع القدرة على ذلك (١).
ولو تأملنا هذه الآداب جميعًا لوجدنا جلها آدابًا عامة، ينبغي على المسلم أن يتأدب بها مع إخوانه المسلمين، ولكنها مع أهل العلم والعلماء أحرى بأن يعمل بها، وأولى من أن تنسى.
رابعًا: أن يقف عندما يسمع ويكتب، وفي ذلك يقول ﵀: "ومن حق العلم لمن استعمل الإحسان فيه أن يقف عندما يسمع ويكتب، فإذا بلغ فضيلة أخذ بحظه منها، فإن كانت نافلة عمل بها ولو مرة في عمره. . وإن كان أدبًا من آداب السنّة أخذ نفسه بذلك، فقد قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] " (٢).
ووقوف المتعلم عند ما يسمعه أو يكتبه والعمل بذلك، ثمرة العلم والتعليم، وما فائدة علم لا يعمل به؟ وكم من الطلبة الذين يعلمون كثيرًا
стр. 221
من الفضائل والسنن والمستحبات، ولكنهم لا يعملون بها، حتى ولو مرة واحدة في حياتهم.
خامسًا: محاسبة النفس، وفي ذلك يقول ﵀: "وأن يحاسب نفسه، ويطالبها بالخشية لله والحذر والمراقبة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال عبد الله بن مسعود: من ازداد علمًا ولم يزدد هدى، لم يزدد من الله إلا بعدًا. وهذا باب واسع" (١).
الإحسان في أعمال الجوارح:
بقسم المصنف الإحسان في أعمال الجوارح إلى فرض عين، وفرض كفاية، وسنّة مؤكدة، وفضيلة، وفي ذلك يقول: "وأما الإحسان في أعمال الجوارح بعد إحكام قاعدة العلم فعلى أنواع: منه فرض عين، ومنه فرض كفاية، ومنه سنّة مؤكدة، ومنه فضيلة لا يسع من له عقل ومروءة أن يفوت نفسه حظها من ذلك، وذلك يختلف باختلاف الأحوال.
قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩٠ - ٩١] " (٢).
ثم شرع المصنف ﵀ في بيان التعاون بين المسلمين الذي هو من الإحسان في أعمال الجوارح، فتحدث عن وجوب بذل المسلم بعض المنافع التي لا يضره بذلها، ويحتاج غيره إليها، ومن ذلك الدلو والفأس والقدر، وما إلى ذلك، وذكر أن هناك خلافًا في بذلها، هل يكون بأجرة المثل، أو يكون تبرعًا مجانًا، ورجح القول الثاني، وقال: إنه مذهب الصحابة والتابعين وأهل الحديث، وما عليه الكتاب والسنّة.
وقد استدل المصنف على ما رجحه بما يلي:
стр. 222
قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧].
وفي السنن عن ابن مسعود ﵁: "كنا نعد ذلك على عهد النبي ﷺ عارية، الدلو والقدر والفأس ونحوهن" وفي الصحيح مرفوعًا إلى النبي ﷺ لما ذكر الخيل قال: "هي لرجل أجر، ولرجل ستر، فأما الذي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، فشبعها وريها وبولها وروثها حسنات، وأما الذي هي له ستر، فرجل ربطها تعففًا وتغنيًا، فهو يرى حق الله في بطونها وظهورها".
وفي الصحيح خرجه البخاري مرفوعًا إلى النبي ﷺ : "ومن حق الإبل إعارة ذكرها، وإطراق فحلها".
ثم قال: فلا يمنع المعروف من الناس بطلب الأجرة على مثل هذه الأشياء، فإن الله يأمر بالعدل والإحسان" (١).
وصدق ﵀، فلو قيل بوجوب دفع أجرة المثل، لانقطع المعروف بين الناس، وقل الإحسان فيهم، وسادت المادية بينهم.
ومن ذلك سماح الرجل لغيره بأن يجري ماؤه في أرضه ليعل إلى أرض صاحبه، من غير إضرار بصاحب الأرض، والراجح وجوب ذلك.
ومن ذلك أيضًا إعارة الحلي للمحتاجة من النساء، في نكاح أو عيد أو مناسبة، واستدل المصنف لذلك يقول عدة من أصحاب النبي ﷺ أن زكاة الحلي عاريته (٢).
وبعد ذلك يأتي المصنف بقاعدة عظيمة شاملة لكل ما سبق، وهي ما عبر عنها بقوله: "وبذل هذه الأشياء يستحب تارة، ويجب أخرى بحسب الحاجة إليها، وكذلك بذل منافع البدن يجب تارة، فلا يحل منعها، كنصر المظلوم باللسان وباليد.
كما يجب بذل العلم، وإفتاء الناس، وتعليم الأمي ما وجب عليه،
стр. 223
والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، وغير ذلك من منافع الأبدان. . ".
ويفرع المصنف على منافع الأبدان منافع اللسان، ويذكر أن من منافع اللسان الشهادة بالحق، ويستطرد -حتمًا- إلى خلاف العلماء في جواز أخذ الأجرة على الشهادة، والأقوال في ذلك، ويختم بقوله عن الشهود: "وعلى الجملة فإنهم يكرمون، لأن الله بهم حفظ الحقوق، وأقام الحدود، وصان بهم الفروج والأنساب. . " (١).
فروض الكفاية:
ومن الإحسان في أعمال الجوارح ما ذكره المصنف وعده فرض كفاية، ومن ذلك: الفلاحة والزراعة، والصناعة، والنساجة، والبناية، والعمران، وكذلك الحرف اليدوية والمهنية، كالطحن، والعجن، والخبز وغير ذلك، وكذلك طلب العلم والجهاد في سبيل الله إذا لم يتعين، وكذلك غسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك الولايات الدينية كإمرة المؤمنين، وما دونها من وزارة، وديونة، وإمرة حرب، وقضاء، وحسبة، وغير ذلك.
وقد استدل المصنف على وجوب ذلك بأن النبي ﷺ كان يتولى الأحكام والفتاوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود.
وكان يقوم بكل ما تعلق بالولايات الدينية، ويولي ما بعد عنه، ويؤمر على السرايا، ويبعث على الصدقة السعاة الذين يجبونها ممن هي عليه، ويدفعونها إلى مستحقيها، وكان ﵇ يحاسب العمال (٢).
قاعدة: يذكر المصنف قاعدة مفادها أن فروض الكفايات قد تنقلب إلى
стр. 224
فروض أعيان متى ألجأت الضرورات إليها، وفي ذلك يقول: "والمقصود هنا أن هذه الأعمال التي هي فرض كفاية متى وقعت الضرورات إلى شيء منها تعينت، وصارت من الواجبات، لا سيما إن كان الذي تلجئ الضرورة إليه غير عاجز عن القيام بالقدر المطلوب من ذلك. . " (١).
ويضرب لتلك القاعدة مثالًا يقول فيه: "فإذا كان الناس يحتاجون إلى نساجة قوم، أو فلاحتهم، صار ذلك العمل واجبًا عليهم، يجبرهم ولي الأمر عليه.
فإذا قاموا بما وجب عليهم من الفلاحة، وجب عليه منعهم أن يظلموا، ولا يمكن الجند من انتقاصهم من حقهم، فإن الجند لا بد لهم من الفلاحين، فيلزمون أن لا يمنعوا الفلاح حقه، كما أنهم يلزمون أن يقوموا بالفلاحة. . ".
ثم تحدث المصنف عن المزارعة وأنها سنة صحيحة ماضية، باعتبارها من الإحسان في أعمال الجوارح، لأنها تعاون بين صاحب الأرض من جهة، وبين من يزرع الأرض ويقوم عليها من جهة أخرى.
وفي أثناء الاستدلال لصحتها ذكر ﵀ انشغال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بالجهاد ونشر الإسلام، ولذا فقد عهد بزراعة خيبر بعد فتحها -على سبيل المثال- إلى أهلها. مع أن المصنف ينبه على ضرورة الاستغناء عن الكفار في كل ما يحتاجه المسلمون، إذا كانوا قادرين على القيام به.
ثم تحدث المصنف عن وجوب الجهاد ووجوب صناعة آلاته، ووجوبه على كل مسلم حسب طاقته، وفي ذلك يقول: "فكما أن الجهاد واجب، فعمل آلاته وبيعها إذا اضطر إليها عند قوم تعين وجوب العمل بأجرة المثل، وبذل الآلة بثمن المثل، أو بالمشترى الأول، وما يقع عليه الرضا من الكسب، فإنه إن بذل ذلك تبرعًا كان مجاهدًا، فإن المؤمن عليه أن يجاهد بيده وبلسانه وبقلبه، وعليه النفقة في عسره ويسره، ومنشطه
стр. 225
ومكرهه، وأثرة عليه، فمن عجز عن الجهاد ببدنه، لم يسقط عنه الجهاد بماله، وعكس ذلك، ومن لم يطق أن يجاهد بيده، فليس بمعذور إن ترك الجهاد بلسانه وقلبه. . " (١).
ويقول المصنف معقبًا على ما ذكره من فروض الكفايات، وأن القيام به من الإحسان: "والغرض هنا إذا كان الكافر الذي هو عدو الملة، يجاور ويعامل ويعطى أجرة المثل عند الحاجة، ولا يحل ظلمه في شيء، فكيف المسلم إذا قام بما يجب عليه من مصالح إخوانه، من طحن بر وإصلاح خبز وتسوية طعام، وإحكام بناء، ونسج ثوب، وغير ذلك، مما هو فرض كفاية، فحقه أن من احتاج إلى أخيه في شيء من ذلك الإحسان إليه، يدفع ما يتعين له من أجرة أو ثمن أو قرض أو عوض" (٢).
الإحسان في أعمال القلوب والجوارح:
ويذكر المصنف في ذلك المقام ثلاثة أمور:
الأول: نية نفع الخلق في كل يوم.
الثاني: طاعة الله بأخذ ما حل، وترك ما حرم.
الثالث: التورع عن الشبهات ما استطاع.
يقول ﵀: "ومن أحب أن يلحق بدرجة الأبرار، ويتشبه بالأخيار، فلينوِ في كل يوم تطلع فيه الشمس نفع الخلق، فيما يسَّر الله من مصالحهم على يديه، وليطع الله في أخذ ما حل، وترك ما حرم، وليتورع عن الشبهات ما استطاع. . " (٣).
ثم شرع المصنف في بيان أهمية النفقة الحلال على الأهل والعيال، ويرى أنه باب عظيم، لا يعدله شيء من أعمال البر.
ثم ذكر فضيلة من يأكل من عمل يده، وأنه صنيع داود ﵇.
стр. 226
الإحسان في المعاملات:
ومن الإحسان في المعاملات ما أوجزه المصنف في بعض الوصايا النافعة، ومنها:
١ - اجتناب البيوع الفاسدة.
٢ - تنزيه اللسان عن الحلف في البيع.
٣ - حفظ المعاملة عن المخادعة.
٤ - حفظ المعاملة عن خلف الوعد.
٥ - القناعة.
٦ - حسن الظن بالله.
٧ - الثقة بما قسمه الله من الرزق.
٨ - خوف الحساب يوم القيامة.
٩ - مراقبة الله (١).
وأيم الله لو سار الناس في معاملاتهم وشؤون حياتهم على ضوء هذه الوصايا -التي أصولها في الكتاب والسنة- لما ضاقوا ذرعًا من سوء المعاملات بينهم، ومن تفشي الخداع والغش والمكر والتدليس بين صفوفهم، ولتحسنت أحوالهم، وتباركت أرزاقهم، وعم الرخاء أوطانهم.
الإحسان في البيوع:
لقد ذكر المصنف جملة من الأمور الهامة التي ينال بها الإحسان في البيوع، هذه الأمور تدور بين مأمورات ينبغي أو يجب العمل بها، وبين منهيات يكره عملها، أو لا يجوز ارتكابها، ومن هذه الأمور:
١ - حاجة البيوع إلى الصدق، وهو محض الحق، وبذل النصح.
٢ - فسادها بالكذب.
стр. 227
٣ - فسادها أيضًا بكتمان العيب.
وهو ما عبر عنه بقوله: "فعامة البيوع المباحة تحتاج إلى الصدق، وهو محض الحق، وبذل النصح، وتفسد بالكذب، وكتمان العيب أو النقص، وهذا عين الخيانة، وأصل الغش. . " (١).
٤ - النهي عن تلقي الركبان.
٥ - النهي أن يبيع حاضر لباد.
٦ - إثبات الخيار للمغبون.
وفي ذلك يقول المصنف عارضًا لخلاف الفقهاء ﵏: "ولهذا: (نهي عن تلقي الركبان) الحديث، وأثبت له الخيار إذا بلغ السوق.
ولهذا كان مذهب أكثر الفقهاء على أنه نهي عن ذلك من أجل ضرر البائع هنا، لأنه إذا لم يكن عرف قيمة المثل، ولا درى السعر بالحاضر، وتلقيت منه السلعة، فاشتريت بمبلغ لعله دون القيمة، فأثبت له الخيار إذا بلغ السوق.
وفي الخيار هنا أقوال: منها أنه ينبت له الخيار إذا غبن في البيع، وإليه ذهب أحمد، والثاني: أنه يثبت مطلقًا، وبه قال الشافعي وأكثر أهل العلم، وهو أظهر قوليه.
وقال طائفة: إنما نهى من أجل ضرر المشتري، لأنه إذا اشتراه بثمن لا يبيعه في السوق إلا بزيادة، فيغلو على المحتاج إليه، فكأنه ﵇ أراد أن يشتريه من يحتاجه بغير واسطة، لئلا يتضاعف الربح فيغلو.
وفي الجملة فقد نهى فضلًا للمصلحة، فإذا كان رسول الله ﷺ نهى عن البيع الذي هو حلال الجنس، حتى يعرف السعر البائع، ويتحقق المشتري السلعة، وصاحب القياس الفاسد يقول للمشتري: أن يشتري ما يشاء أين شاء! ! وقد اشترى برضى البائع.
стр. 228
والشارع رعى المصلحة العامة، لأن الجالب إذا لم يعرف السعر، ولا أخبر بثمن المثل، كان المشتري قد غره، وليس ذلك من الصدق والنصح في شيء، إنما هو خيانة وغش، فإن أضاف إليها كذبًا صريحًا مثل أن يقول: قد أعطيت فوق ما يساوي في سوقه، لأجل حاجتي إلى ذلك ونحو هذا مما يستعمله من لا عناية له بمطعمه ومشربه، ومن جل قصده تثمير المال، والمفاخرة والمكاثرة بحسن المخادعة في البيوع، وكل ذلك محرم محذور. . " (١).
ويلاحظ في هذا المقام أن المصنف حين يطرق هذه القضايا الفقهية البحتة، لا يسلك في ذلك سبيل الفقهاء الذي ينصب في الغالب على بيان المسألة وصورها وأحكامها والاستدلال لها، بل إنه ليأتي به في ثوب جميل من النصح والتوجيه والتربية، والتذكير بأهمية الإحسان والتعاون بين المسلمين، والإشادة بالمحسنين، والتثريب واللوم على الذين ليس همهم في هذه الحياة إلا جمع المال من أي طريق كانت (٢).
وانظر إلى قوله ﵀: "وليس ذلك من الصدق والنصح في شيء، إنما هو خيانة وغش، فإن أضاف إليها كذبًا صريحًا مثل أن يقول: قد أعطيت فوق ما يساوي في سوقه، لأجل حاجتي إلى ذلك، ونحو هذا مما يستعمله من لا عناية له بمطعمه ومشربه، ومن جل قصده تثمير المال، والمفاخرة والمكاثرة بحسن المخادعة في البيوع، وكل ذلك محرم محذور. . " (٣).
٧ - اجتناب البيوع الفاسدة، وينقل جملة كبيرة منها عن ابن عقيل الحنبلي، ويقول ﵀: "ومن الإحسان في البيوع، والتزام العقود الشرعية، والورع في المعاملات المباحة، ما ذكره الإمام أبو الوفا بن عقيل البغدادي في كتاب التذكرة، في باب ما يجتنب من البيوع الفاسدة، فقال:
يجتنب منها خمسة وعشرون شيئًا، كلها كانوا في الجاهلية يجيزونه،
стр. 229
فجاء الإسلام برده وبيان تحريمه، فمنها: تلقي الركبان، وأن يبيع حاضر لباد، والنجش هو من شرها موقعًا، وأذرعها للحق وفي القلوب، وأن يسوم الرجل على سوم أخيه المسلم، ونهى عن بيع الملامسة، وعن بيع المنابذة، ونهى عن المحاقلة، وهي مما يقع فيه كثير من الجند، الذين يعاملون الفلاحين، ولا يعرفون شرطه، ونهى عن المزابنة، وعن بيع الحصاة، وعن بيع الكلب، وعن بيع نقع البئر يعني: ماءه، وعن بيع وسلف، وعن بيع ما لم يقبض، وعن بيع ما ليس عندك، وعن بيع الحب حتى يفرك، وعن بيع الثمرة حتى تزهي، أي: يبدو صلاحها، وهو أن تحمر أو تصفر، وعن بيع الحنطة في شبلها، وربح ما لم يضمن خسارته، ونهى عن بيعين في بيعة، وعن بيع المضامين، وحرم بيع الملاقيح، ونهى عن بيع وشرط، ونهى عن بيع الغرر، وعن بيع حبل الحبلة، وعن بيع اللحم بالحيوان، وعن عسب الفحل، وعن بيع الرطب بالتمر، ورخص في العرايا من أجل الفقراء، وعن بيع المجر، وعن بيع الكالئ بالكالئ" (١).
وكما قلنا قبل ذلك: إن المصنف ينهج نهجًا ليس كنهج الفقهاء في تعامله مع تلك القضايا الفقهية، ومن أجل ذلك فهو يعقب على ما ذكره ابن عقيل من بيوع فاسدة بقوله: "فهذه بيوع كثيرة عرف تفصيلها، ووجه الاحتراز منها، من مشهور الأحاديث، وجملة أحاديث النهي عن البيوع الفاسدة ثلاثة وخمسون حديثًا.
وقد بوب العلماء على أكثرها، وأحسنوا التنبيه على ذلك، لئلا يكون للآكل حجة إذا أخذ الحرام، وسماه بغير اسمه، واحتج لغلبة هواه، ورغبته في تثمير المال بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] " (٢).
وأعجب من ذلك قوله بعد ذلك: "وللعلماء من التصانيف الجليلة في
стр. 230
البيوع ما بين الحالي من العاطل (١)، وأوضح الحق من الباطل، وليس هذا مما يستغني عنه العوام، بل هو مما لا يسعهم جهله، ولا يعذر التجار في التساهل في حفظه" (٢).
وانظر إلى قوله ﵀: وليس هذا مما يستغني عنه العوام، بل هو مما لا يسعهم جهله، ولا يعذر التجار في التساهل في حفظه.
وهل انتشر الربا والمعاملات الربوية، وفشا الغش والخداع، وظهرت المعاملات الفاسدة والبيوع الفاسدة بين الناس، وضج الأخيار، واشتكى الصالحون إلا يوم فرط المسلمون في معرفة أبواب الحلال والحرام، وصارت عند كثير منهم -على أحسن حال- نافلة وفضلة، وظن العوام الذين يتعاملون بالبيع والشراء وسائر المعاملات أنهم مستغنون عنها، وحسب التجار أنهم معذورون يوم تساهلوا في حفظها.
إزالة الضرر من الإحسان الواجب:
وهذه من القواعد الفقهية الهامة التي تعد من مفاخر الفقه في الإسلام، والمصنف أشار إلى هذه القاعدة، واستدل لها بقصة صاحب الشجرة التي كانت في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة، والقصة في ذلك معروفة (٣).
إطعام الطعام من الإحسان:
وذكر ﵀ إن إطعام الطعام للمحتاج إليه فرض كفاية باتفاق أئمة المسلمين، واستدل على ذلك بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٨، ٩].
стр. 231
٢ - وفي البخاري أنه قال ﷺ : "عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا المعاني".
٣ - وفي المسند: "أيما رجل مات في قوم جوعًا، فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله".
ويعقب على ذلك ﵀ بقوله: "ولو مات فيهم رجلًا جوعًا لزمتهم ديته، وكذلك كسوة العرايا فرض كفاية، وهذا الفرض على من له فضل من ماله، ومتى رأى محتاجًا وغلب على ظنه أن غيره لا يقوم بحاجته، تعين عليه أن يطعمه. . " (١).
فإطعام الطعام وكسوة العرايا وإغاثة الملهوف كلها من فروض الكفاية -كما ذكر المصنف- والأمر ليس بالخيار، فإذا كان هناك محتاج إلى شيء من ذلك، وجب على من علم بحاجته من الناس، وكان لديه فضل من مال أو طعام أو لباس أن يساعده، واستدل ﵀ بما وقع للصحابة من فاقة وحاجة شديدتين، وأمرهم النبي ﷺ أن يتصدقوا بفضول أموالهم، حتى ظنوا رضوان الله عليهم أنه لا حق لأحد في شيء من فضل ماله.
وهذا هو الصحيح، وإلا فما معنى أن يوجد المحتاجون، وأن يجوع الفقراء، وأن يتعرى المنكوبون، والمجتمع متخم بالأغنياء والأثرياء، ومن لهم فضول كثيرة في الطعام والشراب والدواء والكساء، وهل لو تحقق هذا المعنى، أو شيء منه على الأقل، هل كنا سنرى هذه المجاعات الأليمة التي تفتك بكثير من المسلمين في كثير من بقاع العالم؟ وهل كان كثير من هؤلاء المساكين سيقعون ضحية لحملات التنصير ومنظماته التي لا ترقب فيهم إلَّا ولا ذمة؟ ! ! ! .
وتأمل قول المصنف ﵀: "ومتى رأى محتاجًا، وغلب على ظنه أن غيره لا يقوم بحاجته، تعين عليه أن يطعمه. . ".
وكم من المسلمين الأغنياء الذين يرون إخوانهم -ليسوا محتاجين
стр. 232
فقط- ولكنهم يتضورون جوعًا بل يموتون جوعًا، يشاهدون كل هذا عبر وسائل الإعلام المختلفة، ويرون ما يندى له الجبين، ويتفطر له قلب كل مؤمن يرجو الله واليوم الآخر، من صور في المجلات، ويسمعون في ذلك الإذاعات، حتى تحدث أن بعضهم أكل بعض، والله يعفو عن تقصيرنا ويتجاوز عن سيئاتنا، إنه أكرم مسؤول.
إن كلام شيخ الإسلام هذا، لهو تأصيل لواجب العمل الإغاثي، ونبراس لهيئات الإغاثة التي تنتشر بين المسلمين، وتذكير لكل مجتمع مسلم آمن مطمئن يعيش رخاءً ورغدًا، بواجبه تجاه مجتمع مسلم آخر، تسربل بلباس الجوع والخوف، والله لا يضيع أجر المحسنين.
النهي عن الرشوة من الإحسان:
وقد أشار المصنف إلى حرمتها، واستدل على ذلك بحديث: (لعن الله الراشي والمرتشي)، وبقصة عبد الله بن رواحة حين أراد اليهود رشوته لما بعثه النبي ﷺ لخرص ثمارهم، فأرادوه أن يحابيهم، فأبى ﵁ وقال لهم: "يا معشر يهود! أنتم أبغض الخلق إلي، قتلتم أنبياء الله، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي".
فما كان منهم -وهم القوم البهت- إلا أن قالوا: بهذا قامت السماوات والأرض، قد أخذناها، قال: فأخرجوا عنا (١).
وفي أثناء الحديث عن المعاملات يذكر المصنف بمزية فريدة لمذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل ﵁ من حيث السعة والشمول قائلًا: "وأصل مذهب أحمد في العقود الجواز، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله، ومذهبه أوسع المذاهب في باب المزارعة والمناصبة والمساقاة، وكل ما كان من المعاملات المباحة" (٢).
стр. 233
وضع الجوائح من الإحسان:
يقول المصنف: "وأما الجائحة (١) في بيع الثمار ففيها نزاع مشهور، فلو اشترى ثمرًا قد بدا صلاحها، فأصابته جائحة، كان من ضمان البائع في مذهب مالك، والإمام أحمد، وجماعة من علماء السلف.
وقد صح النقل وثبت الخبر في صحيح مسلم مرفوعًا إلى النبي ﷺ : "إن بعت من أخيك ثمرة، فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا! أيأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق! ! ".
وأما أبو حنيفة فلا يفرق بين ما بيع قبل بدو الصلاح أو بعده" (٢).
الدعوة إلى الله من الإحسان:
وفي ذلك المقام يذكر المصنف بعث النبي ﷺ الرسائل والكتب إلى ملوك الأرض، لدعوتهم إلى الإسلام، ومن هؤلاء: كسرى وقيصر والمقوقس وأكيدر دومة وغيرهم. وهذا الأمر من أكبر الأدلة على عالمية الدعوة، وأنه ﷺ بعث إلى الناس كافة، بل إلى الثقلين جميعًا، ويقول في ذلك: "وإنما بعث إلى كل واحد منهم رجلًا من أصحابه، ودعاهم إلى الله وإلى التصديق برسالته لإقامة الحجة وظهور الدعوة وقطع العذر لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. .﴾ [النساء: ١٦٥] الآيات.
فإن الأنبياء كانوا يبعث النبي إلى قومه، وبعث ﵇ إلى الناس كافة.
وإنما قصد ببعث هذه الرسل إلى الملوك، بث الدعوة في جميع الممالك، ودعا الناس عامة إلى دينه، على حسب ما أمره الله. . " (٣).
وكان ﷺ يبعث الدعاة لدعوة الناس إلى الإسلام، وتعليمهم إذا
стр. 234
دخلوا في الإسلام، ومن ذلك بعث علي بسورة براءة، وبعث معاذ إلى اليمن.
طلب الرزق والمعاش من الإحسان:
ويذكر أن الأنصار ﵁ كان غالب عملهم هو الزراعة، وذكر الحديث الصحيح في فضل الغرس والازدراع، وهو قوله ﷺ : "ما من مسلم يزرع زرعًا، أو يغرس غرسًا، فيأكل منه طير، أو سبع، أو حيوان، إلا كان له صدقة".
كما ذكر أن الصحابة رضوان الله عليهم كانت لهم أسباب ومعايش شتى، مع كثرة جهادهم وغزوهم، ولكنهم كانوا كما قال قتادة ﵀: "كان القوم يتبايعون، ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله، لم تلههم تجارة، ولا بيع عن ذكر الله، حتى يؤدونه إلى الله. . " (١).
فقه الحلال والحرام من الإحسان:
وقد سبق طرف من الكلام في ذلك، والمصنف هنا يركز على حال الصحابة الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين فيقول: "ولا خلاف أن الصحابة كانت لهم أسباب، ومعائش شتى، مع كثرة اشتغالهم بالغزو، الذي هو من أشد الأعمال على النفوس، وكان تورعهم واجتهادهم وفقههم الذي يتدارسونه بينهم معرفة الحلال والحرام، في المآكل والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، ونحو ذلك، وكانوا يرجعون في ذلك كله إلى الكتاب والسنة، ويستفتون رسول الله ﷺ في حال حياته، ويسأل بعضهم بعضًا عن سنته بعد وفاته، حتى حفظ عنهم في باب المعاملات ما قطع حجة كل أفاك أثيم، وعرف من شعارهم ما لو تمسكنا به لم نعدل عن النهج القويم، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم. . " (٢).
стр. 235
فأما سؤال الصحابة رضوان الله عليهم للنبي ﷺ في حياته، فيضرب له المصنف مثالًا بقصة ذي النورين عثمان بن عفان ﵁، حين سأل النبي ﷺ عن أجرة الكيل، هل هي على البائع أو على المشتري؟ (١).
وأما سؤالهم رضوان الله عليهم لبعضهم عن سنته وهديه بعد موته، فيستشهد المصنف بقصة البراء بن عازب وزيد بن أرقم في الصرف (٢).
أكل الحلال من الإحسان:
بذكر المصنف في هذا المقام الحديث العظيم الذي رواه البخاري في صحيحه، وبوَّب به له بابًا قال فيه: باب من لم يبال من أين يكسب المال، عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي ﷺ : "يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء من أين أخذ المال، من حرام، أم من حلال" (٣).
وإن المتأمل اليوم ليجد أن هذا الحديث الريف من أمارات نبوته ﷺ ، حين يرى تكالب الناس والشركات على تحصيل الربح وأخذ المال من أي طريق كان، وإن آخر شيء يفكر فيه هؤلاء القوم هو أحلال ما صنعوه أو حرام! ! .
الورع واتقاء الشبهات من الإحسان:
ويدل المصنف لذلك بحديثين صحيحين هما:
الحديث الأول: حديث النعمان بن بشير يرفعه إلى النبي ﷺ : "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم، أوشك أن بواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه".
و الحديث الثاني: عن عقبة بن الحارث: "أن امرأة دخلت عليه،
стр. 236
فأخبرته أنها أرضعت امرأته، الحديث، وفيه: فكيف وقد قيل! ! " (١).
مسك الختام للكتاب:
يناقش المصنف لعن الدنيا، وما يذم منها وما يحمد، فينتقد لعن الدنيا بإطلاق، وذمها باستمرار، ثم يفصل في ما يذم منها وهو لا يخرج عن أمرين:
إما أن يكون حرامًا أخذ من غير وجهه، وإما أن يكون حلالًا قصد به التكاثر والمباهاة، ويقول ﵀ موضحًا ذلك: "وكيف يصح أن الدنيا ملعونة، وليس من رزق، ولا من نعمة، ينالها العبد إلا على ظهرها.
وقد قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، وإنما يذم منها: حرام من غير وجهه، أو حلال على سبيل التكاثر والتفاخر، وما يقتنى قصد المباهاة والمماراة، فذلك الذي هو ممقوت عند ذوي الألباب. . " (٢).
ثم يذكر المصنف كيف أن بعض الصحابة حازوا من الأموال الشيء الكثير -مع معرفة حق الله فيها- ومن هؤلاء الزبير ﵁، وذكر أن كثيرًا من الصحابة كانوا أهل تجارة ومال، ومن هؤلاء الصديق ﵁ (٣).
ثم تحدث ﵀ عن فشو المال وازدياد الثروات حين اتسع الإسلام في زمن ﵁، وكل ذلك يستشعر معه المرء بعظمة الإسلام التي يريد المتصوفة ومن شاكلهم أن يغتالوها، بتخرصاتهم الباطلة وتعبداتهم المبتدعة وزهدهم المنحرف.
ويختم المصنف كتابه بمقالة لأحد العلماء: "من اكتفى بتحسين المقال دون التفقه والعمل به تزندق، ومن عمل بغير علم وقع في البدع، ومن تفقه ولم ينشر العلم ولم ير العمل به من شرطه فسق، ومن تفنن في الأبواب كلها تخلص. . " (٤).
стр. 237
وأخيرًا فإن المصنف يوصي بوجوب الاعتصام بالكتاب والسنة حتى الممات، والتجافي والتباعد عن البدع والمحدثات، فيقول مختتمًا كتابه العظيم: "فما وجدناه من كتاب الله تعالى، وعن رسول الله ﷺ ، أو عن جميع أصحابه الطاهرين ﵃ أجمعين، أخذناه باليدين، وعضضنا عليه بالناجذين، وتمسكنا به حتى نلقى الله به معتصمين، وما لم نجده في هذه الأنوار الساطعة، والطرق المأمونة، والسبيل المضمونة المقطوع على أنها حق عند الله تعالى نفرنا منه، ولم نجسر عليه ووليناه من تولاه وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين" (١).
стр. 238
المبحث الثالث المقارنة بين كتاب الإيمان الكبير وكتاب شرح حديث جبريل
أوَّلًا: أي الكتابين أسبق تصنيفًا ؟
إن المتأمل لهذين الكتابين، والمطالع لهما يصعب عليه أن يجزم أيهما كان الأسبق تأليفًا، ومن خلال القراءة المتأنية للكتابين، ومقارنة الموضوعات المشابهة فيهما، لم يتبين لا أيضًا معلم بارز يمكن أن يرشدنا إلى ما نريد الوصول إليه، وخصوصًا أن المصنف لم يشر إلى شيء من ذلك البتة.
غير أننا يمكن أن نرجح ترجيحًا -غير جازمين به تمامًا- فنقول:
إن كتاب "شرح حديث جبريل" الذي قمنا بتحقيقه هو الأول تأليفًا والسابق تصنيفًا على كتاب "الإيمان الكبير"، والأسباب التي دعتنا إلى القول بهذا هي:
أولًا: توسع شيخ الإسلام ﵀ في كتاب "الإيمان الكبير" وتطرقه لمسائل عديدة لم يعرض لها في كتاب "شرح حديث جبريل"، وهذا منهج درج عليه كثير من العلماء والمصنفين، حيث ينالون ما يريدون من موضوعات في مؤلفات موجزة، ثم يعودون لسبب أو آخر، لمناقشة تلك القضايا، والإفاضة حولها في مصنفات كبيرة، تروي الغليل، وتشفي العليل، وهكذا كان الحال في هذين الكتابين على الراجح، حيث أحاط المؤلف في "شرح حديث جبريل" بأغلب القضايا المتعلقة بالإيمان، أما في "الإيمان الكبير" فقد تناول نلك القضايا بشيء من الإسهاب، وزاد عليها جملة وافرة من المناقشات والاعتراضات والردود.
стр. 239
ثانيًا: لقد ظهر من خلال النظر في النسختين المخطوطتين التركيتين للكتابين المذكورين، أن كتاب "شرح حديث جبريل" سمي "كتاب الإيمان"، وأن كتاب "الإيمان الكبير" قد سمي "كتاب شرح الإيمان"، وهاتان التسميتان تتفقان مع ما قررناه آنفًا من إيجازه ﵀ في "شرح حديث جبريل"، وتوسعه في "الإيمان الكبير"، وتوحيان للباحث أن "شرح حديث جبريل" متقدم في التأليف على "الإيمان الكبير".
فقد وجدت في مقدمة النسخة التركية لكتاب "الإيمان الكبير" في أعلى الصفحة العنوان التالي: "كتاب فيه شرح كتاب الإيمان تأليف الشيخ الإمام. . . " ولعل في هذا ترجيحًا على أن كتاب "شرح حديث جبريل" متقدم على "الإيمان الكبير".
وليس المقصود بالطبع بكلمة الشرح هنا ما تعارف عليه أهل الفنون خصوصًا المتأخرين منهم، حيث تطلق هذه الكلمة على توضيح لعبارات متن موجز، وإنما المقصود ما ذكرناه في السبب الأول.
ومما تجدر الإشارة إليه أن النسختين التركيتين لناسخ واحد، وفي مخطوط واحد، وهما أقدم نسخ الكتابين على الإطلاق.
ثالثًا: أن كتاب "شرح حديث جبريل" كتاب كامل انتهى منه مؤلفه كما ظهر ذلك من النسخة التركية للكتاب.
أما كتاب "الإيمان الكبير" فهو كتاب ناقص من آخره، كما ذكر الناسخ في آخر النسخة التركية "للإيمان الكبير" أن مؤلفه ﵀ قد مات قبل أن يتمه، وذلك حين أشار ﵀ في بعض المواقع أنه سوف يقوم ببسطها في الكتاب، ولكن الأجل حال دون ذلك الأمر.
كما يشعر بذلك كل من اعتنى بمطالعة الكتاب، بل إننا نستطيع أن نقول بعد كل هذا: إن كتاب "الإيمان الكبير" من آخر ما ألفه ﵀ في حياته، وذلك لما ذكرناه آنفًا، ولما احتواه هذا السفر العظيم من علم غزير، وطرق نفيس لموضوع من أهم بل هو أهم الموضوعات التي تتناولها الدراسات العقدية.
стр. 240
أما كتاب "شرح حديث جبريل" فلا نستطيع أن نجزم بتاريخ تأليفه على وجه التحديد، وإن كنا نظن أن الشيخ رحمه الله تعالى قد ألفه في المرحلة الأخيرة من حياته، وخصوصًا أننا نؤكد أن آخر الكتاب لم يبيضه المؤلف، والله أعلم.
ثانيًا: عرض المسائل في الكتابين، وأبرز الفروق بينهما:
أولًا: الاختصار في شرح حديث جبريل، والإسهاب في الإيمان الكبير:
إن أبرز الفروق التي تتعلق بعرض المسائل في الكتابين هو الاختصار في "شرح حديث جبريل" والإسهاب في "الإيمان الكبير"، وهذا أمر يراه واضحًا كل من طالع الكتابين المذكورين. على أن ذلك الفرق البارز ليس على الإطلاق، فقد أثار إلى مسائل في "الإيمان الكبير" إشارة موجزة -وإن كانت ليست كثيرة- وتوسع في الحديث عنها في شرح حديث جبريل.
ومن ذلك إشارة المؤلف في كتاب "الإيمان الكبير" إلى فرق المرجئة، وبسط الكلام عنها في كتاب "شرح حديث جبريل".
بل إن هناك بعض الموضوعات التي تطرق إليها المصنف في كلا الكتابين، ولكنه أفاض في الحديث عنها في كتاب "شرح حديث جبريل"، وأسهب في الكلام عليها أكثر مما صنعه في كتاب "الإيمان الكبير" ومن هذه الموضوعات: الوجوه التي يعرف بها زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل الناس في الإيمان.
فقد تحدث عنها في كتاب "شرح حديث جبريل" في قرابة عشر صفحات، بينما لم يزد حديثه عنها في كتاب "الإيمان الكبير" عن خمس صفحات.
ولكن تبقى الصورة العامة التي توضح الملامح الخاصة لكل من الكتابين، حيث الإسهاب والتوسع والإطالة في "الإيمان الكبير"، والإيجاز والاقتضاب والتركيز في "شرح حديث جبريل".
فعلى سبيل المثال: عندما أورد آية الحجرات: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ
стр. 241
لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا. .﴾ [الحجرات: ١٤]، وهي الآية التي استدل بها على أن الإيمان غير الإسلام، نجد أنه في "شرح حديث جبريل" قد تحدث عنها في قرابة ست صفحات، أما في "الإيمان الكبير" فقد زاد حديثه عنها عشر صفحات، متعرضًا للروايات المتعددة في سبب نزولها، وكلام المفسرين عنها، وهو ما لم يتطرق إليه في "شرح حديث جبريل".
أما مسألة الفرق بين الإسلام والإيمان فقد أوجز الكلام عنها في "شرح حديث جبريل" في عدة صفحات، وأطال فيها في "الإيمان الكبير".
وفي حين أشار في "شرح حديث جبريل" إلى ذم السلف للإرجاء إشارة عابرة، فقد نقل عن بعض السلف كلامًا في ذمهم للإرجاء في "الإيمان الكبير".
وتبقى جملة من المسائل والقضايا التي عرض لها في الكتابين مستوية الطرفين، بمعنى أن عرضه لها يكاد يكون عرضًا متماثلًا في كل منهما، مع وجود فروق صغيرة بين هذه المسائل في بعض الأحيان.
ومن هذه المسائل على سبيل المثال لا الحصر، مسألة التعريف بالزنديق والخلاف بين العلماء في قبول توبته.
وكذلك مسألة التكفير بترك المباني الأربعة أو بعضها، وخلاف أهل العلم في ذلك.
ومن المسائل الهامة التي اعتنى بها المؤلف ﵀ في الكتابين مسألة اختلاف دلالات الأسماء والألفاظ بالأفراد والاقتران، والإطلاق والتقييد.
ثانيًا: كثرة مصادر "الإيمان الكبير"، وقلّتها في "شرح حديث جبريل ":
ومن الفروق البارزة بين الكتابين، والتي تنسجم تمامًا مع حجم الكتابين كثرة مصادر "الإيمان الكبير"، وكثرة نقول المؤلف عن طائفة من العلماء الموافقين له والمخالفين.
أما مصادر "شرح حديث جبريل" فهي أقل من ذلك، ونكاد نوجزها في التالي:
стр. 242
رسالة الإمام أحمد في الصلاة، كتاب الأم للإمام الشافعي، فضائل الشافعي للفخر الرازي، مقالات الإسلاميين للأشعري، كتاب الموجز للأشعري أيضًا، عقيدة السهروردي، نظم السلوك لابن الفارض.
أما مصادر "الإيمان الكبير" فهي تربو على العشرين مصدرًا، على أن نقوله من المصادر في "شرح حديث جبريل" تعد قليلة، لا سيما إذا قورنت بنقوله من المصادر في "الإيمان الكبير" التي تسم بالطول في مجملا كما ذكرنا من قبل.
ومن العلماء الذي نقل عنهم المصنف في "الإيمان الكبير": الإمام الشافعي، وأبو الحسن الأشعري، والإمام أحمد وأكثر عنه خاصة، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ومحمد بن نصر، وأبو القاسم البغوي، وأبو بكر الباقلاني، والإمام الخطابي، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو عمرو بن الصلاح، وغيرهم.
ثالثًا: منهجه في "شرح حديث جبريل" يغلب عليه التقرير:
ومن الفروق البارزة بين الكتابين ما يتعلق بمنهج العرض للمسائل، حيث يغلب المنهج التقريري على كتاب "شرح حديث جبريل"، مع احتوائه على جملة لا بأس بها من الردود.
أما كتاب "الإيمان الكبير" فقد تميز بكثرة الردود على المخالفين، وغلب عليه جانب المناقشات والاعتراضات والاستدلالات، مع احتوائه أيضًا على شيء من التقرير في بعض الأحيان.
فإلى جانب الردود على الجهمية ومن تابعهم، وعلى مرجئة الفقهاء في مسألة الإيمان، والتي ذكرت في الكتابين، فقد ناقش المؤلف في "الإيمان الكبير" جملة من المفاهيم الخاطئة.
ومن مناقشاته المستفيضة التي أخذت حيزًا وافرًا من الكتاب، تلك التي ناقش خلالها الإمام محمد بن نصر المروزي رحمه الله تعالى، الذي أطال في الانتصار على أن الإسلام والإيمان شيء واحد، فتعقبه المؤلف، وبين الراجح في تلك المسألة الشائكة، وأطال النفس فيها.
стр. 243
وكذلك نذكر في هذا الباب مناقشة للأشاعرة الذين جعلوا الإيمان خصلة من خصال الإسلام، وبيان تناقضهم في ذلك.
ومن ذلك أيضًا رده على الباقلاني الذي قرر مذهبه في الإيمان بأنه التصديق، وجاء هذا الرد القوي في ستة عشر وجهاً واعتراضاً.
رابعاً: كثرة الاستطرادات والتكرار في "الإيمان الكبير" دون "شرح حديث جبريل ":
ومن الفروق التي ظهرت بين الكتابين ورود التكرار في "الإيمان الكبير" أكثر من مرة، نجد ذلك واضحاً في مسألة الاستثناء، وفي مناقشة الإمام محمد بن نصر، وإن كان لذلك دواعي رآها المؤلف، كما وقع في مسألة الاستثناء، حين بحثها عبد مناقشة لمسمى الإيمان عند الأشاعرة، مستدلاً بها على تناقضهم، ثم عاد وبحثها ثانية بحثاً مستفيضاً في آخر الكتاب.
أما كتاب "شرح حديث جبريل" فلم يقع فيه أي تكرار تقريباً.
أما الاستطرادات فلم يخل منها الكتابان، وقد جاءت متفقة مع حجم كل منهما تقريباً، على أننا نؤكد في هذا المقام أهمية هذه الاستطرادات، وعظيم نفعها، فمن الاستطرادات التي وقعت في كتاب "الإيمان الكبير" ما بحث فيه المؤلف مسألة المجاز، والأقوال فيها، وقد بلغ هذا الاستطراد ستاً وعشرين صفحة، وكذلك مسألة الكلام النفسي، "والعجيب أنَّ شيخ الإسلام استوفى مباحث هذه المسألة -مسألة الكلام النفسي والرد على الأشاعرة فيه- في كتاب الإيمان أكثر من غيره من كتبه ورسائله" (١).
وهناك أيضاً الاستطراد الذي وقع في مسألة "القدر" في نحو ست
стр. 244
صفحات، والاستطراد عن "الظلم وأنواعه" الذي بلغ أكثر من عشر صفحات.
أما الاستطرادات الواقعة في كتاب "شرح حديث جبريل"، فمنها ما وقع في معرض رده على الفلاسفة وغلاة المتصوفة، وهو استطراد كبير، لا سيما إذا قورن بحجم الكتاب، حيث بلغ أكثر من عشر صفحات.
على أنَّ لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى من وراء هذه الاستطرادات النافعة أهدافاً يريد الوصول إليها، وهي ما عبر عنه في كتاب "شرح حديث جبريل" بقوله: "ولكن المقصود التنبيه على تشابه رؤوس الضلال، حتى إذا فهم المؤمن قول أحدهم أعانه على فهم قول الآخر، واحترز منهم وبيّن ضلالهم، لكثرة ما أوقعوا في الوجود من الضلالات" (١).
وهذه ميزة لكتاب "شرح حديث جبريل" حيث نبه المؤلف ﵀ على الأسباب التي تدعوه في كثير من الأحيان أن يستطرد، وأن غالب استطرادات شيخ الإسلام -إنَّ لم تكن كلها- كانت بقصد بيّنه ﵀ في ذلك الكتاب، وقمنا بإبراز هذه القضية والتعليق عليها أثناء التحقيق.
وهذا منهج عظيم في البحث والتقصي، يعتمد على أساليب التمثيل والمقارنة بين عقائد الفرق والطوائف المنحرفة، وينتفع به العالم والمتعلم على حد سواء.
ولم يكد يظفر بهذا المنهج سوى أفراد قلائل، أوتوا حظاً عظيماً من العلم والمعرفة والتحقيق -كشيخ الإسلام ﵀ الذي يعد بحق فارس هذا الميدان.
خامساً: ورود بعض المصطلحات في كتاب دون الآخر:
ولو نظرنا إلى المصطلحات الواردة في الكتابين، لرأينا أنَّ المؤلف ﵀ قد تناول منها جملة لا بأس بها في كل منهما.
стр. 245
وهذه المصطلحات التي بحثت في الكتابين هي الأهم بالنسبة لموضوعاتهما.
ومن هذه المصطلحات:
الإيمان، والإسلام، والإحسان، والمؤمن، والمسلم، والمحسن، والكفر، والنفاق، والكافر، والمنافق، والزنديق، والفاسق، والإيمان المطلق، وغيرها.
لأن كان أحياناً يتوسع في الحديث عن بعض هذه المصطلحات في أحد الكتابين دون الآخر، فعند كلامه عن الزنديق مثلاً، كان حديثه في كتاب "شرح حديث جبريل" أشمل وأكمل منه في الإيمان الكبير.
أما الإيمان المطلق فقد توسع في بحثه في كتاب "الإيمان الكبير" أكثر من توسعه في الحديث عنه في كتاب "شرح حديث جبريل"، وإن كان توسعه في الحديث عن هذه المصطلحات يكاد يغلب على "الكبير".
على أنَّ هناك مصطلحات تعرض لها في أحد الكتابين دون الآخر.
ومن هذه المصطلحات التي تحدث عنها أو أشار إليها في "شرح حديث جبريل", ولم ترد في "الإيمان الكبير":
الجاهلية، والطاغوت، والنبوة، والسحر، والروح، وغيرها.
ومن المصطلحات التي تناولها المؤلف في "الإيمان الكبير"، ولم يتعرض لها في "شرح حديث جبريل": الجهاد، والصالح، والشهيد، والصديق، والظلم، وغيرها.
ثالثاً: ما تميز به كتاب "شرح حديث جبريل" عن كتاب "الإيمان الكبير ":
إنه على الرغم من إقرارنا بنفاسة كتاب "الإيمان الكبير"، وما حواه من علم غزير، وبحثه في قضايا كثيرة، وتحقيقات مطولة، ينهل منه العلماء، ويصدر عنه الباحثون، في أهم باب من أبواب العقيدة، وبالرغم من طول النفس العلمي الذي صاحبه في جميع موضوعاته -وهو النفس الذي عرف به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والذي تفرد به- يظل كتاب
стр. 246
"شرح حديث جبريل" فريداً في بابه، متميزاً في أسلوبه، يلبي حاجة ملحة للدارسين في مجال العقيدة وعلومها، ويجيب عن قضايا شائكة في الفكر الإسلامي المعاصر، كثر الخوض فيها، وهذه بعض الخصال والخصائص التي تميز بها "شرح حديث جبريل" عن "الإيمان الكبير":
الأولى: الاختصار والتركيز، مما يجعله في متناول أيدي الباحثين والقراء، ونستطيع أن نقول واثقين: إنَّ المصنف ﵀ قد جمع أطراف ذلك الموضوع، وأحاط بأصوله في هذا الكتاب الموجز النافع.
الثانية: من أبرز الخصال التي تفرد بها كتاب "شرح حديث جبريل" أنه يقوم بسرد شبه تاريخي لظهور البدع، ونشوء الفرق، فيتعرض لنشأة الخوارج، ثم المعتزلة، ثم المرجئة، والجهمية، ثم الكرامية، وهذا السرد مهم في بحث قضية الإيمان وموقف الفرق منها.
الثالثة: توسع شيخ الإسلام في ذكر أحاديث الخوارج، وفي ذكر بعض أسمائهم، وطوائفهم، وكذلك في الرد عليهم، وإبطال مذهبهم في تكفير مرتكب الكبيرة، وحبوط عمل صاحبها، وخلوده في النار.
الرابعة: أنَّ الكتاب قد احتوى على مبحث عظيم، وهو أسباب سقوط العقوبة عن العبد، وهي عشرة أسباب كما ذكرها المؤلف ﵀.
الخامسة: أنه تضمن نقاشاً قوياً مع الفلاسفة وغلاة المتصوفة، هذا وإن كان يعد استطراداً، نقد ذكرنا سابقاً غرض المصنف من ورائه.
السادسة: تقرير قاعدة عامة عظيمة، وهذه القاعدة تقول: (إنَّ المدلول إذا كان وجوده مستلزماً لوجود دليله، كان انتفاء دليله دليلاً على انتفائه، أما إذا أمكن وجوده وأمكن أن لا نعلم نحن دليل ثبوته، لم يكن عدم علمنا بدليل وجوده دليلاً على عدمه).
وهذه القاعدة وقع بسبب إغفالها، والجهل بها، كثير من الوهم والخطأ والزلل عند كثير من الناس.
السابعة: أنَّ فيه بحثاً فريداً عن بعض الإشكالات التي وقعت في فهم بعض الأحاديث المتعلقة بموضوع الإيمان والإسلام، كحديث وفد
стр. 247
عبد القيس، وغيره، والجواب عن ذكر بعض أركان الإسلام دون بعض في الأحاديث الواردة، وإزالة اللبس الواقع في فهمها، وهو منهج أصيل في التعامل مع النصوص الشرعية، لا يسلكه إلَّا المحققون الكبار من أهل العلم، فيصلون إلى الحقيقة من أقرب طرقها، وأيسر منافذها، في الوقت الذي يراعون فيه النصوص، ويحفظون مكانتها، وهذا هو المحور الرئيسي لأهل السنة والجماعة في الاستدلال بنصوص الشرع وأدلته.
الثامنة: أنَّ فيه بحثاً لطيفاً موجزاً عن حكم تارك الصلاة تكاسلاً وتهاوناً، مع ذكر الأدلة على ذلك.
التاسعة: أنَّ فيه بحثاً مهماً للغاية في قضية التكفير، وضوابطها، وتوضيح بعض الشبه حولها، فين كان قد تعرض لتلك القضية الخطيرة في كتاب "الإيمان الكبير" في مواضع متفرقة، إلَّا أنَّ معالجته لها في كتاب "حديث جبريل"، ولمِّ أطرافها في موضع واحد تبقى سمة مميزة للكتاب.
العاشرة: ومن أبرز ما تميَّز به كتاب "شرح حديث جبريل" احتواؤه على مبحث نفيس مطول، عن المرتبة العليا، والدرجة الأولى في هذا الدين، وهي الإحسان، بكل أبوابه وأنواعه، سواء كان في الأقوال، أو في الأفعال، الباطنة منها والظاهرة.
وإن من يقرأ هذه المبحث الرائع ليرى عظمة هذا الدين الذي أنعم الله به علينا، ويرى أنَّ العقيدة الإسلامية ليست في القلب فقط، أو أنَّ مكانها في الكتب والعقول، ولا علاقة لها بالحياة، بل هي الطاقة الحقيقة الفعالة التي تغير مجرى الحياة، وتنهض بالأمة من عثراتها، وتوقظها من سباتها، وتعيدها إلى موقع الريادة والتمكين.
وبهذا يظل كتاب "شرح حديث جبريل" مصدراً ضرورياً لا غنى لدارسي العقيدة الإسلامية عنه، وكذلك يظل بما طرحه من قضايا، وطرقه من موضوعات، وبما تميز به من تركيز واختصار، علاجاً لكثير من المشكلات التي نشأت في الساحة الإسلامية المعاصرة، وعلى رأس تلك القضايا، قضية التكفير، وأصولها وضوابطها.
стр. 248
هل هناك كتاب لشيخ الإسلام يسمى "الإيمان الصغير"؟ :
يعتقد بعض الباحثين أنَّ لشيخ الإسلام ثلاثة مصنفات في الإيمان، كبير وأوسط (شرح حديث جبريل) وصغير، ويقول بعض هؤلاء: إنَّ المجلد السابع من مجموع الفتاوى يحتوي على هذه المصنفات الثلاثة، حيث تقع فيه مرتبة كالتالي: الإيمان الكبير، وشرح حديث جبريل، والإيمان الصغير، وفي الواقع فإن جامع الفتاوى الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ﵀ لم يشر في الهوامش إلى أسماء شيء من هذه المصنفات سوى شرح حديث جبريل، ولعل تسمية الإيمان الكبير جاءت بسبب ما أثبته الشيخ من اسم للإيمان الأوسط، ومقارنته به من حيث الحجم، ثم وجدوا أنَّ هناك في آخر المجلد السابع كلاماً يتعلق بالإيمان، في صفحات معدودة، فاعتقد بعضهم أنَّ هذا هو الإيمان الصغير، وفي الحقيقة فإن هذا كله لا يعتمد إلَّا على الظن، ولا يستطيع الباحث أن يجزم بشيء من ذلك، وعلى العموم فإننا نستطيع أن نخرج من تلك القضية بما يلي:
أولاً: أنَّ هذه التسميات هي من وضع بعض النساخ في الغالب، أو بعض أهل العلم، لأن المؤلف أو أحداً من تلامذته لم يشر إليها بتاتاً.
ثانياً: أنَّ النسختين التركيتين -وهما أقدم النسخ على الإطلاق- سمي شرح حديث جبريل فيهما باسم: "كتاب الإيمان"، وسمي الإيمان الكبير باسم: "كتاب شرح الإيمان"، وعلى هذا فلا مانع من إطلاق التسميتين المشهورتين على الكتابين، لشهرتهما أولاً، ومطابقتهما لحجم الكتابين ثانياً.
ثالثاً: بالنسبة للإيمان الصغير، فقد جاء في بعض النسخ للإيمان الأوسط -كالنسخة المحمودية على سبيل المثال- تسميته بالإيمان الصغير، وهي تسمية ملائمة تقابل الإيمان الكبير، وبناء على هذا فلا يوجد للمصنف كتاب يسمى بالإيمان الصغير، وإن وجدت بعض النسخ فهي للإيمان الأوسط، هذا ما نرجحه في هذا المقام، اللهم إلَّا إذا اعتبرنا ما وجد في آخر المجلد السابع من كلام هو الإيمان الصغير، ولا دليل على ذلك، فإن للمصنف كلاماً كثيراً في الإيمان منثوراً في مجموع الفتاوى وغيرها من الكتب الأخرى التي صنفها.
стр. 249
المبحث الرابع دراسة عن نسخ الكتاب المطبوع منها والمخطوط
أولاً: اسم الكتاب:
اشتهر هذا الكتاب باسم "الإيمان الأوسط"، وقد قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، في هامش مقدمة الكتاب: "هذا كتاب الإيمان الأوسط" (١)، ويبدو أنَّ هذه التسمية قد أخذها الشيخ عبد الرحمن من نسخة الكتاب المخطوطة التي اعتمدها في مجموع الفتاوى (٢)، وربما أطلق على هذا الكتاب اسم: "الإيمان الصغير" كما ذُكر ذلك في النسخة المحمودية للكتاب (٣).
وقد سبقت الإشارة -عند الحديث عن منهج شيخ الإسلام في التصنيف- إلى تعدد أسماء كثير من مصنفاته، ولا يملك الباحث في هذا المقام إلَّا أن يجزم أنَّ هذا الكتاب الذي بين أيدينا، من هذه المصنفات التي تعددت أسماؤها، ولا يُدرى أيضًا هل قام شيخ الإسلام بتسمية هذا الكتاب، أم أنَّ أحداً من تلامذته أو النسّاخ هو الذي قام بذلك؟ .
ولكن الحقيقة التي توصلت إليها بعد بحث، أن الكتاب عبارة عن
стр. 250
جواب للمصنف شرح خلاله حديث جبريل ﵇ في الإسلام والإيمان والإحسان.
وقد ذكر ابن عبد الهادي أنَّ من بين مصنفات شيخ الإسلام ﵀، مصنف باسم: شرح حديث جبريل ﵇، ووصفه بأنه في مجلد لطيف (١)، وممن ذكر ذلك أيضًا ابن شاكر الكتبي (٢)، وإن لم يكن كتابنا هذا هو الذي ذكره ابن عبد الهادي، فأي كتاب يكون إذن؟ . والكتاب كذلك متفق مع أسلوب شيخ الإسلام الموسوعي الذي عُرف به، حيث ترد إليه الأسئلة، فربما أجاب عن السؤال الواحد منها بجواب مطول (٣)، يبلغ مجلداً في بعض الأحيان.
ومما يدل على أنَّ هذا الكتاب الذي قمت بتحققه، هو شرح لحديث جبريل ﵇ ما يلي:
١ - ما جاء في اللوحة الثانية (صفحة ب) من النسخة التركية، ونصه كالتالي: "كتاب الإيمان، يتضمن الحديث سؤال جبريل ﵇ النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، عن الإسلام والإيمان، والإحسان، وجوابه ﷺ عن ذلك بأفصح بيان، أملاه الشيخ الإمام العالم العامل، الورع الناسك، شيخ الإسلام، بقية السلف الكرام، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية. . ".
٢ - ما جاء في اللوحة الثانية (صفحة أ) من النسخة التركية أيضاً، ونصه: "قال الفقيه أبو الليث السمرقندي ﵀: فإن قيل: الإيمان مخلوق، فقل: الإيمان إقرار بوحدانية الله وهداية، وأما الإقرار فهو صنع العبد وهو مخلوق، وأما الهداية فهو صنع الرب، وهو غير مخلوق.