Полный текст (693 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
العلماء، وإجابة العلم للمتعلم سؤاله والمراد بالنفس هنا الذات المشتملة على الروح كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وإن اختلف العلماء في أن حقيقة النفس هي الروح أو غيرها حتى قيل إن فيها ألف قول.
والغفر والستر والمعنى أن الداعي طلب من الله أن يجعل له ساترًا بينه وبين الذنوب إن لم تكن وقعت، وساترًا بينه وبين ما يترتب عليها من العقاب واللوم إن كانت وقعت ولا يخفى ما في الحديث من حسن ترتيبه حيث قدم الاعتراف بالذنب ثم بالوحدانية ثم سأل الله المغفرة لأن الاعتراف بذلك أقرب إلى العفو والثناء على السيد بما هو أهله أرجى لقبول سؤاله.
٢٨/ ١١٧ - (وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كَانَ النبي ﷺ يَقُول في دُبُرِ) بضم الدال مع الباء ويجوز إسكانها أي آخر (كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ) والمراد عقبها (لَا إلهَ إِلَّا الله) وقوله (وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) تأكيدٌ لما قبله مع ما فيه من تكثير حسنات الذاكر والإِشارة إلى نفي الإِعانة بغيره لما كانت العرب تقول: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك (لَهُ المُلْكُ) بضم الميم مصدر أي السلطان والقدرة، وأما ما ملك من مال وغيره فهو ملك بتثليث الميم والكسر أفصح وأشهر. قاله النووي في تهذيبه.
(وَلَهُ الْحَمْدُ) مر بيانه في شرح الخطبة ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ عده بعضهم من العمومات في القرآن التي لم يطرقها تخصيص وهي ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت: ٥٧] ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ﴿وَاللَّهُ
стр. 212
بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
ونُوزع في الأخيرة من جهة تخصيصها بالممكن (اللهمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أعْطَيتَ) أي لما أردت إعطاءه، وروي لما أنطيت (وَلَا معْطِيَ لِمَا مَنعْتَ) وروي عقبهْ (وَلَا رَادَ لِمَا قَضَيتَ) ترك تنوين اسم لا في المواضع الثلاثة تشبيهًا بالمضاف تخفيفًا أو بناءه إجراء له مُجرى المفرد على لغة حكاها الفارسي، وعلى اللغة المشهورة يقال: لا مانعًا لما أعطيت ولا معطيًا لما منعت ولا راد لما قضيت (ولا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) بفتح الجيم فيها أشهر من كسرها أي الغنى، والحظ؛ أي لا ينفع وينجي ذا الغنى والحظ غناه وحظه منك وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح لقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ﴾ [الكهف: ٤٦] قاله النووي في شرح مسلم.
وظاهره أن منك متعلق بالجد وأن المراد بالجد الجد الدنيوي لأن الأخروي نافع، وقال العلامة ابن دقيق العيد: منك متعلق بينفع لا حال من الجد لأنه إذ ذاك نافع، وضمن ينفع معنى يمنع، أو ما يقاربه، وعليه فالمعنى
стр. 213
لا يمنعه منك حظّ دنيويًّا كان أو أخرويًّا وهو حسن دقيق. (والحديث رواه الشيخان).
وفيه سن الذكر فيه بما ذكر عقب الصلاة المكتوبة، ودلالة على التفويض إلى الله تعالى واعتقاد أنه مالك الملك وأن له الحمد ملكًا واستحقاقًا، وأن قدرته تعلقت بكل شيء من الموجودات على ما مر.
٢٩/ ١١٨ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قَال النَّبيّ ﷺ : مَنْ سَبَّحَ اللَّه دُبُرَ كُلّ صَلاةٍ) أي مكتوبة بقرينة التقييد بها في الخبر السابق (ثَلاثًا وَثَلاثِينَ) تسبيحة (وحَمِدَ اللَّه ثَلاثًا وثَلاثِينَ) تحميدة (وَكَبَّر اللَّه ثَلاثًا وثَلاثِينَ) تكبيرة (فَتِلْكَ تَسْعٌ وتسْعُونَ، وَقَال تَمَامَ) بالنصب بالظرفية أي عند تمام (المائةِ؛ لا إله إلا الله وَحْدَه لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَه الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كل شيءٍ قَدِير، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ) الصغائر (وَلَوْ كَانَتْ مثْلُ زَبِدِ الْبَحْرِ) في الكثرة. (رواه مسلم وغيره).
وفيه سن الذكر بما ذكر فيه عقب كل صلاة وظاهره أنه يسبح ثلاثًا وثلاثين مستقلة، ثم يحمد كذلك ثم يكبر كذلك، وهو أولى من أن يأتي بها مجموعة
стр. 214
بأن يقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر على ما سلكه بعضهم، وروي إحدى عشرة، وروي أن التكبيرات أربع وثلاثون، ولا تنافي لأن الزيادات المذكورة؛ زيادة من الثقات فينبغي للإِنسان أن يحتاط فيأتي بثلاث وثلاثين تسبيحة، ثم مثلها تحميدات، ثم أربع وثلاثين تكبيرة ثم يقول: لا إله إلا الله إلى آخره ليجمع بين الروايات.
٣٠/ ١١٩ - (وعن مالك بن الحويرث ﵁ قال: قال النبي ﷺ صَلُّوا كَمَا رَأيتُمُونِي أُصَلِّي، رواه البخاري).
وفيه الأمر باتباع النبي ﷺ في أقواله وأفعاله في الصلاة كما في غيرها.
٣١/ ١٢٠ - (وعن عمران بن حصين ﵄ قال: قَال لي النبي ﷺ صَلِّ) أي الفرض (قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَستَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِن لَمْ تَستَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ، رواه البخاري).
وفيه وجوب القيام على القادر عليه في صلاة الفرض، فإن عجز عنه وجب القعود، فإن عجز عنه وجب الاضطجاع، والكلام على كيفية ذلك مبسوط في كتب الفقه.
стр. 215
ومن صلى جالسًا لعجزه عن القيام. قال في المجموع وغيره، لا ينقص ثوابه عن ثوابه في حال القيام لأنه معذور، ولخبر البخاري "إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا".
стр. 216
باب سجود السهو وغيره من سجود التلاوة والشكر
١/ ١٢١ - (عن أبي محمد عبد الله بن بحينه) بضم الموحدة اسم أمه وأبوه مالك بن جندب بن فضلة بن عبد الله الأزدي، ويقال الأسدي بالسين ساكنة ﵁ أن النبي ﷺ صَلى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرّكعَتَينِ الأولَيينِ وَلَمْ يَجْلِسْ) للتشهد (فَقامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ) أي فرغ منها (وانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ) للسجود (وَهُوَ جَالِسٌ فَسَجدَ سَجْدَتَينِ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ ثُم سَلَّمَ، رواه الشيخان واللفظ للبخاري) وفي رواية مسلم "كبر
стр. 217
في كل سجدة وهو جالس وسجد الناس معه مكان ما نسي من الجلوس"، وفي الحديث طلب سجود السهو لترك الجلوس للتشهد الأول، ومثله سائر السنن المسماة بالأبعاض كما هي معروفة في كتب الفقه، وذلك سنة لا واجب لأنه بدل عن غير واجب فلم يجب.
وفيه أيضًا سن سجود السهو لتركه التشهد الأول، وأنه سجدتان وأنه قبيل السلام ليكون جابر الجميع السهو الحاصل في الصلاة.
٢/ ١٢٢ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال قال النبي ﷺ : إِحْدَى صَلاتَي العشِيِّ) روي أنها الظهر وروي أنها العصر.
стр. 218
قال النووي: قال المحققون هما قضيتان، والعشي بفتح العين وكسر الشين وتشديد الياء ما بعد الزوال إلى الغروب أي صلى بالقوم إحدى الصلاتين (رَكْعَتينِ، ثمَّ سَلَّمَ، ثمَّ قَامَ) مستندًا (إِلَى خَشَبةٍ) معروضة (فِي مُقَدّمِ المسْجِد) روي أنها كانت جذعًا من نخل، قيل والظاهر أنها الجذع الذي كان يخطب عليه أولًا (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيهَا، وفِي القَوْمِ أبُو بكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أنْ يُكَلِّمَاهُ) في ذلك لهيبته وعظمته في قلوبهما مع علمهما بأنه سيبين أمر ما وقع (وَخَرَجَ سَرَعانُ) بفتح السين المهملة والراء وبفتح السين وضمها مع إسكان الراء، أوائل (النَّاسِ) وإنما أسرعوا بالخروج لأن الزمن زمن وحي وتشريع فجوزوا وقوع النسخ ولم يحملوه على النسيان (فَقالُوا: قُصِرَتِ الصَّلاةُ) - قصرت هنا وفي قول ذي اليدين بضم القاف وكسر الصاد بالبناء للمفعول، وبفتح القاف وضم الصاد بالبناء للفاعل، وكلاهما صحيح، لكن المشهور الأول بدليل الجواب بقوله لم تقصر فإنه بالبناء للمفعول قطعًا، والفعل لازم ومتعدٍ، (وَفي الْقَوْمِ رَجُلٌ) اسمه الخرباق في يديه طول (يُقَال لَهُ ذُو اليَدَينِ) سمي به لطول يديه كما ذكر في الحديث، وقيل: لأنه كان يعمل بهما جميعًا، وقيل: لقصرهما وهو بعيد وقيل: يحتمل أنه كان طويل اليدين بالعمل وبالبذل من الناس فسمي بذلك لهذا. (فَقَال يا رسول الله أنَسِيتَ أمْ قُصِرَتِ
стр. 219
الصَّلاةُ) في إقدامه على السؤال دليل على حرصه على تعلم العلم واعتنائه بأمر الصلاة (فَقَال. لَمْ أنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ) أي لم يكن شيء منهما في ظني بل ظني أني أكملت الصلاة أربعًا، وقيل: أي لم أنس حقيقة من قبل نفسي وغفلتي عن الصلاة، ولكن الله نساني لأسُنّ، (قَال: بَلَى، قَدْ نَسِيتَ) باقتصارك من الرباعية على ركعتين (فَصَلَّى النبي ﷺ رَكْعَتينِ، ثم سَلَّمَ، ثُمَّ كبَّرَ) لسجود السهو (فَسجَدَ) له (مِثْلَ سُجُودِهِ) للصلاة في واجباته ومندوباته (أوْ أطْوَلَ) من سجود الصلاة (ثم رفع رأسه وكبر) للرفع ثم كبر للسجود الثاني وسجد (ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مكبرًا ثم سَلَّمَ، والحديث رواه الشيخان , واللفظ للبخاري).
وفيه أن الكلام والفعل القليل ناسيًا لا يبطلان الصلاة، وأن سجود السهو سنة للسلام نسيانًا في غير محله، وأنه بعد السلام، والمشهور عندنا ما مر في الحديث قبله، وما يأتي في الذي بعده أنه قبله لأنه كان آخر الأمرين من فعله ﷺ ، ولأنه لمصلحة الصلاة فكان قبل السلام كما لو نسي سجدة منها.
وأجابوا عن سجوده في خبر ذي اليدين بحمله على أنه لم يكن عن قصد مع أنه لم يرد لبيان حكم سجود السهو. والجواب عنه بأنه لا خلاف في جوازه قبيل السلام وبعده، لكن الأفضل كونه قبله ضعيف.
وفيه أيضًا جواز السهو في الفروع على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام،
стр. 220
وهو ما عليه الجمهور، ويدل له خبر البخاري "أني أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني، ولا ينافيه خبر بئس ما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا لأن الذم فيه إنما هو لإِضافته نسبة النسيان إلى الآية ولا يلزم من الذم للإِضافة إليها الذم للإِضافة إلى كل شيء لأن الآية من كلام الله المعظم، ويقبح بالمسلم إضافة نسيان كلام الله تعالى إلى نفسه، وليس هذا المعنى موجودًا في كل نسيان ينسبه إلى نفسه.
٣/ ١٢٣ - (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ إذَا شَكَّ أحَدُكُم فِي صَلَاتِه) أي الرباعية (فَلَمْ يَدْرِ كَم صَلَّى، أثَلاثًا أمْ أرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَح الشَّكَّ وَلْيَبْن عَلَىَ مَا اسْتَيقَنَ، ثُم يَسْجُدْ سَجْدَتينِ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ فَإنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ) أي السجدتان وما تضمنتاه من الجلوس بينهما (صَلَاتَه)
стр. 221
أي ردتها إلى شفع أي أربع، وعبر بالجمع وهو قوله شفعن عن المثنى وهو قوله سجدتين ظاهرًا لتضمنه زائدًا على اثنين كما في قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] (وَإِنْ كَانَ صلَّى تَمَامًا) أي أربعًا (كَانَتَا) أي السجدتان (تَرْغيمًا للشَّيطَانِ) أي إغاظة وإذلالًا له مأخوذ من الرغام بالفتح وهو التراب، ومنه أرغم الله أنفه، والمعنى أن الشيطان لبس عليه صلاته وتعرض لإِفسادها ونقصها فجعل الله تعالى للمصلي طريقًا إلى جبر صلاته وتدارك ما لبسه عليه وإرغام الشيطان ورده خاسئًا مبعدًا عن مراده (والحديث رواه مسلم)، وفيه سن سجود السهو للشك في ما صلَّاه واحتمل زيادته وأنه قبل السلام، وأنه يجب العمل باليقين، وأن اليقين لا يرفع بالشك، والمراد به هنا مطلق التردد الصادق بمستوى الطرفين وبالراجح منهما.
٤/ ١٢٤ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: سَجَدْنَا مَعَ النبي ﷺ في) سجوده لقراءته ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] عند قوله لا يسجدون، وفي قراءته ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] أي عقب فراغه من قراءتها، (رواه مسلم)،
стр. 222
وفيه سن السجود للتلاوة، وأنه سنة للقارئ والمستمع والسامع وهو للقارئ آكد ثم للمستمع -وهو من يقصد السماع بخلاف السامع، ويسن لهما السجود وإن لم يسجد القارئ سواء كان القارئ متطهرًا أم محدثًا امرأة أو صبيًّا أو كافرًا، ولا فرق في سن السجود للتلاوة بين كون القارئ في صلاة وكونه خارجها، ويشترط كون القراءة مشروعة كقراءة المصلي في قيامه، ولو قبل الفاتحة بخلاف غيرها كقراءته في غير محلها، وقراءة جنب وسكران وأوجب أبو حنيفة سجود التلاوة لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ [الانشقاق: ٢٠ - ٢١] ولقوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ [النجم: ٦٢].
واحتج أئمتنا بالأحاديث الصحيحة كخبر زيد بن ثابت الآتي، وكخبر "هل عليّ غيرها، قال لا إلا أن تطوع" رواه الشيخان، واحتج به الشافعي في ذلك والجواب جمعًا بين الأدلة حمل طلب السجود في الآيتين على الندب.
٥/ ١٢٥ - (وعن ابن عباس ﵄ قال: ﴿ص﴾ لَيسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ) أي ليست من حقوق سجود التلاوة، بل هي سجدة شكر، (وَقَدْ رَأَيتُ النبي ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا) أي في ﴿ص﴾ عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]) رواه البخاري) وفيه السجود عند قراءة هذه الآية، وأنها سجدة شكر، أي لقبول توبة داود ﵊ لا سجدة تلاوة كما مر فتسن خارج
стр. 223
الصلاة، أما فيها فلا تجوز كسائر سجدات الشكر من السجدات التي لهجوم نعمة أو اندفاع نقمة، فلو سجد فيها عامدًا عالمًا بالتحريم بطلت صلاته في الأصح، أو ناسيًا أو جاهلًا فلا، ويسجد للسهو، ولو سجدها إمامه في الصلاة لاعتقاده لها لم يتابعه في الأصح بل يفارقه أو ينتظره، فإن انتظره قال في الروضة: لم يسجد للسهو إذ لا سجود لسهوه، والمراد أنه لا يسجد لانتظاره وإن سجد لسجدة إِمامه.
٦/ ١٢٦ - (وعنه) أي عن ابن عباس ﵄ أنَّ النَّبي ﷺ سَجَدَ بالنَّجْمِ) أي فيها (رواه البخاري). وفيه سن سجود التلاوة لقراءة آخر سورة النجم.
٧/ ١٢٧ - (وعن أبي سعيد زيد بن ثايت) وهو ابن الضحاك بن زيد الأنصاري المدني القرظي ﵁ قال: قَرَأتُ على النبي ﷺ النَّجْم
стр. 224
فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا، رواه الشيخان) وفيه أن سجود التلاوة ليس بواجب كما مر.
٨/ ١٢٨ - (وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: يَا أيها الناسُ إنَّا نَمُرُّ بالسّجودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أصَابَ، ومَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيه) ولم يسجد عمر (رواه البخاري). وفي رواي له أن الله لم يفرض السجود إلا أن يشاء. وفيه كالحديث قبله أن سجود التلاوة ليس بواجب.
стр. 225
باب صلاة التطوع
وهو ما رجح الشرع فعله وجوز تركه ويرادفه السنة والنفل والمندوب والمستحب والمرغب فيه والحسن.
١/ ١٢٩ - (عن ابن عمر ﵄، قَال: حَفِظْتُ مِنَ النبي ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكعَتينِ قَبْلَ الظُهْرِ، وَرَكعَتَينِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتينِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيتهِ، وَرَكْعَتينِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيتهِ، وَرَكْعَتينِ قَبْلَ الصُّبْحِ، رواه الشيخان)، وفي رواية لهما: (وركعتين بعد الجمعة في بيته) وفيه أن رواية الفرائض عشر، وهي المؤكدة. أما غيرها فسيأتي بيانه.
وشرعت الرواتب تكملة للفرائض أو تزيينًا لها، كما أن الحلى زينة للعروس.
٢/ ١٣٠ - (وعن أم حبيبة) أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان بن
стр. 226
حرب بن أمية ﵄ قالت: قال النَّبي ﷺ مَنْ حَافَظَ عَلَى أرْبع قَبْلَ الظَهْرِ وَأرْبَع بَعْدَهَا حَرَّمَهُ الله عَلَى النَّارِ، رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح) وفيه أن راتبة الظهر أربع قبلها وأربع بعدها وتقدم أن المؤكد ركعتان قبلها وركعتان بعدها.
٣/ ١٣١ - (وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النَّبي ﷺ رَحِمَ الله امرأ صَلَّى أرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ، رواه أبو داود والترمذي وحسنه). وفيه أن راتبة العصر أربع قبلها وهو كذلك، لكنها غير مؤكدة.
٤/ ١٣٢ - (وعن أبي سعيد عبد الله ابن مغفل) بضم الميم وفتح المعجمة والفاء المشددة المدني ﵁ قال: قَال النَّبي ﷺ صَلوا قَبْلَ المَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، ثم قَال في الثالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ، كَرَاهِيَةَ أنْ يَتَّخَذهَا
стр. 227
النًاس سُنَّةً) أي طريقة واجبة (رواه البخاري).
وروى ابن حبان في صحيحه أن النبي ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين، وعليه يحمل حديث البخاري المذكور.
وفيه شرعية ركعتين قبل المغرب وهما سنة على الصحيح أو الصواب كما في المجموع وهما من الرواتب غير المؤكدة، ومثلهما ركعتان قبل صلاة العشاء لخبر عبد الله بن مغفل أيضًا أن النبي ﷺ قال: "بين كل أذانين صلاة ثلاث مرات، قال في الثالثة لمن شاء، رواه الشيخان، والمراد بالأذانين الأذان والإقامة.
٥/ ١٣٣ - (وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ النَّبي ﷺ يُخَفِّفُ الركْعَتَينِ اللَّتَينِ قبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتى إنِّي أقُولُ: أقْرَأ بِأمِّ الكِتَابِ، رواه الشيخان)، وفيه سن تخفيف ركعتي الفجر.
стр. 228
٦/ ١٣٤ - (وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قرَأ فِي رَكْعَتَي الفَجْرِ: قَلْ يَا أيُّهَا الكَافِرُونَ، وَقُلْ هو الله أحَد، رواه مسلم).
وفيه سن القراءة بهاتين السورتين في ركعتي الفجر، وهو مؤيد لسن تخفيفها.
٧/ ١٣٥ - (وعنه أي عن أبي هريرة قال: قَال النَّبي ﷺ : إِذَا صلَّى أحَدُكُم الجمعةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أرْبَعًا، رواه مسلم).
وفيه أن راتبة الجمعة بعدها أربع، لكن المؤكد منها اثنان لما مر في رواية للشيخين فحكمهما حكم الظهر.
٨/ ١٣٦ - (وعنه أيضًا قال: قال النبي ﷺ إذا صلَّى أحدُكم ركْعَتين قَبْلَ صَلاة الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأيمَن، رواه أبو داود، بإسناد
стр. 229
صحيح على شرط الشيخين والترمذي.، وقال حسن صحيح).
وفيه سنّ الاضطجاع بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح , والحكمة فيه أن لا يتوهم أن صلاة الصبح رباعية، فإن لم يفصل باضطجاع فصل بكلام أو تحول من مكانه، واستحب البغوي في شرح السنة الإِضطجاع بخصوصه واختاره في المجموع للخبر السابق وقال فإن تعذر عليه فصل بكلام.
٩/ ١٣٧ - (وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ صَلاةُ الليل مَثْنَى مَثْنَى) أي اثنتان اثنتان اثنتان اثنتان، (فإِذَا خَشَي أحَدُكم الصُّبْح صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى، رواه الشيخان)، وزاد أبو داود وغيره بإسناد صحيح والنهار بعد قوله صلاة الليل).
وفيه أن السنة جعل الوتر آخر صلاة الليل وهو مقيد بما يأتي في خبر جابر، وأن وقته يخرج بدخول وقت الصبح، وأن أقله ركعة وسيأتي بيان أكثره وأكمله وأدنى كماله، وهذا الحديث عندن محمول على الأفضل، فلو جمع ركعات بتسليمة واحدة أو تطوع بركعة واحدة، جاز. وخالف مالك فيهما
стр. 230
وأبو حنيفة في الثاني عملًا بظاهر هذا الحديث، وكرر فيه مثنى مع أنه معدول عن اثنين اثنين ومثله لا يكرر كقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ للمبالغه في التأكيد، وكأنه قال صلاة الليل اثنان أربع مرات لأن مثنى بمنزلة اثنين مرتين كما مر، والمبالغة وإن حصلت اثنان أربعًا، لكن حصولها بمثنى مرتين أخصر.
١٠/ ١٣٨ - (وعن أبي هريرة ﵁ قَال: قَال النبي ﷺ أفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلَاةُ الليلِ، رواه مسلم). وهو محمول على النفل المطلق لما تقرر في الفقه أن الأفضل بعد الفريضة ما سن فيه الجماعة ثم رواتب الفريضة على تفصيل ثَمَّ.
١١/ ١٣٩ - (وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قَال النبي ﷺ الوتْرُ حَقٌّ) أي سنة مؤكدة (عَلَى كل مسْلِم مَنْ أحَبَّ أنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَل، ومَنْ أحَبَّ أنْ يُوتِرَ بثَلاثٍ فَلْيَفْعَلْ، ومَنْ أحَبَّ أنْ يوتر بِوَاحَدِةٍ
стр. 231
فَلْيَفْعَلْ، رواه أبو داود وغيره وصححه ابن حبان).
وفيه مشروعية الوتر، وهو سنة مؤكدة عندنا وعليه جمهور العلماء وخالفه أبو حنيفة وقال: بوجوبه واحتج له بقوله في هذا الخبر الوتر حق على كل مسلم وبخبر الصحيحين "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، وبخبر "أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر" رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
واحتج الجمهور بأخبار كخبر الصحيحين "هل على غيرها قال لا، إلا أن تطوعا وكخبر الترمذي وحسنه عن علي ﵁ قال ليس الوتر بحتم كهيئة مكتوبة، ولكنها سنة سنها رسول الله ﷺ .
стр. 232
وكخبر الشيخين عن ابن عمر "أن النبي ﷺ كان يصلي الوتر على راحلته ولا يصلي عليها المكتوبة.
وأجيب عن الأخبار السابقة بحملها على الندب المؤكد جمعًا بين الأدلة وعن الأول خصوصًا بأن الحنفي لا يقول به لأن فيه من أحب أن يوتر بخمس الخ. وهو يقول لا يكون الوتر إلا ثلاث ركعات، واعلم أن أقل الوتر واحدة كما مر في خبر صلاة الليل مثنى، وأدنى كماله ثلاث ركعات، وأكمل منه خمس، ثم سبع، ثم تسع، ثم إحدى عشرة، وهي أكثره على المشهور، ويدل له الخبر الآتي وقيل أكثره ثلاث عشرة، وجاءت فيه أخبار صحيحة.
ومن قال بالأول تأولها على أن الراوي حسب معها سنة العشاء.
١٢/ ١٤٠ - (وعن عائشة ﵂ قَالتْ: مَا كَانَ النبي ﷺ يَزِيدُ في رَمَضَانَ وَلَا في غَيرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أرْبعًا، فَلَا تَسْأل عَنْ حُسْنِهِن وَطُولهنَّ، ثم يُصَلِّي أرْبَعًا فَلَا تَسألْ عَنْ حسْنِهِنَّ وطُولِهن، ثم يصلي ثَلاثًا) رواه الشيخان.
стр. 233
وفيه سن الوتر بإحدى عشرة ركعة، وهي أكثره وأكمله على المشهور كما مر، وفيه أن كل أربع منها بتسليم واحد والثلاث الأخيرة بتسليم واحد وهو جائز وإن كان الأفضل لنا أن كل ثنتين بتسليم واحد، لخبر صلاة الليل مثنى مثنى مع زيادة تعدد السلام.
١٣/ ١٤١ - (وعنها) أي عن عائشة ﵂ قالت: مِنْ كُل الليلِ) متعلق بأوتر في قولها (قَدْ أوتَرَ) أي أوتر (رسول الله ﷺ ) من كل جزء من الليل، من أول الليل تارة وأوسطه أخرى وآخره أخرى (فانْتَهى وتْرُهُ إِلى السَّحَرِ) والليل ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر وما بعده نهار، وقيل ما بين الفجر وطلوع الشمس ليس بليل ولا نهار، والمراد من الليل هنا ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، لأن ما قبل ذلك ليس وقتًا للوتر، والسحر قبيل الفجر وضبطه ابن أبي الصيف اليمنى بسدس الليل، وقيل هو آخر ساعات الليل الإثني عشرة، ولعل قائله أراد بالليل ما بين الغروب والفجر، وقائل ما قبله أراد به الليل المراد هنا، وإلا فبينهما اختلاف كبير. (والحديث رواه مسلم وأصله في البخاري) وفيه سن الوتر وبيان وقته وأنه ﷺ أوتر في الليل، تارة أوله، وتارة وسطه، وتارة آخره.
стр. 234
١٤/ ١٤٢ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قَال: قال لي النبي ﷺ يا عبدَ الله لَا تَكُنْ مِثْلَ فلانٍ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيل، فَتَرَك قِيَامَ اللَّيلِ، رواه الشيخان).
وفيه الحث على قيام الليل والذم على من اعتاد قيامه ثم تركه.
١٥/ ١٤٣ - (وعن ابن عمر ﵄ قال: قَال النبي ﷺ اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتكُم بِاللَّيلِ وتْرًا، رواه الشيخان). وفيه الأمر بجعل صلاة الوتر آخر الليل بقيده الآتي في خبر جابر.
١٦/ ١٤٤ - (وعن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ مَنْ خَافَ أنْ لا يَقُومَ مِنْ آخِرِ الليلِ فَلْيُوتر أوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ) بكسر الميم (أنْ يَقُومَ آخِرَه فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيلِ، فإِن صلاة آخِرِ اللّيلِ مَشْهُودَة) أي يشهدها ملائكة الرحمة (وذَلِكَ أفْضَلُ، رواه مسلم).
стр. 235
وفيه أن الوتر سنة مؤكدة وأن تاخيره إلى آخر الليل أفضل لمن وثق بالاستيقاظ آخر الليل، وتقديمه أفضل لغيره.
قال النووي: وهذا هو الصواب، وعليه تحمل الأحاديث المطلقة كحديث "أوصاني خليلي أن لا أنام إلا على وتر".
١٧/ ١٤٥ - (وعن أم هانئ) فاختة بنت أبي طالب ﵂: قَالتْ دَخَلَ النبي ﷺ بَيتي فَصَلَّى الضُّحَى ثَمانِي رَكَعَاتٍ، رواه الشيخان).
وفيه مشروعية صلاة الضحى، وهي سنة مؤكدة، وأفضلها ما في هذا الحديث ثماني ركعات، وأقلها ركعتان، لحديث في الصحيحين وأكثرها ثنتا
стр. 236
عشرة لحديث فيه ضعف، وأدنى الكمال أربع وأفضل منه ست، ووقتها من ارتفاع الشمس إلى الزوال.
قال الماوردي: ووقتها المختار إذا مضى ربع النهار، وكان النبي ﷺ يصلي الضحى في بعض الأوقات ويتركها في بعضها خشية أن يعتقد الناس وجوبها كما ترك المواظبة على التراويح لذلك.
стр. 237
باب صلاةِ الجمَاعَةِ والإمَامَةِ
١/ ١٤٦ - (عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ صَلاةُ الجَمَاعَةِ) أي الصلاة فيها (أفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الفَذِّ) -بالمعجمة أي المنفرد (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) أي مرتبة، والمعنى أن صلاة الواحد في جماعة يزيد ثوابها على ثواب صلاته وحده سبعًا وعشرين ضعفًا.
وقيل: المعنى أن صلاة الجماعة بمثابة سبع وعشرين صلاة.
وعلى الأول: فكأن الصلاتين انتهتا إلى درجة من الثواب فوقفت صلاة الفذ عندها، وتجاوزتها صلاة الجماعة بسبع وعشرين درجة (والحديث رواه الشيخان)، وروي أيضًا حديث صلاة الرجل في الجماعة تضعف على
стр. 238
صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفًا، وفي رواية لهما جزاءً، وفي رواية لمسلم درجة.
وجمع بين الحديثين بوجوه:
منها: أن القليل لا ينفي الكثير ومفهوم العدد غير معتبر حيث لا قرينة كما هنا.
ومنها: أنه أخبر بالقليل ثم أعلمه الله بزيادة الفضل فأخبر بهما، ومثل ذلك لا يتوقف على معرفة التاريخ، فإن الفضائل لا تنسخ.
ومنها: أن ذلك يختلف باختلاف المصلين والصلاة، فتكون الزيادة لبعضهم خمسًا وعشرين، ولبعضهم سبعًا وعشرين بحسب كمال الصلاة من المحافظة على هيئاتها وخشوعها وكثرة جماعتها وفضلهم وشرف البقعة ونحو ذلك.
ومنها: أن الأول للصلاة الجهرية، والثاني للسرية لنقصها عنها باعتبار سماع قراءة الإِمام والتأمين لتأمينه.
ومنها: أن الأول لمن أدرك الصلاة كلها في الجماعة، والثاني لمن أدرك بعضها.
стр. 239
وفي كل من الحديثين الحث على الصلاة في الجماعة المشروعة لها وهي فرض كفاية في المكتوبات على الأصح، والكلام عليها مبسوط في كتب الفقه.
٢/ ١٤٧ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ أثْقَلُ الصَلاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ) -جمع منافق وهو من يظهر الإيمان ويخفي الكفر- (صَلاةُ العِشَاءِ) -لأنها وقت الإيواء والراحة- (وَصَلاةُ الفَجْرِ) أي الصبح لأنها وقت لذة النوم، أما المؤمن فلا يصرفه عن ابتغاء الأجر شيء من ذلك، وأفاد قوله أثقل أن الصلوات كلها ثقيلة على المنافقين، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إلا وَهُمْ كُسَالى﴾ [التوبة: ٥٤]. وأن بعضها أثقل من بعض (وَلَوْ يَعْلَمُونَ) أي المنافقون (مَا فِيهمَا) أي في العشاء والفجر من الثواب المرتب عليهما (لأتَوْهُمَا): ولو كان إتيانهم إليهما (حَبْوًا) -بفتح الحاء وإسكان الباء- مصدر حبا يحبو إذا زحف على إليتيه أو على يديه ورجليه كحبو الصغير، (وَلَقَدْ هَمَمْتُ) أي عرفت (أنْ آمُرَ) أصله أَأْمر بهمزتين مفتوحة فساكنة قلبت الثانية ألفًا من جنس حركة ما قبلها، (بالصَّلاةِ) أل فيها للعهد أو للجنس
стр. 240
الصادق بكل صلاة، وعلى الأول تحتمل العشاء لرواية جاءت فيها، وتحتمل الجمعة لذلك، ويحتمل العشاء والفجر، وهو الظاهر من السياق فتقام بنصبه مع الأفعال الأربعة، بعده عطفًا على آمر (ثُم آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّي بالنَّاسِ ثم أنْطَلق) معي برجال معهم حزم من حطب، (إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلاة فأُحرّق) -بضم الهمزة وتشديد الراء ويروى بتخفيفها مع إسكان الحاء (عَلَيهِمْ بُيُوتَهُمْ) كناية عن تحريقهم بالنار. (رواه الشيخان).
وفيه أن العقوبة كانت في أول الأمر بالنار وإن أجمع العلماء بعد على المنع من ذلك.
وفيه أيضًا أن الإِمام إذا عرض له شغل يستخلف من يصلي بالناس.
وفيه تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، واحتج بعضهم به على أن الجماعة فرض عين في غير الجمعة.
وأجاب القائل بأنها فرض كفاية بأن المتخلفين كانوا منافقين، وسياق الحديث يقتضيه، فهمه بتحريقهم إنما كان لنفاقهم لا لتركهم الجماعة، وبأنه
стр. 241
لم يحرقهم بل هَمَّ بتحريقهم وتركه، ولو كانت فرض عين لما تركه، ذكره النووي.
٣/ ١٤٨ - (وعنه) أي (عن أبي هريرة ﵁ قال: قَال النبي ﷺ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ) إمامًا (لِيُؤْتَمَّ) -أي يقتدى (بِهِ) فلا تختلفوا عليه (فَإذَا كَبَّرَ) - أي فرغ من تكبيرة الإِحرام (فَكَبِّروا، وإذَا رَكَعَ فَارْكعُوا، وإذَا قَال سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا) بعد قولكم ذلك (رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ) بإثبات الواو، وفي رواية بحذفها، وإنما سكت عن قوله فقولوا سمع الله لمن حمده لأنه كان معلومًا لهم، لأن الإِمام يجهر به بخلاف ربنا ولك الحمد لأنه يسر به، وهو ﷺ إنما علمهم ما جهلوه من ذلك، فالتسميع ذكر للرفع من الركوع، والتحميد ذكر للاعتدال، وتقدم في باب صفة الصلاة، (وإِذَا سَجَدَ فاسْجُدُوا، وإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وإذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ) بالرفع توكيدًا للضمير في فصلوا، أو في جلوسًا، وروي بالنصب حالًا من أحد الضميرين أو من مقدر تقديره أعنيكم أجمعين (والحديث رواه الشيخان).
وفيه وجوب متابعة الإِمام وتحريم الاختلاف عليه، والمراد في الأفعال وتكبيرة التحرم دون بقية الأقوال، نعم يحرم مقارنة تكبير المأموم للتحرم تكبير الإمام، وتقديم سلامه على سلامه، وقوله فيه: وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا عند الشافعية منسوخ بحديث الصحيحين أنه ﷺ جالسًا، وأبو بكر
стр. 242
والناس قيامًا، وكان هذا في مرض موته ﷺ ، فإنها كانت صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد وتوفي ﷺ يوم الإِثنين كما رواه البيهقي، ولولا أنه منسوخ لأتوا بالجلوس لتقدم أمره لهم به.
٤/ ١٤٩ - (وعن جابر ﵁ قال: صلى معاذ بأصْحَابِه العِشَاءَ فَطَوَّلَ عليهم، فقال النبي ﷺ ) وقد شُكِيَ له تطويله (أتُرِيدُ أن تَكُونَ يا مُعَاذُ فَتَّانًا، إِذَا أمَمْتَ الناسَ فاقْرَأ بالشمْسِ وضُحَاهَا، وسَبِّح اسمَ رَبّكَ الأعْلَى، واقرأ باسمِ رَبِّكَ، واللَّيلِ إِذَا يَغْشَى) أي ونحوها والواو في ذلك بمعنى أو، (رواه الشيخان).
وفيه طلب تخفيف الصلاة من الإِمام بحيث لا يخل بسنتها ومقاصدها، والرفق بالضعفاء في أمورهم.
стр. 243
تنبيه: اختلفت الروايات في أن القصة في العشاء أو المغرب وأن القراءة كانت بالبقرة أو باقتربت الساعة، وقد جمع بينهما في المجموع بأنهما قضيتان لشخصين، ثم قال: وجمع بعضهم بين روايتي قراءة البقرة واقتربت بأنه قرأ هذه في ركعة، وهذه في ركعة، وقد بسطت الكلام على ذلك في شرح الروض.
٥/ ١٥٠ - (وعن أبي هريرة ﵁ قَال: قَال النبي ﷺ : إذَا أمَّ أحَدُكُم النَّاسَ فَلْيُخففْ، فَإِن فِيهِمُ الصَّغِيرَ والْكَبِيرَ وَالضعِيفَ وذا الحاجَةِ. رواه الشيخان إلا الصغير، فمسلم).
وفيه ما في الذي قبله بالاهتمام بتعليل الأحكام، وتقدم إيضاحه في باب الوضوء.
٦/ ١٥١ - (وعن عائشة ﵂ في قصة صلاة النبي ﷺ بالناس وهو مريض -قَالتْ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أبِي بَكْرٍ فَكَانَ يُصَلِّي
стр. 244
بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأبُو بَكْرٍ) يصلي (قَائِمًا يَقْتَدِي) به (أبُو بَكْرٍ بِصَلاةِ النبي ﷺ وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلاةِ أبيِ بَكْرٍ، رواه الشيخان).
وفيه أن الإِمام في هذه الصلاة هو النبي ﷺ ، وقد يروي البيهقي وغيره أنه ﷺ صلى في مرض وفاته خلف أبي بكر.
قال في المجموع: إن صح هذا كان مرتين كما أجاب به الشافعي والأصحاب. وظاهر حديث عائشة أن الناس اقتدوا بأبي بكر مع أنه مأموم لا يصح الاقتداء به لامتناع اجتماع وصفي الاستقلال والتبعية، وهو محمول على أنهم كانوا مقتدين به ﷺ ، وأبو بكر يسمعهم التكبير كما رواه الشيخان أيضًا، ولهذا قال فيه: "ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر"، ولم يقل بأبي بكر.
٧/ ١٥٢ - (وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال: قَال النبي ﷺ : يَؤُمُ الْقَوْمُ اقْرَؤُهُم لِكِتَابِ اللهِ) أي أكثرهم قرآنًا (فَإنْ كانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأقْدَمُهُم هِجْرَةً) إلى النبي ﷺ ، أو إلى دار الإِسلام، (فَإنْ كَانُوا فِي الهُجْرَةِ سَوَاء، فَأقْدَمُهُمْ سِلْمًا) أي إسلامًا، (وفي رواية سنًّا) أي في الإسلام، (وَلَا
стр. 245
يَؤُمَّنَّ الرَّجُلَ) الرجل مثلًا (في سُلْطَانِهِ) - أي سلطنته (إلّا بِإذْنِه، وَلَا يقْعُدْ في بَيته عَلَى تَكْرِمَتِهِ) بفتح التاء وكسر الراء، وهي ما يختص به الإِنسان من فراش ووسادة ونحوهما.
وقيل: المائدة (إِلّا بِإذْنِهِ) فيجوز ذلك (رواه مسلم).
وفيه أن الأقرأ أولى من الأفقه المعبر عنه بأعلمهم بالسنة، وهو عكس ما نص عليه الشافعي لأن افتقار الصلاة للفقه لا ينحصر، بخلاف القرآن.
وأجاب عن الخبر بأن الصدر الأول كانوا يتفقهون مع القراءة، فلا يوجد قارئ إلا وهو فقيه، فلو اجتمع الوالي وقوم بمحل ولايته، قدم عليهم حتى على الأفقه والأقرأ وإمام المسجد وصاحب البيت أو نحوه إذا أذن في إقامة الصلاة فيه، فإن لم يتقدم الوالي، تقدم هو أو قدم من يصلح للإمامة، وإن كان غيره أصلح منه، لأن الحق فيها له، ويراعى في الولاة تفاوت الدرجة، ولو اجتمع قوم لا والي فيهم بمحل، فإن كانوا بمسجد له إمام قدم إمامه، أو بغيره، فإن كان يملك قدم ساكنه بحق، لكن المعير مقدم على المستعير، والسيد على رقيقه غير المكاتب، أو بمباح أو مسجد لا إمام له قدم الأفقه، فالأقرأ فالأورع فأقدمهم هجرة فأكبرهم إسلامًا، فأنظفهم ثوبًا وبدنًا وصنعة، فأحسنهم صوتًا فصورة وقد أوضحت ذلك وبسطت الكلام عليه في شرح المنهج وغيره.
стр. 246
٨/ ١٥٣ - (وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : سوُّوا صُفُوفَكُمْ) بأن تعتدلوا فيها وتسدوا فُرجَهَا (فَإن تَسْوَيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ، وفي رواية من حسن (الصَّلاةِ، رواه الشيخان).
وصرف الأمر عن الوجوب أن تمام الشيء أمر زائد على حقيقته غالبًا والمسوِّي لها هو الإِمام، وكذا غيره لكنه أولى، والسر في تسويتها مبالغة المتابعة، فقد روى مسلم من حديث جابر بن سمرة: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها، قلنا يا رسول الله وكيف تُصف الملائكة عند ربها، قال: يُتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف، والمطلوب من تسويتها محبة الله لعباده.
٩/ ١٥٤ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : خَيرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أوَّلُها، وَشَرُّهَا آخِرُها، وَخَيرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُها، وشَرُّهَا أوَّلُهَا، رواه مسلم).
стр. 247
وفيه أن السنة تقديم الرجال وتأخير النساء إذا حضروا جميعًا، وصفوف الرجال على عمومها، فخيرها أولها وشرها آخرها أبدًا، وأما صفوف النساء فالمراد صفوف الحاضرات مع الرجال، فلو صلين وحدهن فهن كالرجال خير صفوفهن أولها وشرها آخرها.
والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء أقلها ثوابًا وفضلًا وأبعدها من مطلوب الشرع، وخيرها بعكسه، وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن من مخالطة الرجال ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك, وذم أول صفوفهن بعكس ذلك.
واعلم أن الصف الأول الممدوح الذي وردت الأحاديث بفضله والحث عليه هو الصف الذي يلي الإمام سواء جاء صاحبه متقدمًا أم متأخرًا وسواء تخلله مقصودة ونحوها كمنبر وعمود أم لا.
وقيل شرطه أن يأتي صاحبه متقدمًا، وأن لا يتخلله شيء من ذلك وكل منهما غلط صريح، نبه على ذلك النووي في شرح مسلم.
١٠/ ١٥٥ - (وعن ابن عباس ﵄ قال: صَلَّيتُ مع النبي ﷺ ذَاتَ لَيلَةٍ) بزيادة ذات للتأكيد (فَقُمتُ عَنْ يَسَارِه، فَأخَذَ بَرأسِي مَنْ وَرَائِي) وفي أخرى فأخذ برأسي وفي أخرى بذؤابتي أي ناحيتي، وفي أخرى بيدي،
стр. 248
وفي أخرى بعضوي، وفي أخرى فتناولني من خلف ظهري وفي أخرى فأخذ بيدي أو عضدي، وفي أخرى بأذني، وفي أخرى فوضع يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يفتلها، وهذه الرواية مع الأولى جامعتان للروايات كلها (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينهِ، رواه الشيخان).
وفيه أنه يجوز نوم محرم المرأة في بيت زوجها إذا لم يتضرر الزوج، وأن أقل الجماعة اثنان وأنها تحصل بالصبي المميز، وكان سن ابن عباس إذ ذاك عشر سنين كما رواه أحمد، وأن موقف الصبي موقف الرجل في الصف عن يمين الإمام، وأن الجماعة تجوز في النفل في صلاة الليل، وأن الإِمام إذا اطلع على مخالفة من المأموم يرشده إليها بالفعل وهو في الصلاة، وأن العمل اليسير لا يبطل الصلاة ولا يسجد لسهوه، وأن المأموم إذا وقف بغير موقفه تحول إلى موقفه إذا لم تتكرر الأفعال ثلاثًا متوالية، وأن مبيته عند النبي ﷺ ليراقب أفعاله فيستفاد منه.
стр. 249
مسألة وهي طلب علو السند في الرواية، فإنه كان يكتفي بأخبار خالته ميمونة.
وفيه فضل قيام الليل، وكان واجبًا عليه ﷺ ثم نسخ وجوبه عليه على الأصح.
١١/ ١٥٦ - (وعن أنس ﵁ قال: صلى النبي ﷺ ) نافلة مطلقة بالنهار (فَقُمْتُ أنَا وَيَتيمٌ خَلْفَهُ، وَأمُّ سُلَيمٍ) وهي أم أنس (خَلْفَنَا) واليتيم فعيل لغير مبالغة على غير القياس، يقال فيه يتم الصبي بالكسر ييتم بالفتح يتمًا ويتمًا بالإِسكان فيهما، (والحديث رواه الشيخان واللفظ للبخاري).
стр. 250
وفيه صحة صلاة الصبي المميز، وأن له موقف في الصف كالرجل وهو ما عليه الجمهور، وأن الإِثنين يكونان صفًّا، وقيل: لا بل يكون أحدهما عن يمين الإِمام والآخر عن يساره، وأن موقف المرأة في الصلاة خلف الصبي وإن لم يكن معها أخرى.
١٢/ ١٥٧ - (وعن أبي بكر نفيع بن الحارث ﵁ أنه انْتَهَى إلى النبي ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِ) وفي رواية لأبي داود ثم مشى إلى الصف (فقال له النبي ﷺ زَادَكَ الله حِرْصًا ولا تعُدْ، رواه البخاري).
وفيه أن صلاة المنفرد خلف الصف منعقدة وأنها مكروهة، وأنه يسن الدعاء لمن بادر بالخير وحرص عليه.
следующие страницы →