← Акыда

Акыда · id 20587

الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي

ابن تيمية

Полный текст (658 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

لأهل الكبائر من أمته (١). وأن يخرج أحد (٢) من النار بعد أن دخلها (٣). وقالوا: ما الناس إلا رجلان: سعيد لا يعذب، أو شقي لا ينعم، والشقي نوعان: كافر وفاسق، ولم يوافقوا الخوارج على تسميتهم كفارًا (٤).

стр. 317

وهؤلاء يرد عليهم بمثل ما ردوا به على الخوارج، فيقال لهم: كما أنهم قسموا الناس إلى مؤمن لا ذنب له، وكافر لا حسنة له، قسمتم الناس إلى مؤمن لا ذنب له، وإلى كافر وفاسق لا حسنة له، فلو كانت حسنات هذا كلها حابطة (١) وهو مخلد في النار [لاستحق] (٢) المعاداة المحضة بالقتل والاسترقاق، كما يستحقها المرتد، فإن هذا قد أظهر دينه بخلاف المنافق. وقد قال الله في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] فجعل ما دون الشرك (٣) معلقاً بمشيئة. ولا يجوز أن يحمل هذا على التائب فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره. كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فهنا عمَّ (٤) وأطلق لأن المراد به التائب، وهناك خص وعلَّق. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٥]. فقد قسم [الله] (٥) سبحانه الأمة التي أورثها الكتاب، واصطفاها ثلاثة

стр. 318

أصناف: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق للخيرات (١). وهؤلاء الثلاثة ينطبقون على الطبقات الثلاث (٢) المذكورة في حديث جبريل ﵇: الإسلام والإيمان والإحسان كما سنذكره إن شاء الله تعالى. ومعلوم أن الظالم لنفسه (٣) إن أريد به من اجتنب الكبائر، أو (٤) التائب من جميع الذنوب، فذلك مقتصد أو سابق، فإنه ليس أحد من بني آدم يخلو عن ذنب، لكن من تاب كان مقتصداً [أو] (٥) سابقًا. و(٦) كذلك (٧) من اجتنب الكبائر كفرت عنه السيئات، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. فلا بد أن يكون هناك ظالم لنفسه موعود بالجنة، ولو بعد عذاب يطهر من الخطايا. فإن النبي ﷺ ذكر أن ما يصيب المؤمن في الدنيا من المصائب هو (٨) مما يجزى به ويكفر به من (٩) خطاياه، كما في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب (١٠)، ولا هم، ولا حزن، ولا غم، ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه" (١١). وفي المسند وغيره أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾

стр. 319

[النساء: ١٢٣] قال أبو بكر: (يا رسول الله! جاءت قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل سوءاً؟ ) فقال: (يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء (١)؟ فذلك مما تجزون به) (٢). [ثبوت الشفاعة بالتواتر في الآخرة] وأيضاً فقد تواترت (٣) الأحاديث عن النبي ﷺ من (٤) أنه يخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي ﷺ يشفع في أقوام دخلوا النار (٥).

стр. 320

وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين الوعيدية (١) الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج مها، وعلى المرجئة الواقفة الذين يقولون: "لا ندري هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد، أم لا؟ " كما يقول ذلك طوائف من الشيعة (٢) والأشعرية (٣) كالقاضي

стр. 321

أبي بكر (١)، وغيره (٢). وأما ما يذكر عن غلاة المرجئة أنهم قالوا: (لا (٣) يدخل النار من

стр. 322

أهل التوحيد أحد) [فلا] (١) نعرف قائلاً مشهوراً من المنسوبين إلى العلم يذكر عنه هذا القول (٢). وأيضاً فإن النبي ﷺ قد شهد لشارب الخمر المجلود مرات بأنه يحب الله ورسوله، ونهى عن لعنته (٣). ومعلوم أن من أحب الله ورسوله أحبه الله ورسوله بقدر ذلك. وأيضاً فإن الذي قذفوا عائشة أم المؤمنين ﵂، كان فيهم مسطح بن أثاثة (٤)، وكان من أهل بدر، وقد أنزل الله فيه لما حلف أبو بكر أن لا يصله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ

стр. 323

فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] (١). وإن قيل إن مسطحاً وأمثاله تابوا لكن الله تعالى لم يشترط (٢) في الأمر بالعفو عنهم والصفح والإحسان إليهم التوبة. وكذلك حاطب بن أبي بلتعة كاتب المشركين بأخبار النبي ﷺ ، فلما أراد عمر قتله قال النبي ﷺ : "إنه قد شهد بدراً، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (٣). وكذلك ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة" (٤). وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، ولم يشترط مع ذلك توبة، وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل (٥).

стр. 324

وإذا قيل: إن هذا لأن أحداً من أولئك لم يكن له إلا صغائر، لم يكن ذلك من خصائصه أيضاً، و [على] (١) هذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم. وأيضاً قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب: أحدها: التوبة، وهذا متفق عليه بين المسلمين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ [التوبة: ١٠٤]. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] (٢) وأمثال ذلك. الثاني: الاستغفار، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أذنب عبد ذنباً فقال: أي رب! أذنبت ذنباً فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنباً آخر فقال: أي رب! أذنبت ذنباً فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء، قال ذلك: في الثالثة أو الرابعة" (٣). وفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم،

стр. 325

ولجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون فيغفر لهم" (١). وقد يقال على [هذا] (٢) الوجه: الاستغفار هو مع التوبة كما جاء في حديث: (ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم مائة مرة) (٣). وقد يقال: بل الاستغفار بدون التوبة ممكن واقع، وبسط هذا له موضع آخر، فإن هذا الاستغفار إذا كان مع التوبة [فما] (٤) يحكم به عام في كل تائب، وإن لم يكن مع التوبة فيكون في حق بعض المستغفرين، الذين قد يحصل لهم عند الاستغفار من الخشية والإنابة ما يمحو الذنب (٥) كما في حديث البطاقة بأن قول: لا إله إلا الله ثقلت بتلك السيئات، لما قالها بنوع من الصدق والإخلاص الذي يمحو السيئات (٦). وكما غفر للبغي بسقي الكلب، لما حصل في قلبها إذ ذلك من الإيمان (٧)، وأمثال ذلك كثير.

стр. 326

السبب الثالث: الحسنات الماحية كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وقال ﷺ : "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان، [مكفرات] (١) لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" (٢). وقال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه" (٣). وقال: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه" (٤). وقال: "من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه ولدته أمه" (٥).

стр. 327

وقال: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده، تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (١). وقال: "من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار حتى فرجه بفرجه" (٢)، وهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح. وقال: "الصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، والحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب" (٣). [الحسنات تكفر الكبائر على القول الراجح] وسؤالهم على هذا الوجه أن يقولوا: الحسنات إنما تكفر الصغائر فقط، فأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة، كما قد جاء في بعض الأحاديث؛ (ما اجتنبت الكبائر) فيجاب عن هذا بوجوه: [اجتناب الكبائر سبب لتكفير الصغائر] أحدها: أن هذا الشرط جاء في الفرائض، كالصلوات الخمس، والجمعة، وصيام شهر رمضان، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] فأداء (٤) الفرائض مع ترك الكبائر مقتض (٥) لتكفير السيئات، وأما الأعمال الزائدة من التطوعات، فلا بد أن يكون لها ثواب آخر، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَن

стр. 328

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. [المغفرة قد تكون مع الكبائر] الثاني: أنه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث، بأن (١) المغفرة قد تكون من الكبائر كما في قوله ﷺ : "غفر له وإن كان قد فر من الزحف" (٢). وفي السنن: "أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب، فقال: "أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو مه عضواً من النار" (٣). وفي الصحيحين في حديث أبي ذر: (وإن زنا، وإن سرق) (٤).

стр. 329

[الثالث: ] (١): أن قوله لأهل بدر ونحوهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) إن حمل على الصغائر، أو على المغفرة مع التوبة، لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم، فكما (٢) لا يجوز حمل الحديث على الكفر، لما قد علم أن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة، لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر. [الصلاة أول الأعمال التي يحاسب عليها المرء] الرابع: أنه قد جاء في غير حديث: (أنه أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة الصلاة، فإن أكملها، وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة، ثم يُصنع بسائر عمله كذلك) (٣). ومعلوم أن ذلك النقص المكمل لا يكون [لترك] (٤) مستحب، فإن ترك المستحب لا يحتاج إلى جبران، ولأنه حينئذ لا فرق بين ذلك المستحب المتروك والمفعول، فعلم أنه يكمل نقص الفرائض من التطوعات، وهذا لا ينافي ما ورد (٥) من (أن الله لا يقبل النافلة، حتى تؤدى الفريضة) (٦) مع أن هذا لو كان معارضاً للأول لوجب تقديم الأول، لأنه أثبت وأشهر، وهذا غريب رفعه، وإنما المعروف أنه في وصية أبي

стр. 330

بكر لعمر ﵄، وقد ذكره أحمد في رسالته في الصلاة (١)، وذلك لأن قبول النافلة يراد به الثواب، ومعلوم أنه لا يثاب على النافلة حتى تؤدى الفريضة، فإنه إذا فعل النافلة مع نقص الفريضة كانت جبراً له (٢) وإكمالاً لها، فلم يكن فيها ثواب نافلة. [النافلة خاصة بالنبي ﷺ -] ولهذا قال بعض السلف: "النافلة لا تكون إلا لرسول الله ﷺ (٣)، لأن الله قد كفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيره يحتاج إلى المغفرة، وتأول على هذا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، وليس إذا فعل نافلة، وضيع فريضة، تقوم النافلة مقام الفريضة

стр. 331

مطلقاً، بل قد تكون عقوبته على ترك الفريضة أعظم من ثواب النافلة. فإن قيل: العبد إذا نام عن صلاة أو نسيها، كان عليه أن يصليها إذا ذكرها بالنص (١) والإجماع، فلو كان لها بدل من التطوعات لم يجب القضاء، قيل: هذا خطأ. فإن قيل هذا يقال في جميع مسقطات العقاب فيقال: إذا كان العبد يمكنه رفع العقوبة بالتوبة لم ينه عن الفعل، ومعلوم أن العبد عليه أن يفعل المأمور ويترك المحظور، لأن الإخلال بذلك سبب للزوم العقاب (٢)، وإن جاز مع إخلاله أن يرتفع العقاب بهذه الأسباب، كما عليه أن يحتمي من السموم القتَّالة (٣)، وإن كان مع تناوله لها يمكن رفع ضررها بأسباب من الأدوية، والله عليم حكيم رحيم، أمرهم بما يصلحهم، ونهاهم عما يفسدهم، ثم إذا وقعوا في أسباب الهلاك لم يؤيسهم من رحمته، بل جعل لهم أسباباً يتوصلون بها إلى رفع الضرر عنهم (٤). ولهذا قيل: إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله،

стр. 332

ولا يجرئهم على معاصي الله، ولهذا يؤمر العبد بالتوبة كلما أذنب، قال بعضهم لشيخه: إني أذنبت، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: إلى متى، قال: إلى أن تحزن الشيطان. وفي المسند عن علي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يحب العبد المفتَّن التواب) (١)، وأيضاً كان (٢) من نام عن صلاة، أو نسيها فصلاته إذا استيقظ أو ذكرها كفارة لها تبرأ بها الذمة من المطالبة، ويرتفع عنه الذم والعقاب، ويستوجب بذلك المدح والثواب، وأما ما يفعله من التطوعات فلا يعلم القدر الذي يقوم ثوابه مقام ذلك، ولو علم فقد لا يمكن فعله مع سائر الواجبات، ثم إذا قدر أنه أمر بما يقوم مقام ذلك صار واجباً فلا يكون تطوعاً، والتطوعات شرعت لمزيد التقرب إلى الله تعالى كما قال تعالى في الحديث الصحيح: (ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) (٣) الحديث. فإذا لم يكن العبد قد أدى الفرائض كما أمر، لم يحصل له مقصود النوافل ولا يظلمه الله، فإنه تعالى (٤) لا يظلم مثقال ذرة، بل يقيمها مقام نظيرها من الفرائض، كمن عليه ديون لأناس يريد أن يتطوع لهم بأشياء، فإن وفاهم وتطوع لهم كان عادلًا محسنًا، وإن وفا (٥) ولم يتطوع كان عادلاً، وإن أعطاهم ما يقوم مقام دينهم، وجعل ذلك تطوعاً كان غالطاً في جعله تطوعاً (٦)، بل يكون من الواجب الذي يستحقونه.

стр. 333

[التوحيد والعدل عند المعتزلة] ومن العجب أن المعتزلة يفتخرون بأنهم أهل التوحيد والعدل (١)، وهم في توحيدهم (٢) نفوا الصفات نفياً يستلزم التعطيل والإشراك، وأما العدل الذي وصف الله به (٣) فهو أن لا يظلم مثقال ذرة، وأنه من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، وهم يجعلون جميع حسنات العبد وإيمانه حابطاً بذنب واحد من الكبائر، وهذا من الظلم الذي نزه الله نفسه عنه، وكان وصف الرب تعالى بالعدل الذي وصف به نفسه أولى من جعل العدل هو التكذيب بقدر الله تعالى. [الكفر محبط لجميع الحسنات والتوبة محبطة لجميع السيئات] الخامس (٤): أن الله لم يجعل شيئًا يحبط [جميع] (٥) الحسنات إلا الكفر، كما أنه لم يجعل شيئاً يحبط جميع السيئات إلا التوبة، والمعتزلة مع الخوارج يجعلون الكبائر محبطة لجميع الحسنات حتى الإيمان قال [الله] (٦) تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فعلق الحبوط بالموت على الكفر، وقد ثبت أن هذا ليس بكافر، والمعلق شرط يعدم عند عدمه (٧). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥].

стр. 334

وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٧، ٨٨]. وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] فإن الشرك (١) إذا لم يغفر، وأنه موجب للخلود في النار لزم من ذلك حبوط حسنات صاحبه (٢)، ولما ذكر سائر الذنوب غير الكفر لم يعلق بها حبوط جميع الأعمال. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، لأن ذلك كفر، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]، لأن ذلك يتضمن الكفر فيقتضي الحبوط، وصاحبه لا يدري، والمعنى (٣) كراهية أن يحبط أو (٤) خشية أن يحبط، فنهاهم عن ذلك لأنه يفضي إلى الكفر المقتضي للحبوط، ولا ريب أن المعصية قد تكون سبباً للكفر، كما قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، فينهى عنها خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [وهى الكفر] (٥) أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وإبليس خالف أمر الله فصار كافراً، وغيره أصابه عذاب أليم. [احتجاج الخوارج والمعتزلة على مذهبهم] وقد احتجت الخوارج والمعتزلة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٦) [المائدة: ٢٧] قالوا: فصاحب الكبيرة ليس من المتقين، فلا

стр. 335

يتقبل الله منه عملاً، فلا تكون (١) له حسنة، وأعظم الحسنات الإيمان، فلا يكون معه إيمان فيستحق (٢) الخلود [في النار] (٣). وقد أجابتهم المرجئة بأن المراد بالمتقين: من يتقي الكفر، فقالوا: اسم المتقين في القرآن يتناول المستحقين للثواب كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥]. وأيضًا فابنا آدم حين قربا قرباناً، لم يكن المقرب المردود قربانه حينئذ كافراً، وإنما كفر بعد ذلك، إذ لو كان كافراً لم يتقرب. وأيضًا فما زال السلف يخافون من هذه الآية، ولو أريد بها من يتقي الكفر لم يخافوا، وأيضاً فإطلاق لفظ المتقين والمراد به من ليس بكافر، لا أصل له في خطاب الشارع، فلا يجوز حمله عليه. والجواب الصحيح: أن المراد من اتقى الله في ذلك العمل، كما قال الفضيل بن عياض (٤) في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ

стр. 336

عَمَلاً﴾ (١) [الملك: ٢] قال: "أخلصه وأصوبه، قيل يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً" والخالص: أن يكون لله والصواب: أن يكون على السنة، فمن عمل لغير الله كأهل الرياء لم يقل منه ذلك، كما في الحديث الصحيح: (يقول الله : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري، فأنا بريء منه وهو كله للذي أشركه) (٢). وقال ﷺ في الحديث الصحيح: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" (٣). وقال: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (٤).

стр. 337

وقال في الحديث الصحيح: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) أي: فهو مردود غير مقبول. فمن اتقى الكفر وعمل عملاً ليس عليه أمر النبي ﷺ يقبل منه، وإذا (٢) صلى بغير وضوء لم يقبل منه لأنه ليس متقياً في ذلك العمل، وإن كان متقياً للشرك وقد (٣) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]، وفي حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنها قالت: يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف أن يعذب؟ فقال: "لا يا بنت (٤) الصديق، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف أن لا يقبل منه" (٥). [مأخذ أكثر السلف في الاستثناء] وخوف من خاف من السلف أن لا يتقبل منه، لخوفه أن لا يكون أتى بالعمل على الوجه (٦) المأمور، وهذا أظهر الوجوه في استثناء من استثنى منهم في الإيمان، وفي أعمال الإيمان، كقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، وصليت إن شاء الله (٧)، لخوف أن لا يكون أتى بالواجب على

стр. 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 341

الوجه المأمور به، لا على جهة الشك فيما بقلبه من التصديق، لا يجوز أن يراد بالآية أن الله لا يقبل (١) العمل إلا ممن اتقى (٢) الذنوب كلها، لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقياً، فإن كان قبول العمل مشروطاً يكون الفاعل حين فعله (٣) لا ذنب له، امتنع قبول التوبة، بخلاف ما إذا اشترط التقوى في العمل، فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة، وهو حين شروعه في التوبة منتقل من الشر إلى الخير، لم يخلص من الذنب، بل هو متقٍ في حال الخلصة (٤) منه. وأيضاً فلو أتى الإنسان بأعمال البر وهو مصر على كبيرة، ثم تاب لوجب أن تسقط سيئاته بالتوبة، وتقبل منه تلك الحسنات، وهو حين أتى بها كان فاسقاً. وأيضاً فالكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم من قتل وغصب وقذف، وكذلك الذمي إذا أسلم قبل إسلامه مع بقاء مظالم العباد عليه (٥)،

стр. 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 343

فلو كان العمل لا يقبل إلا ممن لا كبيرة عليه، لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش والمظالم، بل يكون مع إسلامه مخلداً. وقد كان الناس يسلمون (١) على عهد رسول الله ﷺ ولهم ذنوب معروفة، وعليهم تبعات، فيقبل إسلامهم، ويبرؤون إلى الله من التبعات، كما ثبت في الصحيح: "أن المغيرة بن شعبة لما أسلم , وكان قد رافق قوماً في الجاهلية فغدر بهم، وأخذ أموالهم، وجاء فأسلم، فلما جاء عروة بن مسعود عام الحديبية، والمغيرة قائم على رأس النبي ﷺ بالسيف , دفعه المغيرة بالسيف، فقال: من هذا؟ فقالوا: ابن أختك المغيرة فقال: يا غدر [ألست] (٢) أسعى في غدرتك! ! فقال النبي ﷺ : "أما الإسلام فأقبله، وأما المال فلست منه في شيء" (٣). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢]. وقال لنوح ﵇: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾ [الشعراء: ١١١].

стр. 344

ولا يعرف (١) أحد من المسلمين جاءه ذمي يسلم فقال له: لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب، وكذلك سائر أعمال البر من الصلاة والزكاة والصيام (٢). السبب الرابع: الدافع للعقاب دعاء المؤمنين للمؤمن، مثل صلاتهم على [جنازته] (٣) فعن عائشة وأنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له (٤) إلا شفعوا فيه " (٥). وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه" (٦) رواهما مسلم. وهذا دعاء له بعد الموت، فلا يجوز أن تحمل المغفرة على المؤمن التقي الذي اجتنب الكبائر، وكفِّرت عنه الصغائر وحده، فإن ذلك مغفور له عند المنازعين (٧)، فعلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت. السبب الخامس: ما يعمل عنه (٨) من أعمال البر كالصدقة ونحوها، فإن هذا (٩) ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة واتفاق الأئمة، وكذلك العتق والحج.

стр. 345

بل قد ثبت في الصحيحين أنه قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) (١). وثبت مثل ذلك في الصحيح في صوم النذر من وجوه أخرى (٢). ولا يجوز أن يعارض هذا بقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] لوجهين: أحدهما: أنه قد ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة، أن المؤمن ينتفع بما ليس من سعيه، كدعاء الملائكة واستغفارهم له كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [غافر: ٧ - ٩] (٣). ودعاء النبيين والمؤمنين واستغفارهم كما في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ [يؤمن بالله واليوم الآخر و] (٤) يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩]. وقوله : ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] وكدعاء المصلين للميت ولمن زار قبره من المؤمنين.

стр. 346

الثاني: أن الآية ليس (١) في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه، وهذا حق فإنه لا يملك و (٢) يستحق إلا سعي نفسه، وأما سعي غيره فلا يملكه، لا يستحقه لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به، كما أنه دائماً يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم، وهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد بأسباب [تفعلها] (٣) العباد ليثيب أولئك على تلك الأسباب، فيرحم الجميع كما في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "ما من رجل يدعو لأخيه بدعوة إلا وكل الله به ملكاً كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل" (٤). وذلك (٥) كما ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: "من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان أصغرهما مثل أحد" (٦). فهو قد يرحم المصلي على الميت بدعائه [له] (٧)، ويرحم الميت أيضاً بدعاء هذا الحي له. السبب السادس: شفاعة النبي ﷺ وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة، كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة، مثل قوله ﷺ في الحديث الصحيح: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) (٨).

стр. 347

وقوله ﷺ : "خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة، وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى (١) أترونها للمتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين" (٢). السبب السابع: المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا كما في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" (٣). السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة فإن هذا مما تكفَّر (٤) به الخطايا. السبب التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها. السبب العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد. فإذا ثبت أن الذم والعقاب قد يدفع عن أهل الذنوب بهذه الأسباب العشرة كان دعواهم أن عقوبات الكبائر لا تندفع إلا بالتوبة مخالف لذلك (٥).

стр. 348

فصل [مذهب الناس في الوعد والوعيد] فهذان القولان (١) قول الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب، ويخلدون في النار، وقول من يخلدهم في النار، ويجزم بأن الله لا يغفر لهم إلا بالتوبة، ويقول: ليس معهم من الإيمان شيء، لم يذهب إليهما أحد من أئمة الدين أهل الفقه والحديث بل هما من الأقوال المشهورة عن أهل البدع. وكذلك قول من وقف في أهل الكبائر من غلاة المرجئة، وقال: لا أعلم أن أحداً منهم يدخل النار (٢)، هو أيضاً من الأقوال المبتدعة، بل

стр. 349

السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص، من أنه لا بد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة [ثم يخرجون منها. وأما من جزم بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة] (١) فهذا لا أعرفه (٢) قولاً لأحد. وبعده قول من يقول: ما ثم عذاب أصلاً، وإنما هو (٣) تخويف بما (٤) لا حقيقة له، وهذا من أقوال الملاحدة الكفار، وربما احتج بعضهم بقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: ١٦] فيقال لهذا: التخويف إنما يكون تخويفاً، إذا كان هناك مخوف يمكن وقوعه بالمخوَّف، فإن لم يكن هناك ما يمكن وقوعه امتنع التخويف، لكن يكون حاصله إيهام الخائفين بما لا حقيقة له كما يوهم (٥) الصبي الصغير، ومعلوم أن مثل هذا لا (٦) يحصل به تخويف للعقلاء المميزين، لأنهم إذا علموا أنه ليس هناك شيء مخوف زال الخوف. وهذا شبيه بما تقول (٧) ملاحدة المتفلسفة (٨) والقرامطة (٩) ونحوهم:

стр. 350

[قول الفلاسفة في الوعد والعيد] من أن الرسل خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لا حقيقة لها في الباطن وإنما هي أمثال مضروبة لتفهيم (١) حال النفس بعد المفارقة، وما أظهروه لهم من الوعد والوعيد وإن كان لا حقيقة له (٢) فإنما تعلق (٣) لمصلحتهم في الدنيا إذ كان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريق (٤). وهذا القول مع أنه معلوم الفساد بالضرورة من دين الرسل، فلو كان الأمر كذلك لكان خواص الرسل الأذكياء يعلمون ذلك، وإذا علموا زالت محافظتهم على الأمر والنهي، كما يصيب خواص ملاحدة المتفلسفة والقرامطة من الإسماعيلية (٥)، والنصيرية (٦) ونحوهم، فإن البارع منهم في

стр. 351

العلم والمعرفة يزول عنه عندهم الأمر والنهي، وتباح له المحظورات، وتسقط عنه الواجبات، فتظهر أضغانهم، وتنكشف أسرارهم، ويعرف عموم الناس حقيقة دينهم الباطل، حتى سموهم باطنية لإبطانهم خلاف ما يظهرون، فلو كان والعياذ بالله دين الرسل كذلك، لكان خواصه قد عرفوه، ولظهر (١) باطنه، وكان عند أهل المعرفة والتحقيق من جنس دين الباطنية (٢)، ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا أعلم الناس بباطن الرسول وظاهره، وأخبر الناس بمقاصده ومراداته كانوا أعظم الأمة لزوماً لطاعة أمره سراً وعلانية ومحافظة على ذلك إلى الموت، وكل من كان منهم إليه أقرب (٣) وبه أخص وبباطنه أعلم كأبي بكر وعمر ﵄ كان أعظمهم (٤) لزوماً لطاعته سراً وعلانية، ومحافظة على أداء الواجب، واجتناب المحرم باطناً وظاهراً، وقد أشبه هؤلاء في بعض الأمور ملاحدة المتصوفة، الذين يجعلون فعل المأمور وترك المحظور

стр. 352

واجباً على السالك، حتى يصير عارفاً محققاً في زعمهم وحينئذ يسقط عنه التكليف، ويتأولون على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (١) [الحجر: ٩٩] زاعمين أن اليقين هو ما يدعونه من المعرفة،

стр. 353

واليقين هنا الموت (١) وما بعده كما قال تعالى عن أهل النار: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ (٢) [المدثر: ٤٥ - ٤٧] قال الحسن البصري: (إن الله لم يجعل لعباده المؤمنين أجلاً دون الموت) وتلا هذه الآية. ومنه قول النبي (٣) ﷺ لما توفي عثمان بن مظعون: (أما عثمان بن مظعون فقد أتاه اليقين من ربه) (٤). وهؤلاء قد يشهدون القدر أولاً، وهي الحقيقة الكونية، ويظنون أن غاية العارف أن يشهد القدر ويفنى عن هذا الشهود، وذلك المشهد لا تميز (٥) فيه بين المأمور والمحظور، وموجبات الله ومكروهاته، وأوليائه وأعدائه وقد يقول أحدهم: العارف شهد أولاً الطاعة والمعصية، ثم شهد طاعة بلا معصية، يريد بذلك طاعة القدر، كقول بعض شيوخهم: أنا كافر برب يعصى! ! وقيل له عن بعض الظالمين: هذا ماله حرام، فقال: إن كان عصى الأمر فقد أطاع الإرادة، ثم ينتقلون إلى المشهد الثالث، لا طاعة ولا معصية، وهو مشهد أهل الوحدة القائلين بوحدة الوجود، وهذا غاية إلحاد المبتدعة جهمية الصوفية، كما أن القرمطة آخر إلحاد الشيعة، وكلا الإلحادين يتقاربان، وفيهما من الكفر ما ليس في دين اليهود والنصارى ومشركى العرب والله أعلم.

стр. 354

فصل [النزاع في مسائل الإيمان] ثم بعد ذلك تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعاً كثيراً منه لفظي، وكثير منه معنوي، فإن أئمة الفقهاء لم ينازعوا في شيء مما ذكرناه من الأحكام، وإن كان بعضهم أعلم بالدين وأقوم به من بعض، ولكن تنازعهم في الأسماء كتنازعهم في الإيمان: هل يزيد وينقص؟ وهل يستثنى فيه أم لا؟ وهل الأعمال من الإيمان أم لا؟ وهل الفاسق الملي مؤمن كامل الإيمان أم لا؟ [مذهب أهل السنة في مسائل الإيمان] والمأثور عن الصحابة وأئمة التابعين وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو منسوب إلى أهل السنة أن الإيمان: قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وأنه يجوز الاستثناء فيه كما قال عمير بن [حبيب] (١) الخطمي (٢) وغيره من الصحابة: (الإيمان يزيد وينقص، فقيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ فقال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه) (٣)، فهذه الألفاظ المأثورة عن جمهورهم.

стр. 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →