يَنشَأ الصغير على ما كان والده (١) إن العروق عَليها يَنبُت الشّجر
وقال محمد ﷺ [ق ٥٤/ظ]: «المرء على دين خليله فانظر من يخالل» (٢) ولكن العجب من محمد ﷺ (الذي) (٣) نشأ بين أهل (٤) الكفر , وتربّى بين عبدة الأوثان , ونشأ عِندَ جاهلية جهلاء , لا يرون ديناً غير عبادة الأصنام , ولا يعرفون غير ذلك , فغلبت العناية الإلهيّة والتّربية الربانيّة على تأثير الجليس السّوء في المجالس , حتى غلبت رائحة مسك الجليس الصّالح على شرر نافح كير الكفر فأطفأه , وطفا نورُ الإيمان ورَسا , وطَفِئَ جَمْر الشرك ورسَب , فكان إذا مرّ بمكان فيه شيء من أوثانهم أعرض وعرج (٥) عنه , وأُلهِمَ من صغره التوحيدَ وبُغضَ الأصنام وما كان عليه المشركون (٦)؛ فهذا أعظم من حال يحيى ﵊ , فإنه نشأ بين أبويه يتأدّب بأدبهما , ويأخذ عبادة ربّه عنهما , ولم يكن له جليس إلا أهلُ الزّهد والعبادة , (و) (٧) فرق عظيم بين من أوتي الحكمة وهو في حجر النّبوّة وكنف أهل العلم والدّين وبين من أوتيها وهو بين أهلِ (٨) الكفر والإشراك وعدم من يوحّدُ الله تعالى ويعبده.
فإن قيل: فقد أثنى الله على يحيى ﵇ بقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: من الآية ٣٩] والحصور الذي لا يأتي النّساء , قيل: إنّ يحيى ﵇ كان منفرداً بمراعاة شأنه , وكان محمد ﷺ رسولاً إلى الخلق كافّة ليَقُودَهم وَيَحُوشَهُم إلى الله قولاً وفعلاً , فأظهر الله تعالى به الأحوال المختلفة , والمقامات العالية المتفاوتة في متصرّفاته , ليقتدي كل الخلق بأفعاله ويتشبّه بأوصافه , فاقتدى به الصّدّيقون في حالاتهم ,
стр. 212
والشهداء في مراتبهم , والصالحون في أحوالهم , ليأخذ العالي والداني والمتوسط من سيرته قسطاً وحظّاً , والنكاح من أعظم حظوظ النفس وأبلغ الشهوات , فلهذا أمره الله تعالى بالنكاح وأوجبه عليه لما جبل عليه النفوس وطبعها عليه , ليتحصَّنُوا به من السِّفاح , ولما كان المقصود من النكاح التناسل قال ﷺ : «تناكحوا تكثروا فإنّي مُكاثر بكم الأمم (١)» (٢) واجتمع عنده في وقت تسع نسوة وكان يطوف عليهن في الليلة الواحدة (٣) هذا مع توفّره على العبادة التي حَيّرت الخلق , فإنه كان يصلي حتى تورّم (٤) قدماه ويقوم [ق ٥٥/و] الليلَ كلّه بالآية يردّدها يناجي بها ربَّه سبحانه: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ويواصل في الصوم الأيام والليالي ويقول: «وأيّكم مثلي إني أبيت يطعمني ربّي ويسقيني» (٥) على أنه قال: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (٦) فكان يبالغ في الصيام حتى يواصل فيه ومع ذلك فهذا شأنه في القوة على الجماع كما أشرنا (٧) إليه , ولما
стр. 213
سئلت عائشة ﵂ عن عمله في بيته فقالت: وأيّكم يطيق ما كان (١) رسول الله ﷺ يطيق , كان عمله ديمةً ﷺ (٢) , (والله أعلم) (٣).
(فصل) (٤)
ولم نورد ما أوردناه غضّاً على أحد من أنبياء الله صلى الله عليهم وسلم , ولا تنقصاً بأحد منهم , ونعوذ بالله تعالى من ذلك , ومن خطوره بالبال أيضاً , ولكن رأينا الله سبحانه قد فضّل بعض النّبيّين على بعض , ورفع بعضهم فوق بعض درجات , ووقع إلينا من أخبارهم وأحوالهم ما وقع , تبيّن لنا فضل نبيّنا محمد ﷺ (عليهم) (٥) , وعرفنا من فضل بعضهم على بعض ما أشرنا إليه في هذا الكتاب , مع أن كلّهم كان عند الله وجيهاً , وكان كل منهم (نبيّاً) (٦) نبيهاً صلى الله عليهم وبارك وسلم؛ وأمّا ما جاء من قوله ﷺ : «لا تفضّلوني على يونس بن (٧) متى» (٨) ومن قوله: «لا تفضّلوا بين أنبياء الله» (٩) فإن ذلك وقع منه ﷺ في قضايا معيّنة كان مضمونها تفضيله والازراء على غيره فغضب لذلك
стр. 214
ونهى عن التفضيل على هذا الوجه وقد صحّ عنه ﷺ أنه قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر بيدي لواء الحمد يوم القيامة آدم فمن بعده تحت لوائي ولا فخر» (١).
(فصل) (٢)
فأمّا (٣) فضله ﷺ على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فمن ذلك ما روى البخاري من حديث جابر بن عبدالله ﵄ أنّ النبي ﷺ قال: «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهُن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر [ق ٥٥/ظ] , وجُعلَتْ لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً فأيّما رجلٍ من أُمّتي أدركَتْه الصَّلاة فليُصلّ , وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي , وأُعطِيتُ الشّفاعةَ , وكان النّبيّ يُبعث إلى قومه خاصّةً وبُعِثتُ إلى النّاس عامّة» (٤) , وروى أيضاً عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «بُعِثتُ بجوامع الكَلِم , ونُصِرتُ بالرعب , وبينا أنا نائمٌ رَأيتُني أُتيتُ بمفاتيح خزائن الأرض فَوُضِعَت في يدي» (٥) والحديثان في الصحيحين وغيرهما؛ وفي مسند الإمام أحمد وغيره عن أبي ذرّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهنّ أحد قبلي: بُعثتُ إلى الأحمر والأسود , وجُعلَتْ لي الأرض طَهُوراً ومسجداً , وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي , ونُصِرتُ بالرّعب فيُرعَب العدوّ وهو منّي على مسيرة شهر , وقيل لي: سل تعطه فاختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمّتي فهي نائلة منكم إن شاء الله من لم يشرك بالله شيئاً» (٦) وروى أيضاً من حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعطيتُ خمساً لم
стр. 215
يُعطَهُنَّ نبيّ قبلي ... » وذكر نحوه (١) , وروي من حديث أبي أمامة ﵁ عنه (٢) ﷺ قال: «فُضّلتُ بأربع ... » فذكر بمعناه غير أنه لم يذكر الشّفاعة (٣) , وروى أيضاً من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: «أُعْطِيتُ ما لم يُعطَ أحد من الأنبياء» فقلنا: يا رسول الله ما هو , قال: «نُصِرتُ بالرّعب وأُعطيتُ مفاتيح (٤) الأرض وسُمّيت أحمد وجُعل التّرابُ لي طَهوراً وجُعلت أُمَّتي خيرَ الأمم» (٥) , وروى أيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه فذكر قصّةً قال: وقال لهم يعني النبي ﷺ : «لقد أُعطِيتُ الليلة خمساً , ما أُعطيهن أحد قبلي: أمّا أنا فَأُرسِلتُ إلى الناس كلّهم عامّةً , وكان مَن قبلي إنّما يُرسَل إلى قومه , ونُصِرتُ على العدوّ بالرّعب , ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لَمُلِئُوا (٦) منّي رُعباً , وأُحِلَّت لي الغنائم آكُلُها , وكان من قبلي يُعَظمون أكْلَها , كانوا يُحرقونَها , وجُعِلَتْ لي الأرضُ مساجد وطَهُوراً (٧) , أينما أدركَتْني الصلاة تَمسَّحت وصلّيتُ [ق ٥٦/و] , وكان من قبلي يُعَظِّمون ذلك , إنما كانوا يصلّون في كنائسهم وبِيَعهم , والخامسة هي ما (هي) (٨) , قيل لي: سل فإن كلّ نبيّ قد سأل , فأخّرت مسألتي إلى يوم القيامة , فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله» (٩) , وروى أيضاً أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النّبيَّ ﷺ بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب , فقرأه على النبي ﷺ فغضب وقال: «أمُتَهَوِّكون (١٠) فيها يا ابن الخطّاب , والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء
стр. 216
نقيّة , لا تسألوهم عن شيء فيُخبرون بحقّ فتكذّبونه , أو بباطل (١) فتصدّقونه , والذي نفسي بيده لو أن موسى ﵇ كان حيّاً ما وسعه إلا أن يَتّبعني» (٢) وروى مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو بَدا لكم موسى فاتبعتموه ثم تركتموني لضللتم عن سواء السبيل , ولو كان موسى حيّاً ثم أدركني في نبوّتي لاتّبعني» (٣) وروى مسلم من حديث حذيفة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «(فُضلنا) (٤) على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة , وجُعلت لنا الأرض كلها مسجداً , وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء» (٥) , وروى أيضاً من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ (قال) (٦): «فضّلت على الأنبياء بستّ: أُعطيتُ جوامع الكَلِم , ونُصِرتُ بالرّعب , وأحلّت لي الغنائم , وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً , وأُرسِلتُ إلى الخلق كافّةً , وخُتم بي النبيون» (٧) , وعنه (٨) أيضاً عنه ﷺ قال: «(و) (٩) جُعلت لي الأرض طيّبة طهوراً فأيما رجل أدركته الصلاة صلّى حيث كان» (١٠) وفي حديث
حذيفة ﵁: «وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة , وأوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعط منه أحد قبلي ولا يعطى منه أحد بعدي» (١١) , وروى
стр. 217
أيضاً من حديث أبيّ بن كعب ﵁ فذكر قصّة الذي دخل المسجد وقرأ القراءة (١) التي أنكرها , وحمله إلى النبي ﷺ , وذكر قوله: «أُرسِلَ إليّ أن اقرأ القرآن على حرف , فرددت [ق ٥٦/ظ] إليه أن هوّن على أمّتي -فذكرت ثلاث مرّات- قال: فردّ إليّ الثالثةَ اقرأه على سبعة أحرف , ولك بكل ردّة رددتكها (٢) مسألة تسألنيها , فقلت: اللهم اغفر لأمّتي , اللهم اغفر لأمّتي , وأخرّتُ الثالثةَ ليوم يَرغب إليّ الخلق كلّهم حتى إبراهيم صلوات الله عليه» (٣) , وعن أبي أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إن الله فضّلني على الأنبياء , وفضّل أمّتي على الأمم , وأرسلني إلى الناس كافّة , ونُصِرتُ بالرُّعب يسير بين يديّ قذفَهُ في قلوب أعدائي , وجعل لي الأرض كلها مسجداً وطَهوراً فأيّما عبد أدركته الصلاة فعنده مسجده وطَهوره وأحلّت لي الغنائم» (٤) , وعن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ : «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهن أحد قبلي من الأنبياء: جُعِلت لي الأرض طهوراً ومسجداً , ولم يكن نبي من الأنبياء -يعني: - يصلي حتى يبلغ محرابه , ونُصرت بالرعب مسيرة شهر يكون بيني وبين المشركين مسيرةُ شهرٍ يقذف (٥) الله الرّعب في قلوبهم , وكان النبي (٦) يبعث خاصّة إلى قومه وبعثت إلى الجنّ والإنس , وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار فتأكله , وأمرت أن أقسمه في فقراء أمّتي , ولم يبق
стр. 218
نبيّ إلا قد أعطي سؤله وأخّرت أنا شفاعتي لأمّتي» (١) , فإن اعترض معترض بأن سليمان ﵇ كان له سراري , والسراري والعبيد أثر الغنيمة , فكيف يقول محمد ﷺ : «أحلت لي الغنائم ولم تُحَلّ لأحد قبلي» قال الإمام أبو الفرج ابن الجوزي: "إن الأنبياء كانوا إذا جاهَدُوا وقدّموا الغنيمة التي هي أمتعة وأطعمة وأموال نزلت نار فأكلتها كلّها: حصّة ذلك النبي وسهام الأمّة , كما في حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين عنه ﷺ قال: «غزا نبيّ من الأنبياء فجمعوا الغنائم , فأقبلت النّار لتأكله فأبت أن تَطعمه فقال النّبيّ: فيكم غلول , فأخرجوا مثل رأس بقرة ذهباً فوضعوه في المال , فأقبلت النار فأكلَتْه , فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا , ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها [ق ٥٧/و] لنا» فأما العبيد والإماء والحيوانات فإنها تكون ملكاً للغانمين دون الأنبياء عليهم الصلاة السلام , فلا يجوز للأنبياء ﵈ أخذ شيء منها بسبب الغنيمة بل بالابتياع و (٢) الهدية ونحو ذلك , ومن هذا تسرّي سليمان ﵊ , وكذلك تسري إبراهيم ﵊ بهاجر أم إسماعيل ﵇ لم يكن ملكه لها من جهة الغنيمة وإنما وصلت إليه من الهبة , ومحمد ﷺ كان (٣) يجوز له ذلك فيأخذ (الخمس و) (٤) الصفي (٥) ويتصرف فيه , وذلك من خصائصه دون الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وسلم؛
стр. 219
(قال) (١): فإن قيل: فالعبيد والإماء غنيمة أيضاً؟ قلنا: نعم , لكن ذلك حرّم على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , وأحل لنبيّنا ﷺ خاصّة من بينهم" (٢).
فحكم العبيد والإماء والحيوان غير حكم الصامت من الأموال فإن الأموال غير ذوات الأرواح كانت تحرق والحيوان لا يحق تحريقه فهذا شيء , وذاك شيء آخر.
وقد أعطي هو ﷺ وأمّته الجمعة ولم يعطها من قبله (٣) , وخواصه وخواصّ أمته كثيرة كما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى , وروى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا سيد الناس يوم القيامة , وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأوّلين والآخرين في صعيد واحد , وتدنو الشمس , فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون , فيقول بعضهم لبعض: ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ؟ فيقولون: آدم - فذكر حديث الشفاعة وتدافع الأنبياء ﵈ أمرها وكلٌ يقول: (لست) (٤) لها - حتى يأتوني فأقول: أنا لها» (٥) والحديث مشهور معروف في الصحاح وغيرها , ففي هذا الحديث احتياج الخلق كلّهم إليه يوم القيامة , وتقدمه على جميع الأنبياء ﷺ , وأنه إذا قام يشفع فيقال (٦) (له) (٧): «سل تعط , واشفع تشفع» , وليست هذه الرتبة لغيره , وروى الترمذي من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أوّل الناس خروجاً إذا بُعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشّرهم إذا يَئسوا وأنا أكرم ولد على آدم على ربّي ولا فخر [ق ٥٧/ظ]» (٨) وفي روايةٍ له أنه قال: «أنا أكرم الأوّلين والآخرين على الله ولا فخر» وقد تقدم , وروى الدارمي عن أنس ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا
стр. 220
أوّلهم خروجاً , وأنا قائدهم إذا وفدوا , وأنا خطيبهم إذا أنصتوا , وأنا مستشفعهم إذا حبسوا , وأنا مبشّرهم إذا يئسُوا , والمفاتيح يومئذ بيدي , وأنا أكرم ولد آدم على ربّي , يطوف عليّ ألف خادم كأنهم بيض مكنون , أو لؤلؤ منثور» (١) , وروى أيضاً عن ابن عباس ﵄ قال: "جلس ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرونه , فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون , فتسمّع حديثهم , [فإذا بعضهم] (٢) يَقول: عجباً أن الله اتخذ من خلقه خليلاً فإبراهيم خليله , وقال آخر: ماذا بأعجب من أن كلم موسى تكليماً , وقال آخر فعيسى كلمة الله وروحهُ , وقال آخر: (وآدم) (٣) اصطفاه الله , (فخرج) (٤) عليهم فسَلّم وقال: «قد سمعت كلامكم وعجبَكم أنّ إبراهيم خليل الله وهو كذلك , وموسى نجيّه وهو كذلك , وعيسى روحه وهو كذلك , وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك , ألا وأنا حبيب الله ولا فخر , وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة , تحته آدم فمن دونه ولا فخر , وأنا أوّل شافع وأول مشفّع يوم القيامة ولا فخر , وأنا أوّل من يحرّك غلق الجنّة ولا فخر , فيفتح الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر , وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر» (٥) , وعن حذيفة ﵁ قال: قال أصحاب رسول الله ﷺ : إبراهيم خليل الله , وموسى كلّمه الله تكليماً , وعيسى كلمة الله وروحه , فما أُعطيتَ يا رسول الله؟ قال: «ولد آدم كلهم تحت رايتي , وأنا أوّل من
يفتح له باب الجنّة» (٦) , وروى أبو نعيم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قلت: يا رب ,
стр. 221
إنه لم يكن نبيّ إلا وقد أكرمتَه , فجعلت إبراهيم خليلاً , وموسى كليماً , وسخّرت لداود الجبال , ولسليمان الريح والشياطين , وأحييت لعيسى الموتى , فما جعلتَ لي؟ قال: أوليس (قد) (١) أعطيتك (أفضل) (٢) من ذلك كله , أن لا أُذكَر إلا ذُكِرتَ معي , وجعلت صدور أمّتك أناجيل يقرأون القرآن ظاهراً [ق ٥٨/و] ولم أعطها أمّةً» (٣) , وعن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لما أسري بي إلى السّماء قلت: يا رب اتخذت إبراهيم خليلاً , وكلمت موسى تكليماً , ورفعت إدريس مكاناً علياً , وأتيت داود زبوراً , وأعطيت سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده , فماذا لي يارب؟ , فقال: يا محمد اتخذتك خليلاً كما اتخذت إبراهيم خليلاً , وكلمتك كما كلمت موسى , وأعطيتك فاتحة الكتاب وخاتمة سورة البقرة ولم أعطها نبيّاً قبلك , وأرسلتك إلى أهل الأرض أولهم وآخرهم وإنسهم وجنّهم ولم أرسل إلى جماعتهم نبياً قبلك , وجَعلتُ الأرض لك ولأمّتك مساجد وطهوراً , وأطعمت أمّتك الفيءَ ولم أُحلّه لأمّة قبلها , ونصرتك بالرعب حتى إن عدوّك لَيُرعَب منك , وأنزلت عليك سيّد الكتب كلّها قرآناً عربيّاً , ورفعت لك ذكْرك حتّى لا أُذكَر إلا ذكرت معي» (٤) , وعن جابر بن عبدالله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «(إن الله اختارني على جميع العالمين من النبيين
والمرسلين» (٥) ,
стр. 222
وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ ) (١): «إن الله أعطى موسى الكلام , وأعطاني الرؤية , وفضلني بالمقام المحمود والحوض المورود» (٢) , وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: "ما خلق الله تعالى خلقاً ولا برأه أحبّ إليه من محمّد ﷺ " (٣)؛ ومن أنعم النظر في معجزات الأنبياء , وتدبّر معجزات نبيّنا ﷺ , (وجد معجزات نبيّنا ﷺ ) (٤) أضعاف ذلك , مع مقابلة كل معجزة بما هو مثلها , أو فوقها , ووجد لنبينا ﷺ غير ذلك مما تفرّد به , ووجد كرامات الأولياء من أمّته أعظم , وأكثر , وأبلغ من كرامات الأولياء من أمم الأنبياء قبله.
فإن قيل: كيف قال محمد ﷺ : «بُعِثتُ إلى الخلق كافة» (٥) ومعلوم أن موسى ﵊ لما بُعث إلى بني إسرائيل لو جاءه غيرهم (٦) من الأمم يسألونه تبليغ ما جاء به عن الله تعالى لم يجز له كتمه , بل كان يجب عليه إظهار ذلك لهم؟ , ثم قد أهلك الله تعالى في زمن نوح ﷺ الخلق وما كان ذلك إلا لعموم رسالته؟ , فقد أجاب عن هذا أبو الوفاء ابن عقيل (٧) [ق ٥٨/ظ] فقال: إن شريعة نبينا ﷺ جاءت ناسخة لكل
شريعة قبلها , وقد كان يجتمع في العصر الواحد نبيّان وثلاثة يدعو كل واحد إلى شريعة تخصّه , ولا يدعو غيره من الأنبياء إليها ولا ينسخها , بخلاف نبينا ﷺ فإنه دعا الكل
стр. 223
ونسخ الكل وقال: «لو كان موسى حَيّاً ما وسعه إلا اتباعي» (١) وما كان يمكن عيسى ﷺ أن يقول هذا في حق موسى ﷺ , وأما نوح ﵊ فإنه لم يكن في زمنه نبي يدعو إلى شريعته (٢) , وقد أشرنا إلى هذا فيما تقدم.
قلت: ولو قيل: إن كل نبي من الأنبياء المبعوثين إلى أممهم خاصّة أن تخصيصهم هذا (هو) (٣) أنهم لا يدعون غير من أرسلوا إليه , فإن طَرَى على أحد منهم طار من غير أمته واستفتاه فإنما يُفتيه بشريعته لا شريعة المستفتى فإن هذا لا مانع منه , وإذا عمل هذا المستفتي بما أفتاه هذا المفتي لم يكن ضالّاً ولا معاقباً بمتابعة هذا النبي الآخر , فإن أصل دين الأنبياء جميعهم شيء واحد , فالأميّ إذا قلّد العالم في شيء جاز فكيف بتقليد النبي المعصوم عند الحاجة؛ وقريب من هذا المعنى في هذه الأمّة المحمّديّة الجامعة لكل خير , المعصومة من الاجتماع على ضلالة , لو سأل حنبليُّها شافعيَّها أو مالكيُّها حنفيَّها ونحو ذلك عن أمرٍ فأفتاه ذلك العالم بما هو مذهبه فعمل السائل بقوله لم يأثم ولم يكن ضالّاً بسؤال من ليس على مذهبه مع اتفاق أصل الدين , ومع ذلك لا يجوز لهذا المفتي أن يَدعُوَ الناسَ إلى مذهبه ومفارقة مذاهبهم ونحو ذلك مثلاً إذا سكن رجل من بغداد في مصرَ أو غيرها واحتاج إلى شيء من الأمور الشرعيّة كالعقود والفسوخ وإقامة الحدود ونحو ذلك فإنه يكون تحت حكم قضاتها وولاتها يقضون فيما يوافق مذاهبهم و (إن) (٤) كانت خلاف مذهبه ويلزمه قبول ذلك والتزامه , ولا يتوقف الحال
على أن ينهى (٥) ذلك إلى حكام (٦) بلده لأن أصل الدين واحد والملّة واحدة والخلاف في
стр. 224
فروع الشريعة غير ضارّ , فهكذا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما في الحديث: «الأنبياء إخوة أولاد علّات أمهاتهم شتّى ودينهم واحد» (١) , فأمّا [ق ٥٩/و] وشريعة محمد ﷺ ناسخة لما قبلها من الشرائع فلا يمكن (هذا) (٢) , والله أعلم.
ومن خصائص محمّد ﷺ أن كل معجزة لنبيّ فلَهُ من جنسِهَا مِثلُها وأعظم وأتم وأكمل , وكل كرامة لوليّ من الأمم السالفة فلأولياء أمّته مثلها (٣) وأعظم وأتمّ وأكمل كما قد أشرنا إليه , على أن كل معجزة لنبي من الأنبياء فهي له , لأن الله تعالى أخذ عليهم الميثاق لئن جاءهم ليؤمننّ به ولينصرنّه , فكان (٤) إيمانهم به ودعوتهم لأممهم إلى الإيمان به إن أدركوه معجزةً له خصيصةً به , فإنهم لما التزموا الميثاق بالإيمان به وبالإتباع له وأوصَوا بذلك اتباعهم صارت المعجزة والفضيلة له عليهم , فمهما أظهر الله تعالى على أيديهم من (٥) الخوارق فهو بواسطة الإيمان (به) (٦) واتباعِه , كما أن كل كرامة لوليّ من أمّة من الأمم هي مضافة إلى معجزاتِ مَتبوعِهِ من الأنبياء كما أشرنا إليه , فإن الكرامات (٧) لا تحصل إلا بمتابعة الرسل صلى الله عليهم وسلم , وتصديقهم , والتزام طريقتهم.
فصل
وأمّا الخصائص التي اختصّ بها محمد ﷺ دون غيره , فإنه خصّ بواجبات ومحظورات ومباحات وتكرُّمات , فالواجبات: السواك , والوتر , والأضحيّة , وركعتا
стр. 225
الفجر , وفي قيام الّليل خلاف؛ وأما المحظورات: فالرَّمْزُ بالعين (١) , وأكل الصّدقة المفروضة , والتزوّج بالإماء , وخَلْعُ لَأمَة الحرب إذا لبسها حتى يلقى العدو , فأما قول الشعر والكهانة فقد يُعَدّ في المحظورات وإنّما مُنع من ذلك لا أنّه حُرّم عليه , وأما المباحات: فمنها الوصال في الصوم وقد مَنع منه غيرَه , وأخْذُ (الماء) (٢) من العطشان , وجعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم , وخُمسُ الخمس , والصفيّ من المغنم , والتزوّجُ بأيّ عددٍ شاء , والنكاح بغير مهر ولا وليّ وبلفظ الهبة , وأمّا التكرمات: فتحريم أزواجه على غيره في الدنيا , وجعلهنّ (٣) أزواجه في الجنة , وبعث إلى الخلق كافّةً , ولا نبيَّ بعده , وخُلِدت شريعته فلم تنسخ , وجعل مَعجِزه باقياً يُتَصفّح إلى يوم القيامة ويُتحدّى [ق ٥٩/ظ] به , ذكر هذا الفصل ابن الجوزي رحمه الله تعالى (٤) , وروى بإسناده عن جابر ﵁ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: «أُتِيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق (٥) عليه قطيفة من سندس» (٦) , ومن خصائصه ﷺ التي أكرم بها أن صلاته قاعداً ليست كصلاة غيره قاعداً لما روى مسلم في صحيحه عن عبدالله بن عمرو ﵁ قال: حُدِّثتُ يا رسولَ الله أنك قلت: صلاة الرجل يعني قاعداً على مثل نصف الصلاة وأنت تصلي قاعداً , قال: «أجل , ولكنِّي لستُ كأحدٍ منكم» (٧).
стр. 226
فصل
ومن خصائص محمد ﷺ أيضاً تضاعُف الصلاة على من صلى عليه ﷺ روى الإمام أحمد ومسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلّى عليّ واحدة صلى الله عليه عشراً» (١) , وروى أحمد من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحطّ عنه عشر خطيئات» (٢) , وروى أيضاً من حديث أبيّ بن كعب ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله إن جعلت صلاتي كلها عليك , قال: «إذا يكفيك الله (تبارك و) (٣) تعالى ما همك من دنياك وآخرتك» (٤) , ورَوى أيضاً عن عبدالله بن [أبي] (٥) طلحة (٦) عن أبيه (٧) أنّ رسول الله ﷺ جاء ذات يوم والسّرور في وجهه فقال: «إنه أتاني الملك فقال: يا
محمد , أما يُرضيك أن ربّك يقول: إنه لا يصلي عليك أحد من أمّتك إلا صليت عليه عشراً , ولا يسلم عليك أحد من أمّتك (٨) إلا سلّمت عليه عشراً , قال: بلى» (٩) , ورَوى
стр. 227
أيضاً عن عبدالله بن عامر بن ربيعة (١) عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى عليّ صلاةً لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى عليّ , فليُقل عبدٌ من ذلك (٢) أو ليكثر» (٣) , وروى أيضاً عن عبدالرحمن بن عوف ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ , فتوجّه نحو صَدَقته فدخل , فاستقبل القبلة فخرّ ساجداً , فأطال السجود حتّى ظننت [ق ٦٠/و] أنّ الله قد قبض نفسه , فدنوت منه , ثم جلست فرفع رأسه , فقال: «من هذا؟ » قلت: عبدالرحمن , فقال: «ما شأنك» , قلت: يا رسول الله سجدت سجدةً خَشيتُ أن يكون الله قد قبض نفسك فيها , فقال: «إن جبريل أتاني فبشّرني فقال: إن الله يقول لك: من صلى عليك (٤) صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت لله شكراً» (٥)؛ وروى أيضاً عن أبي طلحة الأنصاري ﵁ قال: أصبح رسول الله ﷺ يوماً طيّب النّفس يُرى في وجهه البشر , فقالوا: يا رسول الله أصبحت اليوم طيب النفس , يُرى في وجهك البشر , فقال: «أجل أتاني آت من ربّي فقال (٦): من صلّى عليك صلاة كتب الله له بها عشر حسنات , ومحا عنه عشر سيئات , ورفع له عشر درجات , وردَّ عليه مثلها» (٧) , وفي رواية أخرى نحوه وقال فيها:
стр. 228
«أنه ليس أحد من أمّتك يصلي عليك صلاة إلا صلّى الله وملائكته عليه (١) عشراً» (٢) , وفي رواية عنه أخرى قال: دخلت على رسول الله ﷺ ذات يوم فلم أره قطّ أشدّ فرحاً ولا أطيب نفساً منه يومئذ فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي , إنّي لم أرك قطّ أشدّ فرحاً و (لا) (٣) أطيب (٤) نفساً منك اليوم , قال: «يا أبا طلحة وما يمنعني أن لا أكون (٥) كذلك وإنما فارقني جبريل آنفاً فقال: لي يا محمّد إنّ ربك بعثني إليك وهو يقول: إنه ليس أحد من أمتك يصلي عليك صلاة إلا رد الله مثل (٦) صلاته عليك , وإلا كتب له بها عشر حسنات وحط عنه (٧) عشر سيئات ورفعت له عشر درجات , ولا يكون لصلاته منتهى دون العرش لا تمرّ بملك إلا قال: صلّوا على قائلها كما صلّى على محمد ﷺ » (٨) , وفي رواية أخرى قال: دخلت على النبي ﷺ وأساريرُ وجهه تبرق فقلت: يا رسول الله ما رأيت أطيب نفساً ولا أظهر بشراً منك يومنا هذا فقال (٩): «ومالي لا تطيب نفسي ويَظهر بشري وإنما فارقني جبريل الساعة فقال: يا محمد من صلّى عليك من أمتك صلاة كتب الله (له) (١٠) بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفعه عشر درجات وقال له الملك: مثل ما قال [ق ٦٠/ظ] , قلت (١١): يا جبريل وما ذاك الملك؟
قال: إن الله وكل بك ملكاً من لَدُن خلقك إلى أن يبعثك لا يصلي عليك أحد إلا
стр. 229
قال وأنت صلى الله عليك» (١) , وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: "الصّلاة على النبي ﷺ أمْحَقُ للخطايا من الماء للنّار , والسلام على النبي ﷺ أفضل من عتق الرقاب , وحبّ رسول الله ﷺ أفضل من ضرب السيف في سبيل الله" (٢) أو كما قال , وعن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلّى عليّ صلاة صلى الله (عليه) (٣) بها عشر صلوات , واستَبَق ملكاه أيّهما يُبلِغ رُوحي منه السَّلامَ» (٤) , وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن لله تعالى ملائكةً سيّاحين في الأرض يبلّغوني عن أمّتي السّلام» (٥) , وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى عليّ عند قبري وكّل الله بها ملكاً يبلغني , وكُفي أمر دنياه وآخرته , وكنت له يوم القيامة شهيداً أو شفيعاً» (٦) , وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله أعطى ملكاً من الملائكة أسماع الخلائق فهو قائم على قبري إلى يوم القيامة لا يصلي عليّ أحد إلا سمّاه باسمه واسم أبيه وقال: يا أحمد صلّى عليك فلان بن فلان وتكفّل لي الربّ أن أردّ عليه بكل
стр. 230
صلاة عليه عشراً» (١) ﷺ , وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مامن أحد يسلّم عليَّ (٢) إلا ردّ الله إليّ روحي حتى أردّ ﵇» (٣) , وعن علي بن الحسين ﵄ عن (أبيه ﵁ أن) (٤) النبي ﷺ قال: «البخيل من ذُكرتُ عنده فلم يصل عليّ» (٥) ﷺ , وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (قال) (٦): «ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة (٧) , فإن شاء عذّبهم وإن شاء غفر لهم» (٨) , وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ [ق ٦١/و]: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» (٩) , وروى تمام (١٠) في فوائده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم الخميس بعث الله ملائكة معهم
صحف من فضة وأقلام من
стр. 231
ذهب يكتبون يوم الخميس وليلة الجمعة أكثرَ الناس صلاة على محمّد ﷺ » (١)؛ والأحاديث في ذكر الصلاة عليه كثيرة جدّاً , وفيها مصنفات , وفوقِ ذلك صلاة الله تعالى عليه وملائكته وأمرُه للمؤمنين أن يصلوا عليه ويسلموا تسليماً كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] , وسنذكر فصلاً آخر إن (٢) شاء الله تعالى في كيفية الصلاة عليه وغير ذلك.
فصل
ومن خصائصه ﷺ رُقيُّهُ إلى فوق سبع سموات , ثم إلى سدرة المنتهى , وفوق ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى , ومنها أنّ الله تعالى قرّبه إليه حتى كان بينه وبينه كقاب قوسين أو أدنى «قال: يا حبيبي محمّد , قلت: لبيك يا ربّ , قال: هل غَمُّك أن جعلتك آخر النّبيّين , قلت: يا ربّ لا , قال: حبيبي هل غَم أمتك أن جعلتهم آخر الأمم , قلت: لا يا رب , قال: أبلغ أمتك عني السلام وأخبرهم أني جعلتهم آخر الأمم لأفضح الأمم عندهم ولا أفضَحهم عند الأمم» رواه ابن الجوزي في الوفا عن هشيم عن حميد عن أنس ﵁ (٣) , ومنها أنه تعرض عليه أعمال أمّته فيحمد الله تعالى على صالحها (٤) ويشفع في سيّئها (٥) , ومنها أنه ﷺ كان يرى مِن خلفه كما يَرى قدّامَه (٦) ,
стр. 232
ومنها أنه كان يرى في الظلمة كما يرى في الضّوء (١) , ومنها أنه كان إذا مشى في الشمس لم يكن له ظلّ لشدّة نوره وقد سبق ذلك , ومنها تسليم الحجر والشجر عليه (٢) , ومنها نبع الماء من بين أصابعه (٣) , ومنها حِنّة الجذع اليابس إليه (٤) , ومنها أنه أوتي جوامع الكلم (٥) وفواتحه (٦) وخواتمه (٧) واختُصرت له الحكمة اختصاراً (٨) , فكان أفصح
الخلق ,
стр. 233
وأبلغهم , وأعظمهم بياناً , وقيل له: ما بالك أفصحَنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال (١): «إنّ لغة إسماعيل كانت قدْ نُسيت فأتاني جبريل فعَلّمنيها [ق ٦١/ظ]» (٢) , ومنها أنّ أمّته أكثر الأمم يوم القيامة (٣) , ومنها أنهم يكونون نصف (٤) أهل الجنة (٥) , ومنها أنه أكثر الناس تبعاً يوم القيامة (٦) , ومنها أنه أول الناس خروجاً إذا بُعثوا , وأنه خطيبهم إذا وَفَدُوا , وأنه مبشّرهم إذا يئسوا , لواء الحمد بيده , وهو أكرم الخلق على ربّه ﷺ وقد تقدم الحديث في ذلك وهو حديث حسن رواه الترمذيّ؛ ومنها أنه قد وعده رَبُّه أنه سَيُرضِيه من أمّته ولا يَسُوؤه , ومنها شفاعاته في الآخرة فإن له ﷺ عدّة شفاعات: الأولى الشفاعة في عموم الخلق ليحاسَبُوا ويُراحُوا من الموقف كما سبق , وشفاعَةٌ في أهل الكبائر من أمّته , وشفاعة لمن في قلبه مثقال ذرّة من إيمان إلى ما دون ذلك من الشفاعات الخاصّة والمشتركة هو وغيره فيها (٧) كما أشرنا إليه وكما يأتي إن شاء الله تعالى , ومنها أن الجنّة محرمة على الخلق حتى يدخلها هو ﷺ , وعلى الأمم حتى
стр. 234
تدخلها أمّته (١) , ومنها المقام المحمود (الّذي يغبطه به الأوّلون والآخرون يوم القيامة وجاء في تفسير المقام المحمود) (٢): أنه الشفاعة , وجاء أنه يجلسه ربّه سبحانه معه على العرش وصنف فيه الإمام أبو بكر المروذي (٣) كتاباً وساق ماعنده (في ذلك) (٤) من الأخبار والآثار (٥) , ومنها الوسيلة وهي درجة (٦) في الجنة لا ينبغي أن (تكون) (٧) إلا لعبد من عباد الله وكان ﷺ يرجوها (٨) وإذا كانت لا ينبغي إلا لرجل واحد من عباد الله فمن عساه يصلح لها غيره ﷺ , ومنها أن الله تعالى جعل سبَّه ﷺ ولعْنه لمن ليس لذلك أهلاً زكاةً وأجراً وعافية ومغفرة وقربة إليه يوم القيامة (٩) , ومنها أن الكذب عليه صلى الله
стр. 235
[عليه وسلم] (١) ليس كالكذب على غيره وأنه ﷺ قال: «من كذَب عليّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النّار» (٢) ولم نعلم حديثاً عنه ﷺ رواه أكثر مما روي [هذا الحديث] (٣) فإنه رواه عنه ﷺ من الصحابة ﵃ ما [يزيد على] (٤) ثمانين نفساً منهم العشرة المشهود لهم (٥) بالجنّة ولا يُعلم حديث رواه عنه العشرة المذكورة غيره.
فصل
ومن خصائصه ﷺ أنّه لما ولد فخرج من بطن أمّه [ق ٦٢/و] وقع ﷺ على الأرض ساجداً ورفع يده إلى السّماء كالمتضرّع المبتهل (٦) , ومنها عجائب كانتْ ليلة ميلاده رأتها أمّه رأت ثلاثة أعلام مضروبات منها علم بالمشرق , وعلم بالمغرب , وعلم على ظهر الكعبة قالت: بينا أنا أتعجب من ذلك إذا بثلاثة نفر ظننت أن الشمس تطلع (٧) من خلال وجوههم في يد الواحد منهم إبريق من فضة وفي الإبريق ريح كريح المسك , وفي يد الثاني طست من زمرذ خضراء لها أربع نواحي وعلى كل ناحية من نواحيها لؤلؤة بيضاء , وإذا قائل يَقول: هذه الدنيا شرقها وغربها وبرّها وبحرها فاقبض يا حبيب الله على أيّ ناحية شئت منها قالت: فنظرت فإذا هو قابض على وسطها فسمعت قائلاً يقول: قبض على الكعبة ورب الكعبة أما إن الله تعالى قد جعلها لك قبلة ومسكناً ,
стр. 236
ورأيت على (يد) (١) الثالث حريرة بيضاء قد طُويت طيّاً شديداً فنشرها فأخرج منها خاتماً تحارُ أبصار الناظرين دونه فأخذه صاحبُ الطست وأنا أنظر إليه فغسله بماء الإبريق سبع مرّات ثم ختم بالخاتم بين كتفيه ختماً واحداً ولفه في الحريرة واستدار عليه بخيط من المسك الأذفر ثم حمله فأدخله بين أجنحته ساعة قال ابن عباس ﵄: كان ذلك رضوان خازن الجنان قالت وقرأ في أذنه كلاماً كثيراً لم (٢) أفهمه وقبّل بين عينيه وقال له أبشر: يا محمّد فما بقي لنبيّ عِلم إلا وقد أُعطِيتَهُ وأنت أكثرهم علماً وأشجعهم قلباً معك مفاتيح النّصر وقد أُعطِيتَ الأمن من الخوف والرّعب ولا يسمع أحد بذكْرك إلا وَجِلَ قلبُه وخفق ولو لم يَرَك يا حبيب الله (٣)؛ ومنها: ما ذكر عبدالمطّلب أنّه كان عند الكعبة ليلة ولادة النبي ﷺ قال: لما انتصف الليل إذا أنَا بالبيت الحرام قد مال بجوانِبه الأربعة فخر ساجداً في مَقام إبراهيم ﵊ كالرّجل الساجد , ثم استوى قائماً وأنا أسمع له تكبيراً عجيباً ينادي: الله أكبر ربّ محمّد المصطفى الآن قد طهّرني (ربّي) (٤) من أنجاس المشركين وحميّة الجاهلية , ونظرت إلى الأصنام كلّها تنتفض كما ينتفض الثّوبُ [ق ٦٢/ظ] , ونظرت إلى الصنم الأعظم هُبَل قد أكبّ على وجهه , وسمعتُ منادياً ينادي: ألا إنّ آمنة ولدتْ محمّداً ﷺ وقد سَكبت عليه سحائبُ الرحمة هذا طست من الفردوس قد أنزل ليُغسل فيه (٥)؛ ومنها أنّ مهده ﷺ كان يُحرك بتحريك الملائكة (٦) , (كانت الملائكة) (٧) تحرّكه وتطوف به تبرُّكاً به ﷺ , وقال له العباس عمّه: دعاني إلى الدخول في دينك أمارات نبوّتك رأيتك في المهد تناغي القمرَ وتشير إليه بأصابعك فحَيثُ أشرتَ إليه مال فقال ﷺ : «كنت أحدّثه ويحدّثني ويُلهيني عن البكاء
стр. 237
وأسمع وَجْبتَهُ (١) حين يسجد تحت العرش» (٢) , وكان أوّل كلام تكلّم به أن قال: الله أكبر الله أكبر الحمد لله رب العالمين (٣) , ومنها أنّ حليمة التي أرضعته قالت: أرضعته تحت شجرة يابسة فتعلَّق ببعض الشجرة فاخضرّت لمسّه إيّاها (٤) , ومنها: أنّ (٥) ليلة ولد أصبحت أصنام الدّنيا منكوسةً , وأصبح عرش إبليس عَدوِّ الله منكوساً والملك المأمور به قد جعله في بطن البحار أربعين يوماً فانفلت منها أسوَدَ محترقاً هارباً ولم يبق كاهن في قريش ولا قبيلة من قبائل العرب إلا احتجب عن صاحبه , وانتزع عِلم الكهنة ولم يبق سريرٌ لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوساً والملك مخرساً لا ينطق يومه ذلك ومرّت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات , وكذلك أهل البحار بشّر بعضهم بعضاً به وكان في كل شهر من شهوره نداء في الأرض ونداء في السّماء: أنْ أبْشروا فقد آن لأبي القاسم ﷺ (٦) أن يخرج إلى الأرض المباركة مبارَكاً (٧) , ومنها أنه لما وُلد ارتجس إيوان كسرى وسقط منه أربع عشرة شرافة وغاضت بُحَيرة ساوة وانقطع
تلك الليلةَ الماءُ
стр. 238
فلم يجر في بُحَيرة طبريّة وخمَدت النيران المعبودة في الأرض ولم تخمد قبل ذلك بألف عام (١).
فصل
ومن خصائصه ﷺ التي اختصّ بها دون الأمّة أنه لم يكن يحتلم قط لأن (٢) الاحتلام من تلعب الشيطان وكان ﷺ محفوظاً من الشيطان [ق ٦٣/و] بل كان الشيطان يهرب منه (٣) , ومنها أن شيطانه كان كافراً فأعانه الله تعالى عليه حتى أسلم فلا يأمره إلا بخير (٤) , ومنها أنه كان لاتعلوه ذُبابة قطّ (٥) وأن القمل لم يكن يُؤذيه (٦) , ومنها أنه (كان) (٧) إذا
стр. 239
جلس بين الجلوس كان كتفه أعلى من جميعهم (١) وإذا مشى بين الطوال طالَهُم فإذا فارقهم نُسبوا إلى الطول ونُسِب هو ﷺ إلى الربعة (٢) , ومنها أنّ الأرض كانت تبتلع بولَه وغائطه وتفوح منه رائحة طيّبة كالمسك وتبقى تلك الرائحة بعد ارتحاله (٣) , ومنه حديث عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله إنك تدخل الخلاء فإذا خرجتَ دخلتُ في أثرك فلا أرى شيئاً إلا أنّي أجد رائحة المسك فقال: «إنا معشر الأنبياء بنيَتْ أجسادنا على أرواح الجنّة فما خرج منّا من شيء ابتلعته الأرض» , ومنها ما روى بعض الصحابة أنه صحبه في سَفر قال فلما أراد قضاء حاجته تأمَّلتُهُ وقد أبعد فدخل مكاناً فقضى حاجته فدخلت الموضع الذي خرج منه فلم أجد شيئاً ولا أثر غائطٍ ولا بول ورأيت في ذلك الموضع ثلاثة أحجار كان استنجى بها فأخذتها فإذا بها يفوح منها ريح المسك وكنت إذا جئت يوم الجمعة المسجدَ أخذتهن في كمّي فتَغلب رائحتهن روائح من تطيّب وتعطّر (٤) , ومنها ما روت أمّ أيمن ﵂ قالت: قام رسول الله ﷺ إلى فخّارَةٍ في البيت فبال فيها ثم قمت من اللّيل وأنا عطشى فأتيت الفخارة فشربت ما فيها فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فضحك وقال: «أما إنّكِ لن يَشتكي بطنكِ بعد يومك هذا» (٥) , وروى عبدالرزاق عن ابن جريج قال أُخبرت أن النبي ﷺ كان يبول في قدح من عَيْدان ثم يوضع تحت سريره قال: فبال فَوُضِع تحت سريره فجاء فأراده فإذا القدح ليس فيه شيء فقال لامرأةٍ يقال لها بركة كانت تخدمه: «أين البول الذي كان في القدح» قالت (٦): شربته فقال: «صحّة يا أم يوسف» (٧) وكانت تكنى
أمّ يوسف فما
стр. 240
مرضت قط حتى كان مرضها الذي (١) ماتت فيه (٢) , قيل: إنّ بركة هذه كانت لأم حبيبة جاءت معها [ق ٦٣/ظ] من أرض الحبشة و [كانت] (٣) أمّ أيمن تسمّى بركة أيضاً ورثها عن أبيه (٤) والله أعلم , ومنها أنّ (٥) مالك بن سنان (٦) شرب دمَه يوم أحُد ومصّه إياه فقال: «لن تصيبه النار» (٧) , وكذلك شرب عبدالله بن الزبير ﵄ دم حجامته فقال له: «ويل لك من الناس وويل لهم منك» (٨) وفي رواية أخرى أنه قال: «أما إنه لا تصيبه النار - أو (٩) - لا تمسّه النار» (١٠) قال الشعبي فقيل لابن الزبير ﵄: كيف وجدت طعم الدّم فقال: أمّا الطعم فطعم (١١) العسل وأما الرائحة فرائحة المسك (١٢) , وتسويغه ذلك لهم وأنه لم يأمرهم بغسل أفواههم منه دليل على طهارة هذه الأشياء منه (١٣) ﷺ , وشاهدٌ أنه لم يكن منه (شيء) (١٤) يُكره , ولا شيءَ غيرَ
طيّبٍ ﷺ , ويجاب
стр. 241
عن قول من احتج بأنه كان يستجمر ويستنجي من ذلك بأن المنيّ كان يُغسَل من ثوبه وليس ينجس والله أعلم.
فصل
في طيب ريحه ﷺ -
كان ﷺ يمجّ في القدح أو الكوز أو الدَّلو أو البئر فيجدون لذلك ريحاً أطيب من المسك , وقال أنس بن مالك ﵁: ماشَمِمْتُ عنبراً قط , ولا مسكاً , ولا شيئاً أطيب من ريح رسول الله ﷺ (١) , وعن جابر بن سمرة ﵁ أنه ﷺ مسح خدَّه قال: فوجدت ليده برداً وريحاً (٢) كأنما أخرجها من جُؤنة (٣) عَطّار (٤) , وقال غيره: مسها بطيب أولم يمسّها يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها , ويضع يده على رأس الصبي فيُعرَف من بين الصبيان بريحها (٥) , ومنها أنه ﷺ نام في دار أنس بن مالك ﵁ فعرق فجاءت أُمُّه بقارورة تجمع فيها عَرقَه فسألها (عن) (٦) ذلك فقالت: نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطّيب (٧) , وكانت تلتقط عرقه فتخلط به مسكاً لها في قارورة ثم (٨) تجعله للشفاء وقال جابر ﵁: لم يكن النبي ﷺ يمرّ في طريق فيتبعه أحدٌ إلا عرف أنه سلكه من طيبه (٩).
стр. 242
فصل
ومن خصائصه أنه لم يكن أحَدٌ يَغلِبه بالقوّة , ومنها أنه (كان) (١) إذا لم يجد الماء مَدّ أصابعه فيتَفَجّر الماء من بينها حتى يقضي [ق ٦٤/و] طُهُوره وقد أشرنا إلى ذلك , ومنها أن السحاب كانت تظله وكان في بعض المغازي مع أصحابه فكان إذا وقعت عليه الشمس جاءت سحابة فأظلّته (٢) تدور معه كيف دار إلى آخر النهار ثم تزول فتعود اليوم الثاني , ومنها أن الأرض كانت تطوى له فيُسرِع أصحابه خلفْه حتى تتقطع نعالهم وتسقط أرديتهم وهو ﷺ غير مُكترث (٣) , ومنها أنه كان إذا مسَّ شيئاً لم تضرّ النارُ ذلك الشيء كما روى عَبّادُ بن عبدالصمد (٤) قال: أتينا أنس بن مالك نسلّم عليه فدعا لنا بالمائدة فتغدّينا عنده ثم قال يا جارية هاتي المنديل فأُتي بمنديل فقال: يا جاريةُ اسجُرِي التَنّور قالت: وما اسجُرِيه؟ قال: أوقدِيه فأوقدَته ثم أُتي بالمنديل فطُرح فيه فخرج أبيض كأنه اللبن الحليب قلت: ما هذا يا أبا حمزة قال: هذا منديل كان يمسح النبي ﷺ به وجهه فإذا اتّسَخ به صنعنا به هكذا لأن النار لا تأكل شيئاً مرّ على وجه الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه (٥) , قال: فمسحنا به وجوهنا فله من هذه الفضيلة الشركة والنصيب الوافر , ومنها أن السّماء لم تكن تُحرَس ولا يُرمى منها بالشّهب قبل
محمد ﷺ وكانت الشياطين تقعد منها مقاعد للسمع (٦) فلما بُعث ﷺ حُرِست ورميت بالشّهب قال الله تعالى مخبراً عنهم: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ
стр. 243
يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] ومنها أن الدجال والطاعون لا يدخلان المدينة ببركته ﷺ كما في الصّحاح (١) وغيرها.
فصل
ومن خصائصه ﷺ في أسمائه فمنها ما في حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا محمَّدٌ وأنا أحمد وأنا نبيّ الرحمة (٢) وأنا نبيّ التّوبة وأنا نبيّ الملحمة (٣) وأنا المُقَفِّي وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي» (٤) وفي حديث جبير بن مُطعِم ﵁: «وأنا الماحي (٥) الذي يُمحى (٦) بي الكفر وأنا العاقب (٧): الذي ليس بعدي نبيٌّ
[ق ٦٤/ظ]» (٨) , وفي حديث أبي الطُفيل: «وأنا الفاتح والخاتم» (٩) , وفي حديث عليّ:
стр. 244
أنّه بشير ونذير وأنّه أمين وأنه مأمون وأنه رسول وأنه سراج وأنه منير , وهذه الأسماء في القرآن.
فصل
ومن خصائصه ﷺ الإسراء , والرؤية في أحد قولي العلماء , والدنوُّ , والصلاة بالأنبياء والملائكة , والشهادة بين الأنبياء والأمم , ومنها أن الله يعطيه حتى يَرضى , ومنها أنه رحمة للعالمين , ومنها ما خصّه به في الآخرة من الشفاعة والحوض (و) (١) الكوثر وسماع القول وإتمام النعمة كما سيأتي , ومنها العفو عما تقدّم وتأخّر , ومنها شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذّكر وعزّة النصر ونزول السكينة والتأييد بالملائكة وإيتاء الكتاب والحكمة والسبع (٢) المثاني والقرآن العظيم وتزكية الأمّة وصلاة الله تعالى والملائكةِ عليه والحكم (بين الناس) (٣) بما أراه الله تعالى والقَسَم باسمه (٤) وإجابة دعوته وتكليم الجمادات وانشقاق القمر وردّ الشمس إن صحّ (٥) , والنّصر بالرعب وتسبيح
الحصى في يده وتسبيح الطعام وهو يؤكل بحضرته كما تقدم ذكره , وفيما خصّ به دون أمّته التخيير لنسائه وصلاة الليل كما ذكرنا , ولم يكن له إذا سمع منكراً ترْكه حتى يغيّر وليس له أن يكتب ولا يقول الشّعر وأنه كان عليه دَينُ مَن يموت من أمته إذا لم يكن
ترك وفاء ولم يكن لأحد تغيير ما حماه من حمىً وأحل له القتال بمكة (١) ولم يحل (٢) لأحد قبله ولا يحل لأحد بعده , ومما خص ﷺ به أنّ حدّ من سبّه أو هجاه القتل وأن من سبّه هو أو لعَنَهُ ممن ليس أهلاً لذلك أن يكون سَبُّه له ولعْنُه إياه رحمةً وقربةً (٣) وأن
стр. 248
الأنساب كلها منقطعةٌ إلا نسبه وأُوجِبَ على المصلي أن يجيبه إذا دعاه وأبيح له الحكم لنفسه وقبول الشهادة ممن شهد له بقوله لقضيّة خزيمة (١).
فصل
واختص بأن جمع فيه معاني وصفات لم تجتمع في غيره من جمال صورته , وتناسب أعضائه في حسنها وصحّتها واعتدال أشكالها , ونظافة جسمه , ونزاهته [ق ٦٥/و] عن الأدناس والأقذار , ووفور عقله , وذكائه , ودقّة فطنته , وقوّة حواسّه , وفصاحة لسانه , واعتدال حركاته , وحسن شمائله , ومعاملته للخليقة على اختلاف طبقاتهم (٢) وتباين غَرَائزهم بما يلائم أحوالهم , وتدبير بواطنهم وظواهرهم بما يُصلح شؤونهم , وسياسة الخاصة والعامّة بما فيه انتظام حال دينهم ودنياهم , يُعاملهم في كل ذلك ببدائع سيرته , وسعة حلمه , وكثرة تواضعه , وجودة شمائله , وهذه أمور مبسوطة في أمهات الكتب المصنّفة في شمائله وبيان فضله وفضائله.
فصل
ومن خصائصه الكبار ما قدّمنا الإشارة إليه في ليلة الإسراء به ﷺ قولُه : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: من الآية ١] فمن مقدمات الإسراء ما أخرجه البخاري
стр. 249
ومسلم في صحيحيهما (١) من حديث مالك بن صعصعة قال: قال النبي ﷺ : (بينا) (٢) أنا عند البيت - أو قال: في الحطيم (٣)(٤) - بين النائم (٥) واليقظان (٦) جاءني ثلاثة نفر وذلك قبل أن يوحى إليّ فقال أوّلهم: أيّهم هو , قال أوسطهم: هو خيرهم , فقال آخرهم: خذوا خيرهم , فكان تلك الليلة , فلم يَرَهم حتى أتوه ليلةً أخرى فيما يرى قلبُه وتنام عينُه ولا ينام قلبه , وكذلك الأنبياء ﵈ تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم , فلم يكلّموه حتى احتملوه , فوضَعوه عند زمزم , فتولّاه منهم جبريل , فشقّ من نحره إلى اللبّة , وقال قتادة: فشق من النحر إلى مراق (٧) البطن (٨) فاستخرج قلبي (٩) , زاد مسلم: فشق عن قلبي فاستخرج القلب فاستخرج منه علقه فقال هذا حظ الشيطان منك ثم غسله (١٠) , قال البخاري: بماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه , ثم أتى بطست من ذهب
ممتلئ إيماناً وحكمة , فحشى به صدْرَه ولغاديده -يعني: عروق حلقه- ثم أطبقه (١١) ثم اُتِيتُ بدابة فوق الحمار ودون البغل أبيض يضع حافرة عند منتهى طرفه فحملت عليه (١٢) ,
стр. 250
زاد مسلم قال: «فركبته حتى أتيت باب المقدس قال فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء - قال: - ثم دخلت المسجد وصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل [ق ٦٥/ظ] بإناء من خمرٍ وإناء من لبن فأخذت اللبن فقال جبريل: أخذت الفطرة (١) , قال البخاري: فانطلق بي جبريل حتى أتى السّماء الدنيا فاستفتح , فقيل: من هذا؟ قال: جبريل , قيل: ومن معك؟ قال: محمد , قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم , قيل: مرحباً به ونعم المجيء جاء ففتح (٢) , فلما علونا السّماء إذا (٣) رجل عن يمينه أسودة , وعن شماله أسودة , فإذا نظر قبل يمينه ضحك , وإذا نظر قبل شماله بكى , فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح , فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم فسلّم عليه , فسلّمت عليه فردّ علي السّلام وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه , فأهل اليمين منهم أهل الجنة , وأهل الشمال منهم أهل النار , فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى -قال: - ثم عَرج بي (جبريل) (٤) حتى أتى (٥) السّماء الثانية فاستفتح , قيل: من هذا , قال: جبريل , قيل: ومن معك , قال: محمد , قيل: وقد أرسل (إليه) (٦) , قال: نعم , قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء ففُتح لنا (٧) , فلما خلصت إذا يحيى وعيسى ابنا الخالة , قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما , فسلمت عليهما ثم قالا مرحباً بالأخ الصّالح والنبي الصالح (٨) , زاد مسلم: