مقدمة التحقيق
وفيها ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالكتاب , وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: اسم الكتاب.
المطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف.
المطلب الثالث: موضوع الكتاب , ومجمل مباحثه.
المطلب الرابع: أهمية الكتاب , وقيمته العلمية.
المطلب الخامس: منهج المؤلف فيه.
المطلب السادس: مصادره في كتابه.
المطلب السابع: تقويم الكتاب.
المبحث الثاني: التعريف بالخصائص والمناقب والمعجزات.
المبحث الثالث: وصف النسخ الخطية.
стр. 2
المبحث الأول
التعريف بالكتاب
المطلب الأول: اسم الكتاب:
اختلفت النسختين والمراجع التي ذكرت الكتاب في اسم الكتاب على ثلاثة أسماء:
ففي نسخة المكتبة الظاهرية , والتي رمزت لها بحرف "أ" وهي النسخة التي اعتمدتها أصلاً , ذكر الاسم هكذا:
"خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈"
وقد ذَكر هذا الاسم مختصراً بذكر أوله "خصائص سيد العالمين": صلاح الدين المنجد في (معجم ما أُلف عن رسول الله ﷺ ) (١) , وذُكر أيضاً في (الفهرس الشامل للتراث العربي المخطوط -السيرة والمدائح النبوية-) (٢) , وكلاهما يحكون عن نسخة الظاهرية.
وفي نسخة مكتبة آستان قدس رضوي المركزية بمشهد الإيرانية , والتي رمزت لها بحرف "ب" , كتب العنوان هكذا:
"الخصائص والمفاخر"
وفي نسخة مكتبة برلين ذكر من وقف عليها مثل: بروكلمان في (تاريخ الأدب العربي) (٣) , والفهرس المخطوط الموجود في مكتبة برلين والخاص بها (٤) , أن عنوانها كتب هكذا:
"الخصائص والمفاخر لمعرفة الأوائل والأواخر"
وقد ذكر هذا الاسم أيضاً: الزركلي في (الأعلام) (٥) عند ترجمته لجمال الدين السرمري ,
стр. 3
ورمز له بأنه مخطوط ولم يشر إلى مكانه.
ومن خلال النظر في الأسماء الثلاثة نجد ما يلي:
أما الاسم الأول "خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈": ففيه عدة مرجحات:
١ - كتب في نسخة خطية أصلية , فقد قوبلت على نسخة المؤلف , وقُرئت عليه , وعليها قيد السماع والإجازة من الإمام جمال الدين السرمري بخط يده.
٢ - أنه قد وضع في النسخة خطاً تحت قول المؤلف: "ونحن نذكر إن شاء الله ما نُقل عن كلّ نبي من المعجزات , وما ثبت لنبينا ﷺ من الخصائص , وماله من الفضائل الفواضل , وما أُوتي من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈" (١) , وكُتب في هامشها: "سبب تسمية الكتاب" , وإذا نظرنا في الاسم المكتوب على النسخة وما جاء في النص السابق من قول المؤلف نجد المقاربة الواضحة بينهما , وتبرز أهمية هذا الهامش عند معرفة أن النسخة مكتوبة بخط تلميذ السرمري , ومقروءة على السرمري كاملة.
٣ - أنه جاء في صفحة العنوان ما يلي: خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈ , تأليف الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد المفيد جمال الدين يوسف السرمري ﵁ , آمين" , ووصف جمال الدين السرمري بـ (الإمام العالم العامل الزاهد المفيد) هو نفس الوصف الذي جاء في آخر المخطوطة بعد ختم الكتاب , فقد كتب تلميذ السرمري: "يسّر الله تعالى كَتْب هذا الكتاب الشريف من أصل المصنّف الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد المفيد جمع الله تعالى له ولأولاده وأهل بيته سعادات الدور الثلاثة دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار ورضي عنه وعن والديه. آمين , بيد العبد المستعيذ بعفو الله الكريم من عقابه محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالله أعاذهم الله تعالى من عذاب القبر وعذاب النار. آمين , في شهر جمادى الأولى من سنة سبعين وسبعمائة
стр. 4
بدمشق المحروسة" (١) , كما أن الدعاء بـ ﵁ مشعرٌ في الغالب بأنه مكتوب في حياة المؤلف , وهذا المرجح غير قطعي وإنما هو مما يستأنس به.
أما الاسم الثاني "الخصائص والمفاخر": فقد كتب في نسخة خطية فرعية , نُسخت سنة ٨٩١ , أي بعد وفاة المؤلف , وهي مقابلة على منتسخ أصل المؤلف.
أما الاسم الثالث "الخصائص والمفاخر لمعرفة الأوائل والأواخر": فهو مسجوع , والإمام جمال الدين السرمري كثيراً ما يجنح عند تسمية مؤلفاته إلى تلك الأسماء المشتملة على سجع , فهو الذي سمى تلك الكتب بهذه الأسماء: (إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة) , (الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة) , (الأرجوزة الجلية في الفرائض الحنبلية) , (الإفادات المنظومة في العبادات المختومة) , (الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية) , (رفع الباس في حياة الخضر وإلياس) , (شفاء الآلام في طب أهل الإسلام) ... وهكذا.
وعند الترجيح بين الأسماء الثلاثة نجد أن أقواها في النظر هو الاسم الأول "خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈" لأن نسخته أصلية , وأما الثاني: فنسخته فرعية , وأما الثالث: فهو وإن كان الذوق يميل إليه إلا أن جهالة نسخته يضعفه , ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٨١].
المطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف:
لا أشك أن كتاب "خصائص سيد العالمين وماله من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈" من مؤلفات جمال الدين السرمري ﵀ , وذلك للأسباب التالية:
١ - قيد السماعات على الإمام جمال الدين السرمري وإجازته في نهاية النسخة الأصلية , والتي صُرِّح فيها بنسبة الكتاب للسرمري ﵀.
стр. 5
٢ - كتب جمال الدين السرمري في ختم النسخة الأصلية بخط يده بعد تصحيحه للسماع والإجازة: "وكتب يوسف السرمري المصنف عفا الله عنه".
٣ - نقل عنه وعزا إليه ابن حجر الهيتمي في كتابه (المنح المكية) فقال: "وذكر الحافظ السرمري الحنبلي تلميذ ابن القيم ذلك -يقصد إلانة الحجارة لنبينا ﷺ في (خصائصه) فقال: وأما إلانة الحديد لداود ﵇ ... " (١).
٤ - أشار المؤلف في [ق ٢/أ] إلى شيخه ابن الخباز بقوله "كما أخبرنا الشيخ أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري" , وابن الخباز ولد سنة ٦٦٧ وتوفي سنة ٧٥٦ (٢) , والإمام جمال الدين السرمري ولد سنة ٦٩٦ وتوفي سنة ٦٧٦ , وقد تقدم في ترجمة إبراهيم بن جمال الدين السرمري أنه أُسمع على ابن الخباز وهو دون السادسة من عمره , وهذا يدل على أن الكتاب أُلِّف في عصر جمال الدين السرمري.
المطلب الثالث: موضوع الكتاب , ومجمل مباحثه:
قد أوضح جمال الدين السرمري موضوع الكتاب فقال: "وموضوع هذا الكتاب أنه لم يكن لنبي من الأنبياء معجزة أو فضيلة إلا ولمحمد ﷺ من جنسها ما هو أكمل منها أو مثلها , وأنه اختص بأشياء لم يشركه فيها غيره كما قد ذكرناه في أماكنه والله يختص بفضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم" (٣) , وقال أيضاً في مقدمته: "ونحن نذكر إن شاء الله تعالى مانُقل عن كل نبيّ من المعجزات وماثبت لنبيِّنا ﷺ من الخصائص وماله من الفضائل الفواضل وما أُوتي من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈" (٤) , فموضوعها: معجزات الأنبياء
стр. 6
عليهم السلام التي ثبت لنبينا ﷺ أفضل منها , وما اختص به من المعجزات والمزايا الكريمة مما فاق به على غيره.
أما مجمل مباحث الكتاب , فهي كالتالي:
بدأه بمقدمة في فضل النبي ﷺ .
ثم كتب فصلاً: تحدث فيه عن موضوع الكتاب.
ثم كتب فصلاً: فاضل فيه بين ما أوتي أول أولي العزم من الرسل وهو نوح ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ , وبيَّن أوجه فضله ﷺ .
ثم كتب فصلاً: فاضل فيه بين ما أوتي ثاني أولي العزم وهو إبراهيم ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ , وبين أوجه فضله ﷺ .
ثم عقد مبحثاً في المفاضلة بين إتمام إبراهيم ﵇ لما ابتلاه الله به من كلمات وبين إتمام نبينا محمد ﷺ لهن.
ثم كتب فصلاً: فاضل فيه بين ما أوتي ثالث أولي العزم وهو موسى ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ , وبين أوجه فضله ﷺ .
ثم كتب فصلاً: فاضل فيه بين ما أوتي رابع أولي العزم وهو عيسى ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ , وبين أوجه فضله ﷺ .
ثم كتب فصلاً: فاضل فيه بين ما أوتي إدريس وهود ﵉ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ , وبين أوجه فضله ﷺ .
ثم كتب فصلاً: فاضل فيه بين ما أوتي صالح ﵇ من معجزة إخراج الناقة وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ من جنسها ما هو أعجب منها , وبين أوجه فضله ﷺ .
ثم كتب فصلاً: فاضل فيه بين ما أوتي يوشع بن نون ﵇ من معجزة حبس الشمس وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ من هذا الجنس ما هو أعظم , وبين أوجه فضله ﷺ .
ثم كتب فصلاً: فاضل فيه بين ما أوتي داود ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ , وبين
стр. 7
أوجه فضله ﷺ .
ثم كتب فصلاً: فاضل فيه بين ما أوتي سليمان ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ , وبين أوجه فضله ﷺ .
ثم كتب فصلاً: فاضل فيه بين ما أوتي يعقوب ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ , وبين أوجه فضله ﷺ .
ثم كتب فصلاً: فاضل فيه بين ما أوتي يوسف ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ , وبين أوجه فضله ﷺ .
ثم كتب فصلاً: فاضل فيه بين ما أوتي يحيى ﵇ وبين ما أوتي نبينا محمد ﷺ , وبين أوجه فضله ﷺ .
ثم كتب فصلاً: نبَّه فيه عن أن المقصود من هذا التفضيل ليس التنقص من المفضول , بل كل الأنبياء كان عند الله وجيهاً , وكان كل منهم نبيّاً نبيهاً صلى الله عليهم وبارك وسلم , وأجاب عن قوله ﷺ «لا تفضّلوني على يونس بن متى» وقوله: «لا تفضّلوا بين أنبياء الله».
ثم كتب فصلاً: أورد فيه فضله ﷺ على سائر الأنبياء عموماً.
ثم كتب فصلاً: ذكر فيه خصائص النبي ﷺ التي اختص بها دون غيره من واجبات ومحظورات ومباحات وتكرُّمات.
ثم كتب فصلاً: ذكر فيه خصيصة النبي ﷺ في فضل الصلاة عليه.
ثم كتب فصلاً: سرد فيه جملة من خصائص النبي ﷺ .
ثم كتب فصلاً: ذكر فيه خصائص النبي ﷺ في ميلاده.
ثم كتب فصلاً: سرد فيه جملة من خصائص النبي ﷺ .
ثم كتب فصلاً: ذكر فيه خصيصة النبي ﷺ في طيب ريحه.
ثم كتب فصلاً: سرد فيه جملة من خصائص النبي ﷺ .
ثم كتب فصلاً: ذكر خصيصة النبي ﷺ في أسمائه.
стр. 8
ثم كتب فصلاً: سرد جملة من خصائص النبي ﷺ .
ثم كتب فصلاً: ذكر فيه خصائص النبي ﷺ في صفاته الخَلقية والخُلقية.
ثم كتب فصلاً: ذكر فيه خصائص النبي ﷺ في ليلة الإسراء به.
ثم كتب فصلاً: ذكر فيه الحكمة من ابتداء الخبر بالإسراء قبل المعراج.
ثم كتب فصلاً: ذكر فيه الفوائد في حديث الإسراء والمعراج.
ثم كتب فصلاً: ذكر فيه الخلاف في مسألة رؤية النبي ﷺ ليلة المعراج.
ثم كتب فصلاً جامعاً لمقاصد الكتاب.
ثم كتب فصلاً: ذكر فيه ما خص الله به النبي ﷺ في وفاته.
ثم كتب فصلاً: ذكر فيه ما خص الله به نبيه ﷺ في الآخرة.
ثم كتب فصلاً: ذكر فيه منهجه في هذا الكتاب في إيراد الأحاديث الضعيفة.
ثم كتب فصلاً لطيفاً في ذكر الصلاة على النبي ﷺ وفضلها.
ثم كتب فصلاً: ذكر فيه خصيصة النبي ﷺ في ذكر اسمه والصلاة عليه.
ثم كتب فصلاً: ذكر فيه فضل النبي ﷺ على غيره في الأجر.
ثم ذكر فصلاً خاتماً لمباحث لكتاب.
المطلب الرابع: أهمية الكتاب , وقيمته العلمية:
مما يبين أهمية هذا الكتاب وقيمته العلمية ما يلي:
- أن في الكتاب إضافة علمية فريدة , فلم أقف على من صنف في فضل النبي ﷺ على الأنبياء ﵈ كتاباً مستقلاً على غيره , وإنما عامة الكتب في هذا الباب إما في الدلائل على نبوته ﷺ وإما في الخصائص وإما في السيرة , أما هذا الكتاب فقد جمع السرمري فيه ما اشترك فيه النبي ﷺ مع غيره في المعجزات وبيَّن أوجه فضله ﷺ , وبين ما اختص به من الفضائل دون غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
стр. 9
- حسن التقسيم ودقيق الاستنباط من المؤلف ﵀ , فقد جعل لكل نبي فصلاً يذكر فيه ما أوتي من المعجزات ثم يورد نظائر هذه المعجزات التي وقعت لنبينا ﷺ أو الكرامات للصالحين من أمته ثم يوازن بينهما ويستنبط فضله ﷺ .
- إيراد المؤلف لجملة من المسائل المشكلة والجواب عنها , مثال ذلك قال ﵀: "فإن قيل: في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: من الآية ٢٦] وأن الله سبحانه استجاب له فأغرق الأرض ومَن عليها دليل على أن نوحاً ﵊ كان مُرسلاً إلى جميع أهل الأرض فكيف يقال: بأن محمداً ﷺ وحده أُرسِل إلى الناس كافةً , فالجواب ... " (١) , والكتاب مملوء بـ (فإن قيل/الجواب).
- لم يقتصر المؤلف ﵀ في كتابه على سرد الأحاديث والآثار وإنما كان له شرح وبيان في كثير من المواضع , والكتاب فيه تحقيق كبير , فمن ذلك ما ذكره في الرواية التي جاء فيها أن إدريس ﵇ قال للنبي ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج «مرحباً بالأخ الصالح»: "وكذلك إدريس أنه قال: «مرحباً بالأخ الصالح» قد يكون غلطاً من الراوي لأنه أب بلا شك لأن النبي ﷺ من ذرّية نوح ونوح من ذرية إدريس قاله شيخ الإسلام ابن تيمية قال: ولا يتنبّه لمثل هذا إلا النحرير؛ قلت: وقد وقع لي في هذا محمل لا بأسَ به يُقرُّ الروايةَ الصحيحة على ماهي علَيه ويبين عذر إدريس إذ لم يقل: والابن الصالح , وذلك أن ما ظهر من عظم شأن محمد ﷺ في هذا المقام أجل من منزلة الأبوة فكيف بمنزلة البنوة فلم يتهجّم لما رأى من علوّ الرتبة أن يجعل نفسه أباً له فيكون أرفع منه ولا سيما ولم يَذكرُ له جبريل ما ذكر لآدم ولإبراهيم من قوله: «هذا أبوك آدم فسلم عليه» , «هذا أبوك إبراهيم فسلّم عليه» , فإنه لما أنَّسَ آدم بأن قال لمحمد: «هذا أبوك آدم فسلم عليه» حَسُن أن يقول له آدم: «مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح» وكذلك لما قال له: «هذا أبوك إبراهيم فسلّم عليه» حَسُن أن يقول له إبراهيم: «مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح» فأما إدريس فقال له عنه: «هذا إدريس فسلم عليه» ولم
стр. 10
يقل له: هذا أبوك إدريس , فلم يحسن التهجم عليه بمزيّة الأبوة مع ما هنالك من علوِّ الدَّرجة وعظيم المنزلة وما أكرم به من القرب , فلم يجد إدريس ما يُمِتُّ به مِمّا لا عَتبَ فيه إلا الأخوّة في النبوة التي رُفع بها مكاناً علياً فقال ما يناسِبُ حالَه: «مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح» , وقد قال النبي ﷺ : «الأنبياء إخوة أولاد علّاتٍ دينهم واحد وأمهاتهم شتى» على أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤] فبعض الأنبياء من نسل بعض وقد سماهم النبي ﷺ إخوةً , فيكون قول إدريس «الأخ الصالح» من هذا القبيل , ولا يَضُرّ قول إدريس بالأخ الصالح , فالأخوّة في الدين والنبوة صادقة عليهما , كما أن النبوة والأخوّة صادقة عليه وعلى إبراهيم عليهما الصلاة والسلام , وكما لم يَضُرّ سارة ﵍ حين أوصاها إبراهيم ﵇ أن تقول للجبّار الذي دَعاها أن تقول: «إنه أخي» , وهي زوجته فالأخوّة صادقة عليهما بالإيمان كما قال إبراهيم: فإني لا أعلم على وجه الأرض مؤمناً غيري وغيرك , لكن قصّة سارة كانت من باب المعاريض وقصّة إدريس من باب الأدب والله أعلم , إذ كان ذلك المقام لا يقتضي غيره لما رأى من عظم العناية الإلهيّة والوِلاية الربانية وهذا تأويل لا بأسَ به إن شاء الله تعالى , وإن جعلنا رَدّ السلام والترحيب بلفظ الأخوّة والخلافة من خزنة السموات لم يبق إشكال فإن في سياق حديث الثعلبي أن كل باب يُفتح لهم يقال له: «حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء» لكن الروايات الأخرى لا تساعد على هذا المعنى وكذلك يَردُ قولُ آدم وإبراهيم: «مرحباً بالابن الصالح» والله تعالى أعلم؛ وفي هذا السياق لطيفة أخرى: وهي قول خَزَنة أبواب السموات: «حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة» فإنه مشعر بالاعتذار عن قولهم حين قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: من الآية ٣٠] ... " (١).
стр. 11
وإن القارئ للمخطوطة ليشعر من صفحاتها الأولى بعظيم قدرها , فقد جمع فيها بين الرواية والدراية , كيف لا يكون وهو من أهل الحديث؟ كما أن موضوعها مهم في زمن كثر المخالفون فيه من أهل الديانات الباطلة والمنسوخة الطاعنون في الرسالة وفي القرآن بل وفي كل الشريعة والدين , وإن معرفة فضائله ﷺ وما أيده الله من الآيات وخوارق العادات من الأمور العظيمة التي تطمئن بها النفوس وتركن بها القلوب إلى تقبل ما جاء به وتطبيقه والسير على منهجه ﷺ .
المطلب الخامس: منهج المؤلف فيه:
تقدم في القسم الأول من البحث الكلام على منهج السرمري عموماً في كتبه -ومنها كتابه خصائص سيد العالمين- , فلذلك سأذكر هنا نقاط المنهج الخاصة في هذا الكتاب بإيجاز.
١ - الاعتماد على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وآثار الصحابة في الاستدلال: وهذا كثير في هذا الكتاب , وإذا كان هذا منهج كثير من علماء المسلمين , فإن جمال الدين السرمري قد تميز في ذلك.
٢ - طول النفس: لقد اتسم منهج جمال الدين السرمري في هذا الكتاب بطول النفس , وحسبك أن تقرأ فصل خصائصه ﷺ في ليلة الإسراء فقد سرد الروايات المطولة في ذلك.
٣ - السعة والشمول: إن ظاهرة السعة والشمول في معالجته لكل قضية طرقها من قضايا الكتاب الأساسية معالجة شاملة بحيث لا يدع شاردة ولا واردة إلا ذكرها.
٤ - المناقشة والتحليل: وهذا يظهر جلياً في موزانته بين ما أوتي الأنبياء وبين ما أوتي نبيه ﷺ , وأوجه فضله ﷺ , والكتاب مملوء بـ (فإن قيل/الجواب).
٥ - الأمانة في النقل: كان جمال الدين السرمري أميناً في نقله , فهو كثيراً ما يذكر اسم الكتاب والمؤلف فيقول: قال فلان في كتابه كذا , وأحياناً يصرح باسم المؤلف فقط.
стр. 12
٦ - الأسلوب الأدبي: تميز أسلوب جمال الدين السرمري بالبيان , والجاذبية , وحسن الصياغة , والعرض , والإكثار من المحسنات الأدبية , كالاقتباس , والتضمين , والسجع .. وغيرها مع قوة المعنى وعمق الفكرة , كيف لا وهو إمام في اللغة؟ .
المطلب السادس: مصادره في الكتاب:
لقد نقل جمال الدين السرمري عن كثير من كتب الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها من كتب السير وكتب العلم كما سيأتي ذكرها في فهرس المصادر والمراجع -إن شاء الله- , وسأورد هنا ما صرح فيه جمال الدين السرمري بذكر اسم الكتاب والمؤلف , أو باسم المؤلف فقط , أو باسم الكتاب فقط ونقل عنه , أو أحال على الكتاب ولم ينقل منه , وذلك عدا كتب الصحاح والمسانيد المشهورة.
١ - كان من أكثر الكتب التي رجع إليها جمال الدين السرمري في هذا الكتاب (دلائل النبوة) لأبي نعيم الأصبهاني. (انظر: ص ٣٦٨ , ص ٣٧٠ , ص ٤٠٩ , ص ٤١٢ , ص ٤١٣ , ص ٤١٤ , ص ٤٤٢ , ص ٤٤٨ , ص ٤٥٧).
٢ - الكشف والبيان , لأبي إسحاق الثعلبي. (انظر: ص ٥٤١ - ٥٥٩).
٣ - الفوائد , لأبي القاسم تمام بن محمد. (انظر: ص ٥١٤).
٤ - المقام المحمود , لأبي بكر المروذي. (انظر: ص ٥١٨).
٥ - الوفا بأحوال المصطفى, لأبي الفرج ابن الجوزي. (انظر: ص ٥٠٢ , ص ٥٠٩ , ص ٥١٥).
٦ - شفاء السول في أعلام نبوة الرسول وخصائصه , لابن سبع. (انظر: ص ٥٨٠ , ص ٥٨٦).
٧ - عيون الحكايات لابن الجوزي. (انظر: ص ٤٨٧).
٨ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب , لابن عبدالبر. (انظر: ص ٤٤٩).
стр. 13
٩ - كتاب الشريعة , للإمام أبي بكر الآجري. (انظر: ص ٥٨٠).
المطلب السابع: تقويم الكتاب:
إذا كان كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا محمد بن عبدالله ﷺ , فإن المصنف مع إمامته وسعة علمه وطول باعه لم يخل كتابه هذا من بعض ما يخالف فيه الأولى مما قد يعرض لأي عالم أو باحث , فلذا لا يأخذني الإعجاب بالمصنف ﵀ فأثبت له كل حسن وأنفي عنه كل ما يخالف ذلك رغم قصر باعي وقلة اطلاعي , وقديماً قيل:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
فمما خالف فيه الأولى ما يلي:
١ - ذكره لمسائل معتمدها أحاديث موضوعة: وهو وإن كان قد نبه في آخر الكتاب على منهجه في ذكر الأحاديث الضعيفة بقوله: "كلما في هذا الكتاب من حديث فيه ضعف أو وهن فالعمدة إنما هي على ما ثبت من جنسه من آيةٍ أو خبر , وإنما ذكرناه لما عساه يكون فيه من فائدة إما توضيح معنى أو زيادة بيان كما يذكره أهل الحديث من الشواهد والمُتابَعات , أو كما يقول الفقهاء في مثله: هذا سند الدليل" , إلا أن هذه الأغراض التي ذكرها لا تدخل في الأحاديث المكذوبة على النبي ﷺ ؛ ومن أمثلة هذه المسائل: تولد النور من عرقه ﷺ (١) , وكسوة نور وجه النبي ﷺ من نور العرش (٢) , وأن النبي ﷺ لا ظل له (٣)؛ وهي قليلة -والحمد لله- موازنة بين مجمل مسائل الكتاب؛ إضافة إلى أن ذكر الأحاديث الموضوعة لم تكن منهجاً للسرمري في الكتاب, يدل على ذلك تعليقه على حديث قتال علي بن أبي طالب ﵁ للجنّ بقوله: "وإن صح حديث قتال علي بن أبي طالب ﵁ للجنّ في بئر ذات العلم كان
غاية في هذا
стр. 14
الموضع, وقد رواه من الحفاظ أبو الفضل ابن ناصر شيخ ابن الجوزي ولكن ردّه غيره وقالوا الحديث فيه موضوع فالله أعلم" (١) , ويدل عليه أيضاً نقده لكتاب الخصائص لابن سبع بقوله: " وفي الحديث طُولٌ ذكَره أبو الربيع سليمان بن سبع السبتي في كتاب الخصائص له والله أعلم بحال هذا الحديث , وفي كتابه هذا أحاديث فيها ما فيها" (٢).
٢ - إكثاره من رواية الأحاديث بالمعنى: هذا وإن كان جائزاً من عالمٍ وعارف بما يحيل من المعاني كالسرمري ﵀ , إلا أنه لا خلاف بين أهل العلم أن رواية الحديث بلفظه المسموع منه ﷺ هو الأصل الذي ينبغي لكل راوٍ وناقل أن يلتزمه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
٣ - وقوع بعض الأوهام في الكتاب: وهي قليلة -والحمد لله- , فمن ذلك ما ذكره في قصة العلاء بن الحضرمي وأن الراوي لها (منجاب) , والصواب أن الراوي لها هو ابنه (سهم بن منجاب)؛ ومن ذلك أيضاً: ما ذكره في قصة فتح كسرى وأنه صاحب الأقباض هو (قيس بن سعد ﵁) , والصواب أنه (عامر بن عبدقيس -التابعي-).
ولكن مع هذا ففي الكتاب إضافة علمية كبيرة , فهو فريد في بابه كما تقدم , كما قد جمع فيه فضائل للنبي ﷺ كثيرة من معجزاته وما آتاه الله تعالى من الكرامات والمزايا الكريمة والعطايا العظيمة مالم تجمع في غيره؛ بل الكتاب فيه فوائد مستنبطة من السرمري نفسه لا توجد في غيره , وقد سبق بيانها في أهمية الكتاب وقيمته العليمة.
стр. 15
المبحث الثاني
التعريف بالخصائص والمناقب والمعجزات
المطلب الأول: التعريف بالخصائص:
الخصائص لغة: قال صاحب القاموس: خصه بالشيء خصاً وخصوصاً وخصوصية: فضَّله (١).
وقال ابن منظور: خصّه بالشيء يخُصّه خَصّاً وخُصوصاً وخَصوصيّة وخُصوصيّة والفتح أفصح: أفرده به دون غيره (٢).
وفي المعجم الوسيط: "الخصيصة: الصفة التي تميز الشيء وتحدده , والجمع: خصائص" (٣).
فمن التعريفات اللغوية السابقة يُستنتج أن معنى الخَصِيْصة يدور على الآتي:
١ - الفضل ... ٢ - الانفراد ٣ - التميز.
الخصائص اصطلاحاً: هي الفضائل والأمور التي انفرد بها النبي ﷺ وامتاز بها إما عن إخوانه الأنبياء وإما عن سائر البشر (٤).
المطلب الثاني: التعريف بالمناقب:
المناقب لغة: قال ابن فارس: "النون والقاف والباء أصل صحيح يدل على فتح في
стр. 16
شيء ... والمنقبة: الفعلة الكريمة , وقياسها صحيح , لأنها شيء حسن قد شُهر , كأنه نُقِّب عنه" (١).
وقال الزبيدي: المنقبة: المفخرة , وهي ضد المثلبة , وفي اللسان: كرم الفعل , وجمعها المناقب , يقال: في فلان مناقب جميلة: أي أخلاق حسنة (٢).
أما تعريفها في الاصطلاح: هي المفاخر التي اشترك في جنسها النبي ﷺ مع إخوانه من الأنبياء ﵈.
وقد أشار الإمام جمال الدين السرمري إلى هذا المعنى في مقدمته فقال:
"اعلم أن التفضيل إنما يكون إذا ثبت للفاضل من الخصائص ما لايوجد للمفضول مثلُه , فإذا استويا في أسباب الفضل وانفرد أحدهما بخصائص لم يَشْرَكْه فيها الآخر كان أفضل منه , وأمَّا ماكان مشتركاً بين الرجل وغيره من المحاسن فتلك مناقب وفضائل ومآثر لكن لاتُوجب تفضيله على غيره إذا كانت مشتركة ليست من خصائصه , وإذا اتَّحَدت الفضيلتان فكانتا من جنسٍ واحد لكن كانت إحداهما أكمل من الأخرى وأعظم أو أعجب أو أبلغ فلا ريب أنَّ صاحب ذلك أفضل في ذلك" (٣).
المطلب الثالث: التعريف بالمعجزات:
المعجزة لغة: أصلها من (عجز) , قال ابن فارس: "العين والجيم والزاء أصلان صحيحان , يدل أحدهما على الضعف , والآخر على مؤخر الشيء؛ فالأول عجز عن الشيء يعجز عجزاً فهو عاجز: أي ضعيف ... ويقال: أعجزني فلان , إذا عجزت عن
طلبه وإدراكه" (٤).
стр. 17
وقال الفيروزآبادي: "العَجْز والمَعْجِز والمَعْجِزَة وتفتح جيمهما والعَجَزان محركة والعُجُوزُ بالضم: الضعف ... ومعجزة النبي: ما أعجز به الخصم عند التحدي والهاء للمبالغة" (١).
أما تعريفها في الاصطلاح: قال الباحث: "آية الله الخارقة الدالة على النبوة الصادقة".
وعلى هذا التعريف تدخل حتى خوارق الأولياء في المعجزة , لكونها تدل على نبوة من اتبعه الولي , وعلى هذا جرى الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد وغيره (٢) , وهو ما صرح به الإمام جمال الدين السرمري بقوله: "كل كرامة لوليّ من أمّة من الأمم هي مضافة إلى معجزاتِ مَتبوعِهِ من الأنبياء كما أشرنا إليه , فإن الكرامات لا تحصل إلا بمتابعة الرسل صلى الله عليهم وسلم , وتصديقهم , والتزام طريقتهم" (٣).
стр. 18
المبحث الثالث
وصف النسخ الخطية
يوجد للكتاب ثلاث نسخ خطية:
النسخة الأولى:
وهي نسخة أصلية توجد في المكتبة الظاهرية برقم [٩٤٥٢] وعنها نسخة مصورة في مركز الملك فيصل برقم [٢٤٢٨٤] وأخرى في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث برقم [٢٣٨٨٩٢] وأخرى في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم [١٠٥٦] , وقد رمزت لها بالحرف "أ".
- تحوي ٩٢ لوحة , في كل لوحة ١٩ سطراً , متوسط مافي كل سطر ١٦ كلمة.
- النسخة قديمة وقيمة.
-فيها آثار رطوبة رممت أطراف أوراقها الأولى.
-خرم أسفل الورقة ٢٩.
- مكتوبة بخط واضح.
- تأريخ نسخها: في جمادى الأولى سنة ٧٧٠ في حياة المؤلف.
-منسوخة عن أصل المصنف.
- جاء في نهاية الكتاب ما يلي: "يسّر الله تعالى كَتْب هذا الكتاب الشريف من أصل المصنّف الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد المفيد جمع الله تعالى له ولأولاده وأهل بيته سعادات الدور الثلاثة دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار ورضي عنه وعن والديه. آمين , بيد العبد المستعيذ بعفو الله الكريم من عقابه محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالله أعاذهم الله تعالى من
عذاب القبر وعذاب النار. آمين , في شهر جمادى الأولى من سنة سبعين وسبعمائة بدمشق المحروسة , والحمد لله المنعم المتفضّل الذي بنعمته تتم الصالحات وأفضل الصلوات والسلام
стр. 19
وأكمل الرحمة والبركات على محمّد المصطفى المبعوث بأعظم المعجزات المنعوت بأكرم صفات البريات الذي شهدت بصدق دعوته العجماوات والجمادات ربّ اجعل أهواءنا تابعة لما جاء به رسولك محمّد سيد ولد آدم أطهر أطهار العالم صلى الله عليه وبارك وسلم والحمد لله رب العالمين".
-كتب جمال الدين السرمري بخطه في آخرها ما يلي: "السماع والإجازة صحيحان , وكتب يوسف السرمري المصنف عفا الله عنه".
سماع النسخة "أ":
"الحمد لله
قرأت هذا الكتاب الشريف الذي هو بالحقيقة بحار فوائد على مؤلّفه شيخنا الإمام العالم العامل الزّاهد المفيد العلامة المحقق أحد دعاة السنة النقية البيضاء جامع أنواع من المعالي والفضائل والكمالات الفائقة ذي التصنيفات الشريفة النافعة باسط بساط الإفادة جمال الدين يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد بن علي السرّمرّي جزاه الله تعالى خيراً ورضي عنه وعن والديه ولا حرمنا من بركات أنفاسه الشريفة آمين في مجالس آخرها يوم الخميس العاشر من جمادى الأولى سنة سبعين وسبعمائة الهلاليّة وسمع الشيخ عماد الدين على بن إبراهيم بن علي بن عثمان المشهدي الفستجاني بقراءتي من أول الكتاب إلى قوله: (فصل وأما دواد ﵇) ثم سمع من قوله: (فصل ومن خصائصه الكبار ما قدمنا الإشارة إليه في ليلة الإسراء ... ) إلى آخر الكتاب؛ وسمع الفاضل شمس الدين محمد بن نور النيرين أبي بكر بن محمد بن علي المهرجاني البيابانكي الهروي من قوله: (وأما يوسف الصديق الكريم ﵇ الموصوف بالحسن والجمال والعلم والعقل والأفضال ... ) إلى آخر الكتاب , وأجاز المؤلف المذكور مد الله تعالى ظلال بركاته للقارئ المذكور والسامعين رواية ماله روايته بشرطه المعتبر عند أهل الحديث والحمد لله وحده وصلّى الله وسلم وبارك على محمد المصطفى الأعظم الرسول الأحلم الأكرم النبيّ
الأعلم سيّد ولد آدم أطهر أطهار العالم؛ والقراءة المذكورة بمنزل المسمع بمدرسة شرف الإسلام بدمشق المحروسة وهذا خطّ المشّرف بقراءة الكتاب المستعيذ بعفو الله تعالى من عقابه محمد بن
стр. 20
عبدالله بن محمد بن عبدالله الإيجي غفر الله تعالى لهم ولمن استغفر لهم مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنباً. آمين."
ثم كتب جمالُ الدين السرمري بخطه بعد السماع:
"السماع والإجازة صحيحان وكتبَ يوسُف السُرمري المصنف عفا الله عنه".
النسخة الثانية:
وهي نسخة توجد في مكتبة آستان قدس رضوي المركزية بمشهد الإيرانية برقم [٢٠٠٩] وعنها نسخة في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث برقم [٣١٠٤٣٣] , وقد رمزت لها بالحرف "ب".
- تحوي ٧٥ لوحة , في كل لوحة ٢٧ سطراً , متوسط مافي كل سطر ١٣ كلمة.
- تأريخ نسخها: في منتصف صفر سنة ٨٩١.
-منسوخة عن منتسخ أصل المصنف.
- جاء في نهاية الكتاب ما يلي: "يسّر الله تعالى كَتْب هذا الكتاب الشريف من منتسخ أصل المصنفِ الشيخِ الإمام العالم العامل الزاهد المفيد جمع الله تعالى له ولأولاده ولأهل بيته سعادات الدورِ الثلاثة دارِ الدنيا ودار البروج ودار القرار ورضي عنه وعن والديه آمين بيد الفقير المستعيذ بعفو الله الكريم العليّ موسى بن هارون بن موسى العمري الجيابي أعاذهم الله تعالى من عذاب القبر وعذاب النار. آمين , في منتصف شهر صفر من سنة إحدى وتسعين وثمانمائة الهجرية المصطفوية والحمد لله المنعم المتفضّل الذي بنعمته تتم الصالحات وأفضل الصلاة والسلام وأكمل الرحمة والبركات على محمد المصطفى المبعوث بأعظم المعجزات المنعوت بأكرم صفات البريات الذي شهدَتْ بصدق دعوته العجماوات والجمادات رب اجعل أهواءنا
تابعة لما جاء به رسولك محمدٌ سيد ولد آدم أظهَرُ أطهار العالَم صلى الله عليه وبارك وسلّم والحمد لله رب العالمين. تمت".
стр. 21
النسخة الثالثة:
وهي نسخة توجد في مكتبة برلين برقم [oct.١٤٤٤] , وقد ذكرها بروكلمان في (تاريخ الأدب العربي) (١).
وقد حاولت جاهداً الحصول على هذه النسخة , فراسلت ابتداءاً مكتبة برلين عن طريق مركز الملك فيصل فأجابوا بخطاب اعتذار عن التصوير , وعللوا اعتذارهم بأن (حالة المخطوطة الصحية لا يسمح بتصويرها) , ثم راسلتهم مرة ثانية أسألهم فيها: هل يمكنني رؤية المخطوطة فقط وليس تصويرها عند قدومي برلين؟ , لكن لم أجد إجابة , فكررت المراسلة مرات عدة ولم أجد إجابة , فلم أجد بدًا غير السفر إلى برلين علّي أن أجد إجابة سؤالي الملح: هل نسخة برلين صورة عن إحدى النسختين السابقتين أم نسخة ثالثة؟
فلما قدمت إلى المكتبة أوضح لي العاملون في قسم المخطوطات في مكتبة برلين أن حالة الكتاب لا يمكن معه التصوير , فأوراقه معتفسة جداً , فطلبت منهم الرؤية فقط , فأمهلوني ريثما يأت الموظف المختص بالمخطوطات العربية , فطلبت منهم وصف هذه النسخة الموجود في فهرس المكتبة , فأعطوني وصفها من الفهرس الموجود في حاسب المكتبة , ولم يكن فيه أي معلومة جديدة سوى أن عدد أوراقها (٧٢) , ثم لما حضر بعد أيام الموظف المختص بالمخطوطات العربية وهو (Christoph Rauch) اعتذر عن السماح بالرؤية ولم يوضح لي سبب اعتذاره عن الرؤية , فطلبت منه وصف هذه النسخة , فدخل وأحضر لي فهرساً مخطوطاً خاصاً بالمكتبة وفيه وصف النسخة , قد كُتب فيه: اسمها (الخصائص والمفاخر لمعرفة الأوائل والأواخر) , واسم المؤلف (جمال الدين السرمري) , ووفاته (٧٣٦)(٢) , وأن النسخة
(كُتبت في حياة المؤلف) , وأن عدد أوراقها (١٣٤) , وأن بروكلمان ترجم له في تاريخ الأدب العربي ص ٢٠٤ (٣).
стр. 22
وقد مكثت في برلين ما يقارب الخمسة عشر يوماً (١) , أتردد فيها على المكتبة محاولاً الإذن برؤية المخطوطة , لكن كل محاولاتي قوبلت بالرفض القاطع من مدير المكتبة والموظف المختص بالمخطوطات العربية.
стр. 23
خطاب الاعتذار من مكتبة برلين والمرسل إلى الباحث عن طريق مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وفيه مكتوب: (حالة المخطوط الصحية لا يسمح بتصويرها).
стр. 24
بيانات النسخة من الفهرس الموجود في مكتبة برلين، وفيه: أن عدد صفحاتها (٧٢).
стр. 25
بيانات النسخة من الفهرس المخطوط الخاص بمكتبة برلين، وفيه من اليسار: رقم المخطوط بالمكتبة (١٤٤٤)، الخصائص والمفاخر لمعرفة الأوائل والأواخر، جمال الدين السرمري، (توفي سنة ٧٣٦ هـ)، المخطوط مكتوب في حياة مؤلفه، عدد صفحاته ١٣٤، ذكره بروكلمان في كتابه ص ٢٠٤.
стр. 26
نماذج من النسختين الخطية
стр. 27
صورة صفحة العنوان من النسخة "أ"
стр. 28
صورة الصفحة الأولى من النسخة "أ"
стр. 29
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة "أ"
стр. 30
صورة صفحة العنوان من النسخة "ب"
стр. 31
صورة الصفحة الأولى من النسخة "ب"
стр. 32
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة "ب"
стр. 33
تحقيق كتاب
"خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈"
стр. 34
بسم الله الرحمن الرحيم , رب يسر وأعن ووفق.
الحمد لله الذي رفع بعض الكائنات فوق بعض درجات وفَضّل , وأتْحَف مَن شاء ما شاء ووهب ونحَل ونفَّل (١) , وخصّص من أحب بما أحب وأعطى وأجزل , وغاير بين المخلوقات وخالف وميَّز وفَضَّل , لتظهر آثار حكمته ومشيئته في خليقته ويتحصَّل (٢) , أحمده على ماحكم فأغنى وأقنى وأفقر فأرمل (٣) , وجاد وتطوَّل (٤) , ومنح فأحسن وأجمل , وأشكره على ماخوَّل (٥) ومَوَّل (٦) ونوَّل (٧) , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له القديم الأوَّل , الآخر الظاهِر الباطِن القادر القائم (٨) فلا يتحوَّل , الملك القدُّوس السلام (المؤمِن) (٩) المهيمن المحيط علماً بالعالي والأسفل , العزيز الجبَّار المتكبر الذي كسَر الأكاسرة وقصر القياصرة ودوَّخ وذلَّل , الخالق البارئ المصوِّر الذي أحسن كلَّ شيء خلقه وأكمل , سبحانه وتعالى عما يقول من أشرك به وتمحَّل (١٠) , وأشهد أن محمداً عبده المرسل ونبيُّه المفضَّل , الذي جمع أحاسن المحاسِن وأفاخِر المفاخِر وذَيَّل , ورقى على أعلى قُلَلِ العلاء وأَشْرفِ شُرَف الشَّرَف وتوقَّل (١١) , فهو خير
من أكل وأكرم من توكَّل , وأنجح من توسل به (١٢) وأقرب من تَوسَّل , وأحسن من تُجمِّل به وأزين من
стр. 35
تَجمَّل (١) , وأعظم الخلق عند الله تعالى منزلة وأفخم وأنبل , ﷺ وكرَّم وعظم وبجَّل , وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وزاد وأفضل.
أما بعد: فلله سبحانه في خلقه وأمره أسرار , وفي قدرته ومشيئته وتدبيره أمور كبار , لاتدركها الأبصار ولاتحيط بكُنهها الأفكار , قال [الله] (٢) : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: من الآية ٦٨].
لما خلق الله تعالى الخلق قسَمه قسمين: جماداً وذا حياة , فاختار ذا الحياة على الجماد وفضَّله عليه , ثم قسم [ق ١/ظ] ذا الحياة قسمين: حيواناً ونباتاً , فاختار الحيوان على النبات وفضَّله عليه , ثم قسم الحيوان [إلى] (٣) قسمين: ناطقاً وصامتاً ,
فاختار النَّاطق على الصَّامت وفضَّله عليه , ثم قسم الناطق قسمين: آدميّاً وغيره , فاختار الآدميَّ على غيره وفضَّله عليه , ثم قسم الآدمي قسمين: عاقلاً وغير عاقل ,
стр. 36
فاختار العاقل على غيره وفضَّله عليه , ثم قسم العاقل قسمين: مؤمناً وغيره , فاختار المؤمن على غيره وفضَّله عليه , ثم قسم المؤمن قسمين: عالماً وغيره , فاختار العالم على غيره وفضَّله عليه , ثم قسم العالم قسمين: أنبياء وغيرهم , فاختار الأنبياء على غيرهم وفضَّلهم عليهم (١) , وهم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي (٢) , فهم خيرته من خلقه , ثم قسم الأنبياء قسمين: رسُلاً وغيرهم , فاختار الرسل على غيرهم وفضَّلهم عليهم , وهم ثلاثمائة وثلاثة (٣) عشر رسولاً , فهم خيرته من الأنبياء , ثم قسم الرسل قسمين: أولي عزم وغيرهم , فاختار أولى العزم على غيرهم وفضَّلهم عليهم وهم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم , فهم خيرته من رسله عليهم الصلاة والسلام , ثم اختار من أولي العزم [الخليلين] (٤) إبراهيم ومحمّداً صلى الله عليهما وسلم , فهما خيرته من أولي العزم من الرسل , ثم اختار منهما [الحبيب] (٥)
محمداً ﷺ (٦) , فهو المختار المصطفى من جميع الخلق , كما أخبرنا الشيخ أبو عبدالله
стр. 37
محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري (١) -بقراءتي عليه- قلت له: أخبرك جماعة من شيوخك؛ منهم: أبو العباس أحمد بن عبدالدائم بن نِعْمة المقدسي (٢) وأبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليُسْر التنُوخي (٣) قراءةً عليهما وإلا فإذناً (٤) , قالا: أخبرنا
الإمام أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي إجازة, قال المقدسي وحده:
стр. 38
إن لم يكن سماعاً قال: أخبرنا أحمد بن علي بن المُجْلِي (١) قال أخبرنا أبو الحسين بن المهتدي (٢) قال أخبرنا عبيدالله بن أحمد الصَّيدلاني (٣)(٤) قال أخبرنا الحسين بن إسماعيل المحاملي (٥) قال حدثنا يوسف بن موسى (٦) قال حدثنا عبيدالله (٧) بن موسى (٨)
стр. 39
عن إسماعيل بن أبي خالد (١) عن يزيد بن أبي زياد (٢) عن عبدالله بن الحارث بن [ق ٢/و] نوفل (٣) عن العباس بن عبدالمطلب ﵁ قال: قلت يا رسول الله إنّ قريشاً جلسوا فتذاكروا أحسابهم (فجعلوا) (٤) مَثَلك مَثل نخلة نَبَتتْ في كَبْوة (٥) من الأرض فقال رسول الله ﷺ : «إن الله يوم خلق الخلق جعلني في خيرهم ثم حين فرَّقهم جعلني في خير الفريقين , ثم حين جعل القبائل جعلني في خير قبيلة , ثم حين جعل البيوت جعلني في خير بيوتهم , فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً» (٦) , وقد خلق الله ﵎ النفوس
مختلفة , فمنها الغاية في الجَودة والجوهريَّة , ومنها المتوسط ومنها الكدر , وجعل في
стр. 40
كل مرتبة درجات لتظهر أسرارُ حكمته في الخلق , فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم الغاية في الجودة , خُلقت أبدانهم سليمة من عيب فصلحت لحلول النفوس الكاملة , ثم هم يتفاوتون أيضاً في المراتب , ويتميَّز (١) بعضهم على بعض في المناقب وعلوِّ المناصب , وكان نبينا محمد ﷺ أصحَّ الأنبياء مزاجاً , وأكملهم (٢) بدناً , وأصفاهم رُوحاً , وبمعرفة ما نذكره من أحواله وأخلاقه وصفاته يتبين فضله , ولذلك قدَّمه الله تعالى على الكُل , فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم خلاصة الوجود , وواسطة العقود , وهم خيرة الخلائق , وصفوة الخالق , وهم في الفضل طبقات , وفي القدر درجات قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: من الآية ٥٥] فكلٌ له رتبة (لايتعدَّاها) (٣) , ومنزلة لايدرك غيره مَداها , وغاية إذا بلغ منتهاها تناهى , وجعل لمحمد ﷺ من الرتب أعلاها , ومن المنازل أسماها , ومن المعجزات أعظمهما وأقواها , ومن المنقبات أجملها وأبهاها , ومن الفضائل أُولاها وأُخراها , ومن المحاسن أَوْلاها وأَحراها , ففي حديث الإسراء عنه ﷺ : «إن الله تعالى جمع الأنبياء والملائكة صفوفاً قال فقدَّمني وأمرني أن أصلِّي بهم فصليت بهم ركعتين , ثم إنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أثنوا على ربهم سبحانه , فقال إبراهيم ﵇[ق ٢/ظ]: الحمد لله الذي اتخذني خليلاً وأعطاني مُلكاً عظيماً وجعلني أمَّة قانتاً يؤتم بي وأنقذني من النار وجعلها عليَّ برداً وسلاماً , ثم إن موسى ﵇ أثنى على ربه تعالى فقال: الحمد لله رب العالمين الذي كَلَّمني تكليماً وجعل هلاك فرعون على يدي ونجَّا بني إسرائيل على يدي وجعل من أمتي قوماً يهدون بالحق وبه يعدلون , ثم إن داود ﵇ أثنى على ربه تعالى فقال: الحمد لله
الذي جعل لي مُلكاً عظيماً وعلَّمني الزَّبور وألان لي الحديد وسخَّر لي الجبال يسبّحن والطير وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب , ثم إن سليمان ﵇ أثنى على ربه فقال: