Полный текст (693 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وهذه المسألة فيها خلاف لأئمتنا، والمعتمد أنَّه إن فحش التأخير فالتعجيل أفضل وإلا فلا انتظار.
ويستثنى من سنن التعجيل صور مذكورة في كتب الفقه منها: تعجيل الظهر للإِبراد كما يعلم مما ذكرته بقولي.
[٤/ ٥٧] (وعن أبي هريرة ﵁ قال قال النبي ﷺ : إِذَا اشْتَدَّ) أي قوي الحر (فَأَبْرِدُوا) من الإِبراد أي الدخول في البرد كالإِصباح أي الدخول في الصباح فالباء في (بالصَّلاةِ) للتعدية، وقيل زائدة أي فادخلوا الصلاة في البرد أي أخروها إليه إلى أن يقع للحيطان ظل يمشي فيه (فإنَّ شِدَّةَ الحرِّ مِنْ فَيحِ جَهَنَّمَ) أي هيجانها ومن ابتدائية أو تبعيضيه وقول بعضهم إنها جنسية بناء على ما قيل من أن كون شدة الحر من فيح جهنم تشبيه لا حقيقة (والحديث رواه الشيخان) وفي رواية للبخاري بالظهر بدل الصلاة فهي مقيدة له.
وفيه سن تأخيرها لأنَّ في تعجيلها في شدة الحر مشقة تسلب الخشوع أو كماله، كما فيمن حضره طعام يتوق إليه أو يدافعه الحدث.
стр. 142
وأما خبر مسلم عن خباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله ﷺ حرّ الرمضاء فلم يشكنا. أي فلم يزل شكوانا فمنسوخ بالنسبة إلى الإِبراد.
والمراد سن تأخيرها لمصل في جماعة يقصدها من بعد ولا يجد ظلًا يمشي فيه ولا يؤخر عن نصف الوقت.
ويختص الإِبراد بشدة الحر بقطر حار، وخرج بالظهر غيرها حتى الجمعة فلا يسن فيها الإِبراد لأنا مأمورون بالتبكير فيها. والمسألة مبسوطة في كتب الفقه.
[٥/ ٥٨] (وعنه) أي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ مَنْ أَدْرَكَ من الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلَعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْح، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِن الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْربَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرُ. رواه
стр. 143
الشيخان). وفي رواية لهما "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة".
وفي رواية لمسلم سجدة بدل ركعة -والمراد منها الركعة- وفي الحديث أن من أدرك ركعة من الصلاة في وقتها (فقد أدركها) أي أداء بخلاف ما لو أدرك دونها فإنها تكون قضاء، والفرق أن الركعة تشتمل على معظم أفعال الصلاة إذ معظم الباقي كالتكرير لها فجعل ما بعد الوقت تابعًا لها بخلاف ما دونها. هذا هو الأصح في مذهبنا، وقيل: تكون قضاء مطلقًا. وقيل: ما وقع في الوقت أداء وما وقع بعده قضاء.
[٦/ ٥٩] (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ولا صَلاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى
стр. 144
تَغِيبَ الشَّمْسُ رواه الشيخان).
وفيه أن الصلاة تكره حينئذ وهي كراهة تحريم، وقيل تنزيه ومحلها بعد فعل الصلاتين في وقتيهما، فالكراهة بعدهما متعلقة بالفعل في وقتيهما، فلو صلاها قضاء في وقت آخر لم تكره الصلاة بعدهما، ولو جمع العصر في وقت الظهر كرهت الصلاة بعدها لأنه وقت العصر للجامع.
ومحل كراهتها إذا فعلت لسبب متأخر كصلاة الإِحرام وصلاة الاستخارة، فإن سببهما وهو الإِحرام والاستخارة متأخر بخلاف ما إذا فعلت لسبب متقدم أو مقارن كفائتة لم يقصد تأخيرها إلى الوقت المذكور، وكصلاة الاستسقاء والكسوف فلا تكره.
وقضية الحديث تعميم الكراهة في وقت العصر من فعلها إلى الغروب، وهو ما عليه جمهور العلماء، وقد يقال ينافيه خبر أبي داود وصححه الحاكم "لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة".
стр. 145
ويجاب بأن الحديث الأول أصح والكلام في المسألة مبسوط في كتب الفقه.
(وعن أبي محمَّد جبير بن مطعم) بكسر العين ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي المدني ﵁ قال: قال النبي ﷺ : يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بهذا البَيتِ وصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيلٍ أوْ نَهَارٍ رواه أبو داود والترمذي وغيرهما).
وفيه جواز الصلاة بعد فعل الصبح والعصر فهي مستثناة من حديث أبي سعيد السابق، فلا كراهة فيها لشرف حرم مكة.
стр. 146
بابُ الأذَانُ
وهو لغة: الإِعلام من الأذن بفتح الهمزة والذال وهو الاستماع الناشئ من الأذن التي هي آلة السمع كأنه يلقي الشيء فيه.
وشرعًا: كلمات مخصوصة شرعت للإِعلام بدخول وقت المكتوبة. وهو كما قال القاضي عياض: كلمات جامعة لعقيدة الإِيمان مشتملة على نوعية من العقليات والسمعيات، فأولها إثبات الذات، وما تستحقه من الكمال والتنزيه بقوله: الله أكبر، ثمَّ إثبات الوحدانية ونفي ضدها من الشركة، ثمَّ إثبات الرسالة والنبوة لنبينا محمَّد ﷺ ، ثمَّ الدعاء إلى الصلاة وجعلها عقب إثبات الرسالة لأنَّ معرفة وجوبها من جهته لا من جهة العقل، ثمَّ الدعاء إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم الدائم، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء، ثمَّ كرر ذلك بإقامة الصلاة للإِعلام بالشروع فيها وهو متضمن لتأكيد الإِيمان.
١/ ٦١ - (وعن أنس ﵁ أُمِرَ) ببنائه للمفعول وهو (بلال) هو ابن رباح بموحدة مولى أبي بكر الصديق أي أمره
стр. 147
النبي ﷺ كما جاء كذلك في النسائي وغيره، وصححه الحاكم. بل لو لم يجئ كذلك كانت هذه الصيغة محمولة على الرفع إلى النبي ﷺ (أنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ) أي معظمه إذ آخره وتر، وذلك بأن يأتي بكلٍ كلمة منه مرتين، والتكبير في أوله وإن كان أربعًا فكل كلمة منه تقال مرتين ولا، فيصيران كالكلمة الواحدة بشفع (وَأنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ) - أي يأتي بها مرة واحدة. والتكبير في أولها كلمة واحدة بالاعتبار السابق إلا الإِقامة يعني بها قد قامت الصلاة فإنها تشفع (رواه الشيخان).
وفيه سن ما ذكر فيه، وليس في قوله "أمر" دليل على الوجوب لأنَّ المندوب أيضًا مأمور به على الراجح.
وقولهم: الأمر للوجوب إنما هو في صيغة افعل ونحوها. ولو قلنا بالمرجوح من أنَّه يدل على الوجوب، فالوجوب بمعنى ما لا بد منه في الأذان والإِقامة، كما يقال يجب الوضوء لصلاة النفل، والحكمة في إفراد الإِقامة وتثنيه الأذان أن الأذان لإِعلام الغائبين فكرر ليكون أبلغ في الإِعلام والإِقامة
стр. 148
للحاضرين فلا حاجة إلى تكرارها، ولهذا يكون صوته في الإِقامة دونه في الأذان وإنما كرر لفظ الإقامة خاصة لأنه مقصود الإقامة.
[٢/ ٦٢] (وعنه) أي عن أنس (قال: من السُنَّةِ إذَا قَال المؤذِّنَ فِي الفَجْرِ) أي في أذانه (حيَّ عَلَى الفَلاحِ قال): عقبه (الصَّلاة خيرٌ مِن النّوْمِ) مرتين ويسمى التثويب. (رواه ابن خزيمة في صحيحه) ورواه من طريق أبي محذورة أبو داود وغيره بإسناد جيد كما في المجموع.
وقول الصحابي من السنة كذا في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ، وفي ذلك دليل على أن التثويب في أذان الفجر سنة لأنه لائق بالحال لأن النوم إذ ذاك حلو مطلوب للنفس، فلو تركه صح الأذان وفاتته الفضيلة كما قطع به الأصحاب. ذكره النووي في مجموعه.
стр. 149
[٣/ ٦٣] (وعن أبي محذورة) بحاء مهملة وذال معجمة ﵁ واسمه سمرة، وقيل: أوس، وقيل: جابر. (أن النبي ﷺ عَلَّمهُ الأذانَ فَذَكَرَ فَيه التَرْجيع)، وهو أن يأتي بالشهادتين مرتين يخفض الصوت قبل إعادتهما برفعه فهو اسم للأول كما في المجموع وغيره، وفي شرح مسلم أنه للثاني، وقضية كلام الروضة كأصلها أنه لهما وسمي بذلك لأن المؤذن رجع إلى رفع الصوت بعد أن تركه، أو إلى الشهادتين بعد ذكرهما (والحديث رواه مسلم) لكن روي التكبير في أول الأذان مرتين فقط، ورواه أبو داود وغيره أربعًا.
وفيه دليل على سن الترجيع في الأذان فلو تركه صح الأذان وفاتته الفضيلة.
[٤/ ٦٤] (وعن أبي جحيفة) وهب بن عبد الله السوائي بضم المهملة وتخفيف الواو والمد نسبة إلى بنواه بن عامر بن صعصعة ﵁ قال: رَأيتُ بِلالًا يُؤَذن وإصْبَعَاهُ السَّبَّابتان) أي أنملتاهما (في صماخَي أُذُنَيه فجعلت أتَتَبعُ فَاهُ هَا هنَا وهَا هُنا) يمينًا وشمالًا- بالنصب بالظرفية لقوله يقول أي
стр. 150
حالة كونه يقول: جهة يمينه حي على الصلاة مرتين، وجهة شماله حي على الفلاح مرتين وهذا دعاء إلى الصلاة والفلاح، لأنه حي بمعنى هلم وأقبل، وهي اسم لفعل الأمر، والفلاح الفوز والبقاء الدائم، ومعنى الدعاء إليه الدعاء إلى أسبابه. (وَلَوَّى عُنُقَه لَمَّا بَلَغَهُمَا) أي الحيعلتين ولم يستدر. (رواه الترمذي وصححه إلا قوله ولوى عنقه ولم يستدر فأبو داود وأصله في الصحيحين).
وفيه سن جعل الأصبعين في الأذنين لأنه أجمع للصوت ولأن من لم يسمع الأذان لنحو صمم، أو بعد يستدل بذلك على الأذان ولا يستحب ذلك في الإقامة.
وفيه سن الالتفات في الحيعلتين ويفارق كراهته في الخطبة بأن الخطيب واعظ للحاضرين فالأدب أن لا يعرض عنهم والمؤذن داع للغائبين والالتفات أبلغ في دعائهم وإعلامهم وليس فيه ترك أدب.
وعلم من الحديث أنه لا يلتفت بصدره ولا يستدبر القبلة ولا يستدير في منارة ولا غيرها ولا يزيل قدمه عن مكانها محافظة على جهة القبلة، وما ذكرناه من أنه لا يستدير هو الصحيح. وما روي عن أبي جحيفة أنه قال: إن بلالًا
стр. 151
أذن فاستدار في أذانه فضعيف لضعف سنده ومخالف لرواية الثقات.
[٥/ ٦٥] (عن أبي جحيفة وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ إن بِلَالًا يُؤَذن بِلَيل فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أذان ابْن أمَ مَكْتُوم، رواه الشيخان).
وكان ابن أم مكتوم أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت أي قاربت الصباح.
وفي الحديث صحة الأذان في الصبح ليلًا، وأول وقته نصف الليل على الأصح، وأما أذان بلال فكان قبيل طلوع الفجر، وأذان ابن أم مكتوم عقيبه.
ففي الصحيحين أنه ليس بين أذانيهما إلا أن ينزل هذا أو يرقى هذا، وفيه أيضًا إباحة الأكل والشرب إلى طلوع الفجر إذ الأمر بهما فيه إباحة وإعلام بامتداد وقت السحور إلى طلوع الفجر، وما ذكر من أن بلالًا كان يؤذن ليلًا، وابن أم مكتوم بعد طلوع الفجر هو المشهور.
стр. 152
وأما خبر ابن حبان أن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان بلال، فمقلوب.
وقال ابن حبان يجوز أن يكون بينهما نوب.
وفيه أيضًا جواز أن يكون للمسجد الواحد مؤذنان وهو مستحب، فإن احتيج إلى زيادة زيد بقدر الحاجة، وقيل لا يؤيد على أربعة بعدد مؤذني
стр. 153
النبي ﷺ بلال وابن مكتوم وسعد القرظ وأبو محذورة ثم إن اتسع الوقت ترتبوا في أذانهم لأنه أبلغ في الإِعلام، وإن ضاق كالمغرب والمسجد كبير تفرقوا في أقطاره كل واحد في قطر ليسمع أهل تلك الناحية، وإن صغر المسجد أذنوا مجتمعين إن لم يؤد اجتماعهم إلى تهويش وإلا أذن بعضهم بقرعة.
وفيه جواز كون المؤذن أعمى، ولا كراهة فيه إذا كان معه بصير وجواز تقليد البصير له في الوقت وجواز العمل بخبر الواحد.
[٦/ ٦٦] (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال النبي ﷺ : إذَا سَمِعْتُم المُؤَذِّنَ) أي قوله: (فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، رواه الشيخان).
وفيه سن إجابة المؤذن والأمر فيه محمول على الندب والصارف له عن الوجوب الإِجماع على عدم وجوب الأصل وهو الأذان والإِقامة، والقول بأن
стр. 154
الصارف له عن ذلك قوله في حديث آخر في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص ثم صلوا علي ثم سلوا لي الوسيلة وهما مندوبان فالإِجابة أيضًا مندوبة مردود بأن دلالة الاقتران ضعيفة عند الجمهور. وقوله "مثل ما يقول" شامل للأذان والإِقامة إلا أنه يقول في كلمة الإقامة أقامها الله وأدامها وجعلني من صالح أهلها، وشامل للترجيع والحيعلة وللتثويب في الصبح وهو الظاهر في الترجيع وإن لم يسمعه المجيب لتعبيره بمثل ما يقول لا بمثل ما يسمع.
وأما الحيعلة والتثوب فمستثنيان فيقول في كل حيعلة: لا حول ولا قوة إلا بالله كما جاء في خبر مسلم عن عمر ﵁ وفي التثويب صدقت وبررت كما جاء في خبر علي ما قاله ابن الرفعة، وحكمة استثناء الحيعلة أيضًا دعاء للصلاة لا ذكر كما مر في الكلام على حديث أبي جحيفة، فلو قالها السامع لكان الناس كلهم دعاة فلا يبقى مجيب، فحسن من السامع الحوقلة، لأن المؤذن لما دعا الناس للحضور أجابوا بأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بعون الله وتأييده على أن بعضهم لم يستثن الحيعلة، وجمع بعضهم بين الحيعلة والحوقلة واختاره البلقيني، وحكمة استثناء التثويب أنه في معنى الدعاء للصلاة لا ذكر لكن لفظه "خير"، فحسن أن يجاب بصدقت وبررت.
стр. 155
باب شروط الصلاة
جمع شرط بالسكون وهو لغة: إلزام الشيء والتزامه. واصطلاحًا: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
فشروط الصلاة ما يتوقف عليها صحة الصلاة وقد ذكرتها في شرح المنهج وغيره. والمذكور منها هنا خمسة: طهارة الحدث والتوجه للقبلة وستر العورة وطهارة الخبث وترك الكلام.
وقد شرعت في بيانها فقلت:
[١/ ٦٧] عن ابن عمر ﵄ قال قال النبي ﷺ : لَا يَقْبَل الله صَلَاةً بِغَيرِ طُهُورٍ) بضم الطاء أكثر من فتحها أي فعل الطهارة، (رواه مسلم).
وفقدان طهارة الحدث والنجس شرط للصلاة. ومحله في القادر عليها، فالعاجز عنها يصلي محدثًا وبالنجس ويعيد.
стр. 156
[٢/ ٦٨] (وعن أبي هريرة ﵁ قال قال النبي ﷺ إذَا قمْتَ إلى الصَّلاةِ فَأَسْبغ الوضوءَ ثم اسْتَقْبِل القِبْلَةَ، وهو بعض حديث رواه مسلم) وسيأتي في صفة الصلاة.
وفيه أيضًا أن طهارة الحدث شرط للصلاة، وأن التوجه للقبلة كذلك. ومحله. حيث لا عذر، ومنه في الثاني صلاة شدة الخوف فيصلي فيها كيف شاء، والسفر ولو قصيرًا للنافلة فيصليها فيه إلى جهة مقصده بعد توجهه للقبلة في إحرامه إن سهل وذلك مبسوط في كتب الفقه.
[٣/ ٦٩] (وعن عائشة ﵂ قالت قال النبي ﷺ " لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ حائِضٍ إلا بِخمارٍ" رواه أبو داود والترمذي وحسنه ابن خزيمة
стр. 157
والحاكم).
وفيه دليل على أن ستر العورة شرط لصحة الصلاة إذ الخمار يستر به رأس المرأة وهو عورة منها إذ الأمة يصح صلاتها مكشوفة الرأس.
قال في المجموع: والمراد بالحائض البالغ سميت حائضًا لأنها بلغت سن الحيض، والتقييد بالحائض خرج مخرج الغالب فلا يخرج غيرها إذ الصغيرة مثلها.
ويؤخذ من الحديث أن ستر العورة شرط لصحة الصلاة ولو في خلوة. وعورة الرجل رقيقًا والأمة المبعضة ما بين السرة والركبة. وعورة الحرة ما سوى الوجه والكفين والخنثى كالأنثى رقا وحرية.
[٤/ ٧٠] (وعن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذَا سَافَرَ فَأرَادَ أنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَل بَناقَتِه القبلة فَكَبَّر ثمَّ صَلَّى حَيث وجه ركابه، رواه أبو داود بإسناد حسن).
وفيه دليل على أن التوجه للقبلة في الإِحرام بالصلاة شرط لها، لأنه إذا كان شرطًا لها في التطوع ففي الفرض أولى.
وحكم المسألة أن التوجه إليها في جميع الصلاة شرط فيها إلا في السفر والخوف كما مر.
стр. 158
٥/ ٧١ - (وعن أبي مرثد الغنوي ﵁ قال قال: النبي ﷺ لا تُصَلُّوا إلى القُبورِ ولا تَجْلِسُوا عَلَيهَا رواه مسلم).
وفيه النهي عن الصلاة إلى المقبرة فهي مكروهة أي كراهة تنزيه لما يعلم مما يأتي.
قال في المجموع: وكذا قال أصحابنا ولو قيل بتحريمه لحديث أبي مرثد وغيره لم يبعد.
ويؤخذ من الحديث النهي عن الصلاة في المقبرة كما جاء في خبر الترمذي فهي مكروهة كراهة تحريم إن تحقق نبش المقبرة فلا تصح الصلاة فيها بلا حائل ظاهر لاختلاطها بصديد الموتى، وكراهة تنزيه إن تحقق عدم نبشها، أو شك فيه فتصح الصلاة فيها ولو بلا حائل قطعًا في الأول، وعلى الأصح في الثاني مع الكراهة فيها، لأن الأصل عدم النجاسة وإنما كرهت فيها لأن المقبرة مدفن النجاسة ولاحتمال نبشها في الثاني.
стр. 159
وفيه أيضًا النهي عن الجلوس على القبر وهو مكروه كراهة تنزيه ومحله في قبر محترم.
[٦/ ٧٢] (وعن أبي عمرو زيد بن أرقم الأنصاري الخزرجي ﵁ قال: كُنَّا على عهد النبي ﷺ بمكة يُكلِّم أحَدُنَا صَاحبه بِحَاجَتِه حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾) أي مطيعين أي ساكتين. (فَأمرنَا بالسَكُوتِ ونُهِينَا عَنِ الْكَلَام) أي الذي ليس بقرآن ولا ذكر ولا دعاء (رواه الشيخان واللفظ لمسلم).
وقوله فيه أمرنا ونهينا حكمه حكم المرفوع.
وفيه دليل على أن ترك كلام الآدميين شرط لصحة الصلاة ولو كان من مصلحتها، نعم يغتفر قليله، فمن سبق لسانه إليه أو نسي ومن جاهل قرب
стр. 160
عهده بالإسلام أو نشأ بعيدًا عن العلماء، والمراد بالكلام هنا اللغوي فيشمل المركب من حرفين فأكثر وإن لم يفهم، والمفهم ولو بحرف واحد كقِ من الوقاية.
واعلم أن زيد بن أرقم مدني فظاهر حديثه أن تحريم الكلام في الصلاة كان بالمدينة بعد الهجرة لكن ثبت في الصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود قال: "كنا نسلم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا ثم قال: إن في الصلاة لشغلًا".
وابن مسعود إنما قدم من الحبشة إلى مكة قبل الهجرة فحديثه يقتضي أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة. وأجيب عن ذلك بأوجه:
منها: أن يكون زيد بن أرقم ممن لم يبلغه تحريم ذلك إلا حين نزول الآية، فيكون نزولها غاية لعدم بلوغ النهي عن الكلام لهم لا لعدم النهي على الإِطلاق، ويؤيده ما مر من تفسير كثير، القانتين بالمطيعين، ولولا حديث ابن مسعود لكان تفسيره بالساكتين -كما مر- أنسب.
ومنها: أنه يجوز أن يكون نسخ تحريم الكلام وقع بمكة فأبيح ثم نسخت الإِباحة بحديث زيد بن أرقم وعلى هذا تفسير القانتين بالساكتين أنسب.
٧/ ٧٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال قال النَّبيّ ﷺ التَّسْبِيحُ
стр. 161
لِلرِجَال. والتَّصْفِيق للنِّسَاءِ في الصّلاةِ، رواه الشيخان) في من نابه شيء في صلاته كتنبيه إمامه على سهو وإذنه لداخل وإنذاره أعمى خشي وقوعه في وهدةٍ فيسن عند ذلك للرجل أن يقول: سبحان الله بقصد الذكر، ولو مع التفهيم.
وللمرأة أن تصفق بضرب بطن كف أو ظهرها على ظهر أخرى أو ضرب ظهرها على بطن أخرى، لا تضرب بطنها على بطن أخرى، بل إن فعلته لاغية عالمة بتحريمه بطلت صلاتها، وإن قل لمنافاته الصلاة، وكالمرأة فيما ذكر الخنثى. ولو صفق الرجل وسبح غيره جاز مع مخالفتها السنة، والمراد بيان التفرقة بينهما فيما ذكر لا بيان حكم التنبيه، وإلا فإنذار الأعمى ونحوه واجب، فإن لم يحصل الإِنذار إلا بالكلام أو بالفعل المبطل وجب، وتبطل الصلاة به على الأصح.
٨/ ٧٤ - وعن أبي قتادة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ زَينَبَ بنت رسول الله ﷺ فَإذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. رواه الشيخان).
стр. 162
وفيه جواز حمل الآدمي في الصلاة، ومثله كل حيوان طاهر فيصح مع ذلك صلاته فرضًا أو نفلًا لأن الأصل طهارة أجسادهم وما عليها من ثياب وغيرها، وما في أجوافها من النجاسة معفو عنه لكونه في معدته.
وفيه أيضًا أن الفعل القليل والكثير المتفرق لا يبطلان الصلاة وفيه التواضع مع الصبيان وسائر الضعفة ورحمتهم وملاطفتهم.
стр. 163
باب سترة المصلي
١/ ٧٥ - (وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قَالتْ: سُئِلَ النَّبي ﷺ عَنْ سُتْرَةِ المُصلِّي فَقَال: مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرّجل) بضم الميم وكسر الخاء وهمزة ساكنة بينهما ويقال بفتح الخاء مشددة مع فتح الهمزة، ويقال بفتحها مخففة مع إسكان الهمزة. ويقال: آخر همزة ممدودة وكسر الخاء وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب من كور البعير. (والحديث رواه مسلم).
وفيه ندب السترة بين يدي المصلي وبيان أقلها وهو قدر مؤخرة الرجل وهي نحو ثلثي ذراع.
قال أئمتنا: وينبغي أن يكون بينهما وبين المصلي ثلاثة أذرع فأقل، ويحصل بأي شيء أقامه بين يديه، فإن لم يجد ما يقيمه بسط مصلى كسجادة - بفتح السين فإن لم يجده خط خطًّا طولًا ويكونان بالصفة السابقة.
والحكمة في السترة كف بصر المصلي عن ما وراءها، ومنع المار من مروره بينها وبين المصلي، والمراد بها في المصلى والخط أعلاهما.
ويسن جعلها عن يمينه أو يساره ولا يصمد لها.
٢/ ٧٦ - (وعن أبي جهيم) بالتصغير عبد الله بن (الحارث) بن
стр. 164
الصمة ﵁ قَال: قَال النَّبيُّ ﷺ لَوْ يَعْلَمُ) أي علم. (المَارُّ بَينَ يَدَيِ المُصَلِّي) وسترته التي مر بيانها آنفًا وخص اليدين بالذكر لأنه بهما غالبًا دفع المار المأمور به فيما يأتي (مَاذَا عَلَيهِ). ما استفهامية وذا إما موصول أو ملغاة إما بتركيبها مع ما، أو بزيادتها، والمجموع على التركيب اسم استفهام، ومحل ما بتقدير موصولية ذا، والمجموع بتقدير إلغائها رفع بالابتداء، أو يعلم معلق عن العمل بالاستفهام على التقديرين. (مِنَ الإِثْمِ) بيان لما قبله (لَكَان أنْ يَقِفَ) -أي وقوفه- (أرْبَعِينَ خَرِيفًا خَيرًا) خبر كان وروي بالرفع اسمها وما قبله خبرها، قيل: الخيرية حاصلة ولو لم يعلم المار مقدار ما عليه من الإِثم فما فائدة جعل علمه شرطًا لها. وأجيب بأن في الكلام حذفًا وتقديره لعلم أن وقوفه يكون خيرًا أو لاختار أن يقف لكونه خيرًا (لَهُ، مِنْ أنْ يَمُرَّ بَينَ يَدَيه، رواة الشيخان، إلا من الإِثم فالبخاري وإلا خريفًا فالبزار في رواية).
стр. 165
وروى ابن أبي شيبة لكان أن يقف مائة عام خيرًا له.
وفي ذلك تحريم المرور بين يدي المصلي، ومحله إذا جعل له سترة للحديث السابق، وما إذا لم يقصر المصلي، فإن قصر كان وقف بقارعة الطريق فلا تحريم، بل ولا كراهة كما في الكفاية أخذًا من قولهم: إذا وجد فرجة في الصف الأول فله المرور بين يدي الثاني ليسدها لتقصيرهم، ولو صلى بلا سترة أو تباعد عنها إذ لم تكن السترة بالصفة السابقة في الكلام على الحديث السابق فلا تحريم لتقصيره.
قال في الروضة: لكنه خلاف الأولى فقوله في غيرها لكنه مكروه محمول على الكراهة غير الشديدة.
قال بعضهم: ثم للمار مع المصلي أربعة أحوال:
أحدها: أن يكون له مندوحة عن المرور ولم يتعرض المصلي لمرور الناس عليه فالإِثم خاص بالمار.
ثانيها: أن لا يكون له مندوحة عنه ويتعرض له المصلي فالإِثم خاص بالمصلي.
ثالثها: أن يكون له مندوحة عنه ويتعرض له المصلي فيأثمان.
رابعها: أن لا يكون له مندوحة عنه ولا يتعرض له المصلي فلا إثم على واحد منهما انتهى.
стр. 166
وما ذكره من إثم المصلي فيما قاله ممنوع غايته أنه مكروه أو خلاف الأولى فلا يأثم.
٣/ ٧٧ - (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال النبي ﷺ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلى شَيءٍ يَسْتُرُهُ مِن النَّاسِ) ولو أدق من الرمح وخص منه ما نهى عن استقبال المصلي له من آدمي أو شبيه بالصنم المصمود إليه (فَأرَادَ أحَدٌ) من آدمي أو بهيمة (أنْ يَجْتَازَ بَينَ يَدَيهِ) وسترته (فَلْيَدْفَعْهُ) ندبًا للاتفاق على عدم الوجوب، ومحل دفعه له إذا لم يقصر بشيء مما مر في الكلام على الحديث السابق.
(فَإِنْ أبَى) أي امتنع (فَلْيُقَاتِلْهُ) ندبًا بأسهل ما يمكن رده بل كما في الصائل، فإن انتهى الحال إلى قتله فلا ضمان كما في المجموع وغيره. (فَإِنَّمَا هُو شَيطَان) أي معه شيطان حمله على ذلك وهو شيطان الإِنس، وهو من شطن أي بعد أو من شاط إذا احترق وعليهما بني العرف وعدمه فينصرف على الأول دون الثاني، (والحديث رواه الشيخان). وفي رواية فإن معه القرين وهو يؤيد القول الأول.
وفيه التنبيه على عظم الصلاة واحترام المصلي لأنه مناجٍ ربه وفيه جواز
стр. 167
العمل في الصلاة لمصلحتها بلا كراهة، وجواز إطلاق لفظ الشيطان في مثل ما ذكر.
٤/ ٧٨ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال قال النَّبيّ ﷺ إذَا صلّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيئًا) ثابتًا كجدار وسارية (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) ذَلِكَ (فَلْينصِبْ. عَصًا، فَإِنْ لم تكنْ) أي توجد العصاة أي ونحوها كجمع متاعه (فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثمً لَا يَضُرُهُ مَنْ مَرَّ بَينَ يَدَيهِ) أي وراء السترة (رواه أبو داود وغيره وصححه ابن حبان).
قال شيخنا حافظ عصره الشهاب بن حجر بعد ذكره هذا ولم يصب من زعم اضطرابه بل هو حسن، . وأجاب النووي عن الاستدلال به مع نقله ضعفه عن البغوي وغيره بأن فيه تحصيل حريم المصلي.
وقد اتفق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال وهذا من نحوها.
وبالجملة ففيه أنه يسن للمصلي جعل شيء يصلي إليه. وقوله فيه فإن لم يجد فلينصب عصا جرى على الغالب وإلا فهو وما قبله في رتبة واحدة.
стр. 168
باب الخشوع في الصلاة
هو السكون وحسن الهيئة وهو مسنون في الصلاة وقيل شرط لها.
١/ ٧٩ - (عن أبي هريرة ﵁ قال: نَهَى النَّبي ﷺ أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ) وكذا غيره من امرأة وخنثى (مُخْتَصِرًا، رواه الشيخان).
وفيه كراهة الاختصار وهو أن يجعل يده على خاصرته لأنه فعل اليهود، وقيل فعل الشيطان، وقيل فعل المتكبرين، وقيل لأن إبليس هبط من الجنة كذلك.
٢/ ٨٠ - وعنه أيضًا قال: قال النبي ﷺ التَّثَاؤُبُ) بمثناة فوقية ثم مثلثة ثم همزة بعد مدة (مِنَ الشَّيطَان) أي ناشئ منه على عادة تسببه في السوء (فَإذَا تَثَاءَبَ أحَدُكُم في الصّلاةِ فَلْيَردَّه) أي فليحبسه (مَا اسْتَطَاعَ) فإن أحدكم إذا
стр. 169
تثاءب ضحك منه الشيطان فرحًا لموافقته غرضه المذموم. (رواه مسلم إلا في الصلاة فالترمذي) مع أنها ليست بقيد لكن طلب الرد فيها آكد.
وصدر الحديث أن الله تعالى يحب العطاس، ويكره التثاؤب فإذا عطس أحدكم وحمد الله تعالى كان حقًّا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله.
وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان.
قال العلماء: معناه أن العطاس سببه محمود وهو خفة الجسم التي يكون لقلة الأخلاط، وتخفيف الغذاء وهو أمر مندوب إليه لأنه يضعف الشهوة ويسهل الطاعة والتثاؤب بضد ذلك.
وفيه يسن ترك كثرة الأكل التي هي سبب التثاؤب، ويسن إذا تثَاءَبَ أن يضع يده على فيه لخبر مسلم: "إذا تَثَاءَبَ أحدكم فليمسك بيده على فمه، فإن الشيطان يدخل وسواء كان التثاؤب في الصلاة أم خارجها، وإنما يكره للمصلي وضع يده على فمه إذا لم تكن حاجة كالتثاؤب ونحوه، وهل يمسكه باليمين أو اليسار فيه كلام في باب الوضوء.
٣/ ٨١ - (وعن أنس ﵁ قَال قَال النَّبي ﷺ إذَا كَانَ أحَدكُم في الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ) فيه إشارة إلى إخلاص القلب وحضوره وتفريغه لما في صلاته من ذكر وغيره (فَلَا يَبْرُقَنَّ) بالزاي والصاد وبالسين وفي قليلة (بَينَ يَدَيهِ)
стр. 170
أي تلقاء وجهه (وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ، رواه الشيخان).
وفي رواية لهما أو تحت قدمه اليسرى.
وفي ذلك النهي عن البصاق في الصلاة تلقاء وجهه تعظيمٌ لجهة القبلة.، وهو المراد بقوله في رواية " فإن الله قبل وجهه" أي فإن الجهة التي عظمها الله قبل وجهه، وقيل قبلة الله أو توليه وعن يمينه تشريفًا لها وتكريمًا لمالكها سواء كان في المسجد أم خارجه وقوله ولكن عن شماله خاص بغير المسجد، أما فيه فلا يبزق فيه للخبر الآتي ومعنى رواية العطف بأو أنه يبصق عن يساره إما في ثوبه أو تحت قدمه اليسرى.
وفيه أيضًا جواز الفعل القليل في الصلاة وطهارة البصاق.
٤/ ٨٢ - (وعنه) أيضًا (قَال: قَال النَّبي ﷺ البُزاقُ) من المصلي وغيره ولو لحاجة (في المَسْجدِ خَطِيئةٌ) -أي حرام فلا يبصق فيه بل في ثوبه أو نحوه، (وكفَّارتُها) أي الخطيئة إذا بصق فيه (دَفْنُها) أي الخطيئة- أي دفن سببها وهو البزاق بأن يدفنه بتراب المسجد إن كان له تراب وإلا أخذه بعود أو
стр. 171
نحوه وأخرجه من المسجد.
٥/ ٨٣ - (وعن عائشة ﵂ قالت سَألْتُ النبي ﷺ عَنْ الالْتِفَاتِ في الصَّلَاةِ؟ فَقَال: هُوَ اخْتِلاسٌ) أي استلاب (يَخْتَلِسَهُ الشيطَانُ مِنْ صَلاةِ الْعَبْدِ، رواه البخاري) وروى الترمذي عن أنس خبر "إياك والالتفات في الصلاة فإنه هلكة فإن كان لا بد ففي التطوع. وقال: حسن صحيح. وفي كل منهما كراهة الالتفات في الصلاة بلا حاجة بأن يلتفت بعنقه لا بصدره وإلا فذلك حرام مبطل للصلاة فإن كان الالتفات لحاجة فلا كراهة للاتباع. رواه مسلم عن جابر والترمذي بإسناد صحيح عن ابن عباس.
٦/ ٨٤ - (وعنها أيضًا قَالتْ: قال النَّبي ﷺ : لا صَلاةَ) لأحدٍ (بِحَضْرَةِ
стр. 172
طَعَامٍ) تتوق نفسه إليه (وَلَا هُوَ يُدافِعُهُ الأخْبَثانِ) بالمثلثة وهما الغائط والبول (رواه الشيخان).
وفيه كراهة الصلاة بحضرة طعام وبمدافعة الأخبثين أي أو أحدهما لما في ذلك من اشتغال القلب به وذهاب كمال الخشوع. وفيه أيضًا تقديم فضيلة حضور القلب على فضيلة أول الوقت وأما خبر، لا تؤخروا الصلاة لطعام ولا لغيره" فمعلول وبتقدير صحته فمحمول على من لم يشتغل قلبه بالطعام جمعًا بين الدليلين، وألحق بحضور الطعام قرب حضوره، والنفس تتوق إليه، وبدافعة الأخبثين ما في معناهما مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع، كما ألحق بالغضب في خبر: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" ما في معناه من الجوع والعطش الشديدين والغم والفرح ونحوهما.
стр. 173
ومحل الكراهة إذا لم يضق الوقت، وإلا فلا كراهة، ومتى صلى مع الكراهة صحت صلاته عند الجمهور ولكن يسن إعادتها.
وقال أهل الظاهر بوجوبها لظاهر الحديث، والجمهور يقولون معنى قول "لا صلاة" أي كاملة.
стр. 174
باب المساجد
فيه حديث أنس السابق إذ فيه تحريم البصاق في المسجد.
١/ ٨٥ - (وعن عائشة ﵂ قَالتْ قال النَّبي ﷺ : لَعَنَ) وفي رواية قاتل وهو على الأصح بمعنى لعن (الله الْيَهُودَ) أصله اليهوديون حذفت منه ياء النسبة كما في زنجي وزنج واشتقاقه من الهود وهو التوبة أو الميل أو الرجوع من شيء إلى ضده.
يقال: هاد إذا تاب أو مال أو رجع من خير إلى شر وعكسه. قال تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾ أي تبنا أو ملنا أو رجعنا إليك، فسموا بذلك لأنهم تابوا من عبادة العجل ومالوا من الحق إلى الباطل ورجعوا من الخير إلى الشر، وخلطوا في اعتقادهم، وهود في نحو قوله تعالى: ﴿إلا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ جمع لهائد، كبذل وباذل، وقيل مصدر كحزن يوصف به الواحد وغيره كعدل.
(والنَّصَارَى): جمع نصران ونصرانة كندامى جمع ندمان وندمانة،
стр. 175
لكن لم يستعمل نصران إلا بياء النسبة. قاله سيبويه. وقال الخليل: وهو جمع نصري كمهارى ومهري. وقال الزمخشري: الياء في نصراني للمبالغة كياء أحمري، واشتقاقه قيل من النصرة لنصرة بعضهم بعضًا، وسموا بذلك نسبة إلى قرية تسمى ناصرة. وقيل: لأنهم كانوا يتناصرون.
وإنما لعن الله الفريقين أي أبعدهم من رحمته وعذبهم لأنهم (اتَّخذُوا قبُورَ أَنْبَيائِهِمْ مَسَاجِدْ) مع اعتقادهم الباطل. (رواه الشيخان).
وفيه كراهة بناء المساجد على قبور الأنبياء.
стр. 176
وفي خبر آخر في الصحيحين كراهة بنائها على القبور مطلقًا والمراد قبور المسلمين خشية أن يعبد فيها المقبور بقرينة خبر "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد".
وظاهره أنها كراهة تحريم لكن المشهور عند الشافعية أنها كراهة تنزيه.
وفيه أيضًا جواز لعن الكفار ولعن طائفة منهم من غير تعيين وهو إجماع لجحدهم الحق وعداوتهم الدين وأهله.
وأما لعن المعين منهم فالجمهور على منعه لأن حاله عند الموت لا يعلم، وأما لعنه ﷺ أقوامًا بأعيانهم من الكفار فلأنه كان يعلم حالهم عند الموت.
وأما المسلم فلا يجوز لعنه إلا أن تجاهر بالمعاصي كشرّاب الخمر، وأكلة الربا والظلمة فيجوز لعنهم قبل التوبة، وإقامة الحد على من لزمه، وهو شامل للمعين وبه صرح القرطبي لكن المعتمد عندنا فيه عدم جوازه.
وأما لعنه ﷺ بعض المسلمين فكان أجرًا ورحمة لخبر مسلم وغيره.
"إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرًا". وفي رواية "أو رحمة".
واعلم أن في بعض روايات الحديث الاقتصار على لعن اليهود فيكون
стр. 177
قوله "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" واضحًا فإن النصارى لا يزعمون نبوة عيسى بل يدعون فيه أنه ابن الله أو إله، ولا هو ميت حتى يكون له قبر فيشكل ضمهم إلى اليهود. وأجيب بأن الضمير يعود على اليهود فقط لتلك الرواية أو على الجميع ويراد بأنبيائهم من أمروا بالإِيمان بهم وإن كانوا من الأنبياء السابقين كنوح وإبراهيم.
٢/ ٨٦ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال قال النَّبي ﷺ مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ) -بفتح الياء وضم الشين- أي يطلب (ضَالَّةً في المَسْجِد)، وهي ما ضلَّ من بهيمة، وفي معناها غيرها (فَلْيَقُلْ لا رَدَّهَا الله عَلَيكَ فَإِنَّ المَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا) لأنها إنما بنيت لذكر الله تعالى والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير وغيرها. (والحديث رواه مسلم) وفيه كراهة نشد الضالة في المسجد.
قال النووي في شرح مسلم: وفيه كراهة رفع الصوت في المسجد قال القاضي: قال مالك وجماعة من العلماء يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره، وأجاز أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رفع الصوت فيه في العلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه.
стр. 178
٣/ ٨٧ - (وعن أبي هريرة أيضًا قال قال النبي ﷺ : إِذَا رَأيتُم مَنْ يَبِيعُ أوْ يَبتاعُ في المَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لَا أرْبَحَ الله تِجَارَتَكَ، رواه النسائي والترمذي وحسنه).
وفيه كراهة البيع والشراء في المسجد وفي معناهما غيرهما من العقود.
٤/ ٨٨ - (وعن عائشة ﵂ قالت: أصِيبَ سعْدٌ) هو ابن معاذ (يَوْمَ الخَنْدَق) بسَهمٍ في أكحله (فَضَرَبَ) أي نصب (عَلَيهِ النبي ﷺ خَيمَةً في المَسْجِدِ لِيعُودَهُ مِنْ قِريبٍ، رواه الشيخان).
وفيه جواز النوم في المسجد وجواز مكث المريض فيه وإن كان جريحًا، وجواز ضرب الخيمة فيه. ومحله إذا لم يضق على المصلين.
٥/ ٨٩ - (وعن أبي قتادة ﵁ قال قال النبي ﷺ : إذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ) هو مفعول به لدخل لتعديه بنفسه إلى كل مكان مختص لا ظرف أي إذا دخله وأراد أن يجلس (فَلَا يَجْلِس حَتَّى يُصَلِّيَ رَكعَتَينِ) بأن يحرم
стр. 179
بهما قائمًا، قيل أو مقارنًا لأول جلوسه إذ النهي عن جلوس في غير صلاة. (والحديث رواه الشيخان).
وفيه كراهة ترك صلاة ركعتين لمن دخل مسجدًا وهي كراهة تنزيه عند الجمهور، وصرفها عن التحريم خبر: "هل علي غيرها قال: لا إلا أن تتطوع" فعلم أن صلاة ركعتين لمن ذكر سنة مؤكدة، ولو في وقت النهي لأن لها سببًا، وتسمى تحية المسجد، والركعتان أقلها، فلو صلاها أربعًا بتسليمة كانت كذلك، ولا يشترط أن ينوي فيها التحية بل يحصل بفرض أو نفل آخر راتب أو مطلق بل لو نوى مع ذلك التحية لم يضر وحصلت التحية، إذ لا منافاة في ذلك لحصول الغرض بها من شغل البقعة بالصلاة.
واستثني من ذلك الخطيب وداخل المسجد الحرام فتسقط عنهما باشتغال الأول بالخطبة، والثاني: بتحية البيت وهي الطواف للاتباع.
قد لا يستثنى الثاني لأن الغالب أنه يطوف قائمًا ثم يصلي بعده ركعتي الطواف، فيحصل بهما تحية المسجد. ويستثنى أيضًا ما لو دخل الإمام في مكتوبة أو الصلاة فقام أو قربت إقامتها فتكره له التحية.
стр. 180
بابُ صفَةِ الصلاةِ -أي كيفيتها-
وهي تشتمل على فروض تسمى أركانًا، وعلى سنن تسمى ما يجير بالسجود منها بعضًا، ولا يجير هيئة، وعلى شروط تقدم بعضها وإن ذكر بعضها هنا أيضًا، مع أن جميع ذلك لم يذكر في الباب، وإنما هو مذكور في كتب الفقه.
١/ ٩٠ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال قال: النَّبيّ ﷺ إذَا قُمْت إلَى الصَّلاةِ فَأسْبغِ الوُضُوءَ) أي عمم أعضاءك بالماء (ثمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ) تقدم بيانه مع ما قبله في شروط الصلاة (وكَبِّرْ) أي تكبيرة الإحرام (ثمَّ اقْرأ) بعد الفاتحة كما في رواية لأبي داود (مَا تَيَسر مَعَكَ مِنَ القرْآنِ ثم ارْكَعْ حَتَّى تَطَمئِن رَاكعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتى تَعْتدِلَ قَائِمًا) إن صليت قائمًا. ولفظ ابن ماجه حتى تطمئن قائمًا (ثمَّ اسجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثم ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثمَّ اسْجُدْ حَتى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثم افعلْ ذَلِكَ في صَلَاتِكَ كُلِّها، رواه البخاري).
وفي رواية لابن حبان "ثم اقرأ بأم القرآن ثم بما شئت" وفي ذلك
следующие страницы →