يد رسوله، ثم يقدمهم عليه يوم لقائه.
وقد قال تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذتُّمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨]. وقد اختلف السلف في هذا الكتاب السابق (١).
فقال جمهور المفسرين من السلف ومَن بعدهم: لولا قضاء من الله سبق لكم يا أهل بدر في اللوح المحفوظ أن الغنائم حلال لكم؛ لعاقبكم.
وقال آخرون: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد الحجّة؛ لعاقبكم.
وقال آخرون: لولا كتاب من الله سبق (٢) لأهل بدر أنهم مغفور لهم ــ وإن عملوا ما شاؤواـ؛ لعاقبهم.
وقال آخرون ــ وهو الصواب ــ: لولا كتاب من الله سبق بهذا كلِّه؛ لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم. والله أعلم.
* * * *
стр. 142
الباب التاسع
في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
قال سفيان: عن زياد بن إسماعيل المخزومي، حدثنا محمد بن عباد بن جعفر، حدثنا أبو هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى رسول الله ﷺ يخاصمون في القدر، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٧ - ٤٩] رواه مسلم (١).
وروى الدارقطني من حديث حبيب بن عمرو (٢) الأنصاري، عن أبيه قال (٣): قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين خصماء الله؟ وهم القدرية" (٤)، ولكن حبيب هذا قال الدارقطني: "مجهول، والحديث
стр. 143
مضطرب الإسناد، ولا يثبت" (١).
و المخاصمون في القدر نوعان:
أحدهما: مَن يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره، كالذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨].
والثاني: مَن ينكر قضاءه وقدره السابق. والطائفتان خصماء الله.
قال عوف: "من كذَّب بالقدر فقد كذَّبَ بالإسلام، إن الله ﵎ قدَّر أقدارًا، وخلق الخلق بقدر، وقسم الآجال بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم البلاء بقدر، وقسم العافية بقدر، وأمر ونهى (٢) " (٣).
وقال الإمام أحمد: "القدرُ قدرة الله" (٤).
واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًّا، وقال: "هذا يدل على دقة علم
стр. 144
أحمد، وتبحره في معرفة أصول الدين" (١).
وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الربّ على خلق أعمال العباد وكتابتها وتقديرها.
وسَلَفُ القدرية كانوا ينكرون علمه بها، وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم، وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله.
وفي تفسير علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] قال: "الذين يقولون: إن الله على كلِّ شيء قدير" (٢).
وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل، ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات، فإن أكثر أهل الكلام لا يوفّون هذه الجملة حقَّها، وإن كانوا يقرون بها. فمنكرو القدر، وخلق أفعال العباد لا يقرون بها على وجهها، ومنكرو أفعال الربِّ تعالى القائمة به لا يقرون بها على وجهها، بل يصرِّحون أنه لا يقدر على فعل يقوم به.
ومَن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم في شأن يفعل ما يشاء؛ لا يقر بأن الله على كل شيء قدير، ومَن لا يقرّ بأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء، وأنه سبحانه مقلب القلوب حقيقة، وأنه إن شاء أن يقيم القلب أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه= لا يقر بأن الله على كل شيء قدير.
стр. 145
ومن لا يقرّ بأنه استوى على عرشه بعد أن خلق السماوات والأرض، وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يقول: "من يسألني فأعطيه، مَن يستغفرني فأغفر له"، وأنه نزل إلى الشجرة فكلم موسى كليمَه منها، وأنه ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة حين تخلو من سكانها، وأنه يجيء يوم القيامة فيفصل بين عباده، وأنه يتجلى لهم يضحك، وأنه يريهم نفسه المقدسة، وأنه يضع رجله على النار فتضيق بأهلها، وينزوي بعضها إلى بعض، إلى غير ذلك من شؤونه وأفعاله، التي مَن لم يقرَّ بها= لم يقرّ بأنه على كل شيء قدير.
فيا لها كلمة من حَبْر الأمة وترجمان القرآن ﵁.
وقد كان ابن عباس شديدًا على القدرية، وكذلك الصحابة، كما سنذكر ذلك إن شاء الله.
* * * *
стр. 146
الباب العاشر
في مراتب القضاء والقدر التي مَن لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر (١)
وهي أربع مراتب:
المرتبة الأولى: علم الربِّ سبحانه بالأشياء قبل كونها.
المرتبة الثانية: كتابته لها قبل كونها.
المرتبة الثالثة: مشيئته لها.
الرابعة: خلقه لها.
فأما المرتبة الأولى وهي العلم السابق، فقد اتفق عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة، ومَن تبعهم من الأمة، وخالفهم في ذلك مجوس الأمة.
وكتابته السابقة تدلّ على علمه بها قبل كونها، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
قال مجاهد: "عَلِم من إبليس المعصية، وخلقه لها، وعلم من آدم الطاعة، وخلقه لها" (٢).
стр. 147
وقال قتادة: "كان في علمه أنه سيكون من تلك الخليفة (١) أنبياء ورسل، وقوم صالحون، وساكنو الجنة" (٢).
وقال ابن مسعود: "أعلم ما لا تعلمون من شأن إبليس" (٣).
وقال مجاهد أيضًا: "علم من إبليس أنه لا يسجد لآدم" (٤).
وقال تعالى: ﴿اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ وَيُنزِلُ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤].
وفي "المسند" (٥) من حديث لقيط بن عامر، عن النبي ﷺ أنه قال: يا
стр. 148
رسول الله، ما عندك من علم الغيب؟ فقال: "ضَنَّ ربك بمفاتيح خمسٍ من الغيب لا يعلمها إلا الله"، وأشار بيده، فقلتُ: ما هُنّ؟ قال: "عِلْمُ المَنِيّة، قد عَلِم متى مَنِيّة أحدكم ولا تعلمونه، وعِلْمُ المَنِيِّ حين يكون في الرحم، قد علمه ولا تعلمونه، وعِلْمُ ما في غد، قد علم ما أنت طاعم ولا تعلمه، وعِلْمُ يومِ الغيث، يشرف عليكم آزِلِين (١) مشفقين، فيظل يضحك، قد علم أن غَوْثكم إلى قريب ــ قال لقيط: لن نَعدم من ربٍّ يضحك خيرًا ــ، وعِلْمُ يومِ الساعة".
وقد تقدم حديث علي المتفق على صحته: "ما منكم من نفس منفوسة، إلا وقد عُلِم مكانُها من الجنة والنار" (٢).
وقال البزار: حدثنا محمد بن عمر بن هياج الكوفي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا فضل (٣) بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ أحسبه قال: "يُؤتى بالهالك في الفترة، والمعتوه، والمولود، فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتابٌ ولا رسولٌ. ويقول المعتوه: أي ربِّ، لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًّا. ويقول المولود: ربِّ، لم أدرك العمل. قال: فتُرفعُ لهم نار، فيُقالُ لهم: رِدُوها، أو قال: ادخلوها. فَيَرِدُها من كان في علم الله سعيدًا أن لو أدرك العمل، قال: ويُمسك عنها من كان في علم الله شقيًّا أن
стр. 149
لو أدرك العمل، فيقول ﵎: إياي عصيتم، فكيف برسلي بالغيب" (١).
وفي "الصحيحين" (٢) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجِّسانه، كما تُنْتَج البهيمةُ جَمْعاء، هل تحسون فيها من جَدْعاء؟ (٣) حتى تكونوا أنتم تجدعونها"، قالوا: يا رسول الله، أفرأيت مَن يموت منهم وهو صغير؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين".
ومعنى الحديث: الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا.
وقد قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، قال ابن عباس: "عَلِم ما يكون قبل أن يخلقه" (٤).
وقال أيضًا: "على علم قد سبق عنده" (٥).
стр. 150
وقال أيضًا: "يريد الأمر الذي سبق له في أم الكتاب" (١).
وقال سعيد بن جبير ومقاتل: "على علمه فيه" (٢).
وقال أبو إسحاق: "أي على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه" (٣).
وهذا الذي ذكره جمهور المفسرين.
قال الثعلبي: "على علم منه بعاقبة أمره" (٤).
قال: "وقيل: على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه" (٥).
وكذلك ذكر البغوي (٦)، وأبو الفرج بن الجوزي قال: "على علمه السابق منه أنه لا يهتدي" (٧).
وذكر طائفة منهم المهدوي وغيره قولين في الآية، هذا أحدهما.
قال المهدوي: "فأضلّه الله على عِلْم علمه منه.
وقيل: المعنى: أضلّه عن الثواب على عِلْم منه بأنه لا يستحقه.
стр. 151
قال: وقيل: على عِلْم من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر" (١).
وعلى الأول يكون ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ حال من الفاعل، المعنى: أضله الله عالمًا بأنه من أهل الضلال في سابق علمه.
وعلى الثاني: حال من المفعول، أي أضله الله في حال عِلْم الكافر بأنه ضال.
قلت: وعلى الوجه الأول فالمعنى: أضله الله عالمًا به، وبأقواله وما يناسبه ويليق به، ولا يصلح له غيره، قبل خلقه وبعده، وأنه أهل للضلال، وليس أهلًا أن يُهدى، وأنه لو هُديَ لكان قد وضعَ الهدى في غير محلّه، وعند مَن لا يستحقه، والربُّ تعالى حكيم، إنما يضع الأشياء في محالها اللائقة بها.
فانتظمت الآية على هذا القول: إثباتَ القدر والحكمة التي لأجلها قُدّر عليه الضلال، وذِكْرَ العلم؛ إذ هو الكاشف المبين لحقائق الأمور، ووضعِ الشيء في موضعه، وإعطاءِ الخير من يستحقه، ومنعِهِ من لا يستحقه؛ فإن هذا لا يحصل بدون العلم، فهو سبحانه أضله على علمه بأحواله التي تناسب ضلاله وتقتضيه وتستدعيه.
وهو سبحانه كثيرًا ما يذكر ذلك مع إخباره بأنه الذي أضل الكافر، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ
تقدرون على الاستجابة بعد ذلك.
ويشبه هذا ــ إن لم يكن هو بعينه ــ قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا جَّاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا (١)﴾ [يونس: ١٣]، وفي موضع آخر: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَد جَّاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ (٢) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١].
وفي هذه الآية ثلاثة أقوال، هذا أحدها، قال أبو إسحاق: هذا إخبار عن قوم لا يؤمنون، كما قال عن قوم (٣) نوح: ﴿نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ﴾ [هود: ٣٦]، واحتج على هذا بقوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١]. قال: وهذا يدل على أنه قد طبع على قلوبهم (٤).
وقال ابن عباس: "فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا يوم أخذ ميثاقهم، حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كُرْهًا، وأقرّوا باللسان، وأضمروا التكذيب" (٥).
وقال مجاهد: "فما كانوا ــ لو أحييناهم بعد هلاكهم ــ ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم" (٦).
стр. 154
قلت: وهو نظير قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨].
وقال آخرون: لما جاءتهم رسلهم بالآيات التي اقترحوها وطلبوها، ما كانوا ليؤمنوا بعد رؤيتها ومعاينتها بما كذبوا به من قبل رؤيتها، فمنعهم تكذيبهم السابق بالحق لما عرفوه من الإيمان به بعد ذلك، وهذه عقوبة مَن ردَّ الحق إذا عُرِض عليه (١) فلم يقبله، فإنه يُصْرَف عنه، ويُحال بينه وبينه، ويُقْلب قلبه عنه، فهذا إضلال العقوبة، وهو من عدل الربِّ تعالى في عبده.
وأما الإضلال السابق الذي ضلّ به عن قبوله أوّلًا والاهتداء به: فهو إضلال ناشئ عن علم الله السابق في عبده أنه لا يصلح للهدى ولا يليق به، وأن محله غير قابل له، فالله أعلم حيث يضع هداه وتوفيقه، كما هو أعلم حيث يجعل رسالاته، فهو أعلم حيث يجعلها أصلًا وميراثًا.
وكما أنه ليس كل محل أهلًا لتحمل الرسالة عنه، وأدائها إلى الخلق؛ فليس كل محل أهلًا لقبولها والتصديق بها، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، أي: ابتلينا واختبرنا بعضهم ببعض، فابتلى الرؤساء والسادة بالأتباع والموالي والضعفاء، فإذا نظر الرئيس والمطاع إلى المولى والضعيف قد آمن، حمي أنفه، وأنفَ أن يسلم، وقال: أهذا يمُنّ الله عليه بالهدى والسعادة دوني؟! قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، وهم الذين يعرفون النعمة وقدرها، ويشكرون الله عليها بالاعتراف والذل والخضوع والعبودية، فلو كانت
стр. 155
قلوبكم مثل قلوبهم، تعرفون قدر نعمتي، وتشكروني عليها، وتذكروني بها، وتخضعون لي كخضوعهم، وتحبوني كحبهم= لمننتُ عليكم كما مننتُ عليهم، ولكن لمِنَني ونعمي محالٌّ لا تليق إلا بها، ولا تحسن إلا عندها.
ولهذا يقرن سبحانه كثيرًا أو مطردًا بين التخصيص والعلم، كقوله ههنا: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ (١)﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٨ - ٦٩]، أي: هو سبحانه المنفرد بالخلق والاختيار مما خلق، وهو الاصطفاء والاجتباء، ولهذا كان الوقف التام على قوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾.
ثم نفى عنهم الاختيار (٢) الذي اقترحوه بإراداتهم، وأن ذلك ليس إليهم، بل إلى الخلّاق العليم، الذي هو أعلم بمحالّ الاختيار ومواضعه، لا مَن قال: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
فأخبر سبحانه أنه لا يبعث الرسل باختيارهم، وأن البشر ليس لهم أن يختاروا على الله، بل هو الذي يخلق ما يشاء ويختار، ثم نفى سبحانه أن تكون لهم الخِيَرة، كما ليس لهم الخلق.
стр. 156
ومَن زعم أن "ما" مفعول "يختار" فقد غلط (١)؛ إذْ لو كان هذا هو المراد لكانت "الخِيَرة" منصوبة على أنها خبر "كان"، ولا يصح أن يُقال: المعنى "ما كان لهم الخيرة فيه"، وحُذِف العائد؛ فإن العائد ههنا مجرور بحرف لم يُجَرَّ الموصول بمثله، فلو حُذِف مع الحرف لم يكن عليه دليل، فلا يجوز حذفه.
وكذلك لم يفهم معنى الآية مَن قال: إن "الاختيار" ههنا هو الإرادة، كما يقول المتكلمون: إنه سبحانه فاعل بالاختيار؛ فإن هذا اصطلاح حادث منهم، لا يُحْمَل عليه كلام الله، بل لفظ الاختيار في القرآن مطابق لمعناه في اللغة، وهو اختيار الشيء على غيره، وهو يقتضي ترجيح ذلك المختار وتخصيصه وتقديمه على غيره (٢)، وهذا أمر أخص من مطلق الإرادة والمشيئة.
قال في "الصحاح" (٣): "الخِيْرَةُ الاسم من قولك: خَارَ الله لك في هذا الأمر، والخِيَرَةُ أيضًا، تقول: محمدٌ خِيَرَةُ الله من خَلْقه، وخِيْرَةُ الله أيضًا ـ بالتسكين ـ، والاختيَارُ: الاصطفاء، وكذلك التَخَيُّرُ.
والاستخارة: طلب الخِيَرَة، يقال: اسْتَخرِ الله يَخِرْ لك، وخَيّرْتُهُ بين الشيئين: فَوَّضتُ إليه الخِيارَ". انتهى.
فهذا هو الاختيار في اللغة، وهو أخصّ مما اصطلح عليه أهل الكلام.
стр. 157
ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أي: اختار منهم.
وبهذا يحصل جواب السؤال الذي تورده القدرية، وهو: ما تقولون في الكفر والمعاصي: هل هي واقعة باختيار الله أم بغير اختياره؟
فإن قلتم: باختياره؛ فكل مختار مرضي مصطفى محبوب، فتكون مرضية محبوبة.
وإن قلتم: بغير اختياره؛ لم تكن بمشيئته واختياره.
وجوابه أن يقال: ما تعنون بالاختيار؟ تعنون به الاختيار العام في اصطلاح المتكلمين، وهو المشيئة والإرادة، أم تعنون به الاختيار الخاص الواقع في القرآن والسنة وكلام العرب؟
فإن أردتم بالاختيار الأول، فهي واقعة باختياره بهذا الاعتبار، ولكن لا يجوز أن يُطلق ذلك عليها؛ لما في لفظ الاختيار من معنى الاصطفاء والمحبة، بل يُقال: واقعة بمشيئته وقدرته.
وإن أردتم بالاختيار معناه في القرآن ولغة العرب، فهي غير واقعة باختياره بهذا المعنى، وإن كانت واقعة بمشيئته.
فإن قيل: فهل تقولون: إنها واقعة بإرادته، أم لا تطلقون ذلك؟
قيل: لفظ الإرادة في كتاب الله نوعان:
إرادة كونية شاملة لجميع المخلوقات، كقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ... ﴾
стр. 158
[البروج: ١٦]، وقوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ [الإسراء: ١٦]، وقوله: ﴿لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، ونظائر ذلك.
وإرادة دينية أمرية، لا يجب وقوع مرادها، كقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]، فهي مرادة بالمعنى الأول، غير مرادة بالمعنى الثاني.
وكذلك إن قيل: هل هي واقعة بإذنه أم لا؟
فالإذن أيضًا نوعان:
كوني، كقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وديني أمري، كقوله: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩]، وقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩].
ولفظ الاختيار مشتق من الخير المخالف للشر، ولما كان الأصل في الحي أنه يريد ما ينفعه، وما هو خير سُمّيت الإرادة اختيارًا، وهذا يتضمن أن الإرادة لا ترجِّح نوعًا على نوع إلا لترجُّح ذلك النوع عند الفاعل.
والمقصود أنه سبحانه يذكر العِلْم عند المخصَّصات، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]، لا خلاف بين الناس أن المعنى: على علم منّا بأنهم أهل للاختيار، فالجملة في موضع نصب على الحال، أي: اخترناهم عالِمِين بهم وبأحوالهم، وما يقتضي اختيارهم من قبل خلقهم، فَذَكر سبحانه اختيارهم وحكمته في اختياره إياهم، وذَكَر علمه الدال على مواقع حكمته واختياره.
стр. 159
ومن هذا قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١]، وأصحّ الأقوال في الآية أن المعنى: من قبل نزول التوراة، فإنه سبحانه قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]، ثم قال: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، أي من قبل ذلك، ولهذا قُطِعتْ "قبل" عن الإضافة وبُنِيت؛ لأن المضاف مَنْوِي معلوم، وإن كان غير مذكور في اللفظ، وذكر سبحانه هؤلاء الثلاثة وهم أئمة الرسل، وأكرم الخلق عليه، وهم: محمد وإبراهيم وموسى صلوات الله عليهم وسلامه.
وقد قيل: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في حال صغره قبل البلوغ، وليس في اللفظ ما يدل على هذا، والسياق إنما يقتضي من قبل ما ذُكِر.
وقيل: المعنى بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في سابق علمنا. وليس في الآية أيضًا ما يدل على ذلك، ولا هو أمر مختص بإبراهيم، بل كل مؤمن فقد قَدَّرَ الله هداه في سابق علمه.
والمقصود قوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾، قال البغوي: "إنه أهل للهداية والنبوة" (١).
وقال أبو الفرج: "أي: عالِمِين بأنه موضع لإيتاء الرشد" (٢).
стр. 160
وقال صاحب "الكشاف": "ومعنى "علمه به": أنه علم منه أحوالًا بديعة، وأسرارًا عجيبة، وصفات قد رَضِيَها وأحمدها، حتى أهّلَهُ لمخالّته ومخالصته، وهذا كقولك في خَيِّر من الناس: أنا عالم بفلان، فكلامك هذا من الاحتواء على محاسن الأوصاف" (١).
وهذا كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الدخان: ٣٢]، ونظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤]، وقريب من قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]، فلما ذكر ما خصّ به نبيه سليمان، وخصّ به الأرض التي بارك فيها قال: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾، حيث وضعنا هذا التخصيص في المحل الذي يليق به من الأماكن والأناسي.
فصل
وهو سبحانه كما هو العليم الحكيم في اختيار مَن يختار من خلقه، وإضلاله مَن يضله منهم؛ فهو العليم الحكيم بما في أمره وشرعه من العواقب الحميدة، والغايات العظيمة، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، بيَّن سبحانه أن ما أمرهم به
стр. 161
يعلم ما فيه من المصلحة والمنفعة لهم التي اقتضت أنه يختاره، ويأمرهم به، وهم قد يكرهونه؛ إما لعدم العلم، وإما لنفور الطبع، فهذا علمه بما في عواقب أمره مما لا يعلمونه، وذاك علمه بما في اختياره من خلقه مما لا يعلمونه، فهذه الآية تضمنت الحض على التزام أمر الله وإن شق على النفوس، وعلى الرضا بقضائه وإن كرهته النفوس.
وفي حديث الاستخارة: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلمُ ولا أعلم، وأنت علَّام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم هذا الأمر خيرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري؛ فاقدره لي، ويَسِّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلمه شرًا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري؛ فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به" (١).
ولما كان العبد محتاجًا في فعل ما ينفعه في معاشه ومعاده إلى عِلْمٍ بما فيه من المصلحة، وقدرةٍ عليه، وتيسيرٍ له، وليس له من نفسه شيء من ذلك، بل عِلْمه ممن علَّم الإنسان ما لم يعلم، وقدرته منه؛ فإن لم يقدره عليه وإلا فهو عاجز، وتيسيره منه؛ فإن لم ييسره عليه وإلا فهو متعسر عليه بعد إقداره= أرشده النبي ﷺ إلى محض العبودية، وهو طلب الخيرة من العالم بعواقب الأمور وتفاصيلها وخيرها وشرها، وطلب القدرة منه؛ فإنه إن لم يقدره وإلا فهو عاجز، وطلب فضله منه؛ فإنه إن لم ييسره له، ويهيئه له، وإلا فهو متعذر عليه، ثم إذا اختاره له بعلمه، وأعانه عليه بقدرته، ويسَّره له من فضله؛ فهو
стр. 162
يحتاج إلى أن يبقيه عليه، ويديمه بالبركة (١) التي يضعها فيه، والبركة تتضمن ثبوته ونموه، وهذا قَدْرٌ زائدٌ على إقداره عليه وتيسيره له، ثم إذا فعل به ذلك كله فهو محتاج إلى أن يرضِّيه به، فإنه قد يجيء له ما يكرهه، فيظل ساخطًا له وقد خار الله له فيه.
قال عبد الله بن عمر: "إن الرجل ليستخير الله فيختار له، فيسخط على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خِير له" (٢).
وفي "المسند" (٣) من حديث سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ : "من سعادة ابن آدم استخارته الله ، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله، ومن شِقْوة ابن آدم تركه استخارة الله ، ومن شِقْوة ابن آدم سخطه بما قضى الله".
ف المقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبله، والرضا بعده، فمن توفيق الله لعبده وإسعاده إياه أن يختار قبل وقوعه، ويرضى بعد وقوعه، ومن خذلانه له أن لا يستخيره قبل وقوعه، ولا يرضى به بعد وقوعه.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "لا أبالي أصبحت على ما أحب أو على ما أكره؛ لأني لا أدري: الخير فيما أحب أو فيما أكره" (٤).
стр. 163
وقال الحسن: "لا تكرهوا النقمات الواقعة، والبلايا الحادثة، فلرُبَّ أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرُبَّ أمر تؤثره فيه عطبك" (١).
فصل
ومما يناسب هذا قوله تعالى: ﴿لَّقَد صَّدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧]، بيَّن حكمة ما كرهوه عام الحديبية من صَدِّ المشركين لهم عن البيت، حتى رجعوا ولم يعتمروا، وبيَّن لهم أن مطلوبهم يحصل بعد هذا، فحصل في العام القابل.
وقال سبحانه: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو صلح الحديبية، وهو أول الفتح المذكور في قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، فإنه (٢) بسببه حصل من مصالح الدين والدنيا، والنصر، وظهور الإسلام، وبطلان الكفر، ما لم يكونوا يرجونه قبل ذلك، ودخل الناس بعضهم في بعض، وتكلم المسلمون بكلمة الإسلام وبراهينه وأدلته جهرة لا يخافون، ودخل في ذلك الوقت في الإسلام قريب ممن دخل فيه من أوله إلى ذلك الوقت. وظهر لكل أحد بَغْيُ المشركين وعدوانهم وعنادهم، وعَلِمَ الخاص والعام أن محمدًا ﷺ وأصحابه أولى بالحق والهدى، وأن أعداءهم ليس بأيديهم إلا العدوان والعناد، فإن البيت الحرام لم يُصَدَّ عنه حاجٌّ ولا
стр. 164
معتمر من زمن إبراهيم ﵇، فتحققت العرب عناد قريش وعدوانهم، وكان ذلك داعية لبشر كثير إلى الإسلام، وزاد عناد القوم وطغيانهم، وذلك من أكبر العون على نفوسهم، وزاد صبر المؤمنين واحتمالهم والتزامهم بحكم الله وطاعة رسوله، وذلك من أعظم أسباب نصرهم، إلى غير ذلك من الأمور التي علمها الله سبحانه ولم يعلمها الصحابة، ولهذا سَمَّاه فتحًا، وسُئل النبي ﷺ : أفتح هو؟ قال: "نعم" (١).
فصل
ويشبه هذا قول يوسف الصديق: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَد جَّعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِيَ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، فأخبر أنه يلطف لما يريده، فيأتي به بطرق خفية لا يعلمها الناس.
واسمه "اللطيف" يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية، ومنه التلطف، كما قال أهل الكهف: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٩]، فكان ظاهر ما امتحن به يوسف من مفارقة أبيه، وإلقائه في السجن (٢)، وبيعه رقيقًا، ثم مراودة التي هو في بيتها له عن نفسه، وكذبها عليه، وسجنه = محنًا ومصائب، وباطنها نعمًا ومنحًا، جعلها الله سببًا لسعادته في الدنيا والآخرة.
стр. 165
ومن هذا الباب ما يبتلي به عباده من المصائب، ويأمرهم به من المكاره، وينهاهم عنه من الشهوات، هي طرق يوصلهم بها إلى سعادتهم في العاجل والآجل، وقد حُفّت الجنّة بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات، وقد قال ﷺ : "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن" (١)، فالقضاء كله خيرٌ لمن أُعْطِي الشكر والصبر، جالبًا ما جلب.
وكذلك ما فعله بآدم وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم، من الأمور التي هي في الظاهر مِحَنٌ وابتلاء، وهي في الباطن طُرق خفية أوصلهم بها بلطفه إلى غاية كمالهم وسعادتهم.
فتأمل قصة موسى ﵇، وما لطف له من إخراجه في وقت ذبح فرعون الأطفال، ووحيه إلى أمه أن تلقيه في اليم، وسوقه بلطفه إلى دار عدوه الذي قدّر هلاكه على يديه، وهو يذبح الأطفال في طلبه (٢)، فربّاه في بيته وحجره على فراشه، ثم قَدَّرَ له سببًا أخرجه به من مصر، وأوصله به إلى موضع لا حكم لفرعون عليه، ثم قَدَّر له سببًا أوصله به إلى النكاح والغنى بعد العزوبة والعَيْلة، ثم ساقه إلى بلد عدوه فأقام عليه به حجَّته، ثم أخرجه وقومه في صورة الهاربين الفارين منه، وكان ذلك عين نصرتهم على أعدائهم وإهلاكهم وهم ينظرون.
وهذا كلّه مما يبيّن أنه سبحانه يفعل ما يفعله لما يريده من العواقب
стр. 166
الحميدة، والحكم العظيمة التي لا تدركها عقول الخلق، مع ما في ضمنها من الرحمة التامة، والنعمة السابغة، والتعرف إلى عباده بأسمائه وصفاته.
فكم في أكل آدم من الشجرة التي نُهي عنها، وإخراجه بسببها من الجنة، مِن حكمة بالغة لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها.
وكذلك ما قدَّره لسيد ولده من الأمور التي أوصله بها إلى أشرف غاياته، وأوصله بالطرق الخفية فيها إلى أحمد العواقب.
وكذلك فِعله بعباده وأوليائه، يوصل إليهم نعمه، ويسوقهم إلى كمالهم وسعادتهم في الطرق الخفية التي لا يهتدون إلى معرفتها إلا إذا لاحت لهم عواقبها.
وهذا أمر يضيق الجنان عن معرفة تفاصيله، ويحصر اللسان عن التعبير عنه، وأعرف خلق الله به أنبياؤه ورسله، وأعرفهم به خاتمهم وأفضلهم، وأمته في العلم به على مراتبهم ودرجاتهم ومنازلهم من العلم بالله وأسمائه وصفاته، وهو سبحانه قد أحاط علمًا بذلك كله قبل خلق السماوات والأرض، وقدّره وكتبه عنده.
ثم يأمر الملائكة بكتابة ذلك من الكتاب الأول قبل خلق العبد، فيُطابِق حاله وشأنه لما كُتِب في الكتاب، ولما كتبته الملائكة، لا يزيد شيئًا ولا ينقص مما كتبه سبحانه وأثبته عنده، كان في علمه قبل أن يكتبه، ثم كتبه كما في علمه، ثم وُجِدَ كما كتبه. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠].
والله سبحانه قد علم قبل أن يوجد عباده أحوالهم، وما هم عاملون، وما
стр. 167
هم إليه صائرون، ثم أخرجهم إلى هذه الدار ليظهر معلومه الذي علمه فيهم كما علمه، وابتلاهم من الأمر والنهي والخير والشر بما أظهر معلومه، فاستحقوا المدح والذم، والثواب والعقاب بما قام بهم من الأفعال والصفات المطابِقة للعلم السابق، ولم يكونوا يستحقون ذلك، وهي في علمه قبل أن يعملوها، فأرسل رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه إعذارًا إليهم، وإقامة للحجة عليهم؛ لئلا يقولوا: كيف تعاقبنا على علمك فينا، وهو لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا؟ فلما ظهر علمه فيهم بأفعالهم حصل العقاب على معلومه الذي أظهره الابتلاء والاختبار.
وكما ابتلاهم بأمره ونهيه ابتلاهم بما زيَّنَه لهم من الدنيا، وبما ركَّب فيهم من الشهوات، فذلك ابتلاء بشرعه وأمره، وهذا ابتلاء بقضائه وقدره، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي (١) خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، وقال: ﴿وَهْوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، فأخبر في هذه الآية أنه خلق السماوات والأرض ليبتلي عباده بأمره ونهيه، وهذا من الحق الذي خلق به خلقه، وأخبر في الآية التي قبلها أنه خلق الموت والحياة ليبتليهم أيضًا، فأحياهم ليبتليهم بأمره ونهيه، وقدّر عليهم الموت الذي ينالوا (٢) به عاقبة ذلك الابتلاء من الثواب والعقاب.
стр. 168
وأخبر في الآية الأولى أنه زيَّن لهم ما على الأرض ليبتليهم به أيهم يؤثره على ما عنده فيكون حظه، أو يؤثر ما عنده عليه، وابتلى بعضهم ببعض، وابتلاهم بالنعم والمصائب، فأظهر هذا الابتلاء علمه السابق فيهم موجودًا عيانًا بعد أن كان غيبًا في علمه.
فابتلى أبوي الإنس والجن كل منهما بالآخر، فأظهر ابتلاء آدم ما علمه منه، وأظهر ابتلاء إبليس ما علمه منه، فلهذا قال للملائكة: ﴿إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
واستمر هذا الابتلاء في الذرية إلى يوم القيامة، فابتلى الأنبياء بأممهم، وابتلى أممهم بهم، وقال لعبده ورسوله وخليله: "إني مبتليك ومبتلٍ بك" (١)، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠].
وفي الحديث الصحيح (٢) أن ثلاثةً أراد الله أن يبتليهم، أبرص وأقرع وأعمى، فأظهر الابتلاء حقائقهم التي كانت في علمه قبل أن يخلقهم.
فأما الأعمى فاعترف بإنعام الله عليه، وأنه كان أعمى فقيرًا، فأعطاه الله البصر والغنى، وبَذَل للسائل ما طلبه شكرًا لله.
وأما الأقرع والأبرص فكلاهما جحد ما كان عليه قبل ذلك من سوء الحال والفقر، وقال في الغنى: إنما أوتيته كابرًا عن كابر.
وهذا حال أكثر الناس، لا يعترف بما كان عليه أولًا من نقص وجهل وفقر
стр. 169
وذنوب، وأن الله سبحانه نقله من ذلك إلى ضدّ ما كان عليه، وأنعم بذلك عليه.
ولهذا ينبه سبحانه الإنسان على مبدأ خَلْقه الضعيف من الماء المهين، ثم نَقْله في أطباق خَلْقه وأطواره من حال إلى حال، حتى جعله بشرًا سويًّا، يسمع ويبصر ويعقل وينطق ويبطش ويعلم، فنسي مبدأه وأوله، وكيف كان، ولم يعترف بنعم ربه عليه، كما قال تعالى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٨ - ٣٩].
وأنت إذا تأملت ارتباط إحدى هاتين الجملتين بالأخرى وجدتَ تحتهما كنزًا عظيمًا من كنوز المعرفة والعلم، فأشار سبحانه بمبدأ خلقهم ﴿مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من النطفة وما بعدها إلى موضع الحجة والآية الدال على وجود الله ووحدانيته وكماله وتفرده بالربوبية والإلهية، وأنه لا يحسن به مع ذلك أن يتركهم سدى، لا يرسل إليهم رسولًا، ولا ينزل عليهم كتابًا، وأنه لا يعجز مع ذلك أن يخلقهم بعد ما أماتهم خلقًا جديدًا، ويبعثهم إلى دار يوفيهم فيها أعمالهم من الخير والشر، فكيف يطمعون في دخول الجنة وهم يكذِّبوني، ويُكذِّبون رسلي، ويعدلون بي خلقي، وهم يعلمون من أي شيء خلقتهم!
ويشبه هذا قوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٧]، وهم كانوا مصدقين بأنه خالقهم، ولكن احتج عليهم بخلقه لهم على توحيده ومعرفته وصدق رسله، فدعاهم منهم ومن خلقهم إلى الإقرار بأسمائه وصفاته وتوحيده وصدق رسله (١) والإيمان بالمعاد.
стр. 170
وهو سبحانه يذكّر عباده بنعمه عليهم، ويدعوهم بها إلى معرفته ومحبته وتصديق رسله والإيمان بلقائه، كما تضمنته سورة النعم ــ وهي سورة النحل ــ من قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسلمون﴾ [النحل: ٤ - ٨١]، فذكّرهم بأصول النعم وفروعها، وعدَّدها عليهم نعمة نعمة، وأخبر أنه أنعم بذلك عليهم؛ ليسلموا له، فتكمل نعمه عليهم بالإسلام الذي هو رأس النعم، ثم أخبر عمن كفره ولم يشكر نعمه بقوله: ﴿(٨٢) نِعْمَتَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ﴾ [النحل: ٨٣] قال مجاهد: "المساكن والأنعام وسرابيل الثياب والحديد، يعرفه كفار قريش ثم ينكرونه، بأن يقولوا: هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم" (١).
وقال عون بن عبد الله: "يقولون: لولا فلان لكان كذا" (٢).
وقال الفراء وابن قتيبة: "يعرفون أن النعم من الله، ولكن يقولون: هذه بشفاعة آلهتنا" (٣).
وقالت طائفة: النعمة ههنا محمد ﷺ ، وإنكارها جحد نبوته، وهذا يُروى عن مجاهد والسدّي (٤).
стр. 171
وهذا أقرب إلى حقيقة الإنكار؛ فإنه إنكار لما هو من أجلِّ النعم أن تكون نعمة.
وأما على القول الأول والثاني والثالث فإنهم لما أضافوا النعمة إلى غير الله فقد أنكروا نعمة الله بنسبتها إلى غيره، فإن الذي قال: "إنما كان هذا لآبائنا، ورثناه كابرًا عن كابر"؛ جاحد لنعمة الله عليه، غير معترف بها، وهو كالأبرص والأقرع اللذيْن ذكَّرَهُما المَلَكُ بنعم الله عليهما فأنكرا، وقالا: "إنما ورثنا هذا كابرًا عن كابر". فقال: "إن كنتما كاذبَيْن فصيّركما الله إلى ما كنتما"، وكونها موروثة عن الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم؛ إذ أنعم بها على آبائهم، ثم ورثهم إياها، فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمه.
وأما قول الآخر: "لولا فلان لما كان كذا"، فيتضمن قطع إضافة النعمة إلى مَنْ لولاه لم تكن، وإضافتها إلى مَن لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرًا ولا نفعاً، وغايته أن يكون جزءًا من أجزاء السبب (١)، أجرى الله نعمته على يديه، والسبب (٢) لا يستقل بالإيجاد، وجَعْله سببًا هو من نعم الله، فهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم بما جعله من أسبابها، فالسبب والمسبّب من إنعامه، وهو سبحانه قد ينعم بذلك السبب، وقد ينعم بدونه، فلا يكون له أثر، وقد يسلبه سَبَبيتَه، وقد يجعل لها معارضًا يقاومها، وقد يرتب على السبب (٣) ضدَّ مقتضاه، فهو وحده المنعم على الحقيقة.
وأما قول القائل: "بشفاعة آلهتنا" فيتضمن الشرك، مع إضافة النعمة إلى
стр. 172
غير وليّها، فالآلهة التي تُعبد من دون الله أحقر وأذل من أن تشفع عند الله، وهي مُحْضَرة في العذاب والهوان مع عابديها، وأقرب الخلق إلى الله وأحبهم إليه لا يشفع عنده إلا من بعد إذنه لمن ارتضاه، فالشفاعة بإذنه من نعمه، فهو المنعم بالشفاعة، وهو المنعم بقبولها، وهو المنعم بتأهيل المشفوع له، إذ ليس كل أحد أهلًا أن يُشْفَع له، فمَن المنعم على الحقيقة سواه؟
قال تعالى: ﴿بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ﴾ [النحل: ٥٣]، فالعبد لا خروج له عن نعمته وفضله ومنّته وإحسانه طرفة عين، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
ولهذا ذَمَّ الله سبحانه مَن آتاه شيئًا من نعمه فقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِيَ﴾ [القصص:٧٨]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِذَا (١) مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩].
قال البغوي: "على علم من الله أني له أهل" (٢).
وقال مقاتل: "على خير علمه الله عندي" (٣).
وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل. ومضمون هذا القول أن الله آتانِيه على علمه بأني أهله.
وقال آخرون: بل العلم له نفسه. ومعناه: أوتيته على علم مني بوجوه المكاسب. قاله قتادة وغيره (٤).
стр. 173
وقيل: المعنى: قد علمتُ أني لمّا أوتيتُ هذا في الدنيا فلي عند الله منزلة وشرف، وهذا معنى قول مجاهد: "أوتيته على شرف" (١).
قال تعالى: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ [الزمر: ٤٩]، أي: النعم التي أوتيها فتنة نختبره فيها، ومحنة نمتحنه بها، لا يدل ذلك على اصطفائه واجتبائه، وأنه محبوب لنا، مقرب عندنا.
ولهذا قال في قصة قارون: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص: ٧٨]، فلو كان إعطاء المال والقوة والجاه يدل على رضا الله سبحانه عمن آتاه ذلك، وشرف قدره وعلو منزلته عنده؛ لما أهلك من آتاه من ذلك أكثر مما آتى قارون. فلما أهلكهم مع سعة هذا العطاء وبسطه عُلِم أن عطاءه إنما كان ابتلاء وفتنة ومحنة، لا محبة ورضا واصطفاء لهم على غيرهم.
ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾، أي: النعم فتنة لا كرامة، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٥٠ - ٥١]، أي: قد قال هذه المقالة الذين مِن قبلهم لما آتيناهم نعمنا.
قال ابن عباس: "كانوا قد بطروا نعمة الله، إذ آتاهم الدنيا وفرحوا بها وطغوا، وقالوا: هذه كرامة من الله لنا" (٢).
стр. 174
وقوله: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ المعنى: أنهم ظنوا أن ما آتيناهم لكرامتهم علينا، ولم يكن كذلك؛ لأنهم وقعوا في العذاب، ولم يُغْنِ عنهم ما كسبوا شيئًا، وتبيّن أن تلك النعم لم تكن لكرامتهم علينا، وهوان مَن منعناه إياها (١).
وقال أبو إسحاق: معنى الآية أن قولهم: "إنما آتانا الله ذلك لكرامتنا عليه، وإنا أهله"؛ أحبط أعمالهم (٢)، فكنَّى عن إحباط العمل بقوله: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، ثم أبطل سبحانه هذا الظن الكاذب منهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر: ٥٢].
والمقصود أن قوله: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِندِيَ﴾ [القصص: ٧٨] إن أريد به علمه نفسه، كان المعنى: أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة والمعرفة التي توصلتُ بها إلى ذلك وحصلتُه بها. وإن أريد به علم الله؛ كان المعنى: أوتيتُه على ما علم الله عندي من الخير والاستحقاق وأني أهله، وذلك من كرامتي عليه. وقد يترجح هذا القول بقوله: "أوتيته"، ولم يقل: حَصّلته واكتسبته بعلمي ومعرفتي، فدلّ على اعترافه بأن غيره آتاه إيّاه.
ويدل عليه قوله سبحانه: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي: محنة واختبار، والمعنى: أنه لم يؤت (٣) هذا لكرامته علينا، بل أوتيه امتحانًا وابتلاءً واختبارًا: هل يشكر فيه أم يكفر؟
стр. 175
وأيضًا فهذا يوافق قوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيَ أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيَ أَهَانَنِ﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦]، فهو قد اعترف بأن ربه هو الذي آتاه ذلك، ولكن ظنَّ أنه (١) لكرامته عليه.
فالآية على التقدير الأول تتضمن ذم من أضاف النعم إلى نفسه وعلمه وقوته، ولم يضفها إلى فضل الله وإحسانه، وذلك محض الكفر بها؛ فإن رأس الشكر الاعتراف بالنعمة، وأنها من المنعم وحده، فإذا أضيفت إلى غيره كان جحدًا لها، فإذا قال: أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة التي حصلت بها ذلك؛ فقد أضافها إلى نفسه، وأُعْجِب بها، كما أضافها إلى قدرته الذين قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، فهؤلاء اغتروا بقوتهم، وهذا اغتر بعلمه، فما أغنى عن هؤلاء قوتهم، ولا عن هذا علمه.
وعلى التقدير الثاني: يتضمن ذمّ من اعتقد أن إنعام الله عليه لكونه أهلًا ومستحقًا لها، فقد جعل سبب النعمة ما قام به من الصفات التي يستحق بها على الله أن ينعم عليه، وأن تلك النعمة جزاء له على إحسانه وخيره، فقد جعل سببها ما اتصف به هو، لا ما قام بربِّه من الجود والإحسان والفضل والمنة، ولم يعلم أن ذلك ابتلاء واختبار له: أيشكر أم يكفر، ليس ذلك جزاء له على ما منه، ولو كان ذلك جزاء على عمل عمله، أو خير قام به، فالله سبحانه هو المنعم عليه بذلك السبب، فهو المنعم بالسبب والجزاء، والكل محض منّته وفضله وجوده، وليس للعبد من نفسه مثقال ذرة من الخير.
стр. 176
وعلى التقديرين فهو لم يضف النعمة إلى الربّ من كل وجه، وإن أضافها إليه من وجه دون وجه، وهو سبحانه وحده المنعم من جميع الوجوه على الحقيقة بالنعم وأسبابها، فأسبابها مِن نعمه على العبد وإن حصلت بكسبه، فكسبه من نعمه، فكل نعمة فمن الله وحده، حتى الشكر فإنه نعمة وهي منه سبحانه، فلا يطيق أحد أن يشكره إلا بنعمته، وشكره نعمة منه عليه، كما قال داود ﵊: "يا ربِّ، كيف أشكرك وشكري لك نعمة من نعمك عليّ تستوجب شكرًا آخر؟ فقال: الآن شكرتني يا داود" ذكره الإمام أحمد (١).
وذكر أيضًا عن الحسن قال: قال داود: "إلهي، لو أن لكل شعرة من شعري لسانين يذكرانك بالليل والنهار، والدهر كله؛ لما أدّوا ما لك عليَّ من حق نعمة واحدة" (٢).
والمقصود أن حال الشاكر ضد حال القائل: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِيَ﴾ [القصص: ٧٨].
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٤٩ - ٥٠]، قال ابن عباس: "يريد من عندي" (٣).
стр. 177
وقال مقاتل: "يعني أنا أحق بهذا" (١).
وقال مجاهد: "هذا بعملي، وأنا محقوق به" (٢).
وقال الزجاج: "هذا واجب، بعملي استحققتُه" (٣).
فوصَفَ الإنسان بأقبح صفتين: إن مسّه الشرُّ صار إلى حال القانط، ووجم وجوم الآيس، فإذا مسّه الخيرُ نسي أن الله هو المنعم عليه المتفضل بما أعطاه، فبطر وظنَّ أنه هو المستحق لذلك، ثم أضاف إلى ذلك تكذيبه بالبعث فقال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، ثم أضاف إلى ذلك ظنَّه الكاذب: أنه إن بُعِثَ كان له عند الله الحُسنى، فلم يدع هذا للجهل والغرور موضعًا.
فصل
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] قول آخر أنه على علم عند الضّال، كما قيل: على علم منه أن معبوده لا ينفع ولا يضر، فيكون المعنى: أضله الله مع علمه الذي تقوم به عليه الحجة، لم يضلّه على جهل وعدم علم.
وهذا يشبه قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ (٤) عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨]، وقوله:
стр. 178
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقول موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، ونظائره كثيرة.
وعلى هذا التقدير فهو ضال عن سلوك طريق رشده، وهو يراها عيانًا كما في الحديث: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه" (١)، فإن الضّال عن الطريق قد يكون متبعًا لهواه، عالمٌ (٢) بأن الرشد والهدى في خلاف ما يعمل.
ولما كان الهدى هو معرفة الحق والعمل به، كان له ضدَّان: الجهل بالحق، وترك العمل به، فالأول ضلال في العلم، والثاني ضلال في القصد والعمل.
فقد وقع قوله: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الدخان: ٣٢]، وفي قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وفي قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا
стр. 179
أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [القصص: ٧٨]، فالأول يرجع العلم فيه إلى الله سبحانه قولًا واحدًا، والثاني والثالث فيهما قولان، والراجح في قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أن يكون كالأول، وهو قول عامة السلف، والثالث فيه قولان محتملان، وقد ذُكِر توجيهُهما، والله أعلم.
والمقصود ذكر مراتب القضاء والقدر علمًا، وكتابةً، ومشيئةً، وخلقًا.
* * * *
стр. 180
الباب الحادي عشر
في ذكر المرتبة الثانية، وهي مرتبة الكتابة
وقد تقدم في أول الكتاب ما دَلَّ على ذلك من نصوص القرآن والسنة الصحيحة الصريحة، فنذكر هنا بعض ما لم نذكره.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٦]، فالزبور هنا جميع الكتب المنزلة من السماء، لا تختص بزبور داود، والذكر أم الكتاب الذي عند الله، والأرض هي الدنيا، وعباده الصالحون أمة محمد ﷺ ، هذا أصح الأقوال في هذه الآية.
وهي عَلَمٌ من أعلام نبوة رسول الله ﷺ ؛ فإنه أخبر بذلك بمكة وأهل الأرض كلهم كفار أعداء له ولأصحابه، والمشركون قد أخرجوهم من ديارهم ومساكنهم وشتتوهم في أطراف الأرض، فأخبرهم ربهم ﵎ أنه كتب في الذكر الأول أنهم يرثون الأرض من الكفار، ثم كتب ذلك في الكتب التي أنزلها على رسله.
والكتاب الأول قد أُطْلِق عليه الذكرُ في قول النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته: "كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء" (١)، فهذا هو الذكر الذي كُتِب فيه أن الدنيا تصير لأمة محمد ﷺ .