رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في العقيدة والمذاهب المعاصرة
стр. 2
إعداد الطالب
خالد بن منصور المطلق
إشراف
أ. د. علي بن محمد الدخيل الله السويلم
الأستاذ في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة
стр. 3
الجزء الأول
стр. 4
العام الجامعي ١٤٣٤ - ١٤٣٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] أما بعد:
فإن من سنن الله في خلقه أن الحق والباطل في صراع دائم وحرب مستمرة، وكانت الأمم السابقة إذا استشرى الضلال بينها واستحكم طوقه، آذن الله له بالزوال، ببعثة رسول من الرسل يجدد للناس ما اندرس من الدين، ويعيد للحق دولته وكيانه.
وإن من رحمة الله بهذه الأمة، أن هيأ لها على مر العصور والدهور، واختلاف الأحوال والأمور، طائفة على الحق منصورة، متمسكة بدين ربها، ومنهج أسلافها، لايضرها من خالفها أو تخلف عنها، قادتها أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، ممن حملوا على عواتقهم دعوة من ضل إلى الهدى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بهدي المصطفى أهل الضلالة والعمى، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، بنور علمهم تحيا الأمة ويندحر ظلام البدعة، بهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم قام الكتاب وبه قاموا.
ويعد القرن الثامن - وهو القرن الذي عاش فيه الإمام يوسف السرمري - أحد القرون
العصيبة، والفترات التي استوى فيها سوق البدعة، وحلت الفرقة بين هذه الأمة، وتحقق في أهل
стр. 5
السنة وصف الغربة.
وفي هذا الجو المشحون بالبدع , كان للإمام جمال الدين أبي مظفر يوسف السرمري ﵀ جملة من المؤلفات في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة والدفاع عنها حتى تململ من منهجه فيها المتهالكون من أهل الأهواء والبدع, فقال عنه القِذِّيف الشَّغَّاب زاهد الكوثري (١): "وكان صاحب الترجمة -يعني الإمام السرمري- بعيداً عن علم الكلام وأصول الدين منصرفاً إلى مجالس الرواة يسير وراء ابن تيمية في شواذه حذو النعل بالنعل كغالب مقلدة الرواة من أهل زمنه ... " (٢).
ومن تلك المؤلفات منظومة [الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية] رد فيها على تقي الدين السبكي في أبياته التي لمز فيها شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ذكرها الحافظ ابن ناصر الدين في [الرد الوافر] وقال: "ولقد أحسن في هذا الرد المقبول وهدم تلك الأبيات بنظام المنقول وجلال المعقول" (٣).
ومن مؤلفاته [نهج الرشاد في نظم الاعتقاد] وهي منظومة في عقيدة أهل السنة والجماعة, قد حوت درراً ثمينة وجواهر نفيسة, مع عذوبة في النظم وجزالة في المعاني, أورد فيها عقيدة أهل السنة في (أسماء الله وصفاته, وكتاب الله, والقضاء والقدر, والمحرمات, والتعامل مع ولاة الأمر, واليوم الآخر, والإيمان بالنبي محمد ﷺ , والصحابة الكرام ﵃).
ومن مؤلفاته كتاب [إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة] وهو كتاب في أدلة الأحكام من القرآن والسنة معاً, لكن قد بدأه المؤلف بكتاب الإيمان والسنة فقال: (وافتتحته بكتاب الإيمان
والسنة اتباعاً لطريقة السلف, وترغيباً لمن بعدهم من الخلف) (٤).
стр. 6
ومن مؤلفاته [كتاب نشر القلب الميت بفضل أهل البيت] , وكتاب [غيث السحابة في فضائل الصحابة] , وغيرها؛ إضافة إلى بعض المسائل العقدية التي أشار لها في كتبه المؤلفه في النحو والحديث والطب وغير ذلك, والإمام جمال الدين السرمري من المكثرين في التأليف, فمؤلفاته تزيد على المائة مصنف, قال ابن حجي (رأيت بخطه ماصورته: مؤلفاتي تنيف على مائة مصنف كبار وصغار, في بضعة وعشرين علماً, ذكرتها على حروف المعجم في "الروضة المورقة في الترجمة المونقة") (١).
وكان من جملة هذا المصنفات في باب الاعتقاد كتاب [خصائص سيد العالمين وماله من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈] الذي جمع فيه المؤلف ما من به الله ﵎ على رسولنا الكريم ﷺ من معجزات عظيمة لم يسبق لها مثيل، وآيات باهرات توضح وتبين لنا مقامه وفضيلته وعلو قدره، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين وأنه سيد الأولين والآخرين.
وإن القارئ للمخطوطة ليشعر من صفحاتها الأولى بعظيم قدرها, فقد جمع فيها بين الرواية والدراية , كيف لا يكون وهو من أهل الحديث, كما أن موضوعها مهم في زمن كثر المخالفون فيه من أهل الديانات الباطلة والمنسوخة الطاعنون في الرسالة وفي القرآن بل وفي كل الشريعة والدين, وإن معرفة فضائله ﷺ وما أيده الله من الآيات وخوارق العادات من الأمور العظيمة التي تطمئن بها النفوس وتركن بها القلوب إلى تقبل ما جاء به وتطبيقه والسير على منهجه ﷺ .
فلذلك - وبعد الاستخارة والاستشارة - اخترت أن يكون موضوع بحثي لمرحلة "الماجستير": [منهج الإمام جمال الدين السُّرَّمَرِّي في تقرير العقيدة, مع تحقيق ودراسة كتابه "خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈"].
стр. 7
- أهمية الموضوع وأسباب اختياره:
١ - مكانة الإمام جمال الدين السرمري ﵀، والجهد العلمي الذي قدمه للأمة، ففي دراسة منهجه إبراز لهذا الجهد وإظهار له، ومحاولة جمع ماتفرق من هذه المادة العلمية ليسهل الرجوع إليها والاستفادة منها.
٢ - أن الحافظ جمال الدين السرمري ﵀ من الأعلام في مدرسة شيخ الاسلام ابن تيمية كما كانت له جهود في الدفاع عن منهجه ﵀، ومن ذلك [الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية]، وهي منظومة يرد بها على أبيات السبكي، قال ابن ناصر الدين في [الرد الوافر]: "ولقد أحسن في هذا الرد المقبول وهدم تلك الأبيات بنظام المنقول وجلال المعقول" (١).
٣ - أن دراسة منهج مثل هؤلاء الأئمة تبرز عقيدة السلف غضة طرية، بعيدة عن التعقيدات الكلامية والمقدمات المنطقية، وبهذا يرتبط المسلم بسلفه الصالح.
٤ - هناك تشابه كبير بين الفترة التي عاشها هذا الإمام وبين عصرنا الحاضر، من حيث انتشار البدع، وغلبة الأهواء، فدراسة منهجه في تقرير العقيدة، قد تعين على تصحيح الواقع العقدي للأمة.
٥ - كون الموضوع شاملاً لجل أبواب العقيدة، مما يستلزم من الباحث أن يمر أثناء بحثه على كثير من المسائل العقدية، فيعود ذلك عليه بالنفع الكبير.
٦ - أن هذا الكتاب - حسب علمي - لم يسبق أن طبع أو حقق، فقد بحثت عنه في الجامعات والمكتبات العامة داخل السعودية وخارجها ولم أجد له تحقيقاً أو طباعة.
٧ - حسن التقسيم ودقيق الاستنباط من المؤلف ﵀، فقد جعل لكل نبي
فصلاً يذكر فيه ما أوتي من المعجزات ثم يورد نظائر هذه المعجزات التي وقعت لنبينا ﷺ أو الكرامات لصالحين من أمته ثم يوازن بينها ويستنبط فضله ﷺ ،
стр. 8
ثم ذكر بعد ذلك فصلاً أورد فيه ما اختص به نبينا ﷺ من المعجزات والمزايا الكريمة مما فاق به عليهم.
٨ - إيراد المؤلف لجملة من المسائل المشكلة والجواب عنها، مثال ذلك قال ﵀: "فإن قيل: في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: من الآية ٢٦] وأن الله سبحانه استجاب له فأغرق الأرض ومَن عليها دليل على أن نوحاً ﵊ كان مُرسلاً إلى جميع أهل الأرض فكيف يقال: بأن محمداً ﷺ وحده أُرسِل إلى الناس كافةً، فالجواب. . . " (١)، والكتاب مملوء بـ (فإن قيل/ فالجواب).
٩ - أن النسخة الأصل نفيسة جداً وعليها قيد سماع المؤلف وإجازته، ونسخت في سنة (٧٧٠) أي قبل وفاة المؤلف بست سنوات.
١٠ - لم يقتصر المؤلف ﵀ في كتابه على سرد الأحاديث والآثار وإنما كان له شرح وبيان في كثير من المواضع، والكتاب فيه تحقيق كبير فالمؤلف يمايز بين معجزات النبي ﷺ وبين معجزات كل نبي ثم يبين الأمور التي تميزت بها معجزاته ﷺ ، ويورد المسائل المشكلة ويجيب عنها، إضافة إلى مايذكره من الفوائد والاستنباطات.
- الهدف من الدراسة:
١ - التعريف بالإمام جمال الدين أبي المظفر يوسف السرمري ﵀ ومكانته وآثاره العلمية، وإبراز منهجه في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة، والدفاع عنها.
٢ - إخراج هذا المخطوط الجليل ليكون في متناول أيدي الدارسين والباحثين للوقوف
عليه، والاستفادة مما جاء فيه.
стр. 9
خطة البحث: تشمل على مقدمة، وقسمين، وخاتمة .
المقدمة: وتشمل أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وخطة البحث، والمنهج المتبع فيه.
القسم الأول: منهج الإمام جمال الدين السرمري في تقرير العقيدة، وفيه سبعة فصول:
الفصل الأول: عصر جمال الدين السرمري وحياته، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: عصر جمال الدين السرمري.
المبحث الثاني: حياته الشخصية.
المبحث الثالث: حياته العلمية.
الفصل الثاني: منهج جمال الدين السرمري في التلقي والاستدلال، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مصادر جمال الدين السرمري في التلقي.
المبحث الثاني: منهجه في الاستدلال.
الفصل الثالث: منهج جمال الدين السرمري في تقرير التوحيد، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: توحيد الربوبية.
المبحث الثاني: توحيد الألوهية.
المبحث الثالث: توحيد الأسماء والصفات.
الفصل الرابع: منهج جمال الدين السرمري في سائر أصول الإيمان، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الإيمان بالملائكة والإيمان بالرسل.
المبحث الثاني: الإيمان باليوم الآخر.
المبحث الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر.
الفصل الخامس: منهج جمال الدين السرمري في مسائل الإيمان، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: مسمى الإيمان.
المبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه.
المبحث الثالث: الاستثناء في الإيمان.
стр. 10
المبحث الرابع: الكبيرة وحكم مرتكبها.
الفصل السادس: منهج جمال الدين السرمري في الصحابة والإمامة، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الصحابة.
المبحث الثاني: الإمامة.
الفصل السابع: موقف جمال الدين السرمري من أهل الأهواء والبدع، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: لزوم الجماعة وذم الفرقة.
المبحث الثاني: موقفه من أهل البدع.
القسم الثاني: تحقيق كتاب "خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈"
مقدمة التحقيق: وفيها ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالكتاب، وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: اسم الكتاب.
المطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف.
المطلب الثالث: موضوع الكتاب، ومجمل مباحثه.
المطلب الرابع: أهمية الكتاب، وقيمته العلمية.
المطلب الخامس: منهج المؤلف فيه.
المطلب السادس: مصادره في كتابه.
المطلب السابع: تقويم الكتاب.
المبحث الثاني: التعريف بالخصائص والمناقب والمعجزات.
المبحث الثالث: وصف النسخ الخطية.
الخاتمة: وفيها النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث.
стр. 11
منهجي في البحث:
ويكون على المنهج الوصفي التحليلي، ويتلخص في النقاط التالية:
١ - استقراء المسائل العقدية التي نص جمال الدين السرمري ﵀ على رأيه فيها، في كتبه، أو الكتب الناقلة عنه، وترتيب هذه المسائل حسب خطة البحث.
٢ - دراسة هذه المسائل ونقدها وفق مايلي:
أعرض قول جمال الدين السرمري ﵀ في كل مسألة.
ب الاستدلال على المسائل بنصوص الكتاب والسنة وكلام أهل العلم.
ج بيان مدى موافقة جمال الدين السرمري ﵀ في المسألة لمذهب السلف.
٣ - تحقيق المخطوط وفق مايلي:
أمقابلة النسخ؛ وقد اتبعت فيها ما يلي:
- اعتمدت نسخة "أ" أصلاً، بحيث أشير إلى كل ما زاد عليها؛ إلا إذا كان ما في "ب" صواباً أو الأولى ففي هذه الحالة أثبته في المتن، وما رأيته خطأ أو خلاف الأولى في "أ" أثبته في الحاشية.
- كل زيادة عن نسخة "أ" سواء من نسخة "ب" أو من أحد الكتب التي نقل عنها المؤلف أو من عندي، أضعها بين معقوفتين هكذا: [] وأشير في الحاشية إلى أنه زيادة من "ب" أو أحد الكتب أو من عندي.
وإذا كانت الزيادة من عندي أقول: ولعل الصواب ما أثبتُّ أو ما أثبتُّه.
- إذا كانت الكلمة في إحدى النسختين خطأ أو خلاف الأولى وفي الأخرى صواباً أو الأولى إثباته، فإني أثبت الصواب أو الأولى في الأصل وأشير إلى الأخرى في الحاشية، دون أن أنص على النسخة التي أثبته منها اختصاراً.
فإذا أشرت في الحاشية إلى ب فما أثبته في الأصل من أ
وإذا أشرت في الحاشية إلى أفما أثبته في الأصل من ب
стр. 12
- كل نص وجد في النسخة الأصل "أ" ولم يوجد في النسخة الأخرى "ب" أضعه بين قوسين هكذا () وأشير في الحاشية إلى أنه ليس في ب.
- لم أذكر ضمن الفروق بين النسخ الاختلافات اليسيرة كالاختلاف في وضع النقط مثل "يدركها، تدركها، يحيط، تحيط"، والاختلاف في حرف العطف مثل: "فكل، وكل، فكانتا، وكانتا" مالم يترتب على ذلك اختلاف في المعنى.
وأثبت ما كان فيه تغيير لمبنى الكلمة كزيادة حرف ونحوه.
- لم أتقيد بالرواية على كِتْبَةِ الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ عند ذكره، ولا الترضي على الصحابة ﵃ عند ذكرهم، وهكذا الأمر في الثناء على الله سبحانه عند ذكر اسمه نحو " " و " "؛ لأن ذلك دعاء وثناء أثبته لا كلام أرويه (١).
ب كتابة النص وضبطه وفق الرسم الإملائي.
ج وضع عناوين جانبية للفقرات.
د التعليق على مايحتاج إلى تعليق.
٤ - عزو الآيات، بذكر اسم السورة ورقم الآية، وجعلت ذلك في الأصل بين معقوفتين هكذا [] حتى لا أثقل الحواشي.
٥ - تخريج الأحاديث، فما كان في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إليه، وإلا خرجته من المصادر الأخرى، مع نقل حكم الأئمة عليه.
٦ - تخريج الآثار ونقل الحكم عليها إن وجد، وعزو النقول والأمثال.
٧ - يستثنى مما سبق في التخريج ما ذكر في قسم المنهج من الأحاديث والآثار ضمن نص
منقول عن كتاب فإني أكتفي فيها بالإحالة إلى الكتاب المنقول عنه, وذلك لأنها إما منقولة عن كتب قد خرجت تلك الأحاديث تخريجاً مستوفياً ككتاب "الأربعون الصحيحة فيما دون
стр. 13
أجر المنيحة" وكتاب "إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة" و"كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون", وإما منقولة عن كتاب "خصائص سيد العالمين" وسيأتي تخريجها في قسم التحقيق.
٨ - الترجمة لغير المشهورين من الأعلام، وممن تستدعي الحاجة التعريف بهم.
٩ - اعتمدت التأريخ الهجري في التراجم وغيرها دون أن أرمز له بحرف (هـ) لأن التأريخ الهجري هو الأصل وهو تأريخ المسلمين، فإن ذكرت تأريخاً سواه أشرت إلى ذلك.
١٠ - التعريف بالفرق والطوائف والأماكن والقبائل.
١١ - التعريف بالمصطلحات والألفاظ الغريبة مع ضبطها.
١٢ - أشرت إلى صفحات نسخة الأصل "أ" في داخل النص، فأضع معقوفين وبداخلهما رقم الورقة ورمز الصفحة، وقد استخدمت فيها الرموز التالية:
ق ... الورقة
و ... الوجه
ظ ... الظهر
وقد قمت بترقيم جميع الأوراق ما عدا الورقة (٢٩) ففي أسفلها خرم.
١٢ - وضع الفهارس المساعدة على الإفادة من البحث، وهي:
أ. فهرس الآيات الكريمة.
ب. فهرس الأحاديث الشريفة.
ج. فهرس الآثار.
د. فهرس الأعلام.
هـ. فهرس الفرق والطوائف.
و. فهرس الأماكن والبقاع.
ز. فهرس المصطلحات والغريب.
ح. فهرس الأشعار والأمثال.
ط. فهرس المصادر والمراجع.
ي. فهرس المحتوى.
стр. 14
لقد كانت أولى الخطوات التي بدأها الباحث بعد تسجيل هذا الموضوع هي البحث عن كتب السرمري المطبوعة والمخطوطة، فبحث لدى المكتبات العامة المحلية والعالمية وفي دور النشر ولدى المهتمين بجمع الطبعات والمخطوطات، فوجد الباحث في مكتبة الأمير سلمان المركزية بجامعة الملك سعود مخطوطة للسرمري بعنوان (المولد الكبير للبشير النذير ﷺ ) وهي نسخة مصورة عن المكتبة الأحمدية بحلب، ثم سافر الباحث إلى المدينة فوجد في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة مخطوطة للسرمري بعنوان (فوائد مخرجه عن شيوخ العدل الأمين الثقة بقية السلف جمال الخلف شمس الدين أبي عبدالله محمد بن عبدالعزيز بن علي ابن المؤذن الوراق البغدادي)، كما وجد في مكتبة المسجد النبوي كتاباً للسرمري بعنوان (الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة) وهو مطبوع لكنه قد نفد من المكتبات، ثم قام الباحث بالسفر إلى الكويت فوجد في مكتبة جامعة الكويت مخطوطة للسرمري بعنوان (شفاء الآلام في طب أهل الإسلام)، ووجد في مركز المخطوطات للتراث والوثائق بالكويت مخطوطة بعنوان (منامات رؤيت لشيخ الإسلام ابن تيمية)، بعد ذلك وجد الباحث في فهرس مكتبة الاسكندرية بالاسكندرية مخطوطاً للسرمري بعنوان (عجائب الاتفاق وغرائب ماوقع في الآفاق) فراسل المكتبة طالباً منهم الحصول على المخطوط، ثم وجد الباحث رسالة علمية في الأردن قُدمت لنيل درجة الماجستير في الجامعة الأردنية سنة ١٩٩٥ م، وكان موضوعها دراسة وتحقيق (شرح اللؤلؤ في النحو للسرمري) لإبراهيم بن حمد الدليمي، وكان كتاب (شرح اللؤلؤ في النحو) موجود عند الباحث بتحقيق أمين عبدالله سالم قبل تسجيل الموضوع، لكنه حرص على تحقيق الدليمي لأنه رسالة علمية من عراقي، وقد يكون وقف على بعض مخطوطات السرمري في العراق فيذكرها في ترجمته، فاستعان الباحث بالشيخ شوكت بن رفقي شوكت من الأردن وهو محقق (كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون للسرمري) للحصول على الرسالة، وقد قام الشيخ شوكت مشكوراً بتصويرها من الجامعة الأردنية وإرسالها إلى الرياض فجزاه الله خير الجزاء.
ثم شرع الباحث بالعمل بما لديه مستعيناً بالله طالباً منه التيسير والإعانة والتوفيق، فاستقرأ جميع كتب السرمري المطبوعة والمخطوطة التي وجدها قبل تسجيل الموضوع وبعده، وحاول أن يستخرج
стр. 15
منها ما يتعلق بمنهجه في تقرير العقيدة، كما عانى في بداية بحثه من جمع المتناثر في بطون الكتب عن ترجمة السرمري، وخاصة أن جمال الدين السرمري ممن خمل ذكرهم في العصور المتأخرة عند كثير من الباحثين، فالمادة العلمية في ترجمته تحتاج إلى بحث كثير، ووفِّق بحمد الله وهدايته إلى إثبات مادة وافية في ثبت شيوخه وتلاميذه ومصنفاته وحياته الشخصية، وهو جهد غير منظور لا يدركه إلا من عاناه أو من له باع طويل في هذا المجال.
أما ما يتعلق بالتحقيق فقد كان الباحث حين تسجيل الموضوع لم يجد إلا نسخة فريدة لمخطوط (خصائص سيد العالمين) ثم هُدي بتوفيق الله بعد تسجيل الموضوع إلى نسخة أخرى لكتاب (خصائص سيد العالمين) موجودة في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث ومصورة عن مكتبة آستان قدس رضوي المركزية بمشهد الإيرانية باسم (الخصائص والمفاخر)، ولم يكن مركز جمعة الماجد قد أتم فهرسة المخطوطة، فالمخطوطة مسجلة عندهم بعنوانها فقط ولم يذكر اسم مصنفها، ولعلها من المخطوطات الحديثة في المركز، وقام الأخ عادل العوضي مشكوراً بإرسالها إلى الباحث فجزاه الله عنه خير الجزاء، وهذا قاد الباحث للبحث عن نسخ أخرى باسم (الخصائص والمفاخر) في المكتبات المحلية والعالمية فلم يجد إلا ما ذكره بروكّلمان في تاريخه عن نسخة موجودة في مكتبة برلين، فقام بمراسلة مكتبة برلين عن طريق مركز الملك فيصل فاعتذروا عن التصوير.
ثم شرع الباحث العمل في التحقيق بمقابلة النسختين لكتاب (خصائص سيد العالمين)، وقد بذل جهداً في سبيل إبراز النص كما كتبه المؤلف أو في سبيل الترجمة لعلم التبس عليه أو أثر لم يقف على من خرجه، ودرس الباحث في دورة علمية تأهيلية بعنوان "تحقيق المخطوط" يحاضر فيها أ. د بشار عواد معروف وأ. د حاتم صالح الضامن , كما كان الباحث يستشير في كثير من موضوعات علم التحقيق: الشيخ عمار بن سعيد تمالت -الباحث في قسم المخطوطات بمركز الملك فيصل-، والشيخ صالح بن محمد عبدالفتاح -الباحث في علم المخطوط العربي بدار الكتب المصرية-، فجزاهما
الله عنه خير الجزاء.
ثم قام في نهاية بحثه برحلة إلى مكتبة برلين علَّه أن يطلع على النسخة الموجودة فيها ولكنه لم
стр. 16
يُمكن لأسباب سيأتي ذكرها -إن شاء الله- في وصف النسخ الخطية.
وأخيراً فأشكر الله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، فله الحمد والمنة من قبل ومن بعد على ما يسر لي ووفقني إليه من إتمام هذا البحث.
ثم أشكر بعد شكر الله لمن قرن الله حقهما بحقه, وهما والديَّ الكريمين على ما قاما وقدَّما وبذلا كل ما فيه نفع وخير وصلاح وإعانة, فاسأل الله أن يبارك فيهما, ويمتِّع بهما, ويطيل في أعمارهما على طاعته ومرضاته, ويُحسن لهما الختام.
كما أتقدم بالشكر والعرفان لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية على إتاحة الفرصة لي لمواصلة تعليمي العالي, وأخص بالشكر مجلس عمادة الدراسات العليا ومجلس كلية أصول الدين ومجلس قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة على ما بذلوه من جهد في رعاية البحث.
ثم إن أقل ما يمكن أن أسديه لمن أعانني وغمرني بكريم معاملته وحسن معروفه أن أقدم له وافر الشكر وجزيل الامتنان، وعلى رأسهم فضيلة الأستاذ الدكتور علي بن محمد الدخيل الله السويلم، الذي تفضل بالإشراف على الرسالة، ولم يبخل عليّ بوقته، ولم يأل جهداً في إسداء النصح والإرشاد وإبداء الملحوظات، ولقد استفدت كثيراً من ثاقب رأيه وسديد توجيهاته وحسن درايته بالتحقيق، وهو الذي أخرج كتاب (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة)، كل هذا وسط دماثة خلق عالية، وليس هذا غريباً على مثله، فكل من عاشره وجالسه لمس منه هذا الشيء، أسأل الله بمنه وكرمه أن يجزيه عني خير ما جزى أستاذاً عن تلميذه.
ولا أستجيز إغفال شكري لأهل بيتي الأوفياء على ما لقيته منهم من مؤازرة ودعم وتشجيع فبارك الله لي فيهم، ولكل مشايخي وإخواني الذين استفدت مما عندهم ولم يبخلوا عليّ بنصح أو رأي أو توجيه أو إعانة.
وفي الختام هذا هو جهد المقل، فإن أصبت فمن الله وحده لا شريك له، وإن اخطأت فمن
نفسي والشيطان، واستغفر الله وأتوب إليه.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 17
الفصل الأول
عصر جمال الدين السرمري وحياته
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: عصر جمال الدين السرمري.
المبحث الثاني: حياته الشخصية.
المبحث الثالث: حياته العلمية.
стр. 18
المبحث الأول
عصر جمال الدين السرمري
قبل الحديث عن ترجمة الإمام جمال الدين السرمري، لابد من نبذة مختصرة عن عصره، فإن الظروف التي تحيط بالشخص، والبيئة التي يعيش فيها، لهما أثر كبير في تكوين حياته، وطبعها بطابع خاص، وذلك لأن الإنسان كما يقال: ابن بيئته، فيتأثر - غالباً - بما يدور حوله من أحداث سياسية وحروب ونزاعات، كما يتأثر بالوضع الإجتماعي والعلمي.
ولما لهذه الجوانب من أثر في حياة العالم أو إنتاجه العلمي، فإني سألقي الضوء باختصار على أهم هذه الجوانب.
المطلب الأول: الحالة السياسية:
لقد ولد وعاش جمال الدين السرمري في أوضاع سياسية قلقة وغير مستقرة، فقد مُني العالم الإسلامي في هذه الفترة بأحداث جسام، كان من أبرزها:
١ - سقوط مدينة بغداد عاصمة الخلافة العباسيّة:
كانت الخلافة الإسلامية في بغداد قبل وصول التتار (١) قد تداعت أركانها، ولم يكن زمام الأمور في بغداد في يد واحدة، فكان الوزراء كل منهم ينقم على الآخر.
وكان سكان بغداد من أهل السنة والشيعة والنصارى واليهود، وبينهم من الخلاف الشيء الكثير.
стр. 19
في هذه الظروف كان الوزير الشيعي ابن العلقمي (١) يدير مؤامرة كبرى للقضاء على دولة الخلافة، وإبادة أهل السنة، وإقامة دولة على مذهب الشيعة الرافضة، فاستغل منصبه، وحظوظه عند الخليفة، وبدأ ينفث سمومه رويداً رويداً في قلب الخلافة العباسية ليضعفها، وقد حاك خيوط المؤامرة بوسائل متعددة، ومن أهمها (٢):
١ - تقليل قوام الجيش:
قال ابن كثير ﵀: "وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر -والد المستعصم- قريباً من مائة ألف مقاتل ... فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف" (٣).
٢ - معاداة أهل السنة:
فقد زادت تحركات العناصر الشريرة في الدولة تحت وصاية الوزير ابن العلقمي ضد علماء السنة وأكابر البلد (٤).
٣ - اتصالات سرية مع العدو:
قال ابن كثير عنه: "كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال، وذلك كله مطمعاً منه أن يزيل السنة بالكلية، وأن يظهر بدعة الرافضة، وأن يقيم خليفة من الفاطميين، وأن يبيد العلماء والمفتين ... " (٥).
وكان يناصره في هذه الخيانة نصير الشرك الطوسي (٦).
стр. 20
وفي تلك الظروف، أرسل هلاكو إلى الخليفة رسالة، يهدده فيها، ويأمره بتسليم بغداد. فلم يكترث الخليفة للأمر.
فقرر الزحف إلى بغداد مع مائتي ألف مقاتل إلى بغداد، وأول من برز إليه مهنئاً له ومرحباً به هو ابن العلقمي ثم رجع وأشار على الخليفة بالمثول بين يديه لتقع المصالحة، فخرج الخليفة مع سبعمائة راكب من أعيان الدولة وأكابر البلد فسلم نفسه وعاصمته بلا قيد أو شرط بعد أن وعده هولاكو بالأمان - وأنَّى لكافر أمان - فغدر بهم.
وأشار ابن العلقمي والنصير الطوسي وغيرهم من المنافقين على هولاكو بقتل الخليفة: "فقتلوه رفساً ... وقيل: بل خنق، ويقال بل أغرق" (١).
ثم مالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار، إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، ولم ينج منهم سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار جاسوسهم ابن العلقمي الرافضي (٢).
كما خربوا المساجد، وأتلفوا المكتبات، بإحراق الكتب، أو بإلقائها في نهر دجلة، ودخل كثير من الناس الآبار، وأماكن الحشوش، وقنى الوسخ، وكمنوا كذلك أياماً لايظهرون، وما زال السيف يقتل أهل بغداد أربعين يوماً، حتى قد قدر المؤرخون القتلى بمليون، وثمانمائة ألف! (٣)، وكان قصدهم إفناء النوع وإبادة العالم لا قصد الملك والمال (٤).
стр. 21
ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضاً، فلا يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى (١) فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وبعد الاستيلاء سنة ٦٥٦ صارت العراق تابعة إلى حكم المغول، ودام حكمهم إلى عام ٧٣٨ (٢).
تلك هي حالة بغداد والعراق، وقد نتج من جراء ذلك السقوط، تعرض الوحدة السياسية للمسلمين لضربة قاسية.
٢ - حملة التتار على الشام ومصر:
لم تسلم الشام ومصر من حملات التتار، فبعد أن سقطت بغداد نزل هولاكو على مدينة حلب وراسل متوليها على أن يسلمه البلد ويؤمنه ورعيته، فلم يجبه إلى طلبه وأبى إلا محاربته، فحاصرها التتار سبعة أيام وأخذوها بالسيف، وقتلوا خلقاً كثيراً وأسروا النساء والذرية ونهبوا الأموال مدة خمسة أيام، وامتنعت قلعة حلب، فنازلها هولاكو حتى أخذها في عاشر صفر سنة ٦٥٨ (٣)، ثم توجهوا إلى دمشق ووجدوا المدافعين قد هجروها فأخذوا المدينة دون قتال، ثم استمر الجيش المغولي في زحفه نحو مصر ومعه بعض الصليبين، وكانت مصر تحت قيادة السلطان المظفر سيف الدين قطز (٤)، فخرج للقاء التتار بعدما سمع بمسيرهم إلى مصر، ووصولهم
إلى غزة فالتقى معهم وهزمهم هزيمة منكرة في معركة عين جالوت، في رمضان، سنة ٦٥٨ (٥).
стр. 22
وفي ذلك الوقت أضحت القاهرة أهم المدن الإسلامية؛ باعتبارها عاصمة أقوى دولة في ذلك العصر؛ فوجد الهاربون إليها من أهل العراق والشام ملاذاً آمناً من خطر المغول.
واستمرت الحروب بين المسلمين والتتار طيلة تلك الفترة، ومنها معركة شقحب سنة ٧٠٢ (١) التي شارك فيها شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمة الله عليه، ومجموعة من العلماء.
٣ - الحروب الصليبية:
شهد العالم الإسلامي، قبل هذه المدة حروباً عظيمة، ومحاولات لإزالة الدين الإسلامي، وعلى رأس ذلك ماعرف بالحملات الصليبية، التي استمرت من سنة (٤٩٠) إلى سنة (٦٩٠)(٢)، وهي وإن كانت قد انقضت قبل ولادة السرمري ﵀ إلا أنها تركت أثراً في نفوس المسلمين في عصر السرمري ﵀.
آثار هذه الحملات على العالم الإسلامي:
هذه الحروب والحملات على العالم الإسلامي والتي راح ضحيتها الكثير والكثير من الأرواح والأموال، والتي دمرت فيها المدارس والمعاهد ودور العلم، وأحرقت فيها المكتبات، كان لها أثر إيجابي، رغم ذلك كله، فقد كان من آثارها، أن وجدت في المسلمين روح التحدي، والحماس لدينهم، ومقدساتهم، فأيقظت فيهم الإيمان، والجهاد والتضحية مما جعلهم يردون هذه الحملات على أعقابها، بعد سنوات قليلة، كما علمتهم الكثير من فنون الحرب والقتال (٣).
٤ - النزاعات الداخلية:
يدلنا على هذا كثرة السلاطين الذين تولوا زمام الأمور، والمدة الوجيزة التي يقضيها الواحد منهم حاكماً.
стр. 23
ففي سنة ٦٩٣ تولى السلطان الناصر محمد بن قلاوون (١).
وفي سنة ٦٩٤ اغتصب السلطان العادل كتبغا المنصوري السلطنة (٢).
وفي سنة ٦٩٦ تولى السلطنة حسام الدين لاجين بعد أن عزل السلطان "كتبغا" (٣).
وفي سنة ٦٩٨ عاد السلطان الناصر محمد إلى السلطة، وحكم إلى سنة ٧٠٨، حتى فسد مابينه وبين "بيبرس"، فرحل الناصر من القاهرة معلناً بأنه يرحل للحج، ولكنه عندما وصل إلى الكرك، خلع نفسه (٤).
وفي سنة ٧٠٨ اختار الأمراء بيبرس الجاشنكير سلطاناً (٥)، بعد تنازل السلطان الناصر محمد.
وبعد أقل من عام، عاد السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى سلطنته العودة الثانية، ولما دخل القاهرة وصعد إلى القلعة، بايعه الخليفة المستكفي بالله، والقضاة الأربعة، وسائر الأمراء، ثم قبض على الملك السابق وأعدمه، وقد امتاز عهده بطول المدة الزمنية، إذ تولى من سنة ٧٠٩ حتى سنة ٧٤١ (٦).
وبعد وفاة الناصر سنة ٧٤١ بويع بالسلطنة المنصور سيف الدين أبو بكر وهو ابن الناصر محمد بن قلاوون (٧).
وفي سنة ٧٤٢ تولى السلطنة الأشرف علاء الدين كجك بعد خلع أخيه (٨).
стр. 24
وفي سنة ٧٤٢ تولى السلطنة شهاب الدين أحمد وهو أكبر أبناء الناصر بن قلاوون بعد خلع أخيه (١).
وفي سنة ٧٤٣ تولى السلطنة الصالح علاء الدين إسماعيل بعد عزل أخيه (٢).
وفي سنة ٧٤٦ تولى السلطنة الكامل شعبان بن الناصر محمد بعد موت شقيقه بعهد منه (٣).
وفي سنة ٧٤٧ جلس على سرير الملك المظفر حاجي بن الناصر محمد بعد خلع أخيه، وكانت سنه دون العشرين (٤).
وفي سنة ٤٨٤ تولى السلطنة الناصر أبو المحاسن حسن بن الناصر محمد، بعد أن مات أخوه في السجن مخنوقاً، وكان عمره حينئذ ثلاث عشرة سنة، فعاونه بعض الأمراء في تدبير ملكه (٥).
وفي سنة ٧٥٢ بويع بالسلطنة الصالح صلاح الدين بن الناصر محمد بعد خلع أخيه حسن (٦).
وفي عام ٧٥٥ عاد الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون بعد خلع أخيه الصالح (٧).
وفي سنة ٧٦٢ بويع بالسلطنة المنصور محمد بن المظفر حاجي وهو حفيد الناصر بن قلاوون، بعد مقتل عمه الناصر حسن (٨).
стр. 25
وفي سنة ٧٦٤ ولي الملك الأشرف شعبان بن حسين، وكانت سنه العاشرة، وقد حكم نحو أربع عشرة سنة، حتى خنق سنة ٧٧٨ (١).
علاقة هذه الأحداث في حياة السرمري:
لقد عاش السرمري ﵀ بدمشق في فترة تولي أولاد وأحفاد الناصر محمد، وهي الفترة التي كان الصراع على السلطة فيها على أشده، وعاش قبل ذلك في العراق مايقارب الاثنين والأربعين سنة تحت حكم التتر، وقد لخص ما تقدم من الحالة السياسية في عصره فقال: "وقد جاء الحديث عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «لم تظهر الفاحشة في قوم إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولانقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وإذا لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتفكروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» رواه ابن ماجه في سننه (٢) -ثم علق على الحديث بقوله: - وهذه الأمور قد ظهرت عقوباتها -كما ترى- قد وقعت، وإنا لله وإنا إليه راجعون" (٣) وفي هذا إشارة لما كان في عصره من جور السلطان وتسلط العدو والنزاعات الداخلية؛ ويُعدُّ نبوغه وسط هذه
الظروف السيئة دليلاً قوياً على عبقرية هذا العالم الذي كان نجماً يتلألأ في سماء ذلك الظلام الحالك في ذلك الزمان، الذي هو من أشد القرون فتنة واضطراباً، فلا يمر عامٌ إلاَّ وقد تكرر فيه وقوع أحداثٌ مؤلمةٌ.
стр. 26
المطلب الثاني: الحالة الإجتماعية:
من بداهة الأمور أن تتأثر الحياة الاجتماعية بالحياة السياسية التي تحيط بها؛ فاستقرار الأحوال الاجتماعية مرهون باستقرار الأحوال السياسية، ويكون هناك مد وجزر، كما يكون في الأخرى.
وقد تمثلت أهم ملامح الحالة الاجتماعية فيما يلي:
١ - أدت الفتن والمنازعات الداخلية بين طوائف المماليك، إلى خلق فوضى اجتماعية، إذ كان مجرد إشاعة موت أحد السلاطين، يسبب فزعاً شديداً للناس فتغلق الأسواق والحوانيت، وتبدو المدينة وكأن سكانها من الموتى (١).
٢ - كثر الغش واحتكار الأقوات، والتطفيف في الكيل والميزان، فاشتد الغلاء، وانتشرت الفاقة وعم البؤس، فألف العلماء بسبب ذلك المؤلفات ليشاركوا في حل هذه المشكلة حلاً إسلامياً، ودعوا إلى النظر في مصالح العامة وفرض التسعيرات الجبرية عند اشتداد الغلاء، والضرب على أيدي المطففين والمحتكرين (٢).
٣ - حدثت في هذا العصر عدة مجاعات وأوبئة كان سببها في غالب الأحوال راجعاً إلى قصور فيضان نهر النيل (٣)، وكان أشدها ماحدث بين سنتي ٦٩٤ - ٦٩٥ فقد وصل الأمر بالناس إلى أكل الحمر والخيل والبغال والكلاب، ولم يبق شئ من هذه الحيوانات يلوح إلا
أكلوه (٤)، وماحدث سنة ٧٤٩ من ذلك الوباء المروع الذي اجتاح الأرض من أقصاها إلى أقصاها، وقد تراوحت أعداد ضحاياه ما بين عشرة آلاف وعشرين ألف نسمة يومياً (٥).
стр. 27
٤ - شهدت هذه المدة نزاعاً مذهبياً عقدياً حاداً، حيث كان في بعض ملوك التتار ميل إلى عقيدة الرافضة، ففي سنة ٧٠٧ أظهر خدابنده (١) شعار الشيعة، وحذف ذكر الشيخين من الخطبة ونقش أسماء الأئمة الاثني عشر (٢).
وفي المقابل كان سلاطين دولة المملاليك وأمرائهم يشجعون المذهب السني قولاً وعملاً ويحاربون المذهب الشيعي الباطني والعقائد الإسماعيلية التي خلفتها الدولة الفاطمية.
كما انتشر أصحاب وحدة الوجود، يدل على ذلك ما كتبه أئمة ذلك العصر، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيهم: "ولولا أن أصحاب هذا القول كثروا وظهروا وانتشروا ... لم يكن بنا حاجة إلى بيان فساد هذه الأقوال وإيضاح هذا الضلال" (٣).
٥ - تفشت كثير من المنكرات والمعاصي بشكلٍ علني، كانتشار البغاء، والرشوة، والمخدرات وعرف الحشيش، كما انتشرت الأغاني، وآلات اللهو والطرب، وانتشرت الحيل في الأعمال، فظهر المحلل والمحلل له بشكل معلن، وقد أشار السرمري إلى ذلك بقوله: "وقد جاء الحديث عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «لم تظهر الفاحشة في قوم إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولانقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا
البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وإذا لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتفكروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» رواه ابن ماجه في سننه (٤) -ثم علق على الحديث بقوله: - وهذه الأمور قد
стр. 28
ظهرت عقوباتها -كما ترى- قد وقعت، وإنا لله وإنا إليه راجعون" (١) وفي هذا إشارة لما كان في عصره من الفواحش ونقص المكيال والميزان ومنع الزكاة ونقض العهود وغير ذلك؛ ولكن ذلك لم يدم طويلاً بسبب جهود العلماء والدعاة والمصلحين (٢).
٦ - لقد مكن التتار - إبّان غزوهم البلاد الإسلامية - كثيراً من اليهود والنصارى، حتى تسلطوا على رقاب المسلمين، ولاسيما في الشام، فسارت مواكبهم تحمل الصلبان، وأُلزم المسلمون بالقيام لها واحترامها، ومن امتنع تعرض للسب والإهانة (٣)؛ وقد تمتع اليهود والنصارى في بداية عهد المماليك ببسطة العيش، فقد تولى كثير منهم مناصب الوزارة والمناصب الديوانية، وكان منهم كبار التجار والصيارفة والأطباء والصيادلة، وكانوا يلبسون أفخر الثياب.
ولم يدم ذلك، فقد مُنعوا من الركوب على الخيول والبغال ونحوها، تمييزاً لهم عن المسلمين: "ونودي بدمشق في يوم عرفة أن لا يركب أحدٌ من أهل الذمّة خيلاً ولا بغالاً، ومن رأى من المسلمين أحداً من أهل الذمّة قد خالف ذلك فله سلبُه! " (٤)، وفي جمادى الأولى عام ٧٠٠ هـ " ... في يوم الإثنين قُرئت شروط الذمّة على أهل الذمّة وألزم بها، واتفقت الكلمة على عزلهم عن الجهات، وأخذوا بالصغار، ونودي بذلك في البلد وأُلزم النصارى بالعمائم الزرق، واليهود بالصفر، والسامرة بالحمر، فحصل بذلك خيرٌ كثير، وتميزوا عن المسلمين" (٥).
стр. 29
المطلب الثالث: الحالة الثقافية والعلمية:
مما سبق في عرض الحالة السياسية، تبين مدى الاضطراب والتزعزع في كيان الأمة، وهذا العصر رغم مافيه من زوابع وغوائل إلا أن الحالة الثقافية والعلمية في القطر العراقي لم تتأثر كبيراً، أما في مصر والشام فقد وجدت نهضة علمية مباركة متميزة.
فالعراق - وهو الذي ولد وعاش فيه السرمري حياته الأولى - بعد أن فقد استقلاله، وزال عنه الطابع الإسلامي ولو صورة، وبعد أن صار نهباً بيد الغزاة، لم يبق ما يعول عليه، أو يركن إلى قوته سوى الأوقاف الإسلامية؛ وهذه كانت في عهدها العباسي مكينة، وتسابق الخلفاء ورجال الدولة إلى أعمال البر لتقوية الثقافة وتنميتها.
ولما لم يتعرض المحتل للمؤسسات الدينية - أيام احتلاله - كان من نتائج ذلك الاحتفاظ بالمعارف والعلوم ومن أوضح ظواهرها المدارس الكبرى مثل المستنصرية والنظامية والبشيرية، والرباطات ومشيخاتها، فصارت خير واسطة للم الشعث واستبقاء الحضارة، مما دعا أن ينبغ كثيرون ذاعت شهرتهم وطبقت الآفاق.
والعراق لم يقف عند مؤسساته القديمة أو بقاياها وإنما أسس معاهد جديد مثل المدرسة العصمتية إلا أنها قليلة ولا تقاس بما بقي إلى مابعد الاحتلال من المؤسسات العباسية.
والمدارس كانت إدارتها مودعة إلى رجالات العراق وغالب أيامها إلى قاضي القضاة أو إلى صدر الوقوف ينظر فيها وفي المعاهد الخيرية والدينية، ولم يستول على أوقافها غيرهم إلا في مدة يسيرة، وفي هذه أيضاً لم يهمل شأنها، غير أن المحتلين بسبب أنهم لم يكونوا مسلمين فقد راعوا مايوافق رغبتهم من العلوم والثقافات كالعلوم الفلكية والرياضية والطب، ومن الفنون الموسيقى
والرسم وأمثال ذلك، إضافة إلى أن كثيراً من علماء العراق قد هاجروا أيام الواقعة وبعدها هرباً من المغول (١)، ووجدوا في مصر والشام ملاذاً لهم، ينهلون من معارفهما وتحيطهم رعاية الأمراء واهتمامهم.
стр. 30
أما دمشق -وهي التي قضى فيها السرمري الثلاثون سنة الأخيرة من عمره - فقد كانت كالقاهرة وريثة لبغداد في رعاية العلم والعلماء (١)، ووجدت فيهما نهضة علمية مباركة متميزة، وأصبحت مصر والشام من ذلك الحين مركزاً للعلوم الإسلامية والعربية.
وهناك عوامل متعددة طرأت كان لها الأثر الواضح في هذه النهضة العلمية من أبرزها:
١ - وقوع كثير من البلاد الإسلامية في يد المغول:
بعد أن طغى سيل التتار الجارف من أواسط آسيا إلى شمالها مكتسحاً ما أمامه، كان لابد للمسلمين من أن تلتف قلوبهم حول المدافعين عنهم من سلاطين المماليك، وأن يشدوا أزرهم ويدعموا ملكهم، ومن أهم وسائل تدعيم الملك إحياء العلوم والمعارف، فجهد في ذلك علماء المسلمين، وأتوا بما يعد فريداً في بابه، عجيباً في صنعه (٢).
٢ - قتل العلماء وإتلاف الكتب العلمية:
نتيجة لما أصاب الأمة في أعز ما تملك وهو تراثها الفكري وذلك في حروبها مع أعدائها الذين خربوا المدارس والمساجد وأحرقوا الكتب والمعاهد ودور العلم، فقد شحذ العلماء والحكام هممهم لتعويض هذا الذي فات بكرة التأليف والتصنيف، وهكذا بدأ عصر الموسوعات والمتون العلمية والشروح على المتون، وهي السمات البارزة في النتاج الثقافي والعلمي خلال القرن الثامن الهجري (٣).
٣ - وفود العلماء والأدباء:
ولاشك أن مما عاون على هذه النهضة العلمية في مصر والشام، كثرة من أمّهما من بني الأقطار الإسلامية الأخرى، سواء أكانوا فارين من وجه الطغيان والظلم، أم كانوا طامعين في كرم وحسن إفادتها (٤).
стр. 31
٤ - غيرة السلاطين والأمراء:
أبدى السلاطين والأمراء غيرة دينية بارزة، وقد تجلت فيهم في كفاحهم للتتار، ومحاربتهم للفرنجة، وفيما أفاضوا من معونة وما بذلوا من رعاية للبيت الحرام وسكان الحجاز، ولغيرهم من أهل البلاد الإسلامية القريبة والبعيدة.
هذه الغيرة من دأبها أن توقظ أمثالها في نفوس العلماء، وتحفز أهل الدين إلى حياطته ورعايته، ونشر رايته، وأداتهم إلى ذلك: التعليم والتأليف ومواصلة البحث والاطلاع (١).
٥ - تعظيم المماليك لأهل العلم:
قد أقام سلاطين المماليك وأمرائهم وزناً كبيراً لعلماء الدين وبجلوهم وقدموهم في مسائل كثيرة، ولا ريب أن تعظيم السلاطين والأمراء لهم، له الأثر المباشر في نفوسهم على أن يظلوا مجاهدين في سبيل الدين، حريصين على الشريعة، مستزيدين من العلم والفضل، باثين هذه الروح في طلابهم وناشئتهم (٢).
٦ - انتشار المدارس ودور التعليم:
لاشك أن انتشار المدارس ودور التعليم، يعتبر سبباً أساسياً وحيوياً لتنشيط الحركة العلمية، وقد عمرت دمشق وبلاد الشام بكثير من المدارس ودور التعليم، فقد تنافس السلاطين وغيرهم على بناء المدارس وأجروا عليها الأوقاف، مما كان سبباً لاستمرارها في أداء رسالتها، فأقبل عليها الواردون من كل حدب وصوب ينهلون من معين المعرفة وأنواع العلوم.
وسأذكر بعضاً من هذه المدارس على سبيل الإجمال:
١ - المدرسة الأتابكية، أنشأتها زوجة الملك الأشرف موسى، وقد توفيت سنة ٧٤٠ (٣).
٢ - المدرسة الأسدية، وقد بناها شيركوه بن شادي بن مروان الملقب أسد الدين سنة
стр. 32
٥٦٤ (١).
٣ - المدرسة البدرية، وقد بناها الأمير بدر الدين حسن بن الداية في سنة ٦٣٨ (٢).
٤ - المدرسة الجوزية: أنشأها الإمام يوسف بن عبدالرحمن ابن الجوزي، قتل مع الخليفة عند سقوط بغداد سنة ٦٥٦ بمكيدة ابن العلقمي الوزير الرافضي، وقد فرغ من بنائها سنة ٦٥٢ (٣).
٥ - المدرسة الصاحبة، أنشأتها ربيعة خاتون الصاحبة أخت صلاح الدين والعادل، وقد توفيت سنة ٦٤٣ (٤).
٦ - المدرسة الصدرية: أنشأها أسعد بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي صدر الدين الدمشقي، المتوفى سنة ٦٥٧، وهي مدرسة للحنابلة (٥).
٧ - المدرسة الصلاحية، أنشأها صلاح الدين الأيوبي عام ٥٧٢ (٦).
٨ - المدرسة الصمصأمية، وهي مدرسة المالكية (٧).
٩ - المدرسة الضيائية المحمدية، وقد بناها الفقيه ضياء الدين محمد بن عبدالواحد المقدسي
الحنبلي، المتوفى سنة ٦٤٣ (٨).
وقد كتب عبدالقادر بن محمد النعيمي الدمشقي، المتوفي سنة ٩٢٧، كتابه "الدارس في تاريخ المدارس"، وعبدالقادر بدران، المتوفى سنة ١٣٤٦، كتابه "منادمة الأطلال ومسامرة الخيال"، في مدارس دمشق، ولولا كثرتها وتنوعها لما كانت محط أنظار المؤرخين والمؤلفين.
стр. 33
المبحث الثاني
حياته الشخصية
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: اسمه ونسبه.
المطلب الثاني: مولده وموطنه.
المطلب الثالث: أسرته.
المطلب الرابع: وفاته.
стр. 34
المطلب الأول: اسمه ونسبه:
هو أبو المظفر (١)، يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد بن علي (٢) بن إبراهيم العُبَادي (٣) "السُّرَّمَرِّي مولداً ومنشأً, البغدادي داراً, الدمشقي مهاجراً, العُقَيلي محتداً (٤) " (٥) , الحنبلي.
عُرف بجمال الدين (٦) السُّرَّمَرِّي (٧).
والسُّرَّمَرِّي نسبة إلى (سُرَّ من رأى) المدينة التي كانت اسمها قديماً (ساميرا) سميت بسامير ابن نوح، ولما اتخذها المعتصم عاصمة له، بعد أن شيد فيها مدينة كبيرة (سنة ٢٢١) سمّاها (سُرَّ من رأى)، وقد خففها الناس فقالوا سامرّاء، وتقع بين بغداد وتكريت على شرقي دجلة (٨) , وعلى بعد حوالي ١٠٠ كم شمال بغداد.
стр. 35
المطلب الثاني: مولده وموطنه:
ولد "بسر من رأى" (١) في يوم الثلاثاء (٢) سابع عِشْرِي رجب من سنة ست وتسعين وستمائة (٣) , كما حكى هو عن نفسه فقال: "مولدي في سابع عشري رجب المعظم من سنة ست وتسعين وستمائة" (٤).
موطنه: عاش الإمام جمال الدين السرمري حياته متنقلاً بين "سر من رأى" وبغداد ودمشق، فموطنه الأصلي الأول هو: "سر من رأى"، وفيها نشأ، ثم انتقل إلى بغداد سنة ٧٢٩ (٥) وعمره آنذاك في حدود الثلاثة والثلاثين سنة، وابتنى بها داراً (٦)، ثم رحل إلى دمشق سنة ٧٤٦ (٧) أسوةً بالعلماء الذين توافدوا عليها من مختلف بلدان العالم الإسلامي، فلقد كانت دمشق كالقاهرة وريثة لبغداد في رعاية العلم والعلماء خاصة بعدما حل ببغداد من تدمير على أيدي التتار وسقوط الخلافة العباسية.
المطلب الثالث: أسرته:
لقد كانت أسرة جمال الدين السرمري أسرة علم ودين
стр. 36
أما والده فهو شمس الدين أبو عبدالله محمد بن مسعود بن محمد السرمري، ذكر العليمي وابن عماد والزركلي في ترجمة جمال الدين: "ونظم الغريب في علوم الحديث لأبيه نحو ألف بيت" (١).
قال الدكتور الطريقي في هامش معجم مصنفات الحنابلة: "نسبة كتاب (علوم الحديث) لوالد المترجم دليل على أنه من أهل العلم، ولم أقف له على ترجمه مستقلة " (٢) وكذلك قال بنحو هذه العبارة الدكتور عبدالرحمن العثيمين في هامش (الدر المنضد) (٣).
وعلق الأخ حسين بن عكاشة محقق كتاب إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة فقال: "أخشى أن يكون وقع في اسم الكتاب تحريف وأن يكون الصواب (نظم التقريب في علوم الحديث لامية)، كما سبق عن الذهبي والله أعلم" (٤).
والأمر مشكل والترجيح صعب إذ إن التصحيف محتمل في الجميع، ففي الترجمة التي كُتبت على طرة النسخة الخطية لكتاب إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة (٥) ذُكِر أن الذهبي في "المعجم المختص" (٦) قال: "ونظم (التقريب) في علوم الحديث (لامية) نحو ألف بيت"، وذكر ابن قاضي شهبة في تاريخه (٧) أن الذهبي في "المعجم المختص" قال: "ونظم (الغريب) في علوم الحديث (لامية) نحو ألف بيت"، والعليمي وابن عماد والزركلي قالوا في ترجمة جمال الدين: "ونظم (الغريب) في علوم الحديث (لأبيه) نحو ألف بيت" (٨)، والله أعلم بالصواب.
стр. 37
وقد ذُكِر والد السرمري في طبقة سماع شرح القلادة السمطية للإمام الصّغاني (١).
وأما زوجه فهي تركان بنت خليل الشريفي سمعت بإفادة زوجها كثيرًا من صالح بن الكسار البغدادي وغيره وحدثت (٢).
وأما أولاده الذين وقفت عليهم فأربعة، وهم: محمد وكان فقيهاً، وإبراهيم وكان محدثاً، ولد في حدود الخمسين وسبعمائة، وأُسمع على ابن الخبَّاز وبشر بن إبراهيم البعلي، سمع منه الفضلاء، وأجاز لابن حجر، وتوفي ﵀ سنة ٨٠٣ (٣)، قال ابن ناصر الدين الدمشقي (٤) في ترجمة السرمري: حدثنا عنه ابنه إبراهيم.
ومن أولاده أيضاً فاطمة، وأسماء؛ وقد ذكرهم في طلبه الإجازة من الصَّلاح الصَّفدي (٥)
وفيها:
هل أنتم تتصدقون ليوسف الـ ... ـسُّرَّمرِّي وهو العقيلي المحتد
ولِعُرْسِهِ أمَة العزيزِ ووُلْدِه ... منها الأُلَى شرُفوا بِمَذهب أحمد
البَرِّ إبراهيم يتبع فاطماً ... وكذلك أسْما والفقيه محمد
وكذا ابن عمهم الشقيق تفضلاً ... بإجازةِ المرْويِّ عند النُّقَّد (٦)
تلك هي أسرة جمال الدين السرمري أسرة علم ومعرفة وإرشاد.
стр. 38
المطلب الرابع: وفاته:
توفي جمال الدين السرمري وقد جاوز الثمانين (١) بعد حياة حافلة بالتصنيف والتأليف والرواية والإفادة والإملاء في علوم شتى نظماً ونثراً، ومدافعاً عن العقيدة الصحيحة، ومنافحاً عن منهج السلف الصالح, حتى بلغت مصنفاته المائة وزادت، في بضعة وعشرين علماً (٢).
وقد كانت وفاته ﵀ في يوم السبت (٣) واختلف في تعيين تأريخ اليوم من الشهر فقيل (الحادي والعشرين) (٤) ولعله الصواب إذ ممن ذكره: ابن ناصر الدين الدمشقي وابن حجر وهما
ممن لقي ابن السرمري "إبراهيم" وسمع منه، وقيل (العشرين) (٥) وقيل (الحادي عشر) (٦) من جمادى الأولى سنة ست وسبعين وسبعمائة (٧)، وصلي عليه بالجامع الأموي (٨)، ودفن بمقبرة الصوفية بظاهر دمشق جوار تربة الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمهما الله (٩) رحمة واسعة.
стр. 39
المبحث الثالث
حياته العلمية
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: نشأته وطلبه للعلم.
المطلب الثاني: مكانته وثناء العلماء عليه.
المطلب الثالث: شيوخه.
المطلب الرابع: تلاميذه.
المطلب الخامس: مؤلفاته.
стр. 40
المطلب الأول: نشأته وطلبه للعلم:
نشأ جمال الدين السرمري ﵀ في سر من رأى، وحفظ القرآن في صباه، وتفقه على سراج الدين الحسين بن يوسف التستري وغيره (١)، وقد برز في شبابه حتى كتب إليه الصلاح الصفدي بقوله:
أيا فاضلاً في سر من را حوى العلا ... فكان له بدر الدياجي مسامرا (٢)
ثم انتقل إلى بغداد سنة ٧٢٩ (٣) وعمره آنذاك في حدود الثلاثة والثلاثين سنة، وأخذ عن الأئمة والمسندين من شيوخ بغداد، منهم: محمود بن علي الدقوقي أبو الثناء، والصفي
عبدالمؤمن بن عبدالحق وغيرهما من العلماء (٤)، كما أجازه من متقدمي شيوخ بغداد ابن الخراط الدواليبي، قال السرمري: "ومن شيوخي العوالي بالإجازة المسند عفيف الدين أبو عبدالله محمد بن عبدالمحسن بن أبي الحسن الواعظ البغدادي، والمسند شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي طالب الحجار الصالحي وغيرهم" (٥) وسمع الكتب الستة ومسند الإمام احمد والسنن الكبير للبيهقي وغير ذلك مما يطول ذكره (٦)، ثم انتقل إلى دمشق سنة ست وأربعين وسبعمائة، قال الإمام الذهبي في المعجم المختص " تفقه على جماعة، ثم قدم علينا سنة ست وأربعين وسبعمائة، وقرأ علي، وله نظم جيد، ومعرفة بالمذهب وغيره، ونظم في الفقه مختصر ابن رزين،