← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20590

فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام

زكريا الأنصاري

Полный текст (693 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام تأليف شيخ الإسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري الشافعي الخزرجي (٨٢٥ هـ - ٩٢٥ هـ) تحقيق الشيخ علي محمد معوض الشيخ عادل أحمد عبد الموجود قدم له وقرظه الأستاذ عبد الفتاح أبو سنة

стр. 2

دَار الْكتب العلمية جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة جَمِيع حُقُوق الملكية الأدبية والفنية مَحْفُوظَة لدار الْكتب العلمية بيروت - لبنان، ويحظر طبع أَو تَصْوِير أَو تَرْجَمَة أَو إِعَادَة تنضيد الْكتاب كَامِلا أَو مجزأ أَو تسجيله على أشرطة كاسيت أَو إِدْخَاله على الكمبيوتر أَو برمجته على أسطوانات ضوئية إِلَّا بموافقة الناشر خطيا. الطبعَة الأوْلى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م دَار الْكتب العلمية بيروت - لبنان رمل الظريف، شَارِع البحتري، بناية ملكارت هَاتِف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (٩٦١١) صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ (٣). أما بعد فقد أنزل الله القرآن الكريم وختم به رسالته التي هدى بها العباد على يد رسوله الكريم محمَّد ﷺ وأتم به النعمة فاختار لهم الإِسلام دينا فجمع مصالح العباد ودفع الشر والفساد ولقد تضمن قرآنه الكريم ما في الكتب

стр. 4

الأولى من الزبور والإِنجيل وما في صحف إبراهيم فأوحى الله إلى نبيه ﷺ آيات الكتاب وأمره بالدعوة إلى الإِيمان وذلك ما جاءت به الأنبياء ففرض الله على النبي ﷺ الإِيمان بجميع رسله الكرام وما دعوا إليه من الإِيمان بالله . وظل القرآن ينزل على قلب النبي ﷺ فكان يعجل بالقراءة حين يوحى إليه فنهاه المولى عن التعجل ووعد بأنه سيقرأه فقال عز شأنه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ﴾ (١). وتوالى عليه نزول القرآن فنزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ﴾ (٢) ثم أمره بالبيان للأمة فقال جل شأنه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ﴾ (٣) ووعد الله نبيه ﷺ بحفظ قرآنه فقال جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤) بخلاف الأمم السابقة استحفظوا على كتب الله فضيعوها ووعد الله رسوله الكريم بالبيان كما وعده بالقراءة فقال جل ذكره. ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾ (٥) فكانت المعاني من الله فعبر ﷺ عن تلك المعاني بلفظ من عنده فكانت السنة الشريفة فقال جل ذكرهْ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٦) فمن هذا يتبين لنا أن التشريع الإِسلامي قائم على أساسين وهما الكتاب والسنة وتفرع منهما باقي الأدلة فلنتكلم عن كل واحد منهما بشيء من التفصيل من حيث ماهيته وحجيته وعلاقة كل منهما بالآخر

стр. 5

الكتاب مَاهيّتُه: وهو في اللغة (١) اسم للمكتوب إلا أنه غلب في عرف الشرع على كتاب الله -المكتوب في المصاحف والقرآن مصدر مرادف للقراءة ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (٢) ثم نقل من هذا المعنى المصدري وجعل اسما للكلام المعجز المنزل على النبي ﷺ من باب إطلاق المصدر على مفعوله (٣). واصطلاحا (٤): يطلق القرآن عند علماء الأصول والفقهاء والعربية على اللفظ المنزل على محمَّد ﷺ المتعبد بتلاوته المتحدى بأقصر سورة منه المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس الذي صح سنده وثبت تواتره ووافق العربية، وذهب المحققون من أهل العلم إلى أن القرآن علم شخص مدلوله كما ذكرنا وعلميته باعتبار وضعه للفظ المخصوص الذي يختلف باختلاف المتلفظين وعلى هذا فما ذكره أهل العلم من تعريف القرآن ليس تعريفًا حقيقيًّا لأن التعريف الحقيقي لا يكون إلا للأمور الكلية وإنما أرادوا بتعريفه تميزه عما عداه مما لا يسمى باسمه كالتوراة والإِنجيل والأحاديث القدسية، وقد أجمع المسلمون قاطبة على أنه المقروء في جميع الأقطار المسموع بآذاننا المحفوظ في صدور الحافظين له وأنه كلام الله تعالى وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

стр. 6

حجِّيته: لا خلاف بين علماء المسلمين قاطبة أن القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع الإِسلامي وهو كلية الشريعة وعمدتها فمريد الوصول إلى حقيقة الدين وأصول الشريعة يجب عليه أن يجعل القرآن بمنزلة القطب الذي تدور عليه جميع الأدلة. والبرهان على أن القرآن حجة على الناس وأن أحكامه قانون واجب اتباعه أنه من عند الله وأنه نقل إليهم عن المولى بطريق قطعي الثبوت، لا ريب فيه، وآية ذلك إعجازه الناس علو أن يأتوا بمثله وقد استكمل جميع عناصر الإِعجاز فقد توافر فيه التحدي به ووجد المقتضى لمن تحدوا به أن يعارضوه وانتفى المانع لهم ومع ذلك لم يستطيعوا. أما التحدي فإن رسول الله ﷺ لما قال للناس إني رسول الله إليكم وبرهاني على أني رسول الله هذا القرآن الذي أتلوه عليكم أوحي إليَّ من عند الله أنكروا عليه دعواه وبطشوا به فقال لهم. إن كنتم في شك وتبادر إلى عقولكم أنه من صنع البشر ﴿فأتوا بِمثله﴾ فجزوا وما استطاعوا ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله فما قدروا قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (١) فما قدروا وتحداهم أن يأتوا بسورة منه وطلب من المعارضة فقال لهم. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (٢) ثم دعاهم إلى الاستعانة بغيرهم فما قدروا فقال جل ذكره: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٣). وأما وجود المقتضى للمبارزة والمعارضة عند من تحداهم فهذا أظهر من أن نقيم له دليلًا لأن النبي ﷺ جاءهم بدين يبطل دينهم وما وجدوا عليه

стр. 7

آباءهم وسفه عقولهم وسخر من أوثانهم واحتج عليهم بأن القرآن من عند الله فما كان أحوجهم وأشد حرصهم على أن يأتوا بمثله أو بعضه ليبطلوا أنه من عند الله. وأما انتفاء ما يمنعهم من المعارضة فلأن القرآن بلسان عربي وألفاظه من أحرف العرب الهجائية وعبارته على أسلوب العرب وهم أهل البيان والفصاحة وفيهم ملوك الفصاحة وقادة البلاغة وميدان سباقهم مملوء بالشعر والخطباء وهذا من الناحية اللفظية. أما المعنوية فقد نطقت أشعارهم وخطبهم وحكمهم ومناظراتهم بأنهم ناضجو العقول ذوو بصيرة بالأمور وخبرة بالتجارب وقد دعاهم القرآن بالاستعانة بما شاءوا كما بينا آنفًا. وأما من الناحية الزمنية فالقرآن لم ينزل جملة واحدة حتى لا يحتجوا بأن زمنهم لا يتسع للمعارضة بل نزل منجما في ثلاث وعشرين سنة تقريبًا وبذلك ثبت إعجازه على أبلغ وجه وإذا ثبت عجز العرب فغيرهم بالعجز أولى وأحرى وبهذا ثبتت حجيته فوجب العمل به. السنة ماهيتها: في اللغة (١) السيرة والطريقة حسنة كانت أو قبيحة. أنشد خالد بن زهير فقال: فلا تَجْزَعَنْ عَنْ سيرةٍ أنت سرْتَها ... فأولُ راضٍ سنةً من يسيرُها وسننتها سنا واستننتها سرتها، وسننت لكم سنة فاتبعوها وقال ابن فارس في معجمه (٢) السين والنون أصل واحد مطَّرد وهو جريان الشيء واطراده في سهول.

стр. 8

والأصل قولهم سننت الماء على وجهي أسنّه سنّا إذا أرسلته إرسالًا. قال ابن الأعرابي السَّنّ مصدر سنَّ الحديد سنّا وسن للقوم سنة وسننا وسن عليه الدرع يسنها سنا إذا صبَّها وسن الإِبل يسنها سنا إذا أحسن رعيتها وسنة النبي ﷺ تحمل هذه المعاني لما فيها من جريان الأحكام الشرعية واطرادها اصطلاحا. تختلف السنة عند أهل العلم حسب اختلاف الأغراض التي اتجهوا إليها من أبحاثهم فمثلا عند علماء الأصول عنوا بالبحث عن الأدلة الشرعية وعند علماء الحديث عنوا بنقل ما نسب إلى النبي ﷺ وعند علماء الفقه عنوا بالبحث عن الأحكام الشرعية من فرض ومندوب وحرام ومكروه فالسنة عند علماء الأصول (١): تطلق على ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير والسنة عند الفقهاء (٢): تطلق السنة عند أكثر علماء الشافعية وجمهور الأصوليين بالنسبة إلى معناها الفقهي ترادف المندوب والمستحب والتطوع والنافلة والمرغب فيه. قالوا هو الفعل الذي طلبه الشارع طلبا غير جازم أو ما يثاب الإِنسان على فعلها ولا يعاقب على تركها. وعند علماء الحديث (٣): تطلق على أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته وصفاته الخِلقية والخُلقية وسيره ومغازيه وأخباره قبل البعثة - فالسنة بهذا المعنى ترادف الحديث الشريف.

стр. 9

حجّيتُهَا ووجوب اتباعها والتحذير من مخالفتها لقد أوحى الله لنبيه القرآن ومثله معه فأوحى له السنة النبوية وهي أصل من أصول الدين وركن في بنائه القويم فيجب اتباعها ويحرم مخالفتها وعلى ذلك أجمع المسلمون وتضافرت الآيات على وجه لا يدع مجالًا للشك فمن أنكر ذلك فقد نابز الأدلة القطعية واتبع غير سبيل المؤمنين وهي بذلك تعتبر المصدر الثاني للتشريع. فمن الآيات في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦).

стр. 10

وقوله تعالى. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (١). (إنكار حجية السنة موجب للردة) وقد لبست طائفة من الناس ثياب الدين زورًا وبهتانًا بعد ما راحوا يشككون في ثبوت السنة ليكون ذلك عذرًا لهم على ردها وقد كذبوا ورحم الله أعين رجال سهروا على حفظ هذا الدين. قال الحافظ ابن عبد البر (٢): أصول العلم الكتاب والسنة والسنة تنقسم إلى قسمين أحدهما إجماع تنقله الكافة عن الكافة فهذا من الحجج القاطعة للأعذار إذا لم يوجد هناك خلاف ومن رد إجماعهم فقد رد نصًّا من نصوص الله يجب استتابته عليه وإراقة دمه إذا لم يتب لخروجه عما أجمع عليه المسلمون وسلوكه غير سبيل جميعه. والضرب الثاني من السنة خبر الآحاد والثقات الأثبات المتصل الإسناد فهذا يوجب العمل عند جماعة علماء الأمة الذين هم الحجة والقدوة ومنهم من يقول أنه يوجب العلم والعمل. وقال ابن حزم (٣) بعدما ساق قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٤) قال والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا وإلى كل من يخلقه ويركب روحه في جسده وساق أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٥) فوجدنا الله تعالى يردنا إلى كلام نبيه ﷺ على ما قررناه آنفًا فلم

стр. 11

يسع مسلمًا يقر بالتوحيد: أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ ولا أن يأبى عما وجد فيهما فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق وأما من فعله مستحلًا للخروج عن أمرهما وموجبا لطاعة أحد دونهما فهو كافر لا شك عندنا في ذلك قال وقد ذكر محمَّد بن نصر المروزي: أن إسحاق بن راهويه كان يقول: من بلغه عن رسول الله ﷺ خبر يقر بصحته ثم رده بغير تقيّة فهو كافر وقال ولم نحتج في هذا بإسحاق وإنما أوردناه لئلا يظن جاهل أننا متفردون بهذا القول وإنما احتججنا في تفكيرنا: من استحل خلاف ما صح عنده عن رسول الله ﷺ يقول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ هذه الآية كافية لمن عقل وحذر وآمن بالله واليوم الآخر وأيقن أن هذا العهد عهد ربه إليه ووصيته الواردة عليه فليفتش الإِنسان نفسه فإن وجد في نفسه مما قضاه رسول الله ﷺ في كل خبر يصححه مما قد بلغه أو وجد نفسه غير مسلمة لما جاءه عن رسول الله ﷺ ووجد نفسه مائلة إلى قول فلان وفلان أو إلى قياسه واستحسانه أو وجد نفسه تحكم فيما نازعت فيه أحدًا دون رسول الله ﷺ من صاحب فمن دونه فليعلم أن الله قد أقسم وقوله الحق أنه ليس مؤمنًا وصدق الله تعالى وإذا لم يكن مؤمنًا فهو كافر ولا سبيل إلى قسم ثالث ثم ساق قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (١) فليتق الله الذي إليه المعاد امرؤ على نفسه ولتوجل نفسه عند قراءة هذه الآية وليشتد إشفاقه من أن يكون مختارًا للدخول تحت هذه الصفة المذكورة المذمومة الموبقة الموجبة للنار، وقال: لو أن امرأ قال لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرًا بإجماع الأمة ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر لأن ذلك هو: أقل ما يقع عليه اسم صلاة ولا حد للأكثر في ذلك.

стр. 12

وقائل هذا مشرك حلال الدم والمال وقال لو أن امرأ لا يأخذ إلا بما اجتمعت عليه الأمة فقط ويترك كل ما اختلفوا فيه مما قد جاءت به النصوص لكان فاسقًا بإجماع الأمة. العلاقة بين الكتاب والسنة ومن المعلوم بالضرورة أن كل ما جاء عن الله تعالى لا يمكن أن يوصف أن فيه اختلافًا والمعلوم أن كلًّا من القرآن والسنة من عند الله تعالى كما قدمنا ولهذا يقول ابن القيم (١) والذي يشهد الله ورسوله به أنه لم تأت سنة صحيحة واحدة عن رسول الله ﷺ تناقض كتاب الله تعالى وتخالفه البتة كيف ورسول الله هو المبين لكتاب الله وعليه أنزل وبه هداه الله فهو مأمور باتباعه وهو أعلم الخلق بتأويله ومراده فلا يوجد تخالف وإن حصل مخالفة في ظاهر اللفظ فيكون ذلك للخفاء على المجتهد فعلى ضوء ذلك إذا تتبعنا السنة من حيث دلالتها على الأحكام التي اشتمل عليها القرآن إجمالًا وتفصيلًا وجدناها تأتي على أنحاء منها (٢): الأول: أن تكون موافقة للقرآن. فتكون واردة حينئذ مورد التأكيد فيكون الحكم مستمدًا من مصدرين القرآن مثبتًا له والسنة مؤيدة. ومن أمثلة ذلك قوله ﷺ (٣)، اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله" فإنه يوافق قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤).

стр. 13

وقوله ﷺ (١) "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" فإنه موافق لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (٢). ثانيًا: أن تكون بيانًا (٣) للكتاب. ومن أمثلة ذلك النوع: أولًا بيان المجمل (٤) كالأحاديث التي جاء فيها أحكام الصلاة. فقال ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٥). وورد في الكتاب وجوب الحج من غير بيان لمناسكه فبينت السنة ذلك فقال ﷺ "لتأخذوا عني مناسككم" (٦). وورد في الكتاب وجوب الزكاة من غير بيان لما تجب فيه ولا لمقدار الواجب فبينت السنة كل ذلك (٧).

стр. 14

ثانيًا تقيد المطلق (١) ومثال ذلك الأحاديث التي بينت المراد من اليد في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ (٢) فبينت السنة أنها اليمنى وأن القطع من الكوع وقوله تعالى أيضًا: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ (٣) وردت الوصية مطلقًا فقيدتها السنة بعدم الزيادة على الثلث. ثالثًا: تخصيص (٤) العام (٥). كالحديث الذي بين أن المراد من الظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٦) هو الشرك، فهم بعض الصحابة منه العموم حتى قالوا أينا لم يظلم فقال لهم النبي ﷺ "ليس بذاك إنما هو الشرك" (٧). ومن ذلك أيضًا أن الله أمر أن يرث الأولاد الآباء أو الأمهات على نحو ما بين بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ (٨) فكان هذا الحكم عامًّا في كل أصل مورث وكل ولد وارث فقصرت السنة الأصل على غير الأنبياء. وقصرت الولد الوارث على القاتل بقوله ﷺ "القاتل لا يرث" (٩) وكذلك اختلاف الدين فهو مانع من موانع الإِرث كما بينت السنة (١٠). وقال تعالى في المرأة يطلقها زوجها ثلاثًا: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ

стр. 15

زَوْجًا غَيرَهُ﴾ (١) واحتمل ذلك أن يكون المراد به عقد النكاح وحده واحتمل أن يكون المراد الإِصابة معًا، فبينت السنة أن المراد به الإِصابة بعد العقد (٢). رابعًا: توضيح المشكل كالحديث الذي بين المراد من الخيطين في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٣) فهم منه بعض أصحاب النبي ﷺ العقال الأبيض والعقال الأسود فقال النبي ﷺ . هما بياض النهار. وأغلب ما في السنة من هذا النوع ولهذه الغلبة وصفت بأنها مبينة للكتاب. خامسًا: أن تكون دالة على حكم سكت عنه القرآن ومن أمثلة ذلك النوع: قوله ﷺ "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٤). وقوله ﷺ في الجنين الخارج من بطن أمه المذكاة "ذكاة الجنين ذكاة أمه" (٥). والأحاديث الواردة في تحريم ربا الفضل (٦). والأحاديث الواردة في تحريم كل ذي ناب من السباع (٧) وكل ذي مخلب من الطير وتحريم لحوم الحمر الأهلية (٨). والأحاديث (٩) التي دلت على تحريم الرضاع.

стр. 16

وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها. والأحاديث (١) الواردة في تشريع الشفعة والرهن في الحضر وبيان ميراث الجدة والحكم (٢) بشاهد ويمين. ووجوب الرجم للزاني المحصن. ووجوب الكفارة على من انتهك حرمة شهر رمضان وغير ذلك كثير. اعلم أن النوع الأول والثاني من هذا التقسيم متفق عليهما بين المسلمين وأن النوع الثالث مختلف فيما بينهم كما صرح بذلك الشافعي في رسالته (٣) فقال "فلم أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن سنن النبي ﷺ من ثلاثة وجوه فاجتمعوا على وجهين: أحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب فبينه رسول الله ﷺ مثل ما نص الكتاب والآخر ما أنزل الله فيه جملة كتاب فبين عن الله معنى ما أراد وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما. والوجه الثالث: ما سنّ رسول الله ﷺ فيما ليس فيه نص كتاب (كما قل منا) فمنهم من قال جعل الله له بما افترض من طاعته وسبق من علمه وتوفيقه لمرضاه أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب. ومنهم من قال لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب كما كانت سنته لتبين عدد الصلاة وعملها على أصل جملة فرض الصلاة. وكذلك ما من من البيوع وغيرها من الشرائع لأن الله قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٤). وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٥). ومنهم من قال بل جاءته به رسالة الله فأثبتت بفرض الله ومنهم من قال ألقى

стр. 17

الله في روعه كل ما سن وسنته الحكمة الذي ألقى في روعه عن الله فكان ما ألقي في روعه سنة. وقال العلامة الشيخ عبد الغني عبد الخالق (١) أن حكاية الشافعي لهذه الأقوال في النوع الثالث يرى أن القول الأول والثالث والرابع على اتفاق في أن السنة تستقل بالتشريع ومختلفة في أن النبي ﷺ يشرع المستقل من عند نفسه مع توفيقه تعالى له بالصواب أو ينزل عليه الوحي به أو يلهمه الله إياه وهذه الخلافية لا تعنينا، وأن القول الثاني هو المخالف وقال والحق في هذه المسألة أنها حجة وتعبدنا الله بالأخذ بها والعمل بمقتضاها ودلّل على ذلك بأدلة نورد بعضها للبيان حتى تسد أفواه المتنطعين الذين لا خلائق لهم في الدنيا والآخرة: أولًا: عموم عصمته ﷺ الثابتة بالمعجزة عن الخطأ في التبليغ لكل ما جاء به عن الله تعالى ومن ذلك ما وردت به السنة وسكت عنه الكتاب فهو إذن حق مطابق لما عند الله تعالى وكل ما كان كذلك بالعمل به واجب. ثانيهما: عموم آيات الكتاب الدالة على حجية السنة وقد تقدمت فهي تدل على حجيتها سواء أكانت مؤكدة أم مبينة أم مستقلة وقد كثرت هذه الآيات كثرة تقيد القطع بعمومها للأنواع الثلاثة وبعدم احتمالها للتخصيص بإخراج نوع عن الآخر بل إن قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فهذه الآية تفيد حجية خصوص المستقلة. قال الشافعي ﵁ في توجبها نزلت هذه الآية في رجل خاصم الزبير في أرض فقضى النبي ﷺ بها للزبير (٢).

стр. 18

وقال الشافعي وهذا القضاء سنة من رسول الله ﷺ لا حكم منصوص في القرآن. ثالثًا: عموم الأحاديث المثبتة لحجية السنة مؤكدة كانت أو مبينة أو مستقلة كقوله ﷺ . "عليكم بسنتي" (١) وهذه الأحاديث كثيرة لا تحصى تفيد القطع بهذا العموم وقد ورد ما هو خاص بالسنة المستقلة أو يكون على أقل تقدير دخولها فيه متبادرًا في النظر وأولى من دخول غيرها فمن ذلك قوله ﷺ "لَا ألفِيَنَ أحَدَكُمْ مُتكئًا على أرِيكتهِ يأتيه الأمر من أمري مما أمَرْتُ به أو نَهَيتُ عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" (٢). وقوله ﷺ "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل شَبْعَانُ على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلُّوه وما وجدتم فيه من حرام فَحرمُوهُ وإنما حرّم رسول الله ﷺ كما حرم الله ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كلّ ذي ناب من السباع ولا لُقَطَةُ معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوهُ فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه" (٣).

стр. 19

ولا يخفى أن تحريم الحمر الأهلية المذكورة في الحديث ليس في القرآن فهو خاص بما نحن فيه ولا يخفى أن الظاهر من قوله ﷺ "ومثله معه" ما كان مستقلًا عنه وإن سلمنا شموله لغيره أيضًا فلا ضير علينا حيث إنه أثبت أن الجميع من عند الله والحديث الأول يفيدنا أن كل ما لا يوجد في كتاب الله مما أمر به الرسول ﷺ أو نهى عنه فتركه مذموم منهي عنه وذلك يستلزم الحجية والمتبادر من عدم الوجود أن لا يكون مذكورًا في الكتاب لا إجمالًا ولا تفصيلًا. ولقد بوب الخطيب البغدادي في كفايته (١) بابًا فقال باب ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله تعالى وحكم سنة رسول الله ﷺ في وجوب العمل ولزوم التكليف وذكر الحديثين وقال الشافعي (٢) ﵀ وما سن رسول الله ﷺ فيما ليس لله فيه نص حكم فبحكم الله سنه وكذلك أخبرنا الله في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ وقد سن رسول الله مع كتاب الله وسن فيما ليس فيه بعينه نص كتاب وكل ما من فقد ألزمنا الله باتباعه وجعل في اتباعه طاعته وفي العنود عن اتباعها معصيته التي لم يعذر بها خلقًا ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله ﷺ مخرجًا. وبهذا يتضح لنا حجية السنة بأقسامها الثلاثة فطاحت شبهة المعاندين قلت ويوجد للفقه الإِسلامي بجانب هذين المصدرين مصادر أخرى منها ما هو متفق عليه كالإِجماع (٣) والقياس (٤) ومنها ما هو مختلف فيه بين أهل العلم ولكن يرجح جانبه كالأصل (٥) والاستصحاب (٦)

стр. 20

والاستقراء (١) والأخذ بالأقل (٢) أو المناسب المرسل (٣) والاستحسان (٤) وقول الصحابي ويعرف ذلك في كتب الأصول وبهذه العجالة قد انتهينا من بيان مصادر الفقه الإِسلامي فلنشرع الآن أن نخص بالذكر أحاديث كتاب من كتب السنة النبوية الشريفة ألا وهو كتاب أحاديث الأحكام والكتب المصنفة فيه . أحاديث الأحكام والكتب المصنفة فيه لا بد لمن ينتمي إلى الفقه من أن يكون ذا عناية بأحاديث الأحكام وبالآثار الواردة عن الصحابة والتابعين ﵃ ومن بعدهم في هذا الشأن ليكون على بينة من أمره فيصون نفسه من محاولة إجراء القياس على ضد المنصوص ويحترز من مخالفة الإِجماع في المسائل المجمع عليها لأنه لا يمكن تفريق ما يصح فيه القياس مما لا يصح هو فيه وتمييز ما يستساغ فيه الخلاف مما لا يسوغ فيه غير الاتباع المجرد إلا من أحاط خبرًا بموارد النصوص ووجوه التفقه فيها واستقرأ الآثار الواردة متفقهاء السلف في الأحكام فهو الذي يقدر أن يتصون من القياس في مورد النص وهو الذي يستطيع أن يحترز من الخلاف في موطن الإِجماع ولذلك تجد علماء هذه الأمة سعوا سعيًا حثيثًا في جمع أدلة الأحكام والكلام عليها متنًا وسندًا ودلالة على اختلاف أذواقهم ومشاربهم في شروط قبل الأخبار وعلى تفاوت مداركهم في النصوص والآثار. - فمن أحسن الكتب التي ألفت في هذا الفن من كتب الأقدمين سوى

стр. 21

الصحاح والسنن والمسانيد- مصنف ابن أبي شيبة، ومعاني الآثار والإشراق لابن المنذر، والأحكام لعبد الحق والإِلمام في أحاديث الأحكام لابن دقيق جمع فيها متون الأحكام مع حذف الأسانيد وهو مشتمل على أحد وأربعين وأربعمائة وألف حديث وقد شرحه في كتاب الإِلمام لكن لم يكمل ويقال أن شرحه هذا لم يؤلف أعظم منه في بابه لما فيه من الاستنباطات والفوائد (١) وتقريب الأسانيد وترتيب المسانيد لمجدد المائة الثامنة زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي جمع فيه أحاديث الأحكام لابنه أبي زرعة وشرحه له ولكن لم يكمله وكمله ابنه أبو زرعة وسماه طرح التثريب في شرح التقريب. - عمدة الأحكام للحافظ أبي محمَّد عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي وهو يشتمل على خمسة عشر وخمسمائة حديثًا مستخرجة من صحيحي البخاري ومسلم وشرحه العلامة ابن دقيق العيد في كتاب سماه أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام. - بلوغ المرام من أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني اشتمل على ست وتسعين وخمسمائة وألف وقد شرحه محمَّد بن إسماعيل الصنعاني في كتاب سماه بلوغ المرام من أدلة الأحكام. - الإِعلام بأحاديث الأحكام وقد شرحه مصنفه شرحًا سماه فتح العلام بشرح أحاديث الأحكام وهو ما نحن بصدد تحقيقه.

стр. 22

الكلام عن المخطوط و منهجنا في التحقيق الكلام عن المخطوط: المتتبع للمقررات الثابتة لهذا الدين يلحظ العناية الشديدة بالعلم، والحفاوة البالغة بالعلماء. ألا يكفي أن مداد العلماء يوزن بدماء الشهداء. وصدق الله العظيم إذ يقول في محكم تنزيله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وكان من نتاج هذا أن انبرت صفوة مختارة من الصالحين تحفظ آثار النبوة وتتبعه بما يحتاج إليه من تفسير وتأويل. من ذلك تلك المخطوطة التي نقوم بتحقيقها وهي من تسطير شيخ الإِسلام زكريا الأنصاري الذي اعتنى بها أيما اعتناء من ذكر أحاديث الأحكام، وتوثيقها بذكر راوي الحديث ومخرجه ليطمئن المرء إلى صحة الدليل وأتبع ذلك بالكلام عن متن الحديث من بيان الغريب وإيضاح المشكل. كما كان يجيب على تعارض يخفى فيه وجه الجمع بين الروايات ولا يخفى ما في ذلك من الفوائد. فبلل الله ثراه بهواطل رحمته، وجمعنا في مستقر جنته. منهجنا في التحقيق أولًا: ضبط النص: قد اعتمدنا في ضبط ذلك الكتاب على نسختين إلا أن النسخة الثانية منسوخة من الأولى لكن تحتفظ بوضوحها وظهور كلامها مما ساعدنا على ضبط نص ذلك الكتاب. النسخة الأولى وهي المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٩٨) وتقع مسطراتها في واحد وعشرين سطرا وهي بخط نسخ عادي ويقع عدد أوراقها في (١٧٨) ورقة بمقاس (١٥/ ١٩.٥) ويرجع تاريخ نسخها إلى سنة (١٠٨٠) هـ بخط محمَّد بن عمر بن محمَّد بن عثمان.

стр. 23

والنسخة الثانية وهي بخط نسخ جيد حديث تقع في (٢٤٥) ورقة تحت رقم (٢٢٠٣٠ - ب) ومسطراتها في واحد وعشرين سطرًا ويرجع تاريخ نسخها إلى ١٣ شهر ربيع الثاني ١٣٦٠ هـ الموافق ١ مايو سنة ١٩٤١ م بخط حسن بن سيد بن مصطفى بن محمد علام. واعتمدنا أيضًا في ضبط نص هذا الكتاب على المصادر الحديثة والفقهية التي ينقل منها المؤلف غالبًا مثل الكتب الستة وبلوغ المرام للحافظ ابن حجر وكتاب البهجة وفتح الوهاب والمجموع وشرح مسلم وغير ذلك من المصنفات التي ينقل منها المؤلف ﵀. ثانيًا: وقمنا بوضع حاشية في أسفل الكتاب ضمناها ما يلي: أولًا: تخريج الآيات القرآنية الواردة في الكتاب. ثانيًا: تخريج الأحاديث الواردة في الكتاب تخريجًا مفصلًا. ثالثًا: قمنا بالتعليق على الغريب معتمدين في ذلك كتب اللغة والمعاجم. رابعًا: قمنا بتوثيق النصوص الواردة في الكتاب. خامسًا: قمنا بتفصيل ما أجمله المؤلف بقوله وهذا مبسوط في كتب الفقه وبيان مذاهب العلماء في المسائل الفقهية وبيان ما تضمن الحديث من الفوائد التي لم يذكرها المصنف ﵀. سادسًا: قمنا بترجمة الأعلام الواردة أسماؤهم في الكتاب. سابعًا: قمنا بكتابة مقدمة تشمل مصادر التشريع الإِسلامي حتى يكون القارئ على معرفة بهذا العلم الذي يتناوله الكتاب. ثامنًا: قمنا بوضع أقواس على متن الكتاب ليوضح للقارئ المتن من الشرح والقوس هكذا (). وقمنا كذلك بترقيم الأحاديث. تاسعًا: قمنا بوضع فهارس عامة تحتوي على ما في الكتاب. ولنفرد الآن لبعض علماء السنة ترجمة لكثرة ذكرهم في الكتاب.

стр. 24

البخاري محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزيه -بباء موحدة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم دال مهملة مكسورة ثم زاي ساكنة ثم ياء موحدة ثم هاء ولد أبو عبد الله في شوال سنة أربع وتسعين ومائة. أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين كتب بخراسان والجبال والعراق والحجاز والشام ومصر وسمع على مكي بن إبراهيم وهو من عوالي شيوخه وسمع من عبد الله بن عثمان وعلي بن الحسن بن شقيق وصدفة بن الفضل ومن يحيى بن يحيى وإبراهيم بن موسى ومن محمَّد بن عيسى بن الطباع ومحمد بن سابق ومن أبي عبد الرحمن المقري، وخلاد بن يحيى وحسان بن حسان البصري وخلائق. ومن أشهر تلامذته النسائي والترمذي ومسلم وأبو زرعة وابن خزيمة وخلق. ومن أشهر مصنفاته الجامع الصحيح قال عنه أخرجت الصحيح عن زهاء ستمائة ألف حديث وها وضعت فيه حديثًا إلا اغتسلت وصليت قبل ذلك ركعتين ولقد أثنى عليه كثير من أهل العلم فقال أحمد: ما أخرجت خراسان مثل محمَّد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة. وقال أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن نمير ما رأينا مثل محمَّد بن إسماعيل وغير ذلك كثير. وكانت وفاته سنة ست وخمسين ومائتين ليلة عيد الفطر ﵁ وأدخله فسيع جناته.

стр. 25

مسلم هو الإِمام الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري. ولد بنيسابور سنة (٢٠٤) وطلب الحديث صغيرًا ورحل في طلبه إلى جميع محدثي الأمصار فرحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر وأخذ عن شيوخها من مشايخ البخاري وغيرهم، ولما ورد البخاري بنيسابور في آخر أمره لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه ونظر علمه وهذا حذوه وقد هجر من أجله شيخه محمَّد بن يحيى الذهلي وروى عنه جماعة كثيرون من أئمة عصره وحفاظه وفيهم من أقرانه ومنهم أبو حاتم الرازي وموسى بن هارون وأحمد بن سلمة والترمذي وغيرهم. قال أبو بكر الجارودي حدثنا مسلم بن الحجاج وكان من أوعية العلم وقال مسلمة بن قاسم ثقة جليل القدر من الأئمة وغير ذلك كثير ومن أشهر مصنفاته كتابه الصحيح وغير ذلك توفي ﵀ بنيسابور لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين. أبو داود سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر وقيل ابن إسحاق الأسدي السجستاني. ولد سنة اثنتين ومائتين بالبصرة رحل في طلب العلم وكتب عن أهل العراق والشام ومصر وخراسان وأخذ الحديث عن مشايخ البخاري ومسلم مثل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وقتيبة بن سعيد الحافظ وعثمان بن أبي شيبة وزهير بن حرب بن شداد وعبد الله بن عمر بن ميسرة وغيرهم وأخذ عنه ابنه عبد الله وأبو عبد الرحمن النسائي وأبو علي اللؤلؤي وخلق سواهم.

стр. 26

قال ابن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وحفظًا ونسكًا وورعًا وإتقانًا. وقال موسى بن هارون: خلق أبو داود في الدنيا للحديث وفي الآخرة للجنة. وقال إبراهيم الحربي ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود ﵇ الحديد. ومن أهم مصنفاته كتابه السنن وتوفي ﵀ سنة خمس وسبعين ومائتين بالبصرة عن ثلاث وسبعين سنة. الترمذي هو الإِمام الحافظ البارع محمَّد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك وقيل محمَّد بن عيسى بن يزيد بن سورة بن السكن السلمي الترمذي الضرير. ولد في حدود سنة عشر ومائتين. وقد ارتحل وسمع بخراسان والعراق والحرمين وحدث عن قتيبة بن سعيد وإسحاق بن راهويه ومحمد بن عمرو السواق البلخي ومحمود بن غيلان وإسماعيل بن موسى الفزاري وأحمد بن منيع وغير ذلك كثير. وقد حدث عنه أبو بكر أحمد بن إسماعيل السمرقندي وأبو العباس محمَّد بن أحمد المحبوبي والهيثم بن كليب وخلق من أهل سمرقند ونسف قال الحاكم أبو أحمد سمعت عمران بن علان يقول مات محمَّد بن إسماعيل البخاري ولم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والورع ومن أهم مصنفاته الجامع الصحيح المعروف بالسنن. توفي ﵀ في ثالث عشر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين بترمذ.

стр. 27

النسائي هو الإِمام الجليل الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار النسائي. ولد سنة خمس عشرة ومائتين وطوف وسمع بخراسان والعراق والجبال والحجاز ومصر والشام والجزيرة. وأخذ عن يونس بن عبد الأعلى وكان أفقه مشايخ مصر وأعلمهم بالحديث وخلائق. وروى عنه ابن حوض الحافظ والطحاوي والعقيلي وابن يونس وابن عدي وابن السني. وابنه عبد الكريم وأبو علي الحسن بن الخضر الأسيوطي والحسن بن رشيق العسكري وأبو القاسم حمزة بن محمَّد بن علي الكنائي وخلائق غيرهم. ومن أهم ما صنف الإِمام النسائي السنن وغيرها. ولقد أثنى عليه كثير من أئمة الدين فقال أبو علي النيسابوري سألت النسائي وكان من أئمة المسلمين وقال السبكي سألت شيخنا الذهبي أيهما أحفظ مسلم ابن الحجاج أو النسائي فقال النسائي. وقال ابن عدي سمعت منصور الفقيه وأحمد بن محمَّد بن سلامة الطحاوي يقولان أبو عبد الرحمن إمام من أئمة المسلمين وغير ذلك كثير. توفي ﵀ بفلسطين وقيل بالرملة ودفن ببيت المقدس وقيل بمكة سنة أربع وثلاثمائة شهيدًا ﵀ ورضي عنه.

стр. 28

ترجمة شيخ الإِسلام الشيخ زكريا الأنصاري نَسَبُهُ هو الإِمام فخر المتأخرين علّامة المحققين وفهامة المدققين ولسان المتكلمين وسيد الفقهاء والمحدثين سيبويه زمانه زين الدين أبو يحيى زكريا الأنصاري السنيكي المصري الأزهري الشافعي. مولده ولد شيخ الإِسلام ﵀ في سكينة بشرقية مصر سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة. نشأته قال الشيخ جئت من البلد وأنا شاب فلم أعكف على الاشتغال بشيء من أمور الدنيا ولم أعلق قلبي بأحد من الخلق وكنت أجوع في الجامع كثيرًا فأخرج في الليل إلى الميضاة وغيرها فأغسل ما أجده من قشيرات البطيخ حوالى الميضاة وآكلها وأقنع بها عن الخبز فأقمت على ذلك الحال سنين ثم إن الله تعالى قيّض لي شخصًا من أوليائه تعالى كان يعمل في الطواحين في غربلة القمع فكان يتفقدني ويشتري لي ما أحتاج إليه من الأكل والشرب والكسوة والكتب ويقول لي يا زكريا لا تخف عني من أحوالك شيئًا فلم يزل معي كذلك عدة سنين فلما كان ليلة من الليالي أخذ بيدي والناس نائمون وقال لي قم معي فقمت معه فأوقفني على سلم الوقادة الطويل بالجامع وقال اصعد هذا الكرسي فلم يزل يقول لي اصعد إلى آخر درجة ثم قال أنزل

стр. 29

فنزلت فقال لي يا زكريا إنك تعيش حتى يموت أقرانك ويرتفع شأنك وتتولى مشيخة الإِسلام وترتفع على أقرانك وتصير طلبتك مشايخ الإِسلام في حياتك حتى يكف بصرك فقال الشيخ له ولا بد لي من العمل فقال لا بد ثم انقطع عني فلم أره من ذلك الوقت -قلت- ولما ظهر فضله تتابعت إليه الهدايا والعطايا بحيث كان له قبل دخوله في منصب القضاء كل يوم نحو ثلاثة آلاف درهم فجمع نفائس الكتب وأفاد القارئين عليه علمًا ومالًا وولاه السلطان قايتباي الجركسي قضاء القضاة فلم يقبله إلا بعد مراجعة وإلحاح ولما ولي رأى من السلطان عدولًا عن الحق في بعض أعماله فكتب إليه وزجره عن الظلم فعزله ففرح الشيخ فرحًا شديدًا. طلبه للعلم اشتغل الشيخ ﵀ بالعلوم الشرعية وبرع في طلب العلم فيها فحفظ القرآن وعمدة الأحكام وبعض مختصر التبريزي في الفقه وتحول إلى القاهرة سنة ثمانمائة وإحدى وأربعين فقطن الأزهر وأكمل حفظ المختصر المذكور وحفظ المنهاج الفرعي والنية النحو والشاطبية وبعض المنهاج الأصلي وبعض ألفية الحديث وقرأ كتاب التبيان في آداب حملة القرآن وقرأ سنن ابن ماجه ومسند الشافعي وصحيح مسلم والسنن الصغرى للنسائي وشرح معاني الآثار للطحاوي وغير ذلك مما يعرف من شيوخه وأذن له شيوخه بالتدريس والإِفتاء. شيوخه ظل الشيح يرتحل في طلب العلم يقرأ هنا ويقرأ هناك فقرأ على جماعة منهم:

стр. 30

(١) الإِمام الراحلة زين الدين أبو النعيم رضوان بن محمَّد القصبي. (٢) الإِمام المقري نور الدين علي بن محمَّد ابن الإِمام فخر الدين المخزومي البلبيسي الشافعي إمام الأزهر. (٣) الإِمام العلامة زين الدين طاهر بن محمَّد بن علي الغويري المالكي. (٤) شيخ الحفاظ الحافظ ابن حجر العسقلاني صاحب الفتح. (٥) فقيه الوقت الشرف موسى بن أحمد السبكي ثم القاهري. (٦) العلامة شمس الدين محمَّد بن علي البدرشيني. (٧) العلامة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن رجب القاهري المعروف بالمجدي. (٨) العلامة القاضي شهاب الدين محمَّد بن محمَّد بن أحمد الغزي. (٩) العلامة شمس الدين بن محمَّد بن محمَّد بن أحمد الحجازي صاحب مختصر الروضة. (١٠) الشيخ العلامة شمس الدين محمَّد بن إسماعيل الوقائي. (١١) الشيخ العلامة شمس الدين محمَّد بن علي القاياتي.

стр. 31

(١٢) الشيخ العلامة علم الدين صالح بن شيخ الإِسلام سراج الدين البلقيني. (١٣) محيي الدين الكافيجي. (١٤) والتقي الحصكفي. (١٥) الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن صدفة الحنبلي. وغير ذلك خلائق لا تحصى وأذن له شيوخه بالتدريس والإِفتاء قال العزي وأجازه خلائق يزيدون على مائة وخمسين نفسًا ذكرهم في ثبته. تلاميذه كان ﵀ بارعًا في العلوم الشرعية فأقبلت عليه الطلبة وقصد بالرحلة إليه من الحجاز والشام وكانوا يأتونه من كل فج عميق وعمّر حتى رأى تلاميذه وتلاميذ تلاميذه شيوخًا للإِسلام وقرت عينه بهم في محافل العلم ومجالس الأحكام. ومن أعيان من أخذ عنه: (١) الشيخ العلامة جمال الدين عبد الله الصافي. (٢) الشيخ الإِمام نور الدين المحلي. (٣) الشيخ الإِمام مجلي. (٤) الشيخ الفقيه عميرة البرلسي. (٥) الشيخ العلامة كمال الدين بن حمزة الدمشقي.

стр. 32

(٦) شيخ الإِسلام محمَّد بدر الدين الغزي والد نجم الدين الغزي صاحب الكواكب السائرة. (٧) الشيخ العلامة بدر الدين العلائي الحنفي. (٨) الشيخ العلامة بهاء الدين الفصي. (٩) الشيخ العلامة شمس الدين الشبلي. (١٠) والشيخ الولي الصالح عبد الوهاب الشعراوي. (١١) الشيخ العلامة شهاب الدين الرملي القاهري. (١٢) وشيخ الإِسلام شمس الدين الرملي. (١٣) وشيخ المشايخ مفتي الحجاز شهاب الدين بن حجر الهيتمي. (١٤) الشيخ العلامة الصالح جمال الدين يوسف ولد الشيخ زكريا. (١٥) الشيخ العلامة شمس الدين الخطيب الشربيني المصري. (١٦) الشيخ نور الدين النسفي المصري ثم الدمشقي وغيرهم مما حوته كتب التراجم.

стр. 33

مصنفاته والناظر في كتب شيخ الإِسلام يجد أنها حافلة بالفوائد البهية والنكات الفقهية ولقد تلقاها أهل العلم بالقبول فكتبوا عليها التقريرات والشروح والحواشي فمن أهم مصنفاته: (١) فتح الجليل حاشية على تفسير البيضاوي. (٢) فتح الرحمن في التفسير. (٣) مختصر المرشدي للعمادي (قرأت). (٤) مختصر قرة العين في الفتح والإِمالة (تجويد). (٥) مقدمة في أحكام النون الساكنة والتنوين (تجويد). (٦) تحفة الباري على صحيح البخاري (حديث). (٧) شرح ألفية العراقي في مصطلح الحديث. (٨) مختصر الآداب للبيهقي (حديث). (٩) فتح العلام بشرح الاعلام بأحاديث الأحكام وهو الذي نحن بصدده. (١٠) تنقيح تحرير اللباب (فقه) / (١١) أسنى المطالب في شرح روض الطالب فقه / (١٢) الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (فقه). (١٣) منهج الطلاب (فقه) / (١٤) مختصر أدب القضاء للعزى (فقه). (١٥) وشرحان على الفصول (فرائض) (١٦) وشرع الكفاية لابن الهائم (فرائض). (١٧) شرح مختصر المزني نبه على ذلك في مخطوطتنا. (١٨) وشرح النفحة القدسية لابن الهائم أيضًا (فرائض). (١٩) غاية الأصول شرح لب الوصول (أصول). (٢٠) لب الأصول اختصره من جمع الجوامع. (٢١) حاشية على شرح جمع الجوامع للمحلي (أصول). (٢٢) بضعة على مختصر ابن الحاجب (أصول). (٢٣) وشرح الطوالع أصول الدين.

стр. 34

(٢٤) شرح ايساغوجي (منطق). (٢٥) شرح الشافية لابن الحاجب (لغة). (٢٦) شرح شذور الذهب (لغة). (٢٧) شرح رسالة القشيري (تصوف). (٢٨) شرح رسالة الشيخ أرسلان (تصوف). (٢٩) شرح آداب البحث (جدل). (٣٠) ثبت فيه مروياته ومجيزيه. (٣١) الرائعة رسالة شرح فيها البردة وغير ذلك من المؤلفات التي انتفع بها طلاب العلم وعلماؤهم على مختلف درجاتهم من الثقافة والعلوم.

стр. 35

وَفَاتُه مات شيخ الإِسلام ﵁ يوم الأربعاء ثالث شهر ذي القعدة سنة ست وعشرين وتسعمائة عن مائة وثلاث سنوات وغسل في صبيحة يوم الخميس وكفن وحمل ضحوة النهار ليصلى عليه بجامع الأزهر في محفل من قضاة الإِسلام والعلماء والفضلاء وخلائق لا يحصون واجتمع بالجامع الأزهر ونواحيه أمثالهم اغتنامًا للصلاة عليه وتحول إلى الرُمَيلة وصلّي عليه هناك. قال العلائي ودفن بالقرافة الصغرى بتربة الشيخ نجم الدين الخويشاتي بقرب قبر الإِمام الشافعي في فسقية جديدة أنشأها شرف الدين قريب ابن أبي المنصور. وحزن الناس عليه كثيرًا لمزيد محاسنه ورثاه جماعة من تلامذته فمن ذلك قول عبد اللطيف: قضَى زَكَرِيَا نَحْبَه فَتَفَجّرتْ ... عَلَيه عيُون النِّيل يومَ مَمَاتِه ليَعْلَمَ أنّ الدّهْرَ راحَ إمَامُه ... وما الدّهر يبْقَى بَعْدَ فَقْد إمَامِه سَقَى الله قَبْرًا ضمّه غوثٌ صَبيبٌ ... عليه مَدَى الأيَّام صبْح غَمامِه

стр. 36

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأعن واختم بخير يا رب العالمين. قال سيدنا مولانا قاضي القضاة شيخ مشايخ الإِسلام ملك العلماء الأعلام قاضي النقض والإِبرام سيبويه زمانه فريد عصره وأوانه، زين الدين لسان المتكلمين حجة الناظرين محيي سنة سيد المرسلين: أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي تغمده الله تعالى برحمته وأعاد علينا وعلى المسلمين من بركته.

стр. 37

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي شرح صدورنا لشرح أحاديث خير الأنام، ووفقنا لتهذيب ما تضمنته من الأحكام، والصلاة والسلام على نبينا محمَّد أشرف الأنام وعلى آله وأصحابه وأتباعه البررة الكرام. وبعد فقد كنت لخصت كتابًا سميته الإِعْلَام بأحَادِيث الأحكام وأردت الآن أن أشرحه شرحًا يحل ألفاظه، ويبين مراده مجتنبًا فيه الإِعادة إلا لنكتة يحصل بها إفادة. فشرعت فيه قاصدًا به الأجر والثواب بعون المتفضل الأكرم الوهاب وسميته بفَتْحِ العَلامِ بِشَرْح الإِعلَام بأحَادِيثِ الأحْكَام. والله الهادي إلى أحسن سبيل أسأله أن ينفع به وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 38

(بسْمِ الله الرحْمنِ الرحِيمِ) أي أؤلف، والاسم مشتق من السمو وهو العلو، والله علم للذات الواجب الوجود، والرحمن والرحيم صفتان بنيتا للمبالغة من رحم، والرحمن أبلغ من الرحيم.

стр. 39

لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما قطع وقطع ولقولهم رحمان الدنيا والآخرة ورحيم الآخرة، وقيل رحيم الدنيا. (الْحَمدُ للهِ): الحمد لغة الثناء باللسان على الجميل الإِختياري على جهة التبجيل سواء تعلق بالفضائل أم بالفواضل. وعرفا: فعل ينبيء عن تعظيم المنعم من حيث أنه منعم على الحامد أو غيره. وابتدأت بالبسملة والحمدلة اقتداءًا بالكتاب العزيز وعملًا بخبر "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وفي رواية "بالحمد لله"، فهو أجزم": أي مقطوع البركة. رواه أبو داود وغيره وحسنه ابن الصلاح وغيره.

стр. 40

وجمعت بين الإِبتدائين عملًا بالروايتين وإشارة إلى أنه لا تعارض بينهما إذ الابتداء حقيقي وإضافي. فالحقيقي: حصل بالبسملة والإِضافي بالحمدلة، وقدمت البسملة عملًا بالكتاب والإِجماع، والحمد مختص بالله كما أفادته الجملة سواء أجعلت آل فيه للاستغراقي أم للجنس أم للعهد، وقد بسطت الكلام على البسملة والحمدلة في غير هذا الكتاب، بل أفردت الكلام عليهما وعلى الشكر والمدح في مقدمة لطيفة (الَّذِي ظَهَرَ لمَعالِمِ السُّنَّةِ النّبويَّة سَبِيلًا) أي طريقًا والمعالم جمع معلم أي بوزن مقعد وهو مظنة العلم وما يستدل به كالعلامة، وجعلها: أي السنة أو معالمها الأحكام الشرعية أي الطريقة في الدين دليلًا إلى الدين القويم. (والصلَاةُ) وهي من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن الآدمي والجن تضرع ودعاء، (والسّلامُ) بمعنى التسليم (على نَبِيِّنَا) النبي إنسان أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه فإن أمر به فرسول أيضًا فالنبي أعم من الرسول وعبرت بالنبي لذلك ولأنه أكثر استعمالًا. (مُحمَّدٍ) هو علم منقول من اسم مفعول المضعف سمي به نبينا بإلهام من الله تعالى تفاؤلًا بأنه يكثر حمد الخلق له لكثرة خصاله الجميلة كما روي في السير أنه قيل لجده عبد المطلب وقد سماه في سابع ولادته لموت أبيه قبلها, لم سميت ابنك محمدًا وليس من أسماء آبائك ولا قومك قال رجوت أن يحمد في السماء والأرض.
следующие страницы →