Полный текст (693 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ببعض أتباعه الأحرار في حاجاته واستحباب الاستنجاء بالماء ورجحانه على الحجر كما قاله النووي.
والماء أفضل من الحجر والجمع بينهما أفضل وبسط ذلك يطلب من كتب الفقه.
٣/ ٣٦ - (وعن أَبِي سَعِيد الخدري ﵁ قَال: قَال النَّبي ﷺ لا) ناهية أو نافية بمعنى الناهية. (يَخْرج الرَّجُلانِ يَضْرِبَانِ الغَائِطَ) أي يأتيان الخلاء، حالة كونهما (كَاشِفَينِ عَنْ عَوْرَتِهمَا يَتَحدَّثَانِ، فَإِنَّ الله يَمْقَتُ عَلَى ذَلِكَ، رَوَاهُ أبو دَاود وغيره) بإسناد حسن كما في المجموع وصححه
стр. 107
الحاكم والمقت البغض، وقيل أشده وفي الحديث كراهية التحدث على قضاءِ الحاجة وهي متفق عليها. فإن قلت: لا دلالة في الحديث عليها لأنَّ الذم فيه ليس على التحدث فقط قلنا: بعض موجب المقت مكروه بلا شك ويؤيده رواية الحاكم قال أبو سعيد قال النبي ﷺ في المتغوطين أن يتحدثا فإن الله يمقت على ذلك ذكر ذلك النووي في مجموعه.
٤/ ٣٧ - (وعَنْ أَبِي قَتَادة) الحارث بن ربعي بن بلدمة بفتح الموحدة والدال المهملة، وقيل بضمهما وقيل بذال معجمة مضمومة ابن خناس بضم الخاء المعجمة ثمَّ نون ابن سنان الأنصاري المدني ﵁ قَال: قَال النّبي ﷺ لا يمسكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِه، وَهُوَ يَبُولُ) قضيبه تقيد النهي عما ذكر بحالة البول وجرى عليه بعضهم، والمعتمد خلافه أخذًا برواية ترك فيها هذا القيد، لا يقال يلزم منه ترك حمل العام على الخاص لأنا نقول لا محذور فيه هنا إذ ذاك محله إذا لم يخرج القيد مخرج الغالب، ولم يكن العام أولى بالحكم من الخاص وهنا بخلافه إِذْ الغالب أن مس الذكر إنما يكون حال البول ولأنه إذا نهي عن المس باليمين حالة الاستنجاء مع مظنة الحاجة إليها فعنه في غيرها أولى مع أن كراهة مس الذكر لا تختص باليمين بل اليسار مثلها في غير
стр. 108
حالة البول والاستنجاء (وَلَا يَتَمَسَّحْ) أي يستنجي (مِنَ الخَلَاءِ) أي الغائط سمي باسم مكانه (بِيَمِينِه) بل يفعل ذلك بيساره لأنَّ اليمين لما شرف وعلا واليسار لما خس ودنئ، ولأنه إذا باشر النجاسة بها قد يذكر عند تناوله الطعام على ما باشرت يمينه من النجاسة فينفر طبعه من ذلك (وَلا يَتَنَفَّسْ) أي لا يخرج نفسه من الفم (فِي الإِنَاءِ) لئلا يتقذر الماء أو نحوه بذلك وليأمن خروج شيء تعافه النفس من الفم، وكل ذي رئة يتنفس بالمعنى المذكور.
ودواب الماء لا رئة لها كما نقل عن الجوهري قال والرئة السَّحْرُ وفي القاموس الرئة موضع النفس والريح من الآدمي وغيره، وأما التنفس بمعنى الزيادة كما في قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] وبمعنى التصعد كما في قولهم تنفست القوس إذا تصعدت فمجاز (والحديث رواه الشيخان واللفظ لمسلم) وفيه كراهة كل من الثلاثة المذكورة فيه والجمهور على أنها
стр. 109
كراهة تنزيه ومن عبر من الأصحاب في الأولين بقوله ولا يجوز معناه لا يجوز جوازًا مستوى الطرفيين.
قال أئمتنا: ويسن أن لا يستعين باليمين في أمر من أمور الاستنجاء إلا لعذر كأن فقدت يساره ولو كان يستنجي بالحجر وهو صغير جعل عقبه عليه أو أمسكه بين إبهامي رجليه لئلا يستنجي بيمينه ولا يمس ذكره بها فإن لم يكنه ذلك واحتاج إلى الاستعانة بها فالجمهور على أنَّه يأخذه بيمينه والذكر بيساره ويحركها دون اليمين فإن حرك اليمين كان مستنجيًا بها، ومن قال إنه يأخذ الذكر بيمينه والحجر بيساره ويحركها لئلا يستنجي بيمينه فقد غلط لأنه منهي عن مس الذكر بيمينه، ويسن في الاستنجاء أن يستنجي قبل الوضوء للخروج من الخلاف وليأمن انتقاض طهره وأن يبدأ في الاستنجاء بالماء بقبله.
ويجب أن يستعمل فيه من الماء ما يظن زوال النجاسة به فإن فعل ذلك ثمَّ شم من يده رائحة النجاسة فقيل يدل ذلك على بقاء النجاسة في محل الاستنجاء، فيجب إزالتها وعليه يسن شم الإِصبع، والأصح لا يدل على بقائها ويدل على بقائها في الإِصبع وعليه لا يسن شم الأصبع.
стр. 110
٥/ ٣٨ - (وعَنْ أَبِي أيوب) خالد بن زيد بن كليب الأنصاري الخزرجي ﵁ قال: قال: النبي ﷺ إِذَا أَتَيتُم الغَائِط) أي موضع التغوظ (فلا تستقبلوا القبلة) أي الكعبة (بغائط) أي بخارج من الدبر ولا بول (ولا تستدبروها) بشيء من ذلك (ولكن شرِّقوا وغرِّبوا - رواه الشيخان).
ورويا أيضًا "أنَّه ﷺ قضى حاجته في بيت حفصة مستقبل الشام مستدبر الكعبة.
وروي ابن ماجه وغيره بإسناد حسن أنَّه ﷺ قضاها مستقبل الكعبة.
فجمع أئمتنا أخذًا من كلام الشافعي ﵀ بين هذه الأخبار بحمل أولهما المقيد للتحريم على غير البنيان لأنه لسعته لا يشق فيه اجتناب الاستقبال والاستدبار بخلاف البنيان فقد يسن فيه اجتناب ذلك فيجوز فعله كما فعل النبي ﷺ لبيان الجواز وإن كان الأولى لنا تركه.
ومحل الثاني إذا استتر بمرتفع ثلثي ذراع بينه وبينه ثلاثة أذرع فأقل بذراع
стр. 111
الآدمي، ولو بإرخاء ذيله لمحل الأول إذا لم يستتر بذلك وهذا كله في غير المعد لذلك، أما فيه فلا تحريم ولا كراهة. ولا خلاف الأوْلى، والخطاب في الحديث لأهل المدينة ومن في معناهم كأهل الشام واليمن وغيرهم ممن قبلته على هذا السمت. أما من قبلته من جهة المشرق والمغرب فإنَّه يتيامن أو يتياسر.
فرع: مقتضى الحديث ومذهبنا فيما إذا تجنب استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة ثمَّ استقبلها واستدبرها حال الاستنجاء جواز ذلك بلا كراهة.
قال الروياني وهو صحيح عندنا، ولا كراهة عندنا أيضًا في إخراج الريح ولا في الجماع مستقبل القبلة ولا مستدبرها ذكر ذلك النووي في مجموعه. ومسألة اجتناب استقبال القبلة واستدبارها حال خروج البول والغائط مبسوطة في
стр. 112
شرح البهجة وغيره.
٦/ ٣٩ - (وعن أبي عبد الله سلمان) الفارسي مولى رسول الله ﷺ ﵁ قال: لَقَدْ نَهَانَا النَّبي ﷺ أَنْ نَسْتنْجِي بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ) فيجب استيعابها حتى لا يكتفى باثنين، وإن زالت بهما عين النجاسة والمراد ثلاث مسحات ولو بأطراف حجر، لكن الأحجار أفضل من حجر، واقتصاره عليها جرى على الغالب، ففي معناها كل جامد طاهر قالع غير محترم، فإن حصل الإِنقاء بالثلاث فذاك، وإلا زاد إلى الإِنقاء، فإن حصل بوتر فذاك، وإلا سن الإِيتار ونهانا عن (أَنْ نَسْتَنْجِي بِرَجِيعٍ) أي روث لأنه نجس (أَوْ
стр. 113
عَظْمٍ) ولو طاهرًا، (هذا بعض حديث رواه مسلم) وقال في العظم فإنَّه طعام إخوانكم، يعني الجن، فمطعوم الإِنس كالخبز أولى وفي معنى الرجيع كل نجس، فلو استنجي به ولو جافًا لم يجزه ولزمه الاستنجاء بالماء لأنَّ المحل صار نجسًا بنجاسة أجنبية. وفي شرح مسلم ما يوهم خلاف ذلك فاجتنبه.
٧/ ٤٠ - (وعن عائشة ﵂ قَالتْ: قَال النَّبيّ ﷺ مَنْ أَتَى الغَائِط) أي موضع التغويط (فَلْيَسْتَتِرْ) (رواه أبو داود وغيره بأسانيد حسنة).
وفيه استحباب الستر عن أعين الناس حال قضاء الحاجة وهو متفق
стр. 114
عليه، ويحصل ذلك بمرتفع ثلثي ذراع فأكثر بينه وبينه ثلاثة أذرع فأقل إن كان بصحراء، وقباء لا يمكن تسقيفه فإن كان بيتًا مسقف أو يمكن تسقيفه حصل التستر بذلك ذكره في المجموع، وظاهر أن محل استحباب ذلك إذا لم يكن، ثمَّ من لا يغض بصره عن نظر عورته ممن يحرم عليه نظرها، وإلا وجب استتار وعليه يحمل قول النووي في شرح مسلم يجوز كشف العورة في محل الحاجة في الخلوة كحالة الاغتسال والبول ومعاشرة الزوجة.
أما بحضرة الناس فيحرم كشفها.
٨/ ٤١ - (وعنها) أي عن عائشة (﵂ قَالتْ: كَانَ النَّبي ﷺ إذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ) أي من موضع التغوط (قَال: غُفْرَانَكَ) بالنصب بمقدر أي أسألك أو أغفر والأول أجود، والحديث صحيح كما في المجموع. (رواه أبو داود والترمذي وغيرهما.
وفيه استحباب ذلك.
وفي حكمة قوله ﷺ قولان: أحدهما: أنَّه استغفر من ترك ذكر الله تعالى حال قضاء الحاجة.
стр. 115
ثانيهما: أنَّه استغفر خوفًا من تقصيره شكر نعم الله عليه فيما يتعلق بذلك حيث أطعمه ثمَّ هضمه ثمَّ سهل خروجه.
وروي "غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني"، وهو ضعيف.
стр. 116
بَاب الغسل
هو بالفتح مصدر غسل الشيء وبمعنى الاغتسال، المراد هنا كقولك غسل الجمعة سنة. وبالضم اسم للماء الذي يغتسل به. ومشترك بين الثلاثة، ففيه على الأولين لغتان: الفتح وهو أفصح وأشهر لغة، والضم وهو ما يستعمله الفقهاء وأكثرهم -وإما بالكسر- فاسم لما يغتسل به من سدر ونحوه، وهو بالمعنيين الأولين.
لغة: سيلان الماء على الشيء.
وشرعًا: سيلانه على جميع البدن.
١/ ٤٢ - (عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قَال النَّبيّ ﷺ : إِنَّما المَاءُ مِن المَاءِ) أي يجب الغسل بالماء من إنزال الماء الدافق وهو المني (رواه مسلم وأصله في البخاري).
стр. 117
وفيه أن خروج المني يوجب الغسل سواء أخرج بشهوة أو دونها من رجل أو امرأة عاقل أو مجنون بوطء أو دونه.
ولا ينافي الحصر في الحديث وجوب الغسل بالوطء أيضًا لأنَّ الحصر منسوخ بأخبار صحيحة كخبر أبي هريرة الآتي. ولأنه حصر إضافي بالإضافة إلى من قصر الوجوب على الوطء، ولأن معنى الحديث عند ابن عباس أنَّه لا يجب الغسل بالرؤية في النوم إلا أن ينزل.
ومحل إيجابه الغسل عندنا إذا خرج من محله المعتاد أو من تحت صلب الرجل أو ترابيب المرأة وانسد المعتاد، ولذلك بسط يطلب في كتب الفقه.
٢/ ٤٣ - (وعن أبي سعيد قال قال النَّبيّ ﷺ : إذا أَتَى) أي جامع أَحَدُكُمْ أَهْلَه، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ) إلى الجماع (فَلْيَتَوَضَّأَ بَينَهُمَا) أي بين الجماعين وضوءًا (فإِنَّه أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ رواه مسلم إلا فإنَّه أنشط للعود فالبيهقي والحاكم) وفيه طلب الوضوء بين الجماعين، وهو سنة عند جمهور العلماء لما ذكر في الحديث، وخروجًا من خلاف من أوجبه، ولأنه يخفف الحدث لأنه يرفعه عن أعضاء الوضوء وليست على إحدى الطهارتين خشية أنَّه يموت في نومه.
стр. 118
وقال في شرح مسلم: وقد نص أصحابنا على أنَّه يكره الجماع أي الثاني قبل الوضوء.
٣/ ٤٤ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال قال النَّبي ﷺ إِذَا جَلَسَ) أي الرجل المفهوم من السياق (بَينَ شُعَبِهَا) أي المرأة المفهومة من ذلك (الأَرْبَعِ ثمَّ جَهَدَهَا) بفتح الجيم والهاء أي بلغ جهده فيها بحركته والجهد الطاقة (فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، رواه الشيخان إلا وإن لم ينزل فمسلم).
والشعب، بضم الشين وفتح العين جمع شعبة كقرب وقرب، وهي الطابق من الشيء، والمراد بالشعب الأربع يداها ورجلاها، وقيل رجلاها وفخذاها، وقيل فخذها وحرفا شق فرجها - وقيل نواحي الفرج الأربع وقيل غير ذلك.
قال ابن دقيق العيد: والأقرب عندي الأولان لأنهما أقرب إلى الحقيقة إذ هما حقيقة في الجلوس بين الأربع بخلاف ما عداها وقال غيره الأولى الرابع، لأنه قابله حافظ على المقصود وهو تغيب الحشفة لا الجلوس بين
стр. 119
المذكورات لأنه بمجرده لا يوجب الغسل، وابن دقيق العيد حافظ على حقيقة الجلوس وهو وسيلة، والمحافظة على المقاصد أولى منها على الوسائل، والجلوس والجهد غير معتبرين لخروجهما مخرج الغالب.
وفي الحديث وجوب الغسل بالوطء، وهو متفق عليه، ويحصل بدخول الحشفة أو قدرها من مقطوعها في فرج قبل أو دبر من حي أو ميت صغير أو كبير آدمي أو بهيمة أنزل أو لم ينزل سواء لف على ذكره خرقة ولو غليظة أم لا.
٤/ ٤٥ - (وعن أنس ﵁ قال قال النَّبيّ ﷺ فِي المَرْأةِ تَرَى في مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ) أي في منامه من أنَّه جامع فأنزل (تَغْتَسِلُ، رواه الشيخان) ولفظهما قالت: أم سلمة جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة
стр. 120
من غسل إذا هي احتلمت قال: "نعم إذا رأت الماء". ففيه دليل على وجوب الغسل بخروج المني وهو مجمع عليه، ولا فرق عندنا بين خروجه بجماع أو احتلام وغيرهما ولو بلا سبب أو بلا شهوة أو تلذذ من رجل أو امرأة كما مر ذلك.
٥/ ٤٦ - (وَعَنْ أبي سعيد سَمُرَةَ بن جُنْدَبٍ) بضم الدال وفتحها ابن هلال (﵁ قَال: قَال النَّبيّ ﷺ مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِيَها) أي فبالسنة أخذ أي بما جوزته من الاقتصار على الوضوء (وَنعْمَتْ) أي الخصلة (وَمَنْ اغَتَسَلَ) معها (فَالْغُسْلُ) معها (أَفْضَلُ رواه الترمذي وحسنه).
وفيه سن الغسل لمريد الجمعة وهو سنة مؤكدة يكره تركها. وأما خبر "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" أي بالغ، فأجيب عنه بحمله على الندب المؤكد في حق مريد الجمعة، كما تقول لصاحبك حقك واجب عليّ أي متأكد.
стр. 121
٦/ ٤٧ - (وعن أم المؤمنين ميمونة) بنت الحارث بن حزن الهلالية ﵂ قالت: وَضَعَ النَّبيّ ﷺ وضُوءَ الْجَنَابَةِ) بفتح الواو على الأشهر أي الماء المعد لاستعماله في أعضاء الوضوء، والمراد هنا المعد لذلك وللغسل من الجنابة (فَأَكْفَأَ) أي قلب النَّبيّ ﷺ بيمينه على يساره كما أكفأ بيمينه عليها نفسها (مَرَّتَينِ أَوْ ثَلاثًا) بالنصب على الظرف أو على المصدر المبين للعدد فأقيم العدد مقامه كقوله "فاجلدوهم ثمانين جلدة" أي أكفأ على يساره إكفاء مرتين أو ثلاثًا (ثمَّ تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ) وتقدم بيانهما (وَغَسَلَ وَجْهَهُ وذَراعَيهِ ثمَّ أَفَاضَ) أي أفرغ (عَلَى رَأْسِه الماءَ، ثمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثمَّ تَنَحَّى) أي فارق موضعه (فَغَسَلَ رجلَيه، فَأَتَيتُهِ بِخرْقَةٍ فَلَمْ يرِدْهَا) من الإِرادة لا من الرد، وفي رواية "فأتيته بمنديل -بكسر الميم- فرده" (وَجَعَلَ يَنْفُضُ الماءَ بِيَدِه، رواه الشيخان).
وفيه سن ترك التنشيف، وهو الصحيح عندنا، وفيه أنَّه لا بأس بنفض
стр. 122
اليد بعد الغسل، والراجح في الروضة والمجموع أنَّه مباح يستوي في تركه وفعله.
وفيه سن التنحي من المغتسل لغسل القدمين سواء أكمل وضوءه قبل الغسل أم لا، وسكت فيه عن مسح الرأس لأنه مذكور في خبر آخر، أو لأنه اكتفى عنه بالإِفاضة على الرأس، وفي قوله ﴿ثم تنحى﴾ إشعار بتأخير خبر غسل القدمين، وهو محصل للغرض من سن الوضوء لغسل الجنابة لكن تقديمه على الإِفاضة أولى، كما هو ظاهر قول عائشة في خبر "إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة ثمَّ اغتسل".
٧/ ٤٧ - (وعن عائشة ﵂ قَالتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا والنبي ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ) أي تتعاقب (أَيدِينَا فيه)، زاد ابن حبَّان "وتلتقي من الجنابة"، متعلق باغتسل (رواه الشيخان وابن حبَّان).
وفيه جواز اغتسال الرجل والمرأة جميعًا من إناء واحد، واغتسال المرأة
стр. 123
بفضل طهور الرجل وعكسه، وهو مجمع عليه في الأولين، وعليه جمهور العلماء في الثالث ولا كراهة فيه عندنا.
стр. 124
باب التيمم
وهو لغة القصد - وشرعًا: إيصال تراب إلى الوجه واليدين بشروط مخصوصة.
والأصل فيه قبل الإِجماع. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ وأخبار منها ما يأتي، وهو مخصوص بالوجه واليدين في الحدث الأصغر والأكبر، واختصت به هذه الأمة وهو رخصة، وقيل عزيمة، والرخصة إنما هو إسقاط الفرض به، فقيل: إن تيمم لعدم الماء فعزيمة أو لغيره كمرض فرخصة.
١/ ٤٨ - (عن أبي اليقظان عمار بن ياسر) بن عامر بن مالك العيتي ﵄ قال: بَعَثَنِي) أي أرسلني (النبي ﷺ في حَاجَةٍ) أي سرية كما جاءت في رواية، (فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدَ المَاءَ فَتَمَرَّغْتُ) -أي تمعكت- (في الصَّعِيدِ) أي في التراب (كما تَمْرغَ) أي تتمرغ (الدَّابَةُ) وهي ذوات الأربع (ثَمَّ أَتَيتُ) أي جئت (النبي ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَال إِنَّما كان يَكْفِيكَ) أي في التيمم أو في حالة عدم الماء (أَنْ تَقُولَ) أي تفعل (بِيَدَيكَ هَكَذَا، ثمَّ
стр. 125
ضَرَبَ بِيَدَيهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ثمَّ مَسَحَ الشِّمَال عَلَى اليَمِينِ وظَاهِرَ كَفَّيهِ وَوَجْهَهُ، رواه الشيخان واللفظ لمسلم).
وفيه دليل لمن قال بجواز الاجتهاد في حياة النبي ﷺ لأنه لم يأمر عمارًا بالإعادة وهو الأصح، ودليل لمن اكتفى بضربة واحدة وبمسح الكفين وهو ما رجحه الرافعي في الأولى. أما من لم يكتف إلا بضربتين ويمسح الذراعين مع الكفين، وهو المنصوص ورجحه النووي، فاحتج بخبر أبي داود والحاكم وهو جيد بشواهده كما قاله البيهقي "التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين".
стр. 126
وبأن المسح إلى المرفقين أنسب بكون التيمم بدلًا عن الوضوء ومحل الاكتفاء بالضربتين إذا حصل بهما الاستيعاب وإلا وجبت الزيادة، والمراد بالضرب النقل ولو بلا ضرب، وأجاب النووي عن الخبر الأول مع اعترافه بأن مدلوله قوي في الدليل، وأقرب إلى السنة، بأنه إنما أريد به صورة الضرب للتعليم لا إثبات جميع ما يحصل به التيمم، وتقديم مسح الكفين على مسح الوجه لا يوجب الترتيب لأنَّ الواو لا تقتضي ترتيبًا فقول البخاري في رواية "ثمَّ مسح بها وجهه" محمول على الترتيب الإِخباري، ولا نعلم قائلًا بعدم الترتيب المعنوي.
فيه أيضًا دليل على طلب الماء لاستلزام نفي الوجود له، ودليل على أن من فعل ما أمر به بزيادة يصح منه لاندراج أعضاء التيمم في التمرغ كنظيره من الغسل بدل الوضوء.
٢/ ٤٩ - (وَعَنْ جابر بن عبد الله ﵄ قال قال النبي ﷺ
أُعْطِيتُ خَمْسًا) من الخصال ولا ينافيه خبر "أعطيت ستًّا" ولا خبر "أعطيت ثلاثًا" ولا تبديل بعض الخصال ببعض الروايات كقوله "أعطيت جوامع الكلم، وختم بي النبيون" الحديث، لاحتمال أنَّه أعطي أولًا الأقل فأخبر به وهكذا -أو أنَّه أعطي أولًا الأكثر فأخبر به ثمَّ أخبر ببعضه بناء على المشهور من أن ذكر الأعداد لا يدل على الحصر. (لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ) من الأنبياء وغيرهم (قَبْلِي: نصرْتُ) أي أعنت (بِالرُّعْبِ) بإسكان العين وضمها أي الخوف مما
стр. 127
يتوقع نزوله (مَسِيَرةَ شَهْرٍ) وروي مسيرة شهرين، "وروي شهرًا أمامي وشهر خلفي ". ولا منافاة كما يعلم مما مر. (وَجُعِلَتْ لِيَ الأرضُ) ما لم يمنع مانع شرعي كموضع نجس (مَسْجِدًا) أي موضع السجود ولو بغير مسجد وقف للصلاة، ومن كان قبله من الأنبياء إنما أبيح لهم الصلوات في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس (وطَهُورًا) أي تطهيرًا وإن كان بمعنى الظاهر في قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] إذ لا تطهر في الجنة، فالخصوصية هنا في التطهير لا في الظاهر به. والمراد تراب الأرض كما جاء في رواية بلفظ "وترابها طهورًا" وفي أخرى "وتربتها لنا طهورًا" وسيأتي (فَأَيُّمَا رَجُلٍ) بجره بإضافة أي إليه وأي اسم مبتدأ فيه معنى الشرط، وما زائدة لتوكيد معنى الشرط (مِنْ أُمَّتِي) بيان لرجل (أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ) صفة له (فَلْيُصَلِّ) جواب الشرط (وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ) جمع غنيمة بمعنى مغنومة والمراد بها ما أخذ من الكفار بقهر وغيره فيعم الفيء إذ كل منهما إذا تفرد عم الآخر وأكد ما ذكر بقوله (ولَمْ تحل لأَحَدٍ قَبْلِي) قال العلماء: كان الأمم قبلنا ضربين -منهم من لا يحل لأنبيائهم جهاد الكفار فلا غنائم لهم، ومنهم من أحل له ذلك إلا أنهم إذا غنموا مالًا جاءته نار فأحرقته فلا يحل لهم أن يتملكوا منها شيئًا، فأباح الله لنبينا تملك الغنائم يتصرف فيها بما يشاء لنفسه ولأمته.
(وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة) أي المختصة بي، فاللام للعهد إن عهد اختصاص وإلا فللجنس. والمراد المختصة بي. قال النووي: لرسول الله ﷺ يوم القيامة شفاعات خمس: الشفاعة العظمى للفصل بين أهل الموقف، وفي جماعة يدخلون الجنة بغير حساب، وفي ناس استحقوا النار فلا يدخلونها وفي ناس دخلوا النار فيخرجون منها، وفي رفع ناس في الجنة.
стр. 128
والمختص به من ذلك الأولى والثانية، ويجوز أن يكون الثالثة والخامسة أيضًا. انتهى.
وزاد بعضهم على هذه الخمس شفاعات أخر كخروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان من النار، وتخفيف عذاب بعض أهل النار، كما في عمه أبي طالب، وكان النبي ﷺ يبعث إلى قومه بعثة خاصة بهم، فكان إذا بعث في عصر واحد نبي واحد دعا إلى شريعته قومه فقط ولا ينسخ بها شريعة غيره، أو نبيان دعا كل منهما إلى شريعته فقط ولا ينسخ بها شريعة الآخر، وأما عموم بعثة نوح فإنما كان بعد خروجه من الفلك فهو عارض مع أنها مقيدة بما مر آنفًا، (وبعِثْتُ إلى النَّاسِ من الإِنْسِ والْجِنِّ) بعثة عامة إلى يوم القيامة وشريعته ناسخة لجميع الشرائع.
واعلم أن نبينا ﷺ خص بما لا يحصى من أحكام وفضائل وكرامات لجوامع الكلم ومفاتيح خزائن الأرض وغيرها، وليس في ذكر ما قدمنا من الأعداد ما ينافيها فإن الأخبار بذلك في أوقات لحكمة اقتضت ذكرها في ذلك الوقت. (والحديث رواه الشيخان وفي رواية لمسلم) وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء، بأن نعجز عن استعماله حسًا أو شرعًا ليدخل ما إذا عجز عن استعماله لمرض أو نحوه، وفي هذه الرواية تقييد لإطلاق الأرض فيما مر.
стр. 129
باب الحيض وما يذكر معه من الاستحاضة
وتقدم تعريفها في أسباب الحدث.
والحيض لغة: السيلان، يقال حاض الوادي إذا سال.
وشرعًا: دم جبلة يخرج من أقصى رحم المرأة في أوقات مخصوصة.
وله عشرة أسماء بينتها في شرح الروض وغيره. والأصل فيه مع ما يأتي آية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي الحيض وخبر الصحيحين "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم" فيه حديث فاطمة بنت أبي حبيش السابق في أسباب الحدث إذ فيه ثبوت الحيض، وأنه يوجب الغسل.
стр. 130
١/ ٥٠ - (وعن عائشة ﵂ أن أم حبيبة بنت جحش ﵂ شَكَتْ إلى النبي ﷺ الدَّم) أي دم الاستحاضة أي أخبرته باستمراره عليها (فَقَال امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيضَتُكِ ثمَّ اغْتَسِلِي) أي عند مضي قدرها وتوضي لكل صلاة لاستمرار الدم (فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكلِّ صَلاةٍ رواه البخاري وأصله في مسلم).
واغتسالها لكل صلاة كان احتياطًا إذ الواجب عليها الوضوء لكل صلاة لا الغسل وإن قام مقامه، واغتسالها لكل صلاة لم يكن بأمره ﷺ كما قاله
стр. 131
الزهري وغيره. وما ورد من أنَّه أمرها به لكل صلاة فضعيف بتقدير صحته فهو محمول على أنها كانت ناسية للوقت والعدد.
٢/ ٥١ - (وعنها) أي عن عائشة (﵂ قالت: كُنَّا نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ رواه مسلم وغيره).
وفيه دليل على أن القضاء إنما يجب بأمر جديد، وليست مخاطبة بالصوم في حال حيضها لأنه يحرم عليها الصوم بالإِجماع فكيف تؤمر به؟ ، وقيل: يجب بالأمر الأول فتكون مخاطبة في حال حيضها بالصوم، وتعذر في تأخيره لأنه لو لم يجب في الحال لم يجب قضاؤه كالصلاة لمخاطبتها فيه كمخاطبة المحدث بالصلاة، وإن كانت لا تصح منه حال الحدث، وأجيب بأن المحدث
стр. 132
قادر على إزالة حدثه بخلافها، وإنما لزمها قضاء الصوم دون الصلاة لأنه لا يتكرر في السنة ولا يشق قضاؤه بخلافها ويؤخذ من الحديث أن أمر الشارع ونهيه حجة بمجرده ولا يفتقر إلى معرفة حكمته.
٣/ ٥٢ - (وعنها أيضًا كان ﷺ يَتَّكِئُ) أي يميل بأحد شقيه (في حَجرِي) بفتح الحاء وكسرها (وَأَنَا حَائِضٌ) وروي "حائضة"، والمشهور الأول لأنها صفة مؤنث والغالب فيها حذف التاء بخلاف نحو قائمة (فَيَقْرَأُ الْقرْآنَ).
٤/ ٥٣ - (وعنها أيضًا قالت كان النبي ﷺ يَأْمُرُنِي بالإِتّزَارِ) بأن أشد الإِزار على سرتي وما تحتها إلى الركبة فأتّزر بتشديد التاء وأصله أأتزر بهمزتين، همزة المضارعة وهمزة الإِزار، قلبت الثانية ألفًا ثمَّ تاء وأدغمت في التاء، بل قيل إن التشديد خطأ (فَيباشِرُنِي) أي يتمتع بي، بما عدا الوطء ولا يتمتع بما تحت الإِزار (وَأَنَا حَائِضٌ) رواه الشيخان.
стр. 133
وفيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن لأنَّ قولها فيقرأ القرآن إنما يحسن ذكره إذا كان ثمَّ ما يوهم منعه فذكرها ذلك يرفع توهم أنَّه يمتنع مخالطتها والاتكاء في حجرها. وفيه تبليغ أفعاله ﷺ للاقتداء به وإن كانت مما يستحى من ذكره عادة.
وفيه أيضًا جواز التمتع بالحائض فيما عدا ما بين السرة والركبة وكذا فيما بينهما إذا كان ثمَّ حائل يمنع من ملاقاة البشرة. والحديث مخصص لآية ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
стр. 134
كتابُ الصلاة
هي لغة: ما مر أول الكتاب.
وشرعًا: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
والمفروضات منها كل يوم وليلة خمس كما هو معلوم من الدين بالضرورة ومما يأتي.
والأصل في وجوبها قيل الإِجماع آيات كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وأخبار كقوله ﷺ : فرض الله على أمتي ليلة الإِسراء خمسين صلاة فلم أزل أراجعه وأسأله التخفيف حتى جعلها خمسًا في كل يوم وليلة" رواه الشيخان وغيرهما.
стр. 135
باب أوقاتها
أي أوقات الصلوات المفروضة.
والأصل فيها من الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [ق: ٣٩ - ٤٠] أراد بالأول الصبح، وبالثاني الظهر والعصر، والثالث المغرب والعشاء.
ومن السنة أخبار منها ما ذكرته بقولي:
١/ ٥٤ - (عن أبي محمَّد عبد الله بن عمرو) بفتح العين بن العاصي بالياء على الفصيح وبحذفها على لغة قليلة وهو الأشهر عند المحدثين وغيرهم (﵄ قال: قال النبي ﷺ وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالتِ الشَّمْسُ) أي مالت عن كبد السماء إلى المغرب (وكانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحضُرْ العَصْرَ وَوَقْتُ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ المَغْرِب مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفقُ) وهو الحمرة (وَوَقْتُ صَلاةِ العِشَاءِ) من مغيب الشفق (إِلى نِصْفِ اللَّيلِ الأَوْسَطِ) وهو إيضاح (وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلوعِ الْفَجْرِ) الصادق (مَا لَمْ
стр. 136
تَطْلُعِ الشَّمْسُ رواه مسلم) وروي أيضًا خبر ليس في النوم تفريط وإنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى.
وظاهره يقتضي امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الأخرى من الخمس أي غير الصبح لما ذكر في وقتها. فقوله في خبر ابن عمرو، بالنسبة لوقت العصر ما لم تصفر الشمس وبالنسبة لوقت العشاء إلى نصف الليل محمول على وقت الجواز بلا كراهة في الأول وفي الثاني على وقت الاختيار على قول صححه في شرح مسلم لكن الأصح في غيره أن وقت الاختيار فيه إلى ثلث الليل كما جاء في خبر صحيح رواه أبو داود وغيره ولهذه الأوقات وقت فضيلة وقت اختيار ووقت جواز ووقت غيرهما كما بينته في شرح المنهج وغيره مع فوائد.
وقوله في الحديث: إذا زالت الشمس يبين به أول وقت الظهر وبقوله وكان ظل الرجل كطوله انتهاؤه. وبقوله ما لم يحضر العصر أول وقت العصر وأنه لا اشتراك بين وقتيهما خلافًا لمالك وغيره.
стр. 137
في قوله إنه وإن دخل بذلك وقت العصر لم يخرج وقت الظهر بل يمتد إلى أن يمضي بعد دخول وقت العصر قدر أربع ركعات يكون مشتركًا بين الوقتين، وقد بينت احتجاجهم على ذلك مع جوابه في شرح مختصر المزني.
٢/ ٥٥ - (وعن أبي برزة) بفتح الموحدة فضلة بن عبيد (الأسلمي ﵁ قال: كَانَ النبي ﷺ يَسْتَحِب أَنْ يُؤَخِّرَ صلاة العشَاءِ) زمنًا من أول وقت العشاء احتياطًا لتحقيق غيبوبة الشفق فمن ابتدائية والقول بأنها تبعيضية لتدل على أن التأخير قليل نظر فيه، لأنَّ التبعيض مطلق لا دلالة له على القليل بخصوصه، وكأن قائله أخذ القلة من القرينة وهي تأخيره ﷺ العشاء إذا رأى القوم أبطوا كما سيأتي وذلك قليل إذ الغالب على الصحابة تعجيل العبادة (وَكَانَ يكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا) خشية التمادي فيه إلى خروج وقتها المختار أو
стр. 138
الضروري أو خشية نسيانها (و) كان يكره (الْحَدِيثَ بَعْدَهَا) خشية نومه عن الصبح أو عن صلاتها أول وقتها بسبب سهره أو خشية وقوعه في اللغط وما لا ينبغي أن يختم به يقظته، ولهذا يستثنى منه الحديث في خبر كمذاكرة علم وإيناس ضيف أو عروس (وكَانَ يَنْفَتِلُ) أي يلتفت بما يأتي بيانه (مِنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ) أي الصبح (حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ) أي ينظر وجهه، (وكَانَ يَقْرَأُ بالشِّين) من الآيات (إلى المِائَةِ) منها. (رواه الشيخان).
وفيه استحباب تأخير صلاة العشاء لكن المشهور من مذهبنا أن تعجيلها في أول الوقت أفضل لحديث صحيح فيه.
وأجاب النووي بأن تعجيلها هو الذي واظب عليه النبي ﷺ ثمَّ قال: لكن الأقوى دليلًا تأخيرها إلى ثلث الليل أو نصفه.
قلت: ويؤيد الجواب خبر الترمذي والحاكم وصححاه "أفضل
стр. 139
الأعمال الصلاة في أول وقتها" ويحصل ذلك بالاشتغال أوله بأسبابها كطهر وستر إلى أن يفعلها، وقد بسطت الكلام على ذلك في شرح الروض وغيره.
وفيه أيضًا كراهة النوم قبلها والحديث بعدها، وهي كراهة تنزيه، والمراد الحديث المباح في غير هذا الوقت.
وأما المكروه تنزيهًا أو تحريمًا ثَمَّ فهو هنا أشد كراهة لذلك.
وفيه أيضًا استحباب الانفتال من الصلاة بأن يلتفت بوجهه بالسلام منها يمينًا ويسارًا إمامًا كان أو مأمومًا، ويزيد الإِمام بأن يلتفت بجملته بأي وجه كان إما بأن يلتفت بعد سلامه إلى جهة يمينه بحيث تكون يمينه إلى المأمومين ويساره إلى المحراب وهو الأفضل، أو عكسه أو بأن يقبل بوجهه إليهم وظهره إلى المحراب.
[٣/ ٥٦] (وعن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يُصَلِّي الظَهْرَ
стр. 140
بالْهَاجِرَةِ) وهي شدة الحر، والمراد هنا شدتها بعد الزوال من الحر وهو الترك لترك الناس التصرف حينئذ لشدة الحر. (ويصلي الْعَصْر والشَّمْسُ نَقيَّةٌ) أي بيضاء صافية عن الصفرة (وَيُصلّي المغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ) -أي سقطت الشمس- أي قرصها (ويُصلّي العِشَاءَ أَحْيَانًا وأَحْيَانًا) بالنصب بالظرفية أي يعجل أوقاتًا ويؤخر أوقاتًا كما بين ذلك بقوله: (إِذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ وإِذَا رَآهُم أَبْطَوا أَخَّر).
(والصّبْح) بتثليث الصاد وبالنصب عطفًا على ما قبله وبالرفع مبتدأ خبره. (كَانَ النبي ﷺ يُصَلّيها بَغَلَسْ) وهو اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل (رواه الشيخان) وفيه دليل على سن التغليس في الصبح.
وأما خبر الترمذي وصححه "أسفروا بالفجر فإنَّه أعظم للأجر" فمحمول على تحقيق طلوع الفجر عند غطائه في مبدأ طلوعه.
وفيه أيضًا دليل على أن تعجيل الصلاة أول وقتها أفضل من تأخيرها في غير العشاء، وفي العشاء إن اجتمعوا وتقدم ما يتعلق به.
ويؤخذ منه أن صلاة الجماعة متأخرة أفضل من تعجيلها بلا جماعة.
قال ابن دقيق العيد: وهو الأقرب عندي لقوله: "وإذا رآهم أبطوا أخر" وهو لأجل الجماعة انتهى.
стр. 141
وهذه المسألة فيها خلاف لأئمتنا، والمعتمد أنَّه إن فحش التأخير فالتعجيل أفضل وإلا فلا انتظار.
ويستثنى من سنن التعجيل صور مذكورة في كتب الفقه منها: تعجيل الظهر للإِبراد كما يعلم مما ذكرته بقولي.
[٤/ ٥٧] (وعن أبي هريرة ﵁ قال قال النبي ﷺ : إِذَا اشْتَدَّ) أي قوي الحر (فَأَبْرِدُوا) من الإِبراد أي الدخول في البرد كالإِصباح أي الدخول في الصباح فالباء في (بالصَّلاةِ) للتعدية، وقيل زائدة أي فادخلوا الصلاة في البرد أي أخروها إليه إلى أن يقع للحيطان ظل يمشي فيه (فإنَّ شِدَّةَ الحرِّ مِنْ فَيحِ جَهَنَّمَ) أي هيجانها ومن ابتدائية أو تبعيضيه وقول بعضهم إنها جنسية بناء على ما قيل من أن كون شدة الحر من فيح جهنم تشبيه لا حقيقة (والحديث رواه الشيخان) وفي رواية للبخاري بالظهر بدل الصلاة فهي مقيدة له.
وفيه سن تأخيرها لأنَّ في تعجيلها في شدة الحر مشقة تسلب الخشوع أو كماله، كما فيمن حضره طعام يتوق إليه أو يدافعه الحدث.
стр. 142
وأما خبر مسلم عن خباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله ﷺ حرّ الرمضاء فلم يشكنا. أي فلم يزل شكوانا فمنسوخ بالنسبة إلى الإِبراد.
والمراد سن تأخيرها لمصل في جماعة يقصدها من بعد ولا يجد ظلًا يمشي فيه ولا يؤخر عن نصف الوقت.
ويختص الإِبراد بشدة الحر بقطر حار، وخرج بالظهر غيرها حتى الجمعة فلا يسن فيها الإِبراد لأنا مأمورون بالتبكير فيها. والمسألة مبسوطة في كتب الفقه.
[٥/ ٥٨] (وعنه) أي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ مَنْ أَدْرَكَ من الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلَعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْح، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِن الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْربَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرُ. رواه
стр. 143
الشيخان). وفي رواية لهما "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة".
وفي رواية لمسلم سجدة بدل ركعة -والمراد منها الركعة- وفي الحديث أن من أدرك ركعة من الصلاة في وقتها (فقد أدركها) أي أداء بخلاف ما لو أدرك دونها فإنها تكون قضاء، والفرق أن الركعة تشتمل على معظم أفعال الصلاة إذ معظم الباقي كالتكرير لها فجعل ما بعد الوقت تابعًا لها بخلاف ما دونها. هذا هو الأصح في مذهبنا، وقيل: تكون قضاء مطلقًا. وقيل: ما وقع في الوقت أداء وما وقع بعده قضاء.
[٦/ ٥٩] (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ولا صَلاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى
стр. 144
تَغِيبَ الشَّمْسُ رواه الشيخان).
وفيه أن الصلاة تكره حينئذ وهي كراهة تحريم، وقيل تنزيه ومحلها بعد فعل الصلاتين في وقتيهما، فالكراهة بعدهما متعلقة بالفعل في وقتيهما، فلو صلاها قضاء في وقت آخر لم تكره الصلاة بعدهما، ولو جمع العصر في وقت الظهر كرهت الصلاة بعدها لأنه وقت العصر للجامع.
ومحل كراهتها إذا فعلت لسبب متأخر كصلاة الإِحرام وصلاة الاستخارة، فإن سببهما وهو الإِحرام والاستخارة متأخر بخلاف ما إذا فعلت لسبب متقدم أو مقارن كفائتة لم يقصد تأخيرها إلى الوقت المذكور، وكصلاة الاستسقاء والكسوف فلا تكره.
وقضية الحديث تعميم الكراهة في وقت العصر من فعلها إلى الغروب، وهو ما عليه جمهور العلماء، وقد يقال ينافيه خبر أبي داود وصححه الحاكم "لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة".
стр. 145
ويجاب بأن الحديث الأول أصح والكلام في المسألة مبسوط في كتب الفقه.
(وعن أبي محمَّد جبير بن مطعم) بكسر العين ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي المدني ﵁ قال: قال النبي ﷺ : يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بهذا البَيتِ وصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيلٍ أوْ نَهَارٍ رواه أبو داود والترمذي وغيرهما).
وفيه جواز الصلاة بعد فعل الصبح والعصر فهي مستثناة من حديث أبي سعيد السابق، فلا كراهة فيها لشرف حرم مكة.
следующие страницы →