← Акыда

Акыда · id 20593

منهج الإمام جمال الدين السرمري في تقرير العقيدة

خالد المطلق

Полный текст (285 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٢٤ - فوائد مخرجه عن شيوخ العدل الأمين الثقة بقية السلف جمال الخلف شمس الدين أبي عبدالله محمد بن عبدالعزيز بن علي ابن المؤذن الوراق البغدادي . ذكره المرعشلي في (معجم المعاجم) (١) وهو مخطوط في الظاهرية، المجموع ٥٢/ ٧، في ٩ ق (٨٥ - ٩٣) (٢)، عندي نسخة مصورة عنه، يقول فيه: "فإني وقفت على إجازة بيد شيخنا العدل الأمين الثقة بقية السلف شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن علي الوراق الدارقزي، بلغه الله أمله وختم بالصالحات عمله، فيها أسماء جماعة من المشايخ الصلحاء، قد أجازوا له فيها، وتحريرها في يوم الجمعة سابع عشر من شوال سنة ثمان وستين وست مائة، فأحببت أن أخرج له عن كل شيخ منهم شيئًا من مروياته، لتحصل فائدة هذه الإجازة المباركة لمن تصل إليه، وأن أذكر ما وقع إلي من مواليدهم ووفياتهم، وبالله التوفيق، نرتبهم على نسق حروف المعجم، وخرجت عن كل واحد حديثين في مكان واحد لتسهيله للطلبة" (٣). ٢٥ - كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون . وقد طبع سنة ١٤٢٤ بتحقيق شوكت بن رفقي بن شوكت، وطبعه في دار الأثرية بعَمان، ودار المحبة بدمشق. وقد جمع رسالة ذكر فيها الأحاديث الواردة في الطاعون، وبين كيف العمل عند وقوعه وحلوله، وعمل على التنبيه على مسائل أخرى مهمة مثل: العدوى والطيرة، والرضا بالقضاء

стр. 72

والتسليم لأمر الله تعالى، إلى غير ذلك (١). ٢٦ - الكلم الطيب والعمل الصالح . ذكره السرمري في كتابه (إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة) في كتاب الأدب في فصل الإحسان إلى اليتامى والمساكين وغيرهم فقال: "وقد استوفينا الكلام في هذا الباب في آخر كتاب (الكلم الطيب والعمل الصالح) فمن أراد الزيادة فليطالعه، ففيه الكفاية إن شاء الله" (٢). ٢٧ - مسلسلات السرمري . ذكرها المرعشلي في (معجم المعاجم) (٣)، وقال: "ذكرها النجم ابن فهد في (معجمه) ص ١٤٢". ٢٨ - مشيخة ابن السلار . ذكرها ابن حجر في (الدرر الكامنة) (٤) وفي (إنباء الغمر) (٥) والمرعشلي في (معجم المعاجم) (٦). خرجها من مرويات الإمام المقرئ أمين الدين أبو محمد عبدالوهاب بن يوسف بن إبراهيم ابن السلار الشافعي، توفي سنة ٧٨٢ (٧).

стр. 73

٢٩ - مشيخة ابن الكسار . ذكرها ابن حجر في (الدرر الكامنة) (١) والمرعشلي في (معجم المعاجم) (٢). خرجها من مرويات القاضي قوام الدين صالح بن أحمد بن الأنجب ابن الكسار الواسطي المقرئ، توفي سنة ٧٤٤ (٣). ٣٠ - مشيخة محيي الدين أبي نصر محمد بن شرف الدين أحمد العباسي . ذكرها الكتاني في (فهرس الفهارس) وقال: "وهي في كراسة أرويها بالسند إلى القبابي عن يوسف السرمري الحافظ بقراءته على المخرجة له، وهي عندي في كراسة عليها سماعات وإجازات" (٤). ٣١ - المعسول في علوم حديث الرسول . نقل الكتاني في (فهرس الفهارس) عن السرمري أنه قال في آخر (الفوائد السرمرية): "وقلت أمدح النبي ﷺ على لسان أهل الحديث، وما اصطلحوا عليه من العبارات، ورتبت ذلك على فصول منظومي (المعسول في علوم حديث الرسول) " (٥)، ولعله هو (نظم "التقريب أو الغريب" في علوم الحديث) الآتي، والله أعلم. ٣٢ - المقدمة اللؤلؤة في النحو . ذكره الطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٦).

стр. 74

وقد طبع سنة ١٤١٠ بتحقيق الدكتور عبدالرحمن بن سليمان العثيمين وصدر عن مكتبة الخانجي بالقاهرة، وطبع سنة ١٤١٢ بتحقيق الدكتور أمين عبدالله سالم وسمّاها: (اللؤلؤة في علم العربية) وطبعه في مطبعة الأمانة بمصر. وهي منظومة على بحر البسيط، وقافية اللام المطلقة المفتوحة، نظم فيها المهم من قواعد النحو في (١٦٢) بيتاً وجعلها للمبتدئين في هذا الفن (١). ٣٣ - المولد الكبير للبشير النذير ﷺ -. له نسخة مصورة في جامعة الملك سعود بالرياض عن المكتبة الأحمدية بحلب/٣٠٨، برقم حفظ (٨٨٣/ ٢ م ص)، وعدد أوراقها: ١٦ ورقة، وقد ذُكِر في صفحة العنوان: "المولد الكبير للبشير النذير ﷺ تأليف الشيخ الإمام العالم العامل المحدث الداعي إلى السنة الكريمة جمال الدين يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد بن علي بن إبراهيم العُقيلي الحنبلي المذهب السرمري المولد والدار ثم البغدادي نزيل دمشق مولده سنة ست وتسعين وستمائة رحمه الله تعالى وجزاه خير الجزاء"، والنسخة مصححة ومقابلة؛ وقد ذكر فيها الإمام جمال الدين السرمري حكم الاحتفال بالمولد النبوي فقال بعد حكايته للخلاف في أيّ شهر ولد وفيما مضى من الشهر فقال: "وفي هذا الخلاف ما يدل على أن السلف لم يكونوا يجعلون ذلك موسماً للاجتماع والولائم والاحتفال في صُنع الأطعمة والأشربة والسماعات إذ السلف كانوا أعظم الناس توقيراً ومحبة وتعظيماً للنبي ﷺ وأحرص الخلق على نشر محاسنه فلو كان يوم مولده عندهم موسماً لتوفّرت هِمَمُهم على حفظه ولم يكن عندهم ولا عند غيرهم فيه خلافٌ ولاتفقوا عليه كما اتفقوا على يومي العيدين وأيام التشريق ويوم عرفة ويوم عاشوراء وليلة النصف من شعبان ونحو ذلك فإن هذه أيام مواسم الأعمال الصالحات مشروعةً منقولةً محفوظة, فلو كان المولد مثلها لحفظ كما حفظت, ولكن الاجتماع على قراءة القرآن ونشر معجزات النبي ﷺ

стр. 75

وذكر أخلاقه وآدابه والتعريف لحقوقه وامتثال أوامره والوقوف لزواجره وتعليم سننه مستحب في كل وقت بل واجب ... " (١) ٣٤ - نتيجة الفكر في الجهر بالذكر . ذكر ابن حميد (السحب الوابلة) (٢) وابن ضويان في (رفع النقاب) (٣) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٤) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٥). ٣٥ - نشر القلب الميْت بفضل أهل البيت . ذكره ابن ناصر الدين في (التبيان) (٦) والمقريزي في (درر العقود الفريدة) (٧) وابن حجر في (الدرر الكامنة) (٨) وفي (إنباء الغمر) (٩) والسخاوي في (وجيز الكلام) (١٠) وابن فهد في (لحظ الألحاظ) (١١) والعليمي في (المنهج الأحمد) (١٢) وفي (الدر المنضد) (١٣) وابن العماد في (الشذرات) (١٤) وابن حميد في (السحب الوابلة) (١٥) والبغدادي في (هدية العارفين) (١٦) وفي (إيضاح المكنون) (١٧)

стр. 76

وابن ضويان في (رفع النقاب) (١) والزركلي في (الأعلام) (٢) والكتاني في (فهرس الفهارس) (٣) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٤) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٥). ٣٦ - نظم (الغريب أو التقريب) في علوم الحديث . وقد تقدم الكلام عنه (٦). ٣٧ - "نظم مختصر ابن رزين" في الفقه . ذكره ابن قاضي شهبة في (تاريخه) (٧) والعليمي في (المنهج الأحمد) (٨) وفي (الدر المنضد) (٩) وابن العماد في (الشذرات) (١٠) والزركلي في (الأعلام) (١١) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (١٢) وبكر أبو زيد في (المدخل المفصل) (١٣) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (١٤).

стр. 77

٣٨ - نهج الرشاد في نظم الاعتقاد . ذكرها البغدادي في (هدية العارفين) (١) والزركلي في (الأعلام) (٢) وبروكّلمان في (تاريخ الأدب العربي) (٣) وكحالة في (معجم المؤلفين) (٤) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٥) والطريقي (معجم مصنفات الحنابلة) (٦). وقد طبعت في العدد الأول من مجلة جامعة صدام للعلوم الإسلامية- بغداد ١٩٩٣ - بتحقيق: هلال ناجي، وطبعت أيضاً بتحقيق مطلق بن جاسر الجاسر وطبعها في دار التواصل بالكويت سنة ١٤٣٠. وهي منظومة في عقيدة أهل السنة والجماعة، عدد أبياتها ١٥١ بيتاً (٧)، قد حوت درراً ثمينة وجواهر نفيسة، مع عذوبة في النظم وجزالة في المعاني (٨)، أورد فيها عقيدة أهل السنة في (أسماء الله وصفاته، وكتاب الله، والقضاء والقدر، والمحرمات، والتعامل مع ولاة الأمر، واليوم الآخر، والإيمان بالنبي محمد ﷺ ، والصحابة الكرام ﵃).

стр. 78

الفصل الثاني منهج جمال الدين السرمري في التلقي والاستدلال وفيه مبحثان: المبحث الأول: مصادر جمال الدين السرمري في التلقي. المبحث الثاني: منهجه في الاستدلال.

стр. 79

المبحث الأول مصادر جمال الدين السرمري في التلقي وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: القرآن الكريم. المطلب الثاني: السنة النبوية. المطلب الثالث: أقوال السلف في فهم الكتاب والسنة.

стр. 80

المطلب الأول: القرآن الكريم: اعتمد جمال الدين السرمري ﵀ في تلقي العقيدة اعتماداً مباشراً على كتاب الله ، ومن تتبع مؤلفاته ﵀ وجدها تزخر بالنصوص القرآنية، فهو يعتبر القرآن أول المصادر التي تُتلقى منها مسائل العقيدة. يقول ﵀ في معرض كلامه عن الأدلة الشرعية: "إذا سألوه عن دليل مقاله أجاب بقول الله في محكم الذكرِ وإن يستزيدوا قال: قال محمد وإن يستزيدوا قال: قال أبو بكرِ" (١) ويعتبر أن كتاب الله هو الصراط المستقيم الذي لاتزيغ به الأهواء، قال ﵀: "فإن المنهل الصافي من الكدر، والمنهج الآمِنَ من الخطر، منهج الوحي المحفوظ بالتنزيل، ومنهج الرسول المحروس من التبديل" (٢). والقارئ لكتب السرمري ﵀ يجد أنه غالباً مايصدر الأدلة من القرآن الكريم، وهذا المنهج تجده واضحاً عند القراءة في كتبه، وانظر على سبيل المثال: كتابه (إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة) فقد تميز كتابه هذا عن كثير من كتب أدلة الأحكام أن مؤلفه جعل من منهجه أن يستفتح أبواب الكتاب بذكر الآيات القرآنية المتعلقة بالأحكام الشرعية، قال جمال الدين السرمري في مقدمته: "وافتتحت كل باب بآيةٍ فصاعداً من الكتاب العزيز تتعلق بأحكامه، وتشهد بتهذيبه وإحكامه" (٣)، فجعل معقد الترجيح فيه كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فكفى الطالب "كلفة ترجيح أحد أقوال العلماء، والانتصار لفلان وفلانٍ من الفقهاء، فيقول: قال الله وقال الرسول، وناهيك بما في ذلك من إدراك السؤال" (٤).

стр. 81

وهذا المنهج من السرمري ﵀ هو منهج السلف الصالح الذين يسلمون لنصوص القرآن الكريم تسليماً مطلقاً فلا يحرفون منها شيء، ولا يعارضونها بشيء، لا بعقل، ولا وجد ولاغير ذلك، يمتثلون قول الله : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحُجُرات: ١]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: من الآية ١٠] وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢]. وقول النبي ﷺ : «يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، كتاب الله وسنتي» (١)، وغيرها من النصوص التي يضيق المقام عن حصرها. قال الإمام أحمد ﵀: "لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله، أو حديث عن النبي ﷺ ، أو عن أصحابه، أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان منهج السلف في ذلك: "وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن، لا برأيه, ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن

стр. 82

الرسول ﷺ جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم ... فكان القرآن هو الإمام الذي يقتدى به، ولهذا لايوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس، ولا بذوق ووجد ومكاشفة" (١). وقال أيضاً: "فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بياناً شافياً قاطعاً للعذر ... وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان ذلك من كان ناقصاً في عقله وسمعه، ومن له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: من الآية ١٠] " (٢). وقال ابن أبي العز: "وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة، وإنما يتلقاه من قول فلان ... ومن يتكلم برأيه وما يظنه من دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب والسنة، فهو مأثوم وإن أصاب، ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ، لكن إن أصاب يضاعف أجره" (٣).

стр. 83

المطلب الثاني: السنة النبوية: تمهيد: تعريف السنة: السنة في اللغة: هي الطريقة والسيرة حسنة كانت أو قبيحة (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧]، ومنه قوله ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (٢)، ومنه أيضاً قول خالد بن عتبة الهذلي: "فلا تجْزَعَنْ من سيرةٍ أنت سرتها ... فأول راضٍ سنة من يسيرها" (٣) أما في الاصطلاح: فتطلق على عدة معانٍ، بحسب اختلاف أغراض مستعمليها، والذي يهمنا هنا هو اصطلاح الأصوليين والمحدثين: فالسنة عند الأصوليين هي: ما صدر عن الرسول ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، مما يصلح أن يكون دليلاً لحكم شرعي (٤). أما عند المحدثين فهي: كل ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية

стр. 84

أو خُلقية أو سيرة سواء أكان ذلك قبل البعثة كتحنثه في غار حراء أم بعدها (١). والسنة بهذا التعريف هي المقصودة هنا في هذا المطلب، أما قبل النبوة فيستفاد منها في دلائل النبوة ونحوها، وأما بعد النبوة فالأمر فيها ظاهر. السنة النبوية مصدر تلقي عند جمال الدين السرمري: اعتمد جمال الدين السرمري ﵀ على سنة النبي ﷺ في تلقي مسائل العقيدة، لأنها وحي من عند الله، وهي مخبرة عن القرآن الكريم ومبينة له، ومن محاسن كلام جمال الدين السرمري ﵀ قوله: "فعليك باتباع الأخبار النبوية، والإعراض عن الآراء الجاهلية، فإنه متى بدرت فرسان النصوص في ميدان البحث، تنكست حينئذ رايات الرأي على وجه الثرى، وفرت صناديد الجدل لوجوهها ذُللاً لهيبة من يَرى ولا يُرى (٢) " (٣). وقال أيضاً في بيان أن السنة هي الصراط المستقيم التي لا تزيغ بها الأهواء: " فإن المنهل الصافي من الكدر، والمنهج الآمِنَ من الخطر، منهج الوحي المحفوظ بالتنزيل، ومنهج الرسول المحروس من التبديل" (٤). والقارئ لكتب السرمري ﵀ يجد أنه غالباً مايصدر الأدلة من السنة النبوية، حتى كتبه المؤلفة في الطب والعربية وغيرها كان استشهاده بالحديث النبوي كثيراً، وانظر على سبيل المثال: كتابه (شرح اللؤلؤة في النحو) تقف عليه تارة يذكر سند الحديث توثيقاً: "عن ابن منية عن ابن

стр. 85

أبي نجيح عن مجاهد ... ". وتارة يعنى فيه بذكر الروايات الأخرى للحديث -إن كانت تحمل شاهداً لما هو بسبيله - كقوله: "ومنها في حديث الملاعنة: إن جاءت به أحيمر، وفي رواية: أديعج". ولربما نص على الروايات الواردة في الحديث - وإن لم يختلف عليها شاهد - كقوله: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع، وفي رواية بحمد الله، وفي رواية: فهو أجذم" وتتجلى علاقته بالحديث النبوي وقربه منه وعنايته به في الكشف عن درجة الحديث ومصدره من مثل قوله: " ... حديث حسن رواه أبو داود وابن ماجة في سننهما", أو: " ... متفق عليه"، أو: " ... حديث صحيح"، أو: " ... أخرجه مسلم في صحيحه"، أو: " ... كذا بخطه في غير موضع من مسند الإمام أحمد بن حنبل" (١). هذا والكتاب مصنف في العربية فكيف بك لو قرأت كتبه في المقاصد، والسرمري -كما سبق في ترجمته- حافظٌ، ومؤلفٌ في علوم السنة، وناظمٌ ما يتعلق بها من تآليف. وهذا الاعتصام من السرمري بالسنة النبوية هو المنهج الذي سار عليه السلف الصالح ﵏ فكانوا معتصمين بالسنة، بها يحتجون وإليها يتحاكمون، ولم يعترضوا على ما جاء فيها، وليس لقول أحد منهم كائناً من كان تقديم بين يديها، ملتزمين قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحُجُرات: ١] وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: من الآية ٧] قال الشافعي ﵀ في بيان منهج السلف في الاعتصام بالسنة: "ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحداً أخبر عن رسول الله ﷺ إلا قبل خبره وانتهى إليه، وأثبت ذلك سنة ...

стр. 86

كلهم يثبت الأخبار ويجعلها سنة، يحمد من تبعها، ويعاب من خالفها، فمن فارق هذا المذهب كان عندنا مفارق سبيل أصحاب رسول الله ﷺ ، وأهل العلم بعدهم إلى اليوم، وكان من أهل الجهالة" (١). وقال ابن بطة: "فإذا سمع أحدكم حديثاً عن رسول الله ﷺ رواه العلماء، واحتج به الأئمة العقلاء، فلا يعارضه برأيه وهوى نفسه، فيصيبه ما توعّده الله به، فإنه قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: من الآية ٦٣]، وهل تدري ما الفتنة ههنا؟ هي والله الشرك بالله العظيم، والكفر بعد الإيمان، فإن الله قال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: من الآية ١٩٣]، يقول: حتى لا يكون شرك، فإنه قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: من الآية ١٩١] يقول: الشرك بالله أشد من قتلكم لهم ... " (٢). وقال ابن أبي العز ﵀: "فالواجب كمال التسليم للرسول ﷺ ، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولاً، أو نُحَمِّله شبهةً أو شكاً، أو نُقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فنوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحد المرسِل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل" (٣).

стр. 87

المطلب الثالث: أقوال السلف في فهم الكتاب والسنة: تمهيد: إن صحة الفهم ركيزة رئيسة لصحة التلقي، ولا يستطيع المرء أن يعرف مراد الله ، ومراد رسوله ﷺ إلا حينما يستقيم فهمه لدلائل الكتاب والسنة، وكثير من البدع والضلالات إنما حدثت بسبب غلط الفهم. قال ابن القيم ﵀: "صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما، وبهما أمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم وهم أهل الصراط المستقيم الذين أُمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة" (١). وإن الرجوع إلى فهم السلف وأقوالهم وتفسيراتهم لنصوص القرآن والسنة متعين قطعاً في أمور الدين عامة، وفي نصوص العقيدة بصفة خاصة. فالصحابة هم خير القرون وأفضلها، ولا شك أن هذه الخيرية متمثلة في كمال العلم وتمام الفهم لما ورد عن الله ورسوله ﷺ ، وقد حصل لهم ذلك لفضل صحبتهم، وكثرة ملازمتهم لرسول الله ﷺ . قال عبدالله بن مسعود ﵁: "من كان منكم متأسياً فليتأس بأصحاب محمد ﷺ ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوماً اختارهم الله تعالى لصحبه نبيه ﷺ وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" (٢).

стр. 88

اعتصام جمال الدين السرمري بفهم السلف: قد اعتمد جمال الدين السرمري ﵀ في تلقي العقيدة اعتماداً مباشراً على فهم سلف الأمة، فهو يعتبر السنة والصراط المستقيم هو ما كان عليه النبي ﷺ والسلف الصالح، قال ﵀ في عقيدته: "وما السنة البيضاء إلا التي قضى ... عليها رسول الله مع صحبه الغُرِّ وتَابِعُهُم فيها بإحسانٍ الأُلى ... رضوا ورضي عنهم بها عَالِمُ السِّرِّ وإنِّي على ما مات عنه محمد ... وأصحابه والتابعون إلى حشري" (١). وقال ﵀ في معرض كلامه عن الأدلة الشرعية: "إذا سألوه عن دليل مقاله أجاب بقول الله في محكم الذكرِ وإن يستزيدوا قال: قال محمد وإن يستزيدوا قال: قال أبو بكرِ" (٢). والمتتبع لمؤلفات السرمري ﵀ يجد السمة الواضحة والعلامة البارزة هي أثريَّة آرائه، حتى قال عنه القِذِّيف الشَّغَّاب زاهد الكوثري (٣): "وكان صاحب الترجمة -يعني الإمام السرمري- بعيداً عن علم الكلام وأصول الدين منصرفاً إلى مجالس الرواة يسير وراء ابن تيمية في شواذه حذو النعل بالنعل كغالب مقلدة الرواة من أهل زمنه ... " (٤). وكان جمال الدين السرمري ﵀ حريصاً على تتبع منهج السلف حتى في طرائقهم في التأليف، قال ﵀ "وافتتحته بكتاب الإيمان والسنة اتباعاً لطريقة السلف، وترغيباً لمن

стр. 89

بعدهم في اتباعهم من الخلف" (١) , وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلامه عن أن أول الواجبات هو الإيمان لا النظر: "وتقرير الحجة في القرآن بالرسل كثير ... ولهذا كان طائفة من المصنفين للسنن على الأبواب، إذا جمعوا فيها أصناف العلم، ابتدءوها بأصل العلم والإيمان، كما ابتدأ (البخاري صحيحه) ببدء الوحي ونزوله، فأخبر عن صفة نزول العلم والإيمان على الرسول أولاً، ثم أتبعه بكتاب الإيمان الذي هو الإقرار بما جاء عنه، ثم بكتاب العلم الذي هو معرفة ما جاء به، فرتبه الترتيب الحقيقي، وكذلك الإمام أبو محمد الدرامي صاحب (المسند) ابتدأ كتابه بدلائل النبوة، وذكر في ذلك طرفاً صالحاً، وهذا الرجلان أفضل بكثير من مسلم والترمذي ونحوهما، ولهذا كان أحمد بن حنبل يعظم هذين ونحوهما، لأنهما فقهاء في الحديث أصولاً وفروعاً" (٢). وهذا الاعتصام من جمال الدين السرمري بمنهج السلف هو ما كان عليه الأئمة والعلماء من قبله، فقد اعتبروا أن من أصول أهل السنة والجماعة هو تمسكهم بمنهج السلف والاقتداء بهم واتباع سبيلهم والنهي عن مخالفتهم. قال الأوزاعي: "اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم ... ولو كان خيراً ما خصصتم به دون أسلافكم فإنه لم يدخر عنهم خير خبئ لكم دونهم لفضل عندكم وهم أصحاب نبيه ﷺ الذين اختارهم وبعثه فيهم ووصفهم بما وصفهم به فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: من الآية ٢٩] " (٣). وقال الإمام أحمد ﵀: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله

стр. 90

- ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع ... " (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنا وظاهراً، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ... " (٢). وقال ابن عبدالهادي: "ولايجوز إحداث تأويل في آية أو سنة، لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بينوه للأمة، فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المستأخر، فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه ... " (٣). وقال ابن أبي العز: "وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة، وإنما يتلقاه من قول فلان، وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله لا يتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرسول ولا ينظر فيها، ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان المنقول إلينا عن الثقات النقلة الذي تخيرهم النقاد، فإنهم لم ينقلوا نظم القرآن وحده، بل نقلوا نظمه ومعناه، ولا كانوا يتعلمون القرآن كما يتعلم الصبيان، بل يتعلمونه بمعانيه، ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم برأيه، ومن يتكلم برأيه وما يظنه من دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب والسنة، فهو مأثوم وإن أصاب ... " (٤).

стр. 91

المبحث الثاني منهج جمال الدين السرمري في الاستدلال وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: منهجه في الاستدلال بالقرآن الكريم. المطلب الثاني: منهجه في الاستدلال بالسنة النبوية. المطلب الثالث: موقفه من علم الكلام.

стр. 92

المطلب الأول: منهجه في الاستدلال بالقرآن الكريم: سبق بيان أن القرآن مصدر من مصادر التلقي عند جمال الدين السرمري ﵀، وقد سار على منهج أهل السنة في تقرير الاستدلال بنصوص القرآن، يتبين ذلك من خلال المسائل التالية: المسألة الأولى: الإكثار من الاستدلال بنصوص القرآن: حتى إنه ﵀ يحشد في الموضع الواحد عدة آيات مقرراً ما يتعلق بها من مباحث، وما ذاك إلا لسعة علمه، واعتصامه بالكتاب العزيز. ومن أمثلة ذلك ما ساقه في مسألة أن المقتول وغيره مات بأجله فقال: "والدليل عليه الكتاب والسنة، فالكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: من الآية ٣٤] وذم سبحانه بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: من الآية ١٥٦] وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: من الآية ١٦٨] فرد الله عليهم وأكذبهم، وبيَّن لهم خطأهم بقوله تعالى: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: من الآية ١٦٨]، وبقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: من الآية ١٥٤] وبقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] وبقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: من الآية ٧٨] وبقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:

стр. 93

من الآية ١٤٥] وبقوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحِجر: ٥] " (١). وقال في موضع آخر في ذكر أحكام الشهادة: "قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: من الآية ٢٨٢] وقال: ﴿ ... كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ... ﴾ الآية [المائدة: من الآية ٨] وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: من الآية ٢] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: من الآية ١٣٥] وقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: من الآية ٢٨٣] وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] " (٢). وقال في موضع آخر في بيان إخباره ﷺ بالغائبات: " فمن ذلك ما أخبره الله تعالى به في القرآن كقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: من الآية ١٢] ... ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: من الآية ٧] فهزم الله المشركين، ومن ذلك قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ

стр. 94

يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: من الآية ٤٠] ... ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: من الآية ٥٥] ... ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤] ... ، ومن ذلك قوله سبحانه تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ﴾ [الفتح: من الآية ٢٧] فدخلوه كذلك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: من الآية ٢١] ... ، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: من الآية ٧] ... ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: من الآية ١٣] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ٧٦] يعني من بعث محمد ﷺ ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ٧٦] فأعلمه الله تعالى بذلك فقال: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] ومن ذلك قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: من الآية ١٨] ... ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ [محمد: من الآية ٢٥] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد: من الآية ٢٦] " (١).

стр. 95

المسألة الثانية: تفسير القرآن بالقرآن: وهذا من أفضل طرق تفسير القرآن، فإن كلام الله يبين بعضه بعضاً. ومن شواهد هذا المنهج قول جمال الدين السرمري ﵀: "وأما قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] أي وفى بما ابتلاه به من قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] " (١). وقال في موضع آخر عند قوله تعالى: " ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: من الآية ١٢] فلا هنا زائدة بدليل قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: من الآية ٧٥] " (٢). المسألة الثالثة: تفسير القرآن بالسنة: وعلى هذا سار أئمة الإسلام في تفسير كلام الله . ومن شواهد هذا المنهج قول جمال الدين السرمري ﵀ في رفع قدر ومنزلة النبي ﷺ : "روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشَّرح: ٤] قال: «قال لي جبريل: قال الله تعالى: إذا ذُكِرتُ ذُكِرتَ معي» " (٣). وقال في موضع آخر عند الكلام على العِدد: "عن أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: من الآية ٤] للمطلَّقة ثلاثاً أو للمتوفى عنها؟ فقال: هي للمطلقة ثلاثاً وللمتوفى عنها" (٤). وقال في موضع آخر في أحكام المسافر: "وقال يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: من الآية ١٠١]

стр. 96

فقد أمِنَ الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» " (١). وقال في موضع آخر على قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]: "فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله قد علمنا كيف السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: «قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنّكَ حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» " (٢). المسألة الرابعة: تفسير القرآن بأقوال السلف: والمراد بهم هنا الصحابة والتابعون وتابعوهم، ومن أخذ عنهم وسار على نهجهم. ومن شواهد هذا المنهج قول جمال الدين السرمري ﵀: "وعن أبي جنيح قال: سمعت عمرو بن دينار يقول في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٤٣] قال: وقع الطاعون في قريتهم فخرج ناس وأقام ناس فنجا الذين خرجوا وهلك الذين أقاموا، فلما وقع الطاعون الثانية، خرجوا بأجمعهم فأماتهم الله تعالى" (٣). وقال في موضع آخر عند الكلام على أحكام الصيام: "وعن عطاء سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: من الآية ١٨٤] قال ابن عباس: ليست بمنسوخة هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً" (٤).

стр. 97

وقال في موضع آخر في انتصار الله لرسول ﷺ بالريح: " قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: من الآية ٩]؛ روى أبو نعيم: عن ابن عباس ﵄ قال: لما كان يوم الأحزاب انطلقت الجَنُوبُ إلى الشَّمال فقالت: انطلقي بنا ننصر محمّداً ﷺ ، فقال الشمال: إن الحُرّة لا تسري إلا بليل، فأرسل الله عليهم الصَّبا، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: من الآية ٩] " (١). وقال في موضع آخر في باب الأيمان: "عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ٢٢٥] في قول الرجل: لا والله، وبلى والله" (٢). المسألة الخامسة: عنايته بأسباب النزول: وذلك لأن معرفة سبب نزول الآية مؤثر عند أهل العلم في معرفة معناها ودلالة ألفاظها، مع الأخذ بالاعتبار أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد اعتنى جمال الدين السرمري ﵀ بهذا الجانب في مؤلفاته. فمن شواهد هذا المنهج قوله عند الكلام عن الإيمان: "وعن البراء قال: لما حولت القبلة قال رجل: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ١٤٣] " (٣). وقال في موضع آخر في أحكام المناسك: "وعن كعب بن عُجْرَةَ قال: كان بي أذًى من رأسي، فحُملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ماكنت أرى أن الجُهْدَ بلغ بك ما أرى، أتجد شاةً؟ »، قلت: لا، فنزلت الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: «هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، نصف صاع طعام لكل

стр. 98

مسكين» " (١). وقال في موضع آخر في كتاب البيوع: "وعن ابن عباس قال: ولما نزلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: من الآية ١٥٢] عزلوا أموال اليتامى حتى جعل الطعام يفسُدُ واللحم ينتن، ذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٢٠] قال: فخالطوهم" (٢). وقال في موضع آخر عند الكلام على اللعان: "وقال رجل: يا رسول الله، أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشةٍ كيف يصنع إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، فسكت النبي ﷺ فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه ابتُليت به، فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النور ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ ... [النور: ٦] ... " (٣). وقال في موضع آخر في صفة الكفارة: "فقد كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه شدة، فنزلت: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ ... [المائدة: ٨٩] " (٤). وقال في موضع آخر عند الكلام على عظم منزلة النبي ﷺ عند الله في المحبة: " لما قال من قال من الكفّار حين اشتكى فلم يقم ليلة أو ليلتين أنه قد وُدِّع فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضُّحى: ١ - ٥] " (٥).

стр. 99

المسألة السادسة: عنايته بالقراءات الواردة في الآية: قد اعتنى جمال الدين السرمري ﵀ بهذا الجانب، فكان يوضح القراءات الواردة في الآية عند الحاجة لذلك. ومن شواهد هذا المنهج قوله عند الكلام على حروف الجزم: "إلا أنَّ الأفصح التسكين مع الواو والفاء، والكسر مع ثم، وعلى هذا قراءة أبي عمرٍ ﴿ثم ليقطع فلينظر﴾ [الحج: من الآية ١٥] وقرأ ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: من الآية ٢٩] " (١). وقال في موضع آخر عند الكلام على الاستثناء: "وعلى اللغتين قُرئ قوله تعالى: ﴿مافعلوه إلا قليلٌ منهم﴾ [النساء: من الآية ٦٦] رفعاً وإلا ﴿قليلاً﴾ نصباً" (٢). وقال أيضاً: "أن تنصبهما جميعاً بلا تنوين كما قرئ ﴿لا بيعَ فيه ولا خلالَ﴾ " (٣). وقال في موضع آخر عند الكلام على الترخيم: "روى البخاري في صحيحه: عن علي بن عبدالله، نبأنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن صفوان بن علي عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ على المنبر ﴿ونادوا يا مالِ﴾ [الزخرف: من الآية ٧٧]، قال سفيان: في قراءة عبدالله ﴿ونادوا يا مالِ﴾ " (٤). وقال في موضع آخر عند الكلام على الممنوع من الصرف: "وللتناسب يجوز الصرف أيضاً كقراءة نافع والكسائي ﴿سلاسلاً﴾ [الإنسان: من الآية ٤] ﴿وقواريراً﴾ [الإنسان: من الآية ١٥ - ١٦] وقراءة الأعمش ﴿ولايغوثاً ويعوقاً﴾ [نوح: من الآية ٢٣] مصروفين ليناسبا ودّاً وسواعاً ونسراً" (٥).

стр. 100

المسألة السابعة: اجتهاده في تفسير القرآن على طريقة أهل العلم: وبهذا تظهر قوة جمال الدين السرمري ﵀ العلمية، وتوفر آلة الاجتهاد لديه، وتمكنه من العلوم الأصلية وعلوم الآلة. ومن شواهد هذا المنهج قوله عند الكلام على جمع المذكر السالم: "فأمّا قوله عن السماء والأرض: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فُصِّلَت: من الآية ١١] فإنّه لما وصفهما بالقول الذي هو من خصائص من يعقل، جمعهما جمعَ من يعقل ليطابق أول الكلام آخرة ونظائره كثيرة في القرآن وغيره" (١). وقال في موضع آخر عند الكلام على الخبر الذي يتنزل منزلة المبتدأ على وجه التشبيه: "ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: من الآية ٦] يعني أنّ زوجات النبي ﷺ يتنزلن عند المسلمين في احترامهن وتحريم نكاحهنَّ بمنزلة أمهاتهم لا أنَّهُنَّ أمهاتهم حقيقةً" (٢). وقال في موضع آخر عند الكلام على (كان): "وقد يقصد بها الداوم كما يقصد بـ (لم يزل) كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: من الآية ٢٧] " (٣). وقال في موضع آخر عند الكلام على الآل: "وقد قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: من الآية ٤٦] وأراد بذلك قومه كلهم" (٤).

стр. 101

المطلب الثاني: منهجه في الاستدلال بالسنة النبوية: سبق أن السنة هي أحد مصادر التشريع وهي مصدر من مصادر التلقي عند جمال الدين السرمري ﵀، وقد سار ﵀ على معالم واضحه في تقرير استدلاله بالسنة النبوية، فمن ذلك: المسألة الأولى: الإكثار من الاستدلال بنصوص السنة: حتى إنه ﵀ يحشد في الموضع الواحد عدة آحاديث مقرراً ما يتعلق بها من مباحث، وما ذاك إلا لسعة علمه، واعتصامه بالسنة النبوية. ومن أمثلة ذلك ما ساقه عند الكلام على فضل المنيحة (١) وعِظَم أجرها فقال: "روى أبو سعيد ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فسأله عن الهجرة فقال: «ويحك الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل» قال: نعم، قال: «فتعطي صدقتَها» قال: نعم، قال: «فهل تمنحُ منها» قال: نعم، قال: «فتحلبُها يومَ ورودها» قال: نعم، قال: «فاعملْ من وراءِ البحار، فإن الله تعالى لن يَتِرَك من عملك شيئاً» متفق عليه. ومنها عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «نعمَ الصدقةُ اللقحةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، والشاةُ الصفيُّ مِنْحَةً، تغدو بإناء، وتروح بإناء» أخرجه البخاري. ومنها عن كُدير الضبِّي: أن رجلاً أعرابيًّا أتى رسولَ الله ﷺ فقال: أخبرني بعلمٍ يُقرِّبني من طاعتهِ ويُباعدني من النار، قال: «أوَ تعملُ بما أعلمناك»، قال: نعم، قال: «تقولُ العدلَ، وتُعطي الفضلَ»، قال: والله ما أستطيعُ أن أقولَ العدلَ كلَّ ساعة، وما أستطيعُ أن أعطيَ فضلَ مالي، قال: «فتُطعم الطعام، وتُفشي السلام»، قال: هذه شديدةٌ، قال: «فهل لكَ من إبل»، قال: نعم، قال: «فانظر بعيراً من إبلِكَ وسِقاء، ثم اعمدْ إلى أبياتٍ لا يشربونَ الماءَ إلا غِبًّا،

стр. 102

فلعلَّكَ أن لا يهلِكَ بعيرُك، ولا يَنخرِقُ سِقاؤك، حتى تجبَ لك الجنة» قال: فانطلق الأعرابي يكبِّر، قال: فما تخرَّق سِقاؤه، ولا هَلَك بعيرُهُ حتى قُتِلَ شهيداً؛ أخرجه عبدالرزاق بن همام في جامعه عن معمر عن أبي إسحاق عن كُدير. ومنها عن البراء ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: دُلَّني على عمل يقرِّبني من الجنةِ ويُباعدني من النار، قال: «لئن كنتَ أقصرتَ الخُطبةَ لقد أعرضْتَ المسألة، أعتق النَّسَمة، وفُكَّ الرَّقَبة» قال: يا رسول الله، أو ليستا واحدة، قال: «لا عِتقُ النسمة أن تفرد بعتقها، وفكُّ الرقبةِ أن تعينَ في ثمنها، والمِنْحَةُ الوكوفُ، والفيءُ على ذي الرَّحِمِ الظالم، فإن لم تُطِق ذلك فكفَّ لسانك إلا من خير» رواه الدارقطني في سننه. ومنها عن أبي هريرة ﵁ يبلغُ به النبيَّ ﷺ قال: «ألا رجلٌ يمنح أهل بيتٍ ناقةً تغدو بعُس وتروح بعُس، إن أجرَها لعظيم» أخرجه مسلم. ومنها عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أتدرون أيُّ الصدقةِ أفضل» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «المنيحةُ: أن تمنحَ أخاكَ الدرهمَ، أو ظهرَ الدابَّةِ، أو لبنَ الشاة، أو لبنَ البقرة» رواه الإمام أحمد في المسند " (١). وقال في موضع آخر عند الكلام على حفظ اللسان والفرج: "عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من توكَّل لي ما بين لحييه وما بين رجليه توكلتُ له بالجنة» أخرجه البخاري، وفي رواية: «من يضمن لي» وفيها: «أضمن له» ... وقد جاء الحديث: «طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه» ... وفي حديث وصيَّة النبي ﷺ معاذاً ﵁: «احفظ عليك لسانك» وفيه: «وهل يكبُّ الناسَ على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» ... وقد جاء الحديث: «احفظ فرجك إلا ما ملكت يمينُك أو من زوجتك» أو كما جاء، وفي الحديث أيضاً: «أكثر ما يُدخلُ الناسَ النارَ الأجوفان: البطنُ والفرج» " (٢).

стр. 103

المسألة الثانية: ظهور الصناعة الحديثية على مؤلفاته: فكثيراً ما يُتبع جمال الدين السرمري ﵀ الحديث بالحكم عليه، أو الكلام على رواته أو نحو ذلك، ولا غرو فالسرمري -كما سبق في ترجمته- محدث حافظ، ومؤلف في علوم السنة، وناظم ما يتعلق بها من تآليف. ومن أمثلة ذلك قوله ﵀ في مقدمة كتابه (إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة): "وعزوت كل حديثٍ إلى من رواه من الأئمة ... فما كان من مسند الإمام أحمد وصحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والترمذي قلت: رواه الجماعة، وما كان من المسند والصحيحين: متفق عليه، وما كان من الصحيحين: أخرجاه، وما كان ممَّا عداهما: رواه الخمسة، وما لم يتفق كذلك سميت من رواه" (١). وقال في موضع آخر عند الكلام على مكان الصلاة: "وعن زيد بن جَبِيرَةَ، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر ﵁: «أن رسول الله ﷺ نَهَى أن يصلى في سبع مواطن: في المزبلَة، والمجزَرَة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله» رواه عبد بن حميد في مسنده، وابن ماجه، والترمذي وقال: ليس إسناده بذاك القوي، قد تُكُلِّم في زيد بن جَبِيرَةَ مِن قِبَلِ حفظهِ، ورواه الليث بن سعد، عن عبدالله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ﷺ مثلَهُ، وحديث داود، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد، وعبدالله بن عمر العمري ضعَّفه بعض أهل الحديث من قِبَلِ حفظِه، منهم: يحيى بن سعيد" (٢). وقال في موضع آخر عند الكلام على ترك الحسد والغش للمسلمين: "عن أنس ﵁ قال: كنا جلوساً مع رسول الله ﷺ فقال: «يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة» ... رواه الإمام

стр. 104

أحمد بن حنبل ﵀ في مسنده عن عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك؛ وهذا الإسناد على شرط الصحيحين" (١). وساق في آخر كتابه (الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة) حديثاً مسنداً فقال: "فأرودته بإسنادٍ لئلا يخلوَ كتابي من حديث مسند؛ وهو ما أخبرني الشيخ أبو طالب محمد بن محمد بن محمود العدل بقراءتي عليه برباط الأرجوانية من درب زاخي شرقيِّ بغداد في يوم الجمعة سادسَ عشرَ شعبانَ من سنةِ ثلاثين وسبعمائة قال: أنبأنا أبو أحمد عبدالصمد بن أحمد بن عبدالقادر بن أبي الجيش المقرئ قال: أخبرنا أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي إذناً، حدثنا أبو جعفر زيد بن جامع الشامي الحموي من لفظهِ في شعبان من سنة ثمانٍ وأربعين وخمسمائة قال: أخبرنا أبو طالب عبدالقادر بن محمد اليوسفي قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن لؤلؤ الوراق قال: أخبرنا أبو حفص عمر بن أيوب السَّقَطي، وحدثنا أبو الوليد بشر بن الوليد القاضي، حدثنا الفرج بن فضالة، وحدثنا هلال أبو جبلة، عن سعيد بن المسيب عن عبدالرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ ونحن في مسجد المدينة فقال: «إني رأيتُ الليلةَ عجباً» ... " (٢). وقال في موضع آخر عند الكلام على ما يطول الأعمار: "وعن عبدالله بن عباس ﵄ أنه قال: «إن البر والصلة ليطولان الأعمار ويعمران الديار، ويثريان الأموال، وإن كان القوم فُجاراً، وإن البر والصلة ليخفقان السوء سوء الحساب يوم القيامة» رواه الحافظ ابن الجوزي في كتاب البر والصلة تأليفه وأدْرَجَ عليهما" (٣). المسألة الثالثة: شرح مفردات الحديث والكلام عليها: فقد كان جمال الدين السرمري ﵀ يعلق على المفردات المشكلة في الحديث، ويوضح

стр. 105

المراد منها، وهذا دليل على سعة علمه ودرايته بالحديث. ومثال ذلك قوله عند الكلام على أحاديث المنيحة: "أما حديث عبدالله بن عمرو ﵄ الذي أسَّسنا عليه الكتاب، فقوله: «منيحة»، المنيحة: هي الناقة أو البقرة أو الشاةُ يُعطيها الرجلُ الرجلَ يحتلبُها ويشربُ لبنَها ويُعيدها إليه، والمنيحة في اللغة: العطية، يُقال: مَنَحَهُ كذا إذا أعطاه؛ وأما حديث أبي سعيد فقوله: «ويحك إن الهجرةَ شأنُها شديد» يعني أن الالتزام لأحكامها مُشِقٌّ: من ترك الأهل، والولد، والوطن، والتغرُّب، والفقر، والخوف، لاسيَّما وهو صاحب ماشيةٍ، والافتتان بها أسرع، فخشيَ عليه أن لا يصبرَ على اللأواء، فيرفضَ الهجرةَ ويرتدَّ، فدلَّه على الأسهل ليقوى إيمانُه، وربما آمنَ بإيمانهِ إذا رجعَ إلى أهله غيرُه، والذي دلَّه عليه فيه أجرٌ عظيم: التصدُّقُ، والإمناح، وسقيُ اللبنِ على المورد؛ وقوله: «فاعمل من وراءِ البحار» أي إذا كانَ هذا عملَكَ فدُمْ عليه، ولو أنكَ غائبٌ عني، بعيدٌ مني، ولو خلفَ البحار، لأن اللهَ تعالى «لن يَتِرَكَ» أي يَظْلِمُكَ ويُنْقِصُكَ مما عملتَ له شيئاً، ولكنَّهُ يؤتيكَ أجرَهُ موفوراً والله أعلم؛ وأما حديث أبي هريرة ﵁ «اللِّقحةُ»: الناقة التي تُحلب، والجمع لقاح؛ و «الصفيُّ»: الناقة الكثيرةُ اللبن؛ و «النحلة» الكثيرة الحمل، وقوله: «تغدو بإناء وتروح بآخر» يعني أنها تُحلبُ غُدْوَةً وعشيَّة، فنعم المنحةُ ما كان على هذه الصفة و«نعم» للمدح، يقال: نعمَ الرجلُ زيدٌ؛ وأما حديث كُدير فقوله: «تقولُ العدل» أي الحقَّ والصدق ولا تقلْ غيرَ ذلك، وقوله: ما أستطيعُ أن أقولَ الحقّ كل ساعة؛ وذلك لأن الحقَّ ثقيل، ومنه الأمانة التي عجزت السمواتُ والأرضُ عن حملها وأشفقنَ منها، وسُمِّي الإنسانُ بتحمُّلِها ﴿ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: من الآية ٧٢] لأنه أقدمَ على ما أحجم عن حَمْلهِ السمواتُ والأرض والجبال وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: من الآية ١٥٢]؛ وقوله «وتعطي الفضل» أي تتفضَّلُ بالإعطاءِ من مالِكَ، ويجوز أن يكون: تعطي الفضلَ من مالِكَ عن قدرِ كفايتِكَ وكفايةِ من تعول لأنه قد جاء في الحديث أن النَّبي ﷺ حضَّ الناسَ على التصدق بفضل الزاد والظهر وأصناف من المال في بعض سفراته،

стр. 106

قال الرواي: حتى رأينا أن لا حق لأحد منّا في فضل أو كما جاء، وقد روي «طوبى لمن أعطى الفضل من ماله، وأمسك الفضلَ من لسانه» وهذا على سبيل الندب والاستحباب ألا تراه عدل عنه إلى ما هو أسهل منه، وهو قوله: «فتطعم الطعام، وتُفشي السلام» ... " (١). وقال في موضع آخر عند الكلام على شرح صدر النبي ﷺ : " كما ذكره مسلم في حديثه وبيّن فيه أنه «أخرَج منه علقة فألقاها وقال: هذا حظ الشيطان منك» والعلقة: قطعةُ دم تكون في تجويف القلب وتسمّى السُويداء والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ومن القلب تَجري الحياةُ في البدن وهي التي يقول لها الأطباء الروح والقوة والشهوة والحياة تنبعث من القلب ولهذا كان القلب ملك البدن وكان إذا صلح صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله والقلب ما دامت فيه تلك العَلقَة يدخل الشيطان فيه فهي بَيْتُه منها يتصرف بالوسوسة فأُخرِجت من النبي ﷺ وغُسل مكانها فلم يبق للشيطان عليه سبيل أصلاً ولا بقي له بيت يدخل فيه ولا مسكن وكان يقول ﷺ : «ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه، قالوا: وأنتَ يا رسول الله، قال: وأنا لكن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» وليس المراد أسلم أنا بل أسلم هو من الاستسلام لا من إيمان لأنه قال: «فلا يأمرني إلا بخير» لأنه انقاد وانطاعَ فبقي لا يأمره إلا بما يناسبُ حاله من الخير ﷺ " (٢). وقال في موضع آخر عند الكلام على التواضع والمسكنة لله تعالى وترك التكبُّر والتجبُّر: "عن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيفٍ متضعِّف، لو أقسمَ على الله لأبرَّهُ، ألا أخبركم بأهلِ النار، كل عُتُلِّ جوَّاظٍ مستكبر» ... وقوله في الحديث «عُتُلِّ» العتلُّ: الشديد الخصومة الجافي، اللئيمُ الضريبة، وقال ابن عرفة: هو الفظُّ الغليظُ الذي لا ينقادُ لخير؛ وقوله: «جوَّاظ» الجواظ: هو الكثيرُ اللحم، المختالُ في مشيته" (٣).

стр. 107

المسألة الرابعة: الجمع بين النصوص النبوية التي يوهم ظاهرها التعارض: فمن منهج جمال الدين السرمري ﵀ دفع إيهام تعارض أحاديث النبي ﷺ كما هو منهج أهل السنة، وعدم ضرب بعضها ببعض كما هو منهج أهل البدعة فقد قال في كتابه (شفاء الآلام في طب أهل الإسلام) في باب الجذام عند ذكر المرأة التي تزوجها النبي ﷺ فوجد البياض بكشحها فقال لها: «الحقي بأهلك» قال: "وقد ظن طائفة من العلماء أن هذه الأحاديث معارضة بأحاديث أخر تبطلها وتناقضها منها ما رواه الترمذي: أن رسول الله ﷺ أخذ بيد مجذوم فأوصلها معه في القصعة وقال: «كل باسم الله ثقة بالله وتوكلاً على الله» وبما في الصحيح أنه قال: «لا عدوى ولا طيرة» - قال: - ونحن نقول: لا تعارض بحمد الله في أحاديثه الصحيحة، فإذا وقع التعارض فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه ﷺ ، أو قد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتاً فالثقة يغلط، أو يكون التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه ﷺ ، فلا بد من خروجه من هذه الوجوه الثلاثة، فأما حديثان صحيحان صريحان متعارضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخاً للآخر فهذا لا يوجد أصلاً، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق إلا الحق، فالآفة من التقصير في معرفة المقول والتمييز بين الصحيح والمعلول، أو من القصور في فهم مراده ﷺ وحمل كلامه على غير ما قصد به، أو منهما معاً، ومن هنا وقع في الاختلاف والفساد ما وقع" (١). ومن أمثلة ذلك قوله عند الكلام على التواضع والمسكنة لله تعالى وترك التكبُّر والتجبُّر: "عن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيفٍ متضعِّف، لو أقسمَ على الله لأبرَّهُ، ألا أخبركم بأهلِ النار، كل عُتُلِّ جوَّاظٍ مستكبر» ... وأما الحديثُ الذي وردَ أن: المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، فليس هذا بالمناقض لما نحن فيه، فإن المقصودَ هنا بالقوةِ القوةُ في دين الله تعالى وعبادتهِ وامتثالِ أوامرهِ

стр. 108

بالوجباتِ تضاعفاً والانزجارِ عما نهى" (١). وقال في موضع آخر في سياق الكلام على الطيرة: "وأما ما روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «إن الطيرة في ثلاث: في الدار والمرأة الفرس» فالجواب عنه: أن عائشة ﵂ طعنت عليه وبيَّنت تثبيت الحديث وذنك أنها ذُكر لها قول أبي هريرة فقالت: لم يحفظ أبو هريرة، دخل علينا ورسول الله ﷺ يقول: «قاتل الله اليهود؛ يزعمون أن الشؤم في الدار والمرأة والفرس» فسمع أبو هريرة آخر الحديث ولم يسمع أوله؛ وفي رواية: أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث عن النبي ﷺ : «إن الطيرة في ثلاث: في الدار والمرأة والفرس» فغضبت عائشة ﵂ غضباً شديداً، وقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما قاله، إنما قال: «أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك» فقد بيَّنت عائشة وجه الحديث وسببه، وأن ذلك من قول اليهود والجاهلية، وبيَّنت أن أبا هريرة لم يسمع أول الحديث؛ وقد تأول قوم حديث أبي هريرة في أن الشؤم في المرأة إذا كانت لا تلد أو سيئة الخلق، وفي الدار إذا كانت بعيدة عن المسجد أو ضيقة وجيرانها جيران سوء، وفي الدابة إذا كانت تعضُّ أو ترفُس، أو كانت مربوطة للفخر والخيلاء ... ؛ فأما ما روى أنس أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نزلنا داراً فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا، ثم تحولنا عنها إلى أخرى، فقلَّت فيها أموالنا، وقل فيه عددنا، فقال رسول الله ﷺ : «فَذَرُوها ذميمةً» فالجواب: أنه قال لهم: «فَذَرُوها ذميمةً» لما كان استقر في أنفسهم في زمان الجاهلية من شؤم الدار، فأمرهم بالنقلة عنها ليزول ما توهموه في قلوبهم من أن الشؤم في المسكن وما لحقهم من الاستيحاش فيها، والتثاقل بها، يستعجلوا الراحة ويزول عنهم توقع البلاء الذي قد استشعروه من نزول الحوائج، وإن لم يكن لذلك في الحقيقة أصل، ولئلا يعتقدوا التشاؤم بالدار، ويفهم من قوله: «فَذَرُوها ذميمةً» وعدم التصريح لهم والتعريف بذكر الشؤم أن ذلك قد كان قدَّره لهم بقوله: «لا عدوى ولا طيرة» وكان سؤال السائل في ذلك على سبيل الاستفهام لما أشكل عليه وقوع النقص

стр. 109

بسكن الدار الثانية دون الأولى، كما قال ذلك الرجل: إن النُقبة تكون في مشفر البعير، فتدخل في الإبل فتجرب، فقال له: «فَمن أعدى الأوَّل» وقال هنا: «فَذَرُوها ذميمةً» حسماً لوهم صاحب البعير أن بعيره خالط غيره فأعداه، ويتسلسل ذلك في ظنه، فقطعه بهذا الجواب، وقال لصاحب الدار: «فَذَرُوها ذميمةً» خوفاً عليه أن يقوى وهمه باستمرار النقص عليه بالمقام بها، فيؤدي ذلك إلى سوء اعتقاده فيما أخبره به أولاً أنه لا عدوى ولا طيره" (١). المسألة الخامسة: تفسير السنة بالقرآن: قد سلك الإمام جمال الدين السرمري مسلك الأئمة الأعلام في التعامل مع نصوص السنة، فالتمس من آيات القرآن ما يقوي به وجه الاستشهاد بالسنة؛ تارةً تأكيداً، وتارة بياناً. ومثال ذلك قوله عند الكلام على تفسير الآل: "في الصحيح أنَّ النبي ﷺ سئل فقيل: يا رسول الله قد عَلِمْنا كيف السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك لي محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنَّك حميد مجيد» واختلف الناس في آله من هم، فقيل: أهل بيته، وهذا هو الصحيح إن شاء الله، وقيل: جميع أمته فيدخل فيه أهله وأزواجُهُ وكل مؤمن به وقد قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: من الآية ٤٦] وأراد بذلك قومه كُلهم" (٢). وقال في موضع آخر عند الكلام على حفظ اللسان والفرج: "عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من توكَّل لي ما بين لحييه وما بين رجليه توكلتُ له بالجنة» أخرجه البخاري ... والمراد بما بين الرجلين الفرج، وقد أمر الله تعالى بحفظه في كتابه ووعد على حفظه بالفلاح في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ

стр. 110

(٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] " (١). وقال في موضع آخر عند الكلام على عظم أجر الصائم: "وجاء في الحديث أيضاً: «إن الله تعالى يقول: الصومُ لي وأنا أجزي به» يشيرُ إلى عظم ثوابه لأنه لم يُحِدَّهُ، ولم يوقفْ عليه بشراً فهو من قبيل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: من الآية ١٧] " (٢). المسألة السادسة: تفسير الحديث بالحديث: وهذا من أولى ما فُسرت به النصوص الشرعية، لأن الشارع أعلم من غيره بالمراد من النص الشرعي، وعلى هذا سار أئمة الإسلام. ومثال ذلك قوله عند الكلام على حفظ اللسان والفرج: "عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من توكَّلَ لي ما بين لَحْيَيْه، وما بين رجليه توكلتُ له بالجنة» أخرجه البخاري ... وقد جاء الحديث: «طوبى لمن أمسكَ الفضل من لسانه» وقد سبق وذلك لأن «كلام ابن آدم كلَّهُ عليه لا له، إلا أمرٌ بالمعروف، أو نهيٌ عن منكر، أو تلاوةُ كتابِ الله» كذا جاء الحديث" (٣). وقال في موضع آخر: "قوله: «فإن لم تُطق فأمسك لسانك إلا من خير» وهذا من جوامع الخير؛ لأنه قد جاء الحديث «كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر, أو قراءة القرآن» فإذا سَلِمَ الإنسانُ من غائلة اللسانِ سَلِمَ من غائلة الإثم والعصيان كما قال: «وهل يكبُّ الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» " (٤). وقال في موضع آخر عند الكلام على ترك التهاجر والتشاجر: "عن أبي هريرة ﵁ أن
следующие страницы →