← Акыда

Акыда · id 20587

الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي

ابن تيمية

Полный текст (658 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

العلم والمعرفة يزول عنه عندهم الأمر والنهي، وتباح له المحظورات، وتسقط عنه الواجبات، فتظهر أضغانهم، وتنكشف أسرارهم، ويعرف عموم الناس حقيقة دينهم الباطل، حتى سموهم باطنية لإبطانهم خلاف ما يظهرون، فلو كان والعياذ بالله دين الرسل كذلك، لكان خواصه قد عرفوه، ولظهر (١) باطنه، وكان عند أهل المعرفة والتحقيق من جنس دين الباطنية (٢)، ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا أعلم الناس بباطن الرسول وظاهره، وأخبر الناس بمقاصده ومراداته كانوا أعظم الأمة لزوماً لطاعة أمره سراً وعلانية ومحافظة على ذلك إلى الموت، وكل من كان منهم إليه أقرب (٣) وبه أخص وبباطنه أعلم كأبي بكر وعمر ﵄ كان أعظمهم (٤) لزوماً لطاعته سراً وعلانية، ومحافظة على أداء الواجب، واجتناب المحرم باطناً وظاهراً، وقد أشبه هؤلاء في بعض الأمور ملاحدة المتصوفة، الذين يجعلون فعل المأمور وترك المحظور

стр. 352

واجباً على السالك، حتى يصير عارفاً محققاً في زعمهم وحينئذ يسقط عنه التكليف، ويتأولون على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (١) [الحجر: ٩٩] زاعمين أن اليقين هو ما يدعونه من المعرفة،

стр. 353

واليقين هنا الموت (١) وما بعده كما قال تعالى عن أهل النار: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ (٢) [المدثر: ٤٥ - ٤٧] قال الحسن البصري: (إن الله لم يجعل لعباده المؤمنين أجلاً دون الموت) وتلا هذه الآية. ومنه قول النبي (٣) ﷺ لما توفي عثمان بن مظعون: (أما عثمان بن مظعون فقد أتاه اليقين من ربه) (٤). وهؤلاء قد يشهدون القدر أولاً، وهي الحقيقة الكونية، ويظنون أن غاية العارف أن يشهد القدر ويفنى عن هذا الشهود، وذلك المشهد لا تميز (٥) فيه بين المأمور والمحظور، وموجبات الله ومكروهاته، وأوليائه وأعدائه وقد يقول أحدهم: العارف شهد أولاً الطاعة والمعصية، ثم شهد طاعة بلا معصية، يريد بذلك طاعة القدر، كقول بعض شيوخهم: أنا كافر برب يعصى! ! وقيل له عن بعض الظالمين: هذا ماله حرام، فقال: إن كان عصى الأمر فقد أطاع الإرادة، ثم ينتقلون إلى المشهد الثالث، لا طاعة ولا معصية، وهو مشهد أهل الوحدة القائلين بوحدة الوجود، وهذا غاية إلحاد المبتدعة جهمية الصوفية، كما أن القرمطة آخر إلحاد الشيعة، وكلا الإلحادين يتقاربان، وفيهما من الكفر ما ليس في دين اليهود والنصارى ومشركى العرب والله أعلم.

стр. 354

فصل [النزاع في مسائل الإيمان] ثم بعد ذلك تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعاً كثيراً منه لفظي، وكثير منه معنوي، فإن أئمة الفقهاء لم ينازعوا في شيء مما ذكرناه من الأحكام، وإن كان بعضهم أعلم بالدين وأقوم به من بعض، ولكن تنازعهم في الأسماء كتنازعهم في الإيمان: هل يزيد وينقص؟ وهل يستثنى فيه أم لا؟ وهل الأعمال من الإيمان أم لا؟ وهل الفاسق الملي مؤمن كامل الإيمان أم لا؟ [مذهب أهل السنة في مسائل الإيمان] والمأثور عن الصحابة وأئمة التابعين وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو منسوب إلى أهل السنة أن الإيمان: قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وأنه يجوز الاستثناء فيه كما قال عمير بن [حبيب] (١) الخطمي (٢) وغيره من الصحابة: (الإيمان يزيد وينقص، فقيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ فقال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه) (٣)، فهذه الألفاظ المأثورة عن جمهورهم.

стр. 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 356

[اختلاف عبارة السلف في الإيمان، والمعنى واحد] وربما قال بعضهم وكثير من المتأخرين: قول وعمل ونية، وربما قال آخر: قول وعمل ونية واتباع للسنة، وربما قال: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، أي بالجوارح، وروى بعضهم هذا مرفوعاً إلى النبي ﷺ (١)،

стр. 357

في النسخة المنسوبة إلى أبي الصلت الهروي (١) عن علي بن الرضا (٢)، وذلك من الموضوعات على النبي ﷺ باتفاق أهل العلم

стр. 358

بحديثه (١)، وليس بين هذه العبارات اختلاف معنوى، ولكن القول المطلق والعمل المطلق في كلام السلف، يتناول قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح. [معنى عبارات السلف في الإيمان] وقول اللسان بدون اعتقاد القلب هو قول المنافقين، وهذا لا يسمى قولاً إلا [بالتقييد] (٢) كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١] وكذلك عمل الجوارح بدون أعمال القلوب، هي من أعمال المنافقين التي لا يتقبلها (٣) الله، فقول السلف يتضمن القول والعمل الباطن

стр. 359

والظاهر، لكن لما كان بعض الناس قد لا يفهم دخول النية في ذلك، قال بعضهم: ونية، ثم بين آخرون أن مطلق القول والعمل والنية لا يكون مقبولاً إلا بموافقة السنة، وهذا حق أيضاً فإن أولئك قالوا: قول وعمل [ليبينوا] (١) اشتماله على الجنس، ولم يكن مقصودهم ذكر صفات الأقوال والأعمال، وكذلك قول من قال: اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، جعل القول والعمل اسماً لما يظهر، فاحتاج أن يضم إلى ذلك اعتقاد القلب، ولا بد أن يدخل في قوله: اعتقاد القلب أعمال القلب المقارنة لتصديقه، مثل حب الله، وخشية الله، والتوكل على الله، ونحو ذلك، فإن دخول أعمال القلوب (٢) في الإيمان أولى من دخول أعمال الجوارح باتفاق الطوائف كلها. وكان بعض الفقهاء من أتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القرآن، ولم يجدوا ذكر النقص، وهذا أحد (٣) الروايتين عن مالك، والرواية الأخرى عنه (٤)، وهو المشهور عند أصحابه كقول سائرهم أنه يزيد وينقص، وبعضهم عدل عن لفظ الزيادة والنقصان إلى لفظ التفاضل، فقال: أقول: الإيمان يتفاضل ويتفاوت، ويروى هذا عن ابن المبارك (٥)، وكان مقصوده الإعراض عن لفظ وقع فيه

стр. 360

النزاع إلى معنى لا ريب في ثبوته (١). [مذهب مرجئة الفقهاء] وأنكر حماد بن أبي سليمان (٢) ومن اتبعه تفاضل الإيمان، ودخول الأعمال فيه والاستثناء فيه، وهؤلاء هم (٣) مرجئة الفقهاء. وأما إبراهيم النخعي (٤) إمام أهل الكوفة شيخ حماد بن أبي سليمان

стр. 361

وأمثاله، ومن قبله من أصحاب ابن مسعود كعلقمة (١) والأسود (٢)، فكانوا من أشد الناس مخالفة للمرجئة، وكانوا يستثنون في الإيمان، لكن حماد بن أبي سليمان خالف سلفه، واتبعه من اتبعه، ودخل في هذا طوائف من أهل الكوفة ومن بعدهم. ثم إن السلف والأئمة اشتد إنكارهم على هؤلاء وتبديعهم وتغليظ القول فيهم ولم أعلم أحداً منهم نطق بتكفيرهم، بل هم متفقون على أنه (٣) لا يكفرون في ذلك. [إنكار السلف على المرجئة، مع عدم تكفيرهم] وقد نص أحمد وغيره من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة (٤)، ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيراً لهؤلاء، أو جعل هؤلاء من

стр. 362

أهل البدع المتنازع في تكفيرهم، فقد غلط غلطاً عظيماً، والمحفوظ عن أحمد وأمثاله من الأئمة إنما هو تكفير الجهمية المشبهة (١) وأمثال هؤلاء، ولم يكفر أحمد الخوارج ولا القدرية إذا أقروا بالعلم، وأنكروا خلق الأفعال، وعموم المشيئة (٢)، لكن حكي عن أحمد (٣) في تكفيرهم [روايتان] (٤). [تكفير الجهمية لا يقتضي تكفير أعيانهم] وأما المرجئة فلا يختلف قوله في عدم تكفيرهم، مع أن أحمد لم

стр. 363

يكفر أعيان الجهمية (١)، ولا كل من قال: إنه جهمي كفره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم كفره، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس، وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرهم أحمد وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم، ويدعو لهم، ويرى لهم (٢) الائتمام بهم في الصلاة خلفهم، والحج، والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم، ما يراه لأمثالهم من الأئمة، وينكر ما أحدثوه (٣) من القول الباطل، الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا هم أنه كفر، كان (٤) ينكره، ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنة والدين، وإنكار بدع الجهمية الملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة، وإن كانوا جهالاً مبتدعين، وظلمة فاسقين. [مذهب أبي حنيفة وابن كلاب في الإيمان] وهؤلاء المعروفون من الفقهاء (٥) مثل حماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة (٦) وغيرهما من فقهاء الكوفة، كانوا يجعلون قول اللسان، واعتقاد

стр. 364

[مذهب الجهمية في الإيمان وتكفير من قال به] القلب من الإيمان، وهو قول أبي محمد بن كلاب (١) وأمثاله (٢)، ولم يختلف قولهم في ذلك، ولا نقل عنهم أنهم قالوا: الإيمان مجرد تصديق القلب، لكن هذا القول حكوه عن الجهم بن صفوان (٣) ذكروا أنه قال:

стр. 365

[لوازم مذهب الجهمية في الإيمان] الإيمان مجرد معرفة القلب، وإن لم يقر بلسانه، واشتد [نكيرهم] (١) لذلك (٢)، [حين] (٣) أطلق وكيع بن الجراح (٤)، وأحمد بن حنبل وغيرهما كفر من قال ذلك، فإنه من أقوال الجهمية (٥)، وقالوا: إن فرعون وإبليس

стр. 366

وأبا (١) طالب واليهود وأمثالهم، عرفوا بقلوبهم، وجحدوا بألسنتهم فهل (٢) كانوا مؤمنين؟ وذكروا قول الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. وقالوا: إبليس لم يكذب خبراً، ولم يجحد، فإن الله أمره بلا رسول، ولكن عصى واستكبر، فكان (٣) كافراً من غير تكذيب في الباطن، وتحقيق هذا مبسوط في غير هذا الموضع (٤). [مذهب الكرامية في الإيمان] وحدث بعد هذا قول الكرامية (٥): إن الإيمان قول اللسان، دون تصديق القلب مع قولهم: إن مثل هذا يعذب في الآخرة، ويخلد في النار. [مذهب الصالحي والأشعري في المشهور عنه] وقال أبو عبد الله الصالحي (٦): إن الإيمان هو مجرد تصديق القلب

стр. 367

ومعرفته، لكن له لوازم، فإذا ذهبت دل ذلك على عدم تصديق القلب، وإن كل قول أو عمل ظاهر دل الشرع على أنه كفر، كان ذلك، لأنه دلل على عدم تصديق القلب ومعرفته، وليس الكفر إلا تلك الخصلة الواحدة، وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة. [الأشاعرة من المرجئة] وهذا أشهر قولي (١) أبى الحسن الأشعري (٢)، وعليه أصحابه

стр. 368

كالقاضي أبي بكر، وأبي المعالي (١)، وأمثالهما، ولهذا عدهم أهل المقالات من المرجئة. [القول الثاني للأشعري الذي وافق فيه السلف] والقول الآخر عنه كقول السلف وأهل الحديث: أن الإيمان قول وعمل وهو اختيار طائفة من أصحابه (٢)، ومع هذا فهو وجمهور أصحابه على قول أهل الحديث في الاستثناء في الإيمان (٣).

стр. 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 370

[مأخذ الاستثناء عند الأشعري] والإيمان المطلق عنده ما تحصل به الموافاة، والاستثناء عنده يعود إلى ذلك، [لا] (١) إلى الكمال والنقصان والحال، وقد منع أن [يطلق] (٢) القول بأن الإيمان مخلوق، أو غير مخلوق (٣)، وصنف في ذلك مصنفاً معروفاً ذلك (٤) عند أهل السنة في كتاب "المقالات"، وقال إنه يقول بقولهم. [مذهب الماتريدي في الإيمان] وقد ذهب طائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة، كأبي منصور الماتريدي (٥) وأمثاله إلى نظير هذا القول في الأصل، وقالوا: إن الإيمان هو ما في القلب، وأن القول الظاهر شرط لثبوت أحكام الدنيا، لكن هؤلاء يقولون بالاستثناء ونحو ذلك، كما عرف من أصلهم (٦).

стр. 371

وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان، من الخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعاً (١)، فلم يقولوا بذهاب بعضه، وبقاء بعضه كما قال النبي ﷺ : "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان (٢) " (٣). [احتجاج الخوارج والمعتزلة والمرجئة والجهمية بهذا الأصل الفاسد] ثم قال الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان، فإذا ذهب بعضها، ذهب بعض الإيمان، فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة، ليس معه شيء من الإيمان. وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئاً واحداً لا يتبعض، إما مجرد تصديق القلب، كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة. قالوا: لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءاً منه، فإذا ذهبت

стр. 372

ذهب بعضه فيلزم إخراج [ذي] (١) الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج، لكن قد يكون له لوازم ودلائل، فيستدل بعدمه على عدمه. وصار (٢) كل من الطائفتين بعد السلف والجماعة وأهل الحديث متناقضين، حيث قالوا: الإيمان قول وعمل، وقالوا: مع ذلك لا يزول بزوال بعض الأعمال, حتى أن ابن الخطيب (٣) وأمثاله، جعلوا الشافعي متناقضاً في ذلك، فإن الشافعي كان من أئمة السنة، وله في الرد على المرجئة كلام مشهور، وقد ذكر في كتاب الطهارة من الأم إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم على قول أهل السنة (٤) فلما (٥) صنف ابن الخطيب تصنيفاً فيه (٦)، وهو يقول في الإيمان بقول جهم والصالحي واستشكل قول

стр. 373

الشافعي ورآه متناقضاً (١). [إبطال شبهة هذه الفروق في الإيمان] وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها، كالعشرة فإنه إذا زال بعضها، لم تبق (٢) عشرة، وكذلك الأجسام المركبة كالسكنجبين (٣) إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبيناً. قالوا: فإذا كان الإيمان مركباً من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة، لزم زواله، بزوال بعضها، وهذا قول الخوارج والمعتزلة. قالوا: ولأنه يلزم أن يكون الرجل مؤمناً بما فيه من الإيمان، كافراً بما فيه من الكفر، فيقوم به كفر وإيمان، وادعوا أن هذا خلاف الإجماع. ولهذه الشبهة -والله أعلم- امتنع من امتنع من أئمة الفقهاء أن يقول: ينقص (٤) كأنه ظن إذا قال ذلك يلزم ذهابه كله بخلاف ما إذا زاد. ثم إن هذه الشبهة هي شبهة من منع أن يكون في الرجل الواحد طاعة ومعصية، لأن الطاعة جزء من الإيمان، والمعصية جزء من الكفر، فلا يجتمع فيه كفر وإيمان وقالوا: ما ثم إلا مؤمن محض، أو كافر محض، أو مؤمن وكافر وفاسق (٥). ثم نقلوا حكم الواحد من الأشخاص إلى الواحد من الأعمال، فقالوا: لا يكون العمل الواحد محبوباً من وجه مكروهاً من وجه.

стр. 374

وغلا فيه أبو هاشم (١) فنقله إلى الواحد بالنوع فقال: لا يجوز أن يكون جنس السجود أو الركوع أو غير ذلك من الأعمال بعض أنواعه طاعة، وبعضها معصية، لأن الحقيقة الواحدة لا توصف بوصفين مختلفين، بل الطاعة والمعصية تتعلق بأعمال القلوب، وهو قصد الساجد دون عمله الظاهر، واشتد نكير الناس عليه في هذا القول، وذكروا من مخالفته للإجماع وجحده للضروريات شرعاً وعقلاً ما يتبين به فساده (٢).

стр. 375

وهؤلاء منتهى نظرهم أن يروا حقيقة مطلقة مجردة تقوم في أنفسهم فيقولون: الإيمان من حيث هو [هو] (١)، والسجود من حيث هو هو، لا يجوز أن يتفاضل، ولا يجوز أن يختلف، وأمثال ذلك. ولو اهتدوا لعلموا أن الأمور الموجودة في الخارج عن الذهن متميزة بخصائصها، وأن الحقيقة المجردة المطلقة لا تكون إلا في الذهن (٢)، وأن الناس إذا تكلموا في التفاضل والاختلاف فإنما تكلموا في تفاضل الأمور الموجودة واختلافها لأن تفاضل أمر مطلق مجرد في الذهن لا وجود له في الخارج. ومعلوم أن السواد مختلف، فبعضه أشد من بعض، وكذلك البياض، وغيره من الألوان، وأما إذا قدرنا السواد المجرد المطلق الذي يتصوره الذهن فهذا لا يقبل الاختلاف والتفاضل، لكن هذا هو في الأذهان لا في الأعيان. ومثل هذا الغلط وقع فيه كثير من الخائضين في الأصول والفقه (٣)، حيث أنكروا تفاضل العقل، أو الإيجاب و (٤) التحريم. وإنكار التفاضل في ذلك قول القاضي أبي بكر وابن عقيل (٥)

стр. 376

وأمثالهما، لكن الجمهور على خلاف ذلك، وهو قول أبي الحسن التميمي (١)، وأبي محمد البربهارى (٢)، والقاضي أبي يعلى (٣)، وأبي

стр. 377

الخطاب (١)، وغيرهم (٢).

стр. 378

ولذلك (١) وقع نظير هذا لأهل المنطق والفلسفة ولمن تابعهم من أهل الكلام والإلحاد (٢) في توحيد واجب الوجود ووحدته حتى أخرجهم الأمر إلى ما يستلزم التعطيل المحض كما بيناه في غير هذا الموضع (٣). وأهل المنطق اليونان مضطربون في هذا المقام، يقول أحدهم القول،

стр. 379

ويقول نقيضه كما هو مذكور في موضعه، ونحن نذكر ما يتعلق بهذا الموضع فنقول: -ولا حول ولا قوة إلا بالله- الكلام في طرفين: (أحدهما): أن شعب الإيمان هل هي متلازمة في الانتفاء؟ والثاني: هل هي متلازمة في الثبوت؟ [هل شعب الإيمان متلازمة في الانتفاء والثبوت] أما الأول: فإن الحقيقة الجامعة لأمور- سواء كانت في الأعيان أو الأعراض- إذا زال بعض تلك الأمور فقد يزول سائرها وقد لا يزول، ولا يلزم من زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها، وسواء سميت مركبة أو مؤلفة أو غير ذلك، لا يلزم من زوال بعض الأجزاء زوال سائرها، وما مثلوا به من العشرة والسكنجبين مطابق لذلك. فإن الواحد من عشرة (١) إذا زال لم يلزم زوال التسعة، [بل قد تبقى التسعة] (٢) وإذا زال (٣) أحد جزئي المركب لم (٤) يلزم زوال الجزء الآخر، لكن أكبر (٥) ما يقولون زالت [الصورة] (٦) المجتمعة, وزالت الهيئة الاجتماعية، وزال ذلك الاسم الذي استحقته الهيئة بذلك الاجتماع والتركيب، كما يزول اسم العشرة والسكنجبين. فيقال لهم: أما كون ذلك المجتمع المركب ما بقي على تركيبه فهذا لا ينازع فيه عاقل، ولا يدعي عاقل أن الإيمان أو الصلاة أو الحج أو غير ذلك من العبادات المتناولة لأمور إذا زال بعضها [بقي] (٧) ذلك المجتمع المركب كما كان قبل [زوال بعضه] (٨). ولا يقول أحد: إن الشجرة أو الدار إذا زال بعضها بقيت مجتمعة

стр. 380

كما كانت، ولا أن الإنسان أو غيره من الحيوان إذا زال بعض أعضائه بقي مجموعاً. كما قال النبى ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، و (١) ينصرانه، ويمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء (٢)، هل تحسون فيها من جدعاء؟ (٣) " (٤). فالمجتمعة الخلق بعد الجدع لا تبقى مجتمعة، ولكن لا يلزم زوال بقية الأجزاء. وأما زوال الاسم فيقال لهم: هذا أولاً بحث لفظي، إذا قدر أن الإيمان له أبعاض وشعب كما قال رسول الله في الحديث المتفق عليه: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (٥). كما أن الصلاة والحج له أجزاء وشعب، ولا يلزم من زوال شعبة من شعبه زوال سائر الأجزاء والشعب، كما لا يلزم من زوال بعض أجزاء

стр. 381

الحج والصلاة زوال سائر الأجزاء (١)، فدعواهم أنه إذا زال بعض المركب زال البعض الآخر ليس بصواب، ونحن نسلم لهم أنه ما بقي إلا بعضه لا كله، وأن الهيئة الاجتماعية ما بقيت كما كانت. يبقى النزاع هل يلزم زوال الاسم بزوال بعض الأجزاء؟ فيقال لهم: المركبات في ذلك على وجهين، منها: ما يكون التركيب شرطاً في إطلاق الإسم، ومنها: ما لا يكون كذلك، فالأول: كاسم العشرة، وكذلك السكنجبين، ومنها: ما يبقى الاسم بعد زوال بعض الأجزاء، وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب، وكذلك من المختلفة الأجزاء، فإن المكيلات والموزونات تسمى حنطة وهي بعد النقص تسمى حنطة، وكذلك التراب والماء ونحو ذلك. وكذلك لفظ العبادة، والطاعة، والخير، والحسنة، والإحسان، والصدقة، والعلم، ونحو ذلك مما تدخل (٢) فيه أمور كثيرة يطلق الاسم عليها قليلها وكثيرها، وعند زوال بعض الأجزاء وبقاء بعض، وكذلك لفظ القرآن فيقال على جميعه وعلى بعضه، ولو نزل قرآن أكثر من هذا لسمي قرآناً، وقد تسمى الكتب القديمة قرآناً كما قال النبي ﷺ : "خفف على داود القرآن" (٣). وكذلك لفظ القول والكلام والنطق (٤) ونحو ذلك تقع (٥) على القليل من ذلك وعلى الكثير. وكذلك لفظ الذكر والدعاء يقال على كل القليل والكثير (٦)، وكذلك لفظ الجبل يقال على الجبل، وإن ذهب منه أجزاء كثيرة، ولفظ البحر والنهر يقال عليه وإن نقصت أجزاؤه. وكذلك المدينة

стр. 382

والدار والقرية والمسجد ونحو ذلك يقال على الجملة المجتمعة، ثم ينقص كثير من أجزائها والاسم باق، وكذلك أسماء بعض الحيوان والنبات كلفظ الشجرة يقال على جملتها، فتدخل (١) فيه الأغصان وغيرها، ثم يقطع منها ما يقطع والاسم باق، وكذلك لفظ الإنسان والفرس والحمار يقال على الحيوان المجتمع الخلق، ثم يذهب كثير من أعضائه والاسم باق، وكذلك أسماء بعض الأعلام، كزيد وعمرو يتناول الجملة المجتمعة، ثم يزول بعض أجزائها والاسم باق. وإذا كانت المركبات على نوعين بل غالبها من هذا النوع، لم يصح قولهم: إنه إذا زال جزؤه لزم أن يزول الاسم، إذا أمكن أن يبقى الاسم مع بقاء الجزء الباقي. [الإيمان له شعب، ويتبعض] ومعلوم أن اسم الإيمان من هذا الباب، فإن النبى ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ثم من المعلوم أنه (٢) إذا زال (٣) الإماطة ونحوها لم يزل اسم الإيمان. وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان" (٤). فأخبر أنه يتبعض ويبقى بعضه، وأن ذاك من الإيمان، فعلم أن بعض الإيمان يزول ويبقى بعضه، وهذا ينقض مآخذهم الفاسدة، ويبين أن اسم الإيمان مثل اسم القرآن والصلاة والحج ونحو ذلك، أما الحج ونحوه ففيه أجزاء ينقص الحج بزوالها عن كماله الواجب ولا يبطل، كرمي الجمار، والمبيت بمنى، ونحو ذلك (٥)، وفيه أجزاء

стр. 383

ينقص بزوالها عن كماله المستحب، كرفع الصوت بالإهلال، والرمل والاضطباع في الطواف الأول (١). وكذلك الصلاة فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال الاستحباب، وفيها أجزاء واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب مع الصحة في مذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك (٢)، وفيها [ماله] (٣) أجزاء إذا زالت جبر نقصها بسجود السهو (٤)، وأمور ليست كذلك (٥)، فقد رأيت أجزاء الشئ تختلف أحكامها شرعاً وطبعاً، فإذا قال المعترض: هذا الجزء داخل في الحقيقة، وهذا خارج عن (٦) الحقيقة، قيل له: ماذا تريد بالحقيقة؟ فإن قال: أريد بذلك ما إذا زال

стр. 384

[اختلاف حقيقة الإيمان بالنسبة للمكلفين] صار صاحبه كافراً، قيل له: ليس للإيمان حقيقة واحدة، مثل حقيقة [مسمى مسلم] (١) في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار، مثل حقيقة السواد والبياض، بل الإيمان والكفر يختلف باختلاف المكلف، وبلوغ التكليف له، ونزول (٢) الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك. وكذلك الإيمان الواجب على غيره مطلقاً (٣) و (٤) لا مثل الإيمان الواجب عليه في كل وقت، فإن الله تعالى [لما] (٥) بعث محمداً ﷺ رسولاً إلى الخلق، كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حينئذ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البيت، ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل [فمن] (٦) صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن، وأقر بما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك، كان ذلك الشخص حينئذ مؤمناً تام الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافراً. قال الإمام أحمد: "كان بدء الإيمان ناقصاً فجعل يزيد حتى كمل" (٧). ولهذا قال تعالى عام حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].

стр. 385

وأيضاً فبعد نزول القرآن كله (١) وإكمال الدين إذا بلغ الرجل بعض الدين دون بعض، كان عليه أن يصدق ما جاء به الرسول جملة وما بلغه عنه مفصلاً، وأما ما لم يبلغه ولم يمكنه معرفته، فذاك إنما عليه أن يعرفه مفصلاً إذا بلغه (٢). وأيضاً فالرجل إذا آمن بالرسول إيماناً جازماً، ومات قبل دخول وقت الصلاة، أو وجوب شيء من الأعمال، مات كامل الإيمان الذي وجب عليه، فإذا دخل وقت الصلاة فعليه أن يصلي، وصار يجب عليه ما لم يجب [عليه] (٣) قبل ذلك. وكذلك القادر على الحج والجهاد، يجب عليه ما لم يجب على غيره من التصديق المفصل، والعمل بذلك، فصار ما يجب من الإيمان يختلف باختلاف حال نزول الوحي من السماء، وبحال المكلف في البلاغ وعدمه، وهذا مما يتنوع به نفى التصديق، ويختلف حاله باختلاف القدرة والعجز، وغير ذلك من أسباب الوجوب، وهذه يختلف بها العمل أيضاً. ومعلوم أن الواجب على كل من هؤلاء لا يماثل الواجب على الآخر، فإذا كان نفس ما وجب من الإيمان في الشريعة الواحدة يختلف ويتفاضل، وإن كان بين [جميع] (٤) هذه الأنواع قدر مشترك موجود في الجميع، كالإقرار بالخالق وإخلاص الدين له، والإقرار برسله، واليوم الآخر، على وجه الإجمال، فمن المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ما

стр. 386

يجب عليه دون بعض، كان قد تبعض ما أتى فيه من الإيمان كبعض سائر الواجبات. يبقى أن يقال: فالبعض الآخر قد يكون شرطاً في ذلك البعض, وقد لا يكون [شرطاً فيه] (١)، [فالشرط] (٢) كمن آمن ببعض القرآن (٣)، وكفر ببعضه، أو آمن ببعض الرسل، وكفر ببعضهم. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠] وقد يكون البعض المتروك ليس شرطاً في وجود الآخر ولا قبوله، وحينئذٍ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وبعض شعب الإيمان، وشعبة من شعب الكفر. [قد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وإيمان وشعبة من شعب الكفر] كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن [كانت] (٤) فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدّث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (٥) وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة نفاق" (٦).

стр. 387

وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية" (١). وفي الصحيح عنه ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعوهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالنجوم" (٢). وفي الصحيحين عنه أنه قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (٣). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ "اثنتان في الناس [هما بهم كفر] (٤): الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت" (٥). وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا ترغبوا عن آبائكم، فإن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم" (٦).

стр. 388

وهذا من القرآن الذي نسخت تلاوته: (لا ترغبوا عن آبائكم، فإن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم) (١). وفي الصحيحين عن أبي ذر سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار، ومن رمى رجلاً بالكفر، أو قال: عدو (٢) الله، وليس كذلك إلا رجع (٣) عليه " (٤)، وفي لفظ البخاري: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه، وهو يعلمه إلا كفر بالله، ومن ادعى قوماً ليس منهم، فليتبوأ مقعده من النار" (٥). وفي الصحيحين من حديث جرير، وابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" (٦)، ورواه البخاري من حديث ابن عباس.

стр. 389

وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما" (١). وفي الصحيحين عن زيد بن خالد قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ [صلاة الصبح بالحديبية] (٢) في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؛ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب") (٣). وفي صحيح مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تروا إلى ما قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة، إلَّا أصبح فريق منهم بها

стр. 390

كافرين يقولون: بالكوكب با لكوكب" (١). ونظائر هذا موجودة في الأحاديث. وقال ابن عباس وغير واحد من السلف، في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق (٢). وقد ذكر ذلك أحمد والبخاري وغيرهما (٣). الأصل الثاني: [قد تتلازم شعب الإيمان عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف] أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف، فإذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله، أوجب بغض أعداء الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ [المائدة: ٨١].
следующие страницы →