← Акыда

Акыда · id 20593

منهج الإمام جمال الدين السرمري في تقرير العقيدة

خالد المطلق

Полный текст (285 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال الرواي: حتى رأينا أن لا حق لأحد منّا في فضل أو كما جاء، وقد روي «طوبى لمن أعطى الفضل من ماله، وأمسك الفضلَ من لسانه» وهذا على سبيل الندب والاستحباب ألا تراه عدل عنه إلى ما هو أسهل منه، وهو قوله: «فتطعم الطعام، وتُفشي السلام» ... " (١). وقال في موضع آخر عند الكلام على شرح صدر النبي ﷺ : " كما ذكره مسلم في حديثه وبيّن فيه أنه «أخرَج منه علقة فألقاها وقال: هذا حظ الشيطان منك» والعلقة: قطعةُ دم تكون في تجويف القلب وتسمّى السُويداء والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ومن القلب تَجري الحياةُ في البدن وهي التي يقول لها الأطباء الروح والقوة والشهوة والحياة تنبعث من القلب ولهذا كان القلب ملك البدن وكان إذا صلح صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله والقلب ما دامت فيه تلك العَلقَة يدخل الشيطان فيه فهي بَيْتُه منها يتصرف بالوسوسة فأُخرِجت من النبي ﷺ وغُسل مكانها فلم يبق للشيطان عليه سبيل أصلاً ولا بقي له بيت يدخل فيه ولا مسكن وكان يقول ﷺ : «ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه، قالوا: وأنتَ يا رسول الله، قال: وأنا لكن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» وليس المراد أسلم أنا بل أسلم هو من الاستسلام لا من إيمان لأنه قال: «فلا يأمرني إلا بخير» لأنه انقاد وانطاعَ فبقي لا يأمره إلا بما يناسبُ حاله من الخير ﷺ " (٢). وقال في موضع آخر عند الكلام على التواضع والمسكنة لله تعالى وترك التكبُّر والتجبُّر: "عن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيفٍ متضعِّف، لو أقسمَ على الله لأبرَّهُ، ألا أخبركم بأهلِ النار، كل عُتُلِّ جوَّاظٍ مستكبر» ... وقوله في الحديث «عُتُلِّ» العتلُّ: الشديد الخصومة الجافي، اللئيمُ الضريبة، وقال ابن عرفة: هو الفظُّ الغليظُ الذي لا ينقادُ لخير؛ وقوله: «جوَّاظ» الجواظ: هو الكثيرُ اللحم، المختالُ في مشيته" (٣).

стр. 107

المسألة الرابعة: الجمع بين النصوص النبوية التي يوهم ظاهرها التعارض: فمن منهج جمال الدين السرمري ﵀ دفع إيهام تعارض أحاديث النبي ﷺ كما هو منهج أهل السنة، وعدم ضرب بعضها ببعض كما هو منهج أهل البدعة فقد قال في كتابه (شفاء الآلام في طب أهل الإسلام) في باب الجذام عند ذكر المرأة التي تزوجها النبي ﷺ فوجد البياض بكشحها فقال لها: «الحقي بأهلك» قال: "وقد ظن طائفة من العلماء أن هذه الأحاديث معارضة بأحاديث أخر تبطلها وتناقضها منها ما رواه الترمذي: أن رسول الله ﷺ أخذ بيد مجذوم فأوصلها معه في القصعة وقال: «كل باسم الله ثقة بالله وتوكلاً على الله» وبما في الصحيح أنه قال: «لا عدوى ولا طيرة» - قال: - ونحن نقول: لا تعارض بحمد الله في أحاديثه الصحيحة، فإذا وقع التعارض فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه ﷺ ، أو قد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتاً فالثقة يغلط، أو يكون التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه ﷺ ، فلا بد من خروجه من هذه الوجوه الثلاثة، فأما حديثان صحيحان صريحان متعارضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخاً للآخر فهذا لا يوجد أصلاً، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق إلا الحق، فالآفة من التقصير في معرفة المقول والتمييز بين الصحيح والمعلول، أو من القصور في فهم مراده ﷺ وحمل كلامه على غير ما قصد به، أو منهما معاً، ومن هنا وقع في الاختلاف والفساد ما وقع" (١). ومن أمثلة ذلك قوله عند الكلام على التواضع والمسكنة لله تعالى وترك التكبُّر والتجبُّر: "عن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيفٍ متضعِّف، لو أقسمَ على الله لأبرَّهُ، ألا أخبركم بأهلِ النار، كل عُتُلِّ جوَّاظٍ مستكبر» ... وأما الحديثُ الذي وردَ أن: المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، فليس هذا بالمناقض لما نحن فيه، فإن المقصودَ هنا بالقوةِ القوةُ في دين الله تعالى وعبادتهِ وامتثالِ أوامرهِ

стр. 108

بالوجباتِ تضاعفاً والانزجارِ عما نهى" (١). وقال في موضع آخر في سياق الكلام على الطيرة: "وأما ما روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «إن الطيرة في ثلاث: في الدار والمرأة الفرس» فالجواب عنه: أن عائشة ﵂ طعنت عليه وبيَّنت تثبيت الحديث وذنك أنها ذُكر لها قول أبي هريرة فقالت: لم يحفظ أبو هريرة، دخل علينا ورسول الله ﷺ يقول: «قاتل الله اليهود؛ يزعمون أن الشؤم في الدار والمرأة والفرس» فسمع أبو هريرة آخر الحديث ولم يسمع أوله؛ وفي رواية: أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث عن النبي ﷺ : «إن الطيرة في ثلاث: في الدار والمرأة والفرس» فغضبت عائشة ﵂ غضباً شديداً، وقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما قاله، إنما قال: «أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك» فقد بيَّنت عائشة وجه الحديث وسببه، وأن ذلك من قول اليهود والجاهلية، وبيَّنت أن أبا هريرة لم يسمع أول الحديث؛ وقد تأول قوم حديث أبي هريرة في أن الشؤم في المرأة إذا كانت لا تلد أو سيئة الخلق، وفي الدار إذا كانت بعيدة عن المسجد أو ضيقة وجيرانها جيران سوء، وفي الدابة إذا كانت تعضُّ أو ترفُس، أو كانت مربوطة للفخر والخيلاء ... ؛ فأما ما روى أنس أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نزلنا داراً فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا، ثم تحولنا عنها إلى أخرى، فقلَّت فيها أموالنا، وقل فيه عددنا، فقال رسول الله ﷺ : «فَذَرُوها ذميمةً» فالجواب: أنه قال لهم: «فَذَرُوها ذميمةً» لما كان استقر في أنفسهم في زمان الجاهلية من شؤم الدار، فأمرهم بالنقلة عنها ليزول ما توهموه في قلوبهم من أن الشؤم في المسكن وما لحقهم من الاستيحاش فيها، والتثاقل بها، يستعجلوا الراحة ويزول عنهم توقع البلاء الذي قد استشعروه من نزول الحوائج، وإن لم يكن لذلك في الحقيقة أصل، ولئلا يعتقدوا التشاؤم بالدار، ويفهم من قوله: «فَذَرُوها ذميمةً» وعدم التصريح لهم والتعريف بذكر الشؤم أن ذلك قد كان قدَّره لهم بقوله: «لا عدوى ولا طيرة» وكان سؤال السائل في ذلك على سبيل الاستفهام لما أشكل عليه وقوع النقص

стр. 109

بسكن الدار الثانية دون الأولى، كما قال ذلك الرجل: إن النُقبة تكون في مشفر البعير، فتدخل في الإبل فتجرب، فقال له: «فَمن أعدى الأوَّل» وقال هنا: «فَذَرُوها ذميمةً» حسماً لوهم صاحب البعير أن بعيره خالط غيره فأعداه، ويتسلسل ذلك في ظنه، فقطعه بهذا الجواب، وقال لصاحب الدار: «فَذَرُوها ذميمةً» خوفاً عليه أن يقوى وهمه باستمرار النقص عليه بالمقام بها، فيؤدي ذلك إلى سوء اعتقاده فيما أخبره به أولاً أنه لا عدوى ولا طيره" (١). المسألة الخامسة: تفسير السنة بالقرآن: قد سلك الإمام جمال الدين السرمري مسلك الأئمة الأعلام في التعامل مع نصوص السنة، فالتمس من آيات القرآن ما يقوي به وجه الاستشهاد بالسنة؛ تارةً تأكيداً، وتارة بياناً. ومثال ذلك قوله عند الكلام على تفسير الآل: "في الصحيح أنَّ النبي ﷺ سئل فقيل: يا رسول الله قد عَلِمْنا كيف السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك لي محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنَّك حميد مجيد» واختلف الناس في آله من هم، فقيل: أهل بيته، وهذا هو الصحيح إن شاء الله، وقيل: جميع أمته فيدخل فيه أهله وأزواجُهُ وكل مؤمن به وقد قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: من الآية ٤٦] وأراد بذلك قومه كُلهم" (٢). وقال في موضع آخر عند الكلام على حفظ اللسان والفرج: "عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من توكَّل لي ما بين لحييه وما بين رجليه توكلتُ له بالجنة» أخرجه البخاري ... والمراد بما بين الرجلين الفرج، وقد أمر الله تعالى بحفظه في كتابه ووعد على حفظه بالفلاح في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ

стр. 110

(٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] " (١). وقال في موضع آخر عند الكلام على عظم أجر الصائم: "وجاء في الحديث أيضاً: «إن الله تعالى يقول: الصومُ لي وأنا أجزي به» يشيرُ إلى عظم ثوابه لأنه لم يُحِدَّهُ، ولم يوقفْ عليه بشراً فهو من قبيل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: من الآية ١٧] " (٢). المسألة السادسة: تفسير الحديث بالحديث: وهذا من أولى ما فُسرت به النصوص الشرعية، لأن الشارع أعلم من غيره بالمراد من النص الشرعي، وعلى هذا سار أئمة الإسلام. ومثال ذلك قوله عند الكلام على حفظ اللسان والفرج: "عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من توكَّلَ لي ما بين لَحْيَيْه، وما بين رجليه توكلتُ له بالجنة» أخرجه البخاري ... وقد جاء الحديث: «طوبى لمن أمسكَ الفضل من لسانه» وقد سبق وذلك لأن «كلام ابن آدم كلَّهُ عليه لا له، إلا أمرٌ بالمعروف، أو نهيٌ عن منكر، أو تلاوةُ كتابِ الله» كذا جاء الحديث" (٣). وقال في موضع آخر: "قوله: «فإن لم تُطق فأمسك لسانك إلا من خير» وهذا من جوامع الخير؛ لأنه قد جاء الحديث «كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر, أو قراءة القرآن» فإذا سَلِمَ الإنسانُ من غائلة اللسانِ سَلِمَ من غائلة الإثم والعصيان كما قال: «وهل يكبُّ الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» " (٤). وقال في موضع آخر عند الكلام على ترك التهاجر والتشاجر: "عن أبي هريرة ﵁ أن

стр. 111

رسول الله ﷺ قال: «تُفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا» أخرجه مسلم، يشترط في هذه الهجرة أن تكون في غير ذات الله تعالى، كمن هجر مسلماً غير مبتدع ... لأنه ورد أن: «من سلَّم على صاحب بدعةٍ فقد أعانَ على هدم الإسلام» " (١). المسألة السابعة: تفسير السنة بأقوال السلف: لا ريب أن السلف كانوا أدرى الناس بأحكام السنة وألفاظها، وأن أقوالهم مقدمة على أقوال غيرهم في فهم النصوص الشرعية، وقد نقل الإمام جمال الدين السرمري بعض الآثار عن السلف الدالة على تفسيرهم للسنة، ومن ذلك قوله عند الكلام على حسن الخلق: "وسئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يُدخلُ الناسَ الجنة فقال: «تقوى الله وحسن الخلق» ووصف ابنُ المبارك رحمة الله عليه حسن الخلق فقال: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكفُّ الأذى" (٢). وقال في موضع آخر عند الكلام على الإيمان: "وعن عامر بن سعد عن أبيه: أن النبي ﷺ أعطى رجالاً ولم يعط رجالاً، قال: فقلت: أعطيت فلاناً وتركت فلاناً لم تعطه وهو مؤمن، فقال النبي ﷺ : «أو مسلم» فأعدتها عليه ثلاثاً وهو يقول: «أو مسلم» ثم قال: «إني لأعطي رجالاً وأمنع رجالاً ممن هو أحبُّ إلي منهم مخافة أن يكَبُّوا في النارِ على وجوههم» أو قال: «على مناخرهم»؛ قال الزهري: فيرى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل" (٣). وقال في موضع آخر عند الكلام على أحكام بيع الأصول والثمار: "وفي لفظ قال: «إن بعت من أخيك ثمراً فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بِمَ تأخذ مال أخيك

стр. 112

بغير حق» رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. فصل، قال عطاء: الجوائح كل ظاهرٍ مفسدٍ من مطرٍ أو بردٍ أو جرادٍ أو ريحٍ أو حريقٍ" (١). المسألة الثامنة: إيراد الروايات والألفاظ الموضحة للحديث: فجمع روايات الحديث الواحد، وذكر ألفاظه مما يبين المراد منه. مثال ذلك قوله عند الكلام على أحكام الهبة والهدية: "عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به النبي ﷺ ، فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله ﷺ : «أكُلُّ ولدكَ نحلتَهُ مثل هذا» فقال: لا، فقال: «فارجعه» متفق عليه؛ وفي روايةٍ «فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق»؛ وفي روايةٍ: «لا تشهدني على جور، إن لبَنِيك عليك من الحق أن تعدلَ بينهم»؛ وقال في روايةٍ: «فاتقوا الله واعْدِلوا بين أولادكم» قال: فرجع فردَّ عطيتَهُ" (٢). وقال في موضع آخر عند الكلام على أحكام صلاة الكسوف: "و «صلَّى في كسوف قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، والأخرى مثلها» وفي رواية: «ثماني ركعات في أربع سجدات» روى ذلك أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود؛ و «جَهَر في صلاة الخسوف بقراءَته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات» أخرجاه، وفي روايةٍ: «فجَهَر بالقراءة، وأطال القيام» رواه أحمد" (٣). وقال في موضع آخر عند الكلام على إحياء الموات: "وقال النبي ﷺ : «من أحيا أرضاً ميتةً فهي له» رواه أحمد والترمذي وصححه، وفي رواية: «من أحاط حائطاً على أرض فهي له» رواه أحمد وأبو داود، وفي رواية أخرى زاد: «وليس لِعِرْقٍ ظالمٍ حقٌ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي" (٤).

стр. 113

وقال في موضع آخر عند الكلام على فضل المشي إلى المساجد: "وقال لقوم أرادوا أن يحوِّلوا بيوتَهم إلى قربِ المسجد: «دياركم تُكتب آثاركم» يعني الزموا دياركم البعيدة من المسجد لتكثُرَ حسناتكم بكثرةِ الخُطا إلى المسجد, والله أعلم؛ وفي روايةٍ قال لهم: «إن لكم بكلِّ خطوة درجة» والقوم هم بنو سلمة من الأنصار، وفي أفراد البخاري من حديث أبي بن كعب ﵁ قال: كان رجلٌ لا أعلم رجلاً أبعدَ من المسجدِ منه، وكان لا تُخطئه صلاةً - يعني في المسجد جماعة - قال: فقيل له، أو قلتُ له: لو اشتريتَ حماراً تركبهُ في الظلماء أو في الرمضاء، قال: ما يسرُّني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريدُ أن يُكتَبَ لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعتُ إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ : «قد جمع اللهُ لك ذلك كله» وفي رواية: «إن لك ما احتسبت» " (١). المسألة التاسعة: تقديم الحديث على القياس: ليس أحد من الأئمة إلا وهو يقدم الحديث على القياس، فقدم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة على محض القياس وأجمع أهل الحديث على ضعفه، وقدم الشافعي خبر جواز الصلاة بمكة وقت النهي مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد، وأما مالك فإنه يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي على القياس (٢)، وقال عبدالله بن أحمد سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحب إلي من الرأي، فقال عبدالله: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه وأصحاب الرأي فتنزل به النازلة، فقال أبي: يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي (٣).

стр. 114

وقد سلك جمال الدين السرمري ﵀ مسلك السلف في الاعتصام بالسنة وتقديمها والاعتناء بها، ومن أمثلة ذلك قوله عند الكلام على الطب النبوي وتقديمه على طب الفلاسفة: "ليس حال من وصّل إلينا الحديث النبوي من أهل الإسلام ولو كان مهما كان من الوهن بأدنى مقالة ممن وصل إلينا عنه طب بقراط وجالينوس" (١). وقال في موضع آخر: " ومن هنا توسعنا في الرواية عن الصغار في الأحاديث الطبية عن النبي ﷺ مالم نتوسعه في الأحاديث الدينية لأنا وجدنا بين ما نقلنا عنه بعض الأحاديث الطبية من الضعفاء وبين من نقلها عن بقراط وجالينوس ونحوهما بوناً عظيماً بل غالبهم كفار" (٢). وقال في موضع آخر عند الكلام على العدوى: "وقد زعم قوم جهال ينتسبون إلى العلم وليسوا من أهله، ويجرون في ميدانه وليسوا بخيله ولا رجله، أن هذا الداء وغيره من بقية الأدواء يُعدي ... وهذا خُلف من القول وزيف من النقل، لا يجوز استماعه، ولا يَحِلُّ اعتقاده لما جاء في ذلك من الأحاديث الصحيحة بالعبارات الواضحة الصريحة" (٣). وقال في موضع آخر عند الكلام على أن لبس الحرير يمنع تولد القمل: "ولما روى أنس ﵁: «أن النبي ﷺ رخّص لعبدالرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما»، وفي رواية: «أنهما شكوا إليه القمل فرخص لهما في قمص الحرير في غزاة لهما» أخرجاه في الصحيحين؛ فلبس الحرير يمنع تولد القمل خلافاً لابن سينا فإنه يزعم أن لبسه يولد القمل وقول النبي ﷺ أصدق وأولى بالقبول" (٤).

стр. 115

المطلب الثالث: موقفه من علم الكلام: تمهيد: تعريف علم الكلام: تعددت تعريفات علم الكلام، وبيان حده وحقيقته. فقال الإيجي والتهانوي أنه: "علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينيّة بإيراد الحجج ودفع الشبه" (١). وقال التفتازاني أنه: "العلم بالقواعد الشرعيّة الاعتقاديّة المكتسب من أدلتها اليقينيّة" (٢). وقال الجرجاني أنه: "علم يبحث فيه عن ذات الله وصفاته وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام"، ثم قال: "والقيد الأخير - على قانون الإسلام- لإخراج العلم الإلهي للفلاسفة" (٣). وأولى التعريفات به أن يعرف بأنه: "علم يقتدر به على المخاصمة والمناظرة والمجادلة في العقائد بإيراد الحجج والشبه ودفع إيرادات الخصوم" (٤) فهو مراء متعلق بإظهار المذاهب والانتصار لها. سبب تسميته: تعددت أسباب تسمية هذا الجدل المذموم بعلم الكلام، وأكثر من جمع هذه الأسباب هو التفتازاني في شرح العقائد النسفية، وهي (٥):

стр. 116

١ - لأن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا. ٢ - لأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه، وأكثرها نزاعاً وجدالاً، حتى إن بعض المتغلبة قتل كثيراً من أهل الحق، لعدم قولهم بخلق القرآن؛ وهذا السبب قد نقده شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "وأيضاً فما ذكره الشهرستاني ليس بصحيح في اسم المتكلمين كانوا يسمون بهذا الاسم قبل منازعتهم في مسألة الكلام، وكانوا يقولون عن واصل بن عطاء أنه متكلم، ويصفونه بالكلام، ولم يكن الناس اختلفوا في مسألة الكلام" (١). ٣ - لأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات، وإلزام الخصم كالمنطق للفلسفة؛ قال الباحث: وهذا السبب باطل، بل علم الكلام يورث صاحبه العيَّ والسفسطة العقلية بشهادة أئمته. ٤ - لأنه أول ما يجب من العلوم التي إنما تُعلم وتُتعلم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك ثم خص به، ولم يطلق على غيره تمييزاً؛ قال الباحث: وهذا السبب باطل، بل أول واجب من العلوم هو الإيمان بالكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ٥ - لأنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام من الجانبين، وغيره قد يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب. ٦ - لأنه أكثر العلوم خلافاً ونزاعاً فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين، والرد عليهم. ٧ - لأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم كما يقال للأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام؛ قال الباحث: وهذا السبب واضح البطلان، فأيُّ قوة توصل صاحبها إلى الشك والحيرة. ٨ - لأنه لابتنائه على الأدلة القطعية المؤيدة أكثرها بالأدلة السمعيّة أشد العلوم تأثيراً في القلب، وتغلغلاً فيه، فسُمي بالكلام المشتق من الكَلْم وهو الجرح؛ قال الباحث: وهذا السبب كسابقه.

стр. 117

٩ - لأن المتكلمين كانوا يتكلمون حيث ينبغي الصمت اقتداء بالصحابة والتابعين الذين سكتوا عن المسائل الاعتقادية لا يخوضون فيها، فأصبح الكلام هنا ضد السكوت؛ قال الباحث: وهذا السبب إن أريد به أن المتكلمين خاضوا بالكيفيات حتى عطلوا الصفات فهذا صحيح، وإن أريد أن الصحابة والتابعين صمتوا في معاني الصفات وفوضوها فهذا باطل. ١٠ - لأن المتكلمين قوم يقولون في أمور ليس تحتها عمل، فكلامهم نظري لفظي لا يتعلق به فعل، فأصبح الكلام - هنا - ضد الفعل؛ قال الباحث: وهذا السبب ضعيف، فكثير من العلوم الخبرية لا يتعلق بها فعل ومع ذلك لا تسمى علم كلام، ثم القول بأن المتكلمين يقولون في أمور ليس تحتها عمل غير دقيق، فبعض المسائل التي يذكرها أهل الكلام يتعلق بها فعل، فالمتكلم الذي ينفي العلو مثلاً ويقول بالحلول فسيعبد الخلق، والمتكلم الذي ينفي الرؤية في الآخرة لن يدعو بها، والترك عمل. ذم جمال الدين السرمري لعلم الكلام: إن الإمام جمال الدين السرمري جعل قطب الرحى في التلقي الكتاب والسنة، وهما الركيزة الأساسية، ومن الأمور التي انحرف بسببه كثير من أهل الزيغ والضلال عن منهج الكتاب والسنة، بل يعد منعطفاً خطيراً زلت فيه أقدامهم، ألا وهو علم الكلام. ففي بيان خطر هذا المزلق يقول ﵀: "ولاخير في علم الكلام لأنَّه ... خلافُ كلامِ المصطفى الطَّاهر الطُهْرِ أدِلَّتُهُ لا مِنْ كتابٍ وسنةٍ ... بَلى مِن كلامِ الأخطل الفَاجرِ العِرِّ (١) يدورُ على التعطيل لا دَرّ دَرُّه ... بتمويهِ قولٍ في المَخارجِ مُزْوَرِّ وما قصْده نفيُ المَخارج ويحه ... بلى قصْدُهُ نَفْيُ الكلام من السِّفْرِ

стр. 118

فتبّاً لهذا المَذهبِ المُذهبِ الذي ... أقَلُّ أذى فيه بصاحبِهِ يُزْري" (١). وذم أهله وبَيَّن الفرقان بينه وبينهم في التلقي، وأن مصدرهم آراء الرجال وزبالة أذهانهم فيقدمون العقل على القرآن والسنة فقال: "ويكفي سُواي أنَّه مُتمسِّكٌ ... بتعليم عِلْم المنطقِ السَّيئ النَّشْرِ عقيدته أنَّ الكتاب وسُنَّـ ... ـة النَّبي معاً ليسا دليلاً على أمْرِ ولكن دليلُ الأمر والنهي عنده ... نتيجة أفكارٍ على عقْله يَحْري" (٢). وقد حذر السلف من هذا المنهج الباطل وأجمعوا على ذم الكلام وأهله. قال أبو عمر بن عبدالبر: "أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم" (٣). وقال الشافعي ﵀: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام" (٤). وقال أيضاً: "اعلم أني اطلعتُ من أهل الكلام على شيء ماظننته قط، ولأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام" (٥). وقال الإمام أحمد: "لا يفلح صاحب كلام أبداً، علماء الكلام زنادقة" (٦). وقال الإمام البربهاري: "واعلم أنها لم تكن زندقة، ولا كفر، ولا شكوك، ولا بدعة، ولا

стр. 119

ضلالة، ولا حيرة في الدين إلا من الكلام وأهل الكلام والجدل والمراء والخصومة والعجب، وكيف يجترئ الرجل على المراء والخصومة والجدال والله يقول: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] " (١). وقال ابن حجر ﵀: "وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلاً يردون إليه من خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرهاً، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف" (٢).

стр. 120

الفصل الثالث منهج جمال الدين السرمري في تقرير التوحيد وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: تمهيد: تعريف التوحيد وأقسامه. المبحث الأول: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الربوبية. المبحث الثاني: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الألوهية. المبحث الثالث: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الأسماء والصفات.

стр. 121

تمهيد في تعريف التوحيد وأقسامه ١ - تعريف التوحيد: أ- التوحيد لغة: هو تفعيل وحد يقال: "وحده توحيداً: أي جعله واحداً" (١). قال ابن فارس: "الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد" (٢). وقال أبو القاسم الأصبهاني (٣): "التوحيد على وزن التفعيل وهو مصدر وحّدته توحيداً ... ومعنى وحّدته: جعلته منفرداً عما يشاركه أو يشبهه في ذاته وصفاته، والتشديد فيه للمبالغة أي بالغت في وصفه بذلك، وقيل: الواو فيه مبدلة من الهمزة، والعرب تبدل الهمزة من الواو، وتبدل الواو من الهمزة كقولهم: وشاح وأشاح ... ويقال: جاؤوا أحاد أحاد، أي واحداً واحداً، فعلى هذا: الواو في التوحيد أصلها الهمزة، قال الهذلي: ليث الصريمة أحدان الرجال له صيد ومجتزئ بالليل هجّاس وتقول العرب: واحد وأحد ووحد ووحيد، أي: منفرد، فالله تعالى واحد، أي منفرد عن الأنداد والأشكال في جميع الأحوال. فقولهم: وحّدت الله، من باب عظمت الله، وكبرته، أي علمته عظيماً وكبيراً، فكذلك وحّدته، أي علمته واحداً، منزهاً عن المثل في الذات والصفات" (٤).

стр. 122

وقال الجرجاني: "التوحيد في اللغة: الحكم بأن الشيء واحد والعلم بأنه واحد" (١). وقال السفاريني: "والتوحيد تفعيل للنسبة كالتصديق والتكذيب لا للجعل، فمعنى وحدت الله نسبت إليه الوحدانية، لا جعلته واحداً، فإن وحدانية الله تعالى ذاتية له ليست بجعل جاعل" (٢). ب- التوحيد اصطلاحاً: تقسمت الطوائف في مفهوم التوحيد، وسمّى كل طائفة باطلهم توحيداً. فأتباع الفلاسفة، عندهم التوحيد: إثبات وجود مجرد عن الماهية والصفة، بل هو وجود مجرد مطلق، لا يعرض لشيء من الماهيات ولا يقوم به وصف، ومن فروع هذا التوحيد: إنكار ذات الرب، والقول بقدم الأفلاك؛ فتوحيد هؤلاء: هو غاية الإلحاد والجحد والكفر (٣). وأما الاتحادية، فالتوحيد عندهم: أن الحق المنزه هو عين المشبه، وأنه سبحانه هو عين وجود كل موجود وحقيقته وماهيته، فهو عندهم عين الناكح وعين المنكوح، وعين الذابح وعين المذبوح (٤)، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. وأما أهل الكلام، فالتوحيد عندهم: "إفراد القديم من الحدث" (٥). وقيل: "اعتقدته منفرداً بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه" (٦).

стр. 123

وقيل: "سلبت عنه الكيفية والكمية فهو واحد في ذاته لا انقسام له، وفي صفاته لا شبيه له، وفي إلهيته وملكه وتدبيره لا شريك له ولا رب سواه ولا خالق غيره" (١). وقيل: "إثبات ذات غير مشبهة بالذوات ولا معطلة عن الصفات" (٢). وقيل: "نفي التقسيم لذاته ونفي التشبيه عن حقه وصفاته ونفي الشريك معه في أفعاله ومصنوعاته فلا تشبه ذاته الذوات ولا صفته الصفات" (٣). وقيل: "تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الأفهام ويتخيل في الأوهام والأذهان وهو ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية والإقرار بالوحدانية ونفي الأنداد عنه جملة" (٤). وقيل: "إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له" (٥). وقيل: "واحد في ذاته لا قسمه له ولا صفة له، وواحد في أفعاله لا شريك له، فلا قديم غير ذاته، ولا قسيم له في أفعاله" (٦). وقيل: "إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد" (٧). وفي الجملة فمفهوم التوحيد عند أهل الكلام هو نفي الصفات بدعوى التشبيه، وغالب تعريفات أهل الكلام لا تتعرض لتوحيد العبادة ولا تعرج عليه، وبخاصة الأشاعرة فهم مرجئة في التوحيد كما أنهم مرجئة في الإيمان (٨)، فلا يرون أن توحيد الألوهية من حقيقة التوحيد الذي يقع

стр. 124

فيه الشرك، وذلك بسبب اعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الألوهية الذي جاءت به النصوص، وأن معنى لا إله إلا الله لا خالق إلا الله أو لا قادر على الاختراع إلا الله، فأفنوا أعمارهم بما لم ينازع فيه المشركون. وأما القدرية فالتوحيد عندهم: هو إنكار قَدَر الله، وعموم مشيئته للكائنات وقدرته عليها، ومتأخروهم ضموا إلى ذلك: توحيد الجهمية، فصار حقيقة التوحيد عندهم: إنكار القدر، وإنكار حقائق الأسماء الحسنى والصفات العلى (١). وأما الجبرية، فالتوحيد عندهم: هو تفرد الرب تعالى بالخلق والفعل، وأن العباد غير فاعلين على الحقيقة، وأن الرب تعالى لم يفعل لحكمة، ولا غاية تطلب بالفعل، بل ما ثم إلا مشيئة محضة (٢). وأما مفهوم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله، ونزلت به كتبه، فوراء ذلك كله وهو: "أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له" (٣). وهذا ما فسر به جمال الدين السرمري التوحيد بقوله: "وأشهد أن لا إله إلا الله الغني عن الشركاء، المنزه عن الأشباه والنظراء، المقدس عن الصاحبة والوزراء، المبرئ عن الآباء والأبناء" (٤). ٢ - أقسام التوحيد: من العلماء من قسّمه إلى ثلاثة أقسام وهو المشهور (٥)، ومنهم من قسّمه إلى قسمين.

стр. 125

فالقسمة الثلاثية هي: ١ - توحيد الأسماء والصفات. ٢ - توحيد الربوبية. ٣ - توحيد الألوهية (١). أما القسمة الثنائية فهي: ١ - توحيد الإثبات والمعرفة. ٢ - توحيد القصد والطلب (٢). ولامشاحة بين الطريقتين في التقسيم، ولا منافاة بينهما فمن جعله ثنائياً فقد أجمل ومن جعله ثلاثياً فقد فصل. أما منهج الإمام جمال الدين السرمري في ذلك فمنهج من ذهب إلى القسمة الثلاثية، دل على هذا قوله في معرض كلامه على علاج الكرب والهم والغم والحزن: "ويحتاج إلى استفراغ كلّي: الأول: توحيد الربوبية. الثاني: توحيد الإلهية. الثالث: توحيد العلمي الاعتقادي" (٣). وقال في موضع آخر في معرض كلامه على سورة الفاتحة: "المتضمنة لجميع معاني كتب الله، المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب ومجامعها وهي: الله، والرب، والرحمن؛ وإثبات المعان، وذكر التوحيدين: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية" (٤).

стр. 126

المبحث الأول منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الربوبية المطلب الأول: تعريف توحيد الربوبية: أ- تعريفه لغة: توحيد الربوبية مركب من كلمتين: "توحيد" وتقدم تعريفها، و"الربوبية" وهي مأخوذة من الرب. يقول ابن فارس ﵀: "الراء والباء يدل على أصول: فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه. فالرّبُّ: المالك، والخالق، والصاحب؛ والرب: المصلح للشيء، يقال: ربَّ فلان ضَيعتَه، إذا قام على إصلاحها. والأصل الآخر: لزوم الشيء، والإقامة عليه. وهو مناسب للأصل الأول، يقال: أربَّت السّحابة بهذه البلدة، إذا دامت. والأصل الثالث: ضم الشيء للشيء، وهو أيضاً مناسبٌ لما قبله. يقال للخرقة التي يُجعل فيها القداح: رِبابَةٌ، وسمي العهد رِبابة لأنه يجمع ويؤلِّف. ومتى أنعم النظر كان الباب كله قياساً واحداً" (١). ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى، فلا يقال "الرب" إلا عليه سبحانه، وإذا أطلق على غيره أضيف، فيقال: رب كذا (٢).

стр. 127

ب- تعريفه في الاصطلاح: قال الشيخ سليمان بن عبدالله: "هو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء، ومالكه، وخالقه، ورازقه، وأنه هو المحيي والمميت، النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك" (١). وقد أشار جمال الدين السرمري ﵀ إلى هذا المعنى، فمن ذلك قوله في بيان وحدانية الباري ﷻ بالخلق والرزق: "فالله تعالى لم يخلق شيئاً فقدِر الخلق أن يعملوا مثله، فإنه تعالى أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض وأخرج به من كل الثمرات، ولا يقدر أحد من الخلق على فعل شيء من ذلك، وخلق الحيوانات والهوام وغير ذلك من ذوات الأرواح فلا يستطيع أحد من الخلق أن يعملوا مثلها ... فلا يمكنهم نقل نوع مخلوق من الحيوان والنبات والمعدن إلى آخر مخلوق" (٢). وقال في موضع آخر في مقدمة (كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون): "الحمد لله القدير الصانع، المعطي المانع، الضار النافع، المفرق الجامع، الخافض الرافع، الذي ليس لما قضاه دافع، ولا له في حكمه منازع" (٣). وقال في موضع آخر في معرض كلامه على شروط العبودية: "وإلقاء مقاليد الأمور كلها إليه، وأن يعترف له بالقدرة على جميع المخلوقات، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ... " (٤). وقال في في موضع آخر في معرض كلامه على نفي العدوى: "فبطل أن يقال: حدث هذا المرض بالإعداء، وثبت أنه فعل الله تعالى، فَعَلَه بالقدرة والاختيار، إن شاء فعله مع ملابسته ذي الداء والعامة، وإن شاء فعله منفرداً عنه ابتداءً واستقلالاً ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

стр. 128

[الأعراف: من الآية ٥٤]، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] إنما قوله لشيء إذا أراد أن يكون أن يقول له: كن فيكون، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب" (١). وقال في موضع آخر: "والغرض هاهنا أنه لا يُمرض إلا الله، ولا يُعافي سواه، ولا يحيي ولا يميت إلا إياه، وهذه الأسباب التي تحصل منها التأثيرات من حمة وسقم كلها خلق من خلق الله، جارية بمشيئته وواقعة بإرادته، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين، وكل يجري لأجل مسمى ليقضي الله أمراً كان مفعولاً" (٢). المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي: إن كل معاني لفظ الرب في اللغة صادقة على الله ، فهو المالك لها، والسيد عليها، والمدبر لمصالحها، والقائم بحفظها، والمؤلف بينها، لا يشاركه فيها أحد من خلقه، تعالى الله الواحد الفرد الصمد. المطلب الثاني: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الربوبية: ١ - أدلة توحيد الربوبية: قرر جمال الدين السرمري ﵀ أن الإيمان بوجود الله قد دلت عليه بعثة الأنبياء وآياتهم, ونفى أن يكون الدليل العقلي متقدم عليها كما يزعم أهل الكلام، بل إنه أبطل دلالة العقل من القياس في الرب على معرفة الله، وقرر أنه لا يحصل للعقل من القياس في الرب إلا

стр. 129

العلم بالسلب، والعدم؛ إذا كان القياس صحيحاً، يقول ﵀: ويكفي سُواي أنه متمسك ... بتعليم علم المنطق السَّيئِ النَّشْرِ عقيدته أن الكتاب وسُنَّـ ... ـة النَّبي معاً ليسا دليلاً على أمْرِ ولكن دليلُ الأمر والنَّهي عنده ... نتيجةُ أفكارٍ على عقله يحري وذاك دليلٌ في الشريعةِ باطِلٌ ... لأنّا عرفنا الله بالنَّقل لا الفِكْرِ ومعرفةُ الرحمن بالعقل فِريَةٌ ... عليه وليس العُرْفُ بالشيء كالنُّكرِ وما قرره جمال الدين السرمري ﵀ هو قول الأئمة في هذا الباب، فأما كون أن العقل لا يحصل له من القياس في الرب إلا السلب فقد قال شيخ الإسلام ﵀: "لكن هذا القدر يعرف انتفاء غيره أن يكون إياه، وأما عينه فلا يعرف بمجوع تلك القضايا الكلية، فلا يحصل للعقل من القياس في الرب إلا العلم بالسلب، والعدم؛ إذا كان القياس صحيحاً. ولهذا جاءت الأمثال المضروبة في القرآن -وهي المقاييس العقلية- دالة على النفي في مثل قوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ... ﴾ الآية [الروم: ٢٨] ومثل قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ... ﴾ الآيات [النحل: ٧٦] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... ﴾ الآية [الحج: ٧٣] وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ ... ﴾ الآية [الإسراء: ٤٢] وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: من الآية ٩١] وأمثال ذلك من الأمثال -وهي القياسات- التي مضمونها نفي الملزوم لانتفاء لازمه، أو نحو ذلك؛ ولهذا كان الغالب على أهل القياس من أهل الفلسفة، والكلام، في جانب الربوبية: إنما المعارف السلبية" (١). وأما أن الإيمان بوجود الله قد دلت عليه بعثة الأنبياء وآياتهم فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قال القاضي أبو يعلى في عيون المسائل: [مسألة] ومثبتو النبوات حصل لهم المعرفة بالله

стр. 130

تعالى بثبوت النبوة من غير نظر واستدلال في دلائل العقول، خلافاً للأشعرية في قولهم: لا تحصل حتى تنظر وتستدل بدلائل العقول ... وقال البيهقي في كتاب الاعتقاد ماذكره الخطابي أيضاً في "الغنية عن الكلام وأهله": وقد سلك بعض من بحث في إثبات الصانع وحدوث العالم طريق الاستدلال بمقدمات النبوة ومعجزات الرسالة، لأن دلائلها مأخوذة من طريق الحس لمن شاهدها، ومن طريق استفاضة الخبر لمن غاب عنها، فلما ثبتت النبوة صارت أصلاً في وجوب قبول ما دعا إليه النبي، وعلى هذا الوجه كان إيمان أكثر المستجيبين للرسول؛ وذكر قصة جعفر وأصحابه مع النجاشي، وقصة الأعرابي الذي قال: من خلق السماء، وغير ذلك. -ثم قال شيخ الإسلام-: وأما الطريقة التي ذكرها المتقدمون فصحيحة إذا حررت، وقد جاء القرآن بها في قصة فرعون فإنه كان منكراً للرب، قال تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٦ - ١٨]-إلى قوله-: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٣٣] فهنا قد عرض عليه موسى الحجة البينة التي جعلها دليلاً على صدقه في كونه رسول رب العالمين، وفي أن له إلهاً غير فرعون يتخذه. وكذلك قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [هود: من الآية ١٤] فبين أن المعجزة تدل على الوحدانية والرسالة" (١). وقال في موضع آخر: "قيل لابن عباس: بماذا عرفت ربك؟ فقال: من طلب دينه بالقياس لم يزل دهره في التباس، خارج عن المنهاج، ظاعناً في الاعوجاج، عرفته بما عرف به نفسه،

стр. 131

ووصفته بما وصف به نفسه؛ فأخبر أن معرفة القلب حصلت بتعريف الله: وهو نور الإيمان، وأن وصف اللسان حصل بكلام الله: وهو نور القرآن" (١). وقال ابن القيم: "وهذه الطريق -يعني دلالة بعثة الأنبياء وآياتهم على وجود الله- من أقوى الطرق وأصحها وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله, وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله آيات بينات" (٢). وبيان هذا الدليل من وجهين: الوجه الأول: الآيات والبراهين -وهي المعجزات: من المعلوم أن الرسول إذا جاء قومه وادعى أنه رسول الله يُوحَى إليه بأنه لا إله إلا الله، أيده الله وصدقه بآية، فههنا أمور: الأول: دعواه أنه رسول. الثاني: أن الله هو الذي أرسله سواء كان المُخاطَب يقر بوجوده أو لا يقر. الثالث: أنه مرسل لدعوة الناس إلى إفراد الله بالألوهية. فإذا جاء الرسول بآية وهي العلامة التي تدل على صدقه ثبتت الرسالة وكذلك الربوبية ضمناً. الوجه الثاني: العلوم والأحكام المتضمنة لمصالح الخلق التي جاءوا بها: أولا: العلوم: لا يُعقل أن يتحدث الإنسان ويخبر بأشياء غيبية ويصدق فيها دائماً دون تردد، ودون أن يجرب عليه كذب إلا إذا كان مُوحى إليه، فيدل ذلك على صدقه في الرسالة، وعلى وجود الخالق سبحانه، لأنه هو الذي أطلعه على ذلك.

стр. 132

ثانياً: الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق: فقد تضمنت شريعة النبي ﷺ أموراً عظيمة، يقطع الإنسان أنها لا يمكن أن تكون إلا من خالق عليم حكيم (١). ٢ - أثر توحيد الربوبية وثمراته: قرر جمال الدين السرمري ﵀ أثر توحيد الربوبية وثمراته على العبد مما يبين أهمية هذه المسألة. ومن أمثلة ذلك ما ذكره في أول دواء الهم والغم والحزن فقال: "وهذه الأدوية تتضمن خمسة عشر نوعاً من الدواء فإن لم يقوى على إذهاب الهم والغم والحزن فهو ذا قد استحكم وتمكنت أسبابه ويحتاج إلى استفراغ كلي: الأول: توحيد الربوبية ... " (٢). وقال في موضع آخر في بيان أن السحر أكثر ما يصيب ضعيف التوحيد: "وعند السحرة إنما يتم سحرهم في القلوب الضعيفة المنفعلة والنفوس الشهوانية التي معلقة بالسّفليات، ولهذا غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال وأهل البوادي، ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد ... " (٣). وقال في موضع آخر في أن التوحيد من أعظم الوسائل إلى الله تعالى: "فالاعتراف بالعبودية والإخلاص في الخضوع والذل وإظهار الفقر والحاجة من أعظم الوسائل إلى الله تعالى" (٤).

стр. 133

٣ - مسألة تسلسل الحوادث: وهذه المسألة من المسائل الطويلة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية مبيناً فيها بطلان مذهب الفلاسفة, وأدلة المتكلمين حول إثبات الصانع وحدوث العالم، وهي مباحث عويصة قال عنها شيخ الإسلام: إنها من محارات العقول (١)، بل قال عن بعض مسائلها وفروعها: إنها من الكلام المذموم (٢)، ولا شك أن شيخ الإسلام خاض فيها مضطراً؛ ليبين خطأ وضلال أولئك الذين خاضوا فيها مخالفين لمنهج الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم-؛ وإلا فمسألة إثبات الصانع وحدوث المخلوقات من المسائل البدهية التي يعرفها عوام المسلمين. وقد اشتهر عن ابن تيمية أنه يقول بجواز حوادث لا أول لها، وتلقفها مناوئوه وحساده من أعداء مذهب السلف فرموه صراحة بأنه يقول بقدم العالم كالفلاسفة، وممن اتهمه بذلك تقي الدين السبكي، فإنه لما اطلع على كتابه "منهاج السنة النبوية" أنشد أبياتاً مدح فيها الكتاب إلا إنه ناقره بأبيات فيها مغالطات واتهامات مختصرة، ومما قال فيها: "يحاول الحشو أنّى كان فهو له ... حثيث سيرٍ بشرقٍ أو بمغربه يرى حوادث لا مبدا لأولها ... في الله سبحانه عما يُظنّ به" (٣) وكان قد كتب التقي السبكي قصيدته البائية المذكورة بعد وفاة شيخ الإسلام كما يدل عليه قوله: لو كان حيّاً يرى قولي ويسمعه رددتُ ما قال رداً غير مشتبه فتصدى للتشنيع على شيخ الإسلام بذلك، والرد عليه بمثل البحر والقافية جمال الدين السرمري ﵀، ومما جاء فيها:

стр. 134

"أما حوادثُ لا مبدا لأوّلها ... فذاك من أغرب المحكي وأعجَبِهِ قصَّرت في الفهم فاقصر في الكلام فما ... ذا عُشُّك ادرُجْ فما صقرٌ كعُنْظُبِهِ (١) لو قلتَ قال كذا ثم الجواب كذا ... لبان مُخطِئُ قولٍ من مُصَوِّبِهِ أجْمَلْتَ قولاً فأجملتُ الجوابَ ولو ... فصَّلتَ فصَّلتُ تبياناً لأغرَبِهِ إن قلتَ كان ولا علم لديه ولا ... كلام لا قدرةٌ أصلاً كفرتَ بهِ أو قلتَ أحدثها بعد استحالتها ... في حقه سَمْتُ نقصٍ ما احتججت بهِ وكيف يوجدها بعد استحالتها ... منه أيقدر ميتٌ رفع مَنْكِبِهِ أو قلتَ فعل اختيار منه ممتنع ... ضاهيتَ قول امرئ مُغوٍ بأنصُبِهِ ولم يزل بصفات الفعل مُتَّصفاً ... وبالكلام بعيداً في تقرُّبِهِ سبحانه لم يزل ما شاء يفعلُهُ ... في كلِّ ما زمن ما من معقِّبِهِ نوعُ الكلام كذا نوعُ الفعالِ قديـ ... ـم لا المعيَّنُ منه في ترتُّبِهِ وليس يفهمُ ذو عقلٍ مقارنة الـ ... ـمفعولِ مع فاعلٍ في نفس مَنْصبِهِ يُحبُّ يبغض يرضى ثم يغضب ذا ... من وصفه، أرضه، بُعداً لِمُغضِبِه والخلقُ ليس هو المخلوق تحسبه ... بل مصدر قائم بالنفس فادر به وقول كن ليس بالشيء المكوَّن والصـ ... ـغير يعرفُ هذا مع تلعُّبِهِ فالمصطفى قال كان الله قبل ولا ... شيء سواه تعالى في تحجُّبِهِ" (٢). ويمكن تلخيص المسألة كما يأتي: أولاً: مذاهب أهل القبلة في تسلسل الحوادث: ١ - استدل المتكلمون بدليل حدوث العالم على توحيد الربوبية، وزعموا أن مساق دليلهم

стр. 135

يقتضي: أ- القول بأن الفعل كان ممتنعاً على الله ثم صار ممكناً، لأنه لو قيل بجواز أن يكون قادراً على الخلق قبل ذلك لأدى ذلك إلى صحة القول بقدم العالم، لأنه ما من زمن يفترض فيه خلق العالم إلا وجائز أن يقع الفعل قبله، لأن الله قديم -عندهم-، وهذا ممتنع - بزعمهم -. ب- نفي عن الله تعالى أن تقوم به صفات الأفعال، لأنه لما قيل لهم: إن قولكم إن الله خالق العالم بعد أن لم يكن العالم موجوداً هو قول بحلول الحوادث به تعالى، أجابوا بمذهبهم المشهور: إن الخلق هو المخلوق، أما أهل السنة يقولون: إن الفعل غير المفعول؛ فيفرق أهل السنة بين ثلاثة أشياء: الخالق تعالى، وصفة الخلق التي قامت به تعالى كغيرها من الصفات، والمخلوق المنفصل عنه تعالى. وبناء على شبه المتكلمين في منع التسلسل، صارت أقوالهم في التسلسل في الآثار على قسمين: - منعه في الماضي والمستقبل، وهذا قول جهم والعلاف، وحجة هؤلاء أنه إذا كان ممتنعاً في الماضي فيجب أن يكون ممتنعاً في المستقبل، فقال الجهم: بفناء الجنة والنار، وقال العلاف: بفناء حركات أهلهما. - منعه في الماضي وتجويزه في المستقبل، وهذا القول المشهور عند أهل الكلام الذين يقولون بدوام نعيم الجنة (١). ٢ - قال الفلاسفة: إن العلة التامة التي تسمى المؤثر يجب أن يقارنه معلوله في الزمان بحيث لا يتأخر عنه، وهذا سبب قولهم بقدم العالم (٢).

стр. 136

ولما رأى الفلاسفة دليل المتكلمين في إثبات حدوث العالم اعترضوا عليهم بأن في ذلك -لم يكن قادراً ثم صار قادراً- ترجيحاً لأحد طرفي الممكن بلا مرجح، والترجيح لابد له من مرجح تام يجب به، ثم قالوا: والقول بوجود سبب يقتضي الترجيح يحتاج إلى سبب آخر وهكذا إلى غير نهاية فيلزم التسلسل وهو ممتنع عندكم، فوقع المتكلمون في مأزق لم يستطيعوا التخلص منه وقامت عليهم الشناعات في هذا الموضع، يقول شيخ الإسلام: "وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية وغيرهم: يقرون بالصانع المحدث من غير تجدد سبب حادث، ولهذا قامت عليهم الشناعات في هذا الموضع وقال لهم الناس: هذا ينقض الأصل الذي أثبتم به الصانع، وهو أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح؛ فإذا كانت الأوقات متماثلة، والفاعل على حال واحدة لم يتجدد فيه شيء أزلاً وأبداً، ثم اختص أحد الأوقات بالحدوث فيه، كان ذلك ترجيحاً بلا مرجح" (١). ٣ - لما رأى شيخ الإسلام ابن تيمية بطلان مذهب الفلاسفة وأدلة المتكلمين حول إثبات الصانع وحدوث العالم، خاض فيها مضطراً لبيان الحق في المسألة، فقال: "والمقصود هنا أن هؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وباطل، وقابلوا الباطل بباطل، وردوا البدعة ببدعة، لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم في مسألة حدوث العالم ونحوها استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك الطريق التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل، وقد اعترف حذاق النظار بفسادها، فظن هؤلاء الفلاسفة الملاحدة أنهم إذا أبطلوا قول هؤلاء بامتناع حوادث لا أول لها، وأقاموا الدليل على دوام الفعل، لزم من ذلك قدم هذا العالم ومخالفة نصوص الأنبياء وهذا جهل عظيم، فإنه ليس للفلاسفة ولا لغيرهم دليل واحد عقلي صحيح يخالف شيئاً من نصوص الأنبياء، وهذه مسألة حدوث العالم وقدمه، لا يقدر أحد من بني آدم أن يقيم دليلاً على قدم الأفلاك أصلاً، وجميع ما ذكروه ليس فيه ما يدل على قدم شيء بعينه من العالم

стр. 137

أصلاً، وإنما غايتهم أن يدلوا على قدم نوع الفعل، وأن الفاعل لم يزل فاعلاً، وأن الحوادث لا أول لها، ونحو ذلك مما لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم، وهذا لا يخالف شيئاً من نصوص الأنبياء، بل يوافقها؛ وأما النصوص المتواترة عن الأنبياء بأن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وأن الله خالق كل شيء، فكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، فلا يمكن أحداً أن يذكر دليلاً عقلياً يناقض هذا ... " (١). وقال في موضع آخر: "أنهم -أي المتكلمين- لما اعتقدوا أن هذا هو دين الإسلام أخذوا يحتجون عليه بالحجج العقلية المعروفة لهم، وعمدتهم التي هي أعظم الحجج، مبناها على امتناع حوادث لا أول لها، وبها أثبتوا حدوث كل موصوف بصفة، وسموا ذلك إثباتاً لحدوث الأجسام، فلزمهم على ذلك نفي صفات الرب ، وأنه ليس له علم ولا قدرة ولا كلام يقوم به، بل كلامه مخلوق منفصل عنه ... وكان ذلك مما سلط الدهرية القائلين بقدم العالم، لما علموا حقيقة قولهم وأدلتهم وبينوا فساده، ثم لما ظنوا أن هذا قول الرسول ﷺ واعتقدوا أنه باطل، قالوا: إن الرسول لم يبين الحقائق، سواء علمها أو لم يعلمها، وإنما خاطب الجمهور بما يخيل لهم وما ينتفعون به، فصار أولئك المتكلمون النفاة مخطئين في السمعيات والعقليات، وصار خطؤهم من أكبر أسباب تسلط الفلاسفة، لما ظن أولئك الفلاسفة الدهرية أنه ليس في هذا المطلوب إلا قولان: قول أولئك المتكلمين وقولهم؛ وقد رأوا أن قول أولئك باطل، فجعلوا ذلك حجة في تصحيح قولهم، مع أنه ليس للفلاسفة الدهرية على قولهم بقدم الأفلاك حجة عقلية أصلاً، وكان من أعظم أسباب هذا أنهم لم يحققوا معرفة ما بعث الله به رسوله ﷺ " (٢). وموقف شيخ الإسلام ابن تيمية إجمالاً هو: جواز تسلسل المخلوقات في الماضي والمستقبل، وأنه تعالى لم يزل مريداً، خالقاً، فاعلاً، فما من زمن يفترضه العقل حدًّا لابتداء الخلق إلا أمكنه أن يتصور قبله زماناً وقع فيه الخلق، فيكون هذا الزمان الآخر سابقاً له،

стр. 138

وماتصوره العقل في الثاني يصدق عليه ما صدق على الأول، وهكذا إلى ما لا نهاية، مع القطع بأن أعيان الحوادث مخلوقة كائنة بعد أن لم تكن (١). ثانياً: أقوال أهل السنة في تسلسل الحوادث: أما أقوال أهل السنة في المسألة فهي على ما يأتي: القول الأول: أن جنس الحوادث لا أول له، وأن القول بأن جنس الحوادث له أول يلزم منه أنه سبحانه كان معطلاً عن الصنع في الماضي -تعالى عن ذلك-، فصفة الخلق لابد لها من مفعول، وأنه كما أن صفة الكلام قديمة النوع حادثة الآحاد فكذلك صفة الخلق قديمة النوع حادثة الآحاد، وأن من عسر عليه فهم هذا فليعتبر بما لا يزال يخلق في الجنة من أنواع النعيم كقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: من الآية ٣٥] فثمرها الذي يؤكل لا ينقطع، ثمرة بعد ثمرة، وإن كان أعيان الثمار فانياً، فكذلك جنس الحوادث لا أول له وإن كان أعيانها حادثة، وأن الأحاديث الواردة في أول الخلق المقصود فيها هو: أول هذا العالم المشهود لا جنس الحوادث، وذهب إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم فقال: "والآخرون أولو الحديث كأحمد ... ذاك ابن حنبل الرضى الشيباني قد قال إن الله حقاً لم يزل ... متكلماً إن شاء ذو إحسان جعل الكلام صفات فعل قائم ... بالذات لم يفقد من الرحمن وكذا نص على دوام الفعل بالـ ... إحسان أيضاً في مكان ثان وكذا ابن عباس فراجع قوله ... لما أجاب في مسائل القرآن وكذا جعفرٌ الإمام الصادق الـ ... ـمقبول عند الخلق ذي العرفان قد قال لم يزل المهيمن محسناً ... براً جواداً عند كل أوان

стр. 139

وكذا الإمام الدرامي فإنه ... قد قال ما فيه هدى الحيران قال الحياة مع الفعال كلاهما ... متلازمان فليس يفترقان صدق الإمام فكل حي فهو فعا ... ل وذا في غاية التبيان إلا إذا ما كان ثم موانع ... من آفة أو قاسر الحيوان والرب ليس لفعله من مانع ... ما شاء كان بقدرة الديان ومشيئتة الرحمن لازمة له ... وكذاك قدرة ربنا الرحمن هذا وقد فطر الإله عباده ... أن المهيمن دائم الإحسان أولست تسمع قول كل موحد ... يا دائم المعروف والسلطان وقديم الإحسان الكثير ودا ... ئم الجود وصاحب الغفران من غير إنكار عليهم فطرة ... فطروا عليها لا تواص ثان أو ليس فعل الرب تابع وصفه ... وكماله أفذاك ذو حدثان وكماله سبب الفعال وخلقه ... أفعالهم سبب الكمال الثاني أو ما فعال الرب عين كماله ... أفذاك ممتنع على المنان أزلاً إلى أن صار فيما لم يزل ... متمكناً والفعل ذو إمكان تالله قد ضلت عقول القوم إذ ... قالوا بهذا القول ذي البطلان ماذا الذي أضحى له متجدداً ... حتى تمكن فانطقوا ببيان والرب ليس معطلاً عن فعله ... بل كل يوم ربنا في شان (١) إلى أن قال: هذا وما دون المهيمن حادث ... ليس القديم سواه في الأكوان والله سابق كل شيء غيره ... ما ربنا والخلق يقترنان (٢)

стр. 140

ثم قال: فلئن زعمتم أن ذاك تسلسل ... قلنا صدقتم وهو ذو إمكان كتسلسل التأثير في مستقبل ... هل بين ذينك قط من فرقان والله ما افترقا لذي عقل ولا ... نقل ولا نظر ولا برهان في سلب إمكان ولا في ضده ... هذي العقول ونحن ذو أذهان فليأت بالفرقان من هو فارق ... فرقاً يبين لصالح الأذهان وكذاك سوى الجهم بينهما كذا ... العلاف في الانكار والبطلان ولأجل ذا حكما بحكم باطل ... قطعاً على الجنات والنيران فالجهم أفنى الذات والعلاف ... للحركات أفنى قاله الثوران وأبو علي وابنه الأشعري ... وبعده ابن الطيب الرباني وجميع أرباب الكلام الباطل الـ ... مذموم عند أئمة الإيمان فرقوا وقالوا ذاك فيما لم يزل ... حق وفي أزل بلا إمكان قالوا لأجل تناقض الأزلي والـ ... أحداث ما هذان يجتمعان لكن دوام الفعل في مستقبل ... ما فيه محذور من النكران فانظر إلى التلبيس في ذا الفرق تر ... وريجاً على العوران والعميان ما قال ذو عقل بأن الفرد ذو ... أزل لذي ذهن ولا أعيان بل كل فرد فهو مسبوق بفر ... د قبله أبداً بلا حسبان ونظير هذا كل فرد فهو ملـ ... ـحوق بفرد بعده حكمان النوع والآحاد مسبوق وملـ ... ـحوق وكل فهو منها فان والنوع لا يفنى أخيراً فهو لا ... يفنى كذلك أولاً ببيان" (١). وممن قال بهذا القول جمال الدين السرمري ﵀ كما تقدم، وغيرهم.

стр. 141

وأما الفرق بين هذا القول وقول الفلاسفة فمن وجوه: منها: أن أصحاب هذا القول يقررون أن الله متصف بصفات الكمال، كالعلم والإرادة والقدرة والخلق والكلام وغيرها، أما الفلاسفة فينكرون هذه الصفات جميعها، وهذا غاية التعطيل والنقص، ولذلك آلت أقوالهم في التسلسل إلى القول بقدم العالم، وإذا أقروا بوجود الله سموه علة فاضت منها نفوس وعقول وأفلاك بلا إرادة منه، إلى غير ذلك من أقوالهم الفاسدة. ومنها: أن الفلاسفة لم يفرقوا بين الآحاد والنوع في المفعولات، وقالوا بقدم الآحاد، وهذا هو التسلسل الباطل الممتنع. ومنها: أنه يلزم على قول الفلاسفة أن لا يحدث في العالم شيء، وهذا باطل مخالف للمحسوس، وقولهم: إن الفلك أزلي مقارن لفاعله بالزمان، وهذا باطل لأن الخالق لابد أن يتقدم على مخلوقة (١). القول الثاني: منع تسلسل الحوادث في الماضي، وأنه لا يلزم من هذا القول أنه كان معطلاً عن الصنع، فليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري، وأن القول بأن جنس الحوادث لا أول لها يلزم منه القول بأن أعيان الحوادث لا أول لها، فإن الجملة ليست شيئاً أكثر من الأفراد مجتمعة (٢)، وأن الكلام في أن جنس الحوادث لا أول لها دون الأعيان شبيه بالفلسفة وعلم الكلام، وممن ذهب إلى هذا القول -منع تسلسل الحوادث في الماضي- الشيخ الألباني ﵀ في تعليقه على حديث «إن أول شيء خلق الله تعالى القلم» فقال: "وفيه ردٌّ أيضاً على من يقول بحوادث لا أول لها، وأنه ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بمخلوق قبله، وهكذا إلى ما لا بداية له، بحيث لا يمكن أن يقال: هذا أول مخلوق، فالحديث يبطل هذا القول، ويعين أن القلم هو أول مخلوق، فليس قبله قطعاً أي

стр. 142

مخلوق؛ ولقد أطال ابن تيمية ﵀ في الكلام في رده على الفلاسفة محاولاً إثبات حوادث لا أول لها، وجاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، حتى اتهمه خصومه بأنه يقول بأن المخلوقات قديمة لا أول لها، مع أنه يقول ويصرح بأن ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم، ولكنه مع ذلك يقول بتسلسل الحوادث إلى ما لا بداية له، كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية، فذلك القول منه غير مقبول، بل مرفوض بهذا الحديث، وكم كنا نود أن لا يلج ابن تيمية ﵀ هذا المولج، لأن الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام الذي تعلمنا منه التحذير والتنفير منه، ولكن صدق الإمام مالك ﵀ حين قال: ما منا من أحد إلا رَدَّ ورُدَّ عليه إلا صاحب هذا القبر ﷺ " (١). وقال في موضع آخر: "قلت: ذكر الشارح هنا أن العلماء اختلفوا: هل القلم أول المخلوقات أو العرش؟ على قولين لا ثالث لهما، وأنا وإن كان الراجح عندي الأول، كما كنت صرحت به في تعليقي عليه ... فإني أقول الآن: سواء كان الراجح هذا أم ذاك، فالاختلاف المذكور يدل بمفهومه على أن العلماء اتفقوا على أن هناك أول مخلوق، والقائلون بحوادث لا أول لها، مخالفون لهذا الاتفاق، لأنهم يصرحون بأن ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق، وهكذا إلى ما لا أول له، كما صرح بذلك ابن تيمية في بعض كتبه، فإن قالوا: العرش أول مخلوق، كما هو ظاهر كلام الشارح، نقضوا قولهم بحوادث لا أول لها، وإن لم يقولوا بذلك خالفوا الاتفاق، فتأمل هذا فإنه مهم، والله الموفق" (٢). ولعل من الذين ذهبوا إلى هذا القول الإمام الطحاوي ﵀ كما رجح ذلك الإمام ابن أبي العز عند شرحه على قول الإمام الطحاوي: "ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري" (٣) يشير أنه موصوف بهذه الصفات وإن لم تظهر آثارها، وأنه لا يلزم من القول بأن جنس الحوادث لها أول أنه كان معطلاً عن الصنع، وهذا مخالف لقول

стр. 143

من يقول: أن صفة الخلق تستلزم المفعول. القول الثالث: التوقف في المسألة، وأن هذه من الغيبيات التي لم يخبرنا الله تعالى عنها، وممن ذهبوا إلى هذا الشيخ ابن جبرين ﵀ فقال: "ونتوقف عن تسلسل الحوادث في الماضي، ونقول: الأمر غيبٌ، ولم يخبرنا الله تعالى بشيء من ذلك، وليس لنا التدخل في هذه الأمور، لأنها من الأمور التي لا يضر جهلها، ولا يفيد علمها، وقد توقع في شيء من الحيرة والاضطراب، والمسلم عليه أن يقتصر على ما فيه فائدة له في العقيدة، وأنه يعتقد ما ينفعه، ويكون دافعاً له لمعرفة ربه بأسمائه وصفاته، وإلى التقرب إلى الله تعالى بموجب تلك الأسماء" (١). هذا ما وقفت عليه من أقوال أهل السنة في مسألة تسلسل الحوادث، وقد قصدت توضيح الأقوال باختصار، وليس حصر القائلين. رأي الباحث في مسألة تسلسل الحوادث: لا ريب أن المسألة بتفصيلاتها ولوازمها دقيقة المنزع، وعرة المسلك، بعيدة الغور، إلا أن هناك أصلين من أقر بهما فقد برئ من البدعة، وهما مما أجمع عليه أهل السنة حتى المختلفون في بعض تفاصيل المسألة، وإنما وقع الخلاف في لوازم الأقوال أنها تقدح في أحد هذين الأصلين: ١ - أن الله تعالى لم يزل مريداً، خالقاً، فاعلاً، فلم يأت عليه زمن كان معطلاً فيه عن صفة الخلق؛ وهذا الأصل ضل فيه المتكلمون. ٢ - أن أعيان الحوادث مخلوقة كائنة بعد أن لم تكن؛ وهذا الأصل ضل فيه الفلاسفة.

стр. 144

المبحث الثاني منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الألوهية المطلب الأول: تعريف توحيد الألوهية وخصائصه: أ- تعريفه لغة: توحيد الألوهية مركب من كلمتين: "توحيد" وتقدم تعريفها، و"الألوهية" وهي مأخوذة من إله كفعال بمعنى مألوه أي معبود، وكل ما اتُّخذ معبوداً إلهٌ عند متخذه، ومنه قرأ بن عباس ﵄: ﴿ويذرك وإلاهَتَكَ﴾ بكسر الهمزة أي: وعبادتك، وكان يقول: إن فرعون كان يُعبد، ومنه اشتق -على الراجح- قولنا: الله (١). والتأله: التنسك والتعبد قال رؤبة (٢): لله در الغانيات المُدَّهِ (٣) سبحن واسترجعن من تألهي (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والإله المعبود الذي تألهه القلوب، وكونه يستحق الإلهية مستلزم لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبوداً محبوباً لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا

стр. 145

آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: من الآية ٢٢] ... " (١). هذا هو معنى الإله لغة وشرعاً. ب- تعريفه في الاصطلاح: عرفه الشيخ عبدالرحمن بن سعدي ﵀ بتعريف جامع، ذكر فيه حد هذا التعريف، وتفسيره، وأركانه، فقال: "أن يعلم العبد ويعترف على وجه العلم واليقين أن الله هو المألوه وحده، المعبود على الحقيقة، وأن صفات الإلهية ومعانيها ليست موجودة بأحدٍ من المخلوقات، ولا يستحقها إلا الله تعالى. فإذا عرف ذلك واعترف به حقاً أفرده بالعبادة كلها الظاهرة والباطنة، فيقوم بشرائع الإسلام الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبر الوالدين وصلة الأرحام وقيام بحقوق الله وحقوق خلقه، ويقوم بأصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ويقوم بحقائق الإحسان وروح الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، مخلصاً ذلك كله لله، لا يقصد به غرضاً من الأغراض غير رضا ربّه وطلب ثوابه، متابعاً في ذلك رسول الله ﷺ ، فعقيدته ما دلّ عليه الكتاب والسنّة، وأعماله وأفعاله ما شرعه الله ورسوله، وأخلاقه وآدابه الاقتداء بنبيه ﷺ في هديه وسمته وكل أحواله" (٢). وقال الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في منظومته: "هذا وثاني نوعي التوحيد إفراد رب العرش عن نديد أن تعبد الله إلهاً واحداً معترفاً بحقه لا جاحداً" (٣).
следующие страницы →