← Акыда

Акыда · id 205

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

"ألا تصلون؟ " قال علي: فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثها بعثها. فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت له ذلك ولم يرجع إليّ شيئًا، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه، وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤]. قيل: علي لم يحتج بالقدر على ترك واجب ولا فعل محرم، وإنما قال: إن نفسه ونفس فاطمة بيد الله، فإذا شاء أن يوقظهما ويبعث أنفسهما بعثها. وهذا موافق لقول النبي ﷺ ليلة باتوا (١) في الوادي: "إن الله قبض أرواحنا حيث شاء، وردها حيث شاء" (٢). وهذا احتجاج صحيح، صاحبه معذور فيه؛ فإن النائم غير مفرّط، واحتجاج غير المفرّط بالقدر صحيح. وقد أرشد النبي ﷺ (٣) إلى الاحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع العبد الاحتجاج به، فروى مسلم في "صحيحه" (٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنِّي فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل؛ فإن

стр. 107

لو تفتح عمل الشيطان". فتضمن هذا الحديث الشريف أصولًا عظيمة من أصول الإيمان: أحدها: أن الله سبحانه موصوف بالمحبة، وأنه يحب حقيقة. الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها، فهو القويُّ ويحب المؤمن القويَّ، وهو وِترٌ يحب الوتر، وجميل يحب الجمال، وعليم يحب العلماء، ونظيف يحب النظافة، ومؤمن يحب المؤمنين، ومحسن يحب المحسنين، وصابر يحب الصابرين، وشاكر يحب الشاكرين. ومنها: أن محبته للمؤمنين تتفاضل، فيحب بعضهم أكثر من بعض. ومنها: أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده، والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع، فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودًا، وكماله كله في مجموع هذين الأمرين: أن يكون حريصًا، وأن يكون حرصه على ما ينتفع به، فإنْ حرص على ما لا ينفعه، أو فعل ما ينفعه بغير حرص؛ فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك، فالخير كله في الحرص على ما ينفع. ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه، أمره أن يستعين بالله؛ ليجتمع له مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فإنَّ حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونته، فَأَمَره بأن يعبده وأن يستعين به. ثم قال: "ولا تعجز" فإن العجز ينافي حرصه على ما ينفعه، وينافي استعانته بالله، فالحريص على ما ينفعه، المستعين بالله: ضدُّ العاجز.

стр. 108

فهذا إرشاد له قبل وقوع المقدور (١) إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله، وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزِمَّة الأمور بيديه، ومصدرها منه، ومردّها إليه. فإن فاته ما لم يُقدَّر له، فله حالتان: حالة عجز، وهي مفتاح عمل الشيطان، فيلقيه العجز إلى "لو"، ولا فائدة في "لو" ههنا، بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن، وذلك كله من عمل الشيطان، فنهاه ﷺ عن افتتاح عمله بهذا المفتاح، وأمره بالحالة الثانية، وهي النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قُدِّر له لم يفته، ولم يغلبه عليه أحد، فلم يبق له ههنا أنفع من شهود القدر، ومشيئة الربّ النافذة التي توجب وجود المقدور (٢)، وإذا انتفت امتنع وجوده، فلهذا قال: "فإن غلبك أمرٌ، فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل" (٣). فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين: حالة حصول مطلوبه، وحالة فواته. فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدًا، بل هو أشد شيء إليه ضرورة، وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار، والقيام بالعبودية ظاهرًا وباطنًا في حالتي حصول المطلوب وعدمه، وبالله التوفيق. * * * *

стр. 109

الباب الرابع في ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه، وهو تقدير شقاوته وسعادته ورزقه وأجله وعمله وسائر ما يلقاه، وذكر الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك (١) عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ ــ وهو الصادق المصدوق ــ: "إنَّ أحدكم يُجمَعُ خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه المَلك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكَتْب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره؛ إنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" متفق عليه (٢). وعن حذيفة بن أَسِيد يبلغ به النبي ﷺ قال: "يدخل المَلَك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا ربِّ، أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي ربِّ، أذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تُطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص" رواه

стр. 110

مسلم (١). وعن عامر بن واثلة، أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد مَن وُعِظ بغيره. فأتى رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له: حذيفة بن أَسِيد الغفاري، فحدَّثه بذلك من قول ابن مسعود فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مرّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصوّرها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا ربِّ، أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب المَلَك، ثم يقول: يا ربِّ، أجله؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب المَلَك، ثم يقول: يا ربِّ، رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب المَلَك، ثم يخرج المَلَك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص". وفي لفظ آخر: سمعت رسول الله ﷺ بأذنيَّ هاتين يقول: "إن النطفة تقع في الرَّحم أربعين ليلة، ثم يتسوّر عليها المَلَك" ــ قال زهير بن معاوية: أحسبه قال: "الذي يخلقها" ــ "فيقول: يا ربِّ، أذكر أم أنثى؟ فيجعله الله ذكرًا أو أنثى، ثم يقول: يا ربِّ، سَوِيّ أو غير سَوِيّ؟ فيجعله الله سَويًّا أو غير سَوِيٍّ، ثم يقول: يا ربِّ، ما رزقُه، وما أجَلُه، وما خُلُقُه؟ ثم يجعله الله شقيًا أو سعيدًا". وفي لفظ آخر: "إن ملَكًا موكلًا بالرحم، إذا أراد الله أن يخلق شيئًا بإذن الله، لبضعٍ وأربعين ليلة" ثم ذكر نحوه.

стр. 111

وهذا الحديث بطرقه انفرد به مسلم (١). وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قد وكَّل بالرحم ملكًا، فيقول: أي ربِّ، نطفةً. أي ربِّ، علقة. أي ربِّ، مضغة. فإذا أراد الله أن يقضي خلقًا، قال المَلَك: أي ربِّ، ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد، فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه" متفق عليه (٢). وقال ابن وهب: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عبد الرحمن [بن] (٣) هنيدة حدثهم، أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله أن يخلق النَّسَمة، قال مَلَك الأرحام مُعْرِضًا (٤): يا ربِّ، أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله أمره، ثم يقول: يا ربِّ، شقي أم سعيد؟ فيقضي الله أمره، ثم يكتب بين عينيه ما هو لاقٍ حتى النكبة ينكبها" (٥). قال ابن وهب: وأخبرني عبد الله بن لَهِيعة، عن بكر بن سوادة الجُذَامي، عن أبي تميم الجَيْشاني، عن أبي ذر: أن النبي ﷺ قال: "إذا دخَلَتْ ــ يعني

стр. 112

النطفة ــ في الرحم أربعين، أتى ملك النفس فعرج إلى الربِّ، فقال: يا ربِّ، عبدك أذكر أو أنثى؟ فيقضي الله بما هو قاض. أشقي أم سعيد؟ (١) فيكتب ما هو كائن"، وذكر بقية الحديث (٢). وقال ابن وهب: أخبرني ابن لَهِيعة، عن كعب بن علقمة، عن عيسى بن هلال، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: "إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة، جاءها ملك فاختلجها (٣)، ثم عرج بها إلى الله ، فقال: اخْلُقْ يا أحسن الخالقين. فيقضي الله فيها بما يشاء من أمره، ثم تُدْفَع إلى الملك، فيسأل الملك (٤) عند ذلك فيقول: يا ربِّ، أسَقَطٌ أم يَتِمّ؟ فيبيِّنُ له، ثم يقول: يا ربِّ، أواحد أو توأم؟ فيبيِّنُ له، ثم يقول: يا ربِّ، أذكر أم أنثى؟ فيبيِّنُ له، ثم يقول: يا ربِّ، أناقص الأجل أم تام الأجل؟ فيبيِّنُ له، ثم يقول: يا ربِّ، اقْطَعْ رزقه مع خلقه (٥). فيقضيهما جميعًا (٦)، فوالذي نفس

стр. 113

محمد بيده؛ لا ينال إلا ما قُسِم له يومئذٍ، إذا أكل رزقه قُبِض" (١). وقال عبد الله بن أحمد: أخبرنا أحمد بن العلاء، ثنا أبو الأشعث، ثنا أبو عامر، عن الزبير بن عبد الله، حدثني جعفر بن مصعب، قال: سمعت عروة بن الزبير يحدث، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "إن الله سبحانه حين يريد أن يخلق الخلق، يبعث ملكًا فيدخل الرحم، فيقول: أي ربِّ، ماذا؟ فيقول: غلام أو جارية أو ما شاء أن يخلق في الرحم. فيقول: أي ربِّ، أشقي أم سعيد؟ فيقول: شقي أو سعيد. فيقول: أي ربِّ، ما أجله؟ فيقول: كذا وكذا. فيقول: ما خلقه، ما خلائقه؟ فيقول: كذا وكذا. فما شيء إلا وهو يُخْلق معه في الرحم" (٢). وفي "المسند" (٣) من حديث إسماعيل بن عبيد الله ـ وهو ابن أبي المهاجر ـ، أن أم الدرداء حدثته، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله، ورزقه، ومضجعه، وأثره، وشقي أم سعيد".

стр. 114

وقال ابن حميد: ثنا يعقوب بن عبد الله، عن سعيد بن جبير (١)، عن ابن عباس قال: "إذا وقعت النطفة في الرحم مكثت أربعة أشهر وعشرًا، ثم تُنفخ فيها الروح، ثم مكثت أربعين ليلة، ثم يُبعث إليها ملكٌ، فنَقَفَها في نُقْرة القفا (٢)، وكتب شقيًا أو سعيدًا" (٣). وروى ابن أبي خيثمة: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "السعيد من سعد في بطن أمه" (٤). رواه أبو داود في "القدر" (٥)، عن عبد الرحمن، عن حماد، عن هشام (٦) [بن حسان]، عن محمد.

стр. 115

وقال أحمد بن عبيد: أخبرنا علي بن عبد الله بن مُبَشِّر، ثنا عبد الحميد بن بيان، ثنا خالد بن عبد الله، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه" (١). وقال سعيد (٢): عن ابن إسحاق (٣)، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: "الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وُعِظ بغيره" (٤). وقال شعبة: عن مُخَارِق، عن طارق، عن عبد الله بن مسعود قال (٥): "إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، فاتبعوا ولا تبتدعوا، فإن الشقيَّ من شقي في بطن أمه، والسعيد من وُعِظ بغيره"، وكان عبد الله بن مسعود إذا كان ليلة الجمعة، قام فقال: "إن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أحسن الهدي هدي محمد، وإن الشقيَّ من

стр. 116

شقي في بطن أمه، والسعيد مَن وُعِظ بغيره، وإن شرَّ الرَّوَايا رَوَايا الكذب (١)، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل ما هو آت قريب"، رواهن أبو داود في "القدر" (٢). وذكر الطبراني من رواية أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عنه أنه كان يجيء كل يوم خميس، يقوم قائمًا لا يجلس، فيقول: "إنما هما اثنتان: فأحسن الهدي هدي محمد، وأصدق الحديث كتاب الله، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكلُّ محدَث ضلالة، إن الشقيَّ مَن شقي في بطن أمه، وإن السعيد مَن وُعِظ بغيره، ألا فلا يطولنّ عليكم الأمد، ولا يلهينّكم الأمل، فإن كلَّ ما هو آت قريب، وإنما البعيد ما ليس آتيًا، وإن من شرار الناس بَطّال النهار جِيفة الليل، وإنّ قَتْل المؤمن كفر، وإن سِبَابه فسوق، ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، ألا إن شرّ الرَّوَايا رَوَايا الكذب، وإنه لا يصلح من الكذب جدٌّ ولا هزل، ولا أن يَعِد الرجلُ صبيه ثم لا ينجزه، ألا وإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الصادق يقال له: صدق وبرّ، وإن الكاذب يقال له: كذب وفجر، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن العبد ليصدق فيكتب عند الله صديقًا، وإنه ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا". ألا هل تدرون ما

стр. 117

العِضَةُ؟ هي النميمة التي تفسد بين الناس" (١)، وهذا متواتر عن عبد الله. وبلغ معاوية أن الوباء اشتد بأهل داب (٢) فقال: "لو حولناهم عن مكانهم، فقال له أبو الدرداء: وكيف لك يا معاوية بأنفس قد حضرت آجالها؟! فكأنّ معاوية وَجَدَ على أبي الدرداء، فقال له كعب: يا معاوية، لا تجد على أخيك؛ فإن الله سبحانه (٣) لم يدع نفسًا حين تستقر نطفتها في الرحم أربعين ليلة إلا كتب: خَلْقها وخُلُقها وأجلها ورزقها، ثم لكل نفس ورقة خضراء معلقة بالعرش، فإذا دنا أجلها خَلُقَت (٤) تلك الورقة حتى تيبس، ثم تسقط، فإذا يبست سقطت تلك النفس وانقطع أجلها ورزقها"، ذكره أبو داود عن محمود بن خالد، ثنا مروان، ثنا معاوية بن سلّام، حدثني أخي زيد بن سلّام، عن جده ابن سلّام (٥) قال: بلغ معاوية فذكره (٦). وقال أبو داود: ثنا واصل بن عبد الأعلى، ثنا ابن فضيل، عن الحسن بن عمرو الفُقَيْمي، عن الحكم، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ

стр. 118

طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، قال: "ما من مولود يولد إلا في عنقه ورقة مكتوب فيها: شقيٌّ أو سعيد" (١). وفي "الصحيحين" (٢) عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الغلام الذي قتله الخضر طُبِع يوم طُبِع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا". وفي "صحيح مسلم" (٣) عن عائشة قالت: توفي صبيٌّ من الأنصار، فقلت: طوبى له، عصفور من عصافير الجنّة، لم يعمل السوء ولم يدركه. فقال: "أو غير ذلك يا عائشة! إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم". ولا يناقض هذا حديث سمرة بن جندب، الذي رواه البخاري في "صحيحه" (٤) من رؤيا النبي ﷺ أطفال المشركين حول إبراهيم الخليل في الروضة؛ فإن الأطفال منقسمون إلى شقي وسعيد كالبالغين، فالذين رآهم حول إبراهيم السعداء من أطفال المسلمين والمشركين، وأنكر على عائشة شهادتها للطفل المعيَّن بأنه عصفور من عصافير الجنة، وقد يكون من القسم الآخر، كالشهادة للبالغين، وبالله التوفيق.

стр. 119

فاجتمعت هذه الأحاديث والآثار على تقدير رزق العبد وأجله وشقاوته وسعادته وهو في بطن أمه، واختلفت في وقت هذا التقدير، وهذا تقدير بعد التقدير الأول السابق على خلق السماوات والأرض، وبعد التقدير الذي وقع يوم استخراج الذرية بعد خلق أبيهم آدم. ففي حديث ابن مسعود أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يومًا من حصول النطفة في الرحم، وحديث أنس غير مؤقت، وأما حديث حذيفة بن أَسيد فقد وقَّت فيه التقدير بأربعين يومًا، وفي لفظ: بأربعين ليلة (١)، وفي لفظ: ثنتين وأربعين ليلة، وفي لفظ: بثلاث وأربعين ليلة، وهو حديث انفرد به مسلم ولم يروه البخاري. وكثير من الناس يظن التعارض بين الحديثين، ولا تعارض بينهما بحمد الله؛ فإن الملك الموكل بالنطفة يكتب ما يقدره الله سبحانه على رأس الأربعين الأولى، حتى تأخذ في الطور الثاني وهو العلقة، وأما الملك الذي ينفخ فيه الروح فإنما ينفخها بعد الأربعين الثالثة، فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكَتْب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته وسعادته، وهذا تقدير آخر غير التقدير الذي كتبه الملك الموكل بالنطفة، ولهذا قال في حديث ابن مسعود: "ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات"، وأما الملك الموكل بالنطفة، فذاك راتب معها ينقلها بإذن الله من حال إلى حال، فتقدير الله سبحانه شأن النطفة حين تأخذ في مبدأ التخليق وهو العلق، وتقدير شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يومًا، فهو تقدير بعد تقدير.

стр. 120

فاتفقت أحاديث رسول الله ﷺ ، وصدَّق بعضها بعضًا، ودلّت كلها على إثبات القدر السابق، ومراتب التقدير، وما يؤتى أحدٌ إلا من غلط في الفهم، أو غلط في الرواية، ومتى صحَّت الرواية وفُهمت كما ينبغي تبين أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة متضمنة لنفس الحق، وبالله التوفيق. * * * *

стр. 121

الباب الخامس في ذكر التقدير الرابع ليلة القدر قال الله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ١ - ٥]، وهذه هي ليلة القدر قطعًا؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: ١]، ومَن زعم أنها ليلة النصف من شعبان فقد غلط. قال سفيان: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "ليلة القدر ليلة الحكم" (١). وقال سفيان: عن محمد بن سُوقَة، عن سعيد بن جبير: "يؤذن للحُجّاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد، ولا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم" (٢). وقال ابن علية: حدثنا ربيعة بن كلثوم قال: قال رجل للحسن ــ وأنا أسمع ــ: أرأيت ليلة القدر، في كل رمضان هي؟ قال: نعم، والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي كل رمضان، وإنها لليلة القدر، يُفْرَقُ فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها (٣).

стр. 122

وذكر يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: "يُكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحُجّاج، يقال: يحج فلان، ويحج فلان" (١). وذكر عنه سعيد بن جبير في هذه الآية: "إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى" (٢). وقال مقاتل: "يُقَدّر الله في ليلة القدر أمر السنة في بلاده وعباده إلى السنة القابلة" (٣). وقال أبو عبد الرحمن السلمي: "يُقَدّر أمر السنة كلها في ليلة القدر" (٤). وهذا هو الصحيح: أن القدر مصدر قَدَّر الشيء يقدّره قدرًا، فهي ليلة الحكم والتقدير. وقالت طائفة: ليلة القدر ليلة الشرف والعظمة، من قولهم: لفلان قَدْرٌ في الناس. فإن أراد صاحب هذا القول أن لها قدرًا وشرفًا مع ما يكون فيها من

стр. 123

التقدير فقد أصاب، وإن أراد أن معنى القدر فيها هو الشرف والخطر فقط فقد غلط؛ لأن الله سبحانه أخبر أن فيها يُفْرق كل أمر حكيم، أي: يُفصل ويُبَيّن، ويُبْرم كل أمر حكيم. * * * *

стр. 124

الباب السادس في ذكر التقدير الخامس اليومي قال الله تعالى: ﴿(٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي﴾ [الرحمن: ٢٩]، ذكر الحاكم في "صحيحه" (١) من حديث أبي حمزة الثُّمَالي، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: "إن مما خلق الله لوحًا محفوظًا من درة بيضاء، دَفّتاه من ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة أو مَرَّة، ففي كل نظرة منها يخلق، ويرزق، ويحيي، ويميت، ويعزُّ، ويذلّ، ويفعل ما يشاء، فذلك قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي﴾ ". وقال مجاهد والكلبي وعبيد بن عمير وأبو ميسرة وعطاء ومقاتل: "من شأنه أنه يحيي ويميت، ويرزق ويمنع، وينصر، ويعزّ ويذلّ، ويفك عانيًا، ويشفي مريضًا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا، ويتوب على قوم، ويكشف كربًا، ويغفر ذنبًا، ويضع أقوامًا، ويرفع آخرين"، دخل كلام بعضهم في بعض (٢). وقد ذكر الطبراني في "المعجم" و"السُّنَّة"، وعثمان بن سعيد الدارمي في كتابه "الرد على المَرِيسي" (٣)، عن عبد الله بن مسعود قال: "إن ربكم عز

стр. 125

وجل ليس عنده ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه، وإن مقدار كل يوم من أيامكم عنده ثنتي عشرة ساعة (١)، فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار اليوم، فينظر فيها ثلاث ساعات، فيطلع فيها على ما يكره، فيغضبه ذلك، وأول من يعلم غضبه حملة العرش، يجدونه يثقل عليهم، فيسبحه حملة العرش، وسُرَادِقات العرش (٢)، والملائكة المقربون، وسائر الملائكة، ثم ينفخ جبريل في القرن فلا يبقى شيء إلا سمع صوته، فيسبحون الرحمن ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن رحمة، فتلك ستّ ساعات، ثم يؤتى بالأرحام، فينظر فيها ثلاث ساعات، فذلك قوله في كتابه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]، وقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]، فتلك تسع ساعات، ثم يؤتى بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات، فذلك قوله في كتابه: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الشورى: ١٢]، و ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي﴾ [الرحمن: ٢٩]، قال: هذا من شأنكم وشأن ربكم ﵎". قال الطبراني: حدثنا بشر بن موسى، ثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا حماد ابن سلمة عن أبي عبد السلام، عن عبد الله ــ أو عبيد الله ــ بن مِكْرَز، عن ابن

стр. 126

مسعود فذكره. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد ابن سلمة، عن الزبير أبي عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله الفهري، أن ابن مسعود قال: "إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار"، فذكر الحديث إلى قوله: "فيسبحه حملة العرش، وسُرَادِقات العرش، والملائكة المقربون، وسائر الملائكة". فهذا تقدير يومي، والذي قبله تقدير حولي، والذي قبله تقدير عمري عند تعلّق (١) النفس به، والذي قبله كذلك، لكن (٢) عند أول تخليقه وكونه مضغة، والذي قبله تقدير سابق على وجوده، لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقدير سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق. وفي ذلك دليل على كمال علم الربِّ وقدرته وحكمته، وزيادة تعريف لملائكته وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه وصفاته. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ، فتستنسخ الملائكة ما يكون من أعمال بني آدم قبل أن يعملوها، فيجدون ذلك موافقًا لما يعملونه، فيثبت الله منه ما فيه ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو.

стр. 127

وذكر ابن مردويه في "تفسيره" (١) من طرق إلى بقية، عن أرطاة بن المنذر، عن مجاهد، عن ابن عمر يرفعه: "إن أول ما خلق الله القلم، فأخذه بيمينه ـ وكلتا يديه يمين ـ، فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول، من برٍّ أو فجور، رطب أو يابس، فأحصاه عند الذِّكر (٢)، وقال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]، فهل تكون النسخة إلا من شيء قد فُرِغ منه". وقال آدم: حدثنا ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] قال: "تستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم، فإنما يعمل الإنسان على ما استنسخ الملك من أم الكتاب" (٣). وفي "تفسير الأشجعي": عن سفيان، عن منصور، عن مِقْسَم، عن ابن عباس قال: "كَتَب في الذكر عنده كل شيء هو كائن، ثم بَعَث الحفظة على

стр. 128

آدم وذريته، ووكَّلَ ملائكته ينسخون من الذكر ما يعمل العباد"، ثم قرأ: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] (١). وفي "تفسير الضحاك": عن ابن عباس في هذه الآية قال: "هي أعمال أهل الدنيا: الحسنات والسيئات، تنزل من السماء كل غداة وعشية، ما يصيب الإنسان في ذلك اليوم أو الليلة، الذي يُقْتل، والذي يغرق، والذي يقع من فوق بيت، والذي يتردّى من جبل، والذي يقع في بئر، والذي يُحرَق بالنار، فيحفظوا عليه ذلك كله، وإذا كان المساء صعدوا به إلى السماء، فيجدونه كما في السماء، مكتوبًا في الذكر الحكيم" (٢). * * * *

стр. 129

الباب السابع في أن سَبْق المقادير بالشقاوة والسعادة لا يقتضي ترك الأعمال، بل يقتضي الاجتهاد والحرص؛ لأنها إنما سبقت بالأسباب يسبق إلى أفهام كثير من الناس أن القضاء والقدر إذا كان قد سبق فلا فائدة في الأعمال؛ فإن ما قضاه الربُّ سبحانه وقدَّره لابدَّ من وقوعه، فتوسُّط العمل لا فائدة فيه. وقد سبق إيراد هذا السؤال من الصحابة ﵃ على النبي ﷺ ، فأجابهم بما فيه الشفاء والهدى. ففي "الصحيحين" (١) عن علي بن أبي طالب قال: "كُنّا في جنازة في بَقِيع الغَرْقَد، فأتانا رسول الله ﷺ ، ومعه مِخْصَرة، فنكَّسَ فجعل يَنْكُتُ بمِخْصَرَته، ثم قال: "ما منكم من أحد، ما من نفس مَنْفوسة، إلا كُتِبَ مكانُها من الجنة والنار، وإلّا قد كُتِبت شقية أو سعيدة"، فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منَّا من أهل السعادة، فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومَن كان مِن أهل الشقاوة، فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. فقال: "اعملوا فكل ميسّرٌ، أما أهل السعادة فيُيَسّرون إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فيُيَسّرون لعمل أهل الشقاوة". ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ

стр. 130

﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. وفي بعض طرق البخاري: أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل؟ فمَن كان منَّا من أهل السعادة، فسيصير إلى أهل السعادة، ومَن كان من أهل الشقاوة، فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. وعن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: جاء سراقة بن مالك بن جُعْشُم، فقال: يا رسول الله، بَيِّن لنا ديننا كأننا خُلِقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جَفَّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: "لا، بل فيما جَفّت به الأقلام، وجرت به المقادير"، قال: ففيم العمل؟ فقال: "اعملوا فكلٌّ ميسَّر" رواه مسلم (١). وعن عمران بن حصين قال: قيل: يا رسول الله، أعُلِم أهلُ الجنَّة من أهل النَّار؟ فقال: "نعم"، قيل: ففيم يعمل العاملون؟ فقال: "كُلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له" متفق عليه. وفي بعض طرق البخاري: "كلٌّ يعمل لما خُلِق له، أو لما يُسِّرَ له" (٢). ورواه الإمام أحمد أطول من هذا فقال: حدثنا صفوان بن عيسى، ثنا عروة (٣) بن ثابت، عن يحيى بن عُقَيل، عن ابن نعيم (٤)، عن أبي الأسود

стр. 131

الدُّؤلي قال: غدوتُ على عمران بن حصين يومًا من الأيام، فقال: إنَّ رجلًا من جهينة أو مزينةَ أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، شيء قُضِي عليهم، أو مضى عليهم في قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم، واتُّخِذَت عليهم به الحجة؟ قال: "بل شيء قُضِي عليهم، ومضى عليهم"، قال: فلِمَ يعملون إذن يا رسول الله؟ قال: "من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين يهيئه لعملها، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨] " (١). وقال المحاملي: ثنا أحمد بن المقدام، ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبا سفيان يحدث عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: نزل: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]، فقال عمر: يا نبي الله، على ما نعمل: على أمر قد فُرِغ منه، أم لم يُفْرَغ منه؟ قال: "لا، على أمر قد فُرِغ منه، وجرت به الأقلام، ولكن كل امرئ ميسّر، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل: ٥ - ١٠] " (٢).

стр. 132

فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل، ولا يوجب الاتكال عليه، بل يوجب الجد والاجتهاد. ولهذا لمّا سمع بعض الصحابة ذلك قال: "ما كنت أشدّ اجتهادًا مني الآن" (١)، وهذا مما يدل على جلالة فقه الصحابة، ودقة أفهامهم، وصحة علومهم؛ فإن النبي ﷺ أخبرهم بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب، وأن العبد ينال ما قُدِّر له بالسبب الذي أُقْدِر عليه، ومُكِّن منه، وهُيِّئ له، فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب، وكلما ازداد اجتهادًا في تحصيل السبب كان حصول المُقَدَّر له أدنى إليه. وهذا كما إذا قُدِّر له أن يكون من أعلم أهل زمانه، فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم وأسبابه، وإذا قُدِّر له أن يُرزق الولد لم ينل ذلك إلا بالنكاح أو التسرّي والوطء، وإذا قُدِّر له أن يستغل من أرضه من المغلِّ كذا وكذا لم ينله إلا بالبذر وفعل أسباب الزرع، وإذا قُدِّر له الشبع والري والدفء فذلك موقوف على الأسباب المحصلة لذلك من الأكل والشرب واللبس، وهذا شأن أمور المعاش والمعاد، فمن عطّل العمل اتكالًا على القدر السابق، فهو بمنزلة من عطّل الأكل والشرب والحركة في المعاش وسائر أسبابه اتكالًا على ما قُدِّر له.

стр. 133

وقد فطر الله سبحانه عباده على الحرص على الأسباب التي بها قوام معايشهم ومصالحهم الدنيوية، بل فطر على ذلك سائر الحيوانات، فهكذا الأسباب التي بها مصالحهم الأخروية في معادهم، فإنه سبحانه ربّ الدنيا والآخرة، وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد، وقد يسَّر كُلًّا من خَلْقه لما خَلَقَه له في الدنيا والآخرة، فهو مُهيَّأ له مُيسَّر له. فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها كان أشّد اجتهادًا في فعلها والقيام بها منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه. وقد فَقِه هذا كل الفقه مَن قال: "ما كنت أشد اجتهادًا مني الآن"، فإن العبد إذا علم أن سلوك هذا الطريق يفضي به إلى رياض مونقة، وبساتين معجبة، ومساكن طيبة، ولذة ونعيم لا يشوبه نكد ولا تعب، كان حرصه على سلوكها، واجتهاده في السير فيها بحسب علمه بما يفضي إليه. ولهذا قال أبو عثمان النهدي لسلمان: "لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا مني بآخره"، وذلك لأنه إذا كان قد سبق له من الله سابقة، وهيّأه ويسّره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بها، فإنها سبقت له من الله قبل الوسيلة منه، وعلمها الله وشاءها وكتبها وقدرها، وهيأ له أسبابها؛ ليوصله إليها، فالأمر كله من فضله وجوده السابق، فسبق له من الله سابقة السعادة ووسيلتها وغايتها، فالمؤمن أشد فرحًا بذلك من كون أمره مجعولًا إليه، كما قال بعض السلف: "والله ما أحب أن يجعل أمري إليّ، إنه إذا كان بيد الله خيرًا (١) من أن يكون بيدي".

стр. 134

فالقدر السابق معين على الأعمال، وباعث عليها، ومقتضٍ لها، لا أنه منافٍ لها، وصادّ عنها، وهذا موضع مزلة قدم، من ثبتت قدمه عليه فاز بالنعيم المقيم، ومن زلَّت قدمه عنه هوى إلى قرار الجحيم. فالنبي ﷺ أرشد الأمة في القدر إلى أمرين، هما سببا السعادة: الإيمان والإقرار به، فإنه نظام التوحيد. والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره، وتحجز عن شره، وذلك نظام الشرع. فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر، فأبى المنحرفون إلا القدح بإنكاره في أصل التوحيد، أو القدح بإثباته في أصل الشرع، ولم تتسع عقولهم ــ التي لم يُلقِ الله عليها مِن نوره ــ للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم بينه، وهو القدر والشرع، والخلق والأمر ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]، والنبي ﷺ شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة، وقد تقدم قوله: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" (١)، وأن العاجز مَن لم يتسع للأمرين، وبالله التوفيق. * * * *

стр. 135

الباب الثامن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ قد تقدمت الأحاديث بوقوع أهل السعادة في إحدى القبضتين، وكتابتهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم في ديوان السعداء قبل خلقهم. وفي "صحيح الحاكم" (١) من حديث الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قال المشركون: فالملائكة وعيسى وعزير يُعْبَدون من دون الله! قال: فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]. وهذا إسناد صحيح. وقال علي بن المديني: ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم قال: أخبرني أبو رَزِين، عن أبي يحيى، عن ابن عباس أنه قال: آية لا يسأل الناس عنها، لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها، أو جهلوها فلا يسألون عنها. فقيل له: وما هي؟ فقال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، شَقَّ ذلك على قريش، وعلى أهل

стр. 136

مكة، وقالوا: يشتم آلهتنا. قال: فجاء ابن الزِّبَعْرى فقال: ما لكم؟ قالوا: يشتم آلهتنا. قال: وما قال؟ قالوا: قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾. قال: ادعوه لي. فلما دُعِيَ النبيُّ ﷺ ، قال: يا محمد، هذا شيء لآلهتنا خاصة، أم لكل من عُبِدَ من دون الله؟ فقال: "لا، بل لكل من عُبِدَ من دون الله"، قال: فقال ابن الزِّبَعْرى: خُصِمتَ وربِّ هذه البَنِيّة ــ يعني الكعبة ــ، ألستَ تزعم أن الملائكة عبادٌ صالحون، وأن عيسى عبد صالح، وأن عُزيرًا عبد صالح، وهذه بنو مُلَيْح تعبد الملائكة، وهذه النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيرًا. قال: فضجّ أهلُ مكة، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ــ الملائكة وعزير وعيسى ــ ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢] قال: ونزلت: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] قال: هو الضجيج (١). وهذا الإيراد الذي أورده ابن الزِّبَعْرى لا يَرِد على الآية؛ فإنه سبحانه قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ولم يقل: "ومَن تعبدون من

стр. 137

دون الله"، و"ما" لما لا يعقل، فلا يدخل فيها الملائكة والمسيح وعزير، وإنما ذلك للأحجار ونحوها التي لا تعقل. وأيضًا فإن السورة مكية، والخطاب فيها لعبَّاد الأصنام، فإنه قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ فلفظة "إنكم" ولفظة "ما" تبطل سؤاله، وهو رجل من فُصَحاء العرب لا يخفى عليه ذلك، ولكن إيراده إنما كان من جهة القياس والعموم المعنوي، الذي يعم الحكم فيه بعموم علته، أي: إنْ كان كونه معبودًا يوجب أن يكون حصب جهنم، فهذا المعنى بعينه موجود في الملائكة وعزير والمسيح، فأُجيب بالفارق، وذلك من وجوه: أحدها: أن الملائكة والمسيح وعزيرًا ممن سبقت لهم من الله الحسنى، فهم سعداء لم يفعلوا ما يستوجبون به النار، فلا يُعذَّبون بعبادة غيرهم، مع بغضهم ومعاداتهم لهم، فالتسوية بينهم وبين الأصنام أقبح من التسوية بين البيع والربا، والميتة والمذكَّى، وهذا شأن أهل الباطل، وإنما يسوّون بين ما فرّق الشرع والعقل والفطرة بينه، ويفرّقون بين ما سَوَّى الله ورسوله بينه. الفرق الثاني: أن الأوثان حجارة غير مكلفة ولا ناطقة، فإذا حُصِبَت بها جهنم إهانةً لها ولعابديها؛ لم يكن في ذلك تعذيب مَن لا يستحق العذاب، بخلاف الملائكة والمسيح وعزير، فإنهم أحياء ناطقون، فلو حُصِبَت بهم النَّار كان ذلك إيلامًا وتعذيبًا لهم. الثالث: أن من عَبَدَ هؤلاء بزعمه فإنه لم يعبدهم في الحقيقة؛ فإنهم لم يدعوا إلى عبادتهم، وإنما عَبَدَ المشركون الشياطين، وتوهّموا أن العبادة لهؤلاء، فإنهم عبدوا بزعمهم مَن ادعى أنه معبود مع الله، وأنه معه إله، وقد برَّأ الله سبحانه ملائكته والمسيح وعزيرًا من ذلك، وإنما ادعى ذلك

стр. 138

الشياطين، وهم بزعمهم يعتقدون أنهم يرضون بأن يكونوا معبودين مع الله، ولا يرضى بذلك إلا الشياطين، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَا إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيَ إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩]، فما عُبِدَ غيرُ الله إلا الشيطان. وهذه الأجوبة مأخوذة (١) من قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾، فتأمل الآية تجدها تلوح في صفحات ألفاظها، وبالله التوفيق. والمقصود: ذكر الحسنى التي سبقت من الله لأهل السعادة قبل وجودهم. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: ثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد، ثنا أبو عامر العقدي، ثنا عروة (٢) بن ثابت الأنصاري، ثنا الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أن عبد الرحمن بن عوف مرض مرضًا

стр. 139

شديدًا، أغمي عليه (١)، فأفاق، فقال: أُغمي عليَّ؟ قالوا: نعم، قال: إنه أتاني رجلان غليظان فأخذا بيدي، فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين. فانطلقا بي، فتلقاهما رجل فقال: أين تريدان به؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين. فقال: دعاه؛ فإن هذا ممن سبقت له السعادة، وهو في بطن أمه (٢). وقال عبد الله بن محمد البغوي: ثنا داود بن رشيد، ثنا ابن علية، حدثني محمد بن محمد القرشي، عن عامر بن سعد قال: أقبل سعدٌ من أرض له، فإذا الناس عُكوف على رجلٍ، فاطّلع فإذا هو يسبُّ طلحة والزبير وعليًّا، فنهاه، فكأنما زاده إغراء، فقال: ويلك، تريد أن تسبَّ (٣) أقوامًا هم خير منك؟! لتنتهِينّ أو لأدعونّ عليك. فقال (٤): كأنما يخوفني نبيٌّ من الأنبياء. فانطلق فدخلَ دارًا فتوضأ، ودخل المسجد، ثم قال: اللهم إنْ كان هذا قد سَبَّ أقوامًا قد سبق لهم منك خير (٥)، أسخطك سَبّه إياهم، فأرني اليوم آية تكون آية للمؤمنين. قال: وتخرج بُخْتِيّة (٦) من دار بني فلان نادّة لا يردها

стр. 140

شيء، حتى تنتهي إليه، ويتفرق الناس، وتجعله بين قوائمها وتطأه حتى طفي، قال: فأنا رأيت سعدًا يتبعه الناس، يقولون: استجاب الله لك يا أبا إسحاق، استجاب الله لك يا أبا إسحاق (١). وقال تعالى: ﴿فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ﴾ [الحج: ٧٨]، أي: الله سمَّاكم المسلمين من قبل القرآن وفي القرآن، فسبقت تسمية الحق سبحانه لهم مسلمين قبل إسلامهم وقبل وجودهم. وقال تعالى: ﴿وَلَقَد سَّبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]. وقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]، قال: "سبقت لهم السعادة في الذكر الأول" (٢). وهذا لا يخالف قول مَن قال: إنه الأعمال الصالحة التي قدموها. ولا قول مَن قال: إنه محمد ﷺ ؛ فإنه سبق لهم من الله في الذكر الأول السعادة بأعمالهم على يد محمد ﷺ ، فهو خيرٌ تقدم لهم من الله، ثم قدمه لهم على

стр. 141

يد رسوله، ثم يقدمهم عليه يوم لقائه. وقد قال تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذتُّمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨]. وقد اختلف السلف في هذا الكتاب السابق (١). فقال جمهور المفسرين من السلف ومَن بعدهم: لولا قضاء من الله سبق لكم يا أهل بدر في اللوح المحفوظ أن الغنائم حلال لكم؛ لعاقبكم. وقال آخرون: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد الحجّة؛ لعاقبكم. وقال آخرون: لولا كتاب من الله سبق (٢) لأهل بدر أنهم مغفور لهم ــ وإن عملوا ما شاؤواـ؛ لعاقبهم. وقال آخرون ــ وهو الصواب ــ: لولا كتاب من الله سبق بهذا كلِّه؛ لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم. والله أعلم. * * * *

стр. 142

الباب التاسع في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ قال سفيان: عن زياد بن إسماعيل المخزومي، حدثنا محمد بن عباد بن جعفر، حدثنا أبو هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى رسول الله ﷺ يخاصمون في القدر، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٧ - ٤٩] رواه مسلم (١). وروى الدارقطني من حديث حبيب بن عمرو (٢) الأنصاري، عن أبيه قال (٣): قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين خصماء الله؟ وهم القدرية" (٤)، ولكن حبيب هذا قال الدارقطني: "مجهول، والحديث

стр. 143

مضطرب الإسناد، ولا يثبت" (١). و المخاصمون في القدر نوعان: أحدهما: مَن يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره، كالذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]. والثاني: مَن ينكر قضاءه وقدره السابق. والطائفتان خصماء الله. قال عوف: "من كذَّب بالقدر فقد كذَّبَ بالإسلام، إن الله ﵎ قدَّر أقدارًا، وخلق الخلق بقدر، وقسم الآجال بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم البلاء بقدر، وقسم العافية بقدر، وأمر ونهى (٢) " (٣). وقال الإمام أحمد: "القدرُ قدرة الله" (٤). واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًّا، وقال: "هذا يدل على دقة علم

стр. 144

أحمد، وتبحره في معرفة أصول الدين" (١). وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الربّ على خلق أعمال العباد وكتابتها وتقديرها. وسَلَفُ القدرية كانوا ينكرون علمه بها، وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم، وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله. وفي تفسير علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] قال: "الذين يقولون: إن الله على كلِّ شيء قدير" (٢). وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل، ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات، فإن أكثر أهل الكلام لا يوفّون هذه الجملة حقَّها، وإن كانوا يقرون بها. فمنكرو القدر، وخلق أفعال العباد لا يقرون بها على وجهها، ومنكرو أفعال الربِّ تعالى القائمة به لا يقرون بها على وجهها، بل يصرِّحون أنه لا يقدر على فعل يقوم به. ومَن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم في شأن يفعل ما يشاء؛ لا يقر بأن الله على كل شيء قدير، ومَن لا يقرّ بأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء، وأنه سبحانه مقلب القلوب حقيقة، وأنه إن شاء أن يقيم القلب أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه= لا يقر بأن الله على كل شيء قدير.

стр. 145

ومن لا يقرّ بأنه استوى على عرشه بعد أن خلق السماوات والأرض، وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يقول: "من يسألني فأعطيه، مَن يستغفرني فأغفر له"، وأنه نزل إلى الشجرة فكلم موسى كليمَه منها، وأنه ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة حين تخلو من سكانها، وأنه يجيء يوم القيامة فيفصل بين عباده، وأنه يتجلى لهم يضحك، وأنه يريهم نفسه المقدسة، وأنه يضع رجله على النار فتضيق بأهلها، وينزوي بعضها إلى بعض، إلى غير ذلك من شؤونه وأفعاله، التي مَن لم يقرَّ بها= لم يقرّ بأنه على كل شيء قدير. فيا لها كلمة من حَبْر الأمة وترجمان القرآن ﵁. وقد كان ابن عباس شديدًا على القدرية، وكذلك الصحابة، كما سنذكر ذلك إن شاء الله. * * * *
следующие страницы →