"شرح حديث جبريل" فريداً في بابه، متميزاً في أسلوبه، يلبي حاجة ملحة للدارسين في مجال العقيدة وعلومها، ويجيب عن قضايا شائكة في الفكر الإسلامي المعاصر، كثر الخوض فيها، وهذه بعض الخصال والخصائص التي تميز بها "شرح حديث جبريل" عن "الإيمان الكبير":
الأولى: الاختصار والتركيز، مما يجعله في متناول أيدي الباحثين والقراء، ونستطيع أن نقول واثقين: إنَّ المصنف ﵀ قد جمع أطراف ذلك الموضوع، وأحاط بأصوله في هذا الكتاب الموجز النافع.
الثانية: من أبرز الخصال التي تفرد بها كتاب "شرح حديث جبريل" أنه يقوم بسرد شبه تاريخي لظهور البدع، ونشوء الفرق، فيتعرض لنشأة الخوارج، ثم المعتزلة، ثم المرجئة، والجهمية، ثم الكرامية، وهذا السرد مهم في بحث قضية الإيمان وموقف الفرق منها.
الثالثة: توسع شيخ الإسلام في ذكر أحاديث الخوارج، وفي ذكر بعض أسمائهم، وطوائفهم، وكذلك في الرد عليهم، وإبطال مذهبهم في تكفير مرتكب الكبيرة، وحبوط عمل صاحبها، وخلوده في النار.
الرابعة: أنَّ الكتاب قد احتوى على مبحث عظيم، وهو أسباب سقوط العقوبة عن العبد، وهي عشرة أسباب كما ذكرها المؤلف ﵀.
الخامسة: أنه تضمن نقاشاً قوياً مع الفلاسفة وغلاة المتصوفة، هذا وإن كان يعد استطراداً، نقد ذكرنا سابقاً غرض المصنف من ورائه.
السادسة: تقرير قاعدة عامة عظيمة، وهذه القاعدة تقول: (إنَّ المدلول إذا كان وجوده مستلزماً لوجود دليله، كان انتفاء دليله دليلاً على انتفائه، أما إذا أمكن وجوده وأمكن أن لا نعلم نحن دليل ثبوته، لم يكن عدم علمنا بدليل وجوده دليلاً على عدمه).
وهذه القاعدة وقع بسبب إغفالها، والجهل بها، كثير من الوهم والخطأ والزلل عند كثير من الناس.
السابعة: أنَّ فيه بحثاً فريداً عن بعض الإشكالات التي وقعت في فهم بعض الأحاديث المتعلقة بموضوع الإيمان والإسلام، كحديث وفد
стр. 247
عبد القيس، وغيره، والجواب عن ذكر بعض أركان الإسلام دون بعض في الأحاديث الواردة، وإزالة اللبس الواقع في فهمها، وهو منهج أصيل في التعامل مع النصوص الشرعية، لا يسلكه إلَّا المحققون الكبار من أهل العلم، فيصلون إلى الحقيقة من أقرب طرقها، وأيسر منافذها، في الوقت الذي يراعون فيه النصوص، ويحفظون مكانتها، وهذا هو المحور الرئيسي لأهل السنة والجماعة في الاستدلال بنصوص الشرع وأدلته.
الثامنة: أنَّ فيه بحثاً لطيفاً موجزاً عن حكم تارك الصلاة تكاسلاً وتهاوناً، مع ذكر الأدلة على ذلك.
التاسعة: أنَّ فيه بحثاً مهماً للغاية في قضية التكفير، وضوابطها، وتوضيح بعض الشبه حولها، فين كان قد تعرض لتلك القضية الخطيرة في كتاب "الإيمان الكبير" في مواضع متفرقة، إلَّا أنَّ معالجته لها في كتاب "حديث جبريل"، ولمِّ أطرافها في موضع واحد تبقى سمة مميزة للكتاب.
العاشرة: ومن أبرز ما تميَّز به كتاب "شرح حديث جبريل" احتواؤه على مبحث نفيس مطول، عن المرتبة العليا، والدرجة الأولى في هذا الدين، وهي الإحسان، بكل أبوابه وأنواعه، سواء كان في الأقوال، أو في الأفعال، الباطنة منها والظاهرة.
وإن من يقرأ هذه المبحث الرائع ليرى عظمة هذا الدين الذي أنعم الله به علينا، ويرى أنَّ العقيدة الإسلامية ليست في القلب فقط، أو أنَّ مكانها في الكتب والعقول، ولا علاقة لها بالحياة، بل هي الطاقة الحقيقة الفعالة التي تغير مجرى الحياة، وتنهض بالأمة من عثراتها، وتوقظها من سباتها، وتعيدها إلى موقع الريادة والتمكين.
وبهذا يظل كتاب "شرح حديث جبريل" مصدراً ضرورياً لا غنى لدارسي العقيدة الإسلامية عنه، وكذلك يظل بما طرحه من قضايا، وطرقه من موضوعات، وبما تميز به من تركيز واختصار، علاجاً لكثير من المشكلات التي نشأت في الساحة الإسلامية المعاصرة، وعلى رأس تلك القضايا، قضية التكفير، وأصولها وضوابطها.
стр. 248
هل هناك كتاب لشيخ الإسلام يسمى "الإيمان الصغير"؟ :
يعتقد بعض الباحثين أنَّ لشيخ الإسلام ثلاثة مصنفات في الإيمان، كبير وأوسط (شرح حديث جبريل) وصغير، ويقول بعض هؤلاء: إنَّ المجلد السابع من مجموع الفتاوى يحتوي على هذه المصنفات الثلاثة، حيث تقع فيه مرتبة كالتالي: الإيمان الكبير، وشرح حديث جبريل، والإيمان الصغير، وفي الواقع فإن جامع الفتاوى الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ﵀ لم يشر في الهوامش إلى أسماء شيء من هذه المصنفات سوى شرح حديث جبريل، ولعل تسمية الإيمان الكبير جاءت بسبب ما أثبته الشيخ من اسم للإيمان الأوسط، ومقارنته به من حيث الحجم، ثم وجدوا أنَّ هناك في آخر المجلد السابع كلاماً يتعلق بالإيمان، في صفحات معدودة، فاعتقد بعضهم أنَّ هذا هو الإيمان الصغير، وفي الحقيقة فإن هذا كله لا يعتمد إلَّا على الظن، ولا يستطيع الباحث أن يجزم بشيء من ذلك، وعلى العموم فإننا نستطيع أن نخرج من تلك القضية بما يلي:
أولاً: أنَّ هذه التسميات هي من وضع بعض النساخ في الغالب، أو بعض أهل العلم، لأن المؤلف أو أحداً من تلامذته لم يشر إليها بتاتاً.
ثانياً: أنَّ النسختين التركيتين -وهما أقدم النسخ على الإطلاق- سمي شرح حديث جبريل فيهما باسم: "كتاب الإيمان"، وسمي الإيمان الكبير باسم: "كتاب شرح الإيمان"، وعلى هذا فلا مانع من إطلاق التسميتين المشهورتين على الكتابين، لشهرتهما أولاً، ومطابقتهما لحجم الكتابين ثانياً.
ثالثاً: بالنسبة للإيمان الصغير، فقد جاء في بعض النسخ للإيمان الأوسط -كالنسخة المحمودية على سبيل المثال- تسميته بالإيمان الصغير، وهي تسمية ملائمة تقابل الإيمان الكبير، وبناء على هذا فلا يوجد للمصنف كتاب يسمى بالإيمان الصغير، وإن وجدت بعض النسخ فهي للإيمان الأوسط، هذا ما نرجحه في هذا المقام، اللهم إلَّا إذا اعتبرنا ما وجد في آخر المجلد السابع من كلام هو الإيمان الصغير، ولا دليل على ذلك، فإن للمصنف كلاماً كثيراً في الإيمان منثوراً في مجموع الفتاوى وغيرها من الكتب الأخرى التي صنفها.
стр. 249
المبحث الرابع دراسة عن نسخ الكتاب المطبوع منها والمخطوط
أولاً: اسم الكتاب:
اشتهر هذا الكتاب باسم "الإيمان الأوسط"، وقد قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، في هامش مقدمة الكتاب: "هذا كتاب الإيمان الأوسط" (١)، ويبدو أنَّ هذه التسمية قد أخذها الشيخ عبد الرحمن من نسخة الكتاب المخطوطة التي اعتمدها في مجموع الفتاوى (٢)، وربما أطلق على هذا الكتاب اسم: "الإيمان الصغير" كما ذُكر ذلك في النسخة المحمودية للكتاب (٣).
وقد سبقت الإشارة -عند الحديث عن منهج شيخ الإسلام في التصنيف- إلى تعدد أسماء كثير من مصنفاته، ولا يملك الباحث في هذا المقام إلَّا أن يجزم أنَّ هذا الكتاب الذي بين أيدينا، من هذه المصنفات التي تعددت أسماؤها، ولا يُدرى أيضًا هل قام شيخ الإسلام بتسمية هذا الكتاب، أم أنَّ أحداً من تلامذته أو النسّاخ هو الذي قام بذلك؟ .
ولكن الحقيقة التي توصلت إليها بعد بحث، أن الكتاب عبارة عن
стр. 250
جواب للمصنف شرح خلاله حديث جبريل ﵇ في الإسلام والإيمان والإحسان.
وقد ذكر ابن عبد الهادي أنَّ من بين مصنفات شيخ الإسلام ﵀، مصنف باسم: شرح حديث جبريل ﵇، ووصفه بأنه في مجلد لطيف (١)، وممن ذكر ذلك أيضًا ابن شاكر الكتبي (٢)، وإن لم يكن كتابنا هذا هو الذي ذكره ابن عبد الهادي، فأي كتاب يكون إذن؟ . والكتاب كذلك متفق مع أسلوب شيخ الإسلام الموسوعي الذي عُرف به، حيث ترد إليه الأسئلة، فربما أجاب عن السؤال الواحد منها بجواب مطول (٣)، يبلغ مجلداً في بعض الأحيان.
ومما يدل على أنَّ هذا الكتاب الذي قمت بتحققه، هو شرح لحديث جبريل ﵇ ما يلي:
١ - ما جاء في اللوحة الثانية (صفحة ب) من النسخة التركية، ونصه كالتالي: "كتاب الإيمان، يتضمن الحديث سؤال جبريل ﵇ النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، عن الإسلام والإيمان، والإحسان، وجوابه ﷺ عن ذلك بأفصح بيان، أملاه الشيخ الإمام العالم العامل، الورع الناسك، شيخ الإسلام، بقية السلف الكرام، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية. . ".
٢ - ما جاء في اللوحة الثانية (صفحة أ) من النسخة التركية أيضاً، ونصه: "قال الفقيه أبو الليث السمرقندي ﵀: فإن قيل: الإيمان مخلوق، فقل: الإيمان إقرار بوحدانية الله وهداية، وأما الإقرار فهو صنع العبد وهو مخلوق، وأما الهداية فهو صنع الرب، وهو غير مخلوق.
стр. 251
قال كاتبه ﵀: والدليل على الهداية قول الله ﵀: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا. .﴾.
قلت: قال شيخ الإسلام في أثناء كتابه الذي أملاه في الإيمان على سؤال جبريل ﵇. . " ثم شرع في نقل نص كبير من الكتاب المعروف "بالإيمان الأوسط".
وهذان الأمران يكفيان في بيان أنَّ كتاب "الإيمان الأوسط" هو الكتاب الذي شرح شيخ الإسلام خلاله حديث جبريل ﵇، ويؤكدان ذلك أشد التأكيد.
٣ - استهلالة الكتاب التي تنبئ أنه عبارة عن جواب لسؤال ورد إلى المصنف، ونص هذه الاستهلالة كما جاء في النسخة التركية: "يتضمن الحديث سؤال النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه ﷺ عن ذلك، وقوله في آخر الحديث: هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم. . " (١).
٤ - قول المصنف بعد أن مضى غالب الكتاب: فصل: أول ما في الحديث سؤاله عن الإسلام، فأجابه بأن الإسلام أن تشهد أن لا إله إلَّا الله. . . وهذا برهان آخر على أنَّ المصنف قد جعل كتابه هذا شرحاً لحديث جبريل ﵇، بدليل أنه عاد إلى الحديث بعد كلام طويل، وذكر العبارة الآنفة التي تشبه العبارات التي يستخدمها شرَّاح الحديث.
٥ - قول المصنف في آخر الكتاب: "فصل: وأمّا الإحسان، فقوله: أن تعبد الله كأنك تراه. . . فإحسان الدين هو -والله أعلم- الإحسان المسؤول عنه في حديث جبريل، فإنه سأله عن الإسلام والإيمان. . " (٢).
وكل هذه الأمور تجعل الباحث يطمئن إلى أنَّ هذا الكتاب هو "شرح شيخ الإسلام لحديث جبريل ﵇، وهو ما عناه الحافظ ابن عبد الهادي ﵀.
стр. 252
ومن خلال ما سبق يتضح أنَّ هناك أربعة أسماء للكتاب، وهي:
الإيمان الأوسط، والإيمان الصغير، والإيمان، وشرح حديث جبريل ﵇، ولا يهم اختلاف هذه الأسماء، على أنَّ هناك تساؤلاً حولها -خاصة الاسم الرابع- وهل هي اسم للكتاب، أم هو وصف لكلام المصنف؟ .
فالكتاب لا شك أنه شرح مستفيض لحديث جبريل ﵇، ولكن الشك يقع في هذه التسميات، هل هي من وضع المصنف، أو من وضع أحد من تلاميذه أو النساخ؟ .
لكن بعد بحث وجدت شيخ الإسلام قد أشار إلى كتابه هذا في موضع آخر، حيث يقول: "وهذا التفصيل في الإيمان هو كذلك في لفظ البر والتقوى والمعرفة وفي الإثم والعدوان والمنكر، تختلف دلالتها في الإفراد والاقتران لمن تدبر القرآن، وقد بسط هذا بسطاً كبيراً في الكلام على الإيمان، وشرح حديث جبريل. . " (١).
ومن المعلوم أنَّ الكلام على اختلاف دلالات الألفاظ وسبب ذلك، وفائدته، قد أفاض شيخ الإسلام فيه في كل من "الإيمان الكبير" و"الإيمان الأوسط".
ثم عاد شيخ الإسلام ثانية، وأشار إلى حديث جبريل، حيت قال: "والمشهور عند أهل الحديث أنه لا يستثنى في الإسلام، وهو المشهور عن أحمد ﵁، وقد روي عنه فيه الاستثناء، كما قد بسط هذا في شرح حديث جبريل وغيره من نصوص الإيمان. . ".
ولكن ما ذكره شيخ الإسلام عن موضوع الاستثناء في الإسلام لم يرد مطلقاً في كتاب "الإيمان الأوسط" الذي هو بالفعل شرح لحديث جبريل ﵇، بل إنَّ شيخ الإسلام في كتاب "الإيمان الأوسط" لم يذكر الاستثناء في الإيمان -وهو أشهر من بحث الاستثناء في الإسلام- إلا لماماً.
стр. 253
والمتابع لما يكتبه شيخ الإسلام يلحظ أنه لا يعير في كثير من الأحيان الدقة في الأسماء، فيذكر الكتاب باسمه، ثم يعود ويذكره باسم آخر.
وليس أدل على ذلك من قول المصنف في مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٧) بعد أن تكلم عن مذهب جهم، وتكفير وكيع وأحمد من قال بذلك: "وقد بسط الكلام على أقوالهم وأقوال غيرهم في الإيمان".
وكذلك قوله في مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٨) بعد أن تكلم عن مذاهب الناس في الإيمان: "وبسط الكلام في هذا له مواضع أخر، وقد صنفت في ذلك مجلداً غير ما صنفت فيه غير ذلك"، وقد يقال: إنَّ كلاً من كتاب الإيمان الكبير، وكتاب الإيمان الأوسط، شرح لحديث جبريل ﵇، وليس ذلك ببعيد، على أنَّ الأوّل هو الراجح.
والنتيجة بعد كل هذا، أنَّ اسم الكتاب الذي قمت بتحقيقه هو: شرح حديث جبريل ﵇، وهو الاسم الذي ذكره بعض من ترجم لشيخ الإسلام من تلاميذه (١)، وهو المتفق مع صفة الكتاب وموضوعاته.
كما أنه الاسم الذي أشار إليه المؤلف نفسه ﵀، وذكره أكثر من مرة.
ولكن اسم "الإيمان الأوسط" للكتاب، قد اشتهر وذاع على الألسنة والأقلام، وهو مناسب لحجم الكتاب إذا قيس بكتاب "الإيمان الكبير".
فإذا أُخذ بالأول وافق الأصل، وإن أُخذ بالثاني وافق المشهور عند المشايخ وطلبة العلم والباحثين.
ثانياً: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف:
كتاب "الإيمان الأوسط" أو كتاب "شرح حديث جبريل" من أجل مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولا شك في ذلك أبداً، ويدل على ذلك ما يلي:
أولاً: الكتاب -كما قُرر آنفاً- هو شرح مستفيض لحديث
стр. 254
جبريل ﵇، وقد أشار إليه مصنفه -كما ذُكر- غير مرة، في مواضع أخرى، وذكره كذلك بعض من ترجم لشيخ الإسلام كابن عبد الهادي، وابن شاكر الكتبي.
ثانياً: تضمنت نسختا الكتاب الخطيتان (التركية والمحمودية)، والنسخة المطبوعة، نسبة الكتاب إلى شيخ الإسلام ﵀.
ثالثاً: أنَّ النسخة التركية وهي أقدم نسخ الكتب سنة (٧٤٣ هـ)، منقولة عن نسخة للكتاب للشيخ جمال الدين الإسكندري، وهو من تلامذة شيخ الإسلام ﵀، ومن أكثر المتخصصين في نقل كلامه، وتحرير مؤلفاته.
قال عنه الإمام الذهبي: "جمال الدين عبد الله بن يعقوب بن سيدهم الإسكندري ثم الصالحي أبو محمد، الشيخ المحدث العالم، نزل دمشق سنة (٧٠٧ هـ)، سمع وقرأ الكثير وبالغ، ونسخ وحصَّل على ضعف في خطه ولفظه ووعظه، وفي الجملة على جنانه بقية مروءة وكيس، وعلى ذهنه فوائد مهمة وحكايات، وله جامع وتعاليق، أوذي من أجل ابن تيمية وقُطع رزقه، وبالغوا في التحريز عليه، ثم انصلح حاله. . " (١).
وقد ترجم له الحافظ جمال الدين ابن رافع السلامي (٧٧٤ هـ) وقال عنه: "وقرأ المواعيد بخطه من كلام ابن تيمية كثيراً" (٢).
كما ترجم له الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة، وكان مما قاله عنه: (وكتب الكثير من فتاوى ابن تيمية، تكلم فيه الذهبي. . " (٣).
قلت: قوله: تكلم فيه الذهبي، يعني قول الذهبي السابق: على ضعف في خطه ووعظه ولفظه، ومهما يكن من شيء فهو على آية حال من المتخصصين في نقل كلام شيخ الإسلام ونسخ كتبه وتحريرها، والمكثرين في ذلك المجال, وبمثل الشيخ جمال الدين الإسكندري حفظ الله مؤلفات
стр. 255
شيخ الإسلام، التي استمات أعداؤه في إتلافها وطمسها، وحرمان الناس منها.
رابعاً: أن الكتاب متفق مع أسلوب شيخ الإسلام، في طرحه للقضايا، ومعالجته لها، وقد عالج شيخ الإسلام خلاله كثيراً من الموضوعات التي عني بها في مؤلفاته الأخرى، بأسلوب يكاد يكون واحداً، بل بعبارات متشابهة، بل مكررة في بعض الأحيان، كما أن شيخ الإسلام في مواضع متفرقة من مؤلفاته الأخرى، يحيل -بطريقة غير مباشرة- على كتابه هذا، فيقول مثلاً -جرياً على عادته-: وقد بسطناه في موضع آخر، أو يقول: ولبسط هذا مواضع أخرى، ونحو ذلك، وبالتتبع وجدت أن بسط هذه المواضع قد تم في كتاب "الإيمان الأوسط" أو كتاب "شرح حديث جبريل"، ومن ذلك:
١ - ما ورد في مجموع الفتاوى (٤/ ٤٨٤) من كلام عن بعض موانع إنفاذ الوعيد، وقال بعد ذلك: "فلا نشهد على معين، بأنه من أصحاب النار، لجواز تخلف المقتضى عن المقتضي لمعارض راجح، إما توبة، وإما حسنات ماحية، وإما مصائب مكفرة، وإما شفاعة مقبولة، وإما غير ذلك كما قررناه في غير هذا الموضع".
قلت: ومن المعلوم أنَّ أوسع موضع بحث المؤلف فيه هذه القضية هي الإيمان الأوسط.
٢ - قوله في مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٤٨): "وقد بسط الكلام في الإيمان وما يتعلق بذلك في غير هذا الموضع"، وقد كان كلامه في جواب لسؤال عن العزم على الفعل والإرادة والهم، وهذه المسألة أفاض فيها في الإيمان الأوسط، ولم يتطرق إليها في الإيمان الكبير إلَّا إشارة، وكذلك عقب بذكر الوجوه التي أخطأت فيها الجهمية، وهو ما صنعه في الإيمان الأوسط.
٣ - قول المؤلف في مجموع الفتاوى (١٤/ ١٢١) بعد أن ذكر بطلان مذهب جهم في الإيمان: "كما قد بسط في غير هذا الموضع".
стр. 256
ومعلوم إنَّ المصنف قد أبطل مذهب جهم في كتاب "الإيمان الأوسط" من وجوه كثيرة.
٤ - كلامه في مجموع الفتاوى (١٦/ ١٨) عن آية: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ. . .﴾ ثم قوله: "وقد ذكرنا في غير موضع أنَّ هذه الآية في حق التائبين. . . " وقد تكلم عن تلك الآية في الإيمان الأوسط.
وقال أيضًا: "وقد ذكرنا في غير موضع أنَّ هذه كما ترد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فهي ترد أيضًا على المرجئة الواقفة الذين يقولون. . ".
وقد ذكر قريباً من ذلك في كتاب "الإيمان الأوسط".
٥ - قول المؤلف في مجموع الفتاوى (٨/ ١٠) بعد أن تكلم عن مذهب الخوارج والمعتزلة في الإيمان: "ليس هذا موضعه، وقد بسطناه في مواضعه. . ".
ومعلوم أن المصنف قد تحدث عن مذهب كل من الخوارج والمعتزلة في كتاب "الإيمان الأوسط".
٦ - قوله في مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٧٧): "ومنهم من يقول: ليس الإيمان في اللغة هو التصديق، بل هو الإقرار، وهو في الشرع الإقرار أيضاً، والإقرار يتناول القول والعمل، وليس هذا موضع بسط ذلك، فقد بسطته في غير هذا الموضع"، وقد بُسط ذلك بالدرجة الأولى في الإيمان الأوسط.
٧ - قوله في مجموع الفتاوى (٢٨/ ١٧٧) بعد أن ذكر كلام السلف في أنَّ الإيمان قول وعمل، أو قول وعمل ونية: "وهذا فيه رد على المرجئة الذين يجعلون مجرد القول كافياً، فأخبر أنه لا بد من قول وعمل. . كما قد بسطناه في غير هذا الموضع، وبينا أن مجرد تصديق القلب واللسان مع البغض والاستكبار لا يكون إيماناً -باتفاق المؤمنين- حتى يقترن بالتصديق عمل. ." ومعلوم أنَّ تلك القضية قد أفاض فيها في كتاب الإيمان الأوسط.
стр. 257
٨ - قوله في مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٦): "كما غلط آخرون في جواز وجود إرادة جازمة مع القدرة التامة بدون الفعل، حتى تنازعوا: هل يعاقب على الإرادة بلا عمل، وقد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع".
ومعلوم أنَّ المؤلف قد بسط ذلك في الإيمان الأوسط".
٩ - وهناك موضع كبير مبسوط في الكلام عن الإيمان (١٩/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، ويكاد يكون بعينه في كتاب "الإيمان الأوسط".
خامساً: اتفاق جميع الباحثين المحدثين في عصرنا هذا، على نسبة هذا الكتاب إلى شيخ الإسلام، ونقلهم منه، وعزوهم إليه في بحوثهم العلمية.
ثالثاً: المطبوع من نسخ الكتاب:
لا أعرف -حسب علمي- نسخاً مطبوعة للكتاب إلَّا اثنتين:
الطبعة الأولى: وهي الأشهر والأهم، وهي الموجودة ضمن مجموع الفتاوى، في المجلد السابع (٧/ ٤٦١ - ٦٢٢) باسم الإيمان الأوسط.
الطبعة الثانية: وهي طبعة تجارية مصرية طبعتها دار الفرقان في القاهرة، وهي طبعة مصورة عن الطبعة الأولى تماماً، بل إنَّ مصورتها قد شملت أيضًا بقية الكلام الذي أورده جامع الفتاوى بعد كتاب "الإيمان الأوسط"، والذي بلغ نحواً من خمس وستين صفحة، ويبدو أنَّ صاحب هذه الطبعة -كغالب الطبعات التجارية- لم يميز بين كتاب "الإيمان الأوسط" وما بعده، وظن أنَّ الجميع تابع للكتاب.
وسوف يكون الحديث عن الأولى باعتبارها الطبعة الأصلية للكتاب، ولست في مقام النقد لهده الطبعة بقدر ما يهمني إبراز شيء من الفروق بين المطبوع والمخطوط من نسخ الكتاب.
والملاحظة العامة -أعني التي تنطبق على مجموع الفتاوى ككل- خلو النص تماماً من آية خدمة، لا من حيث عزو الآيات، ولا من حيث تخريج الأحاديث، فضلاً عن الحكم عليها، لا من حيث نسبة الأقوال إلى قائليها، هذا فضلاً عن التعريف بالأعلام، والفرق والمذاهب والأماكن.
стр. 258
ولئن كانت مرحلة جمع الفتاوى في زمن مضى، هدفاً وغاية سعى إليها الكثيرون من أهل العلم، وحقق هذه الغاية مشكوراً مأجوراً -إنَّ شاء الله تعالى- الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ﵀، وساعده ابنه الشيخ محمد ﵀ (١)، فما عاد يكفي ذلك في هذا العصر، بل وجب أن تنصب الجهود على ما قام بجمعه الشيخان، وأن يحقق تحقيقاً علمياً متميزاً، وقد قامت الجامعات في هذه البلاد الطيبة بحظ وافر في ذلك المجال، وخدم كثير من تراث شيخ الإسلام، مما ورد في مجموع الفتاوى، أو ورد خارجه، وكان ذلك عبر الدراسات العليا في تلك الجامعات، من خلال رسائل الماجستير والدكتوراه، ولعل هذه الرسالة بإذن الله واحدة من تلك الرسائل.
أما الملاحظات الخاصة بالمطبوع من الكتاب، فهي تدور على ما يلي:
أولاً: وقوع الأخطاء والتحريف في المطبوع، وبعضها أخطاء فاحشة تلحق بالمعنى خللاً كبيراً، وهذه بعض الأمثلة:
المثال الأول: جاء في المطبوع (٧/ ٥٩٠) عند الحديث عن مذهب ابن عربي: "ولكن يرى ظاهراً في المخلوقات، متجلياً في المصنوعات، وهو عنده غير وجود الموجودات وشبهه، وتارة بظهور الكلي في جزئياته. . "، وتصحيحه في المخطوط (النسخة التركية لوحة ٤٥، صفحة أ)، "ولكن يرى ظاهراً في المخلوقات، متجلياً في المصنوعات، وهو عنده عين وجود الموجودات، وشبهه تارة بظهور الكلي في جزئياته. . . ".
ومعلوم أنَّ التحريف السابق في النص يقلب القضية، ويعكس مذهب ابن عربي في وحدة الوجود، ليوافق فيه المسلمين.
المثال الثاني: جاء في المطبوع (٧/ ٥٩٥) ما يلي: "وكان مما حدثني عن شيخه الطاووسي الذي كان بهمدان عن يعد الدين ابن حمويه أنه قال: محي الدين ابن عربي بحر لا تكدره الدلاء! ! ولكن نور المتابعة النبوية التي على وجه الشيخ شهاب الدين السهروردي شيء آخر.
стр. 259
فقلت له: هذا كما يقال كان هؤلاء أوتو [من] ملك الكفار ملكاً عظيماً، لكن نور الإسلام الذي على شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين شيء آخر. . ".
وتصحيحه في المخطوط (النسخة التركية، لوحة ٤٦، صفحة أ): "فقلت له: هذا كما يقال فإن هولاكو ملك الكفار ملكاً عظيماً، لكن نور الإسلام الذي على شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين شيء آخر. . ".
المثال الثالث: جاء في المطبوع (٧/ ٦٠١) ما يلي: "لأن سعد بن بكر هم من هوازن، وهم أصهار رسول الله ﷺ .. ".
وتصحيحه في المخطوط (النسخة التركية، لوحة ٤٨، صفحة ب): "لأن سعد بن بكر من هوازن، وهم أظْآر (١) رسول الله ﷺ .. ".
وهو تصحيف، وخطأ بيِّن، إذ كيف تكون هوازن أصهاراً له ﷺ ، وهو لم يتزوج منهم قط، وإنما هم أظأره، أي مرضعوه، لأنه ﷺ استرضع في بني سعد بن بكر، وهم من هوازن.
وسيرد مزيد من الأمثلة خلال تحقيق متن الكتاب.
ثانياً: كثرة السقط في المطبوع، ويتفاوت هذا السقط بين كلمة وكلمتين، إلى عبارة وعبارتين، بل إلى أربعة أسطر في بعض الأحيان، وهذه بعض الأمثلة:
المثال الأول: ورد في المطبوع من الكتاب (٧/ ٥٩٤) ما يلي: "فابن عربي بزعمه: إنما تجلي الذات عنده شهود مطلق، هو وجود الموجودات .. ".
والتكملة من المخطوط (لوحة ٤٦، صفحة أ): "فابن عربي بزعمه: إنما تجلي الذات عنده هو شهود وجود مطلق، هو وجود الموجودات .. ".
المثال الثاني: ورد في المطبوع (٧/ ٦١٥) ما يلي: "ونفس المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها .. ".
стр. 260
وتصحيحه في المخطوط (لوحة ٥٣، صفحة أ): "ونفس ترك المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها ... ".
المثال الثالث: ورد في المطبوع (٧/ ٥٩١) ما يلي: "فلهذا كانوا مكذبين بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء، ثم جعلوا وجود الرب الخالق للعالمين، البائن عن مخلوقاته أجمعين، هو من جنس وجود الإنسانية في الأناسي، والحيوانية في الحيوان، أو ما أشبه ذلك، أو كوجود الوجود في الثبوت عند من يقول المعدوم شيء فإنهم أرادوا أن يجعلوه شيئاً موجوداً في المخلوقات مع مغايرته لها .. ".
وتكملة السقط كما جاء في المخطوط (لوحة ٤٥، صفحة أ): "فلهذا كانوا مكذبين بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء، مدعين أنَّ ما يبصرونه في خيالهم هو من جنس الغيب الذي أخبرت به الأنبياء، ثم جعلوا وجود الرب الخالق للعالمين، البائن عن مخلوقاته أجمعين، هو من جنس وجود الإنسانية في الأناسي، والحيوانية في الحيوان، أو ما أشبه ذلك، كوجود المادة في الصورة، أو الصورة في المادة، أو كوجود الوجود في الثبوت عند من يقول المعدوم شيء فإنهم أرادوا أن يجعلوه شيئاً موجوداً في المخلوقات مع مغايرته لها. . ".
المثال الرابع: ورد في المطبوع (٧/ ٦٠٣) ما يلي: "وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة.
ورواه مسلم عن جابر قال: "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلَّا بحقها".
فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال.
فكان من فقه أبي بكر ﵁ أنه فهم من ذلك الحديث المختصر أنَّ القتال على الزكاة قتال على حق المال. . ".
وتكملته كما ورد في المخطوط (لوحة ٤٩، صفحة أ) كالتالي: "وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة.
стр. 261
ورواه مسلم عن جابر قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله، فمن قال لا إله إلَّا الله، عصم مني ماله ونفسه إلَّا بحقه، وحسابه على الله).
وفي لفظ لمسلم: (حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به).
وهذا اللفظ الذي كان قد سمعه عمر، وناظر فيه أبا بكر، لما أراد قتال مانعي الزكاة، فقال له: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلَّا بحقها".
فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال.
فكان من فقه أبي بكر ﵁ أنه فهم من ذلك الحديث المختصر أنَّ القتال على الزكاة قتال على حق المال. . ".
ثالثاً: وجود خرم كبير في المطبوع يبلغ تسع لوحات من المخطوط، وهو بقدر سبع وعشرين صفحة طباعية، وقد أشار جامع الفتاوى الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ﵀ إلى ذلك الخرم في آخر صفحة من المطبوع (٧/ ٦٢٢)، فقال في الهامش بعد نهاية الموجود منه في حوزته: "آخر ما وجد في الأصل".
رابعاً: المخطوط من نسخ الكتاب:
النسخة التركية: لقد منَّ الله بالعثور على نسخة فريدة للكتاب، يعود تاريخ نسخها إلى وقت قرب من زمن المؤلف سنة (٧٤٣ هـ)، أى بعد موت المؤلف ﵀ بنحو خمس عشرة سنة، وهذا وصف عام لها: هذه النسخة موجودة ضمن الذخائر العلمية في المتحف التركي (طبق سراي) باستانبول في تركيا، ورقمها (٣٠١ - ٥٣٩) وقد بذلت جهداً كبيراً حتى حصلت عليها، ولولا فضل الله ثم جهود بعص أهل الفضل والعلم لتعسر الوصول إليها، حيث تم تذليل الصعوبات والعقبات، حتى تم
стр. 262
تصويرها في (ميكروفيلم) وإرسالها إلى عنواني في مكة المكرمة. وقد كتب على الورقة الأولى في الركن الأيسر العلوي ما يلي: هذا من جانب التجليد، والله يفعل ما يريد كتاب الإيمان، ثم كتب أعلى الصفحة اليسرى في وسطها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثم كتب تحته دعاء بخط غير واضح في مجمله، وفيه: أعوذ بعزة الله من شر حر النار. . ثم كتب بعد ذلك بخط أصغر بشكل مائل ما يلي: قال أبو الفتح الشيرازي في كتاب "التبصرة في أصول الدين": ويجب أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وصليت إن شاء الله، وكذلك جميع أفعال الإيمان، ولا يجوز أن يقول: أنا مؤمن حقاً، وقال المخالفون لا في الإيمان: يقول: أنا مؤمن حقاً.
أما الورقة الثانية: ففي أعلى الصفحة اليمنى منها كتب ما يلي: قال الفقيه أبو الليث السمرقندي ﵀: فإن قيل: الإيمان مخلوق أم غير مخلوق؟ ، فقل: الإيمان إقرار بوحدانية الله وهدايته، وأما الإقرار فهو صنع العبد وهو مخلوق، وأما الهداية فهو صنع الرب، وهو غير مخلوق.
قال كاتبه ﵀: والدليل على الهداية قول الله : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا. .﴾ قلت: قال شيخ الإسلام في أثناء كتابه الذي أملاه في الإيمان على سؤال جبريل ﵇. . ثم شرع في نقل جملة من النصوص من كتاب "الإيمان الأوسط".
وأما الصفحة اليسرى للورقة الثانية، فقد كتب بخط جانبي في أعلاها على اليمين: ملكه وما بعده كاتبه محمد المظفري لطف الله به.
وأفاد الدكتور عبد الرحمن العثيمين -الخبير في المخطوطات- أنَّ المظفري هذا مشهور باقتناء الكتب وجمع النوادر منها، ولم أجد له ترجمة.
ثم كتب أعلى الصفحة: توكلت على الله، وكتب تحت ذلك: كتاب الإيمان، يتضمن الحديث عن سؤال جبريل ﵇ النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، وجوابه ﷺ عن ذلك بأفصح بيان.
وكتب تحته. أملاه الشيخ الإمام العالم العامل، الورع الناسك، شيخ
стр. 263
الإسلام، بقية السلف الكرام، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عبد السلام بن تيمية تغمده الله منه بالرحمة والرضوان، وأسكنه الفردوس أعلى الجنان، الذي أخبر عنها الصادق المصدوق عيه أفصل صلاة وأزكى سلام، حين قال: إذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس الأعلى، إنَّ سقفها عرش الرحمن، اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى، لنا ولوالدينا وأحبابنا وسائر الإخوان أهل الإسلام والإيمان، آمين يا رب العالمين، اللهم صل وسلم على النبي الأمي وآله وأصحابه وأزواجه وسائر النبيين والمرسلين، وآل كلٍّ وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
ثم وضع ختم مدور في وسط الصفحة مكتوب فيه: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ثم توقيع.
وأفاد الدكتور عبد الرحمن العثيمين أنَّ هذا ختم السلطان العثماني، والتوقيع له.
وأول الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وما توفيقي إلَّا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستعيذه ونستهديه. . . . فصل: يتضمن الحديث. . .
وقد كتب في ذيل الصفحة الأخيرة من الكتاب: بلغ مقابلة وتصحيحاً بحضور الشيخ أحمد صهر عبد الله الإسكندري، وهو المجلس الأخير، والله أعلم.
أما آخر صفحة من المخطوط فقد كتب فيها: ووافق الفراغ منه يوم الاثنين ثامن شهر شعبان المبارك من شهور سنة ثلاث (١) وأربعين وسبعمائة، وهو سادس كانون الثاني سنة. . . (٢) تعليق العبد المذنب الخاطئ المقصر المعترف بذنبه الراجي عفو ربه ومغفرته ومسامحته ورحمته أفقر الخلق إلى ذلك كنور بن كنور بن صخر بن كنور بن صخر بن أبي
стр. 264
الحسن بن خالد بن بقاء بن مساور العامري، تجاوز الله عنه وعنهم بفضله وكرمه هو أهل التقوى والمغفرة، والحمد لله وحده وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما نوع خط هذه النسخة فهو خط نسخ جميل في غالبه، ولم تسلم من الأخطاء، وإن كانت قليلة نسبياً، وقد جعلت حواشي هذه النسخة لتصحيح خطأ، أو إكمال سقط، كما أنها قد احتوت على بعض العناوين الجانبية، وإن كانت معدومة في الثلث الأول منها تقريباً، وكثيرة إلى حد ما في الثلث الأخير.
أما متوسط عدد الأسطر فهو خمسة وعشرون سطراً، وعدد الكلمات في كل سطر خمس عشرة كلمة تقريباً، وأما عدد لوحات المخطوط فهو ثلاث وستون لوحة، أو مائة وسنة وعشرون صفحة.
النسخة المحمودية: هذه النسخة من المكتبة المحمودية الموجودة ضمن محتويات المكتبة العامة بالجامعة الإسلامية، ورقمها (٢٦٤٧).
وقد أطلق عليها اسم: الإيمان الصغير، ولا توجد معلومات عن الناسخ ولا عن تاريخ النسخ، وعدد لوحاتها أربع وثلاثون لوحة، ولكن امتازت هذه النسخة بصغر الخط، وتزاحم الأسطر، التي يترواح عددها بين الثلاثين والستة والثلاثين سطراً، وأما عدد الكلمات في السطر الواحد فهو ثلاث عشرة كلمة تقريباً.
وأما نوع الخط فاللوحات (من ١ - ٢٨) كتبت بخط رقعة، ومستواه من حيث الجودة متوسط، وهو مقروء في غالب الأحيان، وأما اللوحات (من ٢٩ - ٣٤) فقد كتبت بخط جميل واضح، ومن أجل ذلك فالراجح أن هذه النسخة قد كتبها ناسخان، والدليل اختلاف الخط تماماً من حيث الجودة والوضوح.
والملاحظة على هذه النسخة قلة الأخطاء فيها، وهي إنَّ خلت من السقط الكثير، فلم تسلم من الخرم الكبير الذي وقع في آخر الكتاب، شأنها في ذلك شأن النسخة المطبوعة.
стр. 265
ملاحظة أخرى: فقد امتازت هذه النسخة باختصار الآيات الكريمة، فهي لا تكاد تذكر إلَّا أول الآية.
وقد كتب في آخر لوحة منها: هذا آخر الموجود من كتاب الإيمان الصغير، وقد قوبل فصحَّ إنَّ شاء الله تعالى.
ثم كتب تحت ذلك عنوان كبير جاء فيه: كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية علقها الشيخ الإمام أحمد بن تيمية، حين سأله الأمير الكبير. . . (١) المنصوري، لما نزل غزة المحروسة أن يعلق له شيئاً من سياسة الرعايا، وما ينبغي للمتولي أن يسلكه معهم , فأجابه إلى ذلك، وعلقها له في ليلة واحدة إلى الصباح، ﵁ وأرضاه، وجعل الجنة منزله ومثواه، بمنّه وكرمه، آمين آمين.
ولعل كتاب السياسة الشرعية قد كتب مع كتاب الإيمان الأوسط في نسخة واحدة، والله أعلم.
стр. 266
صور المخطوطات
стр. 267
صفحة العنوان ويظهر الختم السلطاني في أسفل الصفحة
стр. 268
أول كتاب شرح حديث جبريل في النسخة التركية
стр. 269
نهاية الكتاب في النسخة التركية
стр. 270
الصفحة الأولى من مختصر كتاب شرح حديث جبريل عليه السلام
стр. 271
الصفحة الثانية من مختصر كتاب شرح حديث جبريل عليه السلام
стр. 272
بداية النسخة المحمودية
стр. 273
اختلاف الخط في النسخة المحمودية بعد مضي أكثر من نصف المخطوط
стр. 274
بداية الزيادة التي سقطت من المطبوع ومن نسخة المكتبة المحمودية
стр. 275
نهاية النسخة المحمودية
стр. 276
النص المحقق للكتاب
стр. 277
[مقدمة الكتاب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلَّا بالله وعليه توكلت.
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستعيذه ونستهديه ونسترشده، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً، ففتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، فبصَّر به من العمى، وأرشد به من الغي، وأنقذ به من الضلالة، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً (١) [قال الشيخ العالم العامل الورع الناسك شيخ الإسلام بقية السلف الكرام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الشامي ﵀] (٢).
стр. 278
فصل
يتضمن الحديث (١) سؤال النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه ﷺ عن ذلك، وقوله في آخر الحديث: "هذا جبريل جاءكم (٢) يعلمكم دينكم" (٣).
فجعل هذا كله من الدين، وللناس في الإسلام والإيمان من الكلام الكثير -مختلفين تارة ومتفقين أخرى- (٤) ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ذلك (٥).
وهذا يكون بأن نبين الأصول المعلومة المتفق عليها ثم بذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها فنقول:
стр. 279
[أصناف الناس في عهد النبي ﷺ -]
ما علم بالكتاب (١) والسنة والإجماع، وهو المنقول نقلاً متواتراً عن النبي ﷺ ، بل هو من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام دين النبي ﷺ أنَّ الناس كانوا على عهده بالمدينة ثلاثة أصناف:
مؤمن.
وكافر مظهر للكفر.
ومنافق ظاهره الإسلام وهو في الباطن كافر (٢).
ولهذا التقسيم أنزل الله تعالى في أول سورة البقرة ذكر الأصناف الثلاثة، فأنزل أربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين.
فقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٢ - ٥] في صفة المؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٦، ٧] الآيتين في صفة الكافرين (٣) الذين يموتون كفاراً.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨). .﴾ [البقرة: ٨ - ١٦] الآيات في صفة المنافقين إلى أن ضرب [الله] (٤) لهم مثلين أحدهما بالنار والآخر بالماء (٥) كما ضرب المثل
стр. 280
بهذين للمؤمنين في قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا. .﴾ [الرعد: ١٧] الآية.
وأما قبل الهجرة فلم يكن الناس إلَّا مؤمن أو كافر، فلم يكن هناك منافق، فإن المسلمين كانوا مستضعفين، فكان من آمن آمن باطناً وظاهراً، ومن لم يؤمن فهو كافر.
فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وصار للمؤمنين بها عز وأنصار، ودخل جمهور أهلها في الإسلام طوعاً واختياراً، كان بينهم من أقاربهم ومن غير أقاربهم، من أظهر الإسلام موافقة رهبة أو رغبة، وهو في الباطن كافر، وكان على (١) رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول، وقد نزل فيه وفي أمثاله من المنافقين آيات.
والقرآن يذكر المؤمنين والمنافقين في غير موضع، كما ذكرهم في سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، وسورة العنكبوت، والأحزاب.
[ما أنزل الله في المنافقين]
وكان هؤلاء في أهل المدينة والبادية كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] وكان في المنافقين من هو في الأصل من المشركين، وفيهم من هو في الأصل من أهل الكتاب، وسورة الفتح، والقتال، والحديث، والمجادلة، والحشر، والمنافقين، بل عامة السور المدنية يذكر (٢) فيها المنافقين.
قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ
والمبعثرة (١). وهي نزلت عام تبوك (٢) وكانت تبوك سنة تسع من الهجرة (٣)، وكانت غزوة تبوك آخر مغازي النبي ﷺ التي غزاها بنفسه (٤)، وتميز فيها من المنافقين من تميز، فذكر الله تعالى من صفاتهم ما ذكره في هذه السورة.