Полный текст (693 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
٨/ ١٥٣ - (وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : سوُّوا صُفُوفَكُمْ) بأن تعتدلوا فيها وتسدوا فُرجَهَا (فَإن تَسْوَيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ، وفي رواية من حسن (الصَّلاةِ، رواه الشيخان).
وصرف الأمر عن الوجوب أن تمام الشيء أمر زائد على حقيقته غالبًا والمسوِّي لها هو الإِمام، وكذا غيره لكنه أولى، والسر في تسويتها مبالغة المتابعة، فقد روى مسلم من حديث جابر بن سمرة: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها، قلنا يا رسول الله وكيف تُصف الملائكة عند ربها، قال: يُتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف، والمطلوب من تسويتها محبة الله لعباده.
٩/ ١٥٤ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : خَيرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أوَّلُها، وَشَرُّهَا آخِرُها، وَخَيرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُها، وشَرُّهَا أوَّلُهَا، رواه مسلم).
стр. 247
وفيه أن السنة تقديم الرجال وتأخير النساء إذا حضروا جميعًا، وصفوف الرجال على عمومها، فخيرها أولها وشرها آخرها أبدًا، وأما صفوف النساء فالمراد صفوف الحاضرات مع الرجال، فلو صلين وحدهن فهن كالرجال خير صفوفهن أولها وشرها آخرها.
والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء أقلها ثوابًا وفضلًا وأبعدها من مطلوب الشرع، وخيرها بعكسه، وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن من مخالطة الرجال ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك, وذم أول صفوفهن بعكس ذلك.
واعلم أن الصف الأول الممدوح الذي وردت الأحاديث بفضله والحث عليه هو الصف الذي يلي الإمام سواء جاء صاحبه متقدمًا أم متأخرًا وسواء تخلله مقصودة ونحوها كمنبر وعمود أم لا.
وقيل شرطه أن يأتي صاحبه متقدمًا، وأن لا يتخلله شيء من ذلك وكل منهما غلط صريح، نبه على ذلك النووي في شرح مسلم.
١٠/ ١٥٥ - (وعن ابن عباس ﵄ قال: صَلَّيتُ مع النبي ﷺ ذَاتَ لَيلَةٍ) بزيادة ذات للتأكيد (فَقُمتُ عَنْ يَسَارِه، فَأخَذَ بَرأسِي مَنْ وَرَائِي) وفي أخرى فأخذ برأسي وفي أخرى بذؤابتي أي ناحيتي، وفي أخرى بيدي،
стр. 248
وفي أخرى بعضوي، وفي أخرى فتناولني من خلف ظهري وفي أخرى فأخذ بيدي أو عضدي، وفي أخرى بأذني، وفي أخرى فوضع يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يفتلها، وهذه الرواية مع الأولى جامعتان للروايات كلها (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينهِ، رواه الشيخان).
وفيه أنه يجوز نوم محرم المرأة في بيت زوجها إذا لم يتضرر الزوج، وأن أقل الجماعة اثنان وأنها تحصل بالصبي المميز، وكان سن ابن عباس إذ ذاك عشر سنين كما رواه أحمد، وأن موقف الصبي موقف الرجل في الصف عن يمين الإمام، وأن الجماعة تجوز في النفل في صلاة الليل، وأن الإِمام إذا اطلع على مخالفة من المأموم يرشده إليها بالفعل وهو في الصلاة، وأن العمل اليسير لا يبطل الصلاة ولا يسجد لسهوه، وأن المأموم إذا وقف بغير موقفه تحول إلى موقفه إذا لم تتكرر الأفعال ثلاثًا متوالية، وأن مبيته عند النبي ﷺ ليراقب أفعاله فيستفاد منه.
стр. 249
مسألة وهي طلب علو السند في الرواية، فإنه كان يكتفي بأخبار خالته ميمونة.
وفيه فضل قيام الليل، وكان واجبًا عليه ﷺ ثم نسخ وجوبه عليه على الأصح.
١١/ ١٥٦ - (وعن أنس ﵁ قال: صلى النبي ﷺ ) نافلة مطلقة بالنهار (فَقُمْتُ أنَا وَيَتيمٌ خَلْفَهُ، وَأمُّ سُلَيمٍ) وهي أم أنس (خَلْفَنَا) واليتيم فعيل لغير مبالغة على غير القياس، يقال فيه يتم الصبي بالكسر ييتم بالفتح يتمًا ويتمًا بالإِسكان فيهما، (والحديث رواه الشيخان واللفظ للبخاري).
стр. 250
وفيه صحة صلاة الصبي المميز، وأن له موقف في الصف كالرجل وهو ما عليه الجمهور، وأن الإِثنين يكونان صفًّا، وقيل: لا بل يكون أحدهما عن يمين الإِمام والآخر عن يساره، وأن موقف المرأة في الصلاة خلف الصبي وإن لم يكن معها أخرى.
١٢/ ١٥٧ - (وعن أبي بكر نفيع بن الحارث ﵁ أنه انْتَهَى إلى النبي ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِ) وفي رواية لأبي داود ثم مشى إلى الصف (فقال له النبي ﷺ زَادَكَ الله حِرْصًا ولا تعُدْ، رواه البخاري).
وفيه أن صلاة المنفرد خلف الصف منعقدة وأنها مكروهة، وأنه يسن الدعاء لمن بادر بالخير وحرص عليه.
стр. 251
١٣/ ١٥٨ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ إذَا سَمِعْتُم الإِقَامَة فامْشُوا إِلى الصَّلاةِ وَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ) عطفه على السكينة عطف تفسير، ولتأكد طلبها إليه مع زيادة بقوله (وَلَا تُسْرِعُوا فَمَا أدْرَكتُم فَصَلُّوا، ومَا فَاتَكُمْ فَأتِمُّوا) وفي رواية فاقضوا، وهي بمعنى أتموا وأدوا (رواه الشيخان).
وفيه أنه يسن لقاصد الجماعة أن يمشي إليها بسكينة ووقار سواء خاف فوت التحرم وغيره أم لا، ويسن أن لا يعبث في طريقه إلى الصلاة ولا يتعاطى ما لا يليق بالصلاة لخبر مسلم، فإن أحدكم في صلاة ما دام لم يعمد إلى الصلاة.
١٤/ ١٥٩ - (وعن أبي بن كعب) هو ابن قيس بن عبيد بن زيد بن
стр. 252
معاوية الأنصاري الخزرجي المدني ﵁ قال: قال النبي ﷺ صَلاة الرَّجُلِ مَعَ الرجلِ) مثلًا (أزْكَى مِنْ صَلاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلاته مَعَ الرَّجُلَينِ أزْكَى مِنْ صَلاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أكْثَر فَهُوَ أحَبّ إلى الله ، رواه أبو داود وغيره وصححه ابن حبان).
وفيه أن صلاة الشخص في جماعة أفضل من صلاته وحده، وصلاته في جمع كثير أفضل منها في جمع قليل ما لم يعارضه ما يمنع من ذلك كفسق إمام الأكثر جماعة أو بدعته كما هو مبسوط في كتب الفقه.
стр. 253
باب كيفية صلاة المسافرين من حيث القصر والجمع
١/ ١٦٠ - (عن عائشة ﵂ قَالت: أوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكعَتَينِ، فَأقِرّتْ صَلاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاة الْحَضَرِ، رواه الشيخان).
وفيه جواز قصر الرباعية في السفر إلى ركعتين ولو في خوف وعن ابن عباس جوازه في الخوف إلى ركعة، والجمهور على الأول، وتأولوا خبر مسلم عن ابن عباس "فرضت الصلاة في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة" على أن المراد ركعة مع الإِمام، وينفرد بالأخرى كما هو المشروع فيها. وشرط القصر أن تكون الصلاة رباعية مكتوبة مؤداة أو فائتة سفر قصر في سفر قصر وسيأتي بيانه.
٢/ ١٦١ - (وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ إِنَّ الله يُحِبُّ أنْ تَؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَه أنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ) وفي رواية كما يحب أن
стр. 254
تؤتى عزائمه، (رواه ابنا خزيمة وحبان في صحيحيهما).
وفيه مطلوبية فعل الرخص كالعزائم، وكراهة فعل المعصية.
٣/ ١٦٢ - (وعن أنس ﵁ قال: خَرَجْنَا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَينِ رَكْعَتَينِ حَتَّى رَجَعْنَا إلى المَدِينَةِ، رواه الشيخان واللفظ للبخاري).
وفيه جواز القصر في السفر الطويل وهو ثمانية وأربعون ميلًا هاشمية ذهابًا، وهي مرحلتان بسير الأثقال وذلك مبسوط في كتب الفقه.
٤/ ١٦٣ - (وعن أبي عبد الرحمن معاذ بن جبل) بمعجمة بن عمرو بن
стр. 255
أوس الأنصاري الخزرجي المدني ﵁ قال: جَمَعَ رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بَينَ الظهرِ والعصرِ، وبَينَ المْغرِبِ والعَشَاءِ، رواه مسلم).
وفيه جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في السفر الطويل ولمسلم رواية أخرى عن معاذ أيضًا بلفظٍ "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا، وزاد فيها شيخنا في بلوغ المرام، في الرواية الأولى تبعًا لبعضهم "والمغرب والعشاء جميعًا" فالواقف على كلامه يظن أن ذلك رواية واحدة وليس كذلك.
تنبيه: يجوز الجمع عندنا بعذر المطر بشروط مذكورة في كتب الفقة.
٥/ ١٦٤ - (وعن ابن عباس ﵄ قَال: أقَامَ النبي ﷺ تِسْعَةَ
стр. 256
عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ) وفي رواية ثمانية عشر، وفي أخرى سبعة عشر، وفي أخرى خمسة عشر، وفي أخرى تسعة عشر، وفي أخرى عشرين، رواها كلها أبو داود إلا تسعة عشر (فالبخاري) واختارها ابن الصلاح والسبكي لصحتها، ولي بهما أسوة، ورجح أئمتنا رواية ثمانية عشر وإن كان في سندها ضعيف لما قام عندهم من أن لها شواهد تجبرها وراويها لم يعد منها يومي الدخول والخروج، وراوي العشرين عدهما، وراوي التسعة عشر عد أحدهما فقط فلا منافاة بين الثلاث، ورواية خمسة عشر ضعيفة لم يخبر، وأما رواية سبعة عشر، فلم يعتبروها مع صحة سندها لما قام عندهم، وفيه نظر. وقد جمع شيخنا حافظ عصره الشهاب بن حجر تبعًا للإِمام البيهقي
стр. 257
بين روايات تسعة عشر وثمانية عشر وسبعة عشر بجمع ليس بصحيح وإن زعم أنه متين، وقد أوضحت ذلك في شرح الروض.
وكل جواز القصر المدة المذكورة فيمن له حاجة يتوقع انقضاءها كل وقت.
стр. 258
بابُ الجُمُعَةِ
الجمعة بضم الميم وسكونها وفتحها، وحكي كسرها.
١/ ١٦٥ - (عن ابن عمر وأبي هريرة ﵃ قال: قال النبي ﷺ لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ) -أي تركهم- (الجُمُعاتِ، أوْ لَيَخْتِمَنَّ الله عَلَى قُلُوبِهمْ، ثمَّ لَيَكُونُنَّ) -بضم النون الأولى- (مِنَ الْغَافِلينَ، رواه مسلم).
وفيه أن الجمعة فرض عين، ومعنى الختم الطبع والتغطية كما قالوا في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ومثله: الرين، وقيل الرين أيسر من الطبع والطبع أيسر من الأقفال، والأقفال أشدهما.
٢/ ١٦٦ - (وعن سلمة بن عمرو بن الأكوع) سنان المدني الحجازي ﵁ قال: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النبي ﷺ الجُمُعَةِ، ثُمَّ
стр. 259
نَنْصَرِفُ وَلَيسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يُسْتَظَلُّ بِهِ، رواه الشيخان، واللفظ للبخاري.
وفَيه أن وقت الجمعة وقت الظهر لا يجوز فعلها إلا بعد الزوال إذ آخر الحديث لا ينفي أصل الظل، بل القدر الذي يستظل به.
قال أهل الحساب: عرض المدينة خمس وعشرون درجة، فغاية الارتفاع تسع وثمانون فلا تسامت الشمس الرؤوس، وحينئذ فلا بد من ظل تحت كل شاخص فلا يلزم من ذلك وقوع الصلاة ولا شيء من خطبتها قبل الزوال.
والظل أصله الستر، ومنه أنا في ظل فلان، وظل الجنة، وظل الليل سواده، والمراد عند الإِطلاق ظل الشاخص سواءِ كان قبل الزوال أم بعده، والفيء لا يكون إلا بعده فهو أخص منه لأنه يفيء أي يرجع من جانب إلى جانب.
٣/ ١٦٧ - (وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ مَنْ أدْرَكَ) مع الإِمام (رَكْعَةً مِنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ وَغَيرهَا) من الصلاة الثنائية كالصبح (فَلْيُضِفْ إِلَيهَا أخْرَى، وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، رواه الدارقطني وغيره، بإسناد صحيح).
стр. 260
وفيه أن الجمعة ونحوها إنما يدركهما المأموم المسبوق إذا أدرك مع الإِمام ركعة ثم ضم إليها أخرى، وهو عندنا كذلك في الجمعة، أما غيرها فلا يتوقف على إدراكه مع الإمام ركعة.
والفرق أن الجماعة في الجمعة شرط في الركعة الأولى منها بخلاف غيرها.
стр. 261
٤/ ١٦٨ - (وعن أبي عبد الله) جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب ﵄ قال: كَانَ النبي ﷺ يَخْطبُ قَائِمًا ثمَّ يَجْلِسُ، ثمَّ يَقُومُ فَيَخْطبُ قَائِمًا، فَمَنْ أنْبَأَكَ أنَّه كَانَ يَخْطبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ، رواه مسلم).
وفيه أن الخطيب يكون قائمًا وهو شرط في صحة الخطبة، ويسن اتخاذ المنبر للخطبة، فإن تعذر فموضع عال ليبلغ صوت الخطيب جميع القوم ولينظروه فيكون أوقع في النفس.
٥/ ١٦٩ - (وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان النبي ﷺ إِذَا خَطَبَ، احْمَرَّتْ عَينَاهُ، وَعَلا صَوْتُه، واشتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأنَّه مُنْذِرُ
стр. 262
جَيشٍ) -حال كونه (يقُولُ) للقوم (صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ) - أي منذر الجيش - (ويقُولُ أمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ) أي القرآن (وَخَيرَ الهَدْي هَدْي محمد) بفتح الهاء وإسكان الدال فيهما، أي خير السيرة والطريقة سيرة محمد وطريقته (وشَرَّ الأمُورِ محْدَثَاتُهَا وَكلَّ بِدْعَةٍ) بكسر الباء وهي لغة كل شيء عمل على غير مثال سابق، وشرعًا إحداث ما لم يكن في عهد النبي ﷺ (ضَلالة، رواه مسلم).
وفيه جمل من الفوائد ومهمات من القواعد:
منها: أنه يسن للخطيب يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته ويحرك كلامه ويكون مطابقًا لما تكلم فيه من ترغيب وترهيب.
قال النووي: ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا. ومنها أنه يسن أن يقال في الخطب أما بعد، واختلف في أول من تكلم به فقيل داود ﷺ ، وقيل يعرب بن قحطان وقيل قيس بن ساعدة، وقيل غير ذلك، قيل وهو فصل الخطاب الذي أوتيه داود، قال المحققون: فصل الخطاب الفصل الذي بين الحق والباطل.
стр. 263
ومنها أن كل بدعة ضلالة، وهو عام مخصوص والمراد غالب البدع قال العلماء: البدعة خمسة أقسام واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة فمن الواجب نظم أدلة المتكلمين بالرد على المبتدعين والاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله تعالى، وكلام نبيه ﷺ .
ومن المندوبة أحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول.
ومنها التراويح ولهذا قال عمر ﵁ فيها "نعمة البدعة" وينبغي حمله على دوامها جماعة وإلا فقد صح أنه ﷺ صلاها ليالي بجمع، ثم تأخر وصلاها في بيته باقي الشهر كما أوضحته في شرح مختصر المزني، ومن المحرمة اعتقاد مذهب القدرية أو الجبرية أو المرجئة أو المجسمة أو نحوهم.
ومن المكروهة زخرفة المساجد وتزويق المصاحف.
стр. 264
ومن المباحة المصافحة عقب الصبح والعصر والتوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن، وليس الطيالسة وتوسيع الأكمام، وقد يختلف في بعض ذلك فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة وبعضهم من غير البدع، نبه على ذلك النووي في تهذيبه.
٦/ ١٧٠ - (وعن عمار بن ياسِر ﵄ قال: قال النبي ﷺ إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ) بفتح الميم ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة (مِنْ فِقْهِهِ) أي علامة عليه وكل شيء دل على شيء فهو مئنة له.
قال ابن الأثير: وحقيقتها أنها مفعلة من إن التي للتخفيف والتأكيد ومن أغرب ما قيل فيها: أن الهمزة بدل من ظاء مظنّة، وميمها في ذلك كلمة زائدة، وقيل أصلية والمراد بطول صلاته الجمعة أنها أطول من خطبتها وإلا فهي قصيرة كخطبتها لخبر مسلم. كانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا أي بين الطول الظاهر والتخفيف الماحق.
٧/ ١٧١ - (وعن جابر هو ابن عبد الله ﵁ قال: دَخَلَ رَجُلُ) هو سليك الغطفاني بضم السين (يَوْمَ الجُمُعةِ، والنبي ﷺ يَخْطبُ فَقَال له صَلَّيتَ؟ ) أي تحية المسجد ويحتمل سنة الجمعة ويؤيده رواية ابن ماجه
стр. 265
أصليت قبل أن تجيء (قَال لَا، قَال: قُمْ فَصَلِّ رَكعَتَينِ، رواه الشيخان)
وفيه أنه يسن لمن دخل المسجد والإمام يخطب أن يصلي التحية. وأما خبر ابن عمر "إذا خطب الإِمام فلا صلاة ولا كلام" فغريب ضعيف ولو صح حمل على ما زاد على ركعتين أو على ابتداء نفل بعد جلوس تفوت به التحية جمعًا بين الأدلة.
وفيه أن التحية لا تفوت بجلوس الداخل، ومحله إذا جلس ناسيًا أو
стр. 266
جاهلًا للحكم وقصر الفصل، وإلا فهي تفوت بجلوسه، وفيه جواز الكلام للخطيب في الخطبة لحاجة التعليم ونحوه وجواز جوابه للمستمع وغيره، والأمر بالمعروف والإِرشاد إلى المصالح:
وفي قوله: صليت، جواز حذف همزة الاستفهام من الفعل المستفهم عنه إذ الأصل أصليت، وقد حمل عليه بعضهم قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي أفمن نفسك وهو كثير لكثرة الاستعمال.
٨/ ١٧٢ - (وعن ابن عباس ﵄ قال: كَانَ النبي ﷺ يَقْرَأ في صلاةِ الجُمُعةِ) في الركعة الأولى (سورة الجمعة) وفي الثانية (سورة المنَافِقِينَ).
٩/ ١٧٣ - (وعن أبي عبد الله النعمان بن بشير) هو ابن سعد بن ثعلبة ﵄ قال كَانَ النبي ﷺ يَقْرَأ في العِيَدينِ والجُمُعَةِ) في الركعة الأولى (سَبِّح اسْمَ ربِّك الأعْلَى) وفي الثانية بسورة (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ الغَاشيَةِ) (رواهما مسلم).
стр. 267
وفي الأول سن قراءة سورتي الجمعة والمنافقين، وفي الثانية سن قراءة سورتي ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾.
قال النووي في مجموعه: فالصواب أن هاتين تارة وهاتين أخرى والأشهر عن الشافعي والأصحاب الجمعة والمنافقون.
قال الشافعي: فإن قرأ في الأولى المنافقين قرأ في الثانية الجمعة، قال المتولي وغيره: ولا يعيد المنافقين، ولو قرأ في الأولى غير الجمعة والمنافقين، قال أصحابنا قرأ في الثانية السورتين بخلاف ما لو ترك الجهر في أولى العشاء لا يجهر في الأخريين لأن السنة فيهما الإِسرار، فلا يمكن تدارك السنة الفائتة، إلا بتفويت سنة مشروعة الآن بخلاف ما هنا. انتهى كلام النووي.
١٠/ ١٧٤ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ من اغْتَسَلَ، ثم أتَي الجُمُعَةَ فصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثم أنْصَتَ حَتى يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ خطْبَتِهِ، ثم يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَينَهُ وَبَينَ الجُمعَةِ الأخْرَى) أي من الصغائر، (و) غفر له (فَضْل) أي ما فضل، أي زاد - على ذلك في (ثَلاثَةِ أيَّامٍ، رواه مسلم.
وفي رواية أخرى له "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام".
стр. 268
وفيه فضيلة الغسل وأنه ليس بواجب للرواية الثانية، فهو سنة لكل من أراد حضور الجمعة وإن لم تلزمه، وأنّه يُسن التنفل قبل خروج الإِمام للخطبة، وأنه لا حدّ للنفل المطلق وأنه يسن الإِنصات لها.
وحكمة زيادة ما في الثلاثة أيام أن مجموع ما في الحديث حسنة وإن اشتمل على حسنات، والحسنة بعشر أمثالها وما بينه وبين الجمعة الأخرى ذنوبه في سبعة أيام فزيد عليها ذنوبه في الثلاثة لتكمل له العشر.
فإن قلت ما بينه وبين الجمعة الأخرى مستغرق لجميع ما في الأيام فلم يبق شيء حتى يغفر.
قلت: المراد بالغفران التفضل والإِحسان، فيكون الزائد على ذلك رافعًا للدرجات.
стр. 269
١١/ ١٧٥ - (وعنه) أي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ من اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةَ) لها (ثمَّ رَاحَ) أي مضى (في السَّاعَةِ الأولى) -وأولها من الفجر، وقيل من طلوع الشمس- (فَكَأنَمَا قَرَّبَ) أي تصدق، وفي رواية أهدى (بَدَنَة)، والمراد بها هنا الواحد من الإِبل، ولو ذكرًا، وسميت بدنة لعظم بدنها فيما يؤلف (وَمَنْ رَاحَ في السَاعةِ الثانيةِ فَكَأنَّمَا قرّبَ بَقَرَة) ولو ذكرًا وسميت بقرة لأنها تبقر الأرض أي تشقها بالحرث، والبقر الشق، ويقال فيها باقورة، وانخفاض مرتبتها هنا عن البدنة موافق لما في الأضحية من حيث الأفضلية المناسبة لما هنا مخالف له من حيث إجزاء كل منهما عن سبعة ثَمّ، ويفرق بأن المعتبر هنا كبر الجثة في البدنة مع كونها أحب أموال العرب وأنفسها عندهم، وثَمَّ كثرة اللحم وأطيبيته وهو في البدنة أكثر وفي البقرة أطيب فتعادلا فسُوي بينهما (وَمَنَ رَاحَ في السَّاعةِ الثالِثة فَكَأنَّمَا قَرَّب كَبْشًا) وهو الفحل من الضأن ووصفه بقوله (أقْرَن) لكماله وحسن صورته، ولأن قرنه ينتفع به، وفي صحيح ابن خزيمة شاة بدل كبش، وهي محمولة عليه (وَمَنْ رَاحَ في الساعةِ الرابعةِ فَكأنَّما قَرَّبَ دَجَاجَة) بفتح الدال أفصح من كسرها وحكي ضمها، وفي صحيح ابن خزيمة طائرًا بدل دجاجة، وهو محمول عليها -ومن راح في الساعة الخامسة فكانما قرب بيضة والمتبادر أنها بيضة دجاجة وجمعها بيض، وجمع البيض بيوض، قاله ابن سيده، وفي النسائي بعد الكبش بطة ثم دجاجة ثم بيضة.
وفي رواية له بعد الكبش دجاجة ثم عصفورًا ثم بيضة وإسنادهما
стр. 270
صحيح، وبذلك يصح استيعاب الست ساعات التي هي نصف النهار، وليس المراد بها الساعات الفلكية، بل أوقات ترتب فيها درجات السابقين على من يليهم في الفضيلة، وقد أوضحت ذلك في شرح الروض، فمن جاء في أول ساعة منها ومن جاء في آخرها مشتركان في تحصيل البدنة مثلًا، لكن بدنه الأول أكمل من بدنة الآخر، وبدنة المتوسط متوسطة.
ومحل ما ذكر في غير الإِمام، أما الإِمام فيسن له التأخر إلى وقت الخطبة إتباعًا للنبي ﷺ وخلفائه (فَإِذَا خَرَجَ الإِمَام) للخطبة (حَضَرتِ المَلائِكَةُ) بفتح الضاد أفصح من كسرها (يَسْتَمِعُونَ الذِّكر، رواه الشيخان).
وفيه أنه يسن الغسل للجمعة وقد مر بزيادة، وأنه يسن البكور إليها، وأن حضور الملائكة مقارن لخروج الإِمام للخطبة المشتملة على ذكر الله تعالى والوعظ، والمراد بالملائكة المذكورين غير الحفظة، بل هؤلاء وظيفتهم كتابة من يحضر الجمعة أولًا فأولًا ويستمعون الذكر.
١٢/ ١٧٦ - (وعنه) أي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ذَكرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَال: فِيهِ سَاعَة لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائمٌ يُصَلِّي) -فيه تغليب الصلاة على الخطبة- (يَسْألُ الله شَيئًا إلا أعطاه إِيَّاهُ، وأشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا، رواه الشيخان).
стр. 271
وفيه الحث على الدعاء في هذه الساعة الآتي بيانها في قوله:
١٣/ ١٧٧ - (وعن أبي بردة هانئ) -بنون ثم همزة- (عن أبيه نيار) بنون مكسورة ثم ياء تحتية ابن عمرو بن عبيد بن كلاب المدني ﵄ قَال: قال النبي ﷺ : هِيَ مَا بَينَ أنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أنْ تُقْضَى الصَّلاةُ) بضم التاء الفوقية، (رواه مسلم).
وقيل: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، وقيل: هي عند الزوال، وقيل: من الزوال إلى أن يصير الظل نحو ذراع، وقيل: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقيل: من صلاة العصر إلى الغروب، وقيل: هي مخفية في اليوم كله كليلة القدر، وروي في جميعها أخبار قال النووي: والصحيح بل الصواب من هذه الأقوال ما رواه مسلم. قال القاضي عياض: وليس معنى هذه الأقوال أن هذا كله وقت لها بل معناها أنها في أثناء ذلك الوقت لقوله في الحديث السابق، "وأشار بيده يقللها" وفي رواية وهي ساعة حفيفة،
стр. 272
وفي قوله فيه "وهو قائم يصلي" تغليب الصلاة على ما قبلها في بعض الأقوال المذكورة، وبقاء الصلاة على حقيقتها.
وأما على القول بأنها من صلاة العصر إلى الغروب، فمعنى "يصلي" في خبر مسلم يدعو، ومعنى "قائم" ملازم ومواظب كقوله تعالى: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيهِ قَائِمًا﴾.
стр. 273
باب صلاة الخوف
أي كيفيتها من حيث أنه يحتمل في الصلاة فيه ما لا يحتمل فيها في غيره، والخوف غَمٌّ على ما سيكون بخلاف الحزن فإنه غم على ما كان.
وصلاة الخوف أربعة أنواع:
صلاة ذات الرقاع، وصلاة بطن نخل، وصلاة عسفان، وصلاة شدة الخوف، ذكر الشافعي منها الرابعة، واختار البقية من ستة عشر نوعًا مذكورة في الأخبار وبضعها في القرآن، وقد ذكرت منها ثلاثة فقلت:
١/ ١٧٨ - (عن صَالِح بن خَوَّاتٍ) بفتح المعجمة وتشديد الواو ثم ألف ثم تاء فوقية ابن جبير بن النعمان المدني ﵄ عَمَّنْ صلى مَعَ النبي ﷺ ) قيل هو سهل بن أبي جثمة (يَوْمَ ذَاتِ الرّقَاعِ)، سميت بذلك لتقطع جلود أقدامهم فيها فكانوا يلفون عليها الخِرق، وقيل لأنهم رقعوا فيها
стр. 274
راياتهم (صَلَاةَ الخَوْفِ) والعدو في غير جهة القبلة (أنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ مَعَهُ، وطَائِفَة وجَاهَ العَدُوِّ) بكسر الواو وضمها أي مقابلة (فَصَلى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَة، ثمَّ ثَبَتَ قَائِمًا) ثم فارقوه بالنية (وَأتَمُّوا لأنْفُسِهِمْ ثم انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطائِفَة الأخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ الركْعَةَ التَي بَقِيَتْ، ثم ثَبَتَ جَالِسًا وَأتَمُّوا لأنْفِسِهم ثم سَلَّمَ بِهم، روأه الشيخان).
٢/ ١٧٩ - (وعن ابن عمر ﵄ قَال: صَلَّى النبي ﷺ صَلاةَ الخَوْف والعدو في غير جهة القبلة أيضًا فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ وطَائِفَة بِإِزَاءِ العَدُوّ) أي بمقابله (فَصَلَّى بالذِينَ مَعَهُ رَكْعَة، ثمَّ ذَهَبُوا وَجَاءَ الآخرون) -بفتح الخاء- (فَصَلَّى بِهِم رَكْعَة وَقَضَتْ) -أي صلت - (الطَائِفَتَانِ رَكعَة رَكْعَة) أي هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة. (رواه الشيخان واللفظ للبخاري) والعدو فعول بمعنى فاعل، ويطلق على الواحد وغيره والمذكر والمؤنث، وربما قيل للأنثى عدوة على خلاف القياس.
٣/ ١٨٠ - (وعن جابر هو ابن عبد الله ﵄ قال: شَهِدْتُ)
стр. 275
أي حضرت (مع النبي ﷺ صَلَاةَ الخَوْفِ) بعسفان (فَصَفنَا صفينِ، صَفٌ خَلْفَه وَصَفٌ خَلْفَ الصّفِ، والعَدُوُ بَينَنَا وبَينَ القِبْلَةِ وَكبَّر النبي ﷺ وَكبَّرْنَا جَمِيعًا ثم رَكَعَ وَرَكعْنَا جَمِيعًا ثم رَفَعَ رأسه مِنَ الرّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا ثم انْحَدَرَ بالسُّجُودِ والصَّفُّ الذِي يَلِيه، وأقَامَ الصفُّ المؤَخرُ في نَحْرِ العَدُوِّ) أي قبل وجهه ونحوه، وهو موضع القلادة منِ الصدر (فَلَمَّا قَضَى السُّجُودَ وَقَامَ الصفُّ الذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بِالسُجُودِ. وَقَامُوا. ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ المُؤَخرُ. وتَأخَّرَ الصَّفُّ المُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النبي ﷺ وَرَكعْنَا) معه (جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوعِ وَرَفَعْنَا جمِيعًا، ثمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ والصَّفّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخرًا في الرَّكْعَةِ الأولَى، وَقَامَ الصَّفُ المُؤَخَّرُ في نَحرِ العَدُوَ، فَلَمّا قَضَى النبي ﷺ السُّجُودَ والصَّفَ الذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُ المُؤَخَرُ بالسُّجُودِ فَسَجَدُوا، ثم سَلَّم النبي ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا (رواه مسلم).
وفي الأنواع الثلاثة سن ما ذكر فيها من تفريق القوم وغيره، وأما النوع الرابع وهو صلاة شدة الخوف، فأن يصلي كل أحد فيها كيف أمكن، ولو غير متوجه للقبلة، والكلام على هذه الأنواع الأربعة. مبسوط في كتب الفقه.
стр. 276
بابُ صَلاةِ العِيدَينِ
عيد الفطر وعيد الأضحى، وهي سنة مؤكدة للاتباع ولأنها ذات ركوع وسجود لا أذان لها كصلاة الاستسقاء. والعيد مشتق من العود لتكرره كل عام.
١/ ١٨١ - (عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ الفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاس، والأضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ، رواه الترمذي وصححه) وفي رواية للشافعي "وعرفة يوم يعرفون".
وفيه دليل على أن رؤية هلال شوال في ليلة الثلاثين من رمضان إذا ثبتت بعد غروب شمس يومه لمْ تسمع في حق صلاة العيد حتى تصلى قضاء، بل تصلى من الغد إذًا، فليس يوم الفطر أول شوال مطلقًا، بل يوم فطر الناس، ومثل ذلك جهل يوم الأضحى، ويوم عرفة.
٢/ ١٨٢ - (وعن أبي عبد الله بريدة) -بضم الباء- ابن الحصيب بضم
стр. 277
الحاء المهملة، ابن عبد الله بن الحارث بن الأعرج ﵁ قال: كَانَ النبي ﷺ لا يَخْرُجُ) لصلاة العيد (يَوْم الْفِطْرِ حَتى يَطْعَمَ) -بفتح الياء- أي يأكل أو يشرب (ولا يَطْعَمُ يَوْمَ الأضْحَى حَتى يُصَلِّي) العيد (رواه ابن حبان وغيره وصححو).
وفيه أنه يسن الأكل قبل الخروج لصلاة عيد الفطر وتركه في الأضحى ليتميز اليومان عما قبلهما إذ ما قبل يوم الفطر يحرم فيه الأكل بخلاف ما قبل يوم النحر، وليعلم نسخ تحريم الفطر قبل صلاته فإنه كان محرمًا قبلها أول الإسلام بخلافه قبل صلاة النحر، وليوافق الفقراء في الحالين إذ الظاهر أنه لا شيء لهم إلا من الصدقة وهي سنة في الفطر قبل الصلاة، وفي النحر إنما يكون بعدها ويكره له ترك ذلك كما في المجموع عن نص الأم.
٣/ ١٨٣ - (وعن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ صَلَّى يَوْمَ العيدِ رَكْعَتَينِ) صلاة العيد (لَمْ يُصَل قَبْلَهُما ولا بَعْدَهُمَا، رواه الشيخان).
وفيه أن صلاة العيدين ركعتان فقط.
стр. 278
٤/ ١٨٤ - (وعنه) أي عن ابن عباس (أنَّ النبي ﷺ صلَّى العيد بِلا أذان، ولا إقَامَةٍ، رواه أبو داود وأصله في البخاري).
وفيه أن صلاة العيد لا أذان لها ولا إقامة، وإنما يقال لها الصلاة جامعة.
٥/ ١٨٥ - (وعن أم عطية) نسيبة بالتصغير عند قوم وبالتكبير عند آخرين -بنت كعب، وقيل بنت الحارث الأنصاري ﵂ قالت: أُمِرنَا) بنائه للمفعول (أنْ نُخْرِجَ العَوَاتِقَ) جمع عاتق وهي الجارية البالغة التي لم تتزوج، وقيل هي التي، قاربت البلوغ، سميت عاتقًا لأنها عتقت من قهر أبويها، واشتغلت ببيت زوجها (وأن نخرج الحُيَّضَ في العِيدَينِ يَشْهَدْنَ الخَيرَ
стр. 279
وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ وأن يَعْتزِلَ الحيّض المُصَلَّى، رواه الشيخان.
وفيه سن إخراج العواتق والحُيضَ مع الرجال، أي من غير اختلاطهن بهم ليشهدن الخير، وكراهة إدخال الحيض المصلى كراهة تحريم إن كان مسجدًا، وإلا فكراهة تنزيه لشبه المصلى حينئذ بالمسجد، والمقصود بإخراج الجميع المبالغة في الاجتماع وإظهار الشعار مع شهودهن الخير، وقد كان المسلمون يومئذ في غاية القلة فاحتيج إلى التكثير، ومن ثم نشأ الخلاف في خروج النساء بعد ظهور الإِسلام واعلم أن أئمتنا قالوا: يسن إخراج النساء غير ذوات الهيئات في العيدين دون غيرهن. وأجابوا عن إخراج العواتق بأن المفسدة في ذلك الزمن كانت مأمونة بخلاف اليوم، والأولى أن يجاب بحملهن على غير ذوات الهيئات.
٦/ ١٨٦ - (وعن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يصَلُّونَ العِيَدينِ قَبْلَ الخطْبَةِ) يعني خطبتي العيد (رواه الشيخان).
стр. 280
وفيه أن خطبتي العيد بعد صلاته، فلو قدمتاعليهما، لم يعتد بهما كالراتبة بعد الفريضة إذا قدمت.
٧/ ١٨٧ - (وعن أبي إبراهيم عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي المدني (قال: قال النبي ﷺ التَّكْبِيرُ في) صلاة (الفِطْرِ سَبْعٌ في) الركعة (الأولى) بعد دعاء الافتتاح (وخَمسٌ في الأُخَرى) قبل التعوذ (والقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا) أي بعد تكبيري الأولى والآخرة كلتيهما (رواه أبو داود وحسنه الترمذي)، ونقل عن البخاري تصحيحه، وفيه أن السنة في الركعة الأولى من صلاة عيد الفطر سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس، ومثلها في ذلك صلاة عيد الأضحى.
٨/ ١٨٨ - (وعن أبي واقد الليثي ﵁ قال: كان النبي ﷺ يَقْرأ في الأضْحَى والفِطْرِ بقاف في الرّكعة الأولى واقْتَرَبَتْ في الثانية. رواه مسلم).
стр. 281
وفيه أن السنة في القراءة بعد الفاتحة في صلاتي العيدين أن تكون بهاتين السورتين.
٩/ ١٨٩ - (وعن جابر هو ابن عبد الله قال: كانَ النبي ﷺ : إِذَا كَانَ يَوْمَ العيدِ خَالفَ الطَّرِيق) أي ذهب في طريق ورجع في أخرى (رواه البخاري).
وفيه أن السنة أن يذهب في طريق ويرجع في أخرى، والسنة أن يكون الذهاب في أطولهما والرجوع في أقصرهما، والحكمة في مخالفته بين الطريقين أنه كان يذهب في أطولهما تكثيرًا للأجر ويرجع في أقصرهما ليشتغل بمهم آخر، وقيل خالف بينهما ليشهد له الطريقان، وقيل ليتبرك به أهلهما.
١٠/ ١٩٠ - (وعن علي ﵁ قَال: من السُّنَّةِ أنْ يَخْرُجَ مَنْ يُريدُ الخُروجِ إلى صلاةِ العيدِ مَاشيًا لا رَاكبا، رواه الترمذي وحسنه). وفيه سن المشي إلى الصلاة تكثيرًا للأجر.
стр. 282
باب صلاة الكسوف
للشمس والقمر، ويعبر بدل الكسوف فيهما بالخسوف في قول، وبالكسوف في الشمس والخسوف في القمر في آخر وهو أشهر.
١/ ١٩١ - (عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: انْكَسَفَتِ الشمْسُ على عهدِ رسول الله ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبراهيمُ) ابن النبي ﷺ (فَقَال النَّاسُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لِموتِ إِبْرَاهيمَ، فقال رسول الله ﷺ إِن الشَّمْسَ والقْمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ) أي علامتان يخوف بهما عباده (لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِه، فإِذَا رَأيتُمُوهُمَا، فادْعُوا اللَّه وَصَلوا للكسوف حتى يَنْكَشِف) أي الكسوف (رواه الشيخان) (٣) وفيه رواية للبخاري "حتى ينكشف ما بكم".
وفيه دليل على أنه يسن عند الكسوف الدعاء بكشفه، وصلاة تخصه وأنها تسن جماعة، وعلى أن الكواكب لا فعل لها ولا تأثير خلافًا لمن زعم أنها تؤثر وأن كسوف الشمس والقمر إنما يكون لموت عظيم ففي الحديث رَدُّ عليهم.
стр. 283
٢/ ١٩٢ - (وعن عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ جَهَرَ في صلَاةِ الكُسُوفِ) أي كسوف القمر (بِقَراءَتِهِ، فَصَلَّى أرْبَعَ رَكعَاتٍ) -يعني ركوعات- (في رَكعَتينِ، وأرْبَعِ سَجَدَاتٍ) فيهما (رواه الشيخان واللفظ لمسلم).
وفي رواية له فبعث مناديًا ينادي: الصلاة جامعة "ينصبهما الأول على الإِغراء والثاني على الحال ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر -أي - الصلاة جامعة فاحضروها ويجوز نصب أحدهما ورفع الآخر وفي هذا الحديث أنه لا أذان ولا إقامة لصَلاة الكسوف وأن السنة في صلاته أن يصلى ركعتين في كل ركعة قيامان.
وركوعان وسجودان وتعبير كثير بأن هذه أقلها محمول على ما إذا شرع فيها يليه زيادة قيام وركوع في كل ركعة وإلا فأقلها ركعتان بلا زيادة قيام وركوع في كل ركعة وإلا فأقلها ركعتان بلا زيادة كسنة السهو كما في المجموع.
وما في رواية لمسلم أنه ﷺ صلاها ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات، وفي أخرى له أربع ركوعات وفي رواية لأبي داود خمس
стр. 284
ركوعات، أجيب عنها بأن رواية الركوعين أشهر وأصح، ويحملها على الجواز لصلاة الكسوف، وهذا إنما يأتي على ضعيف من أن صلاة الكسوف تجوز بزيادة ذلك.
٣/ ١٩٣ - (وعن ابن عباس ﵄ قال: انْخَسَفَتْ الشَّمسُ عَلَى عهد النبي ﷺ فَصَلَّى) صلاة الكسوف (فقامَ قِيَامًا طَويلًا) -يقرأ فيه- (نحوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ رُكوعًا طَويلًا، ثم رَفَعَ فَقَامَ قِيامًا طَويلًا وَهوَ دونَ القِيَامِ الأوَّلِ ثم رَكَعَ رُكوعا طويلًا، وَهُوَ دُونَ رُكوعِ الأولِ) ثم رفع -كما في رواية لمسلم (ثمَّ سَجَدَ سَجْدَتَينِ ثمَّ قَامَ قِيامًا طَويلًا وَهُوَ دُون القِيَامِ الأوَّلِ ثمَّ رَفَعَ) فقام قيامًا طويلًا وهو دون قيام الأول ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون ركوع الأول، ثم رفع (ثمَّ سَجَدَ ثمَّ انْصَرَفَ وقَدْ تَجَلَّتْ الشَمسُ) أي ضعف وعاد نورها كما كان- فخَطَبَ النَّاسَ، (رواه الشيخان واللفظ للبخاري).
وفيه أنه يسن تطويل القيامات بالقراءة، والركوعات بالتسبيح وقضيته أنه لا يطول في الاعتدال والجلوس والسجود، وهو كذلك في الاعتدال، وأما الجلوس فقد اختار النووي أنه يطول فيه بين السجدتين لصحة الحديث فيه.
стр. 285
وأما السجود فالصحيح المنصوص في البويطي أنه يطوله لخبر فيه "رواه الشيخان".
وسكت في الحديث عن قدر القيامات غير الأول وقدر الركوعات، وقد قدر أئمتنا القيام الثاني بقدر مائتي آية من سورة البقرة، والثالث بقدر مائة وخمسين منها، والرابع بقدر مائة منها، والركوع الأول بقدر مائة منها، والثاني بقدر ثمانين منها والثالث بقدر سبعين منها، والرابع بقدر خمسين منها.
وفيه أيضًا أنه يسن لصلاة الكسوف خطبة بعدها بأن يخطب خطبتين كالعيد، لكن لا يكبر فيهما، بل يحث السامعين لها على فعل الخير من توبة، وصدقة وعتق ونحوها.
والكلام على أحكام صلاة الكسوف مبسوط في كتب الفقه.
следующие страницы →