← Сира

Сира · id 20594

خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب

السرمري

Полный текст (354 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان فذكر نحوه (١)؛ وعن أبي الأسود الدّؤليّ قال: قلت لمعاذ بن جبل ﵁ أخبرني عن قصّة الشيطان , قال: جعلني رسول الله ﷺ على تمر الصّدقة , فكنت أدخل الغرفة فأجد في التمر نقصاً فذكرته لرسول الله ﷺ فقال: «إن الشيطان يأخذه» , قال: ودخلت الغرفة وأسْفَقْتُ الباب عليّ فجاء سوادٌ (٢) عظيم , فغشي البابَ ثم دخل من شَقّ الباب ثم تحول في صورة فيل , وجعل يأكل , فشددتُ ثوبي على وسطي , فأخذته فالتفَّت [ق ٤٣/و] يداي على وسطه قال: قلت: ياعدوّ الله ما أدخلك بيتي تأكل التمر؟ , قال: أنا شيخ كبير فقير ذو عيال وقد كانت لنا هذه الغُرفة قبل أن بُعث صاحبك فلمّا بعث خرجنا منها ونحن من جنّ نصيبين , خَلِّ عني فإني لن أعود إليك , وجاء جبريل ﵇ فأخبر النَّبي ﷺ بخبره , فلمّا صلّى الغداة نادى مناديه أين معاذ؟ , ما فعل أسيرُك؟ فأخبرته , فقال: «أما إنه سَيعود إليك» فجئت إلى الغرفة ليلاً وأغلقت الباب , فجاء فجعل يأكل التمر فقبضت يدي عليه فقلت: يا عدوّ الله , قال: إني لن أعود إليك بعد , قال: قد قلت: إنك لا تعود , قال: فإني أخبرك بشيء إذا قلتَه لم يَدخل الشيطان البيتَ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... ﴾ إلى آخر السورة [البقرة: ٢٨٤ - ٢٨٦] (٣)؛ وروى الدّارميّ في جامعه عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: لقي رجل (٤) من أصحاب محمد ﷺ رجلاً من الجنّ , فصارعَه فصرعه الإنسيّ , فقال له الإنسيّ: إنّي لأراك ضَئيلاً شَحيباً (٥) , كأنّ ذُرَيِّعَتَيْك ذُرَيِّعَتا كلب , فكذلك أنتم معشر الجن , أم أنت من بينهم كذلك؟ , قال: لا والله إنّي منهم لضليع , ولكن عاوِدني الثانية ,

стр. 177

فإن صرعتَني علّمتك شيئاً ينفعك , [فعاوده فصرعه , قال: هات علمني] (١) , قال: نعم , قال: تقرأ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٥] , قال: نعم , (قال) (٢): فإنك لا تَقرأوها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خَبَجٌ كخَبَج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح , قال الدارمي: الضئيل: الدقيق , والشحيب: المهزول , والضّليع: الجيّد الأضلاع , والخبج: الريح يعني الضراط (٣)؛ وأبلغ من ذلك أن عماراً ﵁ صارع جنيّاً فصرعه عمّار (٤) ﵁؛ وإن صح حديث قتال علي بن أبي طالب ﵁ للجنّ في بئر ذات العلم كان غاية في هذا الموضع , وقد رواه من الحفاظ أبو الفضل ابن ناصر (٥) شيخ ابن الجوزي ولكن ردّه غيره وقالوا (٦) الحديث فيه موضوع فالله أعلم (٧) , والمقاتلة إنما مع العاصي , والجنّ

стр. 178

قد جاءوه طائعين فما [ق ٤٣/ظ] احتاج إلى قتالهم , وذلك أبلغ ممن كان يستعصي على سليمان ﵊ حتى يُصَفدهم ويستعملهم. فإن قيل: إن سليمان ﵊ سخرت له الجنّ يستعملهم في أمور الدنيا فكانوا يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وكان يستعملهم و (١) يستعين بهم في أموره ويكلفهم ما أحبّ (٢) , قلنا: نعم وذلك فضيلة عظيمة ونعمة [جسيمة] (٣) كبيرة مما أنعم به على آل داود ﵇ و (لكن) (٤) سليمان ﵇ طلب ذلك فإنه سأل ربَّه من المُلْك الذي لا يؤتاه غيره , فكان من مقتضى ذلك الأعمال الصّعبة التي لا يقدر عليها بنو آدم فسخّر الله تعالى له الجنّ يعملونها له , ومحمّد ﷺ لما عُرض عليه الملك وأن تجرى له بطحاء مكة وجبالها ذهباً اختار الفقر على الملك (٥) لما أراد الله تعالى (له) (٦) من عظم المنزلة في الآخرة , فلم يحتج إلى عمل يُكَلف فيه الجن , وإنما كان يحتاج إلى الجهاد , وكان في أصحابه ﵃ كفاية , ولمّا احتاج في بعض الأوقات إلى مزيد (٧) مساعدة في الجهاد أنزل عليه الملائكة فقاتلت معه , فكان عون محمد صلوات الله وسلامه عليه بالملائكة أعظم من عون سليمان ﵊ بالجن , وقد أشرنا إلى نحو ذلك فيما تقدم , وأما أمور محمد ﷺ الدنيويَةُ التي احتاج فيها إلى مساعد ومعاضد فإنه لما تظاهر عليه بعض أزواجه في الغيرة أنزل الله تعالى يخوفهن من التظاهر والتواطؤ عليه فيما يسوؤه فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: من الآية ٤] فأيّ ظهير أعظم من هذا وأيّ ناصر أقوى من هذا ,

стр. 179

فكانت الملائكة المقرّبون أنصاره ﷺ , وأعوانه , يقاتلون بين يديه في الحروب كفاحاً , ويمنعون عنه, ويدافعون دونه , ولمّا تواعدت قريش ليأخذوه فيقتلوه , وقد دخل المسجد يصلّي , فسمعوا صوتاً ما ظنّوا [ق ٤٤/و] أنّه بقي بتهامة جبل إلا نتق فغشي عليهم فما عقلوا حتى قضى صلاته , ثم رجع إلى أهله سالماً , ثم تواعدوا عليه مرّة أخرى , فنهضوا عليه فجاء الصَّفا والمروة حتى [التقت] (١) إحداهما (٢) بالأخرى , فحالتا بينه وبينهم (٣) , ولمّا حلف أبو جهل ليطأنّ عنقه إن رآه مصلّياً فلما همّ بذلك لم يفجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه وقال: رأيت بيني وبينه خندقاً من نار وأهوالاً وأجنحة فقال رسول الله ﷺ لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضواً عضواً وقد تقدم ذلك. فإن قيل: إن سليمان ﵊ كان عنده من عُلماء الكتاب مَن أتى بعرش بلقيس (قبل أن يرتدّ إليه طرفه) (٤) , قيل: لنبيّنا ﷺ أعظم منه ففي حديث الإسراء أن قريشاً لمّا كذّبته في حديثه عن بيت المقدس وكان فيهم من قد رأى المسجد قالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ , قال: «نعم» , قال: «فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس علَيّ» وكان قد جاءه ليلاً , قال: «فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وُضع دون دار عَقيل فَنَعَتُّ المسجدَ وأنا أنظر إليه» , فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب (٥)؛ فهذا قد حُمل له بيت المقدس (في لحظة حتى وُضع بإزائه ينظر إليه ويخبرهم عنه , وحمل بيت المقدس) (٦) من مكانه إلى مكّة أعظم من حمل عرش بلقيس

стр. 180

إلى سليمان ﵊ , وفي حديث الإسراء أيضاً أنهم سألوه عن أشياء منها أنهم سألوه عن عيرهم قال: «مررت بها بالتّنعيم» , قالوا: فما عِدّتها وأحمالها وهيئَتُها , قال: «كنت في شغل عن ذلك» , قال: «ثم مُثِّلَتْ له بعدّتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها» , فقال: «نعم هيئتها كذا وكذا , وفيها فلان وفلان يقدُمها جمل أورق (١) عليه غرارتان محيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس» فأحصَوا جميع ذلك فوجَدوه كما أخبر (٢)؛ وحَمل البعير بأحمالها وما فيها أعظم [ق ٤٤/ظ] من حمل عرش بلقيس , ومن ذلك أن النّجاشي لما مات ضرب جبريل ﵇ الجبال بجناحه فتوطأت حتى نظر النبي ﷺ إلى نعشه فصلّى عليه فيما قيل (٣) , وأعظم من ذلك كله ما في صحيح مسلم في حديثٍ ذكره عنه ﷺ أنه قال: «إنّي صُوّرت لي الجنّة والنّار , فرأيتهما دون هذا الحائط» (٤) , (وأعظم) (٥) من ذلك حمله على البراق إلى (فوق) (٦) سبع سموات وإلى فوق سدرة المنتهى وخرق الحجب حتى دنا من ربّه تعالى وتقدس فكان قاب قوسين أو أدنى , فكل ذلك أعظم من حمل عرش بلقيس من مسافة من الأرض قربت (٧) أو بعدت ,

стр. 181

وعمل الملائكة مع محمد ﷺ مع إيمانهم بالله تعالى ورسوله ﷺ واليوم الآخر أعظم وأكمل من عمل الشياطين مع كفرهم بالله ورسوله ﵊ وتمرّدهم , وما صبروا عليه من التسخير إلا تحكم سليمان ﵊ فيهم , وخوفهم من عقوبته إيّاهم , فلما مات ولم يَعلموا بموته تَمُّوا في (العمل) (١) كما أخبر الله تعالى عنهم , وقد كانوا يوهمون الإنسَ أنّهم يَعلمون الغيب فلبثوا معبَّدين في العمل ما شاء الله أن يلبثوا , وسليمان ﵊ مَيِّتٌ مُتَوكّئ على مِنسَأتِه , فلمّا أكلتها الأرضة وقع , فعلمت الإنس أن الجن كانت كاذبة في إدعائها علم الغيب , لأنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين , وسليمان ﵇ ميّت في تلك المدّة , فأين تسخير هؤلاء المعاندين الكفّار المجتهدين في أذى سليمان ﵊ وغيره من الإنس وانتظار غِرَّتهم كما يُذكر عن صَخرٍ المارد من الكيد والغدر لو قدر على ذلك من إسعاد الملائكة وإعانتهم ونصرهم لمحمّد ﷺ وجنده في غير موطن كيوم بدر والأحزاب وغيرهما قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ [ق ٤٥/و] مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ (بِهِ) (٢) وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٦] , وقال (تعالى) (٣): ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ (بِهِ قُلُوبُكُمْ) (٤) وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠] وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى

стр. 182

الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] وقد قال بعض الصحابة ﵃: "إنّي لأتْبَعُ رجلاً من المشركين لأضرِبه إذ وقع رأسُه قبل أن يَصل إليه سيفي فعرَفتُ أنّ غيري قتله" (١) , ولمّا أسَر أبو اليَسَر (٢) العبّاسَ , قال له رسول الله ﷺ : «كيف أسرتَه» وكان العباس أشدّ بطشاً منه قال: لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده , هيئته كذا وكذا , فقال (له) (٣) رسول الله ﷺ : «لقد أعانك عليه ملَك كريم» (٤). فإن قيل: إن سليمان عليه [الصلاة و] (٥) السلام كان يفهم كلام الطّير كما قال تعالى عنه: ﴿عُلِّمْنَا (٦) مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: من الآية ١٦] وقصّة الهدهد , ورسالته به إلى بلقيس , وكلام النملة له ونحو هذا , قلنا: لا شك في أنّ هذا فضل مبين , وشرَف متين , والفضل (بيده) (٧) تعالى يؤتيه من يشاء وهو ذو الفضل العظيم , فقد أخبر الله تعالى أن الفضل الذي آتاه سليمانَ ﵇ مبين ,

стр. 183

وأخبر أنّ ما آتى محمّد ﷺ من الفضل كان عظيماً (كما) (١) قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: من الآية ١١٣] , فكان ما أوتي سليمان عليه (الصلاة و) (٢) السلام فضلاً مبيناً , وما أوتي محمد ﷺ فضلاً عظيماً , والعظيم أبلغ وأكمل وأفضل من المبين , وليس منطق الطير والنملة بأعظم من منطق الذئب والغَزال والضبّ والجمل والحمار وغير ذلك , بل ومنطق الجَماد كحنِين الجِذْع وتسليم الأحجار والأشجار [ق ٤٥/ظ] وتسبيح الحصا والطعام في يده ﷺ وفي أيدي أصحابه كما تقدم , وتكليم (٣) ذراع الشاة المسمومة , وفَهْمُ هذه (الأشياء) (٤) كلامه ﷺ وفهمه كلامها كما أخبر عن الجمل أنه قال: أنّ صاحبه يُدْئِبُهُ ويجيعه, وأن الغزالة لها أولاد صغار, كما أشرنا إليه ونبّهنا عليه على أن محمداً ﷺ قد كان يفهم كلام الطير ويعرف مراده كما في الحديث أن بعض أصحابه أخذ فِراخَ حمّرة فجاءت الحمّرة فجعلت تُرَشِش على رؤوسهم فقال ﷺ : «مَن فجع هذه بِفراخها» ثم أمره بردّها (٥) , فقد روي عن معاذ بن جبل ﵁ قال: أتَى النّبيَّ ﷺ وهو بخيبر حمارٌ أسودُ فوقف بين يديه فقال: «من أنت؟ » , قال: أنا (٦) عمرو بن فلان ,كنّا سبعةَ إخوة وكلّنا رَكِبَنَا الأنبياء وأنا أصغرهم , وكنت لك فمَلكَنَي رجل من اليهود , فكنت إذا (٧) ذَكَركَ يعني بسوء كبَوت به فيُوجِعُني ضَرْباً , وفي رواية: فكنت أعْثُرُ (به) (٨) عمداً (٩) , فقال النبي ﷺ : «فأنتَ يَعْفور (١٠)» (١١) , وقد كلّمته ذِراعُ

стр. 184

الشاة المسمومة وقالت: فيَّ سَمّ فلا تأكلْني (١) , فكلّ هذه الأمور وما يشابهها أعجب من كلام الطير والنملة , وكان في تكليم هذه الأشياء لنبيّنا ﷺ معجزات كالتسليم عليه بالنبوة , والشهادة له بالرسالة , والتصديق لما (٢) جاء به , والتوسّل إليه والتشفع (٣) به في الشدائد , بخلاف كلام الطير والنملة , فإنّ ذلك لم يكن لإظهار المعجز لسليمان ﵊ , وإنما كان شيئاً علّمه إيّاه فسمع ذلك فيفهمه (٤) كما يسمع من يعرف لسان الفارسي فارسيّاً يتكلم أو يُكلّمه فيفهم ما يقول , فهي فضيلة واحدة: وهي فهم كلامِ ذلك المتكلم , وفهم محمّد ﷺ لتلك الأشياء كان فيه هذه الفضيلة وفيه معجزة تخبر برسالته وأمور أخرى كما تقدّم , وإنما كان تبليغ الهدهد رسالةَ سليمان ﵊ إعانة له على تبليغها , وقد كان يمكنه إرسالها مع غير الهدهد مما سخّر الله تعالى له [ق ٤٦/و] من الريح والجنّ وغير ذلك , ومُبلّغوا رَسائل محمّد ﷺ كانوا أصحابَه الذين يتكلّمون بما لا يمكن غيرهم من التبليغ ما يمكنهم كما هو معروف في سيرته , وأما النملة فإنما كان كلامُها لمصلحتها ومصلحة النمل , لا لمصلحة سليمان ﵊ ولا إظهاراً لمعجزته , بل خوفاً من أن يحطمها سليمانُ وجنوده وهم لا يشعرون , ففهّم الله تعالى سليمان ﵊ كلامَها , وهو فضيلة جليلة لكن فضيلة محمّد ﷺ أعظمُ لما قدّمناه , وأبلغ من ذلك أن الحجر والشجر الجمادَين يكلّمان أمّةَ محمّد ﷺ , وذلك ما روي في الصحاح وغيرها عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لاتقوم السّاعة حتى يُقاتل المسلمون اليهودَ , فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهوديّ من وراء الحجر والشّجر , فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبدالله هذا يهوديّ خلفي فتعال فاقتله , إلا (٥) الغرقد فإنّه من شجر اليهود» (٦).

стр. 185

(فصل) (١) فأمّا ما أوتي يعقوب ﵇ فلا شكّ في فضله , ولا مرية (٢) في نبْله , فهو أحدُ الكرماء الذين شهد نبيّنا ﷺ لهم بالكرم (٣) , فإنّه الكريم ابن الكريم (ابن الكريم) (٤) , وله القدم الصدق , والعقب المبارك عليه , فمن نسله الأسباط (٥) , ومن ذريّته الهُداة , ومنهم مريم بنت عمران سيّدة نساء العالمين , وجعل فيهم الحُكم والنبوّة والكتاب؛ قلنا: نعم , وهو حقيق بذلك وبما هو أكبر منه , ولكن لنبينا ﷺ أعظم نصيباً , وأرفع ذكْراً في العالمين , وأجلّ خطراً في الأولين والآخِرين , فإنه أفضل الخلق كما بينّا من شأنه , وقرّرنا من برهانه , ومن ذرّيته ابنتهُ فاطمة ﵍ سيّدة نساء المسلمين الذين هم خير أمّة أخرجت للناس , والحسنُ والحسين اللذان هما سيّدا شباب (٦) أهل الجنة وهم أغصان شجرته وثمرة جُرثومته (٧) , والمهديّ الذي يكون في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً من أهل بيته وعترته , فأما الأصل فإنّ [ق ٤٦/ظ] محمّداً ﷺ من ولد إسماعيل بن إبراهيم , ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم , ولا شكّ في فضل إسماعيل على إسحاق عليهما الصلاة والسلام (٨) , ولا يضرّ محمّداً ﷺ ما بينه وبين

стр. 186

إسماعيل من بعد الآباء وكثرتهم وكفر من كان كافراً (١) , كما لايضرّ إبراهيم ﵊ كفر أبيه ولا كفر من كان كافراً فيما بينه وبين نوح ﵊ , على أن الفضل بالآباء والأبناء ليس بالخطب الجليل , مع أنّ لنبيّنا محمّد ﷺ فيه من الفضل ماجاء في الحديث عنه ﷺ أنّه قال: «إنّ الله تعالى قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهم قسماً ثم جعل القسم أثلاثاً فجعلني في خيرهم» وقد تقدم الحديث في أول الكتاب , وعنه أيضاً ﷺ أنه قال في حديث آخر: «إنّ الله اختار بني آدم , واختار من بني آدم العرب , واختار من العرب مضر , واختار من مضر قريشاً , واختار من قريش بني هاشم , واختارني من بني هاشم فأنا خير من خيار ... » (٢) الحديث. فأما تفضيل يعقوب ﵊ لكون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولاده كثير , فنبيّنا محمد ﷺ على ماهو عليه من الفضيلة التي استقرّت قواعدها , وعلت أركانها , كان خاتم النبيين لانبيّ بعده , وكانت رسالته إلى جميع الخلق , ودعوته قائمة إلى يوم القيامة , فلم تحتج الأمّة بعده إلى نبيّ , فكتابه محفوظ بحفْظ الله تعالى , ودينه ظاهر بتأييد الله تعالى , ودعوته قائمة إلى يوم القيامة , وسلطانه حاكم إلى يوم الطّامّة , وقد قال بعض أصحابه: لو كان بعده نبيّ لعاش ابنه إبراهيم (٣) , وقال: «لو كان بعدي نبيّ لكان عمر بن الخطاب» (٤) , فنبوّته ﷺ قائمة إلى يوم القيامة لم تنسخ ,

стр. 187

بل يعمل بها العباد إلى يوم الأشهاد , فالحاصل من هذا أن كل فضيلة في نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين من وجه من الوجوه فقد جعل الله تعالى لمحمّد ﷺ من جنسها ماهو أفضل منها , وأكثر , وأكبر , وسواء كانت في [ق ٤٧/و] النفس , أو في الأصل , أو (في) (١) النسل , أو في المعجزة , أو في الكتاب , أو في الأمّة , أو في غير ذلك من الأمور التي تتفاضل فيها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , وتتباين بها درجاتهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فإن قيل: إن يعقوب ﵊ فقد ولدَه يوسف ﵊ وكان يحبّه حُبّاً شديداً فقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨ - ٨٣] , ولا يخفى ما للصابرين عند الله من المنزلة , قيل: إن يعقوب ﵊ كان له أحد عشر ولداً ذُكْراناً غير يوسف ﵇ , أكبرَ سنّاً منه , نَصْبَ عينه , يروحون ويَغدُون عليه , وبكى على يوسف حتّى عنّفه أولاده فقالوا له: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٨٥] , فقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: من الآية ٨٦] يعني: أنه حيّ وأن الله تعالى جامع به الشّمل , ولكن بكائي شوقاً إليه وحُزناً عليه؛ وأمّا محمد ﷺ فلم يكن له حيّ غير ولد واحدٍ ذكرٍ وهو إبراهيم , فمات فصبر عليه , ولم يظهر منه جزع , وإنما كان بكاؤه عليه ساعةَ الموت رحمةً فجمع ( ﷺ بين حالتين هما من أشرف الأحوال الصّبر والرحمة , صبر بلا قسوة , ورحمة) (٢) بلا جزع , هذا وكان واحدَه , وقرّة عينه , لم يكن له ولد ذكر غيره , فصبر على فراقه الذي لا طمع في رجوعه , ويعقوب ﵊ كان له أحد عشر ابناً غيره نصب عينه , وكان

стр. 188

يرجو لقاء المفقود (١) , وقال: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: من الآية ٨٤] , ومحمد صبر واحتسب ولم يتأسّف بل قال: «تدمع العين ويحزن القلب ولانقول إلا ما يُرضي ربّنا» (٢). (فصل) (٣) وأمّا يوسف الصّدّيق الكريم ﷺ الموصوف بالحسن والجمال , والعلم والعقل والأفضال , الذي قصّته في القرآن أحسن القصص , وسيرته أجمل السّير , المبتلى بأنواع من البلاء , وصبر فيها أحسن الصبر , وآل به صبره فيها إلى أحسن ما آل صبر على ما كان من إخوته في حقه فآل أمرهم إلى أن سجدوا [ق ٤٧/ظ] له وقالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٩١] , وابتُلي بكيد النّساء فآل أمره بعد سجنه سبع سنين إلى أن قالت غريمته: ﴿(الْآنَ) (٤) حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٥١] , وابتُلي بالسجن عند صاحب مصر فآل أمره إلى أن صار تدبير مُلْكه إليه؛ كتب بعضهم إلى صديق له وهو في شدّة: وراء مضيق الخوف متّسَع الأمن ... وأوّل مفرُوح به آخر الحزن فلا تَيْأسنْ فالله مَلّكَ يوسفاً ... خزائنَهُ بعد الخلاص من السجن (٥) وقال النبي ﷺ : «لو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف ثم دُعِيتُ لأجَبْتُ الدّاعي ولأسرعت» (٦) وذلك أنّ الملِك لما قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: من الآية

стр. 189

٥٤] , فجاءه الرسول بذلك فقال (له) (١): ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: من الآية ٥٠] , وأراد بذلك أن يتحقق الملك حقيقةَ الحال , وبراءة ساحته , لئلا يكون بين يديه فيَذكر (٢) من شأنه ماوقر في صدره من شيء الحقُّ خلافه , فيشوش قلبَه , فأراد أن يكون بين يديه على أحسن الأحوال وهذه حال حسنة جميلة , ومرتبة جليلة نبيلة , وقول نبينا ﷺ : «لأسرَعت إلى الداعي» أيضاً من أحسن الأحوال , وأكمل الخلال , ولنبينا ﷺ في هذه الأمور النصيب الأوفى , والكأس الأروى , فأمّا الكرم المذكور ليوسف ﵊ , فإن النبي ﷺ سُئل من أكرم الناس فقال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ... » (٣) الحديثَ , وقد ثبت أن نبيّنا محمداً ﷺ كان أكرم خلق الله على الله , فقد روى التّرمذي من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أوّل الناس خروجاً إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشّرهم إذا يئسوا وأنا أكرم ولد آدم على ربّي ولا فخر» (٤) , وفي رواية: «أنا أكرم الأوّلين والآخرين على الله ولا فخر» (٥) وسنذكر (من ذلك) (٦) فيما بعد طرفاً صالحاً بعون الله , ومن كرامته عليه قرن اسمه مع اسمه فلا يُذكر إلا ذُكر معه [ق ٤٨/و] , وجعل طاعته مقرونة بطاعته

стр. 190

فقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: من الآية ٣٢] وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. فأمّا الجمال والحسن فلمحمد ﷺ فيه أمْرٌ قد علا , ومَورِدٌ قد عَذُبَ وحَلا (١) , ولا يخفى ابنُ جَلا (٢) , ففي حديث هند بن أبي هالة (٣) المشهور المعروف الطويلِ في صفته ﷺ قال: "كان رسول الله ﷺ فخماً مفخماً , يتلألَأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر , أطول من المربوع , وأقصر من المشذب (٤) , عظيم الهامة , رَجِل الشعر , إن (٥) انفرقت عَقِيقَتُه (٦) فرَق وإلا فلا , يُجاوز شعره شحمةَ أذنيه إذا هو وَفّره , أزهر اللون (٧) , واسع الجبين , أزجّ الحواجب سوابغ في غير قرن , بينهما عِرقٌ يُدِرُّه الغضب , أقنى العِرنين (٨) له نور يعلوه , يحسبه من لم يتأمّله أشمّ (٩) , كثّ اللحية , سهل الخدّين , ضليع الفم , أشنب (١٠) (١١) , مفلج الأسنان -أي: مفرق الأسنان- , دقيق المَسْرُبَة (١٢) ,كأن عنقه جيدُ

стр. 191

دُمية في صفاء الفضّة , معتدل الخلق , بادن متماسك , سواء البطن والصدر , عريض الصدر , بعيد ما بين المنكبين , ضخم الكرادِيس (١) , أنورَ المتجرَّدِ (٢) , موصول ما بين السُّرّة واللَّبَّةِ (٣) بشعرٍ يَجْري كالخطّ , عارِي الثَّدْيَيْن والبَطْنِ مما سوى ذلك , أشعر (٤) الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر , طويل الزَنْدين , رحب الراحة , شثنَ الكفين والقدمين (٥) , سائل الأطراف (٦) , خمصان الأخمصين (٧) , مسيح القدمين (٨) يَنبُو عنهما الماء , إذا زال زال تقلعاً (٩) , يَخْطُو تَكَفِئاً , ويَمشي هَوْناً , ذريع المشية إذا مشى كأنّما ينحط من صبَب , وإذا التفت التفت جميعاً , خافض الطرف , نظرُه إلى الأرض أطول من نظره إلى السّماء , جلّ (١٠) نظره الملاحظة , يسوق أصحابَهُ , يَبْدُرُ من لقي بالسّلام" (١١)؛ وفي حديث عائشة ﵂ الطويل في صفته ﷺ : وكأنّ عَرَقه في

стр. 192

وجهه مثل اللّؤلؤ أطيب من المسك الأذفر - وفيه - وكان إذا امتشط بالمُشْط كأنّه حُبُكُ الرمال وكأنّه المتون (١) التي في الغُدُر إذا سَفَقَتْها الرياح , وكان ربما جعله (٢) غدَائر , يُخرِج الأذن اليمنى [ق ٤٨/ظ] من بين غديرتين يتكنّفانها , ويُخرج الأذنَ اليسرى من بين غديرتين يتكنفانها , ينظر من يتأمّلها من بين تلك الغدائر كأنّهما (٣) تَوَقُّدُ الكواكب الدُريّة بين سواد شعره , وكان رسول الله ﷺ أحسنَ الناس وجهاً , وأنورَهم لوناً ,لم يصفه واصف قط إلا شبَّه وجهه بالقمر ليلة البدر ويقول: هو أحسن في أعيننا من القمر , أزهر يتلألأ وجهُه تلألؤ القمر كما وصفه صاحبه وصدّيقه وخليفته أبو بكر ﵁: أمينٌ مصطفى للخير يَدْعُو ... كضوء البدر زايَلَهُ الظَّلامُ وكما كان عمر ﵁ يُنشد قول زهير بن أبي سُلْمى: لو كنتَ من شيء سوى بشر ... كنتَ المُنوَّرَ ليلةَ القدر" (٤) وكان (كل) (٥) من سُئل عنه ﷺ ممن رآه فإمّا يشبّهه بالشمس أو بالقمر وأحسن من ذلك , ومنهم من يقول (٦) ناعِتُه: لم أر قبله ولا بعده مثله؛ وقد روي عن [جابر بن سمرة ﵁] (٧) قال: نظرت إلى رسول الله ﷺ وعليه حُلّة حمراء ونظرت إلى القمر ليلة

стр. 193

البدر فلَهُوَ (١) أحسن في عيني من القمر (٢)؛ وسُئلَتِ الرُّبَيّع بنت مُعوذ من صفته ﷺ فقالت: لو رأيته رأيتَ الشمس طالعةً (٣)؛ وقيل لجابر بن سمرة ﵁ أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف قال: لا بل مثل الشمس والقمر (٤) , فإن قيل: إن يوسف ﵊ كان إذا مرّ بأزِقَّةِ مصرَ يتلألأ نوره على الجدران تلألؤ الشمس والماء على الجُدران , قيل: محمّد ﷺ كان إذا مشى في الشمس لا يوجَد له ظلّ من شدّة نوره على نور الشمس (٥) , وهذا أعظم من تلألؤ نور يوسف ﵇ على الجدران في الأزِقَة؛ وقد روى هاشم بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ (عندي) (٦) جالساً وأنا [ق ٤٩/و] أغزل فَبُهِتُّ انظر إليه وقد عَرِق صُدْغُه وقَذالُه , وجعلت لا أنظر إلى شيء منه إلا حُوّل في عيني منه نوراً , فسَكن مغزلي , فلمّا رآني قد سكن مغزلي

стр. 194

نظر إليّ وقال: «مالكِ يا عائشة؟ » فقلت: واللهِ يا رسولَ اللهِ إنّكَ لأنتَ أحقُّ بقول أبي كبير , قال: «وما قال أبو كبير» قلت: قال أبو كبير (١): ومُبرّإٍ من كل غُبَّرِ (٢) حيضةٍ ... وفسَاد مُرضعةٍ (٣) وداءٍ مُغيل فإذا نظرتَ إلى أسِرَّة وجهِه ... بَرَقَتْ كَبَرْقِ العارض المتهلّل" (٤). وفي الجملة فيوسف ﵇ كان من أحسن الناس , فأما محمد ﷺ فإنّه كان أحسنَ الناس وقد روي عن عبدالله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «هبط عليّ جبريل فقال يا محمّد إن الله يقول: كسوت حسن يوسف من نور الكرسي , وكسوت نور وجهك من نور عرشي» (٥)؛ ولاشك أن العرش أعظم من الكرسي ونوره أعظم من نوره , وفي حديث الإسراء من رواية مسلم في صحيحه: «فإذا يوسف وإذا هو قد أُعطي شطر الحسن» (٦) فمحمّد ﷺ قد أُعطي الحسن كلّه.

стр. 195

فأما علم يوسف ﵊ بالتعبير للرؤيا , فإنّ نبيّنا ﷺ كان أعلم خلق الله بها وكان من شأنه أنه إذا صلى الصبح واستقبل الناس قال: «هل رأى أحد منكم رؤيا» فيقصّها ويخبره بالجواب (١) , وكان أوّل ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة فكان لايرى (٢) رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصّبح (٣) , ورأى منامات كثيرةً فعبّرها فوقعت كما عبّرها , كما عبَر في رؤياه السوارين من الذهب بكذّابين يخرجان بعدَه فكان كذلك خرج الأسوَدُ (٤) العنسي ومسيلمة الكذّاب (٥) , وكذلك رُؤياه البقر التي رآها تُنحَرُ فكان ما عَبره بأن نفراً من أصحابه يُقتلون فكان كذلك (٦) , وهكذا رؤياه في السيف الذي هزّه في

стр. 196

المنام فاندقّ صدره ثم هزّه فعاد كما كان عبره بهزيمة أصحابه ثم يُنصرون بعد ذلك فكان كذلك (١) , ومن الشواهد على علمه بالتعبير العلم التامّ الكامل [ق ٤٩/ظ] ما قصّه عبدالله بن سلام ﵁ (عليه) (٢) , فقال له أبو بكر الصديق ﵁ بأبي أنت دعني فأعبُرَها , فقال: «اعبُرْها» فتكلم عليها أبو بكر ﵁ ثم قال: والله لتُخبرنّي يا رسولَ الله أصبتُ أم أخطأتُ , فقال: «أصبتَ بعضاً وأخطأتَ بعضاً» , فقال: والله لتخبرنّي ما الذي أصبتُ وما الذي أخطأتُ , فقال: «لاتقسم» (٣)؛ ولولا وفور علمه لما انتقَد على أبي بكر هذا الانتقاد , وقد كان في أمّة محمّد ﷺ مَن يَعْبُرُ الرؤيا من السلف والخلف أمور عجيبة وأحوال غريبة ليس هذا مكان شرحها لكثرتها. فأما قوله لصاحبي (٤) السجن: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا (٥) ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: من الآية ٣٧] , فهذا لمحمّد ﷺ وأمثالُه بل لغيره من الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وسلم , على أن محمّداً ﷺ قد أُعطي من هذا الباب النّصيب الأوفى , فإنّه ﷺ أخبر قريشاً بما فعلت الأرضة بكتابهم الذي كتبوا بينه وبينهم وأنّها قد لَحِسَتْ ما فيه من الجور وأبقت ما فيه من العدل والصلاح (٦) , وأخبر عمَّه العبّاسَ ﵁ بما كان دَفع إلى زوجته حين خرج من مكّة ولم يعلم به أحد إلا الله (٧) ,

стр. 197

وأخبر ممّا (١) سيكون قبل كونه بأمور عظيمة منها: إخبارُه بغلب الروم وأنهم سيغلبون في بضع سنين , ومنها ظهور كذّاب ومبير (٢) , وأمور يطول ذكرها وقع بعضها والباقي سيقع لا محالة , (كالدّجال) (٣) , ويأجوج ومأجوج , ونزول عيسى ﵊ , وطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك , وقد تقدّم من ذلك جملة , وسيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى أشياء أخر في أماكنها. وأمّا عقل يوسف ﵊ , وحلْمه , وصبره على الأذى , وما لقي أوّلاً من إخوتِه , ثم آخراً لمّا وُجد الصّاع في رحل (٤) أخيه قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ [يوسف: من الآية ٧٧] , ولمّا قدموا المرّة الأولى فعرفهم وهم له منكرون , وهو حينئذ على خزائن الملْك , فلم [ق ٥٠/و] يَهِجْهُ ما فعلوا به , ولم تحرّكه القدرة عليهم على الانتقام منهم , بل قال: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٥٩] , ثم لمّا عَرفوه حين قال: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: من الآية ٩٠] , قالوا له: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١] , فقال هو: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٩٢]؛ وهذا غاية في الحِلْم , فإنه عفا عنهم من قبل أن يَسألوه العفو , وأبوهم يعقوب ﵊ لمّا قالوا له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَنَا [ذُنُوبَنَا] (٥)﴾ [يوسف: من الآية ٩٧] , قال: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: من الآية ٩٨] , قلنا هذه صفات حسنة , وأخلاق جميلة , وطباع كريمة , ولمحمّد ﷺ في ذلك عجائب لا يدرك مداها , ولا يبلغ منتهاها , من ذلك: أن اليهود

стр. 198

سحروه وأخبره جبريل ﵇ بالسّحر وبمن سحرَه ولم يعاقبه (١) مع ما كان مستحقّاً للعقوبة مع مخالفته لدينه وغدره وخيانته لله ولرسوله ﷺ , وكذلك اليهوديّة التي جعلت السُمّ في طعامه فإنه عفا عنهما ولم يعاقبهما (٢) , وهذا أعظم من عفو يوسف ﵊ (عن إخوته) (٣) , فإنّ القرابة والرّحم قلّ أن تسمح النّفس بالعقوبة لهم , ولا سيما مع طول المُدَد وتقادُم العهد , فإن جمرة الغضب إذا طال الزمان تَطفئ , وبَوادرَ الانتقام تسكن حينئذ وتخفى، وأمّا حلم (٤) محمد ﷺ عن قومه وما بالغوا معه في الأذى قولاً وفعلاً ولمّا مكّنه (٥) الله تعالى منهم يوم الفتح قال: «من دخل بيته فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ونحو ذلك (٦) , مع شدّة ما أسلفوه من العداوة ,

стр. 199

وما أبدوه في حقّه من الأذى , قابلهم بهذا الحلم (١) الوافر , والإحسان العظيم , على تقارب العهد , والجرح طري ولم يندمل , حتى قالت الأنصار ﵃: أما الرجل فأدركته الرأفَة بقومه والرغبة في قريته (٢) , على أن له من العقل والحلم والأفضال مما أشرنا إليه , وما سنذكر منه ما (٣) ييسّر اللهُ تعالى بعونه ومشيئته على من آذاه , وسبَّه , وقصد مضرّتَه , بل وقتله من الكفار والمنافقين واليهود وغيرهم فضلاً عن الذين آذوه من قومه وأهله وبني عمّه ما تضيق عن حصره مجلّدات (٤) كثيرة , فعفوه عن الأجانب من المشركين واليهود وغيرهم [ق ٥٠/ظ] أعظم من عفوه عن أهله , وإن كان أذاهم مُمِضّاً مُرْمِضاً كما قال طَرفَة (٥): وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً (٦) ... على المرء من وقع الحسام المهنَّد وكما جرى في قصّة غَوْرَث (٧) الذي جاء والنبي ﷺ نائم فاخترَط سيفه فانتبَه النبي ﷺ وغَورَث قائم على رأسه بالسيف صلتاً فقال له: مَن يمنعك منّي؟ , فقال: «الله» , فألقى السيف من يده فلم يؤاخذه ولم يعاقبه (٨) , وكما ذكرنا من قصّة الساحر لبيد بن الأعصم اليهودي , واليهوديّة التي جعلت السمّ في طعامه ليأكله فيموت (٩) , وكالأعرابي الذي جاءه من خلْفه فجبذه بردائه حتّى أثّرت حاشية الرّداء في عنقه وقال أعطني من

стр. 200

مال الله الذي عندك , فالتفت إليه فضحك وأمر له بعطاء (١) , وأشباه هذا مما يطول عَدُّهُ وقد قدمنا قصّته (٢) مع أبي جهل حين أراد كيده والذي وضع الفرث والسّلا على ظهره وهو ساجد وغير ذلك. وأما عصمة الله تعالى وتقدّس ليوسف ﵊ من امرأة العزيز , فإن الله تعالى رزق محمّدًا ﷺ العصمة الكاملة , والنعمة الشاملة , ولم يبتله بما ابتلى به يوسف ﵊ حتى ضجّ إلى الله تعالى فقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: من الآية ٣٣] , ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤] , فأما محمد ﷺ فإن الله تعالى (مع) (٣) ما أعطاه من القوّة على الجماع حتى إنه كان يدور على نسائه ﵅ في الساعة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة , قيل لأنس: وهل كان يطيق ذلك , قال: كنا نتحدّث أنه أعطي قوة ثلاثين يعني ثلاثين امرأة , ويروي أنه تسّع لتسع نسوة (٤) , وقد كان يقبّل النساء وهو صائم فقيل له في ذلك , فقال: «أنا أملككم لإرْبه (٥)» (٦) والمراد بالإرب العضو , ويروى لأرَبه والمعنى لحاجته إلى النكاح (٧) , ومِلكُ الإرب والأربة التي

стр. 201

[ق ٥١/و] أعطيها محمّد ﷺ أعظم من (ملك) (١) حالة يوسف ﵊ (لهما) (٢) وأكمل , وأبلغ من ذلك أن الله تعالى عَصَم آباءَهُ من لدن عبدالله بن (عبد) (٣) المطّلب إلى آدم ﵊ مِن السّفاح , فما التقى لمحمد ﷺ أبوان على سِفاح من سفاح الجاهلية (٤) ولا عَهْرٍ من عَهْرها حتى ولد طيباً طاهراً منزّهاً من كل عيبٍ وريب فقد عصمه الله تعالى وهو في ظهر أبيه أن يشتمل عليه فرجان من حرام كما في حديث الخثعميّة والمُرِيَّة لمّا مرّ أبوه عليهما ونور النبوّة بين عينيه فكل منهما قد دَعته إلى نفسها وبذلت له مائة من الإبل على أن يقع عليها فصانه الله تعالى وحفظه من أن يُلم أبوه بحرام إكراماً له ﷺ (٥) , مع أنّ في أمّته من رُزق من الكرامة ماهي شبيهة بهذه

стр. 202

وقد روي عن أبي بكر الزقاق (١) أنه قال: جاورت بمكة عشر سنين فكنت أشتهي اللبن , فغلبتني نفسي يوماً فخرجت إلى عُسْفان (٢) , واستضفت حيّاً من أحياء العرب فنظرت بعيني اليمنى إلى جارية حسناء لم أر أحسن منها فأخذت بقلبي فقلت: يا جارية قد أخذ كلّك بكلي فما فيّ لغيرك مطمع , فقالت: تقبَح بك الدعاوى العالية وأنت في أسر شهوة لو كنت صادقاً قد ذهبت عنك شهوة اللبن , قال: فقلعت عيني اليمنى التي نظرت (بها) (٣) إليها , فقالت لي مِثلُكَ من نظر لله , فرَجعت إلى مكّة فطفت أسبوعاً ثم نمت فرأيت في منامي يوسفَ الصّدّيق ﵇ فقلت: يا نبي الله أقرّ الله عينك بسلامتك مِنْ إزليخا (٤) فقال لي: يا مبارك وأنت أقرّ الله (عينك) (٥) بسلامتك من العسفانيّة ثم تلى

стр. 203

- ﵇: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] فَصِحتُ من طيب تلاوته , ورخامة صوته , فانتبهت وإذا عيني المقلوعة صحيحة كما كانت (١)؛ على أنّ في بني إسرائيل من جرى له قريباً من هذا وليس هذا من خصائص يوسف ﵇ وذلك ما ذكره ابن الجوزي في عيون حكاياته قال أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أخبرنا المبارك بن عبدالجبار قال أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أخبرنا أبو الحسن عبدالله بن إبراهيم الزينبي قال حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني أحمد بن حرب قال حدثني عبدالله بن محمد قال حدثني أبو عبدالله البلخي: أن شابّاً كان [ق ٥١/ظ] في بني إسرائيل لم يُرَ شابّ قطّ أحسن منه , وكان يبيع القِفَافَ (٢) , وبينا هو ذات يوم يطوف بقفافه خرجت امرأة من دار ملك من ملوك (٣) بني إسرائيل فلمّا رأته رجعت مبادرة , فقالت لابنة الملك: يا فلانة , إني رأيت بالباب شاباً يبيع القفاف لم أر شاباً قطّ أحسن منه , فقالت: أدخليه فخرجت إليه , فقالت: يا فتى أدخل نشتري منك , فدخل , فأغلقت الباب دونه , ثم قامت فاستقبلته بنت الملك كاشفة عن وجهها ونحرها , فقال لها: استتري عافاك الله , فقالت: إنّا لم ندعك لهذا إنما دعوناك لكذا -تعني: المراودة عن نفسه- , فقال لها: اتّق الله , قالت: إنّك إن لم تطاوعني على ما أريد أخبرت الملك أنك إنما دخلت عليّ تكابِرني عن نفسي , فأبى , ووعظها , فأبت , فقال: ضعوا لي وَضوءاً , فقالت: أعليّ , تعال يا جارية ضعي له وَضوءاً فوق الجوسق (٤) وهو مكان لا يستطيع أن يفرّ , ومن الجوسق إلى الأرض أربعون ذراعاً , فلمّا صار في أعلى الجوسق قال: اللهمّ

стр. 204

إني دُعيتُ إلى معصيتك [وإني] (١) أختار أن أصبِر نفسي فألقِيها في هذا الجوسق ولا أركب المعصية ثم قال: بسم الله وألقى نفسه من (٢) أعلى الجوسق , -قال: - فأهبط الله تعالى إليه ملكاً , فأخذ بضَبْعَيْه فوقع قائماً على رجليه فلمّا صار في الأرض قال: اللهم إن شئت رزقتني رزقاً تغنيني عن بيع هذه القفاف , فأرسل الله إليه جراداً من ذهبٍ فأخذ منه حتّى ملأ ثوبه ثم قال: (اللهم) (٣) إن كان هذا رزقاً رزقتنيه في الدنيا فبارك لي فيه , وإن كان ينقصني مما لي عندك في الآخرة فلا حاجة لي به , قال: فنودي أن هذا الذي أعطيناك جزء من خمسة وعشرين جزءاً لِصبرك على إلقائك نفسك من هذا الجوسق , فقال: اللهم لا حاجة لي فيما ينقصني مما لي عندك في الآخرة , قال: فرفع (٤)؛ وعفّة محمد ﷺ أعظم من عفة يوسف ﵊ , ومحمد ﷺ أملك لأربه وإربه عن جميع الخلائق. وأما قول يوسف ﵊ للملك: ﴿اجْعَلْنِي (٥) عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: من الآية ٥٥] , وولاية الملك له ذلك , وحسن تصرفه في سني الجدب , وما أعده لها في سني الخِصب؛ قلنا: هذا ما لا ريب فيه ولا شك يعتريه وحال محمد ﷺ في مثل ذلك أجمل , وفضله أكمل [ق ٥٢/و] , فإن يوسف ﵊ قال للمَلِك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: من الآية ٥٥] يعني: أرض مصر , فإن ذلك المَلك لم يكن يملك غيرها , وإن كانت حالة يوسف ﵇ من النبوّة وتبليغ الرسالة وإظهار الشريعة أكبر من تدبير مملكة مصر والتصرف في خزائنها , فإن محمداً ﷺ عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض وأن تجرى له بطحاء مكة ذهباً فأباها

стр. 205

وقد قدّمنا هذا المعنى؛ ثم إنّ تدبير محمد ﷺ في الجدب كان أصلح وأنفع للخلق (١) , ومحمّد ﷺ كان إذا أجدب قومُه دعا اللهَ (٢) تعالى فأنزل الغيث فعمّ البلدان [وأحياها] (٣) , وأحيا أهلها (٤) , وتصرّفوا هم في معائشهم على مقتضى (٥) مصالحهم واختيارهم من غير حجْرٍ , ولا تقتير , ولا تضييق , وكانوا إذا أملقوا أو قلّت الأزواد سفراً وحضراً دعا بما بقي مَعَهم منها ثم دعا فيه بالبركة ثم أمرهم فأكلوا وتزوّدوا كما ذكرنا فيما مضى , وكذلك في الماء إذا أعوزهم كما سبق ذكْره , فهذا التدبير أكمل من تدبير يوسف ﵊ , وهذا التصرّف أنفع من تصرّف يوسف ﵊ , وهذا النفع أعمّ من نفع تدبير (٦) يوسف ﵊ , لكن كان ليوسف ﵊ في ذلك مزيّة أخرى: وهو أنّ الله تعالى جَبَره (٧) وطيّب قلبَه بعد أن كان (في) (٨) قيد الاسترقاق , بأن أعطاه هذا التدبير الحسن , حتى ملّكه رقاب أهل مصر بأجمعهم , فإنه لما فوّض إليه تدبير الخزائن وأمور الناس فعل ما علّمه الله تعالى من جمع الطعام في سنبله في السّبْع السّنين المُخْصِبَة , وحفظه حتى دخلت السنون المُجدِبة فنفد ما عند الناس من الحبوب وسَلِم ماعنده , فباعهم أوّل سنة بالنقود حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه , وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء , وباعهم في السنة الثالثة بالمواشي والدواب حتى احتوى عليها أجمع , وباعهم في السَّنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى [ق ٥٢/ظ] لم يبق عبْد ولا أمة في يد أحد , وباعهم في السَّنة الخامسة بالضياع والعقار والدور حتى احتوى عليها , وباعهم في السنة السادسة بأولادهم حتى استرقّهم , وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق

стр. 206

بمصر حرّ ولا حرّة إلا صار قِنّاً (١) له , فتعجب الناس من ذلك (٢) , فكان ذلك جبراً لقلبه الذي انكسر حال استرقاقه , وتطييباً لنفسه حين ملّكه رقاب جميع أهل مصر , وهي عطيّة سنيّة , ومنّة من الله تعالى عظيمة , والذي أُعطي محمد ﷺ من هذا الجنس أعظم وهو ما تمالَأ (٣) عليه المشركون من أن لا يبايعوا بني هاشم وبني المطلب , ولا يناكحوهم , حتى يُسلّموا إليهم رسولَ الله ﷺ , ففعلوا ذلك , فلمّا فعلوهُ وكتبوا الكتاب وتعاقدوا فيه على ذلك وجعلوا الكتاب في جوف الكعبة توكيداً للأمر انحاز بنو هاشم وبنو (٤) المطلب إلى أبي طالب , فدخلوا معه في شعبِه , وخرج منهم أبو لهَب وظاهرَ المشركين فأقاموا على ذلك (ثلاث) (٥) سنين وقطعوا الميرَة والمادّة عنهم , فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم حتى بلغوا الجهد , ثم إنّ الله تعالى غضب لمحمّد ﷺ وسلّط الأرضة على صحيفتهم التي كتبوا فأكلت ما كان فيها من جور وظلم وبقي ما كان فيها من ذكر الله تعالى واطّلع نبيّه ﷺ على ما كان من ذلك فذكرَه رسول الله ﷺ لعمّه أبي طالب فقال أبو طالب: أحَقٌ ما تخبرني به يا ابن أخي , قال: «نعم واللهِ» فذكر ذلك أبو طالب لإخوته وقال: والله ما كذَبني قط , قالوا: فما ترى , قال: أرى أن تلبسوا أحسن ثيابكم وتخرجوا إلى قريش فتذكروا ذلك لهم مِن قبل أن يبلغهم الخبر فخرجوا حتى دخلوا المسجد فقال أبو طالب: إنا قد جئنا في أمرٍ فأجيبوا (٦) فيه , قالوا: مرحباً بكم وأهلاً , قال: إنّ ابن أخي قد أخبرني ولم يَكْذِبْني قطُّ أنّ الله تعالى سلّط على صحيفتكم الأرضة فَلَحِسَتْ كلّ ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم وبقي فيها ما ذُكِرَ بهِ الله تعالى فإن كان ابن أخي [ق ٥٣/و] صادقاً نزعتم عن سوء رأيكم وإن كان كاذباً دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه (٧) إن شئتم , قالوا: قد أنصفتنا (٨) فأرسلوا إلى

стр. 207

الصحيفة فلمّا فتحوها إذا هي كما قال رسول الله ﷺ , فسُقط في أيدي القوم ثم نكسوا على رؤوسهم , فقال أبو طالب هل تبيّن لكم أنكم أولى بالظّلم والقطيعة , فلم يراجعه أحد منهم , ثم انصرفوا (١) , وقد كان اجتماعهم على كتابة الصحيفة وتمالؤهُم بخَيْف (٢) بني كنانة وهو المكان المعروف بالمُحَصّب (٣) , فلمّا أظهر الله تعالى محمداً ﷺ على قومه ونصره عليهم , بعد أن أخرج مِن مكّة وبذلوا الأجعال والأموال لمن أتاهم به , فسلّمه الله تعالى منهم فلما كان يوم الفتح -فتح مكة- سلّطه الله تعالى عليهم , فقتل من قتل , واستبقى من استبقى , وعفا عمّن (٤) عفا , وملّكه الله تعالى أرضهم وديارهم , وأكسبه أموالهم وأولادهم , ثمّ لمّا حجّ قال لأصحابه يوم النحر وهو بمنى: «نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر» يعني بذلك: المحَصَّب (٥) , فأراه الله تعالى نفسه والخلق طوع أمره (٦) وتحت حكمه , وأزمّة أمور العالم بيده في المكان , وكذلك لمّا منعوه في عُمرة الحديبية أن يَدخل مكة ورجع هو وأصحابه سلّطه الله تعالى عليهم يوم الفتح , ومكّنهم من رقابهم , ودخلها عليهم عنوة , وطاف حول الكعبة وجعل يشير إلى الأصنام التي حولها فتتساقط (٧) وهو يقول: «﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: من الآية ٨١] , ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: من الآية ٤٩]» (٨) , فكان ما أعطاه أعظم مما أعطى يوسف عليه

стр. 208

الصلاة والسلام من ملك مصر , وتسلّطه على المشركين أكمل من تسلط يوسف على أهل مصر , وقد كان محمد ﷺ تأتيه الأموال العظيمة من الفتوح فيقسمها بين الناس فما يقوم وقد بقي عنده منها شيء , ولمّا غنم أموال هوازن وسَبى ذراريهم أمَتُّوا إليه بالرضاع فيهم فقال: «ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لله ولكم» , فقالت الأنصار: ما (كان) (١) لنا فالله ولرسوله ﷺ , فردّ عليهم جميع سبيهم (٢) , فذُكر أنّ الذي أطلقه لهم قُوّم بخمس مائة ألف ألف درهم , وكان عطاؤه ﷺ عطاء من لا يخاف الفقر [ق ٥٣/ظ] ولا يخشى الفاقة (٣) , كان يَقسم فيعطي الرجل المائةَ من الإبل والمائةَ من الغنم وأعطى مرّة غنماً بين جبلين (٤) , حتى استغنى أصحابه , وتموّلوا حتّى صاروا أغنياء , ومنهم من صار ملكاً كمعاوية , وأمراء كغيره مما هو مشهور في كتب سيرهم وأخبارهم , فكان حال الخلق في أيام محمد ﷺ أحسن وأطيب من حال الناس في زمان يوسف ﵊ , وكان عتق محمد ﷺ لهوازن ومنّه عليهم بذلك بعد تملّكهم أعظم من تملّك يوسف ﵊ أهل مصر , ولا ريب أنّ المعتق بعد التملّك أعظم درجة من المتملّك بغير عتق. فإن قيل: إن يوسف ﵊ لمّا رادوته امرأة العزيز عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت: هيت لك , (قال) (٥): معاذ الله , فاستعصم ﵇ عن إجابتها إلى ما أرادت فهدّدتْه بالسجن دعا ربَّه سبحانه فقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ

стр. 209

وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: من الآية ٣٣ - ٣٤] , ولا شكّ أنه لو دعا بالسلامة من السجن أيضاً لسلّمه الله تعالى منه , ولكن كان في ضمن سجْنه (١) حِكَمٌ أظهرها الله سبحانه من براءة ساحته حتى أقرّت المرأة بأنها (هي التي) (٢) راودته عن نفسه وأنه من الصادقين , وغير ذلك من الحكم التي لبسطها مكان آخر؛ قلنا: قد استجاب الله تعالى دعاء من هو دون يوسف ﵊ في النبوّة , بل قد استجاب لكثير (٣) من صالحي عباده , وما أوتِيَهُ محمّد ﷺ من ذلك مشهور معروف من إجابة (٤) دعائه ونجاته من كيد مَن أراده بسوء , كما دعا على الملأ من قريش الذين قتلهم الله تعالى على يديه يوم بدر (٥) وكثير من أمثال ذلك مما يطول الكتاب جدّاً بذكره. فإن قيل: إن يوسف ﵊ قاسى مرارة الفرقة وامتُحِن بالغربة عن أبيه وأهله ووطنه , قيل: الذي قاسى محمد ﷺ من فراق بلدهِ الحرام والمشاعر العظام ووطنه ومسقط رأسه أعظم من ذلك , فقد أُلجئ إلى مفارقة حَرَم الله الآمن , فخرج متلفتاً إلى البيت وقال [ق ٥٤/و] وهو حزين مستعبر: «والله إنّي لأعلم أنك أحبّ البقاع إلى الله ولولا أني أخرجت منكِ ما خرجت» (٦) , ولما ورد المدينة كانت وبيئةً فوُعك أصحابُه ﵃ فقال: «اللهم العن فلاناً (و) (٧) فلاناً كما أخرجونا من مكة» (٨) , وأراهُ الله

стр. 210

تعالى رؤيا أزال بها حزنه تُوازي رؤيا يوسف في التأويل , حقق الله تعالى وقوعها كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] , وكان قد لقي من قومه وعشيرته أشد مما لقي يوسف ﵇ من إخوته كما ذكرنا من تمالُؤ قريش عليه وعلى بني عمّه , فكانت العاقبة والعافية في ذلك كلّه لمحمّد ﷺ , وردّ كيد الكفار في نحورهم , ونصره عليهم , وأُديل عليهم , حتى دخلوا في دينه طوعاً وكرهاً , وشفا الله تعالى صدره منهم وأظهره عليهم. فإن قيل: إن يوسف ﵇ دعا ربَّه بالموت شوقاً إلى لقائه , قيل: فمحمد ﷺ لما حضر أجله خُيّر بين الحياة والموت فاختار لقاء ربّه تعالى (و) (١) جعل يقول: «الرفيق الأعلى , الرفيق الأعلى» حتى قبض ومالت يَدُه ﷺ (٢). (فصل) (٣) فإن قيل: إن يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسّلام أوتي الحكم صبيّاً , وكان يبكي من غير ذنب , ويواصل الصّوم , قيل: ما أعطي محمّد ﷺ أفضل , فإن يحيى ﵇ وُلد في حجر الصالحين والأنبياء ﵇[و] (٤) لم يعرف غير عبادة الله تعالى وتوحيده , ومحمد ﷺ تَربّى في مكّة بين قوم جاهليّة أصحاب أصنام وأوثان لا يعرفون (٥) عبادة الله تعالى فأُعطي الإيمان وعُصم من عبادة الأوثان ومداخلة أهل الشرك والضلال , فلم يعكف معهم على صنم , ولا دخل بينهم على وثن , وليس عجيباً نسك من رَبِيَ في حجر النبوة وتردد بين الصالحين ونشأ بين العباد المجتهدين وقد كان أبواه بالمنزلة الرفيعة من العبادة فاعتاد من صغره على الخير كما قيل:

стр. 211

يَنشَأ الصغير على ما كان والده (١) إن العروق عَليها يَنبُت الشّجر وقال محمد ﷺ [ق ٥٤/ظ]: «المرء على دين خليله فانظر من يخالل» (٢) ولكن العجب من محمد ﷺ (الذي) (٣) نشأ بين أهل (٤) الكفر , وتربّى بين عبدة الأوثان , ونشأ عِندَ جاهلية جهلاء , لا يرون ديناً غير عبادة الأصنام , ولا يعرفون غير ذلك , فغلبت العناية الإلهيّة والتّربية الربانيّة على تأثير الجليس السّوء في المجالس , حتى غلبت رائحة مسك الجليس الصّالح على شرر نافح كير الكفر فأطفأه , وطفا نورُ الإيمان ورَسا , وطَفِئَ جَمْر الشرك ورسَب , فكان إذا مرّ بمكان فيه شيء من أوثانهم أعرض وعرج (٥) عنه , وأُلهِمَ من صغره التوحيدَ وبُغضَ الأصنام وما كان عليه المشركون (٦)؛ فهذا أعظم من حال يحيى ﵊ , فإنه نشأ بين أبويه يتأدّب بأدبهما , ويأخذ عبادة ربّه عنهما , ولم يكن له جليس إلا أهلُ الزّهد والعبادة , (و) (٧) فرق عظيم بين من أوتي الحكمة وهو في حجر النّبوّة وكنف أهل العلم والدّين وبين من أوتيها وهو بين أهلِ (٨) الكفر والإشراك وعدم من يوحّدُ الله تعالى ويعبده. فإن قيل: فقد أثنى الله على يحيى ﵇ بقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: من الآية ٣٩] والحصور الذي لا يأتي النّساء , قيل: إنّ يحيى ﵇ كان منفرداً بمراعاة شأنه , وكان محمد ﷺ رسولاً إلى الخلق كافّة ليَقُودَهم وَيَحُوشَهُم إلى الله قولاً وفعلاً , فأظهر الله تعالى به الأحوال المختلفة , والمقامات العالية المتفاوتة في متصرّفاته , ليقتدي كل الخلق بأفعاله ويتشبّه بأوصافه , فاقتدى به الصّدّيقون في حالاتهم ,

стр. 212

والشهداء في مراتبهم , والصالحون في أحوالهم , ليأخذ العالي والداني والمتوسط من سيرته قسطاً وحظّاً , والنكاح من أعظم حظوظ النفس وأبلغ الشهوات , فلهذا أمره الله تعالى بالنكاح وأوجبه عليه لما جبل عليه النفوس وطبعها عليه , ليتحصَّنُوا به من السِّفاح , ولما كان المقصود من النكاح التناسل قال ﷺ : «تناكحوا تكثروا فإنّي مُكاثر بكم الأمم (١)» (٢) واجتمع عنده في وقت تسع نسوة وكان يطوف عليهن في الليلة الواحدة (٣) هذا مع توفّره على العبادة التي حَيّرت الخلق , فإنه كان يصلي حتى تورّم (٤) قدماه ويقوم [ق ٥٥/و] الليلَ كلّه بالآية يردّدها يناجي بها ربَّه سبحانه: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ويواصل في الصوم الأيام والليالي ويقول: «وأيّكم مثلي إني أبيت يطعمني ربّي ويسقيني» (٥) على أنه قال: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (٦) فكان يبالغ في الصيام حتى يواصل فيه ومع ذلك فهذا شأنه في القوة على الجماع كما أشرنا (٧) إليه , ولما

стр. 213

سئلت عائشة ﵂ عن عمله في بيته فقالت: وأيّكم يطيق ما كان (١) رسول الله ﷺ يطيق , كان عمله ديمةً ﷺ (٢) , (والله أعلم) (٣). (فصل) (٤) ولم نورد ما أوردناه غضّاً على أحد من أنبياء الله صلى الله عليهم وسلم , ولا تنقصاً بأحد منهم , ونعوذ بالله تعالى من ذلك , ومن خطوره بالبال أيضاً , ولكن رأينا الله سبحانه قد فضّل بعض النّبيّين على بعض , ورفع بعضهم فوق بعض درجات , ووقع إلينا من أخبارهم وأحوالهم ما وقع , تبيّن لنا فضل نبيّنا محمد ﷺ (عليهم) (٥) , وعرفنا من فضل بعضهم على بعض ما أشرنا إليه في هذا الكتاب , مع أن كلّهم كان عند الله وجيهاً , وكان كل منهم (نبيّاً) (٦) نبيهاً صلى الله عليهم وبارك وسلم؛ وأمّا ما جاء من قوله ﷺ : «لا تفضّلوني على يونس بن (٧) متى» (٨) ومن قوله: «لا تفضّلوا بين أنبياء الله» (٩) فإن ذلك وقع منه ﷺ في قضايا معيّنة كان مضمونها تفضيله والازراء على غيره فغضب لذلك

стр. 214

ونهى عن التفضيل على هذا الوجه وقد صحّ عنه ﷺ أنه قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر بيدي لواء الحمد يوم القيامة آدم فمن بعده تحت لوائي ولا فخر» (١). (فصل) (٢) فأمّا (٣) فضله ﷺ على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فمن ذلك ما روى البخاري من حديث جابر بن عبدالله ﵄ أنّ النبي ﷺ قال: «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهُن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر [ق ٥٥/ظ] , وجُعلَتْ لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً فأيّما رجلٍ من أُمّتي أدركَتْه الصَّلاة فليُصلّ , وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي , وأُعطِيتُ الشّفاعةَ , وكان النّبيّ يُبعث إلى قومه خاصّةً وبُعِثتُ إلى النّاس عامّة» (٤) , وروى أيضاً عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «بُعِثتُ بجوامع الكَلِم , ونُصِرتُ بالرعب , وبينا أنا نائمٌ رَأيتُني أُتيتُ بمفاتيح خزائن الأرض فَوُضِعَت في يدي» (٥) والحديثان في الصحيحين وغيرهما؛ وفي مسند الإمام أحمد وغيره عن أبي ذرّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهنّ أحد قبلي: بُعثتُ إلى الأحمر والأسود , وجُعلَتْ لي الأرض طَهُوراً ومسجداً , وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي , ونُصِرتُ بالرّعب فيُرعَب العدوّ وهو منّي على مسيرة شهر , وقيل لي: سل تعطه فاختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمّتي فهي نائلة منكم إن شاء الله من لم يشرك بالله شيئاً» (٦) وروى أيضاً من حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعطيتُ خمساً لم

стр. 215

يُعطَهُنَّ نبيّ قبلي ... » وذكر نحوه (١) , وروي من حديث أبي أمامة ﵁ عنه (٢) ﷺ قال: «فُضّلتُ بأربع ... » فذكر بمعناه غير أنه لم يذكر الشّفاعة (٣) , وروى أيضاً من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: «أُعْطِيتُ ما لم يُعطَ أحد من الأنبياء» فقلنا: يا رسول الله ما هو , قال: «نُصِرتُ بالرّعب وأُعطيتُ مفاتيح (٤) الأرض وسُمّيت أحمد وجُعل التّرابُ لي طَهوراً وجُعلت أُمَّتي خيرَ الأمم» (٥) , وروى أيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه فذكر قصّةً قال: وقال لهم يعني النبي ﷺ : «لقد أُعطِيتُ الليلة خمساً , ما أُعطيهن أحد قبلي: أمّا أنا فَأُرسِلتُ إلى الناس كلّهم عامّةً , وكان مَن قبلي إنّما يُرسَل إلى قومه , ونُصِرتُ على العدوّ بالرّعب , ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لَمُلِئُوا (٦) منّي رُعباً , وأُحِلَّت لي الغنائم آكُلُها , وكان من قبلي يُعَظمون أكْلَها , كانوا يُحرقونَها , وجُعِلَتْ لي الأرضُ مساجد وطَهُوراً (٧) , أينما أدركَتْني الصلاة تَمسَّحت وصلّيتُ [ق ٥٦/و] , وكان من قبلي يُعَظِّمون ذلك , إنما كانوا يصلّون في كنائسهم وبِيَعهم , والخامسة هي ما (هي) (٨) , قيل لي: سل فإن كلّ نبيّ قد سأل , فأخّرت مسألتي إلى يوم القيامة , فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله» (٩) , وروى أيضاً أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النّبيَّ ﷺ بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب , فقرأه على النبي ﷺ فغضب وقال: «أمُتَهَوِّكون (١٠) فيها يا ابن الخطّاب , والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء
следующие страницы →