وأقرب أمر يعارضون به أن الحكيم منَّا إذا رأى جواريه وعبيده يمرجُ بعضهم في بعض، وهم على محارمهم بمرأى منه ومسمع، فلا يحسن تركهم على ما هم عليه، والربُّ تعالى يطلع على سوء أفعال العباد، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون.
ثم قال: قد أطلت أنفاسي قليلًا، ولكن لو وجدت في اقتباس هذا العلم من يسرد لي هذا الفصل لكان ــ وحق القائم على كل نفس بما كسبت ــ أحبّ إليّ من مُلك الدنيا بحذافيرها طول أمدها" (١) انتهى كلامه بلفظه.
وهذا توسط حسن بين الفريقين، وقد أنكره عليه عامة أصحابه، منهم الأنصاري شارح "الإرشاد" وغيره، وقالوا: هو قريب من مذهب المعتزلة، ولا يرجع الخلاف بينه وبينهم إلا إلى الاسم فقط، وإن هذا مما انفرد به.
ولكن بقي عليه فيه أمور:
منها: أنه نفى كراهة الله لما قدره من المعاصي بناء على أصله أن كل مراد له فهو محبوب له، وأنه إذا كان قد قدّر الكفر والفسوق والعصيان فهو يريده ويحبّه ولا يكرهه، وإن كانت قدرة العبد واختياره مؤثّرة في إيجاد الفعل عنده بإقدار الرب تعالى.
وقد أصاب في هذا وأجاد، لكن القول بأن الله سبحانه يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يكرهه إذا كان واقعًا= قول في غاية البطلان، وهو مخالف لصريح العقل والنقل.
стр. 457
والذي قاده إلى ذلك قوله: إن المحبّة هي الإرادة والمشيئة، وإن كل ما شاءه الله فقد أراده وأحبّه. ومن لم يفرق بين المشيئة والمحبّة لزمه أحد أمرين باطلين لابدّ له من التزامه: إما القول بأن الله سبحانه يحب الكفر والفسوق والعصيان، أو القول بأنه ما شاء ذلك ولا قدره ولا قضاه، وقد قال بكل من المتلازمين طائفة، قالت طائفة: لا يحبها ولا يرضاها، فما شاءها ولا قضاها. وقالت طائفة: هي واقعة بمشيئته وإرادته، فهو يحبّها ويرضاها. فاشترك الطائفتان في هذا الأصل، وتباينا في لازمه.
وقد أنكر الله سبحانه على من احتج على محبته بمشيئته في ثلاثة مواضع من كتابه: في سورة الأنعام والنحل والزخرف، فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وكذلك حكى عنهم في النحل، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥]، وقال في الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠]، فاحتجوا على محبته لشركهم ورضاه به بكونه أقرّهم عليه، وأنه لولا محبته له ورضاه به لما شاءه منهم، وعارضوا بذلك أمره ونهيه ودعوة الرسل، وقالوا: كيف يأمرنا بشيء قد شاء منا خلافه؟ وكيف يكره منا ما قد شاء وقوعه؟ فلو كرهه لم يُمَكِّنّا منه، ولحال بيننا وبينه، فكذّبهم سبحانه في ذلك، وأخبر أن هذا تكذيب منهم لرسله، وأن رسله متفقون على أنه سبحانه يكره شركهم، ويبغضه ويمقته، وأنه لولا بغضه وكراهته له لما أذاق المشركين بأسه؛ فإنه لا يعذب عبده على ما يحبه.
стр. 458
ثم طالبهم بالعلم على صحة مذهبهم بأن الله أذن فيه، وأنه يحبه ويرضاه، ومجرد إقراره لهم قدرًا لا يدل على ذلك عند أحد من العقلاء، وإلا كان الظلم والفواحش والسعي في الأرض بالفساد والبغي محبوبًا له مرضيًا.
ثم أخبر سبحانه أن مستندهم في ذلك إنما هو الظن، وهو أكذب الحديث، وأنهم لذلك كانوا أهل الخرص والكذب.
ثم أخبر سبحانه أن له الحجة عليهم من جهتين:
إحداهما: ما ركّبه فيهم من العقول التي يفرقون بها بين الحسن والقبيح، والحق والباطل، والأسماع والأبصار التي هي آلة إدراك الحق، والتي يُفرَّق بها بينه وبين الباطل.
والثانية: إرسال رسله، وإنزال كتبه، وتمكينهم من الإيمان والإسلام.
ولم يؤاخذهم بأحد الأمرين، بل بمجموعهما؛ لكمال عدله، وقطعًا لعذرهم من جميع الوجوه، ولذلك سمّى حجته عليهم بالغة، أي: قد بلغت غاية البيان وأقصاه، بحيث لم يبقَ معها مقال لقائل، ولا عذر لمعتذر، ومن اعتذر إليه سبحانه بعذر صحيح قَبِلَه.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته، وهذا من تمام حجته البالغة؛ فإنه إذا امتنع الشيء لعدم مشيئته، ولزم وجوده عند مشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ كان هذا من أعظم أدلة التوحيد، ومن أبين أدلة بطلان ما أنتم عليه من الشرك
стр. 459
واتخاذ الأنداد من دونه، فما (١) احتجيتم به من المشيئة على ما أنتم عليه من الشرك هو من أظهر الأدلة على بطلانه وفساده.
فلو أنهم ذكروا القدر والمشيئة توحيدًا له، وافتقارًا والتجاءً إليه، وبراءة من الحول والقوة إلا به، ورغبة إليه أن يقيلهم مما لو شاء أن لا يقع منهم لما وقع= لنفعهم ذلك، ولفتح لهم باب الهداية، ولكن ذكروه معارضين به أمره، ومبطلين به دعوة الرسل، فما ازدادوا به إلا ضلالًا.
والمقصود أنه سبحانه قد فرّق بين محبته ومشيئته، وقد حكى أبو الحسن الأشعري في "مقالاته" (٢) اتفاق أهل السنة والحديث على ذلك، والذي حكى عنه ابن فُوْرَك في كتاب "تجريده لمقالاته" أنه كان لا يفرق بين ذلك، قال: "وكان لا يفرق بين الودّ والحبّ والإرادة والمشيئة والرضا، وكان لا يقول: إن شيئًا منها يخص بعض المرادات دون بعض، بل كان يقول: إن كل واحد منها بمعنى صاحبه على جهة التقييد الذي يزول معه الإيهام (٣)، وهو أن المؤمن محبوب لله أن يكون مؤمنًا من أهل الخير كما علمه، والكافر أيضًا مراد أن يكون كافرًا كما علمه من أهل الشر، ومحب أن يكون ذلك كذلك كما علم.
وكذلك كان يقول في الرضا والاصطفاء والاختيار، ويقيد اللفظ بذلك حتى لا يتوهم فيه الخطأ" (٤) انتهى.
стр. 460
والذي عليه أهل الحديث والسنة قاطبة، والفقهاء كلهم، وجمهور المتكلمين والصوفية: أنه سبحانه يكره بعض الأعيان والأفعال والصفات، وإن كانت واقعة بمشيئته، فهو يبغضها ويمقتها، كما يبغض ذات إبليس وذوات جنوده، ويبغض أعمالهم، ولا يحب ذلك، وإن وُجِد بمشيئته، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]، وقال: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، وقال: ﴿لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾ [المائدة: ٨٧]، وقال: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، فهذا إخبار عن عدم محبَّته لهذه الأمور ورضاه بها بعد وقوعها.
فهذا صريح في إبطال قول من تأوّل هذه النصوص على أنه لا يحبها ممن لم تقع منه، ويحبها إذا وقعت، فهو يحبها ممن وقعت منه، ولا يحبها ممن لم تقع منه.
وهذا من أعظم الباطل والكذب على الله، بل هو سبحانه يكرهها ويبغضها قبل وقوعها، وحال وقوعها، وبعد وقوعها؛ فإنها قبائح وخبائث، والله منزّه عن محبة القبيح والخبيث، بل هو أكره شيء إليه، قال تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئَةً عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨].
وقد أخبر سبحانه أنه يكره طاعات المنافقين، ولأجل ذلك ثبّطهم عنها، فكيف يحبّ نفاقهم ويرضاه، ويكون أهله محبوبين له، مصطفين عنده مرضيين.
стр. 461
ومن هذا الأصل الباطل نشأ قولهم باستواء الأفعال بالنسبة إلى الرب سبحانه، وأنها لا تنقسم في نفسها إلى حسن وقبيح، فلا فرق بالنسبة إليه سبحانه بين الشكر والكفر.
وكذلك قالوا: لا يجب شكره على نعمه عقلًا.
فعن هذا الأصل قالوا: إن مشيئته هي عين محبته (١)، وإن كل ما شاءه فهو محبوب له، ومرضي له، ومصطفى ومختار، فلم يمكنهم بعد تأصيل هذا الأصل أن يقولوا: إنه يبغض بعض الأعيان والأفعال التي خلقها، ويحب بعضها، بل كل ما فعله وخلقه فهو محبوب له، والمكروه المبغوض ما لم يشأه، ولم يخلقه.
وإنما أصّلوا هذا الأصل محافظة منهم على القدر، فجنوا به على الشرع والقدر، والتزموا لأجله لوازم شوّشوا بها على القدر والحكمة، وكابروا لأجلها صريح العقل، وسوّوا بين أقبح القبائح وأحسن الحسنات في نفس الأمر، وقالوا: هما سواء، لا فرق بينهما إلا بمجرد الأمر والنهي. فالكذب ــ عندهم ــ والظلم والبغي والعدوان مساوٍ للصدق والعدل والإحسان في نفس الأمر، ليس في هذا ما يقتضي حُسْنه، ولا في هذا ما يقتضي قُبْحه.
وجعلوا هذا المذهب شعارًا لأهل السنة، والقول بخلافه قول أهل البدع من المعتزلة وغيرهم، ولعمر الله؛ إنه لمن أبطل الأقوال، وأشدها منافاة للعقل والشرع، ولفطرة الله التي فطر عليها خلقه، وقد بيّنا بطلانه من أكثر من خمسين وجهًا في كتاب "المفتاح" (٢).
стр. 462
والمقصود: أنه لما انضم القول به إلى القول بأنه سبحانه لا يحب شيئًا ويبغض شيئًا، بل كل موجود فهو محبوب له، وكل معدوم فهو مكروه له، وانضم إلى هذين الأمرين إنكار الحِكَم والغايات المطلوبة في أفعاله سبحانه، وأنه لا يفعل شيئًا لشيء البتَّة، وانضم إلى ذلك إنكار الأسباب، وأنه لا يفعل شيئًا بشيء، وإنكار القوى والطبائع والغرائز، وأن تكون أسبابًا أو يكون لها أثر= انسدَّ عليهم باب الصواب في مسائل القدر، والتزموا لهذه الأصول الباطلة لوازم هي أظهر بطلانًا وفسادًا، وهي من أدلّ شيء على فساد هذه الأصول وبطلانها؛ فإن فساد اللازم من فساد ملزومه.
فإن قيل: الكراهة والمحبّة ترجع إلى المنافرة والملاءمة للطبع، وذلك محال في حقّ من لا يوصف بطبع ولا ملاءمة ولا منافرة!
قيل: قد دلّت النصوص التي لا تُدفع على وصفه تعالى بالمحبة والكراهة، فنفيُكم حقائق ما دلت عليه بالتعبير عنها بملاءمة الطبع ومنافرته باطل.
وهو كنفي كل مبطل حقائقَ أسمائه وصفاته بالتعبير عنها بعبارات اصطلاحية، توصّل بها إلى نفي ما وصف به نفسه، كتسمية الجهمية المعطلة صفاته تعالى: أعراضًا، ثم توصلوا بهذه التسمية إلى نفيها.
وسمّوا أفعاله القائمة به: حوادث، ثم توصلوا بهذه التسمية إلى نفيها، وقالوا: لا تحله الحوادث، كما قالت المعطلة: لا تقوم به الأعراض.
وسمّوا علوّه على خلقه واستواءه على عرشه، وكونه قاهرًا فوق عباده: تحيُّزًا وتجسيمًا، ثم توصلوا بنفي ذلك إلى نفي علوه على خلقه، واستوائه على عرشه.
стр. 463
وسمّوا ما أخبر به عن نفسه من الوجهِ واليدينِ والأصبعِ: جوارحَ وأعضاءَ، ثم نفوا ما أثبته لنفسه بتسميتهم له بغير تلك الأسماء، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣].
فتوصلوا بالتجسيم والتشبيه والتركيب والحوادث والأعراض والتحيُّز إلى تعطيل صفات كماله، ونعوت جلاله، وأفعاله، وأخلوا تلك الأسماء من معانيها، وعطلوها من حقائقها.
فيقال لمن نفى محبته وكراهته لاستلزامهما ميل الطبع ونفرته: ما الفرق بينك وبين من نفى كونه مريدًا لاستلزام الإرادة حركةَ النفس إلى جلب ما ينفعها، ودفع ما يضرها؟ ونفى سمعه وبصره لاستلزام ذلك تأثّرَ السمع والبصر (١) بالمسموع والمُبْصَر، وانطباعَ صورة المرئي في الرائي، وحمْلَ الهواء الصوتَ المسموعَ إلى أذن السامع؟ ومن نفى علمه لاستلزامه انطباعَ صورة المعلوم في النفس الناطقة؟ ونفى غضبه ورضاه لاستلزام ذلك حركة القلب وانفعاله بما يَرِد عليه من المؤلم والسارّ؟ ونفى كلامه لاستلزام الكلام محلًّا يقوم به، ويظهر منه: من شفة ولسان ولَهَوات؟
ولمّا لم يمكن (٢) أحدًا أقرّ بوجود رب العالمين طَرْدُ ذلك وقع في التناقض ولابدّ؛ فإنه أي شيء أثبتَه لزمه فيه ما التزمه، كمن (٣) أثبت ما نفاه هو من غير فرق البتّة.
стр. 464
ولهذا لمّا تفطّن بعض المعطلة لذلك طَرَدَ هذا الأصل، وقال: لا أثبت شيئًا البتّة.
ولهذا قال الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة: لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنّعين (١).
والمقصود أنا لا نجحد محبته سبحانه لما يحبه (٢)، وكراهته لما يكرهه لتسمية النفاة لذلك ملاءمة ومنافرة.
وينبغي التفطن لهذا الموضع؛ فإنه من أعظم أصول الضلال، فلا نسمي العرش حيِّزًا، ولا نسمي الاستواء تحيُّزًا، ولا نسمي الصفات أعراضًا، ولا الأفعال حوادث، ولا الوجه واليدين والأصابع جوارح وأعضاء، ولا إثبات صفات كماله التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسله: تجسيمًا وتشبيهًا، فنجني جنايتين عظيمتين: جنايةً على اللفظ، وجنايةً على المعنى، فنبدل الاسم، ونعطل معناه. ونظير هذا تسمية خَلْقه سبحانه لأفعال عباده وقضائه السابق: جَبْرًا.
ولذلك أنكر أئمة السنة كالأوزاعي، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد وغيرهم هذا اللفظ (٣).
стр. 465
قال الأوزاعي، والزُّبَيدي (١): ليس في الكتاب والسنة لفظ "جَبْر"، وإنما جاءت السنة بلفظ "الجَبْل" (٢). كما في الصحيح (٣) أن النبي ﷺ قال لأشج عبد القيس: "إن فيك خُلُقين يحبهما الله: الحلم والأناة"، فقال: أخُلُقَين تخلّقت بهما، أم جُبِلت عليهما؟ فقال: "بل جُبِلتَ عليهما"، فقال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب.
فأخبر النبي ﷺ أن الله جبَلَه على الحلم والأناة وهما من الأفعال الاختيارية، وإن كانا خُلُقين قائمين بالعبد (٤)، فإن من الأخلاق ما هو كَسْبي، ومنها ما لا يدخل تحت الكَسْب، والنوعان قد جَبَل الله العبد عليهما، وهو سبحانه يحبّ ما جَبَل عبده عليه من محاسن الأخلاق، ويكره ما جَبَله عليه من مساوئها، فكلاهما بجَبْله، وهذا محبوب له، وهذا مكروه، كما أن جبريل صلوات الله وسلامه عليه مخلوق له، وإبليس عليه لعائن الله مخلوق له، وجبريل محبوب له مصطفى عنده، وإبليس أبغض خلقه إليه.
ومما يوضح ذلك أن لفظ الجَبْر لفظ مجمل، فإنه يقال: أجْبَر الأبُ (٥)
стр. 466
ابنتَه على النكاح، وجَبَر الحاكمُ الرجلَ على البيع، ومعنى هذا الجَبْر: أكرهه عليه، ليس معناه أنه جعله محبًّا لذلك، راضيًا به، مختارًا له، والله تعالى إذا خلق فعل العبد جعله محبًّا له، مختارًا لإيقاعه، راضيًا به، كارهًا لعدمه، فإطلاق لفظ "الجَبْر" على ذلك فاسد لفظًا ومعنى؛ فإن الله سبحانه أجلّ وأعدل (١) من أن يجبر عبده بذلك المعنى، وإنما يجبر العاجزُ عن أن يجعل غيره فاعلًا بإرادته ومحبته ورضاه. وأما مَن جَعَل العبدَ (٢) مريدًا محبًّا مؤثرًا لما يفعله، فكيف يقال: إنه جَبَره عليه؟!
فهو سبحانه أجلّ وأعظم وأقدر من أن يجبر عبده، ويكرهه على فعل ما يشاؤه منه، بل إذا شاء من عبده أن يفعل فعلًا جعله قادرًا عليه، مريدًا له، محبًا مختارًا لإيقاعه، وهو أيضًا قادر على أن يجعله فاعلًا له باختياره مع كراهته له، وبغضه ونفرته عنه.
فكل ما يقع من العباد بإراداتهم ومشيئاتهم فهو سبحانه الذي جعلهم فاعلين له، سواء أحبوه، أو أبغضوه وكرهوه، وهو سبحانه لم يجبرهم في النوعين، كما يجبر غيرُه مَنْ لا يقدر على جعله فاعلًا بإرادته ومشيئته.
نعم، نحن لا ننكر استعمال لفظ "الجَبْر" فيما هو أعمّ من ذلك، بحيث يتناول مَن قَهَر غيرَه، وقدر على جعله فاعلًا لما يشاء فعله، وتاركًا لما لا يشاء فعله؛ فإنه سبحانه المحدث لإرادته له، وقدرته عليه، كما قال محمد بن كعب القرظي في اسم "الجبّار" سبحانه: "هو الذي جَبَرَ العباد على
стр. 467
ما أراد" (١).
وفي الدعاء المعروف عن علي ﵁: "اللهم داحِيَ المَدْحُوّات، وبارئ المَسْموكات، جبّار القلوب على فطراتها شقيّها وسعيدها" (٢).
فالجبر بهذا الاعتبار معناه القهر والقدرة، وأنه سبحانه قادر على أن يفعل بعبده ما شاء، وإذا شاء منه شيئًا وقع ولا بدّ، وإن لم يشأه لم يكن، ليس كالعاجز الذي يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، والفرق بين هذا الجَبْر وجَبْر المخلوق لغيره من وجوه:
أحدها: أن المخلوق لا قدرة له على جَعْل الغير مريدًا للفعل، محبًّا له، والربّ تعالى قادر على جَعْل عبده كذلك.
الثاني: أن المخلوق قد يجبر غيرَه إجبارًا يكون به ظالمًا له، معتديًا عليه، والربّ تعالى أعدل من ذلك؛ فإنه لا يظلم أحدًا من خلقه، بل مشيئته نافذة فيهم بالعدل والإحسان، بل عدله فيهم من إحسانه إليهم، كما سنبينه إن شاء الله.
الثالث: أن المخلوق يكون في جبره لغيره سفيهًا أو عابثًا أو جاهلًا، والربّ تعالى إذا جَبَل عبدَه على أمر من الأمور كان له في ذلك من الحكمة والعدل والإحسان والرحمة ما هو محمود عليه بجميع وجوه الحمد.
الرابع: أن المخلوق يجبر غيرَه لحاجته إلى ما جبره عليه، ولانتفاعه
стр. 468
بذلك، وهذا لأنه فقير بالذات، وأما الربّ تعالى فهو الغني بذاته، الذي كل ما سواه محتاج إليه، وليس به حاجة إلى أحد.
الخامس: أن المخلوق يجبر غيرَه لنقصه، فيجبره ليحصل له الكمال بما أجبره عليه، والربُّ تعالى له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وكماله من لوازم ذاته لم يستفده من خلقه، بل هو الذي أعطاهم من الكمال ما يليق بهم، فالمخلوق يجبر غيره ليتكمّل نقصه به، والربُّ تعالى منزّه عن كل نقص وعيب، فكماله المقدّس ينفي الجَبْر.
السادس: أن المخلوق يجبر غيرَه على فعلٍ يعينه به على غرضه؛ لعجزه عن التوصّل إليه إلا بمعاونته له، فصار الفعل من هذا، والإكراه والقهر من هذا؛ محصّلًا لغرض المُكْرِه، كما أن المعين (١) لغيره باختياره شريك له في الفعل، والربُّ تعالى غني عما سواه بكل وجه، فيستحيل في حقه الجَبْر.
السابع: أن المجبور على فعل ما لا يريد فعله يجد من نفسه فرقًا ضروريًا بينه وبين ما يريد فعله باختياره ومحبته، فالتسوية بين الأمرين تسوية بين ما عُلِم بالحسِّ والاضطرار الفرقُ بينهما، وهو كالتسوية بين حركة المُرْتعِش وحركة الكاتب، وهذا من أبطل الباطل.
الثامن: أن الله سبحانه قد فطر العباد على أن المجبور المُكْرَه على الفعل معذور لا يستحق الذم والعقوبة، ويقولون: قد أُكْرِه على كذا، وجَبَره عليه السلطان. وكما أنهم مفطورون على هذا فهم مفطورون أيضًا على ذم من فعل القبائح باختياره وإرادته، وعَدَمِ عَذْرِه، ولا يقولون: هو معذور، ولا
стр. 469
فاعل بغير اختياره (١)، وشريعته سبحانه موافقة لفطرته في ذلك، فمن سَوّى بين الأمرين فقد خرج عن موجِب الشرع والعقل والفطرة.
التاسع: أنّ مَن أمر غيرَه بمصلحة المأمور وما هو محتاج إليه، ولا سعادة له، ولا فلاح إلا به؛ لا يقال: جبره على ذلك. وإنما يقال: نصحه وأرشده، ونفعه وهداه، ونحو ذلك. وقد لا يختار المأمورُ المنهيُّ ذلك، فيجبره الناصحُ له على ذلك مَن له ولاية الإجبار، وهذا جبر بحق، وهو جائز، بل واقع في شرع الربّ وقدره وحكمته ورحمته وإحسانه، لا نمنع هذا الجَبْر.
العاشر: أن الربّ تعالى ليس كمثله شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فجَعْله العبد فاعلًا بقدرته ومشيئته واختياره أمر يختص به ﵎، والمخلوق لا يقدر أن يجعل غيره فاعلًا إلا بإكراهه له على ذلك، فإن لم يكرهه لم يقدر على غير الدعاء والأمر بالفعل، وذلك لا يصيّر العبد فاعلًا؛ فالمخلوق هو الذي يجبر غيرَه على الفعل، ويكرهه عليه، فنسبة ذلك إلى الربّ تشبيه له في أفعاله بالمخلوق الذي لا يجعل غيرَه فاعلًا إلا بجبره له وإكراهه، فكمال قدرته تعالى، وكمال علمه، وكمال مشيئته، وكمال عدله وإحسانه، وكمال غناه، وكمال ملكه، وكمال حجته على عبده تنفي الجَبْر.
فصل
فالطوائف كلها متفقة على الكَسْب، ومختلفون في حقيقته.
стр. 470
فقالت القدرية: هو إحداث العبد لفعله بقدرته ومشيئته استقلالًا، وليس للربّ صُنْع فيه، ولا هو خالق فعله، ولا مكوّنه، ولا مريد له.
وقالت الجبرية: الكَسْب اقتران الفعل بالقدرة الحادثة، من غير أن يكون لها فيه أثر.
وكلا الطائفتين فرّق بين الخَلْق والكسب، ثم اختلفوا فيما وقع به الفرق.
فقال الأشعري في عامة كتبه: معنى الكَسْب: أن يكون الفعل بقدرة مُحدَثة، فمن وقع منه الفعل بقدرة قديمة فهو فاعل خالق، ومن وقع منه بقدرة مُحدَثة فهو مُكتسِب.
وقال قائلون: من يفعل بغير آلة ولا جارحة فهو خالق، ومن يحتاج في فعله إلى الآلات والجوارح فهو مُكتسِب، وهذا قول الإسكافي وطوائف من المعتزلة.
قال (١): "واختلفوا هل يقال: إن الإنسان فاعل على الحقيقة ؟
فقالت المعتزلة كلُّها إلا الناشئ (٢): إن الإنسان فاعل مُحدِث ومُخْتَرِع ومنشئ على الحقيقة دون المجاز.
وقال الناشئ: الإنسان لا يفعل في الحقيقة، ولا يُحدِث في الحقيقة،
стр. 471
وكان [لا] (١) يقول: إن البارئ أحدث كسب الإنسان، قال: فلَزمَه مُحدَث لا لمُحدِث في الحقيقة، ومفعول لا لفاعل (٢) في الحقيقة" (٣).
قلت: وجه إلزامه ذلك أنه قد أعطى أن الإنسان غير فاعل لفعله، وفعله مُحدَث مفعول، وليس هو فعلًا لله، ولا فعلًا للعبد، فلزمه مفعول من غير فاعل.
ولعمر الله؛ إن هذا الإلزام لازم لأبي الحسن (٤) وللجبرية؛ فإن عندهم الإنسان ليس بفاعل حقيقة، والفاعل هو الله، وأفعال الإنسان قائمة به لم تقم بالله، فإذا لم يكن الإنسان فاعلها مع قيامها به، فكيف يكون الله سبحانه هو فاعلها؟! ولو كان هو فاعلها لعادت أحكامها عليه، واشتُقّت له منها أسماء، وذلك ممتنع مستحيل على الله، فيلزمك أن تكون أفعالًا لا فاعل لها؛ فإن العبد ليس بفاعل عندك، ولو كان الربّ فاعلًا لها لاشتُقّت له منها أسماء، وعاد حكمها عليه.
فإن قيل: فما تقولون أنتم في هذا المقام؟
قلنا: لا نقول بواحد من القولين، بل نقول: هي أفعال للعباد حقيقة ومفعولة للرب، فالفعل عندنا غير المفعول، وهو إجماع من أهل السنة، حكاه الحسين بن مسعود البغوي وغيره (٥)، فالعبد فَعَلها حقيقة، والله
стр. 472
خالقه، وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة، وخالق فاعليّته.
وسر المسألة: أن العبد فاعل مُنْفَعِل باعتبارين، بل هو مُنْفَعِلُ فاعليّته، فربه تعالى هو الذي جعله فاعلًا بقدرته ومشيئته، وأقدره على الفعل، وأحدث له المشيئة التي يفعل بها.
قال الأشعري: "وكثير من أهل الإثبات يقولون: إن الإنسان فاعل في الحقيقة بمعنى: مُكْتَسِب، ويمنعون أنه مُحْدِث" (١).
قلت: هؤلاء وقفوا مع ألفاظ الكتاب والسنة، فإنهما مملوآن من نسبة الأفعال إلى العبد باسمها العام وأسمائها الخاصة، فالاسم العام كقوله تعالى: " تَعْمَلُونَ، تَفْعَلُونَ، مَا "، والأسماء الخاصة: " الَّذِينَ يُقِيمُونَ، الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ، بِهِ، وَيَخَافُونَ، يَتُوبُونَ، الْكَافِرِينَ ".
وأما لفظ الإحداث فلم يجئ إلا في الذم، كقوله ﷺ : "لعن الله من أحدث حَدَثًا، أو آوى مُحْدِثًا" (٢)، فهذا ليس بمعنى الفعل والكسب.
وكذلك قول عبد الله بن مغفّل لابنه: "إياك والحدث في الإسلام" (٣).
стр. 473
ولا يمتنع إطلاقه على فعل الخير مع التقييد، كما قال بعض السلف: "إذا أَحْدَثَ الله لك نعمة فأحْدِثْ لها شكرًا، وإذا أَحْدَثْتَ ذنبًا فأحْدِثْ له توبة" (١).
ومنه قوله: هل أَحْدَثْتَ توبة؟ وأحْدِثْ للذنب استغفارًا.
ولا يلزم من ذلك إطلاق اسم المُحدِث عليه، والإحداث على فعله.
قال الأشعري: "وبلغني أن بعضهم أطلق في الإنسان أنه مُحدِث على الحقيقة بمعنى: مُكْتَسِب" (٢).
قلت: ههنا ألفاظ وهي: فاعل، وعامل، ومُكْتَسِب، وكاسب، وصانع، ومُحْدِث، وجاعل، ومؤثِّر، ومنشئ، وموجِد، وخالق، وبارئ، ومصوِّر، وقادر، ومريد.
وهذه الألفاظ ثلاثة أقسام:
قسم لم يُطلق إلا على الربّ سبحانه، كالبارئ والبديع والمبدِع.
وقسم لا يُطلق إلا على العبد، كالكاسب والمُكْتَسِب.
وقسم وقع إطلاقه على الرب والعبد، كاسم: صانع، وفاعل، وعامل، ومنشئ، ومريد، وقادر.
وأما الخالق والمصوِّر فإنِ استُعْمِلا مطلقيَن غير مقيدَين لم يُطلقا إلا على الربّ سبحانه، كقوله: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]، وإن
стр. 474
استُعْمِلا مقيّدَين أُطْلِقا على العبد، كما يقال لمن قدّر شيئًا في نفسه: إنه خلقه.
قال:
ولأنت تَفْري ما خلقتَ وبعـ ... ـض القوم يخلق ثم لا يَفْري (١)
أي: لك قدرة تمضي وتنفذ بها ما قدّرته في نفسك، وغيرك يقدّر أشياء وهو عاجز عن إنفاذها وإمضائها.
وبهذا الاعتبار صحّ إطلاق خالق على العبد في قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، أي: أحسن المصوّرين والمقدّرين.
والعرب تقول: قدّرت الأَدِيم وخلقته إذا قسته لتقطع منه مَزَادة أو قربة ونحوها.
قال مجاهد: "يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين" (٢).
وقال الليث: "رجلٌ خالق، أي: صانع، وهن الخالقات: للنساء" (٣).
وقال مقاتل: "يقول الله تعالى: هو أحسن خلقًا من الذين يخلقون التماثيل وغيرها، التي لا يتحرك منها شيء" (٤).
وأما البارئ فلا يصح إطلاقه إلا عليه سبحانه؛ فإنه الذي برأ الخليقة وأوجدها بعد عدمها، والعبد لا تتعلق قدرته بذلك؛ إذ غاية مقدوره التصرف
стр. 475
في بعض صفات ما أوجده الربُّ تعالى وبرأه، وتغييرها من حال إلى حال على وجه مخصوص لا تتعدّاه قدرته.
وليس من هذا: بريت القلم؛ لأنه معتل لا مهموز. ولا: برأت من المرض؛ لأنه فعل لازم غير متعدّ.
وكذلك مُبدِع الشيء وبديعه لا يصح إطلاقه إلا على الربِّ تعالى، كقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]، والإبداع: إيجاد المُبدَع على غير مثال سبق، والعبد يُسمّى: مُبتدِعًا لكونه أحدث قولًا لم تمضِ به سنة، ثم يقال لمن اتبعه عليه: مُبتدِع أيضًا.
وأما لفظ المُوجِد، فلم يقع في أسمائه سبحانه، وإن كان هو المُوجِد على الحقيقة، ووقع في أسمائه الواجد، وهو بمعنى: الغني الذي له الوُجْد.
وأما المُوجِد فهو مُفْعِل من أوجد، وله معنيان:
أحدهما: أن يجعل الشيء موجودًا، وهو تعدية وَجَدَ وأوجده.
قال الجوهري: "وجد الشيء عن عدم فهو موجود، مثل حُمّ، فهو محموم. وأوجده الله، ولا يقال: وجده" (١).
والمعنى الثاني: أوجده: جعل له جِدَةً وغِنًى، وهذا يتعدّى إلى مفعولين.
قال في "الصحاح" (٢): "أوجده الله مطلوبه، أي: أظفره به، وأوجده، أي: أغناه".
стр. 476
قلت: وهذا يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون من باب حذْف أحد المفعولين، أي: أوجده مالًا وغنى.
وأن يكون من باب: صَيّره واجدًا، مثل أغناه وأفقره؛ إذا صَيّره غنيًا وفقيرًا.
فعلى التقدير الأول يكون تَعْدية: وَجَد مالًا وغنى، وأوجده الله إيّاه.
وعلى الثاني يكون تَعْدية: وَجَد وُجْدًا إذا استغنى. ومصدر هذا الوُجْد بالضم والفتح والكسر، قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦].
فغير ممتنع أن يُطلَق على من يفعل بالقدرة المُحدَثة أنه أوجد مقدوره؛ كما يُطلَق عليه أنه فعله وعمله وصنعه وأحدثه، لا على سبيل الاستقلال.
وكذلك لفظ المؤثِّر، لم يرد إطلاقه في أسماء الربِّ، وقد وقع إطلاق الأثر والتأثير على فعل العبد، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢].
قال ابن عباس: "ما أثروا من خير أو شر" (١).
فسمى ذلك آثارًا؛ لحصوله بتأثيرهم.
ومن العجب أن المتكلمين يمتنعون من إطلاق التأثير والمؤثِّر على من أُطلِق عليه في القرآن والسنة، كما قال النبي ﷺ : "يا بني سَلِمة، ديارَكم تُكتب
стр. 477
آثارُكم" (١)، أي: الزموا ديارَكم، ويخصّونه بمن لم يقع إطلاقه عليه في كتاب ولا سنة، وإن استُعمِل في حقه الإيثار والاستئثار، كما قال إخوة يوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١].
وفي الأثر: "إذا استأثر الله بشيء فَالْهَ عنه" (٢).
وقال الناظم:
استَأثَرَ اللهُ بالثَّنَاء وبالحَمْـ ... ـدِ وَوَلَّى الملامَةَ الرّجُلا (٣)
ولما كان التأثير تفعيلًا من أثَّرت في كذا تأثيرًا، فأنا مُؤثِّر؛ لم يمتنع إطلاقه على العبد، قال في "الصحاح" (٤): "التأثير إبقاء الأثر في الشيء".
وأما لفظ الصانع فلم يرد في أسماء الربِّ تعالى، ولا يمكن وروده (٥)؛ فإن الصانع مَنْ صَنَع شيئًا، عدلًا كان أو ظلمًا، سفهًا أو حكمة، جائزًا أو غير جائز. وما انقسم مسمّاه إلى مدح وذم لم يجئ اسمه المطلق في الأسماء
стр. 478
الحسنى، كالفاعل والعامل والصانع والمريد والمتكلم؛ لانقسام معاني هذه الأسماء إلى محمود ومذموم، بخلاف العالم والقادر والحي والسميع والبصير.
وقد سمّى النبيُّ ﷺ العبدَ صانعًا.
قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، ثنا مروان بن معاوية، ثنا أبو مالك، عن رِبْعِي بن حِرَاش، عن حذيفة قال: قال النبي ﷺ : "إن الله يصنع كل صانع وصنعته" (١).
وقد أطلق سبحانه على فعله اسم الصُّنْع، فقال: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وهو منصوب على المصدر؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسِبُهَا جَامِدَةً وَهْيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، يدل على الصَنْعة.
وقيل: هو نَصْبٌ على المفعولية، أي: انظروا صُنْع الله.
فعلى الأول: يكون ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدرًا بمعنى الفعل.
وعلى الثاني: يكون بمعنى المصنوع المفعول، فإنه الذي يمكن وقوع النظر والرؤية عليه.
وأما الإنشاء فإنما وقع إطلاقه عليه سبحانه فعلًا، كقوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢]، وقوله: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ﴾ [المؤمنون: ١٩]، وقوله: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١]، وهو كثير، ولم يرد لفظ المُنشِئ.
стр. 479
وأما العبد فيُطلَق عليه الإنشاء باعتبار آخر، وهو شروعه في الفعل وابتداؤه له، تقول: أنشأ يحدّثنا، وأنشأ السير، فهو منشئ لذلك.
وهذا إنشاء مقيّد، وإنشاء الربّ إنشاء مطلق.
وهذه اللفظة تدور على معنى الابتداء، أنشأه الله، أي: ابتدأ خلقه، وأنشأ يفعل كذا: ابتدأ، وفلان يُنْشِئ الأحاديث، أي: يبتدئ وضعَها، والناشئ أول ما ينشأ من السحاب.
قال الجوهري: "وناشئة الليل أول ساعاته" (١).
قلت: هذا قد قاله غير واحد من السلف: إن ناشئة الليل أوله التي منها ينشأ الليل، والصحيح أنها لا تختص بالساعة الأولى، بل هي ساعاته ناشئة بعد ناشئة، كلما انقضت ساعة نشأ بعدها أخرى.
قال أبو عبيدة: "ناشئة الليل: ساعاته وآناؤه ناشئة بعد ناشئة" (٢).
قال الزَّجّاج: "ناشئة الليل: كلّ ما نشأ منه، أي: حدث منه، فهو ناشئة" (٣).
قال ابن قتيبة: "هي آناء الليل وساعاته، مأخوذة من نَشَأَتْ تنشأ نشْأً، أي: ابتدأت وأقبلت شيئًا بعد شيء، وأنشأها الله فنشأت" (٤).
стр. 480
والمعنى أن ساعات الليل الناشئة، وقول صاحب "الصحاح" منقول عن كثير من السلف.
قال علي بن الحسين: "ناشئة الليل: ما بين المغرب إلى العشاء" (١).
وهذا قول أنس، وثابت، وسعيد بن جبير، والضحّاك، والحَكَم، واختيار الكسائي، قالوا: ناشئة الليل أوله (٢)، وهؤلاء راعوا معنى الأولية في الناشئة.
وفيها قول ثالث: أن الليل كله ناشئة، وهذا قول عكرمة، وأبي مِجْلَز، ومجاهد، والسُّدِّي، وابن الزبير، وابن عباس في رواية.
قال ابن أبي مُلَيْكة: سألت ابن الزبير وابن عباس عن ناشئة الليل، فقالا: الليل كلّه ناشئة (٣).
فهذه أقوال من جعل ناشئة الليل زمانًا.
وأما من جعلها فعلًا ينشأ بالليل؛ فالناشئة عندهم اسم لما يُفعل بالليل
стр. 481
من القيام، هذا قول ابن مسعود، ومعاوية بن قُرّة، وجماعة، قالوا: ناشئة الليل: قيام الليل (١).
وقال آخرون ــ منهم عائشة ــ: إنما يكون القيام ناشئة إذا تقدمه نوم، قالت عائشة: "ناشئة الليل القيام بعد النوم" (٢).
وهو قول ابن الأعرابي، قال: "إذا نمتَ من أول الليلة نومة، ثم قمتَ فتلك النشأة، ومنه ناشئة الليل" (٣).
فعلى قول الأولين: "ناشئة الليل" إضافة بمعنى "من"، إضافة نوع إلى جنسه، أي: ناشئة منه.
وعلى قول هؤلاء: إضافة بمعنى "في"، أي: طاعة ناشئة فيه.
والمقصود: أن الإنشاء ابتداء، سواء تقدمه مثله كالنشأة الثانية، أو لم يتقدمه كالنشأة الأولى.
وأما الجَعْل فقد أُطلق على الله سبحانه بمعنيين:
أحدهما: الإيجاد والخلق.
والثاني: التصيير.
فالأول يتعدى إلى مفعول، كقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]،
стр. 482
والثاني أكثر ما يتعدى إلى مفعولين، كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، وأُطلق على العبد بالمعنى الثاني خاصّة، كقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾، وغالب ما يُستعمل في حق العبد في جَعْل التسمية والاعتقاد، حيث لا يكون له صُنْع في المجعول، كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، وقوله: ﴿(٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا﴾ [يونس: ٥٩]، وهذا متعدٍّ إلى واحد، وهو جَعْل اعتقادٍ وتسمية.
وأما الفعل والعمل فإطلاقه على العبد كثير، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا﴾ [المائدة: ٧٩]، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢]، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥].
وأطلقه على نفسه فعلًا واسمًا، فالأول كقوله: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، والثاني كقوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]، وقوله: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ في موضعين من كتابه: أحدهما قوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، والثاني قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
فتأمل قوله: ﴿كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ في هذين الموضعين المتضمنين للصنع العجيب الخارج عن العادة: كيف تجده كالدليل على ما أخبر به، وأنه لا يستعصي على الفاعل حقيقة، أي: شأننا الفعل، كما لا يخفى الجهر والإسرار بالقول على من شأنه العلم والخبرة، ولا تصعب المغفرة على من
стр. 483
شأنه أن يغفر الذنوب، ولا الرزق على من شأنه أن يرزق العباد.
وقد وقع الزَّجّاج على هذا المعنى بعينه، فقال: "و ﴿كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: قادرين على فعل ما نشاء" (١).
* * * *
стр. 484
الباب الثامن عشر
في فَعَل وأفعلَ في القضاء والقدر والكسب، وذكر الفعل والانفعال
ينبغي الاعتناء بكشف هذا الباب، وتحقيق معناه، فبذلك ينحل عن العبد أنواع من ضلالات القدرية والجبرية، حيث لم يعطوا هذا الباب حقه من العرفان.
اعلم أن الربّ تعالى فاعلٌ غير مُنْفعِل، والعبد فاعل مُنْفعِل ، وهو في فاعليّته مُنْفعِل للفاعل الذي لا ينفعل بوجه.
فالجبرية شهدت كونه مُنْفعِلًا يجري عليه الحكم بمنزلة الآلة والمحل، وجعلوا حركته بمنزلة حركات الأشجار، ولم يجعلوه فاعلًا إلا على سبيل المجاز، فقام، وقعد، وأكل، وشرب، وصلى، وصام، عندهم بمنزلة: مرض، وأَلِمَ، ومات، ونحو ذلك مما هو فيه مُنْفعِل محض.
والقدرية شهدت كونه فاعلًا محضًا غير مُنْفعِل في فعله.
وكلٌّ من الطائفتين نظر بعين عوراء، وأهل العلم والاعتدال أعطوا كلا المقامين حقه، ولم يبطلوا أحد الأمرين (١) بالآخر، فاستقام لهم نظرهم ومناظرتهم، واستقر عندهم الشرع والقدر في نصابه، وشهدوا وقوع الثواب والعقاب على من هو أولى به.
стр. 485
فأثْبَتوا نطق العبد حقيقة، وإنطاق الله له حقيقة، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ﴾ [فصلت: ٢١]، فالإنطاق فعل الله الذي لا يجوز تعطيله، والنطق فعل العبد الذي لا يمكن إنكاره.
كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]، فعُلِم أن كونهم ينطقون هو أمر حقيقي، حتى (١) شَبَّه به في تحقيق كونه ما أَخبر به، وأن هذا حقيقة لا مجاز.
ومن جعل إضافة نطق العبد إليه مجازًا لم يكن ناطقًا عنده حقيقة (٢)، فلا يكون التشبيه بنطقه محقِّقًا لما أخبر به، فتأمله.
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]، فهو المضحك المبكي حقيقة، والعبد الضاحك الباكي حقيقة، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢]، وقال: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٥٩ - ٦٠]، فلولا المُنطِق الذي أنطق، والمُضحِك والمُبكِي الذي أضحك وأبكى؛ لم يوجد ناطق ولا ضاحك ولا باك.
فإذا أحَبّ عبده أنطقه بما يحب فأثابه عليه، وإذا أبغضه أنطقه بما يكرهه فعاقبه عليه، وهو الذي أنطق هذا وهذا، وأجرى ما يحب على لسان هذا، وما يكره على لسان هذا، كما أنه أجرى على قلب هذا ما أضحكه، وعلى قلب
стр. 486
هذا ما أبكاه.
وكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]، وقوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١١]، فالتسيير فعله حقيقة، والسير فعل العبد حقيقة، فالتسيير فعل محض، والسير فعل وانفعال.
ومن هذا قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فهو سبحانه المزوِّج ورسوله المتزوِّج.
وكذلك قوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤]، فهو المزوِّج وهم المتزوجون.
وقد جمع سبحانه بين الأمرين في قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، فالإزاغة فعله، والزيغ فعلهم.
فإن قيل: أنتم قررتم أنه لم يقع منهم الفعل إلا بعد فعله، وأنه لولا إنطاقه لهم وإضحاكه وإبكاؤه لما نطقوا وما ضحكوا ولا بكوا، وقد دلت هذه الآية على أن فعله بعد فعلهم، وأنه أزاغ قلوبهم بعد أن زاغوا، وهذا يدل على أن إزاغة قلوبهم هو حكمه عليها بالزيغ، لا جعْلها زائغة، وكذلك قوله: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾ [فصلت: ٢١]، المراد به: جعل لنا آلة النطق، وأضحك وأبكى: جعل لهم آلة الضحك والبكاء.
قيل: أما الإزاغة المترتبة على زيغهم فهي إزاغة أخرى غير الإزاغة التي زاغوا بها أولًا؛ عقوبة لهم على زيغهم، والربّ تعالى يعاقب على السيئة بمثلها، كما يثيب على الحسنة بمثلها، فَحَدَثَ لهم منها زيغ آخر غير الزيغ الأول، فهم زاغوا أولًا فجازاهم الله بإزاغة فوق زيغهم، فأحْدَثَتْ لهم تلك
стр. 487
الإزاغة زيغًا فوق زيغهم.
فإن قيل: فالزيغ الأول من فعلهم، وهو مخلوق لله فيهم على غير وجه الجزاء، وإلا تسلسل الأمر.
قيل: بل الزيغ الأول وقع جزاءً لهم وعقوبة (١) على تركهم الإيمان والتصديق لمّا جاءهم الهدى (٢)، وهذا الترك أمر عدمي لا يستدعي فاعلًا؛ فإن تأثير الفاعل إنما هو في الوجود لا في العدم.
فإن قيل: فهذا الترك العدمي له سبب، أو لا سبب له؟
قيل: سببه عدم سبب ضده، فبقي على العدم الأصلي.
ويشبه هذا قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، عاقبهم على نسيانهم له بأن أنساهم أنفسهم، فنسوا مصالحها أن يفعلوها، وعيوبها أن يصلحوها، وحظوظها أن يتناولوها، ومن أعظم مصالحها وأنفع حظوظها ذِكْرها لربّها وفاطرها، ومَن لا نعيم لها ولا سرور ولا فلاح ولا صلاح إلا بذكره وحبه وطاعته، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، فأنساهم ذلك لمّا نسوه، وأحدث لهم هذا النسيان نسيانًا آخر.
وهذا ضد حال الذين ذكروه ولم ينسوه، فذكّرهم مصالح نفوسهم ففعلوها، ووقفهم على عيوبها فأصلحوها، وعَرّفهم حظوظها العالية فبادروا إليها.
стр. 488
فجازى أولئك على نسيانهم بأن أنساهم الإيمان به ومحبته وذكره وشكره، فلما خلت قلوبهم من ذلك لم تجد عن ضدّه محيصًا.
وهذا يبيّن لك كمال عدله سبحانه في تقدير الكفر والذنوب عليها.
وإذا كان قضاؤه عليها بالكفر والذنوب عدلًا منه فيها؛ فقضاؤه عليها بالعقوبة أعدل وأعدل، فهو سبحانه ماضٍ في عبده حكمُه، عَدْلٌ فيه قضاؤُه، وله فيها قضاءان: قضاء السبب، وقضاء المُسبَّب، وكلاهما عدل فيه؛ فإنه لما ترك ذكره، وترك فعل ما يحبه؛ عاقبه بنسيان نفسه، فأحدث له هذا النسيان ارتكاب ما يبغضه ويسخطه بقضائه الذي هو عدل، فترتب له على هذا الفعل والترك عقوبات وآلام لم يكن له منها بُدّ، بل هي مترتبة عليه ترتب المُسبَّبات على أسبابها، فهي عدل محض من الربّ تعالى، فعَدَل في العبد أولًا وآخرًا.
وهو محسن في عدله، محبوبٌ عليه، محمود فيه، يحمده من عدل فيه طوعًا وكرهًا.
قال الحسن: "لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم، ما وجدوا عليه سبيلًا" (١).
وسنزيد هذا الموضع بسطًا وبيانًا في باب دخول الشر في القضاء الإلهي، إن شاء الله (٢).
إذ المقصود ههنا بيان كون العبد فاعلًا مُنفعِلًا، والفرق في هذا الباب
стр. 489
بين فَعَلَ وأفْعَلَ، وأن الله سبحانه أفْعَلَ، والعبد فَعَلَ، فهو الذي أقام العبد وأضله وأماته، والعبد هو الذي قام وضَلّ ومات.
وأما قولكم: إن معنى أنطقه وأضحكه وأبكاه: جَعَل له آلة ينطق بها ويضحك ويبكي؛ فإعطاؤه الآلة وحدها لا يكفي في صدق الفعل بأنه أنطقه وأضحكه، فلو أن رجلًا صمت يومًا كاملًا، فحلف حالف أن الله أنطقه؛ لكان كاذبًا حانثًا، ولو دعوت كافرَيْن إلى الإسلام، فنطق أحدهما بكلمة الشهادة، وسكت الآخر؛ لم يقل أحد قطّ: إن الله قد أنطق الساكت كما أنطق المتكلم، وكلاهما قد أُعْطِي آلة النطق، ومتعلَّق الأمر والنهي والثواب والعقاب: الفعل لا الإفعال.
فإن قيل: هل تطردون هذا في جميع أفعال العبد من كفره وزناه وسرقته، فتقولون: إن الله أفعله، وهو الذي فعل، أم تخصون ذلك ببعض الأفعال، فيظهر تناقضكم؟
قيل: ههنا أمران: أمر لغوي، وأمر معنوي، فأما اللغوي: فإن ذلك لا يطّرد في لغة العرب، لا يقولون: أزنى الله الرجل، وأسرقه وأشربه وأقتله؛ إذا جعله يزني ويسرق ويشرب ويقتل، وإن كان في لغتها: أقامه وأقعده وأنطقه وأضحكه وأبكاه وأضله، وقد يأتي هذا مضاعَفًا كفهَّمه وعلَّمه وسيَّره.
قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، فالتفهيم منه سبحانه، والفهم من نبيه سليمان، وكذلك قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]، فالتعليم منه سبحانه، وكذلك التسيير، والسير والتعلّم من العبد.
فهذا المعنى ثابت في جميع الأفعال، فهو سبحانه هو الذي جعل
стр. 490
العبد فاعلًا، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئمَّةٌ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]، فهو الذي جعل أئمة الهدى يهدون بأمره، وجعل أئمة الضلال والبدع يدعون إلى النار، فامتناع إطلاق: أكلَمه فتكلّم؛ لا يمنع من إطلاق: أنطَقه فنطَق، وكذلك امتناع إطلاق: أهداه بأمره، وأدعاه إلى النار؛ لا يمنع من إطلاق: جعله يهدي بأمره، ويدعو إلى النار.
فإن قيل: ومع ذلك كله هل تقولون: إن الله سبحانه هو الذي جعل الزانيين يزنيان، وهو الذي جمع بينهما على الفعل، وساق أحدهما إلى صاحبه؟
قيل: أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجملة التي تشتمل على حق وباطل، فيطلقها من يريد حقّها، فينكرها عليه من يريد باطلها (١)، فيرد عليه من يريد حقّها.
وهذا باب إذا تأمّله الذكي الفطن رأى منه عجائب، وخلّصه من ورطات تورّط فيها أكثر الطوائف.
فالجَعْل المضاف إلى الله سبحانه يراد به: الجَعْل الذي يحبّه ويرضاه، والجَعْل الذي قدّره وقضاه، قال الله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، فهذا نفي لجَعْله الشرعي الديني، أي: ما شَرَع ذلك ولا أَمَر به، ولا أحبّه ورضيه.
стр. 491
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]، فهذا جَعْل كوني قدري، أي: قدّرنا ذلك وقضيناه، وجَعْل العبدِ إمامًا يدعو إلى النار أبلغ من جَعْله يزني ويسرق ويقتل.
وجَعْله أيضًا كذلك لفظ مجمل يراد به: أنه جبره على ذلك، وأكرهه عليه، واضطره إليه، وهذا محال في حق الربّ تعالى، وكمالُهُ المقدّس يأبى ذلك، وصفاتُ كماله تمنع منه كما تقدم. ويراد به: أنه مكّنه من ذلك، وأقدره عليه من غير أن يضطره إليه، ولا أكرهه، ولا أجبره؛ فهذا حق.
فإن قيل: هذا كله عدول عن المقصود، فمَن أحدث معصيته (١)، وأوجدها وأبرزها من العدم إلى الوجود؟
قيل: الفاعل لها هو الذي أوجدها وأحدثها، وأبرزها من العدم إلى الوجود بإقدار الله له على ذلك، وتمكينه منه من غير إلجاء له، ولا اضطرار منه له إلى فعلها.
فإن قيل: فمن الذي خلقها إذًا؟
قيل لكم: ومن الذي فعلها؟
فإن قلتم: الربّ تعالى هو الفاعل للفسوق والعصيان؛ أكذبكم العقل والفطرة، وكُتُب الله المنزّلة، وإجماع رسله، وإثبات حمده، وصفات كماله؛ فإنّ فعْله سبحانه كله خير، وتعالى أن يفعل شرًّا بوجه من الوجوه، فالشر ليس إليه (٢)، والخير هو الذي إليه، فلا يفعل إلا خيرًا، ولا يريد إلا خيرًا، ولا
стр. 492
يشاء إلا خيرًا، ولو شاء لفعل غير ذلك، ولكنه تعالى منزّه عن فعل ما لا ينبغي وإرادته ومشيئته، كما هو منزّه عن الوصف به، والتسمية باسمه (١).
وإن قلتم: العبد هو الذي فعلها بما خلق فيه من الإرادة والمشيئة (٢).
قيل: فالله سبحانه خالق أفعال العباد كلها بهذا الاعتبار.
ولو سلك الجبري مع القدري هذا المسلك لاستراح معه وأراحه، وكذلك القدري معه، ولكن انحرف الفريقان عن سواء السبيل.
سارت مُشرِّقة وسرتُ مغرّبًا ... شتّان بين مُشرِّق ومُغرِّب (٣)
فإن قيل: فهل يمكنه الامتناع منها، وقد خُلِقت فيه نفسُها أو أسبابُها الموجِبة لها، وخَلْق السبب الموجِب خَلْق لمُسبَّبه وموجَبه؟
قيل: هذا السؤال يورد على وجهين:
أحدهما: أن يراد به أنه يصير مضطرًّا إليها، مُلْجَأً إلى فعلها بخَلْقها أو خَلْق أسبابها فيه، بحيث لا يبقى له اختيار في نفسه ولا إرادة، وتبقى حركته
стр. 493
قسرية لا إرادية.
والثاني: أنه هل لاختياره وإرادته وقدرته تأثير فيها، أو التأثير لقدرة الربِّ ومشيئته فقط، وذلك هو السبب الموجِب للفعل؟
فإن أوردتموه على الوجه الأول فجوابه: أنه يمكنه أن يفعل، وأن لا يفعل، ولا يصير مضطرًّا مُلْجَأً بخَلْقها فيه، ولا بخَلْق أسبابها ودواعيها؛ فإنها إنما خُلِقت فيه على وجه يمكنه فعلها وتركها، فلو لم يمكنه الترك لزم اجتماع النقيضين، وأن يكون مريدًا غير مريد، فاعلًا غير فاعل، مُلْجَأً غير مُلْجَأ.
وإن أوردتموه على الوجه الثاني فجوابه: أن لإرادته واختياره وقدرته أثرًا فيها، وهي السبب الذي خلقها الله به في العبد، فقولكم: "إنه لا يمكنه الترك" مع الاعتراف بكونه متمكّنًا من الفعل= جمع بين النقيضين؛ فإنه إذا تمكّن من الفعل كان الفعل اختياريًّا: إن شاء فعله، وإن شاء لم يفعله، فكيف يصح أن يقال: لا يمكنه ترك الفعل الاختياري الممكِن، هذا خُلْف من القول، وحقيقة الأمر أنه يمكنه الترك لو أراده، لكنه لا يريده، فصار لازمًا بالإرادة الجازمة.
فإن قيل: فهذا يكفي في كونه مجبورًا عليه.
قيل: بل هذا من أدلّ شيء على بطلان الجَبْر؛ فإنه إنما لزم بإرادته المنافية للجبر، ولو كان وجوب الفعل بالإرادة يقتضي الجَبْر لكان الربُّ تعالى وتقدّس مجبورًا على أفعاله؛ لوجوبها بإرادته ومشيئته، وذلك محال.
فإن قيل: الفرق أن إرادة الربّ تعالى من نفسه، لم يَجْعلْهُ غيرُهُ مريدًا،
стр. 494
والعبد إرادته من ربّه، إذ هي مخلوقة له، فإنه هو الذي جعله مريدًا.
قيل: هذا موضع اضطرب فيه الناس، فسلكت فيه القدرية واديًا، وسلكت الجبرية واديًا.
فقالت القدرية: العبد هو الذي يُحدِث إرادته، وليست مخلوقة لله، والله مكّنه من إحداث إرادته بأن خلقه كذلك.
وقالت الجبرية: بل الله تعالى هو الذي يُحدِث إرادات العبد شيئًا بعد شيء، وإحداث الإرادات فيه كإحداث لونه وطوله وقصره وسواده وبياضه، مما لا صنع له فيه البتّة، فلو أراد أن لا يريد لمَا أمكنه ذلك، وكان كما لو أراد أن يكون طوله وقصره ولونه على غير ما هو عليه، فهو مضطر إلى الإرادة، وكل إرادة من إراداته فهي متوقفة على مشيئة الربّ تعالى لها بخصوصها، فهي مرادة له سبحانه، كما هي معلومة مقدورة، فلزمهم القول بالجبر من هذه الجهة، ومن جهة نفيهم (١) أن يكون لإرادة العبد وقدرته أثر في الفعل.
فإن قيل: فأي وادٍ تسلكونه غير هذين الواديين، وأي طريق تمرون فيها (٢) سوى هذين الطريقين؟
قيل: نعم، ههنا طريق ثالثة لم يسلكها الفريقان، ولم تهتدِ إليها الطائفتان، ولو حكّمتْ كل طائفة ما معها من الحق، والتزمت لوازمه وطردته؛ لساقها إلى هذه الطريق، ولأوقعها على المحجّة المستقيمة.
فنقول وبالله التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة
стр. 495
إلا بالله:
العبد بجملته مخلوق لله جسمه وروحه وصفاته وأفعاله وأحواله، فهو مخلوق من جميع الوجوه، وخُلِق على نشأة وصفة يتمكّن بها من إحداث إراداته وأفعاله، وتلك النشأة بمشيئة الله وقدرته وتكوينه، فهو الذي خلقه وكوّنه كذلك، وهو لم يجعل نفسه كذلك، بل خالقه وبارئه جعله مُحدِثًا لإراداته وأفعاله، وبذلك أمره ونهاه، وأقام عليه حجته، وعرَّضه للثواب والعقاب، فأمَرَه بما هو متمكّن من إحداثه، ونهاه عما هو متمكّن من تركه، ورتّب ثوابه وعقابه على هذه الأفعال والتروك التي مكّنه منها، وأقدره عليها، وناطها به، وفطر خلقه على مدحه وذمّه عليها، مؤمنهم وكافرهم، المقرّ بالشرائع منهم والجاحد بها، فكان مريدًا شائيًا بمشيئة الله له، ولولا مشيئة الله أن يكون شائيًا لكان أعجز وأضعف من أن يجعل نفسه شائيًا (١).
فالربُّ تعالى أعطاه مشيئة وقدرة وإرادة، وعَرَّفه ما ينفعه وما يضره، وأمره أن يجري مشيئته وإرادته وقدرته في الطريق التي يصل بها إلى غاية صلاحه، فأجراها في طريق هلاكه، بمنزلة من أعطى عبده فرسًا يركبها، وأوقفه على طريقي نجاة وهلكة، وقال: أَجْرِها في هذه الطريق. فعدل بها إلى الطريق الأخرى، وأجراها فيها، فغلبته بقوة رأسها، وشدة سيرها، وعزّ عليه ردّها عن جهة جريها، وحيل بينه وبين إدارتها إلى ورائها، مع اختيارها وإرادتها.
فلو قلت: كان ردّها عن طريقها ممكنًا له مقدورًا؛ أصبت.