كذّابٌ ومُبير فخرج المختار والحجّاج (١) , وأخبر أن أصحابه سَيَلقون بعده أثَرةً وأموراً عظاماً (٢) , وأن أمته ستفترق [ق ٣٢/ظ] , وأنّ بني أمّية سيملكون (٣) , وأن بني العباس يملكون الملك (٤) , وأنه يكون مَلك (٥) يحثوا المال حَثْياً لا يعدّه عَدّاً (٦) , وأنّ
مُلك أمّته
стр. 142
ينتهي إلى مشارق الأرض ومغاربها (١) , وأن أمّته تقاتل قوماً نعالهم الشعر صغار الأعين ذلف الأنوف (٢) , وكل واحد من هذه الأمور فيه حديث صحيح أوحسن مشهور مُدَوّن في كتب الحديث والسِّيَرِ والتّاريخ وغير ذلك , قد استقرّ في القلوب تصديقه لِتَلَقِي الأمّة له بالقبول وتدوينهم إيّاه في دواوين الإسلام (٣) نبّهنا بذكر كل نوع منه على ما وراءه , وهذه الأمور من أقوى الأدلة وأعدل الشهود على (٤) صدق ما أخبر به من أمور الآخرة وشأن البرزخ كعذاب القبر والحشر والنّشر والحساب والشفاعة والميزان والجنّة والنّار والصّراط وغير ذلك مما هو من شأن اليوم (٥) الآخر , والله تعالى الموفق.
стр. 143
فإن قيل: قد أتيح لعيسى ﵇ حواريون (١) كانوا أنصارَه وأعوانه , قد (٢) ذكرهم الله تعالى ومدحهم بذلك في قوله سبحانه عن عيسى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: من الآية ٥٢ , الصف: من الآية ١٤] قلنا قد أعطي محمد ﷺ أنصاراً قد أشرنا إلى ذكرهم وأنهم قالوا له: واللهِ لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها (٣) , وظهر من صدقهم ونصرهم إيّاه ومنعهم مَن أرادَهُ بسوء وإجلالهم له وتوقيرهم إياه وامتثال أمره أمورٌ يطول ذكرها ولا يمكن حصرها من خلوص الطاعة وصحّة النيّة وحسن المؤازرة وبذل النفوس في نصره ومجاهدتها في إقامة دينه , فإن الله امتحن قلوبهم للتقوى وكانوا لا يُحدّون النظر إليه إعظاماً له , ولا يرفعون أصواتهم عنده إجلالاً له وإكراماً , ولا يتنخم نخامة إلا ابتدروها يتمسّحون بها (٤) ولا سقطت من شعره شعرة إلا تنافسوا فيها (٥) حتى إن معاوية أوصى أن يدفن معه شعر من شعر رسول الله ﷺ (٦) , وشرب عبدالله بن الزُّبير محجمةً مِن دَمِهِ كان أمره أن يهريقها فأودعها جوفه (٧) وكان إذا حضره من لا يوقّره ولا يعظّمه من جفاة العرب استأذنوه في ضرب عنقه [ق ٣٣/و] كما لقي عروةَ بن مسعود يوم الحديبية من ابن أخيه المغيرة بن شعبة لمّا قَرَع يدَه بنعل السيف وقال له: أكفف يدك قبل أن لا ترجع إليك فرجع عروة إلى قريش
فأخبرهم بما
стр. 144
أعجبهم من تعظيمهم له (١) , وواسَوه بأموالهم ووَقَوْه (٢) بأنفسهم وقاتلوا عنه حتى أهلَهُم وعشيراتِهم وعادَوا فيه حتى قومَه الذين خالفوه وعصوه وقد قال ﷺ : «إن لكل نبيّ حوارياً وحواري الزبير بن العوام» وكان أولَّ من سَلّ سيفاً في سبيل الله وكان في شِعْبِ المَطابخ فسمع أن النبي ﷺ قد قتل فأخذ السّيف وخرج عرياناً في يده السيف صلتاً فلقيه النبي ﷺ كِفَّةَ كِفَّةَ , فقال: «مالك؟ » , قال: سمعت أنك قُتلت , قال: «فما كنت صانعاً؟ » , قال: أردت أن أستعرض أهلَ مكّة , فدعا له رسول الله ﷺ (٣).
فإن قيل: إن عيسى ﵇ طلب الحواريون منه أن يدْعو ربَّه أن ينزل عليهم (٤) مائدة من السماء تكون لهم عيداً يأكلون منها لتطمئن قلوبهم ويعلموا أنه قد صَدَقهم ويشهدوا له بذلك، قيل: قد أعطى الله محمداً ﷺ ماهو أفضل من ذلك من غير هذه الشروط وذلك ما روى سَمُرَة بن جندب أن رسول الله ﷺ أُتي بقصعة من ثريد فَوُضِعَتْ بين يدي القوم فتعاقبوها من غدوة إلى الظهر يقوم قوم ويجلس آخرون , فقال رجل لسمرة: أما كانت تُمدّ؟ , قال: من أي شيء تَعجَبُ ما كانت تُمَدّ إلا من هاهنا وأشار بيده إلى السماء (٥)؛ وأصحاب محمد ﷺ لمّا أسلموا كان منهم من عُذِّبَ كبلال وصهيب وعمّارٍ وأبويه , فعُذِّبوا أشد العذاب ولم يُزحزِحهم ذلك عن دينهم شيئاً , وفيهم من أُسِر وقُتِل كَخُبَيْب وغيره , ولم يتزلزل إيمانهم ولم يقترحوا على نبيّهم مثلَ هذه الاقتراحات وقصصهم معروفة وسيرهم مشهورة؛ وأما حواريّو عيسى ﵇ فغايتهم أن قالوا له: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا [ق ٣٣/ظ] مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ... ﴾ الآية
стр. 145
[المائدة: ١١٢] , فإن قيل: كان (عيسى) (١) سياحاً جَوَّاباً جَوّالاً في البراري وسواحل البحار , قلنا: قد أشرنا قبلُ إلى سياحة نبينا ﷺ وأمّته وأنّ منها الجهاد برّاً وبحراً وقد كان منهم ما أشرنا إليه وأضعاف ذلك , فكانت سياحة محمد ﷺ وبارك أفضل وأكمل , ونفعها أعم وأحسن وأجمل , لأنه حصل في سياحته فتح البلاد وقتل الكفار الذين أظهروا في الأرض الفساد حتى استنفَد عشر سنين في إقامة الدين فتابَعه مالم يُتابِع نبياً قبله في أضعاف تلك المدّة ولا يقاربه , فإن نوحاً لبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فما بلغ من كان معه من المؤمنين في السفينة مائة نفس (٢) , فكان محمد ﷺ في مدّة نبوّته إمّا مجاهداً وإمّا مجهّزاً جيشاً أو سريةً أو باعِثاً بَعْثاً في إقامة الدين وإعلاء الكلمة وإبلاغ الرسالة وإسماع الدعوة حتى طبّق الأرض دينُه وذكْرُه وعَمّ البسيطةَ ظُهوره وقهرُه.
فإن قيل: إن عيسى عليه [الصلاة و] (٣) السلام كان زاهداً في الدنيا يُقنِعه اليسيرُ منها ويجتزي بالطفيف من البلغة حتى خرج من الدنيا كفافاً فلا له ولا عليه , قلنا: كذلك كان محمد ﷺ كان يطوي اليومين والثلاثة لايجد من الدقل (٤) ما يملأ به بطنه (٥)
стр. 146
ويمكث الهلال إلى الهلال إلى الهلال ثلاثة أهلّه في شهرين ما تُوقَد في بيت من بيوته نار وإنما كان يتقوّتون بالأسودين التمر والماء (١) إذا حصل وهم مع ذلك تسعة أهل أبيات ومات ودرعه مرهونة على أوساق شعير إدَّانَها قُوتاً لأهله (٢) ولم يترك إلا سلاحه وبغلته , وعيسى ﵇ كان وحده لا ولد يجوع ولا بيت يخرب على أن الله تعالى قد كان عرض (على) (٣) محمد ﷺ مفاتيح كنوز الأرض فأبى أن يقبلها وقال: «أجوع يوماً فأذكرك وأشبع يوماً فأشكرك» (٤) فمحمد ﷺ أزهَدُ الأنبياء طُرّاً وأعظمهم فيه فضيلةً وفخْراً فإنه خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز بُرٍّ ثلاثة أيّام تباعاً (٥) وكان يربط الحجر على بطنه من الجوع (٦) ويطوي اللّيالي ما يجد ما يقتات (٧) وله ثلاث عشرة امرأة يَزِدن
стр. 147
تارة ويَنقُصن
[ق ٣٤/و] أخرى سوى من يَطْرَأ عليه من خارج (١) , وكان يلبس الصوف وينتعل المخصوف (٢) ويفترش إهاب شاة (٣) وكانت وسادته من أدَم (٤) حشوُها ليفٌ (٥) وكان لا يدّخر شيئاً لغدٍ (٦) و [كان] (٧) زهده في الدنيا وفقره معروف مشهور , ولمّا فتح الله تعالى عليه خزائن الملوك ووطّأ له أعناق الجبابرة ومكّن له في البلاد وأعطي من غنائم العباد , كان يقسم في اليوم الواحد ثلاثمائة ألف ويعطي الرجل المائة من الإبل (٨)
стр. 148
والخمسين
وما بين جبلين من الغنم (١) , ويُمسي فيأتي السائل فيقول: «والذي بعثني بالحق ما أمسى في بيت من بيوت آل محمد صاع من شعيرٍ ولا تمرٍ» (٢) ولم يكن لعيسى ﵇ من (٣) يطالبه بشيء لا زوجة ولا ولد ولا يحتاج إلى ما كان يحتاج إلى مثله محمد ﷺ .
فإن قيل: إن عيسى ﵇ قد كان في حياطة وحرز من ربّه تعالى (٤) أن يعدوَ عليه ظالم وأن يُنال بسوء كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ... ﴾ الآية [المائدة: من الآية ١١٠] وأيّده بروح القدس فكان يمسي ويُصبح آمناً ساكن القلب ثابت الجأش لما كان الله يتولّاه , قيل: قد كان لمحمد ﷺ أبلغ من ذلك , فإن العجم والعرب انتصبت لمعاداته والجن والإنس استعدّوا لمناصبته فأيده الله بروح منه ونصره عليهم وأنزل عليه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: من الآية ٦٧] وأنزل عليه المعوّذات والقرآن الذي كان يقرأه فيجعل الله بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً , وقصدوه بالأذى (٥) عوداً على بدْءٍ ويردّ الله كيدهم في نحورهم ويحفظه من شرورهم كما أشرنا إليه من قصة أبي جهل وما أراده سُراقة في سفر
الهجرة وأشباه ذلك كثير (٦) , والشياطين تدلّت عليه من رؤوس الجبال بالشعل من النار
стр. 149
فعلّمه جبرئيل ما يتعوّذ منهم ففعل فكفِيَ شرهم وطَفِئت نيرانهم (١) , واعترض عليه شيطان في المحراب وهو يصلي فأمكنه الله تعالى منه فخنقه وأراد أن [ق ٣٤/ظ] يربطه بسارية من سواري المسجد فذكر دعوة سليمان فأطلقه ولولا ذلك لأصبح مُوثَقاّ يلعب به الغلمان (٢) , وهذا باب واسع لا يمكن استيفاء ما ورد فيه لكثرته على أن أعداء نبيّنا ﷺ كانوا أشدّ شكيمة (٣) وأعظم عداوة , وأكبر حقْداً , وأكثر عَدداً وعُدَداً , أهل جاهليّة
стр. 150
جهلاء حتّى رمته العرب عن قوسٍ واحدة , حتى أهْلُه وبنو عمّه وعشيرته , وهو مع ذلك من قوّة القلب وثبوت الجأش بالمنزلة التي لا يَجهلها من وقف على سيرته , وتدبّر أحواله مع قومه , بما ألقى الله في قلوب أعدائه من الرهبة والجَزَع أن يهجموا عليه , ولقد (١) تَمالَأ عليه القبائل ليقتلوه كما قال (الله) (٢) تعالى مخبراً عنهم: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠] فقد كان الله سبحانه يحفظه ويصونه ويصرف عنه من أراده بالسّوء من كفّار قريش حتى صرف عنه شتمهم وسبّهم (كما أخبر ﷺ في قوله: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش وسبهم) (٣) ولعنهم فإنهم يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً وأنا محمّد» (٤) , وعن ابن عباس ﵄: أن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر , فتعاقدوا باللات والعزى , ومناة الثالثة الأخرى وإسافَ ونائلة: لو رأينا محمّداً قمنا إليه قيام رجل واحد , فلم نفارقه حتى نقتله , فدخلت فاطمة ﵍ (٥) على (٦) أبيها ﷺ وهي تبكي فقالت له: إن الملأ من قومك اجتمعوا في الحجْر فتعاقدوا [على] (٧) أن لو رأوك قاموا إليك فقتلوك , وقد عرف كل رجل منهم نصيبه من دمك , فقال: «يا بُنَيَّة أدْنِي وَضُوءاً» فتوضّأ ثم دخل عليهم المسجد فلمّا رأوه قالوا هاهو هذا
, فَعَقِروا في مجالسهم , وخفضوا رؤسهم , ولم يقم إليه منهم رجل واحد , فأقبل رسول
стр. 151
الله ﷺ حتى قام على رؤسهم فأخذ قبضة من التراب فحصَبَهُ عليهم وقال: «شاهت الوجوه» فما أصابت رجلاً منهم حصاة إلا قتله الله يوم بدر كافراً (١)؛ وعن أنس ﵁[ق ٣٥/و] قال: "إن إبليس ما بين قدميه إلى كعبيه كذا وكذا وأنّ عرشه لعلى البحر ولو ظهر للناس لعُبد , قال: فلما بعث الله محمداً ﷺ أتاه وهو بجَمْعٍ يكيده فانقَضَّ عليه جبرئيل ﵇ فدفعه بمنكبه فألقاه بوادِي الأُرْدُنّ" (٢)؛ وعن ابن عباس ﵁ قال: "لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: من الآية ١] جاءت امرأة أبي لهب إلى أبي بكر ﵁ , وأبو بكر جالس مع النبي ﷺ , فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله إنها امرأة بذيئة فلو قمت فإني أخاف عليك أن تؤذيك , فقال: «إنها لن تراني» , فجاءت فقالت: يا أبا بكر هجاني صاحبك , فقال لها أبو بكر: لا وما يقول الشعر , قالت: إنك عندي لمصدَّق (٣) وانصرفت , فقال أبو بكر: يارسول الله وما رأتك , قال: «إنه نزل ملك فسترني منها بجناحه» (٤)؛ وروى أبو مصعب المكي قال: أدركت أنس بن مالك وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة فسمعتهم يحدثون: أن النبي ﷺ قال: أمر الله سبحانه شجرةً ليلة الغار فنبتت في وجه النبي ﷺ , وأمَر العنكبوت فنسجت في وجه النبي ﷺ فسترتْه , وأمر الله حمامتين وحشيّتين فوقعتا بفم الغار , وأقبل فتيان من قريش من كل بطن رجل بِعِصِيّهم وهراواتهم وسيوفهم حتى كانوا من النبي ﷺ قدر أربعين ذراعاً فجعل كذا بعضهم ينظر في الغار فرأى حمامتين بفم الغار فرجع إلى أصحابه فقالوا له: مالك
لم (٥) تنظر في الغار , فقال: رأيت حمامتين بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد , فسمع
стр. 152
النبي ﷺ ما قال , فعرف أن الله قد [تعالى] (١) قد درأ (٢) عنه بهما فدعا لهنّ وسَمَّتَ (٣) عليهن وفرض جزاءهن وأُقرِرن في الحرم (٤)؛ ولما ظهر الخوف من أبي بكر ﵁ على (٥) النبي ﷺ قال له رسول الله ﷺ : «ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» (٦) ولمّا لحقهم سراقة بن مالك قال أبو بكر: يا رسول الله أُدركنا , قال له النبي (٧) ﷺ : «لاتحزن إنّ الله معنا» (٨)؛ ولما قدم المدينة قالت له اليهودُ: يا محمد إنّا ذَوُو عدّة وبأس شديد فاحذر أن نقتلك , فكان جماعة من المهاجرين والأنصار يحرسونه مُسْتلْئمين في السلاح يخافون عليه [ق ٣٥/ظ] اليهودَ حتى أنزل (٩) الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: من الآية ٦٧] يعني من اليهود , أي: أنا أمنعك منهم , فرَدّ الحرسَ إلى منازلهم وكان يبرز وحده في سواد الليل وبالأسحار إلى البقيع والأودية (١٠) ممنوعاً منهم لا يَصِلون إليه بسوء , وكانت هذه العصمة زيادة في عزيمته وتقوية لقلوب أصحابه وتخفيفاً عنهم وتطيباً لقلوبهم وتبييناً لصدق خبره لأنه أخبر بالعصمة في المستقبل من أيامه
والمستأنف من زمانه وذلك غيب لا يعلمه إلا الله ولا يخبر به عنه محتجّاً به مستميتاً إليه إلا رسول مبين يعلم أنه على بينة من ربه وبصيرة من أمره.
стр. 153
فإن قيل: إن عيسى ﵇ رفع إلى السماء كما قال تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: من الآية ٥٥] , قلنا: قد أعطى محمداً ﷺ ذلك على أكمل الوجوه فإن الله رفع محمداً ﷺ إلى فوق سبع سموات , وإلى سدرة المنتهى , وخرق من الحجب ما شاء الله , ورأى من آيات (١) ربه الكبرى ولم يُتوفه , وسأله عما يختصم فيه الملأ الأعلى فأخبره وعلّمه مالم يعلّمه غيرَه وعاد ببشرى من الله تعالى وقد أعطاه مالم يعط أحداً من النبيين الأولين والآخرين مع أن بعض أصحابه قد رفع إلى السماء فإن جعفر بن أبي طالب لما قاتل يوم مُؤتَة وقُطِعت يداه وقُتل جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنة (٢) , وعن عامر بن الطُّفَيل (٣) أنه رأى عامر بن فُهيرة (٤) يوم بئر مَعُونة (٥) حين قتل
رفع إلى السماء حتى إني لأنظر السماء بينه وبين الأرض (٦) , ومما يدخل في هذا الباب
стр. 154
حديث حنظلة بن (أبي) (١) عامر الرّاهب (٢) فإنه يوم تزوج بِجَميلَة بنت عبدالله بن أبيّ ابن سلول دخل بها بعد أن صلى الصبح وذلك يوم أُحُد , ثم خرج يريد النبي ﷺ بأُحُد , فأرسلت إلى أربعة من قومها فأشهدتهم أنه قد دخل بها , فقيل لها في ذلك , فقالت: رأيت كأنّ السماء فُرجت له فدخل فيها ثم أطبقت فقلت: هذه [ق ٣٦/و] الشهادة وعلقت بعبدالله بن حنظلة , فلمّا قتل حنظلة قال رسول الله ﷺ : «إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض (بماء) (٣) المزن في صحاف الفضّة» , قال أبو أسيد الساعديّ (٤): فذهبنا فنظرنا فإذا رأسه يقطر ماء (٥)
فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فأرسل إلى امرأته يسألها فأخبرته (٦) أنه خرج وهو جنب (٧) فولده يقال لهم بنو غسيل الملائكة (٨)؛ وقد طهّر الله تعالى محمّداً ﷺ من كل
стр. 155
شين , وخصّه وجمّله بكل زين , وقد جعل الذين اتبعوه فوق جميع الخلق منزلةً وقدراً إلى يوم القيامة كما أشرنا إليه من حديثه ﷺ (أنه قال) (١): «لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق إلى يوم القيامة ... » الحديث (٢).
فإن قيل: عيسى ﵇ دعا فنزلت المائدة وعليها أنواع من الطعام , قيل: دعاء محمد ﷺ (كان) (٣) أعظم نفعاً وأكثر بركة وأحسن عاقبة , فإن المائدة كان فيها طعام مخصوص لقوم مخصوصين لم يكن عامّاً لجميع المخلوقين مع أن عاقبة نزول المائدة كان شراً على من طلبها من عيسى ﵇ , فإنهم عُوقبوا إذ لم يشكروا ومُسِخوا خنازير إذ عَصَوا وادخروا , فكانت المائدة عقوبة لهم إذ عذّبهم الله تعالى عذاباً لم يعذب به من كان قبلهم , ثم ارتفعت هذا إن صحّ أنّها نزلت (٤) , فأما محمد ﷺ فإن أمّته لما شكَوا إليه الجدب واستئخار المطر عن إبّانِ زمانه فقالوا له: ادع اللهَ يُغيثنا وكان يخطب على المنبر يوم الجمعة فرفع يديه ودعا فما نزل حتى جاء المطر وجاش كل ميزاب فلم يزالوا يُمطَرُون إلى الجمعة الأخرى , فقالوا: يا رسول الله تهدمت البيوت وانقطعت السبل فادع الله (تعالى) (٥) يحبسها عنا فدعا فأقلعت وانجابت عن (٦) المدينة انجياب
الثوب وسالَ وادي قناةَ (٧) شهراً ولم يجئ أحد من ناحيةٍ إلا أخبر بالجَوْد (٨) , فدعوة
стр. 156
محمد ﷺ كانت نعمة ورحمة وبركة فإن المطر (١) خير الأرزاق لجميع المخلوقات بل هو أصل الأرزاق كلها وأساس النعم جميعها وقد أنزل الله تعالى [ق ٣٦/ظ] على جماعة من أمّة محمّد ﷺ من السّماء طعاماً وشراباً عند حاجتهم إليه , وبُورِك لآخرين في قليل الطعام والشراب حتى سَدّ مسدّ الكثير وهذا أمر معلوم معهود في أمّته , وقد روى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لما فرغت مما أمرني الله تعالى به من أمر السموات والأرض يعني ليلة المعراج قلت: يا ربّ إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرّمته , (جعلت إبراهيم) (٢) خليلاً , وموسى كليماً , وسخرت لداود الجبال يسبحن والطير , ولسليمان الريح والشياطين , وأحييت لعيسى الموتى , فما جعلت لي , قال: أوليس قد أعطيتك (٣) أفضل من ذلك كله أن لا أُذكَر إلا ذُكِرتَ معي وجَعلت صدور أمّتك أناجيل يقرؤن القرآنَ ظاهراً ولم أُعطها أمّةً , وأنزلت عليك كلمة من كنوز عرشي لا حول ولا قوة إلا بالله» (٤) وقد أشرنا إلى هذا وسيأتي حديث الإسراء فيما بعد إن شاء الله تعالى , فقد
стр. 157
ظهر فضل محمد ﷺ على أولى العزم من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بما تيسر من ذكر فضائلهم وفضائل محمّد ﷺ (لما) (١) قابلنا بينهما , وأنه لم يؤتَ أحد منهم فضيلة إلا وقد أُعطي محمد ﷺ مثلها وأعظم , و [قد] (٢) خُصّ بما لم ينالوا من جنسه شيئاً كما أشرنا إليه وكما ندلّ فيما بعد إن شاء الله تعالى عليه , ونحن نذكر بمشيئة الله تعالى وعونه وحسن توفيقه مما ورد في فضل غيرهم من الأنبياء (وإن كان الفضل للمتقدم , فإن محاسن الأنبياء) (٣) ومعجزاتهم تتوق الأنفس إلى سماعها ونبيّن فضل ما أوتي محمد ﷺ وعليهم على نحو ما تقدم من شأن أولي العزم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فصل
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [ مريم: ٥٧ - ٥٨] ولا ريب أنّ منزلة محمد ﷺ من الصّدّيقية والنبوة أعظم [ق ٣٧/و] من منزلة إدريس ﵇ , وأمّا رفعته إلى المكان العلي فغيره من الأنبياء رفع إلى أعلى مكانة (٤) كما سيأتي في ذكر المعراج والإسراء , وأن محمّداً ﷺ علا فوق منزلة إدريس ﵇ وفوق منزلة من هو فوقه , فإنه رفع فوق سبع سموات وفوق سدرة المنتهى ,
وطيفَ به في جنة المأوى , بعد أن دنا من ربّه تعالى فتدلى , فكان قاب قوسين أو أدنى , ورأى من آيات ربّه الكبرى , والحديث في الصحاح والسنن والمساند وغيرها من السّير وكتب العلم مشهور معروف فقد حصل له في الرفع البَدَني مالم يحصل لملَك مقرّب ولا نبيّ مُرسَل , فأما رفع القدر والمنزلة فقد قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشَّرح: ٤] روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشَّرح: ٤] قال:
стр. 158
«قال لي جبريل: قال الله تعالى: إذا ذُكِرتُ ذُكِرتَ معي» (١) فرفع الله تعالى له ﷺ شأنه , وأقام برهانه في الدنيا والآخرة بأن قرن اسمه مع اسمه في الشهادة بربوبيّته وتوحيده في مشارق الأرض ومغاربها فليس خطيبٌ ولا مصَلٍ ولا داعٍ إلا ينادي بذكره مع ذكر الله (تبارك) (٢) وتعالى.
وأما هود ﵇: فقيل إن الله تعالى فضله بأن انتصر له من أعدائه بالريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرّميم , قلنا لمحمّد ﷺ أفضل من ذلك فإن الله تعالى انتصر له من أعدائه يوم الخندق بالريح أيضاً وبالملائكة الكرام كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: من الآية ٩]؛ روى أبو نعيم عن ابن عباس ﵄ قال: لما كان يوم الأحزاب انطلقت الجَنُوبُ إلى الشَّمال فقالت: انطلقي بنا ننصر محمّداً ﷺ , فقال الشمال: إن الحُرّة لا تسري إلا بليل , فأرسل الله عليهم الصَّبا , فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: من الآية ٩] (٣)؛ وفي الصحيح عنه ﷺ [ق ٣٧/ظ] أنه قال: «نُصِرتُ بالصّبا وأُهلِكَت عادٌ
بالدَّبُور» (٤) فإنّ يوم الخندق لمّا تألّب الأحزاب على المسلمين واشتدّ (الأمر) (٥) عليهم
стр. 159
كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: من الآية ١٠] أرسل الله على الأرض ريحاً شديدة في ليلة عظيمة البرد فجعلت تَكْفَأُ قدورَهم وتَطرَحُ أبنيَتهم فكان يُسمَع في تلك الليلة أصوات كالصواعق فألقى الله تعالى في قلوبهم الوهن والخوف والجزع قال حذيفة ﵁: وما أتت علينا ليلةٌ قط أشدّ ظلمةً (١) ولا أشدّ بَرداً ولا أشدّ (٢) ريحاً منها (٣) , أصوات ريحها أمثال الصّواعق وهي ظلمة , ما يرى أحدنا إصبعَه , واختلفت كلمة المشركين ووقع التخاذل بينهم , فقال أبو سفيان: يا معشر قريش والله ما أصبحتم بدار مقام , والله لقد هلك الكراع والخُفُ واخلفَتْنا بنو قريظة وبَلَغَنا عنهم الذي نَكْرَهُ ولقينا مِن شدّة الريح ما ترون ما تَطمئن لنا قِدْرٌ ولا تقوم لنا نارٌ ولا يستمسك لنا بناء فارتحِلوا إنّي مرتحِل , وكانت هذه الشدّة خاصّة على الكفار , فإن حذيفة بن اليمان ﵁ لمّا بَعثَه النبي ﷺ لينظر له خبر القوم في الليل قال (٤): فكنت كأنما أمشي في دِيماسٍ -يعني: حماماً- حتى رجَعْتُ (٥).
فصل
وأما صالح ﵇ - فقيل إن فضيلته في أن أخرج الله (تعالى) (٦) له ناقةً جعلها له على قومه حجّةً وآيةً , وجعل في لبَنها البركة فكانت تشرب يوماً ماء نهرهم ويشربون يوماً لبَنها كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] قلنا:
стр. 160
لمحمد ﷺ من الآيات الخوارق أعجب من هذا فإن اللبن معهود من النُّوق وإخراج الماء (من بين الأصابع أمر غير معروف فإن محمداً ﷺ كان إذا قلّ الماء عليهم دعا بالقدح ووضع أصابعه فيه فيتفجر الماء عيوناً) (١) من بين أصابعه حتى يرتوي القوم ودوابهم ويتزوّدوا وهم الجمّ الغفير والخلق الكثير حتى قيل لبعضهم: كم كنتم , قال: لو كنا مائة ألف لكفانا (٢) , ولم يعرف هذا لنبيّ قبله وكذلك كان [ق ٣٨/و] يطعمهم من الطعام اليسير فيشبعون ويتزودون ولو كانوا ألوفاً من طعام يكون قدر ما يكفي الواحد والاثنين ونحو ذلك , وقد كان محمد ﷺ يمسح ضرع الشاة الحائل فيَدُرّ لبَنُها فيحلب منها ويبارَك فيه وأبلغ من ذلك أنه مسَح ضرع الشاة التي لم يَنْزُ عليها الفحل فدرّت لبناً كما في حديث ابن مسعود (٣) وحديث أم مَعْبَد (٤) وغير ذلك وفي حال طفوليته وهو عند ظئره حَليمة وما أظهر الله تعالى من البركة في درّها ودرّ شارفها وقوّتها وقوّة أتانها حتى حلبوا وشربوا ورَوُوا ورَوِيَ ولدها ونامُوا وما كانوا ينامون الليل من بكائه وصارت أتانها تسبق
стр. 161
القومَ بعد ما كانت لا تلحقهم إلا مع شدة (شديدة) (١)(٢) فكل ذلك محض بركةٍ أظهرها الله تعالى به وأجْراها على من أجراها بسببه ولم يكن حينئذ في معرض إظهار معجزة وإقامة حجة ودعاءٍ إلى نفسه وإن كانت مما يُستشهد بها في ثاني الحال على شرفه وعظم شأنه وعلوّ مكانه وصدقه في دعواه ﷺ ؛ وأما ناقة صالح ﵇ وعظم خلقها وبديع شكلها وتذليل الله تعالى (لها) (٣) في يده فهذا شئ خُلِقَ لإبْرام أمْرٍ أراده الله تعالى لا يتم إلا على هذا الوجه وإنّما خُلقت لتطيعه وتَذِلّ وهي كانت مُعجزته الشاهدة برسالته والمصدّقة بنبوته والمعجزة الخارقة في تذليل المستصْعَبِ من الإبل المعتادِ صيالُها المعهودِ نُفورُها فإن محمداً ﷺ ذُللَّ له المُسْتَصْعَبُ من الإبل كما في حديث جابر ﵁ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ فإذا جمل نادٌّ من صاحبه حتى إذا كان بين السِماطين خرّ ساجداً لرسول الله ﷺ فقال: «مَن صاحبُ هذا الجمل» فإذا فِتْيَةٌ من الأنصار قالوا: هو لنا يا رسول الله , قال: «فما شأنه» , قالوا: سَنَيْنا (٤) عليه مُنذ عشرين سَنة وكانت به شُحَيمة , فأردنا أن ننحره فنقسمه بين غلماننا فانفلتَ منّا , قال: «تبيعونه» , قالوا: لا بل هو لك يا رسول الله , قال: «أمّا لي فأحسنوا إليه حتى يأتي
أجَلُه [ق ٣٨/ظ]» (٥)؛ وفي رواية عنه قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من سفر , حتى دُفعنا إلى حائطٍ من
стр. 162
حيطان بني النجّار , فإذا فيه جمل عظيم قَطِمٌ يعني هائجاً لا يدخل الحائط أحد إلا شدَّ عليه , فجاء النبي ﷺ حتى أتى الحائط فدعا البعير فجاءه (١) واضعاً مَشْفِرَهُ في الأرض , حتّى بَركَ بين يديه , فقال النبي ﷺ : «هاتوا خِطاماً» , فخطمَه ودفعه إلى أصحابه , ثم التفت إلى الناس , فقال: «إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله غيرَ عاصي الجنّ والإنس» (٢)؛ وعن ثعلبة بن أبي مالك (٣) قال: (اشترى) (٤) إنسان من بني سَلِمَة جملاً ينضح عليه فأدخله مربداً فجرَّهُ كيما يعمل , فلم يقدر أحد أن يدخل عليه إلا تخبّطه فجاء رسولَ الله ﷺ فذكر ذلك له (٥) , فقال: «افتحوا عنه» , فقالوا: نخشى عليك يا رسول الله , قال: «افتحوا (عنه) (٦)» , ففتحوا فلمّا رآه الجمل خرّ ساجداً فسبّح القوم وقالوا: يا رسول الله نحن كنّا أحقّ بالسجود لك من هذه البهيمة , قال: «لو ينبغي لشيء من الخلق أن يسجد لشيء من دون الله
لانبغى (٧) للمرأة أن تسجد لزوجها» (٨)؛ وعن عائشة ﵂ قالت: كان لآل رسول الله ﷺ وحش , فكان رسول الله ﷺ إذا خرج قام فأقبل وأدبر , فإذا دخل النبي ﷺ رَبَض فلم يترمرم كراهية أن يُؤذِيَه (٩).
стр. 163
فصل
وأما ردّ الشمس ليوشع بن نون ﵇ - فإنها لم تَرُدَّ بعد غروبها ولكنها وقفت بدعائه , وذلك أنه كان في غزوٍ وأشرف على الفتح وكادت الشمس أن تغيب فخاف إن غابت أن لا يتم له أمر الفتح فدعا الله تعالى فقال: اللهم إني مأمور وإنها مأمورة فاحبسها علي شيئاً حتى يفتح لي فحبسها الله تعالى له (١) ولا ريب في إجابة دعاء الأنبياء والصالحين لا سيما في أمور الدين , والمعجز الكبير الذي أوتيئه محمد ﷺ من هذا الجنس أعظم وهو انشقاق القمر (نصْفَين لما سأله المشركون آية فأراهم القمر) (٢) وقد انشقّ حتى رأوا الجبل بين الشّقتين [ق ٣٩/و] فقال للنّاس (٣): «اشهدوا» (٤) وجاء من كان غائباً فأخبر
أنه رآه منشقاً كذلك , فقال بعضهم: إن كان محمّد قد سَحَرنا فلم يكن سَحَر الناسَ كلهم (٥) , وانشقاق القمر كذلك أعظم من وقوف الشمس على حالها وهيئتها.
стр. 164
فصل
وأما داود ﵇ - فقد قال الله تعالى في حقه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١] فمحمّد ﷺ قال الله تعالى (له) (١): ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] فجعل الفضل الذي آتاه داود ﵊ فضلاً مُرسَلاً , وجعل الفضل الذي آتاه محمداً ﷺ فضلاً عظيماً , وأما قوله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: من الآية ١٠] فالحَصى من جنس الجبال وكان يسبّح في يد محمّدٍ ﷺ بل وفي أيدي أصحابه رفعةً لشأنه وبياناً لبرهانه , روى أبو نعيم وغيره عن سويد بن يزيد قال: كنت اتتبع رسول الله ﷺ في خلواته فدخلت ذات يوم المسجد فإذا هو فيه فجئت فجلست , فبينا أنا جالس إذ جاء أبو بكر ﵁ , فقال رسول الله ﷺ : «ما جاء بك (يا أبا بكر) (٢)» , فقال: إلى الله وإلى رسوله , فجلس (عن يمين) (٣) رسول الله ﷺ , ثم جاء عمر ﵁ , فقال: «ما جاء بك يا عمر» , قال: إلى الله وإلى رسوله , قال: فجلس عن شمال رسول الله ﷺ , قال: ثم جاء عثمان , فقال له: «ما جاء بك يا عثمان» , فقال: إلى الله وإلى رسوله , قال: فأخذ رسول الله ﷺ سبع حصياتٍ فسبّحن في يده حتى سمعت حنينهنّ كحنين الإبل ثم وضعهن فخَرِسْن , ثم أخذهن فدفعهن في يدا أبي بكر ﵁ , قال: فسبّحن في يده حتى سَمِعتُ حنينَهن كحنين النّحل ثم وضعهن فخَرِسْن , ثم أخذهن فدفعهن في يد عمر ﵁ فسبحن في يده
стр. 165
حتى سمعت حنينهن كحنين النّحل ثم وضعهن فخَرِسن (١)؛ وعن علقمة [ق ٣٩/ظ] عن عبدالله ﵁ قال: كنّا نأكل عند النبي ﷺ فنسمع تسبيح الطّعام (٢)؛ وأما تأويب الطير معه فإنه ﵊ كان حسن الصّوت إذا قرأ الزبور جاوبته الجبال والطّير , فقد كان في أصحاب محمد ﷺ من أوتي مثل ذلك , فقد سمع النبي ﷺ ليلة قراءة أبي موسى الأشعري ﵁ فقال (٣): «لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود» (٤) , وروى أبو عمر بن عبدالبَرّ في الاستيعاب عن أبي عثمان النهديّ أنه قال: أدركت الجاهلية فما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار أحسن من صوت أبي موسى بالقرآن وإن كان ليصلي بنا صلاة الصبح فنَودّ لو قرأ بالبقرة من حسن صوته , قال أبو حفص فحدثت به يحيى بن سعيد فاستحسنه واستعادَنيه غير مرّة (٥)؛ فأما هو ﷺ فقد ثبت في صحيح البخاري عن البراء بن عزاب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في العشاء: ﴿وَالتِّينِ
وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ [التين: ١] فما سمعتُ أحداً أحسن صوتاً منه أو قراءة (٦) , ولمّا سمعت الجنّ قراءته (قالوا: إنا سمعنا قرآناً) (٧) عجباً يهدي إلى الرشد , وأعجب من ذلك نزول السّكينة لقراءة بعض أصحابه وهو أُسَيدُ بن حُضَير ﵁ (٨) فإنه كان يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه
стр. 166
فرس مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر منها فلمّا أصبح ذَكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «تلك السكينة (١) نزلت للقرآن» (٢) وفي رواية أخرى قال: «تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبح الناس ينظرون إليها لا تتوراى منها» (٣) وكان حسن الصّوت , فدنوّ السكينة والملائكة لسماع قراءة ابن خضير أعظم من تسمّع الجبال والطير والوحش لصوت داود ﵊ , وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ قال: "سجد النبي ﷺ بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس" (٤) , وقد سخّر الله تعالى لنبينا ﷺ من الوحش والبهائم [ق ٤٠/و] ماهو أعظم من الطير كالذئب الذي نطق بنبوته وشهد برسالته وكالجمل الشارد الذي سجد له وانقادَ إلى طاعته (٥)؛ وروى أبو سعيد الخدريّ ﵁ قال: بينا راعٍ بالحَرَّة إذِ انتَهَز الذِّئبُ شاةً فتبعه الراعي فحال بينه وبينها , فأقبل الذئب على
الراعي فقال: يا راعي ألا تتقي اللهَ تحول بيني وبين رزق ساقه الله إليّ , فقال الرّاعي: العَجب من ذئب مقعياً على ذنبه يكلمني بكلام الإنس , فقال الذئبُ: ألا أخبرك بما هو أعجب من هذا؟ رسول الله ﷺ بين الحَرَّتين يدعو الناس إلى أنباء ما قد سبق , فَساق الرّاعي شاءَهُ حتّى أتى المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ثم دخل على النبي ﷺ فأخبره بما قال الذئب , فخرج رسول الله ﷺ فقال للراعي: «أخبرهم بما قال الذئب» فقال رسول الله ﷺ : «صدق الراعي , إنّ من أشراط الساعة كلامَ السّباع الإنسَ والذي نفسي بيده لا تقوم السّاعة حتى تكلّم السّباعُ الإنسَ» (٦)؛ وعن حمزة بن أبي أسيد (٧) قال:
стр. 167
خرج النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار إلى بقيع الغرقد , فإذا الذئب مفترش ذراعيه قال رسول الله ﷺ : «هذا أويس يستقضي فافرِضوا له» قالوا رأيَك يا رسول الله , قال: «لكل سائمة (١) شاة في كل عام» , فقالوا: كثير , «فأشار إليه أن خالِسْهم» (٢)؛ وعن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن عبدالله ﵁ قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في سَفرٍ فدخل رجل غَيْضةً (٣) فأخرج منها بيض حُمَّرة , فجاءت الحُمَّرة تَرِفُّ على رسول الله ﷺ فقال: «أيّكم فَجَع هذه؟ » , قال رجل: أنا أخذت بَيْضها , فقال: «رُدَّه رحمةً لها» (٤)
؛ وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة أبعد المشي , فانطلق يوماً لحاجته , ثم توضأ ولَبِسَ أحدَ خُفيه , ثم جاء طائر أخضر فأخذ الخُفّ الآخر , فارتفع به ثم ألقاه فخرج منه أسود سالخ فقال رسول الله ﷺ : «هذه كرامة أكرمني الله تعالى بها» ثم قال رسول الله ﷺ [ق ٤٠/ظ]: «اللهم إني أعوذ بك من شر من يمشي على رجلين , ومن شر من يمشي على بطنه , ومن شر من يمشي على
стр. 168
أربع» (١) , وأعجب من هذا تسخير (٢) السَبُع لغلامه سَفِينة (٣) , لمّا ضلّ مرّ به الأسد فلمّا رآه قال: أنا سَفِينة مولى رسول الله ﷺ فهَمْهَمَ الأسَدُ به ودَلّه على الطريق (٤)؛ وأما إلانة الحديد لداود ﵇ فإنّ إلانَةَ الحديد معروفة بالنّار وقد ألان الله تعالى الحجارة لمحمد ﷺ ولا يعرف لينُ الحجارة لا بالنار ولا بغيرها وهذا أبلغ , فإن الله تعالى ألان لمحمّد ﷺ صخرة بيت المقدس حتى صارت كهيئة العجين فخرقها بيده وربَط فيها البراق (٥) ,
وكذلك حجر كان في بعض شعاب مكة أصَمّ صَلدٌ استروح إليه (٦) في صلاته فَلان له حتى أثّر فيه بذراعيه وساعديه (٧) , ويوم أُحُد مال برأسه إلى الجبل ليُخفي شخصه عنهم فليّن الله تعالى له الجبل حتى أدخل (فيه) (٨) رأسه (٩) , وتحرّك الجبل (مرّةً) (١٠) تحته فقال:
стр. 169
«اسكن فما عليك إلا نبيّ أو صديق أو شهيد (١)» وكان عليه هو (٢) ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ (٣) , وهذا (٤) وأمثاله أعجب من إلانة الحديد لداود ﵇ , وأعجب من هذا أنه كان إذا مشى على الصخر لان تحت أقدامه وإذا مشى على الرمل لايؤثر قدمه فيه (٥) خرقاً للعادة الجارية على أنّ محمّداً ﷺ أعطي من تسخير الجبال ما لو شاء
لصارت جبال مكّة معه ذهَباً وقال له مَلَكُ الجبال: إن شئت أن أُطْبِقَ عليهم الأخْشَبَينِ يعني جَبلي (٦) مكّة على الكفّار فقال ﷺ : «بل أرجو أن يُخْرِجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد الله تعالى لا يشرك به شيئاً» (٧).
стр. 170
فصل
وأما ما أوتي سليمان ﵊ فإنه قال: رب اغفر لي وهب لي مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب , يقول الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٦ - ٣٩] فقد أعطي محمد ﷺ أعظم من ذلك فإنه ﷺ قال: «زُوِيَتْ لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإنّ ملك أمّتي سيبلغ ما زوي لي منها» (١) وقد أعطاه الله تعالى مفاتيح خزائن الأرض فأباها [وردها] (٢) بحذافيرها وعرضَ له أن يجعل (له) (٣) بطحاء مكّة ذهباً فقال: «لا يا رب - ثلاثاً-[ق ٤١/و] , فإذا جُعتُ تضرّعتُ إليك وذكرتُك , وإذا شبعتُ حمدتك وشكرتك» (٤) واختار ﷺ أن يجوع يوماً ويشبع يوماً فإذا جاع صَبر وتضرّع إلى الله , وإذا شبع حمد الله
وشكره (٥) , وهاتان الحالتان الصبر والشكر هما من أرفع مراتب العبادة التي يحصل بها المُلْك الكبير الذي لا ينقطع وهو ﷺ مَلِك الآخرة من بني آدم , وفي حديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أُتيتُ بمقاليد الدنيا على فرس أبلق» كما سيأتي , وقد قال ﷺ لعائشة ﵂: «يا عائشة لو شئتُ لسارت معي جبال الذّهب , جاءني ملك إنّ حُجزته (٦) لَتُسَاوِي الكعبةَ , فقال: إنّ ربّك يقرأ عليك السّلام (٧) ويقول لك: إن شئت نبيّاً عبداً وإن شئت نبيّاً مَلِكاً , فنظر إليّ جبريل فأشار إليّ أن ضَعْ نفْسك , فقلت: نبيّاً عبداً» (٨) والأحاديث في ذلك مشهورة كثيرة.
стр. 171
فإن قيل: إن سليمان ﵇ سُخرت له الرّيح تسير به في بلاد الله تعالى , وكان غدوّها شهراً ورواحها شهراً , قلنا: الذي أعطي محمّد ﷺ أعظم فإنه سار في ليلة واحدة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو مسيرة شهر , وعرج به في ملكوت السموات مسيرة خمسين ألف سنة في أقلّ من ثُلث ليلة فدخل السموات سماءً سماءً , ورأى عجائبها , وطيف به في الجنّة , وعرضت عليه النار , وعرضت عليه أعمال أمّته , وصلى بالأنبياء وبملائكة السموات , وخرق من الحُجُب ما لا يعلمه إلا الله , وأراه الله من آياته الكبرى , ثم دنا فتدلى , فكان قاب قوسين أو أدنى , فأوحى إلى عبده ما أوحى , وأعطاه الله تعالى خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش , وعهد إليه أن يظْهر دينه على الأديان كلّها حتى لا يبقى في شرق ولا غرب إلا دينه , أو يؤدّي إلى (١) أهل دينه الجزية عن يد وهم صاغرون , وفرض عليه الصلوات الخمس , ولقي
موسى عليهما الصلاة والسلام , وسأله مراجعة ربه تعالى في التخفيف عن أمّته مراراً؛ هذا كله في بعض ليلةٍ فأيّما أعجب.
فإن قيل: (إنّ) (٢) سليمان سُخرت له الجن وأنها كانت تعتاص عليه حتى يصفّدها كما ذكر الله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٨] , قيل: ما أعطي محمد ﷺ أعظم وذلك أن النّفر التسْعة (٣) الذين هم أشراف الجن وعظماؤهم (٤) [ق ٤١/ظ] الذين وصفهم الله تعالى فقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ... ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٩]
стр. 172
فإنهم أتوه طائعين راغبين في دينه , معظّمين لشأنه , مصدّقين لرسالته ولما جاء به , مؤمنين بنبوّته , متّبعين لأمْره , مستمدّين منه , ومستمنحين له , سائلين لهم ولدوابّهم الزّاد والعلف , فجعل لهم كلّ عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديهم أوفر ما يكون لحماً , وكل روثة وبعرة علف لدوابهم , وعند ذلك نهى [النبي] (١) ﷺ المسلمين أن يستنجوا بهما وقال: «إنهما طعام إخوانكم الجن» (٢) , فجعل الجن إخوان المسلمين , ثم إن محمّداً ﷺ كان يجتمع بهم ويعلمهم ويتلو عليهم القرآن , فلمّا سمعوه قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) ... ﴾ الآيات [الجن: من الآية ١ - ٧] وأقبلت إليه وفودهم ليلة الجنّ المعروفةَ ألوفاً (٣) مؤلّفة متبايعين له على الصوم والصلاة (٤) والنصح للمسلمين , واعتذروا إليه عن قولهم على الله سبحانه الشّطط , فإنهم كانوا يزعمون أن لله (٥) ولداً , فسبحان من سخّرهم له وأذل أعناقهم بين يديه , ولقد تمرّد عليه في بعض الأوقات عفريت ليقطع عليه صلاته (قال) (٦): «فأمكنني الله منه فذعَتُّه حتى سال لُعابُه على يدي فذكرت دعوة أخي سليمان فأطلَقتُه ولولا ذاك لأصبح مُوثَقاً يلعب به الوالدان» وقد تقدم ذلك , فهذا الغاية القصوى والدرجة العليا في التمكين والتمكن منهم والتحكّم فيهم حتى يصير العفريت الذي أُعطي من القوّة ما يحمل الجبل فَيَقلِبُه أعلاه أسفلَه , آل حاله معه في الذل إلى
стр. 173
أن أراد أن يسلّمه إلى ولدان أهل المدينة يلعبون به فأيّ حكم أبلغ من هذا , وتسخيرهم لسليمان ﵊ كان في الأعمال الدنيوية ومحمد ﷺ كان معرضاً عنها وغاية ما كان يحتاج من العون في الجهاد وقتال المشركين فأعطاه الله تعالى أصحاباً كَفاه بهم ما أراد وزيادة وأمدّه عند الحاجة بالملائكة (فقاتَلوا معه ولو أراد أن يسخّر الجن لما امتنع عليه , فكان إمداده بالملائكة) (١) أعظم من عون الجنّ والإنس؛ وتحصنه من [ق ٤٢/و] مردة الشياطين بالأذكار التي علّمه رَبُّه تعالى إيّاها وعلّمها (هو) (٢) ﷺ (أصحابَه) (٣) معلوم يضيق هذا الموضع عن استقصائه , وروى أبو نعيم عن عبدالله بن كثير بن جعفر بن أبي كثير (٤) قال حدثنا كثير بن عبدالله (٥) عن أبيه عن جدّه عن بلال
بن الحرث (٦) قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فخرج لحاجته , وكان إذا خرج لحاجته أبعدَ فأتيته بإدواة من ماء فانطلق , فسمعت عنده خصومةَ رِجال ولغطاً لم أسمع مثلها , فجاء فقال: «بلال» , فقلت: بلال , (قال) (٧): «أمعك ماء» , قلت: نعم , قال: «أصبتَ» وأخَذه مني فتوضأ , فقلت: يا رسول الله سمعت عندك خصومةً
стр. 174
ولغط رجالٍ ما سمعتُ (١) أحَدّ من ألسنتهم , قال: «اختصم عندي الجنّ المسلمون والجنّ المشركون , سألوني فأسكنتُ المسلمين الجَلْسَ وأسكنت المشركين الغورَ» قال عبدالله بن كثير: قلت لكثير [بن عبدالله] (٢): ما الجَلْس , قال: القرى والجبال , والغور: ما بين الجبال والبحار , قال كثير: ما رأينا أحداً أصيب بالجلس إلا سلم ولا أصيب أحد بالغور إلا لم يكد يسلم (٣)؛ وعن أبي أُسَيد الخزرجي (٤) أنه قطع ثمر حائطه وجعله في غُرفة له فكانت الغُول تخالفه إلى مَشربته فتَسرق ثمره (٥) وتُفْسِدُ عليه , فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فقال: «تلك الغُول يا أبا أسيد (٦) , فاستمع لها فإذا سمعت اقتحامها - يعني: وجبتها - فقل: بسم الله أجيبي رسول الله ﷺ » فأخذها , فقالت الغول: يا أبا أسيد اعفني أن تكلفني اذهب إلى نبي الله ﷺ وأعطيك موثقاً من الله أن لا أخالفك إلى بيتك ولا أسرق ثمرك وأدلّك على آية من كتاب الله تعالى لتقرأها على بيتك فلا يُخالَفُ إلى أهلك وتقرأ بها على إنائك فلا يُكشف غطاؤه (٧) , فأعطَتْهُ الموثق الذي رضي به منها , فقال: والآية التي قلتِ أدلك عليها , (قالت) (٨): هي آية الكرسي , ثم حَلَّت استها تضرط , فأتى النَّبي ﷺ فقصّ عليه القصّة , قال: جئتُ ولها ولها , فقال النبي ﷺ : «صدقت وهي كذوب» (٩)؛ وعن أبيّ بن كعب [ق ٤٢/ظ]﵁ أنه كان له جُرن (١٠) فيه تمر , وكان يتعاهدها فوجده ينقص فحرسَه ذات ليلة فإذا بدابّةٍ شبه الغلام المحتلم , قال: فسلّمت فردّ السلام , فقال: من أنتَ , أجنّ أم إنس , قال: لا بل
стр. 175
جنّ , قال: قلت: ناولني يدك , فناولني يده , فإذا يد كلب وشعر كلب , فقلت: أهكذا خَلْقُ الجنّ , قال: قد عَلِمَتِ الجنّ ما فيهم أشدُّ مني , قلت: وما حملك على ما صنعت , قال: بلغنا أنك رجل تحبّ الصدقة وأحببنا أن نصيب من طعامك , قال له أبيّ: فما الذي يجيرنا منكم , قال: آية الكرسي , فجاء النّبيَّ ﷺ فأخبرَه بذلك , فقال: «صَدَق الخبيث» (١).
وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه كان له سَهْوة (٢) له فيها طعام , فكانت الغول تجيء فتأخذ منه , فشكاها إلى النبي ﷺ فقال: «إذا رأيتها فقل: بسم الله , أجيبي
رسول الله» قال: فجاءت , فقال لها فأخذها , فقالت: إنّي لا أعود , فأرسلها , فجاء فقال له النبي ﷺ : «ما فعل أسيرك» , فقال: أخذتها فقالت لا أعود فأرسلتها , فقال: «إنها عائدة» , فأخذتها مرتين أو ثلاثاً كل ذلك (تقول) (٣): لا أعود , وَيجيء إلى النبي ﷺ فيقول: «ما فعل أسيرك» , فيقول (٤): أخذتها فقالت لا أعود , فيقول: «إنها عائدة» , فأخذتها فقالت: أرسلني وأعلّمك شيئاً تقوله ولا يقربُك شيء آية الكرسي , فأتى النّبيَّ ﷺ فأخبره فقال: «صَدَقَتْ وهي كذوب» (٥) , وعن أبي هريرة ﵁ قال:
стр. 176
وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان فذكر نحوه (١)؛ وعن أبي الأسود الدّؤليّ قال: قلت لمعاذ بن جبل ﵁ أخبرني عن قصّة الشيطان , قال: جعلني رسول الله ﷺ على تمر الصّدقة , فكنت أدخل الغرفة فأجد في التمر نقصاً فذكرته لرسول الله ﷺ فقال: «إن الشيطان يأخذه» , قال: ودخلت الغرفة وأسْفَقْتُ الباب عليّ فجاء سوادٌ (٢) عظيم , فغشي البابَ ثم دخل من شَقّ الباب ثم تحول في صورة فيل , وجعل يأكل , فشددتُ ثوبي على وسطي , فأخذته فالتفَّت [ق ٤٣/و] يداي على وسطه قال: قلت: ياعدوّ الله ما أدخلك بيتي تأكل التمر؟ , قال: أنا شيخ كبير فقير ذو عيال وقد كانت لنا هذه الغُرفة قبل أن بُعث صاحبك فلمّا بعث خرجنا منها ونحن من جنّ نصيبين , خَلِّ عني فإني لن أعود إليك , وجاء جبريل ﵇ فأخبر النَّبي ﷺ بخبره , فلمّا صلّى الغداة نادى مناديه أين معاذ؟ , ما فعل أسيرُك؟ فأخبرته , فقال: «أما إنه سَيعود إليك» فجئت إلى الغرفة ليلاً وأغلقت الباب , فجاء فجعل يأكل التمر فقبضت يدي عليه فقلت: يا عدوّ الله , قال: إني لن أعود إليك بعد , قال: قد قلت: إنك لا تعود , قال: فإني أخبرك
بشيء إذا قلتَه لم يَدخل الشيطان البيتَ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... ﴾ إلى آخر السورة [البقرة: ٢٨٤ - ٢٨٦] (٣)؛ وروى الدّارميّ في جامعه عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: لقي رجل (٤) من أصحاب محمد ﷺ رجلاً من الجنّ , فصارعَه فصرعه الإنسيّ , فقال له الإنسيّ: إنّي لأراك ضَئيلاً شَحيباً (٥) , كأنّ ذُرَيِّعَتَيْك ذُرَيِّعَتا كلب , فكذلك أنتم معشر الجن , أم أنت من بينهم كذلك؟ , قال: لا والله إنّي منهم لضليع , ولكن عاوِدني الثانية ,
стр. 177
فإن صرعتَني علّمتك شيئاً ينفعك , [فعاوده فصرعه , قال: هات علمني] (١) , قال: نعم , قال: تقرأ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٥] , قال: نعم , (قال) (٢): فإنك لا تَقرأوها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خَبَجٌ كخَبَج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح , قال الدارمي: الضئيل: الدقيق , والشحيب: المهزول , والضّليع: الجيّد الأضلاع , والخبج: الريح يعني الضراط (٣)؛ وأبلغ من ذلك أن عماراً ﵁ صارع جنيّاً فصرعه عمّار (٤) ﵁؛ وإن صح حديث قتال علي بن أبي طالب ﵁
للجنّ في بئر ذات العلم كان غاية في هذا الموضع , وقد رواه من الحفاظ أبو الفضل ابن ناصر (٥) شيخ ابن الجوزي ولكن ردّه غيره وقالوا (٦) الحديث فيه موضوع فالله أعلم (٧) , والمقاتلة إنما مع العاصي , والجنّ
стр. 178
قد جاءوه طائعين فما [ق ٤٣/ظ] احتاج إلى قتالهم , وذلك أبلغ ممن كان يستعصي على سليمان ﵊ حتى يُصَفدهم ويستعملهم.
فإن قيل: إن سليمان ﵊ سخرت له الجنّ يستعملهم في أمور الدنيا فكانوا يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وكان يستعملهم و (١) يستعين بهم في أموره ويكلفهم ما أحبّ (٢) , قلنا: نعم وذلك فضيلة عظيمة ونعمة [جسيمة] (٣) كبيرة مما أنعم به على آل داود ﵇ و (لكن) (٤) سليمان ﵇ طلب ذلك فإنه سأل ربَّه من المُلْك الذي لا يؤتاه غيره , فكان من مقتضى ذلك الأعمال الصّعبة التي لا يقدر عليها بنو آدم فسخّر الله تعالى له الجنّ يعملونها له , ومحمّد ﷺ لما عُرض عليه الملك وأن تجرى له بطحاء مكة وجبالها ذهباً
اختار الفقر على الملك (٥) لما أراد الله تعالى (له) (٦) من عظم المنزلة في الآخرة , فلم يحتج إلى عمل يُكَلف فيه الجن , وإنما كان يحتاج إلى الجهاد , وكان في أصحابه ﵃ كفاية , ولمّا احتاج في بعض الأوقات إلى مزيد (٧) مساعدة في الجهاد أنزل عليه الملائكة فقاتلت معه , فكان عون محمد صلوات الله وسلامه عليه بالملائكة أعظم من عون سليمان ﵊ بالجن , وقد أشرنا إلى نحو ذلك فيما تقدم , وأما أمور محمد ﷺ الدنيويَةُ التي احتاج فيها إلى مساعد ومعاضد فإنه لما تظاهر عليه بعض أزواجه في الغيرة أنزل الله تعالى يخوفهن من التظاهر والتواطؤ عليه فيما يسوؤه فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: من الآية ٤] فأيّ ظهير أعظم من هذا وأيّ ناصر أقوى من هذا ,
стр. 179
فكانت الملائكة المقرّبون أنصاره ﷺ , وأعوانه , يقاتلون بين يديه في الحروب كفاحاً , ويمنعون عنه, ويدافعون دونه , ولمّا تواعدت قريش ليأخذوه فيقتلوه , وقد دخل المسجد يصلّي , فسمعوا صوتاً ما ظنّوا [ق ٤٤/و] أنّه بقي بتهامة جبل إلا نتق فغشي عليهم فما عقلوا حتى قضى صلاته , ثم رجع إلى أهله سالماً , ثم تواعدوا عليه مرّة أخرى , فنهضوا عليه فجاء الصَّفا والمروة حتى [التقت] (١) إحداهما (٢) بالأخرى , فحالتا بينه وبينهم (٣) , ولمّا حلف أبو جهل ليطأنّ عنقه إن رآه مصلّياً فلما همّ بذلك لم يفجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه وقال: رأيت بيني وبينه خندقاً من نار وأهوالاً وأجنحة فقال رسول الله ﷺ لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضواً عضواً وقد تقدم ذلك.
فإن قيل: إن سليمان ﵊ كان عنده من عُلماء الكتاب مَن أتى بعرش بلقيس (قبل أن يرتدّ إليه طرفه) (٤) , قيل: لنبيّنا ﷺ أعظم منه ففي حديث الإسراء أن قريشاً لمّا كذّبته في حديثه عن بيت المقدس وكان فيهم من قد رأى المسجد قالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ , قال: «نعم» , قال: «فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس علَيّ» وكان قد جاءه ليلاً , قال: «فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وُضع دون دار عَقيل فَنَعَتُّ المسجدَ وأنا أنظر إليه» , فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب (٥)؛ فهذا قد حُمل له بيت المقدس (في لحظة حتى وُضع بإزائه ينظر إليه ويخبرهم عنه , وحمل بيت المقدس) (٦) من مكانه إلى مكّة أعظم من حمل عرش بلقيس
стр. 180
إلى سليمان ﵊ , وفي حديث الإسراء أيضاً أنهم سألوه عن أشياء منها أنهم سألوه عن عيرهم قال: «مررت بها بالتّنعيم» , قالوا: فما عِدّتها وأحمالها وهيئَتُها , قال: «كنت في شغل عن ذلك» , قال: «ثم مُثِّلَتْ له بعدّتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها» , فقال: «نعم هيئتها كذا وكذا , وفيها فلان وفلان يقدُمها جمل أورق (١) عليه غرارتان محيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس» فأحصَوا جميع ذلك فوجَدوه كما أخبر (٢)؛ وحَمل البعير بأحمالها وما فيها أعظم [ق ٤٤/ظ] من حمل عرش بلقيس , ومن ذلك أن النّجاشي لما مات ضرب جبريل ﵇ الجبال بجناحه فتوطأت حتى نظر
النبي ﷺ إلى نعشه فصلّى عليه فيما قيل (٣) , وأعظم من ذلك كله ما في صحيح مسلم في حديثٍ ذكره عنه ﷺ أنه قال: «إنّي صُوّرت لي الجنّة والنّار , فرأيتهما دون هذا الحائط» (٤) , (وأعظم) (٥) من ذلك حمله على البراق إلى (فوق) (٦) سبع سموات وإلى فوق سدرة المنتهى وخرق الحجب حتى دنا من ربّه تعالى وتقدس فكان قاب قوسين أو أدنى , فكل ذلك أعظم من حمل عرش بلقيس من مسافة من الأرض قربت (٧) أو بعدت ,