أبعد ابن يحيى في الغرب عالم ... طبق بالفتيا المفاصل مثله
ويعرف من فقه النوازل غاية ... يوقع منها ما به بان نبله
وإن جئت للإِنصاف لم يبق مثله ... وهذا الجليل ليس ينكر فضله
فإِن كان جاء الموت فالصبر والرضا ... على ما قضى الخلاق فالحول حوله (١)
وبما أن آثار الشيخ تعتبر كامتداد لحياته بعد وفاته، جعلت الفصل التالي للحديث عنها.
стр. 37
الفصْل الرابع
آثاره:
لا شك أن عالمًا كالونشريسي تصدر للإِفتاء، ووصف بأنه أحاط بمذهب مالك أصوله وفروعه، وجاء هذا الوصف من قِبَلِ عالم يشار إليه بالبنان، وكان تحت تصرفه مكتبة ابن الغرديس الذي توارثها عن رجال وبيوتات عرفوا بالعلم، لا شك أنه سيخلف ثمارًا يانعة نضجت خلال عمر ليس بالقصير (١).
ولا بد لي قبل أن أذكر مؤلفاته من أن أنقل ما أورده صاحب الدوحة عمن عرف الونشريسي عن كثب، ولاحظ كيف كان يؤلف كتبه فقال: "حدثني غير واحد ممن لقيته أن كتبه كلها مورقة غير مسفرة، وكان له عرصة يمشي إليها في كل يوم ويجعل حمارًا يحمل عليه أوراق الكتب، من كل كتاب ورقتين أو ثلاثة، فإِذا دخل العرصة جرد ثيابه وبقي في قشابة صوف يحزم عليها بمضمة جلد ويكشف رأسه، وكان أصلع، ويجعل تلك الأوراق على حدة في صفين، والدواة في حزامه والقلم في يد والكاغد في الأخرى، وهو يمشي بين الصفين ويكتب النقول من كل ورقة، حتى إذا فرغ من جلبها على المسألة قيد ما عنده وما ظهر له من الرد والقبول، هذا شأنه" (٢).
وهذه أشهر كتبه:
١) المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب، وهو أشهر كتبه، ومن عنوانه يفهم أنه يحتوي على نوازل في مناطق معينة، ويقول المؤرخون إنه نقلها من الكتب التي وجدها في خزانة تلميذه
стр. 38
ابن الغرديس، خصوصًا فتاوي فاس والأندلس، أما فتاوي أهل إفريقية وتلمسان فاعتمد فيها على نوازل البرزلي والمازوني فيما يظهر لمن طالعها (١).
ولست بصدد دراسة هذا الكتاب فإِن ذلك يحتاج إلى كتب (٢)، ولكن لا بد لي أن أذكر أن المؤلف في هذا الكتاب لا يكتفي في كثير من الأحيان بإيراد السؤال- وإجابته، بل يعقب عليه برأيه بالقول والاقتناع أو بالرد والدحض، وقد يكون تعقيبه هذا سطرًا أو اثنين وقد يتسع فيصبح كتابًا مستقلًا (٣).
وبهذا الكتاب اشتهر المؤلف حتى أصبح يعرف بصاحب المعيار، وقد أثنى العلماء على هذا الكتاب إلا من شذ منهم (٤).
وقد نسب هذا الكتاب للمؤلف كل من ترجم له وهو في اثني عشر مجلدًا وقد طبع مرتين (٥) وترجمت بعض فتاويه (٦).
وقد اختلط الأمر على بعضهم فظن أن المعيار كتاب، ونوازل المعيار كتاب آخر (٧)، وقد اعتقد البغدادي أن أقضية المعيار في التاريخ وظنه كتابًا آخر (٨). أما
стр. 39
سركيس فجعل من المعيار ثلاثة كتب هي جامعة المعيار، والمعيار، ونوازل المعيار.
وما هي إلا كتاب واحد (١).
٢) إيضاح المسالك إلى قواعد الإِمام مالك، ذكره كل من ترجم له وذكر كتبه، وقد ذكره المؤلف نفسه في كتابه عدة البروق (٢)، إلا أن البعض يذكره باسم القواعد، مما جعل الأمر يختلط على البعض فيجعله كتابين (٣)؛ إذ قد صرح من له اطلاع بأنهما كتاب واحد (٤). وهذا الكتاب يضم مائة وثماني عشرة قاعدة من القواعد التي كانت تفسيراتها سببًا للاختلاف بين فقهاء المذهب. وقد طبع هذا الكتاب (٥).
٣) المنهج الفائق والمنهل الرائق والمعنى اللائق بآداب الموثق وأحكام الوثائق وهو كتاب مهم في صناعة التوثيق طبع على الحجر بفاس سنة ١٢٩٨ هـ (٦)،
стр. 40
وقد ذكره أكثر من ترجم له (١).
٤) غنية المعاصر والتالي في شرح وثائق أبي عبد الله الفشتالي طبع على الحجر بفاس مرتين (٢) على هامش وثائق الفشتالي.
٥) الوفيات نقل عنها كثير من أصحاب التراجم وهي معتمدة عندهم، وقد طبع ضمن كتاب ألف سنة من الوفيات (٣)، ذكر في هذا الكتاب وفيات العلماء من أول القرن الثامن إلى قبيل وفاته بسنتين.
٦) كتاب "الولايات" وهو كتاب يتحدث عن الخطط الشرعية، ذكره صاحبا الأعلام (٤) ومعجم أعلام الجزائر (٥)، وقد قسمها المؤلف إلى سبع عشرة ولاية، وهو مطبوع (٦).
٧) "إضاءة الحلك والمرجع بالدرك على من أفتى من فقهاء فاس بتضمين الراعي المشترك"، ذكره المؤلف في كتابه عدة البروق بهذا العنوان، أما في مقدمة الكتاب نفسه فإِن المؤلف يقول: "أما بعد فهذا كتاب ترجمته بإِضاءة الحلك في الرد على من أفتى بتضمين الراعي المشترك". وهو كتاب صغير في سبع صفحات طبع على الحجر في فاس ضمن مجموع.
٨) "أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر، وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر"، وهي رسالة صغيرة عبارة عن فتوى في بيان أحكام الماكثين بأرض الكفر وهم يقدرون على الهجرة إلى أرض الإِسلام وقد
стр. 41
أدرجها في المعيار (١)، ثم أعاد نشرها محققة الدكتور حسين مؤنس في صحيفة معهد الدراسات الإِسلامية بمدريد (٢)، وقد نقلها الشيخ عليش في فتاويه (٣).
٩) "تنبيه الحاذق الندس على خطأ من سوى بين القرويين والأندلس" وهي رسالة صغيرة أدرجها في المعيار (٤).
١٠) "تنبيه الطالب الدراك على توجيه الصلح بين ابن صعد والحباك" وهي رسالة في ست عشرة صفحة أدرجها في المعيار (٥).
١١) "نظم الدرر المنثورة وضم الأقوال الصحيحة المأثورة على من تعقب بعض فصول جوابنا على نازلة السيفي وأبي محذورة" رسالة صغيرة أدرجها في المعيار (٦).
١٢) "مختصر أحكام البرزلي" اختصر فيه نوازل البرزلي المسماة جامع الأحكام ولا يزال مختصره هذا مخطوطًا (٧).
١٣) "الأسئلة والأجوبة" تحوي الأسئلة التي بعث بها المؤلف إلى أستاذه أبي عبد الله القوري من تلمسان وإجاباتها. وهي لا تزال مخطوطة (٨)، وقد أدرج
стр. 42
بعضها في المعيار (١).
١٤) "الأجوبة" وهي أجوبة عن أسئلة كانت قد وردت إليه، فأجاب عنها، وهي لا تزال مخطوطة (٢).
١٥) "المبدي لخطأ الحميدي" وهي رسالة صغيرة في الرد على فتوى في إحدى مسائل النكاح (٣).
١٦) "الفوائد المهمة" ذكره محقق إيضاح المسالك (٤).
١٧) "تعليق على مختصر ابن الحاجب" قال صاحب النيل (٥): إنه اطلع عليه في ثلاثة أسفار، وذكره أيضًا في جذوة الاقتباس (٦).
١٨) "القصد الواجب في معرفة اصطلاح ابن الحاجب"، ذكره البغدادي وصاحب معجم أعلام الجزائر (٧).
١٩) "الدرر القلائد وغرر الدرر الفوائد" ذكره البوعزاوي في مقدمة المعيار (٨).
٢٠) "حل الربقة عن أسير الصفقة" ذكره ميارة في كتاب له بهذا الموضوع (٩).
٢١) "فهرسة" وهي التي ألفها باسم القاضي ابن عبد الجبار وقد ذكرها
стр. 43
المنجور (١) والكتاني (٢)، ونقل منها صاحب السلوة (٣).
٢٢) "الواعي لمسائل الإِنكار والتداعي" ذكره المؤلف في كتابه إيضاح المسالك (٤).
٢٣) "تأليف في التعريف بأبي عبد الله المقري" جد صاحب نفح الطيب، ذكره صاحب النفح (٥) وأحمد المكناسي (٦).
٢٤) تعليق على كتاب "الاعلام القريب والنائي في بيان خطأ عمر الجزنائي" لبعض الفاسيين وهذا كتاب يرد فيه صاحبه بعض الاعتراضات التي اعترضها الجزنائي على القاضي عياض وابن العربي وابن مرزوق في مسائل معينة، فعلق أبو العباس الونشريسي قبالة بعض الكلام الذي اعترض به الجزنائي. أورد صاحب الأزهار بعضًا منه (٧).
٢٥) تعليق كتبه على رسالة ابن الخطيب "مثلى الطريقة في ذم الوثيقة" (٨) ذكرها المقري في نفح الطيب (٩).
٢٦) شرح الخزرجية في العروض توجد نسخة منها بالخزانة العامة تحت رقم (١٠٦١ ق) من مجموع، أولها يقول العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن يحيى الونشريسي خار الله له آمين قوله الشعر الشعر لغة العلم والفطنة قال الجوهري. . إلخ (١٠).
٢٧) "عدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق" وهو الكتاب الذي اخترت تحقيقه في رسالتي هذه.
стр. 44
خَاتِمَة في الكلَام عَن كتاب عدة البروق
قبل أن أنتقل إلى القسم التحقيقي، لا بد لي من عرض سريع للتعريف بهذا الكتاب، من حيث نسبته للمؤلف، وعنوانه، والهدف من تأليفه، ومحتوياته، ومصادره.
١ - نسبته للمؤلف:
ذكر أكثر من ترجم للونشريسي أن له كتابًا في الفروق الفقهية (١)، ولم يذكروه بعنوانه الكامل (٢)، بل إن صاحب النيل يقول إنه وقف عليه (٣).
٢ - عنوانه:
ذكر المؤلف عنوان الكتاب في مقدمته فقال إنه سماه عدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق، وهذا العنوان يسير على نفس الطريقة التي سمى بها كتبه من حيث طول العنوان وسجعاته. وفي بعض النسخ (٤) عدة الفروق (٥). . إلخ العنوان، وأما الطبعة الحجرية فإِنها تحمل العنوان هكذا:
стр. 45
عدة الفروق في تلخيص ما في المذهب من الجموع والفروق، ولا أدري كيف وقعت لهم كلمة تلخيص.
٣ - تاريخ تأليفه:
ألف الونشريسي هذا الكتاب مرتين، الأولى في تلمسان على ما يبدو، وقد ضاعت نسخته فيما ضاع من متاعه عندما انتهب (١)، وقد صرح بذلك في مقدمة كتابه.
أما الأخرى فبعد انتقاله إلى فاس وقد ذكر في آخر الكتاب أنه انتهى منه في خامس عشر ربيع الثاني عام خمسة وثمانين وثمانمائة.
ولم يذكر في هذا الكتاب شيئًا عن كتبه الأخرى، ولم يرجع القارئ إليها باستثناء ثلاثة كتب هي: إيضاح المسالك، فقد ذكره مرتين، وإضاءة الحلك مرة واحدة، وتنبيه الطالب الدرَّاك مرة واحدة أيضًا.
٤ - الغرض من تأليفه:
يشرح المؤلف نفسه الغرض من تأليف كتابه هذا في مقدمته فيقول: -
يستعان به على حل كثير من المناقضات الواقعة في المدونة وغيرها من أمهات الروايات.
٥ - ملاحظات على الكتاب:
أذكر هنا بعض الملاحظات على كتاب الفروق يستعين بها القارئ على فهم طريقة الونشريسي في كتابه هذا، ولا أدعي أني أتكلم عن منهجه، فمنهجه يحتاج إلى بحث طويل مستقل:
١) يذكر أحيانًا الفروق ولا ينسبها لأصحابها، تارةً بالكلية وتارةً يذكر بعضهم ويعرض عن بعض، كما في الفرق ٤٣، وقد صرح ببقيتهم في المعيار ١/ ١٧٧، ١٧٩.
٢) قد يبني فرقه على حكم غير راجح في المذهب، كما في الفرق ٦٢ في مسألة من هو في نافلة وتذكر الفريضة، وقد عقد ركعة من النافلة، فقد ذكر المصنف أنه يقطع، والمذهب أنه لا يقطع.
стр. 46
٣) يبني أحيانًا فرقًا على قول غير مشهور، ثم يبني فرقًا آخر في نفس المسألة على قول مشهور كما في الفرق ٨٧ و ٨٩.
٤) إذا صرح باسم صاحب القول في المذهب فإِنه يعني أنه على خلاف المشهور إلا إذا ذكر اسم ابن القاسم.
٥) يشعر في بعض الفروق أن التعليل غير قوي فيضرب عنه إلى القول بأنها مسألة اتفاقية، أو مسألة إجماع، مثل ما فعل في الفرق ٩١.
٦) قد يحاول تعليل فروق يصعب تعليلها ظانًا أنه قد أقنع القارئ بما ذكر، والحقيقة أن العلة غير واضحة، والصحيح أن الشرع خصها بذلك، كما في الفرق ٩٢.
٧) يضرب أمثلة لتوضيح الفرق، كما فعل في الفرق ١٤٥.
٨) قد يأتي بالفرق، ثم يجلب فرقًا آخر، ثم يرجح الأول مثل الفرق ١٥٥.
٩) قد يستعمل بعض التراكيب اللغوية الثقيلة مثل "بل إلا" كما في الفرق ١٦٩.
١٠) قد يستعمل تركيبًا مرجوحًا عند النحاة كما في إضافة عدد معرف إلى غير معرف كما في الفرق ٤٤٦ عند قولة الثلاثة أشهر.
١١) قد يأتي بتفريق ويضعفه، ثم لا يأتي ببديله، كما في الفرق ٢٠١.
١٢) استعمل مرات كثيرة "أم" المعادلة بعد "هل"، والصواب استعمال "أو"، وقد اكتفيت بهذه الملاحظة هنا عن التنبيه عليها في الهوامش.
١٣) قد يأتي بفرق بين قولين أحدهما ضعيف، ولا ينص على ضعفه، كما في الفرق ٢٣٤.
١٤) إذا كان الفرق مفصلًا في المدونة لا يتعرض له كما في تفريقها بين الهدي والأضحية إذا عورت أو عجفت عند صاحبها. المدونة ٢/ ٤، ٥.
١٥) قد يعبر بقالوا عما في المدونة كما في كثير من الفروق.
١٦) عندما يذكر الكتاب فإِنه يقصد مدونة سحنون الكبرى، وعندما يذكر
стр. 47
المدونة يقصد تهذيب البراذعي لها. وقد يشير إلى مدونة سحنون بالأم.
١٧) قد يذكر نقل أحد العلماء عن المتقدمين، ثم يجزم بعدم وجوده في كتبه، وهذا يدل على تبحره وكثرة اطلاعه، كما في التنبيه الواقع في الفرق ٣٧٥.
١٨) قد يأتي بتفريق ذاكرًا صاحبه، ثم يرد عليه ويبين سقوطه كما في الفرق ٣٧٧.
١٩) قد يذكر بعض القواعد ثم يعدد ما يبنى عليها من الفروع كما في الفرق ٤٦٨.
٢٠) يذكر كلام غير ابن القاسم في المدونة، ولايصرح باسمه كما في الفرق ٤٩٠.
٢١) قد يكرر الفرق مع تغيير في الألفاظ لذهوله عنه كما في الفرقين ٥٢٦ و ٥٣١.
٢٢) قد يذكر الفرق ثم يكرره في باب آخر وينبه على ذلك، كما فعل في الفرق ٥١١ في كتاب المكاتب فقد أعاده في كتاب الخيار في الفرق ٦٥٥ مع بعض زيادة.
٢٣) قد يقصر التفريق حتى لا يزيد عن سطر، كما في كثير من الفروق، وقد يطول حتى يأخذ صفحات مثل الفرق ٨٢٤.
٢٤) كرر الفرق ٦٥٦ إذ قد ذكره بعد الفرق ٦٢٤، والفرق ٦٥٤ هو نفس الفرق ٥١٠.
٢٥) قد يجمع في تنبيهات بعض الفوائد والمسائل النادرة في حكمها بالنسبة لبابها، مثل المسائل الخمس التي تتوجه فيها اليمين على المدعى عليه من غير اعتبار خلطة، كما في التنبيه في الفرق ٧٩٠، والتنبيه في الفرق ٨٠٦ حيث ذكر فيه الوكلاء الذين لا يعزلون.
٢٦) قد يستدل بأقوال التابعين، فقد استدل بأقوالهم في كثير من الفروق، وقد استدل مرة واحدة بكلام ابن حزم الظاهري واصفًا إياه بالحافظ في الفرق ٨٢٤.
стр. 48
٦ - قيمة الكتاب العلمية:
لكتاب فروق الونشريسي قيمة علمية كبيرة وذلك يرجع -في رأي- إلى ما يأتي:
أ- يعتبر هذا الكتاب مرجعًا مهما في مقاصد الشريعة الإِسلامية باحتوائه على هذا العدد الضخم من الفروق التي تبين العلل في اختلاف الأحكام بين المسائل، وهو موضوع قل فيه التأليف بصورة عامة في الفقه الإِسلامي، وفي المذهب المالكي خاصة.
ورغم أن الدكتور محمد طموم (١) تحدث عن علم الفروق وعن الكتب التي ألفت في الفروق الفقهية، فإِني أذكر هنا من ألف قبل الونشريسي من المالكية فيه:
١) القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المتوفى سنة ٤٢٢ هـ. له كتاب الفروق في مسائل الفقه (٢).
٢) أبو محمد عبد الحق الصقلي المتوفى سنة ٤٦٦ هـ. له كتاب النكت والفروق (٣).
٣) شهاب الدين القرافي المتوفى سنة ٦٨٤ هـ. له كتاب الفروق (٤).
ولا أعلم غيرهم كتب من المالكية في هذا الفن، أما البقوري المتوفى سنة ٧٠٧ هـ وابن الشاط المتوفى سنة ٧٢٧ هـ فإِن تأليفهما اختصار أو تهذيب لفروق القرافي.
ب- يرجع المؤلف إلى أمهات الكتب في الفقه المالكي، منها ما هو مفقود لا نكاد نعرف اسمه لو لم يذكره المصنف.
стр. 49
جـ- تنوع مصادره وكثرتها مما أغنى الكتاب، وسأتكلم في الفقرة الآتية عنها.
٧ - مصادره:
اعتمد المؤلف في هذا الكتاب على مصادر كثيرة منها ما نقل منها أكثر من خمسين مرة مثل مختصر ابن عرفة الفقهي وجامع ابن يونس ومنها ما لم يزد النقل على مرة واحدة مثل أحكام ابن سهل والمحصول للرازي والإِعراب لابن حزم وغيرها. وسأذكر هنا أهم مصادره ولا أثبت إلا ما زاد النقل منه على مرة.
١) المدونة.
٢) جامع ابن يونس.
٣) شرح ابن عبد السلام على مختصر ابن الحاجب.
٤) مختصر ابن عرفة.
٥) البيان والتحصيل لابن رشد.
٦) نوازل ابن رشد.
٧) تعليق التونسي على المدونة.
٨) تبصرة اللخمي.
٩) تعليق أبي الحسن الصغير على المدونة.
١٠) تعليق القابسي على المدونة.
١١) التوضيح لخليل.
١٢) شرح التلقين للمازري.
١٣) تعليق ابن محرز على المدونة.
١٤) نوادر ابن أبي زيد.
١٥) فروق القرافي.
١٦) الذخيرة للقرافي.
١٧) التهذيب لعبد الحق.
١٨) تعليق أبي عمران الفاسي على المدونة.
١٩) شرح ابن بشير للجلاب.
стр. 50
٢٠) العتبية.
٢١) القبس لابن العربي.
٢٢) مختصر ابن عبد الحكم.
٢٣) مختصر ابن الحاجب.
٢٤) التنبيهات لعياض.
٢٥) تعليق السيوري على المدونة.
٢٦) المتيطية.
٢٧) ابن الجلاب (التفريع).
٢٨) شرح مختصر ابن عبد الحكم للأبهري.
٢٩) الموازية.
٣٠) تعليق أبي محمد صالح على المدونة.
٣١) مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان.
٣٢) وثائق ابن العطار.
٣٣) مفيد الحكام لابن أبي زمنين.
٣٤) الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية.
٣٥) مختصر ابن الوقار.
٣٦) أجوبة سحنون.
٣٧) المقدمات لابن رشد.
٨ - نسخ الكتاب:
وجدت لهذا الكتاب أربع نسخ في المكتبة الوطنية بتونس تحمل الأرقام التالية: - ٠٤٧٢٥ و ١٥٠٨٧ و ١٤٨٨٩ و ٤٨٥٩ ونسخة خامسة بالخزانة الملكية بالرباط (المغرب) تحمل رقم ١٥٦٣، علاوة على طبعته الحجرية بفاس بدون تاريخ، ولا علم لي بأية نسخة أخرى في مكان آخر.
فقمت بتصوير النسخ الخمسة المخطوطة على ميكروفيلم وعندما قرأتها بواسطة القارئة وجدت أن النسختين ٤٨٥٩ و ١٥٦٣ لا لزوم لطبعها على الورق، إذ
стр. 51
الأولى أكثرها غير واضح، وبها نقص كثير متفرق، والثانية بها أخطاء كثيرة، ولا أكون مبالغًا إن قلت إنه لا تخلو صفحة منها عن عدة أخطاء تخل بالمعنى فتركتها، ولكني استعنت بهما في بعض الفروق بين النسخ التي اختلفت النسخ فيها اختلافًا بينًا، ولم أستطع الجزم بصواب بعضها، فجعلت ما في هاتين النسختين عند وضوحهما مرجحًا. أما الثلاثة النسخ الأخرى فطبعتُها على الورق وتمت بهما المقابلة مع الحجرية إلى آخر الكتاب وفيما يلي نبذة عن جميع النسخ المخطوطة.
١) النسخة رقم ٤٧٢٥. مقاسها ٢٠ × ١٤ مسطرتها ٢١ عدد أوراقها ١٧٦ لوحة كتبت بخط مغربي واضح بالمداد الأسود، إلا عناوين كتبه وبداية الكتاب واسم محمد ﷺ وأما بعد وإنما التي هي بداية الفروق وكلمة تنبيه وفإِن قلت -قلت- وقال فإِنها بالمداد الأحمر.
ليس عليها تعليق إلا نادرًا، تارة بالأزرق وتارة بالأسود.
أكلت الأرضة بعض أجزاء من بعض الكلمات لا تأثير لها.
خالية من اسم الناسخ وتاريخ النسخ.
عليها تملكات أولها عام ١١٥٨ هـ وآخرها ١٢١٠ هـ.
بها سقط واحد كبير يبدأ من الفرق رقم ٩٣٨ في كتاب الرهون إلى الفرق ١٠٠٣ في كتاب الشفعة والقسمة.
وقد جعلتها أصلًا بالرغم من هذا النقص وذلك لوضوحها وقلة أخطائها بالقياس للأُخَر وكونها تحمل أقدم تملك كما أن بقية النسخ لا تمتاز عليها بميزة تجعلها تتقدم عليها.
وأشير إلى هذه النسخة بالأصل في القسم التحقيقي عند المقابلة.
٢) النسخة رقم ١٥٠٨٧ كانت في الأحمدية تحت رقم ٣٢٠٣ مقاسها ٢١ × ١٥ مسطرتها ١٩ عدد الأوراق ١٥٠ خطها مغربي جميل، واضح في أغلبه، بمداد أسود، إلا قال الشيخ الفقيه ﵁، وبقية الكلمات التي ذكرت في النسخة السابقة فإِنها كتبت بحبر أحمر.
стр. 52
لا تعليق عليها إلا بضع كلمات لا أهمية لها خالية من اسم الناسخ وتاريخ النسخ. عليها حبس أوائل صفر عام ١٢٩١ هـ.
وهي نسخة بها سقط من الفرق ١٤٧ في كتاب الزكاة إلى منتصف الفرق رقم ٢٣٨ في كتاب الأيمان وأشير إلى هذه النسخة عند المقابلة بـ (أ).
٣) النسخة رقم ١٤٨٨٩ كانت في المكتبة الأحمدية بالجامع الأعظم تحت رقم ٣٢٠٤ - مقاسها ٢٢.٥ × ١٦، مسطرتها ٢٣ أوراقها ٢٠٠ خطها واضح في غالبه بمداد أسود، إلا الحمد لله، وأما بعد، وبعض نقط تفرق بين السجعات في المقدمة، وبعض الشرط على إنما وعلى بدايات الكتب وأيضًا وقال فلان وتنبيه وبعض الكلمات التي يراها الناسخ مهمة فإِنها باللون الأحمر وإلا كلمة سميته فإِنها باللون الأخضر، خالية من التعاليق، ومن اسم الناسخ وتاريخ النسخ، كاملة ليس بها أي نقص مثل الأُوَل إلا أن أخطاءها كثيرة جدًّا وأكثرها مغير للمعنى خصوصًا في النصف الأول من الكتاب. عليها تحبيس بتاريخ عام ١٢٦٨ هـ.
وأشير إلى هذه النسخة بـ (ب).
٤) النسخة رقم ٤٨٥٩، مقاسها ٣١ × ٢١.٥، مسطرتها ٣١، أوراقها ٧٨ بخط مغربي بها نقص متفرق أهمه نقص يبدأ من كتاب القذف إلى آخر الكتاب عدا الصفحة الأخيرة فإِنها موجودة، وقد كتب في آخر هذه الصفحة: "تم الكتاب للشيخ سيدي أحمد بن يحيى الوانشريسي بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه. كاتبه أفقر (الوراء) وخديم الفقراء المؤدب أحمد بن سلام شنوشنان المنقير الكبيري، غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين سنة ١٢٨٨ هـ".
كتبت بالمداد الأسود إلا كلمة إنما وتنبيه، فإِنها باللون الأحمر.
والنسخة في أغلبها غير واضحة، ولذا لم أستفد منها في المقابلة إلا إذا توقفت في فهم المعنى من خلال النسخ الأخرى، فإني جعلت ما فيها من المرجحات إن وجدته واضحًا.
٥) النسخة رقم ١٥٦٣ (الخزانة الملكية بالرباط) مقاسها ٢٠.٥ × ١٥،
стр. 53
مسطرتها ٢٥، أوراقها ١٨٨، وهي بخط مغربي رقيق واضح في غالبه، بالمداد الأسود، إلا كلمات منها: اسم النبي، ﷺ ، وأما بعد، وكتاب وإنما وتنبيه وبعض الأحيان قال فإِنها كتبت باللون الأحمر. أتت الأرضة على بعض الكلمات كاملة.
خالية من اسم الناسخ وتاريخ النسخ، إلا أنه على غلافها بعض التملكات بدون تاريخ. بعض صفحاتها مكتوب منها جزء والباقي بياض وهو ليس بنقص. كما يوجد بها نقص متفرق في كل مكان.
أخطاؤها كثيرة جدًّا مخلة بالمعنى، ولذا لم أثبت فروقها إلا عند الضرورة كما أشرت في الكلام على سابقتها وعندئذٍ أشير إليها بحرف "م".
٦) الطبعة الحجرية: وهي طبعة فاس المشهورة المتداولة بدون تاريخ تحتوي على ٢٩٦ صفحة. مقابلة على أصل واحد، كما ذكر في آخرها مصححة من قبل خمسة من العلماء الأفاضل هم: -
العلامة أحمد الرسموكي، فالعلامة مولاي الطاهر بن الحسن الكتاني الحسني، والعلامة مولاي أحمد الشبيهي، ومحمد بن الطالب بن سودة، ومحمد بن سعيد الدوكالي المكناسي.
ورغم هذا التصحيح فإِن بها كثيرًا من الأخطاء المطبعية وغيرها، كما يلاحظ من يقرأ إثبات فروقها.
ولقد استفدت منها في المقابلة في كثير من المواضع إذ تتفق النسخ الأخرى في بعض الأحيان في الأغلاط فآخذ الصواب من الحجرية.
وأشير إليها أثناء إثبات الفروق بين النسخ بـ (ح).
٩ - ملاحظات عامة على كتابة هذه النسخ الخطية كلها:
أ- قلت سابقًا إن خطها مغربي، وبالتالي فمعروف أن القاف ينقط واحدة من أعلى والفاء واحدة من أسفل.
ب- تسهيل الهمزة إذا كانت وسط الكلمة وإذا كانت مكسورة أو ما قبلها مكسور فإِنها تبدل ياء.
стр. 54
جـ- الألف المقصورة تثبت ألفًا في أغلب الأحيان.
د- الياء لا تنقط إذا وقعت آخر الكلمة في أكثر الأحيان.
هـ- كثيرًا ما تكتب التاء المربوطة تاء مطلوقة وأحيانًا يحدث العكس.
١٠ - عملي في التحقيق:
أ- قمت بنسخ الكتاب كاملًا بالرسم الإِملائي المتعارف عليه اليوم، ومن ثم تحقيقه تحقيقًا يجعله أقرب ما يكون من الصورة الأصلية التي وضعها عليها المؤلف ﵀.
ب- قابلت النسختين الخطيتين المذكورتين آنفًا والطبعة الحجرية على الأصل وأثبت الفروق في الهامش.
جـ- أكملت النقص الموجود في الأصل من النسخ الأخرى ومن الحجرية.
د- تخريج الآيات القرآنية وإثبات إسم السورة ورقم الآية.
هـ- تخريج الأحاديث النبوية والآثار التي ذكرها المصنف والإِشارة إلى أصولها من كتب الأحاديث المعتمدة، إذا استطعت العثور عليها، وتكلمت على السند كلما لزم ذلك خصوصًا إذا تعرض له المصنف.
و- ترجمت للأعلام إلا المشهور منها جدًّا، فقد تركته إيثارًا للاختصار، مبينًا أشهر شيوخهم وتلاميذهم ومؤلفاتهم -إن وجدت-. وسنة وفاتهم، وذكرت بعض مصادر تراجمهم، ونبهت على الأعلام الذين لم أجد تراجمهم فيما أطلعت عليه من كتب التراجم.
ز- ترجيع المسائل العلمية التي احتواها الكتاب إلى أصولها، كلما تيسر لي ذلك، خصوصًا مسائل المدونة، إذ أن أكثر الفروق بين أحكامها، والفروق التي أخذها من عبد الحق في كتابه النكت، سواء أشار إليها المؤلف أم لا. وذلك لأنه يبحث في نفس موضوع هذا الكتاب الذي أقوم بتحقيقه.
حـ- عزو الشواهد الشعرية التي أوردها، وفي الحقيقة لم يورد المؤلف في هذا الكتاب إلا أبياتًا لأبي سعيد بن لب ذكرها المصنف منسوبة إلى صاحبها أو بيتًا لأحد فقهاء الشافعية، تكلمت عليه في موضعه من التحقيق.
стр. 55
ط- شرح بعض المفردات اللغوية الواردة في الكتاب وتركت شرح المصطلحات الفقهية إلا نادرًا؛ إذ أن ذلك يحتاج إلى شرح الكتاب كله.
ي- وضعت آخر الكتاب فهارس تفصيلية للآيات والأحاديث والأعلام والموضوعات والشواهد، وثبتًا بالمراجع التي اعتمدتها في قسم الدراسة والتحقيق.
стр. 56
المخطُوطَات
стр. 57
الغلاف واللوحة الأولى من مخطوطة الأصل
стр. 58
اللوحة الأخيرة من نسخة الأصل
стр. 59
غلاف نسخة "أ"
стр. 60
اللوحة الأولى من نسخة "أ"
стр. 61
اللوحة الأخيرة من نسخة "أ"
стр. 62
الصفحتين الأولى والثانية من المطبعة الحجرية "ح"
стр. 63
الغلاف من نسخة "ب"
стр. 64
اللوحة الأولى من نسخة "ب"
стр. 65
اللوحة الأخيرة من نسخة "ب"
стр. 66
عدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق
لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي
دراسة وتحقيق
حمزة أبو فارس
стр. 67
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى (١) الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم [تسليمًا] (٢)
(قال الشيخ الفقيه الإِمام أبو العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد بن علي الونشريسي -رحمه الله تعالى ورضي عنه-) (٣):
الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء، وعمت [نعمه] (٤) كل ميت وحي، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد، الذي فرق بين الحق والباطل، فأذهب كل ضلالة وغي، المبعوث لكافة الخلق، من آل لؤي، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، الذين محوا بسيوفهم الكفر وأعلنوا الإِسلام ونشروا أعلام السنة بعد الطي، صلاة وسلامًا يضيق عن حصرهما حرف الروي.
أما بعد فإِني قد كنت وضعت في الجموع والفروع مجموعًا مطبوعًا، وسميته بعدة البروق (٥) في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق. يستعان به على حلّ كثير من المناقضات الواقعة في المدونة وغيرها من أمهات الروايات. ثم إن بعض الهمج ممن له جرأة وتسلط على الأموال والمهج، انتهبه مع جملة أسباب مني (٦)، وغاب به عني، فأدركني من ذلك غاية المشقة والحرج، فلجأت إلى الله تعالى في تجديده، وقرعت باب الفرج، ففتح الله بابه الكريم لإِعادته وتجديده،
стр. 68
فجاء بحمد الله (١) وتأييده على وجه أبهى من الأول وأبهج. والله (١) أسأل أن ينفع بجملته وتفصيله، كل من سعى في اقتنائه (٢) وتحصيله، إنه ولي ذلك، فنعم المولى ونعم المالك.
стр. 69
فروق كتاب الطهارة
١ - وإنما يكره أن يتوضأ بماء قد توضئ به مرة (١)، ولا يكره أن يتيمم بتراب قد تيمم به؛ لأن الماء لا بد أن يتعلق (٢) به أوساخ، ولا كذلك التراب. قاله عبد الحق (٣) وابن رشد (٤).
стр. 70
٢ - وإنما لا يطهر ناب الفيل بالصلق (١) على المشهور، ويطهر جلد الميتة بالدباغ (٢)؛ لأن تأثير الدبغ (٣) في الجلد أقوى من تأثير الصلق في ناب الفيل.
٣ - وإنما أثر القليل من النجاسة في الكثير من الطعام، ولم يؤثر في الكثير من الماء؛ لأن الماء له مزية التطهير، أي أنه يطهر غيره بخلاف سائر المائعات.
٤ - وإنما استحب مالك للمرضع أن تتخذ ثوبًا للصلاة (٤)، ولم يستحب لذي الدمل والجرح؛ لأن سبب عذر الأول منفصل عنه (٥)، وسبب عذر الثاني متصل به (٦).
٥ - وإنما يستحب غسل الخارج من الجرح والدمل إذا تفاحش ويجب (٧) غسل ما تفاحش من دم البراغيث (٨)، لأن ملازمة الدمل والخارج [منها] (٩) أكثر، لأنه لا يختص بزمن (١٠) النوم دون اليقظة، ولا بزمن (١٠) اليقظة دون النوم، فكان غسله لذلك أشق (١١).
٦ - وإنما يعفى عما يصيب الخف والنعل من أرواث الدواب وأبوالها (١٢)، ولا يعفى
стр. 71
عما يصيبهما من غيرهما كالدم والعذرة؛ لأن الطرقات لا تسلم -في الأغلب- من أرواث الدواب وأبوالها، فخفف ذلك للضرورة، والدم والعذرة لا يصيبان الطرقات إلا نادرًا؛ إذ ليس شأن الناس أن يطرحوا ذلك فيها، وأيضًا نجاسة الدم [والعذرة] (١) متفق عليها، وأرواث الدواب وأبوالها مختلف فيها فكانت أخف (٢).
تنبيه: قيد سحنون (٣) العفو بالمواضع التي تكثر فيها الدواب، وأما ما لا تكثر فيه الدواب فلا يعفى عنه. وظن بعض جهلة الطلبة أن تقييد سحنون لا يحتاج إليه؛ لأنه عين (٤) ما علل به مالك من مشقة التحرز منها، وليس كما ظن؛ إذ لا يلزم من عسر التحرز منها في الطرقات وجود كثرة الدواب في محلها، والله تعالى أعلم.
٧ - وإنما قال ابن حبيب (٥) بالعفو عن الخف دون النعل؛ لأن المشقة في الخف أشد منها في النعل من جهة نزعه وإفساده، وهي في النعل أشد منها في الرِّجل.
٨ - وإنما قال ابن وهب (٦) ورواه عن مالك: ينضح بول الغلام ويغسل بول
стр. 72
الجارية (١)؛ لأن الصبي خلق من تراب فإِذا مسه الماء طابت رائحته والمرأة [خلقت] (٢) من ضلع، فإِذا (٣) مسه الماء زاد نتنًا.
تنبيه: قال ابن بشير (٤): وتفرقة ابن وهب بأن الذكر خلق من تراب والأنثى من ضلع ليس بشيء؛ لأن المخلوق من تراب ومن ضلع [هو] (٥) آدم وحواء، وأما من بعدهما فهو مخلوق من نطفة ومتغذ في الرحم بدم الحيض، فلا يقال فيه يرجع إلى الأصل.
٩ - وإنما قال مالك في الإِناء يلغ فيه الكلب، إن كان يغسل سبعًا، ففي الماء (وحده) (٦) دون الطعام (٧)، مع أن الحديث (٨) ليس فيه تخصيص الماء من غيره؛ لأن أواني الماء هي التي يجدها الكلاب غالبًا ويبتذلها الناس، ولا تكاد (٩) تصان (١٠)، وأما أواني الطعام فشأن الناس التحفظ عليها، وهي المصونة عن
стр. 73
الكلاب في الأغلب، فحمل [مالك] (١) الحديث على ما تجده الكلاب في الأغلب (٢). وأيضًا الماء لما كان يطرح غسل الإِناء منه سبعًا، ولما كان الطعام يؤكل ولا يطرح لم يغسل [الإِناء] (٣) منه سبعًا.
تنبيه: لم يرتض عبد الحق وغيره هذا الفرق (٤) من أجل أن (٥) غسل الإِناء سبعًا في الأصل إنما هو عبادة لا للنجاسة (٦)، فلا فرق في هذه العبادة بين طرح ما في الإِناء وتركه.
١٠ - وإنما قال مالك فيمن صلى بثوب نجس أوعلى مكان نجس أنه يعيد في الوقت (٧)، والوقت في الظهر والعصر إلى الاصفرار، وفي المغرب والعشاء الليل كله؛ لأن النهي [قد] (٨) ورد عن إيقاع النافلة بعد الاصفرار، فإِعادة الصلاة فيه يجري مجرى (٩) النافلة، بخلاف الليل، فإِنه لم يرد فيه نهي، فيعيد الصلاة في جميعه إلى طلوع الفجر.
تنبيه: لم يرتض الشيخ أبو الحسن اللخمي (١٠) ﵀ هذا الفرق وقال: لا يتم، لأن الإِعادة بنية الفرض لا بنية النفل.
стр. 74
١١ - وإنما قال مالك إذا لم يتميز موضع النجاسة من الثوب يغسل جميعه، وقال إذا اختلط ثوب نجس وطاهر، ولم يتميز الطاهر منهما، يتحرى واحدًا؛ لأن الأصل في كل واحد من الثوبين على انفراده الطهارة، فيستند اجتهاده إلى أصل، وليس كذلك في الثوب الواحد؛ لأن [حكم] (١) الأصل قد بطل منه لتحقق حصول النجاسة فيه فيجب غسله. قاله الأشياخ، ولا يخفى ما فيه.
١٢ - وإنما قال مالك إذا صلى بثوب نجس ثم (٢) وجد غيره أو ما يغسله به يعيد في الوقت، وإذا طاف وفي ثوبه نجاسة في الطواف الواجب أنه لا يعيده (٣)؛ لأن الطواف ليس له وقت محدود فأشبه الصلاة الفائتة. قاله ابن رشد.
١٣ - وإنما تجوز بالظهر إلى وقت الضرورة، وجعل المكلف إذا صلاها بثوب نجس أو بدن نجس أو على مكان نجس يعيدها إلى الاصفرار، ولم يجعل ذلك في العصر، بل اقتصر فيه على وقت الاختيار؛ لأن الإِعادة في الوقت إنما هي استحباب فأشبهت النفل، فكما أن النفل لا يوقع في [هذا] (٤) الوقت، كذلك ما أشبهه. فإِن قلت النفل إنما يمنع [من] (٤) يعد صلاة العصر، لامن الاصفرار، قيل ذلك مسلم ولكن يتأكد المنع بعد الاصفرار ما لا يتأكد قبله وبعد العصر.
١٤ - وإنما جاز تفريق النية على الأعضاء عند بعض أصحابنا (٥)، ولا يجوز تفريقها على [عدد] (٦) ركعات الصلاة وأركانها، مع أن كلاهما (٧) عبادة تبطل
стр. 75
بالحدث؛ لأن الوضوء يجوز أن يتخلله ما ليس من جنسه، ولا يفسده التفريق اليسير، [فجاز تفريق النية على أركانه (١)، ولا كذلك الصلاة فإِنه لا يجوز أن يتخللها ما ليس من جنسها، ولا يجوز فيها التفريق اليسير] (٢)، فلا يجوز تفريق النية على أركانها وفيه نظر.
١٥ - وإنما قال سحنون في الجنب تحيض والحائض تجنب فتنوي (٣) الحيض أنه يجزيها وإذا نوت الجنابة لم يجزها؛ لأن (٤) الحيض آكد، إذ موانعه أكثر؛ لأنه يمنع الوطء والصلاة والصوم ووجوب الصلاة، فكان حكمه أشد وأغلظ من حكم الجنابة، فإِذا اغتسلت له أجزاها عن الجنابة، بخلاف العكس (٥).
تنبيه: خرج الباجي (٦) نفي التأكيد بقراءة الحائض.
١٦ - وإنما يجبر المسلم زوجته (٧) الكتابية على الغسل من الحيض، ولا يجبرها على الغسل من الجنابة؛ لأن المسلم لا يجوز له وطء زوجته حتى تغتسل من الحيض، فلما كان الحيض مانعًا من الوطء، كان له إجبارها على